Advertisement

السيرة النبوية دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة 005



الكتاب : السيرة النبوية - دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة
علي الصلابي
( دروس وعبر ) ومع فداحة جرمهما فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عفا عنهما وقبل غدرهما، وهذا مثال عالٍ في الرحمة والعفو والتسامح ولقد كفّر ابوسفيان بن الحارث عن أشعاره السابقة بهذه القصيدة البليغة التي قالها في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيان اهتدائه به، ولقد حسن إسلامه وكان له موقف مشرف في الجهاد مع رسول الله في معركة حنين(1).
3- النزول بمر الظهران وإسلام أبي سفيان بن حرب سيد قريش:
وتابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيره حتى أتى مر الظهران(2)، فنزل فيه عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله على الحرس عمر بن الخطاب(3).
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (7/182).
(2) مر الظهران: واد من أودية الحجاز شمال مكة بـ 22 كلم.
(3) انظر: معين السيرة، ص387؛ الطبقات لابن سعد (2/135).
(8/223)

قال العباس: فقلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش الى آخر الدهر، وركب بغلة رسول الله وخرج يلتمس من يوصل الخبر الى مكة ليخرجوا الى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، وكان أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء خرجوا يلتمسون الأخبار، فلما رأوا النيران قال ابو سفيان: مارأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً، فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها(1) الحرب، فقال: ابو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها......وسمع العباس أصواتهم فعرفهم فقال: ياأبا حنظلة، فقال ابو الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك، فداك ابي وأمي، قال العباس قلت: ويحك ياأبا سفيان ، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس واصباح قريش والله، قال فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذ البغلة حتى أتي بك رسول الله فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به، كما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمدلله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودخل عليه عمر فقال: يارسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال قلت: يارسول الله إني قد أجرته...فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً ياعمر، فوالله أن لو كان من بني عدي ماقلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلاً ياعباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم. ومابي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان
__________
(1) حمشتها الحرب: احرقتها.
(8/224)

أحب الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إذهب به ياعباس الى رحلك فإذا أصبحت فاتني به فلما أصبح غدوت به فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ويحك ياأبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ماأحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني بعد، قال: ويحك ياأبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ماأحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً. فقال له العباس:ويحك أسلم قبل أن نضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم قال العباس: قلت يارسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فأجعل له شيئاً، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ياعباس: احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها. قال فخرجت حتى حبسته حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال ياعباس من هذا؟ فأقول: سُليم؟ فيقول : مالي ولسُليم، ثم تمر به القبيلة ، فيقول: ياعباس من هؤلاء؟ فأقول مزينة فيقول مالي ولمزينة...حتى مر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال سبحان الله ياعباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار، قال: مالأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: والله ياأبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً قال: قلت: ياأبا سفيان: إنها النبوة، قال: فنعم إذن، قال: قلت: النجاء الى قومك(1).
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص518،519، 520.
(8/225)

إن في هذه القصة دروس وعبر وحكم في كيفية معاملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنفوس البشرية ومن أهم هذه الدروس:
1- عندما أصبح أبو سفيان رهينة بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم به عمر، وأجاره العباس، ثم جاء في صبيحة اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت المفاجأة الصاعقة له بدل التوبيخ والتهديد والإذلال أن يدعى الى الاسلام، فتأثر بهذا الموقف وأهتز كيانه فلم يملك أن يقول: بأبي أنت وأمي يامحمد، ماأحلمك وأكرمك وأوصلك. إنه يفدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبيه وأمه، ويثني عليه الخير كله: ماأحلمك وأكرمك وأوصلك(1)، وعندما قال العباس للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فأجعل له شيئاً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم، من دخل دار ابي سفيان فهو آمن....ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئاً يشبع ماتتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الاسلام وتقوية لإيمانه(2)، وكان هذا الاسلوب النبوي الكريم عاملا ًعلى امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش، لن تنتقص شيئاً في الاسلام إن هو أخلص له وبذل في سبيله(3) وهذا منهج نبوي كريم على العلماء والدعاة الى الله أن يستوعبوه ويعملوا به في تعاملهم مع الناس.
__________
(1) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان، ص564.
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/403).
(3) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد رواس، ص245.
(8/226)

2- وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس عن أبي سفيان: أحبسه بمضيق الوادي، حتى تمر به جنود الله فيراها(1)، ففعل العباس وكان - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يشن حرباً نفسية للتأثير على معنويات قريش حتى يتسنى له القضاء على روح المقاومة عند زعيم مكة، وحتى يرى ابو سفيان بعينيَّ رأسه مدى قوة ماوصل إليه الجيش الاسلامي من تسليح وتنظيم وحسن طاعة وانضباط وبذلك تتحطم أي فكرة في نفوس المكيين يمكن أن تحملهم على مقاومة هذا الجيش المبارك إذا دخل مكة لتحريرها من براثن الشرك والوثنية(2)، وبالفعل تم مارسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدرك أبو سفيان قوة المسلمين وأنه لاقبل لقريش بهم حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار قال ابو سفيان: سبحان الله! ياعباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار. قال: مالأحد بهؤلاء قِبلُ ولا طاقة، والله ياأبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قال: قلت: ياأبا سفيان، إنها النبوة قال: فنعم إذا.......)(3).
إنها النبوة تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس، حتى تصبح الردَّ الباقي الى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة، أو إحياء قومية أو عصبية وهي كلمة جاءت عنواناً لحياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أولها الى آخرها، فقد كانت ساعات عمره ومراحلها كلها دليلاً ناطقاً على أنه بعث لتبيلغ رسالة الله الى الناس، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض(4).
__________
(1) انظر: سيرة ابن هشام (4/52).
(2) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص447.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/52).
(4) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص275.
(8/227)

لقد تعمد النبي - صلى الله عليه وسلم - شن الحرب النفسية على أعدائه أثناء سيره لفتح مكة حيث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإيقاد النيران فأوقدوا عشرة آلاف نار في ليلة واحدة حتى ملأت الأفق فكان لمعسكرهم منظر مهيب كادت تنخلع قلوب القريشيين من شدة هوله(1) وقد قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك تحطيم نفسيات أعدائه والقضاء على معنوياتهم حتى لايفكروا في أية مقاومة، وإجبارهم على الاستسلام لكي يتم له تحقيق هدفه دون إراقة دماء، وبتطبيق هذا الأسلوب تم له - صلى الله عليه وسلم - ماأراد ولقد كان إهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعنويات المقاتل ونفسيته سبقاً عسكرياً بدليل أن المدارس العسكرية التي جاءت فيما بعد جعلت هذا الأمر موضع العناية والاهتمام من الناحية العسكرية(2).

المبحث الثاني
خطة النبي صلى الله عليه وسلم لدخول مكة وفتحها

أولاً: توزيع المهام بين قادة الصحابة:
عندما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - الى ذي طوى(3) وزع المهام، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة(4)، وبطن الوادي، فقال: ياأبا هريرة ادع لي الأنصار فدعاهم فجاؤوا يهرولون، فقال: يامعشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش قالوا: نعم. قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً وأحض بيده ووضع يمينه على شماله وقال موعدكم الصفا(5).
__________
(1) انظر: الطبقات لابن سعد (2/135).
(2) انظر: العبقرية العسكرية وغزوات الرسول، اللواء محمد فرج، ص565.
(3) انظر: معين السيرة ، ص389.
(4) البياذقة: الرجالة.
(5) مسلم، باب فتح مكة.
(8/228)

وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأمره أن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت ، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم أن يكفوا أيدهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم(1)، وبهذا كانت المسؤوليات واضحة، وكل قد عرف ماأسند إليه من مهام والطريق الذي ينبغي أن يسير فيه(2).
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص390.
(2) انظر: معين السيرة، ص390.
(8/229)

ودخلت قوات المسلمين مكة من جهاتها الأربعة في آن واحد ولم تلق تلك القوات مقاومة وكان في دخول جيش المسلمين من الجهات الأربعة ضربة قاضية لفلول المشركين حيث عجزت عن التجمع وضاعت منها فرصة المقاومة، وهذا من التدابير الحربية الحكيمة التي لجأ إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما أصبح في مركز القوة في العدد والعتاد، ونجحت خطة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يستطع المشركون المقاومة ولا الصمود أمام الجيش الزاحف الى أم القرى، فاحتل كل فيلق منطقته التي وجه إليها، في سلم واستسلام؛ إلا ماكان من المنطقة التي توجه إليها خالد(1)، فقد تجمع متطرفو قريش ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم، مع بعض حلفائهم في مكان اسمه (الخندمة) وتصدوا للقوات المتقدمة بالسهام وصمموا على القتال؛ فأصدر خالد بن الوليد أوامره بالانقضاض عليهم وماهي إلا لحظات حتى قضى على تلك القوة الضعيفة وشتت شمل أفرادها، وبذلك أكمل الجيش السيطرة على مكة المكرمة(2)، وقد حدثتنا كتب السيرة والتاريخ عن قصة حماس بن خالد من قبيلة بني بكر، فقد أعد سلاحاً لمقاتلة المسلمين وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله: لماذا تعدُّ ماأرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، وقالت امرأته له يوماً: والله ماأرى أنه يقوم لمحمد وصحبه شيء! فقال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم...ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالي عِلة
... ... ... هذا سلاح كامل وألَّة(3)
وذو غرارين سريع السلة
فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئاً من قتال مع رجال عكرمة ثم أحس بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد، فخرج منهزماً حتى بلغ بيته فقال لامرأته: أغلقي عليّ الباب....
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص397.
(2) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، ص122،123.
(3) ألة: حربة.
(8/230)

فقالت المرأة لفارسها المعلَم: فأين ماكنت تقول؟
فقال: يعتذر لها:
إنك لو شهدت يوم الخندمة
... ... ... إذ فرَّ صفوان وفرَّ عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة(1)
... ... ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة
... ... ... ضرباً فلا تسمع إلا غمغمة
لهم نهيت(2) خلفنا وهمهمة
... ... ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة(3)
لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجول لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات، وإراقة الدماء وكان الشعار المرفوع من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، وجعل - صلى الله عليه وسلم - لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء ويستخدمه كمفتاح أمان يفتتح أمامه الطريق الى مكة دون إراقة دماء ويشبع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها ابوسفيان حتى يتمكن الإيمان في قلبه(4).
لقد دخل ابو سفيان الى مكة مسرعاً ونادى بأعلى صوته:
يامعشر قريش، هذا محمد جاءكم فيما لاقبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميث الدسم الأحمس -تشبهه بالزق لسمنه- قبح من طليعة قوم. قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك، قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وتفرق الناس الى دورهم والى المسجد(5).
__________
(1) المؤتمة: الاسطوانة، وأبوزيد: سهيل بن عمرو.
(2) النهيت: صوت الصدر.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/295).
(4) انظر: دراسة في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص245.
(5) انظر: البداية والنهاية (4/290).
(8/231)

وحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل ال كداء التي بأعلى مكة(1) تحقيقاً لقول صاحبه الشاعر المبدع حسان بن ثابت حين هجاء قريش وأخبرهم بأن خيل الله تعالى ستدخل من كداء وتعتبر هذه القصيدة من أروع ماقال حسان حيث قال:

عدمنا خليننا أن لم تروها
... ... ... تثير النقع(2) موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات
... ... ... على أكتفاها الأسل والظلماء
تظل جيادنا متمطرات
... ... ... يلطمهن بالخمر النساء
فأما تعرضوا عنا اعتمرنا
... ... ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد اليوم
... ... ... يعز(3) الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا
... ... ... وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبداً
... ... ... يقول الحق إن نصنع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه
... ... ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد سيرت جنداً
... ... ... هم الأنصار عرصتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد
... ... ... سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا
... ... ... ونضرب حين تختلط الدماء
ألا بلغ ابا سفيان عني
... ... ... مغلغلةٍ(4) فقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبداً
... ... ... وعبدالدار سادتها الاماء
هجوت محمداً فأجبت عنه
... ... ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء
... ... ... فشركما لخير كما الفداء
هجوت مباركاً براً حنيفاً
... ... ... أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم
... ... ... ويحمده وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي
... ... ... لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه
... ... ... وبحري لاتكدره الدلاء(5)
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص524.
(2) النقع: موضع قرب مكة أو الغبار.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/309).
(4) مغلغلة: رسالة محمولة من بلد الى بلد.
(5) انظر: البداية والنهاية (4/309).
(8/232)

ومما يؤيد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على دخوله من كداء ماجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر(1)، فتبسم الى أبي بكر فقال: ياأبا بكر كيف قال حسان، فأنشده قوله:
تظل جيادنا مُتمَطَرِّات
... ... ... تلطمهن بالخمر النساء(2)
ثانياً: دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعال:
دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام(3)، وهو واضع رأسه تواضعاً لله، حين رأى ماأكرمه الله به من الفتح، حتى أن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح(4)، مستشعراً بنعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز(5)، وعندما دخل مكة فاتحاً -وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي- رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد(6)، وهو ابن مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم وأبناء أشراف قريش وهم كثير، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمان من الهجرة(7).
يقول محمد الغزالي في وصف دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكة:
__________
(1) الخمر جمع خِمار، مأخوذ من الخَمر وهو الستر وهو ماتستتر به النساء وجوهن.
(2) انظر: مغازي الواقدي (2/831).
(3) مسلم رقم 1358.
(4) البخاري، كتاب المغازي (5/108) رقم 4281.
(5) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص396.
(6) البخاري، كتاب المغازي رقم 4289.
(7) انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص337.
(8/233)

على حين كان الجيش الزاحف يتقدم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله وبدا عليه التواضع الجمّ... إن الموكب الفخم المهيب الذي ينسب به حثيثاً الى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحف به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن، إن هذا الفتح المبين ليذكره بماض طويل الفصول كيف خرج مطارداً؟ وكيف يعود اليوم منصوراً مؤيداً وأي كرامة عظمى حفّه الله بها هذا الصباح الميمون، وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعاً وانحناءً..)(1).
هذا وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح ولذلك عندما بلغه مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم نستحل الكعبة قال - صلى الله عليه وسلم -: هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة(2)، وأخذ الراية من سعد بن عبادة وسلمها لأبنه قيس بن سعد وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنىً عنها، وفي نفس الوقت لم يُثره، ولا أثار الأنصار، فهو لم يأخذ الراية من أنصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لأبنه، ومن طبيعة البشر أن لايرضى الانسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه(3).
__________
(1) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص379،380.
(2) البخاري، كتاب المغازي، باب اين ركز النبي الراية يوم الفتح (5/108) رقم 4280.
(3) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، ص196.
(8/234)

ولما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وأطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا) جاء الحق ومايبدئ الباطل ومايعيد والأصنام تتساقط على وجوهها(1)، وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذاً(2)، ورأى في الكعبة الصور والتماثيل، فأمر بالصور، وبالتماثيل فكسرت(3)، وأبى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخرجت الصور وكان فيها صورة يزعمون أنها صورة إبراهيم وإسماعيل وفي يديهما من الأزلام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قاتلهم الله لقد علموا مااستقسما بها قط......)(4).
ثم دخل البيت وكبر في نواحيه ثم صلى فقد روى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقها عليه ثم مكث فيها قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خرج ماصنع رسول الله؟ قال : جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه) وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى(5).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص339.
(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص282.
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص339.
(4) البخاري، كتاب المغازي (5/110) رقم 4288.
(5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/61،62).
(8/235)

وكان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة، قبل أن يسلم؛ فأراد علي - رضي الله عنه - أن يكون المفتاح له مع السقاية؛ لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعه الى عثمان بعد أن خرج من الكعبة ورده إليه قائلاً: اليوم يوم بر ووفاء(1)، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر الى المدينة، فأغلظ له القول ونال منه، فحلم عنه، وقال ياعثمان! لعلك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي، أضعه حيث شئت، فقال لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال: بل عمرت وعزت يومئذ، ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعاً، وظن أن الأمر سيصير الى ماقال(2)، ولقد أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح الكعبة قائلاً له: هاك مفتاحك ياعثمان اليوم يوم بر ووفاء(3)، خذوها خالدة تالدة لاينزعها منكم إلا ظالم(4) وهكذا لم يشأ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل لم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، وقد تطاول لأخذه رجال منهم، لما في ذلك من الاثارة أولاً، ولما به من مظاهر السيطرة وبسط النفوذ، وليست هذه من مهام النبوة بإطلاق......هذا مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البر والوفاء حتى للذين غدروا ومكروا، وتطاولوا(5).
هذا وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدلاً أن يصعد فوق ظهر الكعبة، فيؤذن للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حلم، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين فلا يملكون أمام دويِّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين
الله أكبر الله أكبر الله أكبر(6)
__________
(1) نفس المصدر (4/61).
(2) انظر: المغازي (2/838).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/62).
(4) انظر: المغازي (2/838).
(5) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص401.
(6) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص383.
(8/236)

ذلك الصوت الذي كان يهمس يوماً ما تحت أسواط العذاب: أحد، أحد، أحد هاهو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلاً: لا إله إلا الله محمد رسول الله والكل خاشع منصت خاضع(1).
ثالثاً: إعلان العفو العام:
1- نال أهل مكة عفواً عاماً رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، ورغم قدرة الجيش الاسلامي على إبادتهم وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم فقال: ماتظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)(2).
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الاخرى المفتوحة عنوة لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى، لذلك ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف الى أنه لايجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها فهي مناخ لمن سبق، يسكن أهلها فيما يحتاجون الى سكناه من دورها وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجاج والمعتمرين والعباد القاصدين، وذهب آخرون الى جواز بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها، وأدلتهم قوية في حين أن أدلة المانعين مرسلة وموقوفة(3).
2- إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الدماء:
الى جانب ذلك الصفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل الذي لابد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، لأنه عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله، وحق الاسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح(4).
__________
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص269.
(2) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص179.
(3) نفس المصدر ، ص180.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451)؛ تأملات في السيرة، ص262.
(8/237)

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد جمعت أسماءهم من متفرقات الأخبار، وهم: عبدالعزى بن خطل، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد -مصغراً- ومقيس بن حبابة، وهبّار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل: فرتني وقريبة، وسارة مولاة بني عبدالمطلب، وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلال الخزاعي وذكر الحاكم أن فيمن أهدر دمه كعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة(1).
ومن هؤلاء من قتل، ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعفا عنه الرسول، وحسن إسلامه(2).
3- خطبة النبي صلى الله عليه وسلم غداة الفتح وإسلام أهل مكة:
وفي غداة الفتح بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك برجل قتل في الجاهلية، فغضب وقام بين الناس خطيباً فقال: ياأيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله الى يوم القيامة، فلا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد -يقطع- فيها شجراً لم لا تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلّها لرسوله ولم يحلها لكم.
يامعشر خزاعة: ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا، فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا قُدِّم قاتله، وإن شاؤوا فعقله)(3).
__________
(1) فتح الباري (7/9).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451) وعقله: ديته.
(8/238)

كان من أثر عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - الشامل عن أهل مكة، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم أن دخل أهل مكة رجالاً ونساءً وأحراراً وموالي في دين الله طواعية واختياراً، وبدخول مكة تحت راية الاسلام دخل الناس في دين الله أفواجاً، وتمت النعمة، ووجب الشكر(1) وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس جميعاً الرجال والنساء، والكبار والصغار وبدأ بمبايعة الرجال، فقد جلس لهم على الصفا، فأخذ عليه البيعة على الاسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وجاء مجاشع بن مسعود بأخيه مجالد بعد يوم الفتح فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ذهب أهل الهجرة بما فيها، فقال على أي شيء تبايعه؟ قال: أبايعه على الاسلام والإيمان والجهاد(2).
__________
(1) نفس المصدر (2/456).
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4305 (5/114).
(8/239)

وقد روى البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية(1)، وإذا استنفرتم فانفروا، والمراد أن الهجرة التي كانت واجبة من مكة قد انتهت بفتح مكة، فقد عز الاسلام، وثبت اركانه ودعائمه، ودخل الناس فيه أفواجا، أما الهجرة من دار الكفر الى دار الاسلام، أو من بلد لايقدر أن يقيم فيه دينه ويظهر شعائره الى بلد يتمكن فيه من ذلك فهي باقية الى يوم القيامة، ولكن هذ دون تلك، فقد تكون واجبة؛ وقد تكون غير واجبة، كما أن الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع وباق الى يوم القيامة ولكنه ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل فتح مكة قال عز شأنه(2)، {وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (سورة الحديد، آية10).
ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة، على أن لايشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف، ولما قال النبي: ولا يسرقن قالت هند: يارسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني مايكفيني ويكفي بنيَّ، فهل عليّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: خذي من ماله مايكفيك وبنيك بالمعروف. ولما قال: ولا يزنين قالت هند: وهل تزني الحرة؟ ولما عرفها رسول الله قال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك.
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4309 (5/115).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/257).
(8/240)

وقد بايعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير مصافحة، فقد كان لايصافح النساء ولا يمس يد أمرأة إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لا والله، مامست يد رسول الله يد امرأة قد) وفي رواية: (ماكان يبايعهن إلا كلاماً ويقول: إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة(1).
رابعاً: بعث خالد بن الوليد الى بني جزيمة:
بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد الى بني جذيمة داعياً الى الاسلام وكان ذلك في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة(2) قبل حنين ومعه جنود من بني سليم ومدلج والانصار والمهاجرين كان تعدادهم حوالي ثلثمائة وخمسين رجلاً فلما رأى بنو جذيمة الجيش بقيادة خالد أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فقام رجل منهم يسمى: جحدراً فقال: ويلكم يابني جذيمة إنه خالد؛ والله مابعد وضع السلاح إلا الإسار، ومابعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه، فلما وضع السلاح أمر بهم خالد فكتفوا، فدعاهم الى الاسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ فيهم أسراً وقتلاً، فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك، ثم دفع الأسرى الى من كان معه، حتى إذا أصبح يوماً أمر خالد أن يقتل كل واحد أسيره، فامتثل البعض، وامتنع عبدالله بن عمر وامتنع معه آخرون من قتل أسراهم، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه، فغضب ورفع يديه الى السماء قائلاً: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد(3).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/319).
(2) انظر: السرايا والبعوث النبوية ، ص248.
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/464).
(8/241)

ودار كلام بين خالد وعبدالرحمن بن عوف حول هذا الموضوع حتى كان بينهم شر، فقد خشي ابن عوف أن يكون ماصدر عن خالد ثأراً لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته جذيمة في الجاهلية، ولعل هذا الذي وقع بينهم هو ماأشار إليه الحديث المروي عند مسلم(1) وغيره: كان بين ابن الوليد وعبدالرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبوا أحد من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ماأدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)(2). وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علياً فودى لهم قتلاهم وزادهم فيها تطييباً لنفوسهم وبراءة من دمائهم(3)، وبهذا التصرف النبوي الحكيم واسى النبي- صلى الله عليه وسلم - بني جذيمة، وازال مافي نفوسهم من أسىَّ وحزن(4)، وكان قتل خالد لبني جذيمة تأولاً منه واجتهاداً خاطئاً وذلك بدليل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقبه على فعله(5).
خامساً: هدم بيوت الأوثان:
بعد أن طهر البيت الحرام من الأوثان التي كانت فيه، كان لابد من هدم البيوت التي أقيمت للأوثان فكانت معالم للجاهلية ردحاً طويلاً من الزمن(6)، فكانت سرايا رسول الله تترى لتطهير الجزيرة منها.
1- سرية خالد بن الوليد الى العزى:
__________
(1) مسلم (4/1967-1968) رقم 2541.
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص579.
(3) في اسناده ضعف. السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص579.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/465).
(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص579.
(6) انظر: معين السيرة ، ص394.
(8/242)

توجهت سرية قوتها ثلاثين فارساً بقيادة خالد بن الوليد الى الطاغوت الأعظم منزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب (العزى) لإزالته من الوجود نهائياً وعندما وصلت السرية الى العزى بمنطقة نخلة قام إليها خالد: فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليه(1)، وهو يردد: كفرانك لا سبحانك إني رايت الله قد أهانك(2)، ثم رجع خالد وأصحابه الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - استدرك على قائد السرية وقال له هل رأيت شيئاً؟ قال: لا(3) فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً(4)، فرجع خالد وهو مغتبط حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل مافاته في المرة السابقة فهربوا الى الجبل وهو يصيحون: ياعزى خبليه، ياعزى عوريه فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فتقدم إليها خالد - رضي الله عنه - بشجاعته المعروفة وضربها بالسيف حتى قتلها ثم رجع الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك فقال: تلك هي العزى(5).
2- سرية سعد بن زيد الأشهلي الى مَناة:
__________
(1) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص282.
(2) نفس المصدر، ص282.
(3) انظر: المغازي (2/874).
(4) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص282.
(5) نفس المصدر، ص283.
(8/243)

مناة أسم صنم كانت على ساحل البحر الأحمر مما يلي قديداً(1) في منطقة تعرف بالمشلل(2) وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم يعبدونها ويعظمونها في الجاهلية ويهلون منها للحج، وقد بلغ من تعظيمهم إياها أنهم كانوا لايطوفون بين الصفا والمروة تحرجاً وتعظيماً لها حيث كان (ذلك سنة في آبائهم من آحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة(3) ولم تزل هذه عادتهم حتى أسلموا (فلما قدموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - للحج ذكروا ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية(4)، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة، الآية 158).
وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الشرك في الجزيرة العربية ومبتدع الأوثان محرف الحنفية دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي الخزاعي(5)، فلما فتح الله على المسلمين مكة بعث رسول الله الى مناة رجلاً من أهلها سابقاً الذين كانوا يعظمونها في الجاهلية وهو سعد بن زيد الأشهلي - رضي الله عنه - على رأس سرية قوتها عشرون فارساً وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائياً(6).
انطلق زيد ومن معه في مسير اقترابي سريع لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها فقابله سادنها متسائلاً: ماتريد قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها(7).
__________
(1) مابين مكة والمدينة.
(2) المشلل من قديد وبالمشلل كانت مناة.
(3) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص286.
(4) شرح النووي على مسلم (9/22).
(5) انظر: السرايا والبعوث النبوية ، ص287.
(6) نفس المصدر، ص287.
(7) انظر: الطبقات (2/146).
(8/244)

فصاح بها السادن صيحة الواثق: مناة دونك بعض عصاتك(1) ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد - رضي الله عنه - بكل ذلك وضربها ضربة قاتلة قضت عليها ثم أقبل مع أصحابه على الصنم (فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئاً، وانصرف راجعاً الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(2).
3- سرية عمرو بن العاص الى سواع:
قال تعالى مخبراً عن قوم نوح: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (سورة نوح، آية 23).
__________
(1) نفس المصدر(2/146).
(2) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص288. قال مؤلف الكتاب الدكتور بريكك العمري الخبر ضعيف من الناحية الحديثية ويمكن الاستئناس به تاريخياً حيث ذكر أهل المغازي أن رسول الله أرسل بعض السرايا لتحطيم الأصنام في الجزيرة العربية ولايمكن استثناء مناة من ذلك لكونها أحد أكبر الطواغيت في الجزيرة. ولقد اعتمدت في دراسة السرايا والبعوث على هذه الرسالة العلمية التي أشرف عليها الدكتور أكرم العمري.
(8/245)

وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنم كان لقوم نوح عليه السلام ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية(1)، وظل هذا الوثن منصوباً تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه(2)، حتى فتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخلت في دين الله أفواجا، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لتحطيم سواع، ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: (فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ماتريد؟ قلت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهدمه، قال: لاتقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تُمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك هل يسمع أو يبصر، قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئاً ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله(3).
ونستفيد من حركة السرايا التي أرسلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقضاء على الأصنام والأوثان أنه لايجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله والاحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لايجوز منها إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى أو أعظم شركاً عندها وبها(4).

المبحث الثالث
دروس وعبر وفوائد

أولاً: تفسير سورة النصر وكونها علامة على أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص292.
(2) انظر: سبل الرشاد للشامي (6/303).
(3) انظر: مغازي الواقدي (2/870).
(4) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص302.
(8/246)

قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قوله: سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه. قالت: فقلت: يارسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ صدق الله العظيم وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا صدق الله العظيم فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا صدق الله العظيم } (سورة النصر)(1).
قال القرطبي: وذلك لما فتحت مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان (أي طاقة) فكانوا يسلمون أفواجاً أمة أمة(2) وكان عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممرّ الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ماللناس؟ ماللناس؟ ماهذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن الله أرسله أوحي إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه. فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق؛ فلما كانت وقعة أهل مكة بادر كل قوم بإسلامهم.
وهذه السورة تسمى سورة التوديع حيث جاءت مخبرة بقرب أجل المصطفى - صلى الله عليه وسلم -(3)، فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكان بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر إنه من حيث علمتم فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ماتقولون في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}.
__________
(1) مسلم، كتاب الصلاة، باب مايقال في الركوع والسجود (1/351).
(2) انظر: تفسير القرطبي (20/230).
(3) انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (2/572).
(8/247)

فقال بعضهم: أمرنا نحمد لله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً فقال لي: أكذاك تقول ياابن عباس؟ فقلت: لا، قال فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له، قال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} -وذلك علامة أجلك- {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا صدق الله العظيم } فقال عمر: ماأعلم منها إلا ماتقول(1)..
ويقول سيد قطب في بيان بعض مايستفاد من هذه السور: في مطلع السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص، عن حقيقة مايجري في هذا الكون من أحداث، ومايقع في هذه الحياة من حوادث، وعن دور الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ودور المؤمنين في هذه الدعوة، وحدّهم الذين ينتهون إليه في هذ الأمر... هذا الإيحاء يتمثل في قوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ....} فهو نصر يجيء به الله: في الوقت المناسب الذي يقدره في الصورة التي يريدها، للغاية التي يرسمها وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء وليس لهم في هذا النصر يد، وليس لأصحابه فيه كسب، وليس لذواتهم منه نصيب، وليس لنفوسهم منه حظ، إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم، وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حراساً، ويجعلهم عليه أمناء.... هذا هو كل حظهم من النصر والفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجاً(2).
وهذا معنى إيماني عميق حرص القرآن على تثبيته في نفوس المؤمنين ألا وهو أن التمكين بيد الله تعالى فهو الذي يختار الزمان والمكان والأشخاص الذين يريد أن يجري على أيديهم نصره وفتحه سبحانه وتعالى وهو كرم وفضل من الله محض خص به الصادقين من عباده.
ثانياً: مواقف دعوية وقدرة رفيعة في التعامل مع النفوس:
1- إسلام سهيل بن عمرو:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4294.
(2) في ظلال القرآن (6/3996).
(8/248)

قال سهيل بن عمرو: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وظهر، انقحمت(1) بيتي وأغلقت عليّ بابي، وأرسلت الى ابني عبدالله بن سهيل أن اطلب لي جواراً من محمد، وإني لا آمن من أن أقتل. وجعلت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه فليس أحد أسوأ أثراً مني، وإني لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية بما لم يلحقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدراً وأحداً، وكلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبدالله بن سهيل الى رسول الله فقال: يارسول الله تؤمنه؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر! ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حوله: من لقي سهيلاً بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج فلعمري إن سهيلاً له عقل وشرف ومامثل سهيل جهل الاسلام، ولقد رأى ماكان يُوضع فيه أنه لم يكن له بنافع! فخرج عبدالله الى أبيه، فقال سُهيل: كان والله بَراً، صغيراً وكبيراً! فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج الى حنين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على شركه حتى أسلم بالجعرّانة(2).
لقد كانت لهذه الكلمات التربوية الأثر الكبير على سهيل بن عمرو حيث أثنى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبر طوال عمره، ثم دخل في الاسلام بعد ذلك، وقد حسن إسلامه وكان مكثراً من الأعمال الصالحة(3)، يقول الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته الى الشام مجاهداً، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن، وكان أميراً على كردوس(4) يوم اليرموك(5).
2- إسلام صفوان بن أمية:
__________
(1) أي رميت بنفسي.
(2) انظر: مغازي الواقدي (2/846-847)؛ المستدرك للحاكم (3/381).
(3) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (7/216،217).
(4) كردوس: فرقة كبيرة.
(5) انظر: سيرة أعلام النبلاء (2/195).
(8/249)

قال عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه -: ......وأما صفوان بن أمية فهرب حتى أتى الشُّعَيبة(1). وجعل يقول لغلامه يسار وليس معه غيره: وَيْحك انظر من ترىّ قال: هذا عمير بن وهب. قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ماجاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمد عليّ. فلحقه فقال: ياعمير، ماكفاك ماصنعت بي؟ حمّلتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي! قال: أبا وهب جُعلتُ فداك! جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عُمير قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يارسول الله، سيد قومي خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تُؤمِّنه فداك أبي وأمي! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد أمنته، فخرج في أثره فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمنك. فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، جئت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته فقال: لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذ عمامتي.
__________
(1) الشعيبة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز وهو كان مرفأ مكة ومرس سفنها قبل جدة. معجم البلدان (5/276).
(8/250)

قال: فرجع عمير إليه بها، وهو البرد الذي دخل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ مُعتجراً(1) به، بُرد حَبَرة(2). فخرج عمير في طلبه الثانيةن حتى جاء بالبُرد فقال: أبا وهب جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، مَجْده مَجْدك، وعزه عزك، ومُلكه مُلكك ابن أمك وأبيك. أذكر الله في نفسك. قال له: أخاف أن أقتل. قال: قد دعاك الى أن تدخل في الاسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم وقد بعث إليك بُبْرده الذي دخل فيه معتجراً، تعرفه؟ قال: نعم. فأخرجه، فقال: نعم، هو هو! فرجع صفوان حتى انتهى الى رسول الله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلي بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا. فقال صفوان: كم تُصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات، قال: يُصلى بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلّم صاح صفوان: يامحمد، إن عمير بن وهب جاءني بُبردك، وزعم أنك دعوتني الى القدوم عليك. فإن رضيت أمراً وإلا سيرتني شهرين. قال: انزل أبا وهب. قال: لا والله ، حتى تبين لي قال: بل تُسيَّر أربعة أشهر، فنزل صفوان.
__________
(1) الاعتجاز بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه. (النهاية 3/69).
(2) الحبرة: ضرب من ثياب اليمن.
(8/251)

وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل هوازن، وخرج معه صفوان وهو كافر، وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه مائة درع بأداتها، فقال: طوعاً أو كرهاً؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :عارية مُؤَداة، فأعاره، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحملها الى حنين، فشهد حنُيناً، والطائف ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى الجعرانة، فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر الى شعْب مُلئ نَعَماَ وشاءً ورعاءً فأدام إليه النظرن ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمقه فقال: أبا وهب ، يعجبك هذا الشِّعب؟ قال: نعم. قال: هو لك ومافيه. فقال صفوان عند ذلك: ماطابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وأسلم مكانه(1).
ونلاحظ في هذا الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاول أن يتألف صفوان بن أمية الى الاسلام حتى أسلم، وذلك بإعطائه الأمان ثم بتخييره في الأمر أربعة أشهر، ثم بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لاتصدر من إنسان عادي، فأعطاه أولاً مائة من الأبل مع عدد من زعماء مكة ثم أعطاه مافي أحد الشعاب من الأبل والغنم فقال: ماطابت نفس أحد بهذا إلا نفس نبي ثم أسلم مكانه(2)، وقد وصف لنا صفوان بن أمية عطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: والله لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماأعطاني وإنه لابغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ)(3).
3- إسلام عكرمة بن أبي جهل:
__________
(1) انظر: مغازي الواقدي (2/853-855).
(2) انظر: التاريخ الاسلامي (7/220).
(3) مسلم، كتاب الفضائل رقم 2313، ص1806.
(8/252)

قال عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه - قالت أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل: يارسول الله، قد هرب عكرمة منك الى اليمن، وخاف أن تقتله فأمَّنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو آمن، فخرجت أم حكيم في طلبه ومعها غلام لها روميّ، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت على حَيِّ من عَكّ(1)، فاستغثتهم عليه فأوثقوه رباطاً، وأدركت عكرمة وقد انتهى الى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر، فجعل نُوتيُّ السفينة يقول له: أخلص! فقال: أي شيء أقول: قال: قل لا إله إلا الله. قال عكرمة: ماهربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلح عليه وتقول: ياابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تُهلك نفسك. فوقف لها حتى أدركته فقالت: إني قد أستأمنت لك محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنَّك فرجع معها وقال: مالقيت من غلامك الرومي؟ فخبرته خبره فقتله عكرمة، وهو يؤمئذ لم يُسلم، فلما دنا من مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: يأتيكم عكرمة بن ابي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تَسُبّوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولايبلغ الميت.
__________
(1) عك: مخلاف من مخاليف مكة التهامية. معجم ما استعجم، ص223.
(8/253)

قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يُجامعها، فتأبى عليه وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة. فيقول: إن أمراً منعك مني لأمر كبير، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عكرمة وثب إليه -وماعلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رداء- فرحاً بعكرمة، ثم جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقف بين يديه، وزوجته مُتنقبة، فقال: يامحمد إن هذه أخبرتني أنك أمَّنتني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صدقت، فأنت آمن! فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يامحمد؟ قال: أدعوك الى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة -وتفعل، وتفعل، حتى عدّ خصال الاسلام. فقال عكرمة: والله مادعوت إلا الى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو الى مادعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً وأبرُّنا برّا. ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فسُرّ بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يارسول الله علمني خيرَ شيء أقوله. قال: تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله. قال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقول أشهد الله وأشهد من حضر أني مسلم مهاجر ومجاهد. فقال عكرمة ذلك.
(8/254)

فقال رسول الله: لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتكه، فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو وأنت غائب عنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم أغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له مانال منِّي من عرض، في جهي أو أنا غائب عنه! فقال عكرمة: رضيت يارسول الله، لاأدع نفقة كنت أنفقها في صدّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدِّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل لله ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيداً(1).
وبعد أن أسلم رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأته له بذلك النكاح الأول(2).
__________
(1) يعني يوم اليرموك.
(2) انظر: مغازي الواقدي (2/851-853).
(8/255)

كان سلوك النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع عكرمة لطيفاً حانياً يكفي وحده لاجتذابه الى الاسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه، وابتسم له ورحب به وفي رواية قال له: مرحباً بالراكب المهاجر(1)، فتأثر عكرمة من ذلك الموقف فاهتزت مشاعره وتحركت أحاسيسه، فأسلم، كما كان لموقف أم حكيم بنت الحارث بن هشام أثر في إسلام زوجها، فقد أخذت له الأمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغامرت بنفسها تبحث عنه لعل الله يهديه الى الاسلام كما هداها إليه، وعندما أرادها زوجها امتنعت عنه وعللت ذلك بأنه كافر وهي مسلمة، فعظم الاسلام في عينه وأدرك أنه أمام دين عظيم وهكذا خطت أم حكيم في فكر عكرمة بداية التفكير في الاسلام ثم تُوّج بإسلامه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان صادقاً في إسلامه فلم يطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دنياً وإنما سأله أن يغفر الله تعالى له من كل ماوقع فيه من ذنوب ماضيه، ثم أقسم أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يحمل نفسه على الإنفاق في سبيل الله تعالى بضعف ماكان ينفق في الجاهلية، وأن يُبليَ في الجهاد في سبيل الله بضعف ماكان يبذله في الجاهلية ولقد بر بوعده فكان من أشجع المجاهدين والقادة في سبيل الله تعالى في حروب الردة ثم في فتوح الشام حتى وقع شهيداً في معركة اليرموك بعد أن بذل نفسه وماله في سبيل الله(2).
4- مثل من تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم -: إسلام والد أبي بكر:
__________
(1) انظر: مجمع الزوائد (9/385) مرسل ورجاله رجل الصحيح في إحدى سنديه وأما الاسناد الآخر من رواية الطبراني: رجاله رجال الصحيح إلا مصعب بن سعد لم يسمع من عكرمة.
(2) انظر: التاريخ الاسلامي (7/223،224،225).
(8/256)

قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ودخل المسجد، أتى ابو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ قال أبوبكر: يارسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر وكان رأسه ثغامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: غيروا هذا من شعره(1)، ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هنأ أبا بكر بإسلام أبيه(2).
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنّه النبي - صلى الله عليه وسلم - في توقير كبار السن واحترامهم ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا(3). وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم(4)، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - سن إكرام أقارب ذوي البلاء والبذل والعطاء والسبق في الاسلام تقديراً لهم على مابذلوه من خدمة للاسلام والمسلمين ونصر دعوة الله تعالى(5).
5- مثل من عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - وحلمه: إسلام فضالة بن عمير:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/54،55).
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص577.
(3) انظر: سنن الترمذي، كتاب البر، باب 15.
(4) انظر: سنن ابي داود، كتاب الأدب، باب 20.
(5) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (7/195).
(8/257)

أراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يارسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لاشيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله مارفع يده عن صدري حتى مامنْ خلق الله شيء أحبُّ إلى منه. قال فضالة: فرجعت الى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هَلمَّ الى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:
قالت هَلُمَّ الى الحديث فقلت لا
... ... ... يأبى عليك اللهُ والاسلامُ
لو مارأيت محمداً وقبيله
... ... ... بالفتح يوم تكسَّر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بَيِّناً
... ... ... والشرك يغشي وجهه الإظلام(1)
ثالثاً: أتكلمني في حد من حدود الله؟
قال عروة بن الزبير: أن امرأة سرقت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح، ففزع قومها الى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله. فلما كان العشيُّ قام رسول الله خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر رسول - صلى الله عليه وسلم - بتلك المرأة فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(2).
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (7/213).
(2) البخاري، المغازي رقم 4304.
(8/258)

وهكذا يستمر البناء التربوي للأمة ونرى العدل في إقامة شرع الله على القريب والبعيد على حد سواء، ووجدت قريش نفسها أمام تشريع رباني لايفرق بين الناس، فهم كلهم أمام رب العالمين سواء، وأصبحت معايير الشرف هي الالتزام بأوامر الله تعالى، وفي هذا الموقف الذي أثار غضب رسول الله الشديد واهتمامه الكبير لعبرة للمسلمين حتى لايتهاونوا في تنفيذ أحكام الله تعالى، أو يشفعوا لدى الحاكم من أجل تعطيل الحدود الاسلامية(1).
رابعاً: أجرنا من أجرتي ياأم هاني:
قالت أم هاني بنت أبي طالب: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة فر إليَّ رجلان من أحمائي، من بني مخروم، وكانت عند هُبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل عليَّ عليُّ بن أبي طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي ، ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جَفنةٍ إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما إغتسل أخذ ثوبه، فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إليَّ فقال: مرحباً وأهلاً ياأم هانيء ماجاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر عليّ؛ فقال: قد أجرنا من أجرتِ وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما(2).
خامساً: إنه لاينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين:
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص402؛ التاريخ الاسلامي (7/233).
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/59،60) ؛ صحيح السيرة، ص527.
(8/259)

كان عبدالله بن سعد بن أبي السرح قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقد أهدر دمه فر الى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويلاً ثم قال: نعم فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حوله أما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني قد صمت فيقتله. فقالوا يارسول الله هلا أومأت إلينا؟ فقال: إن النبي لايقتل باشارة(1) وفي رواية إنه لاينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين(2).
قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان(3).
وقال ابن كثير: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته(4).
سادساً: المحيا محياكم والممات مماتكم:
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/296).
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص528.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/58).
(4) انظر: البداية والنهاية (4/296).
(8/260)

قال ابو هريرة: ......أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا، فعلاه حيث ينظر الى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه قال: والأنصار تحته، قال يقول بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته قال ابو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يقضي قال: فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: يامعشر الأنصار قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يارسول الله، قال: فما اسمي اذاً؟ كلا، إني عبدالله ورسوله هاجرت الى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، قال: فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ماقلنا الذي قلنا إلا الظن بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم(1).
سابعاً: إسلام عبدالله الزبْعري شاعر قريش:
لما فتحت مكة فر عبدالله الزبعري السهمي الى نجران فلحقته قوافي حسان فقد كان خصماً عنيداً للإسلام، فراح يعيره بالجبن والفرار فقال له:
لا تعد من رحلاً أحَلّك بُغضُهُ
... ... ... نجران من عيش أحذَّ ليم(2)
أي فليبق الله لنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - هذا الرجل العظيم الذي أحللك بغضه ديار نجران، وليُدم الله عليك ابن الزبعري عيشاً ذليلاً مهيناً أشأم.
ثم راح حسان يستنزل غضب الله ومقته على ابن الزبعري وعلى نجله ويسأل الله تعالى أن يخلده في سوء العذاب وأليمه(3):
غضب الإله على الزبعري وابنه
... ... ... ... وعذاب سوء في الحياة مقيم
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص529،530.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/307).
(3) الصحابي الشاعر عبدالله بن الزيعري، محمد كابتي، ص92.
(8/261)

فتطايرت تلك الأبيات ووصلت الى ابن الزبعري فقام وقعد وقلّب أموره ثم اراد الله به الخير فعزم على الدخول في الاسلام ثم توجه الى مكة وقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلن أسلامه وطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر له كل عداوة له وللإسلام فقال له رسول الله: إن الاسلام يجب ماقبله(1). ثم ادناه رسول الله منه وآنسه، ثم خلع عليه حله(2)، وقد أجمع الرواة أن ابن الزبعري - رضي الله عنه -، قال بعد إسلامه شعراً كثيراً حسناً يعتذر فيه الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(3)، قال ابن عبدالبر رحمه الله: وله -ابن الزبعري- في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - أشعار كثيرة، ينسخ بها ماقد مضى من شعره في كفره(4).
وكذا نص ابن حجر في الإصابة: ثم أسلم، ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر له بحلة(5).
وقال القرطبي: (وكان شاعراً مجيداً، وله في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، أشعاراً كثيرة، ينسخ بها ماقد مضى في كفره(6).....) وقال ابن كثير: كان من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم منّ الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع الى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه(7).
ومن القصائد الرائعة التي قالها في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وندمه على محاربة الاسلام وتأخره في الدخول فيه حيث قال:
منع الرقادَ بلابلٌ وهموم
... ... ... والليل معتلج(8) الرِّواق(9) بهيم(10)
مما أتاني أن أحمد لامني
__________
(1) المغازي (2/848).
(2) الزركلي الأعلام (4/87)؛ الاصابة لابن حجر (2/308) نقلاً عن المرجع الذي بعده.
(3) انظر: الصحابي الشاعر عبدالله بن الزيعري، ص97.
(4) انظر: الاستيعاب لابن عبدالبر (2/310).
(5) انظر: الإصابة (2/308).
(6) انظر: تفسير القرطبي (6/407).
(7) البداية والنهاية (4/308).
(8) معتلج: ملتطم.
(9) الرِّواق: مقدم الليل.
(10) بهيم: لاضوء فيه الى الصباح.
(8/262)

... ... ... فيه فبت كأنني محموم
ياخير من حملت على أوصالها
... ... ... عيرانه(1) سرح اليدين غشوم(2)
إني لمعتذر إليك من الذي
... ... ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطةٍ
... ... ... سهمٌ وتأمرني بها مخزوم
وأمدُّ أسبابَ الردى ويقوُدني
... ... ... أمر الغواة وأمرهم مشؤوم
فاليوم آمن بالنبي محمد
... ... ... قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابُها
... ... ... ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدىً لك والديّ كلاهما
... ... ... زللي فإنك راحم مرحوم
وعليك من عِلم المليك علامة
... ... ... نور أغرُّ وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبةٍ برهانه
... ... ... شَرَفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق
... ... ... حق وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى
... ... ... مستقبل في الصالحين كريم
قرمٌ علا بنيانه من هاشم
... ... ... فرعٌ تمكَّن في الذرى وأروم(3)
ثامناً: من الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الغزوة ومكان نزول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة:
1- أتضحت كثير من الاحكام الشرعية خلال فتح مكة منها:
أ- جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية حيث صام الرسول في مسيرة الجيش من المدينة حتى بلغ كديدا فأفطر(4).
ب- صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الضحى ثمان ركعات خفيفة(5) واستدل قوم بهذا على أنها سنّة مؤكدة(6).
ج- قصر الصلاة الرباعية للمسافر، فقد اقام النبي بمكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة(7).
__________
(1) عيرانة: راحلة.
(2) غشوم: شجاع لايثينه أمر عن عزمه.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/307، 308) أروم: أصل.
(4) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص574.
(5) نفس المصدر، ص574.
(6) المصدر السابق، ص574.
(7) انظر: المجتمع المدني، ص185.
(8/263)

د- تحريم نكاح المتعة الى الأبد بعد إباحته لمدة ثلاث أيام(1) ويرى الامام النووي(2)، أنه وقع تحريمه وإباحته مرتين، إذ كان حلالاً قبل غزوة خيبر، فحرم يومها، ثم أبيح يوم الفتح، ثم حرم للمرة الثانية الى الأبد ويرى ابن القيم(3) أن المتعة لم تحرم يوم خيبر، وإنما كان تحريمها فقط يوم الفتح، وله في هذا مناقشة طويلة عند كلامه عن الأحكام الفقهية المستنبطة من أحداث غزوة خيبر وغزوة الفتح والمتفق عليه أنها حرمت الى الأبد بعد الفتح(4).
هـ- قرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الولد للفراش وللعاهر الحجر كما جاء ذلك في حديث ابن وليدة بن زمعة، فقد تنازع فيه سعد بن ابي وقاص وعبدالله بن زمعة، فقضى فيه رسول الله لعبد بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه(5).
و- عدم جواز الوصية بأكثر من ثلث المال، كما في قصة سعد بن أبي وقاص حين مرضه بمكة واستشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أن يوصي بأكثر من الثلث(6).
هذه بعض الاحكام الفقهية المستنبطة من أحداث الغزوة والفتح العظيم.
2- مكان نزول الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص575.
(2) النووي على شرح مسلم (9/181). اعتمدت على فقه الاحكام على مااستخرجه الدكتور العمري في المجتمع المدني، والدكتور مهدي رزق الله في السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية.
(3) انظر: زاد المعاد (3/343-345 و459-464).
(4) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص575.
(5) البخاري، كتاب المغازي رقم 4303.
(6) المجتمع المدني للعمري، ص186، سنن الترمذي (3/291).
(8/264)

نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجون في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ مبيناً أنه لايرث المسلم الكافر(1)، وكان عقيل قد ورث أبا طالب هو وطالب أخوه وباع الدور كلها، وأما علي وجعفر فلم يرثاه لأنهما مسلمان وأبوطالب مات كافراً(2).
تاسعاً: من نتائج فتح مكة:
كان لفتح مكة نتائج كثيرة منها:
1- دخلت مكة تحت نفوذ المسلمين وزالت دولة الكفر منها وحانت الفرصة للقضاء على جيوب الشرك في حنين والطائف ومن ثم الى العالم أجمع.
2- أصبح المسلمون قوة عظمى في جزيرة العرب: وبعد فتح مكة، تحقق أمنية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدخول قريش في الاسلام وبرزت قوة كبرى في الجزيرة العربية لا يستطيع أي تجمع قبلي الوقوف في وجهها وهي مؤهلة لتوحيد العرب تحت راية الاسلام ثم الانطلاق الى الأقطار المجاورة، لإزالة حكومات الظلم والطغيان، وتأمين الحرية لخلق الله لكي يدخلوا في دين الله، ويعبدوه وحده من دون سواه(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (2/482).
(2) نفس المصدر (2/482).
(3) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، احمد عرموش، ص129.
(8/265)

3- كان لهذا الفتح آثار عظيمة دينية وسياسية واجتماعية وقد بدأت هذه الآثار بصورة يلمسها كل من يمعن النظر في هذا الفتح المبارك، فأما الآثار الاجتماعية فتمثلت في رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالناس وحرصه على الأخذ بأيديهم ليعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم، وبالوضع الجديد الذي سيطر على بلدهم وتعيين من يعلمهم، ويفقههم في دينهم، فقد أبقى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في مكة بعد انصرافه عنها ليصلي بالناس، ويفقههم في دينهم، وأما الآثار السياسية فقد عين عتاب بن أسيد أميراً على مكة، يحكم في الناس بكتاب الله، فيأخذ لضعيفهم، وينتصر للمظلوم من الظالم(1)، وأما الآثار الدينية فإن فتح مكة، وخضوعها لسلطان الاسلام قد أقنع العرب جميعاً بأن الاسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده فدخلوا فيه أفواجاً(2).
4- تحقق وعد الله بالتمكين للمؤمنين الصادقين بعد ماضحوا بالغالي والنفيس وحققوا شروط التمكين وأخذوا بأسبابه وقطعوا مرحلة وتعاملوا مع سننه كسنّة الابتلاء، والتدافع، والتدرج، وتغيير النفوس، والأخذ بالأسباب ولا ننسى تلك الصورة الرائعة وهي وقوف بلال فوق الكعبة مؤذناً للصلاة بعد أن عذب في بطحاء مكة وهو يردد أحد أحد في أغلاله وحديده هاهو اليوم قد صعد فوق الكعبة ويرفع صوته الجميل بالآذان وهو في نشوة الإيمان.
__________
(1) انظر: تأملات في سيرة الرسول، ص266.
(2) نفس المصدر، ص267.
(8/266)

الفصل السادس عشر
غزوة حنين والطائف (8هـ)

المبحث الأول
أسبابها وأحداث المعركة
لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وخضعت له قريش خافت هوازن وثقفيف وقالوا: قد فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولَّوا عليهم ملك بن عوف النَّصري، فاجتمع إليه هوازن، وثقيف وبني هلال، ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب وكان معهم دريد بن الصمة، وكان معروفاً بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه كان كبيراً فلم يكن له إلا الرأي والمشورة.
وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا وراءهم النساء والذراري والأموال حتى لايفروا، فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شئ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك!! ولكنه لم يستمع لمشورته(1).
أولاً: أهم أحداث غزوة حنين:
تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال ووصلوا حنين في مساء العاشر من شوال(2)، وقد استخلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد على مكة عند خروجه وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفاً من المسلمين أما عدد هوازن وثقيف، فكانوا ضعف عدد المسلمين أو أكثر، ولما رأى بعض الطلقاء جيش المسلمين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة ودخل الأعجاب في النفوس(3).
أ-التعبئة التي اتخذها مالك بن عوف زعيم هوازن وثقيف:
اتخذ مالك بن عوف زعيم قبائل هوازن وثقيف تعبئة عالية مرت بمراحل:
1-رفع الروح المعنوية لدى جنوده:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/467)؛ السيرة النبوية لابن هشام (4/88).
(2) انظر: طبقات ابن سعد (2/150).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/497).
(9/1)

وقف مالك خطيباً في جيشه وحثهم على الثبات والاستبسال، ومما قال في هذا الجمع الحاشد: إن محمداً لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقي قوماً أغماراً(1)، لاعلم لهم بالحرب فيُنصر عليهم(2).
2-حشر ذراري المقاتلين وأموالهم خلف الجيش:
أمر قائد هوازن بحشد نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقد قصد من وراء هذا التصرف، دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم، لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعزّ مايملك وراءه في المعركة صعب عليه أن يلوذ بالفرار مخلفاً ماوراءه في ميدان المعركة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إفتتحنا مكة، ثم غزونا حنيناً فجاء المشركون بحنين صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل ثم صفّت المقاتلة، ثم صفّت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم(3).
3-تجريد السيوف وكسر أجفانها:
جرت عادة العرب في حروبهم أن يكسروا أجفان سيوفهم قبل بدء القتال، وهذا التصرف يؤذن بإصرار المقاتل على الثبات أمام الخصم حتى النصر أو الموت، وقد أمر مالك جنده بذلك تحقيقاً لهذا، بدليل قولهم، إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا شدّة رجل واحد عليهم(4).
4-وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم:
كانت عند مالك بن عوف النصري معلومات وافية عن الأرض التي ستدور عليها المعركة ولهذا رأى أن يستغل هذه الظروف الطبيعية لصالح جيشه، فعمل بمشورة الفارس المحنك دريد بن الصمة في نصب الكمائن لجيوش المسلمين، وقد كادت هذه الخطة أن تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله سبحانه وتعالى وعنايته.
5-الأخذ بزمام المبادرة في الهجوم على المسلمين:
__________
(1) أغمار: جمع غُمر، بضم الغين وإسكان الميم وهو الذي لم يجرب الأمور.
(2) انظر: مغازي الواقدي (3/893).
(3) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/736) رقم 136.
(4) انظر: مجمع الزوائد (6/179-180؛ المستدرك للحاكم (3/48-49) صحيح الاسناد.
(9/2)

كان ضمن الخطة التي رسمها القائد الهوازني الأخذ بزمام المبادرة ومهاجمة المسلمين، لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالباً مايكون في مركز الضعف، ولهذا آتت هذه الخطة ثمارها بعض الوقت، ثم انقلبت موازين القوى
-بفضل الله تعالى- ثم بثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كسب المسلمون الجولة وانتصروا على أعدائهم(1).
6-شن الحرب النفسية ضد المسلمين:
كان من ضمن بنود الخطة الحربية التي رسمها القائد مالك بن عوف الهوزاني، استعمال سلاح معنوي له تأثير كبير في النفوس، فقد شنَّ الحرب النفسية ضد المسلمين من أجل إلقاء الخوف في نفوسهم، وذلك بأن عمد إلى عشرات الآلاف من الجمال التي صحبها معه في الميدان فجعلها وراء جيشه ثم أركب عليها النساء، فكان لذلك المشهد منظر مهيب يحسب من يراه أن هذا الجيش مائة ألف مقاتل، وهو ليس كذلك(2).
ب-خطوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصد هذه الحشود:
لما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم هوازن على حربه بعد أن تم له فتح مكة –شرفها الله- قام بالآتي:
1-أرسل عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي حتى يوافيه بخبر هوازن:
فذهب رضي الله عنه ومكث بينهم يوماً أو يومين ثم عاد وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما رأى(3).
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية على عهد رسول الله، ص252.
(2) انظر: غزوة حنين للشيخ محمد احمد باشميل، ص128-131.
(3) انظر: تاريخ الطبري (3/73).
(9/3)

ولقد ذهب عبدالله إلى حيث أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعاد على وجه السرعة بخبر هؤلاء الأعداء، إلا أنه قصَّر - رضي الله عنه - في أداء هذا الواجب حيث لم يختلط بهوازن اختلاطاً كاملاً بحيث يسمع ويرى مايُدبر ضد المسلمين هناك، وكان من أهم مايجب أن يعنى به معرفة مواقع المشركين التي احتلوها وقد فوجئ المسلمون باختفاء تلك الكمائن التي نصبها الأعداء في منحنيات الوادي حتى استطاعوا أن يمطروا المسلمين بوابل من سهامهم فانهزموا في الجولة الأولى، فكان الجهل بهذه الكمائن أحد الأسباب الرئيسية وراء هزيمة المسلمين في أول المعركة وماحدث نتيجة لهذا الخطأ لايقدح في العصمة الثابتة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن هذا الأمر ليس وحياً من الله سبحانه وتعالى وإنما هو من باب الاجتهاد في الأمور العسكرية وقد بذل النبي - صلى الله عليه وسلم - جهده في سبيل الحصول على أدق المعلومات وأوفاها لكي يضع على ضوئها الخطة العسكرية المناسبة لمجابهة العدو(1).
2-عدة الجيش واستعارة الدروع والرماح:
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية على عهد رسول الله، ص369.
(9/4)

أعدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشاً قوامه عشرة آلاف وهم من خرجوا معه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح فكان عدد من خرج في تلك الغزوة أثني عشر ألفاً، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم وَنَعمهم ومع النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء(1) وهم ألفان(2)، وسعى - صلى الله عليه وسلم - لتأمين عدة الجيش فطلب من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب ثلاثة آلاف رمح إعارة، وطلب من صفوان بن أمية دروعاً وتكفل - صلى الله عليه وسلم - بالضمان وكان نوفل وصفوان لايزالان على شركهم، عن صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أتتك رسلي فأعطهم -أو قال فادفع إليهم- ثلاثين درعاً، وثلاثين بعيراً، أو أقل من ذلك فقال له: العارية مؤداة يارسول الله، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم(3)، وفي رواية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعاد منه يوم حنين دروعاً فقال: أغصباً يامحمد؟ قال: لا، بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضعها له، فقال: أنا اليوم يارسول الله في الإسلام أرغب. قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم(4).
3-ثباته - صلى الله عليه وسلم - وأثره في كسب المعركة:
سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم وبثوا كتائبهم في شعابه، ومنعطفاته وأشجاره، وكانت خطتهم تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر.
__________
(1) الطلقاء: هم الذين أطلقهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة وخلى سبيلهم.
(2) مسلم، كتاب الزكاة، باب أعطاء المؤلفة قلوبهم (2/735) رقم 135.
(3) ابو داود، كتاب البيوع، باب تضمين العارية (3/826) رقم 8566.
(4) ابو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب تضمين العارية (3/823) رقم 8562.
(9/5)

لقد باغت المشركون المسلمين وأمطرهم الأعداء من جميع الجهات، فاضطربت صفوفهم وماج بعضهم في بعض، ونتيجة لهول هذا الموقف انهزم معظم الجيش ولاذوا بالفرار، كل يطلب النجاة لنفسه، وبقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونفر قليل في الميدان يتصدّون لهجمات المشركين ونترك العباس عمّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصف لنا ذلك المشهد المهيب حيث يقول: شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان ابن الحارث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نفارقه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكفها إرادة أن لاتسرع فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي عباس! نادِ أصحاب السَمُرَة(1)، فقال العباس -وكان رجلاً صيتاً- فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرة؟ قال فوالله! لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يالبيك يالبيك! قال فاقتلوا الكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يامعشر الأنصار! يامعشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث من الخزرج فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا حين حمي الوطيس(2).
لقد أيّد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بأمور منها:
نزول الملائكة من السماء.
سلاح الرعب(3).
تأثير قبضتي الحصى والتراب في أعين الأعداء.
__________
(1) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزة حنين (3/1398) رقم 1775.
(2) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (3/1399) رقم 1772.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص559.
(9/6)

من الأسلحة المادية التي أيد الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين تأثير قبضتي الحصى والتراب اللتين رمى بهما وجوه المشركين، حيث دخل في أعينهم كلهم من ذلك الحصى والتراب اللتين رمى بهما وجوه المشركين حيث دخل في أعينهم كلهم من ذلك الحصى والتراب، فصار كل واحد يجد لها في عينيه أثراً، فكان من أسباب هزيمتهم(1) قال العباس رضي الله عنه: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهنّ وجوه الكفار. ثم قال: انهزموا وربّ محمد، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئة فيما أرى قال: فوالله ماهو إلاّ أن رماهم بحصياته فما زالت أرى حدّهم كليلاً وأمرهم مدبراً(2).
ثانياً: مطاردة فلول الفارين إلى اوطاس والطائف:
أ-قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه:
لما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقى دُريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشميُّ بسهم فأثبته في رُكبته. فانتهيت إليه فقلت: ياعم من رماك؟ فاشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني وَلَّى، فأتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت فكفَّ. فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتله، ثم قلت لأبي عامر، قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء.
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية في عهد رسول الله، ص259.
(2) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين (3/1399) رقم 1775.
(9/7)

قال: يا ابن أخي، اقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيراً ثم مات. فرجعت فدخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته على سرير مُرمل(1)، وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعُبيد أبي عامر، ورأيت بياض أبطيه. ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً.
قال أبو بردة(2): إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى(3).
ب-محاصرة الفارّين إلى الطائف:
حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف واستخدم أساليب متنوعة في القتال والحصار ومارس الشورى، واختار المكان المناسب عند الحصار، واستخدم الحرب النفسية والدعاية في صفوف الأعداء ومن هذه الأساليب:
1-استخدم - صلى الله عليه وسلم - أسلوباً جديداً في القتال:
استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حصاره للطائف أسلحة جديدة لم يسبق له أن استعملها من قبل وهذه الأسلحة هي:
-المنجنيق:
فقد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استعمل هذا السلاح عند حصاره لحصن ثقيف بالطائف. فعن مكحول رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف(4).
__________
(1) أي معمول بالرمال وهي حبال الحصى.
(2) أبوبردة هو ابن ابي موسى الأشعري راوي الحديث عن أبيه.
(3) البخاري، المغازي، رقم 4323 (5/120).
(4) ابو داود، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد ح(31) مراسيل ابي داود، ص183.
(9/8)

والمنجنيق من أسلحة الحصار الثقيلة ذات التأثير الفعال على من وُجهّت إليه، فبحجارته تُهدّم الحصون والأبراج وبقنابله تُحرق الدور والمعسكرات، وهذا النوع يحتاج إلى عدد من الجنود في إدارته واستخدامه عند القتال(1).
-الدبابة:
ومن أسلحة الحصار الثقيلة التي استعملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأول مرة في حصار الطائف: الدبابة والدبابة على شكل بيت صغير تعمل من الخشب وتتخذ للوقاية من سهام الأعداء، عندما يُراد نقض جدار الحصن بحيث إذا دخلها الجنود كان سقفها حرزاً لهم من الرمي(2).
-الحسك الشائك:
من الأسلحة الجديدة التي استعملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حصاره لأهل الطائف الحسك الشائك وهو من وسائل الدفاع الثابتة، ويعمل من خشبتين تسمّران على هيئة الصليب، حتى تتألف منها أربعة شعب مدببة، وإذا رُمي في الأرض بقيت شعبة منه بارزة تتعثر بها أقدام الخيل والمشاة، فتتعطل حركة السير السريعة المطلوبة في ميدان القتال(3).
وقد ذكر أصحاب المغازي والسِّير أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استعمل هذا السلاح في حصاره لأهل الطائف، حيث أمر جنده بنشر الحسك الشائك حول حصن ثقيف(4) وفي هذا إشارة إلى قادة الأمة خصوصاً، والمسلمين عموماً أن لايعطلوا عقولهم وتفكيرهم من أجل الاستفادة من النافع والجديد الذي يحقق للأمة مصلحة الدارين، ويدفع عنها شرور أعدائها.
2-اختيار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكان مناسب عند القتال:
__________
(1) انظر: المدرسة العسكرية الاسلامية، اللواء محمد فرج، ص407.
(2) انظر: القيادة في عهد الرسول، ص405.
(3) انظر: الفن الحربي في صدر الاسلام، اللواء عبدالرؤف عون، ص195.
(4) انظر: الطبقات الكبرى (2/214).
(9/9)

نزل الجيش في مكان مكشوف قريب من الحصن وماكاد الجند يضعون رحالهم حتى أمطرهم الأعداء بوابل من السهام فأصيب من جراء ذلك ناس كثيرون وحينئذ عرض الحباب بن المنذر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكرة التحول من هذا الموقع إلى مكان آمن من سهام أهل الطائف، فقبل - صلى الله عليه وسلم - هذه المشورة وكلَّف الحباب لكونه من ذوي الخبرات الحربية الواسعة في هذا المجال بالبحث عن موقع ملائم لنزول الجند، فذهب رضي الله عنه ثم حدد المكان المناسب وعاد فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - جيشه بالتحول إلى المكان الجديد وهذا شاهد عيان يحدثنا عن مارأى قال عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه: لقد أطلع علينا من نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم كأنه رجل جراد وترسنا لهم حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحباب فقال: انظر مكاناً مرتفعاً مستأخراً عن القوم، فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف(1) خارج من القرية، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتحولوا(2).
3-استخدام الحرب النفسية والدعاية:
لما اشتدت مقاومة أهل الطائف وقتلوا مجموعة من المسلمين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريق بساتين العنب والنخل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف ثم أوقف هذا العمل بعد أثره في معنوياتهم وإضعافه روح المقاومة، وبعد أن نشادته ثقيف بالله وبالرحم أن يترك هذا العمل ووجه النبي - صلى الله عليه وسلم - نداء لعبيد الطائف أن من ينزل من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثقفي فأسلموا، فأعتقهم ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامها(3).
__________
(1) مسجد الطائف: هو المسجد المعروف الآن بمسجد ابن عباس.
(2) انظر: مغازي الواقدي (1/416).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/510).
(9/10)

4-الحكمة من رفع الحصار:
كانت حكمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رفع الحصار واضحة فالمنطقة المحيطة بها لم تعد تابعة لها، بل صارت ضمن سيادة الدولة الإسلامية، ولم تعد تستمد قوتها إلا من امتناع حصونها، فحصارها ورفعه سواء أمام القائد المحنك، وقد استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حوله في عملية الحصار(1) فقال نوفل بن معاوية الديلي: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فاغدوا على القتال فغدوا فأصبت المسلمين جراحات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا قافلون غداً إن شاء الله، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك(2)، فلما ارتحلوا واستقلُّوا، قال: قولوا: آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون(3)، وقيل يارسول الله: ادع الله على ثقيف فقال: اللهم اهدِ ثقيفاً وائتِ بهم(4).
المبحث الثاني
فقه الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع النفوس

ويظهر هذا الفقه في عدة مواقف من هذه الغزوة منها:
أ-لارجعة للوثنية:
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة للشجاع، ص206.
(2) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين (3/1403) رقم 1778.
(3) انظر: زاد المعاد (3/497).
(4) انظر: زاد المعاد (3/497)؛ صحيح السيرة النبوية، ص566.
(9/11)

خرج مع رسول - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهلية وكانت لبعض القبائل شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً، وبينما هم يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ وقع بصرهم على الشجرة، فتحلبت أفواههم على أعياد الجاهلية التي هجروها، ومشاهدها التي طال عهدهم بها، فقالوا: يارسول الله: إجعل لنا (ذات أنواط) كما لهم (ذات أنواط)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر! قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى:(اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون) لتركبن سنن من كان قبلكم(1).
وهذا يعبر عن عدم وضوح تصورهم للتوحيد الخالص رغم اسلامهم ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضح لهم مافي طلبهم من معاني الشرك وحذرهم من ذلك ولم يعاقبهم أو يعنفهم لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام(2)، وقد سمح لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المشاركة في الجهاد لأنه لايشترط فيمن يخرج للجهاد أن يكون قد صحح اعتقاده تماماً من غبش الجاهلية، وإنما الجهاد عمل صالح يثاب عليه فاعله وإن قصر في بعض أمور الدين الأخرى، بل الجهاد مدرسة تربوية تعليمية يتعلم فيه المجاهدون كثيراً من العقائد والأحكام والأخلاق وذلك لما يتضمنه من السفر وكثرة اللقاءات التي يحصل فيها تجاذب الأحاديث، وتلاقح الأفكار(3).
ب-الاعجاب بالكثرة يحجب نصر الله:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص349؛ سنن الترمذي الفتن (4/475) رقم 2180.
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/497).
(3) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (8/62).
(9/12)

الاعجاب بالكثرة حجب عن المسلمين النصر في بداية المعركة وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله:{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}(سورة التوبة، آية:25).
وقد نبه إلى هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما أوضح أنه لاحول ولاقوة إلا بالله فيقول: اللهم بك أحاول وبك أصول، وبك أقاتل(1).
وهكذا أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يراقب المسلمين ويقوّم ما يظهر من انحرافات في التصور والسلوك حتى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العتاة(2).
ومع الرغم من الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في بداية غزوة حنين وفرار معظم المسلمين في ميدان المعركة لأنهم فوجئوا بما لم يتوقعوه إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف أحداً ممن فر عنه حتى حينما طالبه بعض المسلمين أن يقتل الطلقاء لأنهم فروا لم يوافق على هذا(3).
جـ-الغنائم وسيلة لتأليف القلوب:
__________
(1) سنن الدارمي (5/135)؛ المسند للإمام أحمد (4/333).
(2) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة للعمري، ص199.
(3) نفس المصدر، ص204،205.
(9/13)

رأى - صلى الله عليه وسلم - أن يتألف الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفاً لقلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام فأعطى لزعماء قريش، وغطفان وتميم عطاء عظيماً إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس بن عدي(1)، وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام أو كما قال أنس بن مالك: إن كان الرجل ليسلم مايريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها(2)، وعبر عن هذا صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني وأنه لابغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إلي(3).
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص421.
(2) مسلم، كتاب الفضائل، باب ماسئل رسول الله شيء قط (4/1806) رقم 4312.
(3) مسلم، كتاب الفضائل (4/1806) رقم 2313.
(9/14)

وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية وترددت بينهم قالة فراعى - صلى الله عليه وسلم - هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر وبين لهم الحكمة في تقسيم الغنائم وخاطب الأنصار خطاباً إيمانياً عقلياً عاطفياً وجدانياً مايملك القارئ المسلم على مر الدهور وكر العصور وتوالي الزمان إلا البكاء عندما يمر بهذا الحدث العظيم، فعندما دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيِّ من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك ياسعد) قال: يارسول الله! ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟ قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا، أتى سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يامعشر الأنصار ماقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يامعشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يارسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم عليَّ يامعشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، إلا ترضون يامعشر الأنصار أن يذهب الناس بالشَّاء(1) والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة، لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك
__________
(1) بالشاء: أي الشياه وهي الأغنام.
(9/15)

الناس شعباً ووادياً، وسلكت الأنصار شِعْباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار وواديها، الانصار شعار والناس دثار(1)، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا(2) وفي رواية: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض(3).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم، وإنما قالها حديثو السن منهم بدليل ماورد في الصحيحين، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل ، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قولهم ، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم فلما اجتمعوا ، جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً ، وأما أنا منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتالفهم(4).
__________
(1) دثار: هو الثوب الذي يكون فوق الشعار.
(2) انظر: زاد المعاد (3/474).
(3) مسلم، كتاب الزكاة، باب أعطاء المؤلفة قلوبهم (2/738) رقم 1061.
(4) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/734) رقم 1059.
(9/16)

ويرى الإمام ابن القيم: استدلالاً بهذه الحادثة أنه قد يتعين على الإمام أن يتألف أعداءه لاستجلابهم إليه ودفع شرهم عن المسلمين فيقول: الإمام نائب عن المسلمين بتصرف لمصالحهم وقيام الدين ، فإن تعيّن ذلك -أي التأليف- للدفع عن الإسلام والذبّ عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرّهم ، ساغ له ذلك ، بل تعين عليه .. فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم ، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين(1) .
والتأليف لهذه الطائفة إنما هو من قبيل الإغراء والتشجيع في أول الأمر ، حتى يخالط الإيمان بشاشة القلب ، ويتذوق حلاوته .
ويوضح الشيخ محمد الغزالي حقيقة هذا الأمر في مثال محسوس فيقول: ...إن في الدنيا أقواماً كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم ، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمُدّ إليه فمها ، حتى تدخل حظيرتها آمنة ، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له(2).
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب للأنصار صورة مؤثرة: قوم يبشرون بالإيمان يقابلهم قوم يبشرون بالجمال ، وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشاه والبعير ، لقد أيقظتهم تلك الصور وأدركوا أنهم وقعوا في خطأ ما كان لأمثالهم أن يقع فيه ، فنطلقت حناجرهم بالبكاء ومآقيهم بالدموع وألسنتهم بالرضا ، وبذلك طابت نفوسهم واطمأنت قلوبهم بفضل سياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكيمة في مخاطبة الأنصار(3).
د- الصبر على جفاء الأعراب:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/486).
(2) انظر: فقه السيرة ، ص427.
(3) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص219.
(9/17)

لقد ظهر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكثير من الصبر على جفاء الأعراب وطمعهم في الأموال وحرصهم على المكاسب ، فكان مثالاً للمربي الذي يدرك أحوالهم وما جبلتهم عليه بيئتهم وطبيعة حياتهم من القساوة والفظاظة والروح الفردية ، فكان يبين لهم خلقه ويطمئنهم على مصالحهم ويعاملهم على قدر عقولهم ، فكان بهم رحيماً ، ولهم مربياً ومصلحاً ، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم الذين كانوا ينحنون أمامهم أو يسجدون وكانوا دونهم محجوبين ، وإذا خاطبوهم التزموا بعبارات التعظيم والإجلال كما يفعل العبد مع ربه أما الرسول عليه الصلاة والسلام فكان كأحدهم يخاطبونه ويعاتبونه ، ولا يحتجب عنهم قط ، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يراعون التأدب بحضرته ويخاطبونه بصوت خفيض ويكنون له في أنفسهم المحبة العظيمة ، وأما جفاة الأعراب فقد عنفهم القرآن على سوء أدبهم وجفائهم وارتفاع أصواتهم وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم -(1) وهذه مواقف تدل علىحسن معاملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعراب:
الأعرابي الذي رفض البشرى:
قال أبو موسى الأشعري: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: ألا تنجز لي ماوعدتني؟ فقال له: أبشر فقال: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: رد البشرى، فاقبلا أنتما، قالا: قبلنا. ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة(2).
2-مقولة الأعرابي ماأريد بهذه القسمة وجه الله:
__________
(1) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص219.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4328.
(9/18)

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ... فلما كان يوم حنين آثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه القسمة ماعدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قال: فقلت والله! لاخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فأتيته، فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله قال: ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر قال: قلت: لاجرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً(1).
س-تعامله مع هوازن لما أسلمت:
جاء وفد هوازن لرسول الله بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يارسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء مالم يخف عليك فامنن علينا منّ الله عليك وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال: يارسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر(2) ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت رسول الله خير المكفولين ثم أنشأ يقول:
أُمنُنْ علينا رسول الله في كرم
... ... ... فإنك المرءُ نرجوه وننتظر(3)
إلى أن قال:
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
... ... ... إذ فوك يملؤه من محضِها دَرَر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
... ... ... وإذ يزينك ماتأتي وما تذر
فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديماً وحديثاً وخصوصاً وعموماً(4).
__________
(1) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث 1062.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/352).
(3) نفس المصدر (4/352).
(4) انظر: البداية والنهاية (4/363،364).
(9/19)

فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفد قال لهم: نساؤكم وأبناؤكم أحب أليكم أم أموالكم؟ فقالوا يارسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، فلما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم، فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت الأنصار وما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينه: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم بل ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عباس بن مرداس لبني سليم وهنتموني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فئ نصيبه فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم(1)، وفي رواية: ... فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المؤمنين فقال: إن إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مايفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: طيبنا يارسول الله لهم. فقال لهم: إنا لاندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاءكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا(2)
__________
(1) نفس المصدر (4/352،353).
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4319.
(9/20)

وقد سُر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالك مسلماً فأكرمه وأمّره على قومه وبعض القبائل المجاورة لقد تأثر مالك بن عوف وجادت قريحته لمدح النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:
ما إن رأيت ولاسمعت بمثله
... ... ... في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتذي
... ... ... ومتى تشاء يخبر عمّا في غدِ
وإذا الكتيبة عرّدت(1) أنيابها
... ... ... بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله
... ... ... وسط الهباءة(2) خادر(3) في مرصد(4)
__________
(1) عرّدت: اشتدت وضربت، في القاموس المحيط (1/313).
(2) الهباءة: غبار الحرب في مختار الصحاح، ص689.
(3) الخادر: المقيم في عرينه، والخدر ستريمد للجارية من ناحية البيت.
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/144).
(9/21)

لقد كانت سياسته - صلى الله عليه وسلم - مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود وبهذه السياسة الحكيمة استطاع - صلى الله عليه وسلم - أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفاً في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركاً ولاتجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذَّن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف(1).
إن الإنسان ليعجب من فقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملة النفوس وفي سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى، لقد استطاع - صلى الله عليه وسلم - أن يزيل معالم الوثنية، وبيوتات العبادة الكفرية من مكة وماحولها، ورتب - صلى الله عليه وسلم - الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت للدولة الإسلامية، فعين عتاب بن أسيد أميراً على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشداً وموجهاً ومعلماً ومربياً(2)، وعين على هوازن مالك بن عوف قائداً ومجاهداً ثم اعتمر ورجع إلى المدينة - صلى الله عليه وسلم -
المبحث الثالث
دروس وعبر وفوائد

أولاً: تفسير الآيات التي نزلت في غزوة حنين:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/192).
(2) نفس المصدر (4/153).
(9/22)

قال تعالى:{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ صدق الله العظيم ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ صدق الله العظيم ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:25-26-27).
في الآيات السابقة: تصوير بياني بديع لحال المسلمين، فيه تنقل بالسامع من صورة إلى صورة: من صورة المسلمين وهم معجبون بكثرتهم مسرورين بها، إلى صورة فشلهم وهزيمتهم مع هذه الكثرة فلم تنفعهم، إلى صورة الخوف الذي أصابهم حتى لم تعد الأرض تسعهم وأقفلت منافذها في وجوههم إلى الصورة الحسية لهذا الفشل في الفرار والنكوص وتولية الأدبار حتى لم يبق حول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا القليل، وبعد الخوف الشديد الذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين يجئ نصر الله الذي عبر عنه سبحانه –بقوله- {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
السكينة: الطمأنينة والرحمة والأمنة وهي فعلية من السكون وهو ثبوت الشيء بعد التحرك، أو من السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأنت به من أهل وغيرهم(1).
__________
(1) انظر: حديث القرآن الكريم (2/598).
(9/23)

وقوله تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ} قال القاسمي: أي ماتسكنون وتثبتون به من رحمته ونصره، وانهزام الكفار واطمئنان قلوبهم للكر بعد الفر{عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي الذين انهزموا، وإعادة الجارّ للتنبيه على اختلاف حاليهما أو الذين ثبتوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يفروا، أو على الكل وهو الأنسب(1).
وقوله تعالى:{ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}.
قال الطبري: هي الملائكة(2).
وقوله:{ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
أي: وعذب الذين كفروا بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدنيا ماداموا يستحبون الكفر على الإيمان، ويعادونه أهله ويقاتلونهم عليه(3).
ثم قال تعالى:{ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
أي: ويتوب الله من بعد هذا التعذيب على من يشاء من المشركين بأن يوفقهم للدخول في الإسلام والله غفور رحيم لمن تاب وآمن فرحمته وسعت كل شيء(4).
قال سيد قطب: ... فباب المغفرة دائماً مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الإنشغال عن الله، والاعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا حقيقة أخرى ضمنية، حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة إلى أن يقول ... لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لابالزبد الذي يذهب جفاء، ولابالهشيم الذي تذره الرياح(5).
__________
(1) انظر: تفسير القاسمي (8/151).
(2) انظر: تفسير الطبري (10/103،104).
(3) انظر: تفسير المراغي (4/87).
(4) انظر: حديث القرآن الكريم (2/599).
(5) في ظلال القرآن (3/1618).
(9/24)

إن غزوة حنين سجلت في القرآن الكريم لكي تبقى درساً للأمة في كل زمان ومكان ولقد عرضت في القرآن الكريم على منهجية ربانية كان من أهم معالمها الآتي(1):
أ-بين القرآن الكريم أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ..) ثم بين القرآن أن هذه الكثرة لاتفيد {فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا..} .
ب-بين القرآن الكريم أن المسلمين انهزموا وهربوا ماعدا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونفر يسير من أصحابه. قال تعالى:{ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.
جـ-بين القرآن الكريم أن الله نصر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المعركة وأكرمه بإنزال السكينة عليه وعلى المؤمنين فقال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .
د-بين القرآن الكريم أن الله أمد نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالملائكة في حنين قال تعالى: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
وأكد -سبحانه- على أنه يقبل التوبة من عباده ويوفق من شاء إليها قال تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ثانياً: أسباب الهزيمة وعوامل النصر في حنين:
أ-أسباب الهزيمة:
أسباب الهزيمة في الجولة الأولى لعدة أسباب منها:
1-أن شيئاً من العجب تسرب إلى قلوب المسلمين لما رأوا عددهم، فقد قال رجل منهم: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت الهزيمة.
2-خروج شبان ليس لديهم سلاح أو سلاح كاف، وإنما عندهم حماس وتسرع.
3-أن عدد المشركين، كان كثيراً بلغ أكثر من ضعفي عدد المسلمين.
__________
(1) انظر: حديث القرآن (2/602،603).
(9/25)

4-أن مالك بن عوف سبق بجيشه إلى حنين، فتهيأ هنالك ووضع الكمائن والرماة في مضايق الوادي وعلى جوانبه، وفاجؤوا المسلمين برميهم بالنبال وبالهجوم المباغت.
5-كان العدو مهيَّأً ومنظماً ومستعداً للقتال حال مواجهته لجيش المسلمين، فقد جاء المشركون بأحسن صفوف رأيت: صف الخيل ثم المقاتلة ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم ثم النعم.
6-وجود ضعاف الإيمان الذين أسلموا حديثاً في مكة، ففروا فانقلبت أولاهم على أخراهم، فكان ذلك سبباً لوقوع الخلل وهزيمة غيرهم(1).
ب-عوامل النصر:
كانت عوامل النصر في حنين لعدة أسباب منها:
1-ثبات الرسول في القتال وعدم تراجعه، مما جعل الجنود يثبتون ويستجيبون لنداء القائد الثابت.
2-شجاعة القائد: فالرسول القائد لم يثبت في مكانه فحسب بل تقدم نحو عدوه راكباً بغلته، فطفق يركض ببغلته قبل الكفار والعباس آخذ بلجام البغلة يكفها أن لاتسرع.
3-ثبات قلة من المسلمين معه وحوله حتى جاء الذين تولوا وأكملوا المسيرة مسيرة الثبات والبر والقتال حتى النصر.
4-سرعة استجابة الفارين والتحاقهم بالقتال.
5-وقوع الجيش المعادي في خطأ عسكري قاتل وهو عدم الاستمرار في مطاردة الجيش الإسلامي بعد فراره، مما أعطى فرصة ثمينة للجيش الإسلامي ليلتقط أنفاسه ويعود إلى ساحة القتال ويستأنف القتال من جديد بقيادة القائد الثابت الشجاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
6-رمية الحصى: فقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد(2).
7-الإستعانة والإستغاثة بالله عزوجل فقد كان الرسول يلح على الله في الدعاء بالنصر على الأعداء.
__________
(1) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/409).
(2) مسلم بشرح النووي (12/116-117).
(9/26)

8-إنزال الملائكة في الغزوة ومشاركتها فيها وقد سجل الله هذه المشاركة في كتابه الكريم وفي سورة التوبة(1):{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
ثالثاً: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف:
1-نزول الآية الكريمة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (سورة النساء، آية 24). في يوم أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزوجات، وقد فرق السبي بينهن وبين أزواجهن، فأوضحت الآية جواز وطئهن إذا انقضت عدتهن، لأن الفرقة تقع بينهن وبين أزواجهن الكفار بالسبي وتنقضي العدة بالوضع للحامل وبالحيض لغير الحامل(2).
2-منع المخنثين خلقة من الدخول على النساء الأجنبيات وكان ذلك مباحاً إذ لاحاجة للمخنث بالنساء وكان سبب المنع مارواه البخاري عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة، دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندي مخنث فسمعته يقول لعبدالله بن أمية: يا عبدالله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:لايدخلن عليكم(3).
وفي هذا المنع حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على سلامة أخلاق المجتمع الإسلامي.
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابي فارس، ص423.
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/520).
(3) البخاري، كتاب المغازي (5/120) رقم 4324.
(9/27)

3-النهي عن قصد قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لايشتركون في القتال ضد المسلمين وقد ذكر ابن كثير: أن رسول الله مر يوم حنين بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصطفون(1) عليها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ماكانت هذه لتقاتل وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لايقتلن ذرية ولاعسيفاً(2) وفي رواية فقال له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليداً أو امرأة أو عسيفا(3).
4-تشريع العمرة من الجعرانة:
أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة من الجعرانة وكان داخلاً إلى مكة وهذه هي السنة لمن دخلها من طريق الطائف ومايليه، وأما مايفعله كثير مما لاعلم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها فهذا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولااستحبه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس زعموا أنه اقتداء بالنبي وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلاً إلى مكة، ولم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها(4).
5-إرشاده للأعرابي بأن يصنع في العمرة مايصنع في الحج:
قال يعلى بن منبه: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو بالجعرانة وعليه جبة، وعليها خلوق(5)، أو قال: أثر صفرة، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي - صلى الله عليه وسلم -،وقد أنزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثوب عنه، فنظرت إليه، فإذا له غطيط (قال) فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصفرة، أو قال أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك(6).
6-من قتل قتيل فله سلبه:
__________
(1) متقصفون: متجمعون.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/336).
(3) نفس المصدر (4/335).
(4) انظر: زاد المعاد (3/504).
(5) خلوق: طيب.
(6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص578.
(9/28)

قال أبو قتادة: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع ليضربني وأضرب يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضمّاً شديداً حتى تخوفت ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال أمرُ الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله: من أقام بينة على قتيل قتله، فله سلبه، فقمت لألتمس بينة قتيلي فلم أرَ أحداً يشهد لي، فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه فقال أبو بكر: كلا لايعطه(1) أصيبغ من قريش ويدع(2) أسداً من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدَّاه إلي فاشتريت منه خرافاً(3)، فكان أوّل مال تأثَّلتُهُ في الإسلام(4).
ونلحظ في هذا الخبر أن أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه حرص على سلامة أخيه المسلم وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم، كما أن موقف الصديق رضي الله عنه فيه دلالة على حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه ودليل على رسوخ إيمانه وعمق يقينه وتقديره لرابطة الأخوة الإسلامية وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له(5).
7-النهي عن الغلول:
__________
(1) لا يعطه: أي لايعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله أصيبغ: نوع من الطيور شبه له لعجزه وضعفه.
(2) يدع: يترك.
(3) خرافاً: أي بستاناً أقام الثمر مقام الأصل.
(4) البخاري، كتاب المغازي (5/119) رقم 4322.
(5) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (8/26).
(9/29)

أخذ النبي يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين اصبعيه ثم قال: أيها الناس إنه لايحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدُّوا الخياط والمخيط وإياكم والغلول، فإن الغلول عار، ونار، وشنار على أهله في الدنيا والآخرة(1).
ولما سمع الناس هذا الزجر بما فيه من وعيد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشفقوا على أنفسهم وخافوا خوفاً شديداً فجاء أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يارسول الله أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: أما حقِّي منها، وما كان لبني عبدالمطلب فهو لك. فقال الأنصاري: أما إذا بلغ الأمر فيها ذلك فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده(2).
وأما عقيل بن أبي طالب فقد دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطّخ دما، فقال لها: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئاً فليرده، حتى الخياط والمخيط فرجع عقيل فأخذ الإبرة من امرأته، فألقاها في الغنائم(3).
وهذا التشديد في النهي عن الغلول، وتبشيعه بهذه الصورة الشائهة المرعبة، ولو كان في شيء تافه لايلتفت إليه -يمثل مَعْلماً من أهم معالم المنهج النبوي في تربية الأفراد على ماينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم في حياته العملية إيماناً وأمانة وفي التزام الأفراد بهذا التوجيه يتطهر المجتمع المسلم من رذيلة الخيانة، لأن التساهل في صغيرها يقود إلى كبيرها، والخيانة من أرذل الأخلاق الإنسانية التي لاتليق بالمجتمع المسلم(4).
8-وفاء نذر كان في الجاهلية:
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/353).
(2) نفس المصدر (4/353).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/145).
(4) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/387،388).
(9/30)

قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بوفائه(1).
رابعاً: مواقف لبعض الصحابة والصحابيات:
1-أنس بن أبي مرثد الغنوي وحراسة المسلمين:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل اندلاع معركة حنين من يحرسنا الليلة. فقال أنس بن أبي مرثد أنا يارسول الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: فاركب، فركب ابن أبي مرثد فرساً له، وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له - صلى الله عليه وسلم -: استقبل هذا الشِّعْب حتى تكون في أعلاه ونُغَرَنَّ من قبلك الليلة.
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي (5/118) رقم 4330.
(9/31)

قال سهيل بن الحنظلية: فلما أصبحنا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاّه، فركع ركعتين، ثم قال: هل أحسنتم فارسكم؟ قالوا: ما أحسناه، فثوّب بالصلاة، فجعل - صلى الله عليه وسلم - يصلي، وهو يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته، قال: أبشروا (فقد جاءكم فارسكم) فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشِّعب فإذا هو قد جاء حتى وقف عليه فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلى الشِّعب حيث أمرني - صلى الله عليه وسلم -، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أرَ أحداً، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هل نزلت الليلة؟ فقال: لا، إلا مصلياً أو قاضي حاجة، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها(1)، وفي هذا الخبر يظهر لنا المنهج النبوي الكريم في الإهتمام بالأفراد، فقد ظهر اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بطليعة القوم حتى جعل يلتفت في صلاته، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمر هام، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - قال: أبشروا فقد جاء فارسكم. إنها الكلمة التي يستعملها - صلى الله عليه وسلم - في إخبارهم بما يسرهم من الأمور العظيمة، تلك هي أهمية الفرد في المجتمع الإسلامي، إنه ليس كماً مهملاً، ولارقماً في سجل، ولا بزالاً في آلة، يستغنى عنه عند الضرورة: ليؤتى بغيره. إنها بعض التفسير للمنهج الإلهي(2) في قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}(سورة الإسراء، آية:70).
__________
(1) ابو داود في الجهاد رقم 2501؛ صحيح السيرة النبوية، ص550.
(2) انظر: معين السيرة، ص429.
(9/32)

كما أن في هذه القصة معلما من معالم المنهج النبوي الكريم في وجوب اليقظة وتعرف أحوال العدو، ومراقبة حركاته، ومعرفة ماعنده من القوة عدداً وعدّة، وما رسمه من خطط حربية، وهي سياسة مهمة بالنسبة للقادة الذين يسعون لإعلاء كلمة الله في الأرض(1).
وأما في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: قد أوجبت فلا عليك أن تعمل بعدها، فهذا محمول على النوافل التي يكفر الله بها السيئات، ويرفع بها الدرجات، والمقصود أنه عمل عملاً صالحاً كبيراً يكفي لتكفير ماقد يقع منه من سيئات في المستقبل، ويرفع الله به درجاته في الجنة، وليس المقصود أن هذا العمل يكفيه عن أداء الواجبات(2).
2-شجاعة أم سليم يوم حنين:
قال أنس رضي الله عنه: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً(3)، فكان معها فرآها أبو طلحة. فقال: يارسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ماهذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يضحك. قالت: يارسول الله: اقتل من بعدنا(4) من الطلقاء(5) انهزموا بك(6) فقال رسول الله: يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن(7).
3-الشيماء بنت الحارث أخت النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة:
__________
(1) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/366).
(2) انظر: التاريخ الاسلامي (8/14).
(3) خنجراً: سكين كبير ذات حدين.
(4) من بعدنا: من سوانا.
(5) الطلقاء: هم الذين أسلموا يوم الفتح وكانوا سبب الانهزام في المرة الاولى.
(6) انهزموا بك: انهزموا عنك.
(7) مسلم، رقم 1809؛ صحيح السيرة النبوية، 563.
(9/33)

كان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله الشيماء بنت الحارث، وبنت حليمة السعدية، أخت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، وعنفوا عليها في السوق، وهم لا يدرون فقالت للمسلمين: تعلمون والله اني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتو بها رسول الله ولما انتهت الشيماء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: يارسول الله! إني أختك من الرضاعة، قال ماعلامة ذلك؟ قال عضة عضضتها في ظهري، وأنا متوركتك(1)، وعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلامة، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيرها، وقال: ان أحببت فعندي محببة مكرمة، وان أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومي فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي(2)، ومتعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت، وأعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعبد وجارية ونعماء وشاء(3).
خامساً: إسلام كعب بن زهير -الشاعر- والهيمنة الإعلامية على الجزيرة:
__________
(1) متوركتك: يعني حاملتك على وركي.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/363)؛ السيرة النبوية الصحيحة (2/506).
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص358.
(9/34)

لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف، جاءه كعب بن زهير -الشاعر ابن الشاعر- وكان قد هجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثه أخوه (بجير) على أن يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تائباً مسلماً، وحذره من سوء العاقبة إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي اشتهرت بـ (قصيدة بانت سعاد) فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صلى الصبح، ثم جلس إليه، ووضع يده في يده، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لايعرفه، فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن كعب بن زهير جاء يستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال يارسول الله دعني وعدو الله، أضرب عنقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعه عنك فقد جاء تائباً نازعاً، وأنشد كعب قصيدته اللامية التي قال فيها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول(1)
... ... ... متيم إثرها لم يُفْدَ مكبول
وماسعاد غداة الطرف إذ رحلوا
... ... ... إلا أغنُّ قرير العين مكحول(2)
ومنها:
إن الرسول لنور يستضاء به
... ... ... مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
... ... ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
شُمُّ العرانين أبطال لبوُسهم
... ... ... من نسج داود في الهيجا سرابيل(3)
ويقال إنه لما أنشد رسول الله قصيدته أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء(4)، قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فالله أعلم(5).
__________
(1) متبول: مغرم، مكبول: مقيد.
(2) أغن: صفة للغزال الذي في صوته غنه.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/369، 370، 371).
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة(2/487).
(5) انظر: البداية والنهاية (4/373).
(9/35)

ويقال إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له بعد ذلك لولا ذكرت الأنصار بخير، فإن الأنصار لذلك أهل(1)، فقال:
من سرّه كرمُ الحياة فلا يزل
... ... ... في مِقُنَب من صالحي الأنصار(2)
ورثوا المكارم كابراً عن كابر
... ... ... إن الخيار هم بنو الأخيار
المُكرهين السَّمْهريَّ بأذرع
... ... ... كسوالف الهندي غير قصار(3)
والناظرين بأعين محمرة
... ... ... كالجمر غير كليلة الأبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
... ... ... للموت يوم تعانق وكرار
والقائدين(4) الناس عن أديانهم
... ... ... بالمشرفيَّ وبالقنا الخطّار(5)
يتطهرون يرونه نُسكا لهم
... ... ... بدماءِ من علقوا من الكفار
إلى أن قال:
لو يعلم الأقوام علميَ كلَّه
... ... ... فيهم لصدَّقني الذي أماري(6)
قوم إذا خَوتِ النجوم فإنهم
... ... ... للطارقين(7) النَّازلين مقاري(8)
وبإسلام كعب بن زهير نستطيع القول بأن الشعراء المعارضين للدعوة الإسلامية قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطاب وعبدالله ابن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام، والعباس بن مرداس، وتحولوا إلى الصف الإسلامي واستظلوا بلوائه عن قناعة وإيمان، ولم يكتف بعضهم بأن تكون كلمته في الدفاع عن الإسلام بل كان سيفه إلى جانب كلمته، وهذا من بركات فتح مكة(9).
سادساً: من نتائج غزوة حنين والطائف:
1-انتصار المسلمين على قبيلتي هوازن وثقيف في هذه الغزوة.
__________
(1) نفس المصدر (4/373).
(2) المنقب: الجماعة من الخيل. يريد به القوم على ظهور جيادهم.
(3) السمهري: الرمح، سوالف الهندي: حواشي السيف.
(4) القائدين: المانعين الناس.
(5) المشرفي: السيف، والقنا، الرماح جمع قناة، والخطار: المهتز.
(6) أماري: أجادل.
(7) خوت النجوم: أي سقطت، الطارقون الذين يأتون بالليل.
(8) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/167،168).
(9) انظر: معين السيرة، ص431،432،433.
(9/36)

2-كانت غزوة حنين والطائف آخر غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - لمشركي العرب.
3-رجوع كثير من أهل مكة والأعراب بغنائم إلى مواطنهم تأليفاً لهم لدخول الإسلام، حصول الأنصار على وسام عظيم وهو شاهدة رسول الله لهم بالإيمان والدعاء لهم ولأبنائهم وأحفادهم ورجوعهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
4-انظمام كوكبة مباركة من قيادة أهل مكة وهوازن إلى الإسلام وأصبحوا حرباً ضروساً على الأوثان والأصنام والمعابد الجاهلية في الجزيرة العربية، كما كان لقبيلة هوازن دور كبير في مجاهدات أهل الطائف والتضييق عليهم حتى أسلموا.
5-توسعت الدولة الإسلامية وأمتدّ نفوذها وأصبح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراء بمكة و على قبيلة هوازن وصارت تلك الأماكن جزء من الدولة الإسلامية التي عاصمتها المدينة النبوية، وأصبح بالإمكان أن يرسل رسول الله بعوث دعوية بدون خوف أو وجل من أحد وصارت المدينة بعد الفتح تستقبل وفود المستجيبين، وأخذت حركة السرايا تستهدف الأوثان والأصنام لتهديمها، فقد أصبح استئصال وجودها من الجزيرة سهلاً، ونظم رسول الله فريضة الزكاة فكلف من يقوم على جمعها من القبائل التابعة للدولة(1).
المبحث الرابع
أهم الأحداث مابين حنين وتبوك
أولاً: ترتيب استيفاء الصدقات:
__________
(1) انظر: الأساس في السنّة وفقهها في السيرة النبوية (2/961).
(9/37)

شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد عودته إلى المدينة في أواخر ذي القعدة في تنظيم الإدارة والجباية، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد استخلف عتاب بن أسيد على مكة حين انتهى من أداء العمرة وخلف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ويعلمهم القرآن، وكان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما تدخل القبائل في الإسلام يحرص على تعليمها وتربيتها ويعين من يشرف على ذلك، لأن النفوس تحتاج إلى العناية، والاهتمام وغرس العقائد الصحيحة، والتصورات السليمة فيها. وفي مطلع المحرم من العام التاسع وجّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عماله إلى المناطق المختلفة، فبعث، بريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار وعباد بن بشر الأشهلي إلى سُليم ومزينة، ورافع بن مكيث إلى جهينة، وعمرو بن العاص إلى فزارة، والضحاك بن شعبان الكلابي إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، وابن اللُّتبيّة الأزدي إلى بني ذبيان ورجلا من بني سعد بن هذيم إلى بني هذيم(1)، والمهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد(2)، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعلي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم(3).
__________
(1) انظر: نظرة النعيم (1/384).
(2) نفس المصدر (1/384).
(3) انظر:نظرة النعيم (1/384).
(9/38)

وكان - صلى الله عليه وسلم - يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما فعل مع عامله ابن اللتبية بن الأزد حيث حاسبه عندما قال الرجل(1) هذا لكم، وهذا اهدي لي، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: مابال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده لاينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيام يحمله على عنقه إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت مرتين(2)، وكان يقول أيضاً: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقاً فما أصاب بعد رزقه فهو غلولا(3).
ثانياً: أهم السرايا في هذه المرحلة:
أ-سرية الطُّفيل بن عمرو إلى ذي الكفلين:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث الطفيل بن عمرو من مقرّه في حنين وقبل أن يسير إلى الطائف، أمره بأن يهدم (ذي الكفين) صنم عمرو بن حُمَمَه الدوسي، ثم يستمد قومه ويوافيه مع المدد إلى الطائف، وقد نفذ الطفيل بن عمرو أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهدم ذي الكفين وحرقه وقاد أربعمائة من قومه ومعهم دبابة ومنجنيق مدداً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوصلوا إليه بعد مقدمه الطائف بأربعة أيام(4).
ب-سرية عبدالله بن حذافة السهمي ويقال أنها سرية الأنصار:
__________
(1) انظر: الدولة العربية الاسلامية، منصور الحرابي، ص43.
(2) مسلم، باب محاسبة الامام عماله رقم 1832؛ صحيح السيرة، ص579.
(3) انظر: التراتيب الادارية للكتاني (1/265).
(4) انظر: نظرة النعيم (1/385).
(9/39)

قال علي بن أبي طالب: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال: أليس أمركم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً فجمعوا فقال: أوقدوا ناراً فأوقدوها فقال: ادخلوها فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضاً ويقولون فررنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف(1).
جـ-سرية علي بن أبي طالب لهدم صنم الفُلس في بلاد طئ:
وفي ربيع الآخر خرجت سرية علي بن أبي طالب إلى الفُلس -صنم لطئ- ليهدمه وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض، فشنّوا الغارة على محلة آل حاتم- حاتم الطائي الذي ضرب المثل بجودة- مع الفجر فهدموا الفُلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السَّبي والنَّعَم والشَّاء وفي السبي أخت عدي بن حاتم. وهرب عدي إلى الشام(2).
د-سرية جرير بن عبدالله الجبلي إلى ذي الخلصة:
__________
(1) البخاري،كتاب المغازي (5/126) رقم 4340.
(2) انظر: تاريخ الاسلام للذهبي، المغازي، ص624.
(9/40)

قال جرير بن عبدالله: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لاأثبتُ على الخيل، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضرب يده على صْدري حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً. قال: فما وقعت عن فرسي بعد، قال وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخشعم وبجيلة، فيه نصب يقال له: الكعبة، قال: فأتاها فحرّقها بالنار وكسرها، قال: ولمّا قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له إن رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدوا أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك قال: فكسرها وشهد ثم بعث جرير رجُلاً من أحمس يُكنى أبا أرطاة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشره بذلك فلّما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يارسول الله والذي بعثك بالحق ماجئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب قال: فبرّك النبي - صلى الله عليه وسلم - على خيل أحمس ورجالها خمس مرّات(1).
ثالثاً: إسلام عدي بن حاتم:
عندما وقعت أخت عدي بن حاتم في أسر المسلمين عاملها رسول الله معاملة كريمة وبقيت معززة مكرمة ثم كساها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطاها ماتتبلغ به في سفرها وعندما وصلت إلى أخيها في الشام شجعته على الذهاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتأثر بنصيحتها وقدم على المدينة(2) ونترك أبو عبيدة بن حذيفة يحدثنا عن قصة إسلام عدي:
__________
(1) البخاري، المغازي (5/132) رقم 4357.
(2) انظر: التاريخ الاسلامي (8/81).
(9/41)

قال أبو عبيدة بن حذيفة: كنت أحدَّثُ عن عدي بن حاتم فقلت هذا عدي في ناحية الكوفة، فلو أتيته، فكنت أنا الذي أسمع منه، فأتيته فقلت: إني كنت أحدث عنك حديثاً، فأردت أن أكون أنا الذي أسمعه منك. قال: لما بعث الله عزوجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فررت منه حتى كنت في أقصى أرض المسلمين مما يلي الروم.
قال: فكرهت مكاني الذي أنا فيه حتى كنت له أشد كراهية له مني من حيث جئت، قال: قلت لآتين هذا الرجل فوالله إن كان صادقاً فلأسمعن منه، وإن كان كاذباً ماهو بضائري.
قال: فأتيته واستشرفني الناس وقالوا: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم، قال: أظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: ياعدي بن حاتم أسلم تسلم، قال: قلت: إني من أهل دين. قال: ياعدي بن حاتم أسلم تسلم، قال، قلت: إني من أهل دين، قالها ثلاثاً. قال: أنا أعلم بدينك منك. قال: قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: (نعم) قال: اليس ترأس قومك؟ قال، قلت: بلى. قال: فذكر محمد الركوسية(1) قال كلمة التمساها يقيمها فتركها قال: فإنه لايحل في دينك المرباع(2).
__________
(1) قوم لهم دين بين النصارى والصائبة. النهاية (2/259).
(2) المرباع: هو ربع الغنيمة يأخذه سيد القوم قبل القسمة.
(9/42)

قال: فلما قالها، تواضعت لها. قال:(وإني قد أرى أن مما يمنعك خصاصة تراها ممن حولي، وأن الناس علينا إلباً واحداً هل تعرف مكان الحيرة؟ قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها. قال: (لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز ثلاث مرات، وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة فلا يجد، قال: فلقد رأيت اثنتين، قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وأيم الله لتكونن الثالثة أنه لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنيه(1) وفي رواية جاء فيه ... فخرجت حتى أقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فدخلت عليه، وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي والله ماهذا بملك قال: ثم مضى بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم(2)، محشوة ليفاً، فقذفها إليَّ، فقال: اجلس على هذه قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأرض قال: قلت في نفسي والله ماهذا بأمر ملك(3) وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها:
1-كان عدي وهو مقبل على رسول الله يحمل في تصوره أنه أحد رجلين إما نبي، أو ملك، فلما رأى وقوف رسول الله مع المرأة الضعيفة الكبيرة مدة طويلة شعر بخلق التواضع وانسلخ من ذهنه عامل الملك، واستقر في تصوره عامل النبوة.
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص580.
(2) أدم: هو بفتحتين الجلد.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/236).
(9/43)

2-كان النبي - صلى الله عليه وسلم - موفقاً حينما انتقد عدياً في مخالفته للدين الذي يعتنقه، حيث حصل لعدي اليقين بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يعلم من دينه مالا يعلمه الناس من حوله.
3-لما ظهر للنبي أن عدياً قد أيقن بنبوته تحدث عن العوائق التي تحول بين بعض الناس واتباع الحق حتى مع معرفتهم بأنه حق، ومنها ضعف المسلمين وعدم اتساع دولتهم، وماهم فيه من الفقر فأبان له النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الأمن سيشمل البلاد حتى تخرج المرأة من العراق إلى مكة من غير أن تحتاج إلى حماية أحد، وأن دولة الفرس ستقع تحت سلطان المسلمين، وأن المال سيفيض حتى لايقبله أحد، فلما زالت عن عدي هذه المعوقات أسلم.
4-كان النبي - صلى الله عليه وسلم - موفقاً في دعوته حيث كان خبيراً بأدواء النفوس ودوائها، ومواطن الضعف فيها وأزمَّة قيادها، فكان يلائم كل إنسان بما يلائم علمه وفكره وماينسجم مع مشاعره وأحاسيسه ولذلك أثر في زعماء القبائل ودخل الناس في دين الله أفواجاً(1).
5-وجد عدي سمات النبوة الصادقة في مظهر معيشته - صلى الله عليه وسلم - وحياته، ووجد هذه السمات أيضاً في لون حديثه وكلامه ووجد مصداق ذلك فيما بعد، في وقائع الزمن والتاريخ، فكان ذلك سبب في إسلامه وزيادة يقينه وانخلاعه عن زخارف الحياة الدنيا ومظاهر الأبهة والترف التي كان قد أسبغها عليه قومه(2).
رابعاً: أحداث متفرقة في سنة ثمان:
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (8/58،86).
(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص321.
(9/44)

قال ابن كثير نقلاً عن الواقدي:... وفي هذه السنة بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدها ومن حولها من الأعراب، وفيها تزوج رسول الله فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها، وفي ذي الحجة منها ولد ابراهيم ابن رسول الله من مارية القبطية فاشتدت غيرة امهات المؤمنين منها حين رزقت ولداً ذكراً(1).
وفي عام 8هـ توفيت السيدة زينب بنت رسول الله وزوج أبي العاص بن الربيع، ولدت قبل المبعث بعشر سنين وكانت أكبر بناته - صلى الله عليه وسلم - تليها رقية ثم أم كلثوم، ثم فاطمة رضي الله عنهن، كان رسول الله محباً لها، أسلمت قديماً ثم هاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين، وكانت قد أجهضت في هجرتها ثم نزفت، وصار المرض يعاودها حتى توفيت ولما ماتت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغسلنها وِتْراً: ثلاثاً، أو خمساً، واجعلن في الآخرة كافوراً(2).
الفصل السابع عشر
غزوة تبوك 9هـ وهي غزوة العسرة
المبحث الأول
تاريخ الغزوة، وأسماؤها وأسبابها

أولاً: تاريخها وأسماؤها:
خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الغزوة في رجب من العام التاسع الهجري(3)، بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر(4).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/374).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/490). الكافور: نبت طيب الرائحة وهو فضلاً عن كونه يطيب الميت يجفف جسمه ويجعله صلباً متماسكاً، ويمنع اسراع الفساد إليه.
(3) انظر: تفسير الطبري (14/540-542)؛ السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص614.
(4) انظر: فتح الباري (16/237).
(9/45)

واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك، نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي(1).
وللغزوة اسم آخر وهو غزوة العسرة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم حينما تحدث عن هذه الغزوة في سورة التوبة، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(سورة التوبة، آية:117) وقد روى البخاري بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك...، وعنون البخاري لهذه الغزوة بقوله:(باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)(2).
__________
(1) صحيح مسلم (4/1784) رقم 706.
(2) البخاري (5/150) رقم 4415.
(9/46)

لقد سميت بهذا الاسم لشدة مالاقى المسلمون فيها من الضنك، فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والسفر شاقاً لقلة المؤونة وقلة الدواب التي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة، وقلة الماء في هذا السفر الطويل والحر الشديد، وكذلك قلة المال الذي يجهز به الجيش وينفق عليه(1)، ففي تفسير عبدالرزاق عن معمر ابن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون مافي كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء(2)، وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يحدثنا عن مدى مابلغ العطش من المسلمين فيقول: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان إحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلايرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرشه فيشربه ويضعه على بطنه(3).
وللغزوة اسم ثالث هو الفاضحة ذكره الزرقاني -رحمه الله- في كتابه شرح المواهب اللدنية(4) ، وسميت بهذا الإسم لأن هذه الغزوة كشفت عن حقيقة المنافقين وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة، ونفوسهم الخبيثة وجرائمهم البشعة بحق رسول الله والمسلمين(5).
وأما موقع تبوك فيقع شمال الحجاز يبعد عن المدينة 778 ميلاً حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعةالخاضعة لسلطان الروم آنذاك(6).
ثانياً: أسبابها:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين لأبي فارس، ص83.
(2) فتح الباري (9/174).
(3) انظر: مجمع الزوائد (6/194).
(4) انظر: شحر المواهب اللدنية (3/62).
(5) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص84.
(6) انظر: المجتمع الاسلامي للعمري، ص229.
(9/47)

ذكر المؤرخون أسباب هذه الغزوة فقالوا: وصلت الأنباء للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنباط الذين يأتون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعاً وأجلبت معهم لحم وجذام وغيرهم من مستنصرة العرب وجاءت في مقدمتهم إلى البلقاء(1)، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغزوهم قبل أن يغزوه(2).
ويرى ابن كثير: إلى أن سبب الغزوة هو استجابة طبيعية لفريضة الجهاد ولذلك عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}(سورة التوبة، آية:123).
والذي قاله ابن كثير هو الأقرب للصواب، إضافة إلى أن الأمر الذي استقر عليه حكم الجهاد هو قتال المشركين كافة بما فيهم أهل الكتاب الذين وقفوا في طريق الدعوة وظهر تحرشهم بالمسلمين كما روى أهل السير(3).
ولايمنع ماذكره المؤرخون بأن سبب الخروج هو عزم الروم على غزو المسلمين في عقر دارهم أن يكون هذا حافزاً للخروج إليهم، لأن أصل الخروج كان وارداً.
__________
(1) البلقاء: هي كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى عاصمتها عمّان.
(2) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/165).
(3) انظر: البداية والنهاية (5/3).
(9/48)

لقد كان المسلمون على حذر من مجئ غسان إليهم من الشام ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهراً فهجرهن، ففي صحيح البخاري: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضرباً شديداً وقال: أنا نائم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، فقلت: ماهو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه، وأطول طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ...(1).
ثالثاً: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد:
__________
(1) البخاري، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته (6/180) رقم 5191.
(9/49)

حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة، لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان رضي الله عنها صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة(1) فهذا عبدالرحمن بن حُباب يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: يارسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حضّ على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يارسول الله عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يارسول الله عليّ ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ماعلى عثمان ماعمل بعد هذه، ماعلى عثمان ماعمل بعد هذه(2)، وعن عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة، قال: فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلبها بيده ويقول: ماضرّ ابن عفان ماعمل بعد اليوم يرددها مراراً(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصارد الأصلية، ص615.
(2) سنن الترمذي، مناقب (5/625-626) رقم 3700.
(3) سنن الترمذي، المناقب (5/626) رقم 3702؛ مسند أحمد (5/63).
(9/50)

وأما عمر فقد تصدق بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك وهذا الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماعنده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً(1).
وروي أن عبدالرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله لتجهيز جيش العسرة(2).
وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبدالمطلب، وطلحة بن عبيدالله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي رضي الله عنهم(3).
وهكذا يفهم المسلمون أن المال وسيلة واستطاع أغنياء الصحابة أن يبرهنوا أن مالهم في خدمة هذا الدين، يدفعونه عن طواعية ورغبة، وإن تاريخ الأغنياء المسلمين تاريخ مشرف، لأنه تاريخ المال في يد الرجال لاتاريخ الرجال تحت سيطرة المال وكما كان الجهاد بالنفس، فكذلك هو بالمال، وإن الذين ربوا على أن يقدموا أنفسهم، تهون عليهم أموالهم في سبيل الله تعالى(4).
إن في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والإنفاق دليلاً على مايفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها مما تحتاج إليه كل أمة لضمان النصر على أعدائها، وخير مايفعله المصلحون وزعماء النهضات هو غرس الدين في نفوس الناس غرساً كريماً(5).
__________
(1) سنن ابي داود، الزكاة (2/312-313) رقم 1678.
(2) انظر: السيرة في ضوء المصادر الأصلية، ص616.
(3) انظر: مغازي الواقدي (3/391).
(4) انظر: معين السيرة، ص449.
(5) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي، ص161.
(9/51)

وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء، ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين، فقد جاء أبو عُقيل بنصف صاع تمر وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوها قائلين: إن الله لغني عن صدقة هذا !!! ومافعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت الآية:{ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ}(1).
وقالوا: ما أعطى بن عوف هذا إلا رياء، فكانوا يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء(2).
لقد حزن الفقراء من المؤمنين لأنهم لايملكون نفقة الخروج إلى الجهاد فهذا عُلَبَة بن زيد أحد البكائين صلى من الليل وبكى، وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابتني بها في جسد أو عرض، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد غفر له(3).
وفي هذه القصة وماجرى فيها آيات من الإخلاص، وحب الجهاد لنصرة دين الله وبثّ دعوته في الآفاق وفيها من لطف الله بضعفاء المؤمنين الذين يعيشون في حياتهم عيشة عملية(4).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص616.
(2) نفس المصدر، ص617.
(3) وردت من طرق ضعيفة ولها شاهد صحيح وهي بالجملة تصلح للشاهد التاريخي. انظر: المجتمع المدني للعمري، ص235.
(4) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/443).
(9/52)

وهذا واثلة بن الأسقع نتركه يحدثنا عن قصته: ... عندما نادى رسول الله في غزوة تبوك، خرجت إلى أهلي، فأقبلت -وقد خرج أول صحابة رسول الله-فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه فإذا شيخ من الأنصار، فقال: لنا سهمه على أن نحمله(1) عقبة، وطعامه معنا؟ فقلت: نعم، قال فسر على بركة الله، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا(2)، فأصابني قلائص(3)، فسقتهن حتى أتيته، فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات ثم قال: سقهن مقبلات، فقال: ماأرى قلائصك إلا كراماً: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا(4).
وهكذا تنازل واثلة في بداية الأمر عن غنيمته ليكسب الغنيمة الأخروية، أجراً وثواباً يجده عند الله يوم لقائه، وتنازل الأنصاري عن قسم كبير من راحته ليتعاقب وواثلة على راحلته ويقدم له الطعام مقابل سهم آخر هو الأجر والثواب.
إنها مفاهيم تنبع من المجتمع الذي تربى على كتاب الله وسنة رسوله، لها نفس الخاصية في الإضاءة وتحمل نفس البريق، متمم بعضها لبعضها الآخر(5).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد فلم يجد مايحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل(6).
__________
(1) عقبة: أي بالتعاقب.
(2) كان واثلة بن الاسقع أحد أفراد سرية خالد بن الوليد في دومة الجندل.
(3) قلائص: إبل.
(4) انظر: جامع الأصول رقم 6188؛ معين السيرة، ص453.
(5) انظر: معين السيرة، ص453.
(6) انظر: المجتمع المدني، ص236.
(9/53)

وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقاً للجهاد وتحرجاً من القعود حتى نزل فيهم قرآن: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ صدق الله العظيم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:91-92).
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد رسول الله، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ماحالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباته، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيره يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين(1) وهم الذين عناهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:
إن بالمدينة أقواماً ماسرتم مسيراً ولاقطعتم وادياً إلا كانوا معكم قالوا: يارسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر(2).
رابعاً: موقف المنافقين من غزوة تبوك:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص618.
(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4433.
(9/54)

عندما أعلن الرسول - صلى الله عليه وسلم - النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس، قائلين لهم: لاتنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم:{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ صدق الله العظيم فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية: 81-82).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في جهازه لتبوك –للجد بن قيس: ياجد: هل لك العام في جلاد الأصفر؟، فقال: يارسول الله أوتأذن لي ولاتفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه مامن رجل أشد عجباً بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال:(قد أذنت لك) ففيه نزلت الآية:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}(سورة التوبة، آية: 49). وذهب بعضهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مبدين أعذاراً كاذبة ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم، فعاتبه الله بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}(سورة التوبة، آية:43).
وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناساً منهم يجتمعون في بيت سُوَيْلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم(1).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص618.
(9/55)

وهذا يدل على مراقبة المسلمين الدقيقة ومعرفتهم بأحوال المنافقين واليهود، فقد كانت عيون المسلمين يقظة تراقب تحركات اليهود والمنافقين واجتماعاتهم وأوكارهم، بل كانوا يطلعون فيها على أدق أسرارهم واجتماعاتهم ومايدور فيها من حبك المؤامرات وابتكار أساليب التثبيط واختلاف الأسباب الكاذبة لإقناع الناس بعدم الخروج للقتال وقد كان علاج رسول الله لدعاة الفتنة وأوكارها حازماً حاسماً، إذ أمر بحرق البيت على من فيه من المنافقين، وأرسل من أصحابه من ينفذه ونفذ بحزم وهذا منهج نبوي كريم يتعلم منه كل مسؤول في كل زمان ومكان كيف يقف من دعاة الفتنة ومراكز الإشاعات المضللة التي تلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات والدول لأن التردد في مثل هذه الأمور يعرض الأمن والأمان إلى الخطر وينذر بزولها(1).
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص121.
(9/56)

لقد تحدث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل الغزوة وأثنائها وبعدها ومما جاء من حديث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل غزوة تبوك مايتضمن استئذانهم، وتخلفهم عن الخروج وكان ممن تخلف عبدالله بن أبي سلول وقد تحدث القرآن عنهم فقال تعالى:{ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}(سورة التوبة، آية:42). فقد بين سبحانه وتعالى -موقف المنافقين وأنهم تخلفوا بسبب بعد المسافة وشدتها وأنه لو كان الذي دعوتهم إليه -يامحمد- عرضاً من أعراض الدنيا ونعيمها وكان السفر سهلاً لاتبعوك في الخروج ولكنهم تخلفوا ولم يخرجوا. فالآية تشرح وتوضح ملابسات موقفهم قبل الخروج إلى الغزوة، وأسباب هذا الموقف، ثم حكى -سبحانه- ماسيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من هذه الغزوة:{ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
كان نزول هذه الآية قبل رجوعه - صلى الله عليه وسلم - من تبوك.
والمعنى: وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله –كذباً وزوراً- قائلين: لو استطعنا أيها المؤمنون أن نخرج معكم للجهاد في تبوك لخرجنا، فإننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التي حملتنا على التخلف(1).
وقوله-سبحانه- :{ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
__________
(1) انظر: حديث القرآن الكريم (2/647).
(9/57)

قال ابن عاشور: أي يحلفون مهلكين أنفسهم أي موقعينها في الهلك -والهلك الفناء والموت، ويطلق على الأضرار الجسمية وهو المناسب هنا- أي يتسببون في ضر أنفسهم بالإيمان الكاذبة وهو ضر الدنيا وعذاب الآخرة وفي هذه الآية دلالة على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك(1).
ثم عاتب الله تعالى-نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}.
قال مجاهد(2): نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا وهؤلاء هم فريق من المنافقين، منهم عبدالله بن أبي سلول، والجد بن قيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسع وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة(3).
والآية الكريمة عتاب لطيف من اللطيف الخبير سبحانه لحبيبه - صلى الله عليه وسلم - على ترك الأولى وهو التوقف عن الإذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال(4)، ثم قال تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ صدق الله العظيم إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:44-45).
__________
(1) انظر: تفسر التنوير والتحرير (10/209).
(2) انظر: تفسير ابن كثير (2/360).
(3) انظر: التنوير والتحرير (10/210).
(4) انظر: حديث القرآن الكريم (2/
(9/58)

هذه الآيات أول مانزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال(1)، فبين سبحانه أنه ليس من شأن المؤمنين بالله واليوم الآخر الاستئذان وترك الجهاد في سبيل الله وإنما هذا من صفات المنافقين الذين يستأذنون من غير عذر وصفهم
-سبحانه- بقوله:{ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: شكت في صحة ماجئتهم به، وقوله: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي: يتحيرون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ثابتة في شيء(2).
لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين ولم يعد هناك أي مجال للتستر على المنافقين أو مجاملتهم بل أصبحت مجابهتهم أمراً ملحاً بعد أن عملوا كل مافي وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والذي نزل به القرآن الكريم، بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجباً شرعياً(3).
خامساً: إعلان النفير وتعبئة الجيش:
أعلن النفير العام للخروج لغزوة تبوك حتى بلغ عدد من خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك ثلاثين ألفاً، وقد عاتب القرآن الكريم الذين تباطأوا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} (سورة التوبة، آية:38).
__________
(1) انظر: تفسير المراغي (4/127).
(2) انظر: تفسير ابن كثير (2/361).
(3) انظر: نظرة النعيم (1/389).
(9/59)

وقد طالبهم القرآن الكريم بأن ينفروا شباناً وشيوخاً وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(سورة التوبة، آية:41).
لقد استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل(1) من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى ولقد أعلن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غير عادته في غزواته هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال بني الأصفر (الروم)، علماً بأن هديه في معظم غزواته أن يورى فيها(2)، ولايصرح بهدفه ووجهته وقصده حفاظاً على سرية الحركة ومباغتة العدو(3).
وقد استدل بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضي المصلحة ستره، وقد صرّح - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة -على غير العادة- بالجهة التي يريد غزوها وجلّى هذا الأمر للمسلمين، لأسباب منها:
1-بعد المسافة، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدرك أن السير إلى بلاد الروم يُعدُ أمراً صعباً، لأن التحرك سيتم في منطقة صحراوية ممتدة، قليلة الماء والنبات، ولابدّ حينئذ من اكمال المؤنة ووسائل النقل للمجاهدين قبل بدء الحركة حتى لايؤدي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود.
2-كثرة عدد الروم بالإضافة إلى أن مواجهتهم تتطلب إعداداً خاصاً، فهم عدو يختلف في طبيعته عن الأعداء الذين واجههم النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل، فأسلحتهم كثيرة، ودرايتهم بالحرب كبيرة وقدرتهم القتالية فائقة(4).
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص97.
(2) نفس المصدر، ص97.
(3) المصدر السابق، ص97.
(4) انظر: الرسول القائد، ص398.
(9/60)

3-شدة الزمان، وذلك لكي يقف كل امرئ على ظروفه ويعدّ النفقة اللازمة له في هذا السفر الطويل لمن يعول وراءه(1).
4-أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة(2).
لقد شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم الخطط الحربية، ومراعاة المصلحة العامة في حالتي الكتمان والتصريح ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال(3).
ولما علم المسلمون بجهة الغزوة سارعوا إلى الخروج إليها وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفقة قائلاً: من جهز جيش العسرة فله الجنة(4).
واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ماخلَّفه إلا استثقالاً وتخففا منه، فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بالجرف(5)، فقال: يانبي الله: زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لانبيَّ بعدي(6) فرجع علي إلى المدينة(7).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (5/4).
(2) انظر: غزوة تبوك، ص57، محمد احمد باشميل.
(3) انظر: القيادة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ص510.
(4) البخاري، كتاب الفضائل، باب مناقب عثمان (4/243).
(5) انظر: زاد المعاد (3/529).
(6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص589؛ البخاري، كتاب المغازي رقم 4416.
(7) انظر: زاد المعاد(3/530).
(9/61)

وكان استخلاف علي رضي الله عنه في أهله باعتبار قرابته ومصاهرته فكان استخلافه في أمر خاص، وهو القيام بشأن أهله وكان استخلاف محمد بن مسلمة الأنصاري في الغزوة نفسها استخلافاً عاماً، فتعلق بعض الناس بأن استخلاف علي يشير إلى خلافته من بعده، ولاصحة لهذا القول، لأن خلافته كانت في أهله خاصة(1).
وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله، اختار الأمراء والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى لواء الأعظم إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام - رضي الله عنه - ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواءً(2)، واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان رضي الله عنه يطوف في أصحابه على العسكر(3)، وكان دليل رسول الله في هذه الغزوة علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقد كان من أصحاب الخبرة والكفاءة في معرفة طريق تبوك(4).
وقد انفرد الواقدي بالمعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات، وهو متروك، ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لايضر(5).
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص466،467.
(2) انظر: المغازي (3/996)؛ الطبقات الكبرى لابن سعد (2/166).
(3) انظر: سبل الهدى والرشاد (5/652)؛ الصراع مع الصلبيين، ص99.
(4) انظر: إمتاع الاسماع (1/451)؛ شرح المواهب اللدنية (3/72).
(5) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/532).
(9/62)

ويلاحظ الباحث التطور السريع لعدد المقاتلين بشكل عام ولسلاح الفرسان بشكل خاص: إن الذي يدرس تاريخ الدعوة الإسلامية، ونشوء الدولة الإسلامية ومؤسساتها العامة، وفي مقدمة هذه المؤسسات الجيش الإسلامي القوة الضاربة للدولة، يلاحظ أن هناك تطوراً سريعاً جداً في مجال القوة العسكرية إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدر الكبرى ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلاً، وفي غزوة أحد بلغ سبعمائة مقاتل تقريباً وفي غزوة الأحزاب ثلاث آلاف مقاتل، وفي غزوة فتح مكة عشرة آلاف، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر الف مقاتل وأخيراً بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتل أو يزيد.
وإن الدارس يلاحظ هذا التطور السريع الملفت للنظر في مجال سلاح الفرسان ففي غزوة بدر كان عدد الفرسان فارسين في بعض الروايات، وفي غزوة أحد لم يتجاوز عدد الفرسان ماكان في بدر ويقفز العدد بعد ست سنوات فقط إلى عشرة آلاف فارس، وهذا يعود إلى انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وبخاصة في البادية، ذلك لأن أهلها يهتمون باقتناء الخيول وتربيتها أكثر من أبناء المدن(1).
المبحث الثاني
أحداث في الطريق والوصول إلى تبوك
وبعد تعبئة الجيش وتوزيع المهام والألوية والرايات توجه الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، ولم ينتظر أحداً قد تأخر، وقد تأخر نفر من المسلمين يظن فيهم خيراً وكلما ذكر لرسول الله اسم رجل تأخر قال - صلى الله عليه وسلم -: دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه(2).
أولاً: قصة أبي ذر الغفاري:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص100.
(2) انظر: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء للكلاعي (2/276).
(9/63)

قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائراً، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يارسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يارسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره.
فقال: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، وتلوّم(1) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشياً، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يارسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كن أبا ذرّ(2). فلما تأمَّله القوم قالوا: يارسول الله، هو الله أبو ذر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده(3)، ومضى الزمان وجاء عصر عثمان ثم حدثت بعض الأمور وسُيَّر أبو ذر إلى الرَّبدة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: إذا متُّ فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرُّون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ماهذا فقيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى دفنه(4)، وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
__________
(1) تلوَّم على بعيره: تمهل.
(2) كن أبا ذر: لفظة لفظ الأمر ومعناه الدعاء أرجو الله أن تكون أبا ذر.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/178).
(4) نفس المصدر (4/178).
(9/64)

1-ماتعرض له أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من الصعوبات والمخاطر التي نجاه الله منها وقواه بالصبر عليها، لقد بذل أبو ذر جهداً كبيراً في المشي على قدميه وهو يحمل متاعه على ظهره حتى لحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين لكي ينال شرف الجهاد في سبيل الله(1).
2-وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، دلالة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار على صدق نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ الإخبار بأمور لم تقع ثم تقع بعد الإخبار يدل على معجزة وتكريم من الله لهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذه الوسيلة من إثبات النبوة كثيرة في السيرة النبوية الشريفة(2).
3-كما أن في القصة دلالة على علم ابن مسعود رضي الله عنه وقوة ذاكرته وسرعة استحضاره لما حفظ، حيث تذكر بعد سنوات عديدة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما سيئول إليه أمر أبي ذر في آخر حياته رضي الله عنه(3).
ثانياً: قصة أبي خيثمة:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص129؛ التاريخ الاسلامي للحميدي (8/114).
(2) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص129.
(3) انظر: التاريخ الاسلامي (8/114).
(9/65)

قال ابن إسحاق: ... ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياماً إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه(1)، قد رشت كلُّ واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضِّح(2)، والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلٍّ بارد، وطعام مُهيَّأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ماهذا بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهيئا لي زاداً، ففعلتا ثم قدّم ناضحة(3) فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجُمحي في الطريق، يطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً، فلا عليك أن تَخَلَّف عني حتى آتي رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كن أبا خيثمة، فقالوا: يارسول الله هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أولى لك يا أبا خيثمة(4). ثم أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيراً، ودعا له بخير(5).
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعراً، واسمه مالك بن قيس:
لما رأيت الناس في الدين نافقوا
... ... ... أتيت التي كانت أعفَّ وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد
__________
(1) حائطه: أي بستانه.
(2) الضح: أي في الشمس.
(3) ناضحة: أي جملة.
(4) اجدر بك.
(5) انظر: البداية والنهاية (5/8).
(9/66)

... ... ... فلم أكتسب إثما ولم أغشى محرما
تركت خضيبا(1) في العريش وصرمة(2)
... ... ... صفايا(3) كراماً يُسْرُها قد تحمَّما(4)
وكنت إذا شك المنافق أسمحت(5)
... ... ... إلى الدين نفسي شطره حيث يَمما(6)
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
1-المسلم صاحب ضمير حي:
فقد رأى أبو خيثمة رضي الله عنه ما أعدّت له زوجتاه من الماء البارد والطعام مع الظل المبرد والإقامة فتذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وماهو فيه من التعرض للشمس والريح والحر فأبصر وتذكر وتيقظ ضميره وحاسب نفسه، ثم عزم على الخروج، وخرج وحده يقطع الفيافي والقفار حتى التقى بعمير بن وهب الجمحي ولعله كان قادماً من مكة، فهذه الصورة تبين لنا مثلاً من سلوك المتقين الذين تمر عليهم لحظات ضعف يعودون بعدها أقوى إيماناً مما كانوا عليه إذا تذكروا وراجعوا أنفسهم وفي بيان ذلك يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(سورة الأعراف، آية:201).
وقد تذكر سريعاً وخرج لعله يدرك مافاته، وظل يشعر بالذنب حتى وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك وحصل على رضاه وسروره(7).
2-معرفة الرسول بأصحابه وبمعادنهم:
__________
(1) خضيباً: مخضوبة وهي المرأة.
(2) صرمة: جماعة النخل.
(3) صفايا: كثيرة الثمر.
(4) تحمماً: أخذ في الارطاب فاسود.
(5) أسمحت: انقادت.
(6) انظر: البداية والنهاية (5/8).
(7) انظر: التاريخ الاسلامي (8/111،112).
(9/67)

إن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما قال له أصحابه: هذا راكب على الطريق مقبل: كن أبا خيثمة، فلما اقترب وعرفوه قالوا: يارسول الله هو والله أبو خيثمة، يدل على معرفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه وأنه أعرفهم بمعادن رجاله، يعرف المستجيب من غيره، ويعرف التائب النائب إلى ربه إذا زل قدمه بسرعة رجوعه، ومعرفة خصال الرجال ومعادنهم تدل على معرفة واسعة، وخبرة مستوعبة فاحصة نتيجة التعامل والاحتكاك في ميادين الحياة المختلفة، فقد كان يخالط الجميع، يسمع منهم ويسمعهم، ويسيرون معه، ويجاهدون تحت رايته(1).
3-حزم أبي خيثمة وصبره ونفاذ عزيمته:
تأمل هذا القرار الذي اتخذه أبو خيثمة رضي الله عنه أن يلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، في هذه الرحلة المضنية، في هذه الصحراء قليلة الماء ذات الحر اللافح، لقد اتخذ هذا القرار الحازم ونفذه بدقة، فدل على قوة عزيمته وعنفوان إرادته وعلى جلده وصبره(2).
4-عتاب القائد للجندي له أثره:
وصل أبو خيثمة معترفاً بذنبه، يطرح السلاح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعاتبه - صلى الله عليه وسلم - معاتبة تحمل في طياتها اللوم والتأنيب والتهديد إذ قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أولى لك يا أبا خيثمة، فهي كلمة فيها معنى التهديد، ومعناها دنوت من الهلكة.
إنه مما لاشك فيه أن هذا الكلام كان له وقعه في نفس الجندي، إذ أوقفه على حقيقة ماارتكب من الذنب.
وهذا منهج نبوي كريم في تعليم القادة عدم السكوت على أخطاء الجنود، لأن ذلك يضرهم ويلحق الضرر بغيرهم، بل عليهم أن يسعوا إلى تصويب الخطأ، ومحاسبة مرتكبه وتقويمه وبذلك يكونوا معلمين ومرشدين ومربين(3).
ثالثاً: الوصول إلى تبوك:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص133.
(2) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص133،134.
(3) نفس المصدر، ص134.
(9/68)

عندما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجد أثراً للحشود الرومانية ولا القبائل العربية، وبالرغم أن الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك لم تفكر القيادة الرومانية مطلقاً في الدخول مع المسلمين في قتال، حتى القبائل العربية المنتصرة آثرت السكون، أما حكام المدن في أطراف الشام فقد آثروا الصلح ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - هدية وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية، وأرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه على رأس سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارساً إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبدالملك الكندي -ملكها- وهو في الصيد خارجها(1)، فصالحه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجزية(2)، وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا(3)، وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح(4)، وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية(5)، وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدات لكل من أهل جرباء وأذرح(6)، ولأهل مقنا(7)، يؤدي بموجبها هؤلاء الناس من نصارى العرب الجزية كل عام، وتخضع لسلطان المسلمين، لقد انفرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإمارات الواقعة
__________
(1) انظر: الإصابة (1/412-415) من طريق ابن اسحاق بإسناد حسن.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/180).
(3) نفس المصدر(4/180) بإسناد حسن.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/17) وفي اسناده ابن لهيعة عن ابي الاسود وابن لهيعة ضعيف فضلاً عن إرسال عروة.
(5) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص241.
(6) المغازي (3/1032).
(7) انظر: الوثائق السياسية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص119-124.
(9/69)

في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات وبذلك أمن حدود الدولة الإسلامية الشمالية(1)، وبهذه المعاهدات قصّ - صلى الله عليه وسلم - أجنحة الروم، فقد كانت هذه القبائل تابعة للروم ودخلوا في النصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله والتزامها بالجزية يعتبر قصٌّ لهذه الأجنحة، وبتر لحبال تبعيتهم للروم، وتحريرلها من هذه التبعية التي كانت تذلهم وتخضعهم لسلطان الروم، لينالوا من تساقط فتاتهم شيئاً يعيشون به، وخوفاً من ظلمهم لقوتهم الباطشة وقد وفوا بعهد الصلح والتزموا أداء الجزية، فأعطوها عن يد وهم صاغرون(2)، وهذه سياسة نبوية حكيمة اختطها رسول الله في بناء الدولة ودعوة الناس لدين الله، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين وبين الروم بإمارات تدين للرسول بالطاعة وتخضع لحكم المسلمين وأصبحت في زمن الخلفاء الراشدين نقاط ارتكاز سهلت مهمة الفتح الإسلامي في عهدهم فمنها انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم(3).
رابعاً: وصايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجيش عند مروره بحجر ثمود:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص217.
(2) محمد صادق عرجون (4/479).
(3) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص221.
(9/70)

قال أبو كبشة الأنصاري رضي الله عنه: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنادى في الناس: الصلاة جامعة، قال: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ممسك بعيره، وهو يقول: ماتدخلون على قوم غضب الله عليهم، فناداه رجل منهم: نعجب منهم يارسول الله، قال: أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وماهو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله عزوجل لايعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لايدفعون عن أنفسهم شيئاً(1) وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الناس نزلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهريقوا مااستقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة(2) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر(3) فأسرع حتى خلفها(4) وهذا منهج نبوي كريم في توجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضب الله على الذين كذبوا رسوله، وأن لايغفلوا عن مواطن العظة برسومها الدارسة، وأطلالها القديمة، ونهانهم عن الانتفاع بشيء مما في ربوعها، حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة، بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقاً للتأثر بعذاب الله، ولو أنهم مروا بها كما نمر نحن بآثار السابقين، لتعرضوا لسخط الله، فإن الغابرين شهدوا المعجزات ودلائل النبوات، وعاينوا العجائب، لكن قست قلوبهم،
__________
(1) انظر: الفتح الرباني (21/195).
(2) البخاري، كتاب الانبياء رقم 3379.
(3) زجر: أي زجر ناقته ومعناه ساقها سوقاً شديداً حتى خلفها أي جاوز المساكن.
(4) البخاري، كتاب الأنبياء رقم 3381.
(9/71)

فاستهانوا بها، وحق عليهم العذاب، وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون، من نقمة الله وغضبه.
إن الله عزوجل ماقص علينا من أنباء الأمم الخالية، إلا لكي نأخذها منها العظة والاعتبار، فإذا شهدنا بأعيننا ديارهم التي نزل فيها سخط المولى عزوجل وعذابه الأليم، وجب أن تكون الموعظة أشد، والاعتبار أعمق، والخوف من سخط المولى -سبحانه- أبلغ. ولهذا تسجى النبي صلوات الله وسلامه عليه -بثوبه لما مر بالديار الملعونة المسخوطة، واستحث خطا راحلته(1) وقال لأصحابه: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم ما أصابهم(2).
خامساً: وفاة الصحابي عبدالله ذو البجادين(3) رضي الله عنه:
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها، أنظر إليها، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول - صلى الله عليه وسلم - في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا إلى أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقة، قال: اللهم إني أمسيت راضياً عنه، فارض عنه. قال (الراوي عن ابن مسعود) قال عبدالله بن مسعود: ياليتني كنت صاحب الحفرة(4).
__________
(1) انظر: صور وعبرمن الجهاد النبوي في المدينة، ص480.
(2) البخاري، كتاب الأنبياء رقم 3381.
(3) البجاد: الكساء الغليظ الجافي.
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص598.
(9/72)

قال ابن هشام: وإنما سمى ذو البجادين، لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد، ليس عليه غيره فهرب منهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان قريباً منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ذو البجادين، لذلك(1).
وفي هذه القصة دروس وحكم وفوائد منها:
1-تكريم النبي - صلى الله عليه وسلم - لجنوده أحياء وأمواتا:
فهذا الفعل مع ذي البجادين يدل على حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تكريم أصحابه حتى في حالة الوفاة، لأنهم قدّموا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، تاركين وراءهم أعز مايملكون، فكانت تلك الرعاية مظهراً من مظاهر تكريمهم في الدنيا، حيث لم يترك جثثهم تتناوشها الذئاب وغيرها من دواب الأرض لكي يكون هذا التكريم من الأسباب التي تدفع غيرهم إلى الاستبسال والإقدام في ميادين الجهاد ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ لم يجد من يدعو إلى تطبيقه إلاّ في العصر الحديث. وبهذا يمكن أن يقال: إن رعاية القائد المسلم لشؤون جنده تعد سبقاً عسكرياً لم تعرفه النظم والدساتير الوضعية إلا بعد قرون طويلة من بزوغ الإسلام(2).
فهذه صورة من البر والتكريم فريدة يتيمة، لن تجد في تاريخ الملوك والحكام، من يبرُّ ويتواضع إلى هذا المستوى، إلى حيث يوسد الحاكم فرداً من رعيته بيده في مثواه الأخير، ثم يلتمس له المرضاة من رب العالمين، أما هو فقد أعلن أنه أمسى راضياً عنه(3).
2-جواز الدفن في الليل والغبطة مشروعة في الخير:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/182).
(2) انظر: المدخل الى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الاسلامية، ص299.
(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص472.
(9/73)

فقد دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذا البجادين ليلاً، والسنة أن يعجل في دفن الميت، كما أن الغبطة وهي أن تتمنى حصول الخير لك كما حصل لغيرك من إخوانك وهذا عكس الحسد، إذ الحسد تتمنى زوال النعمة عن غيرك والحسد كله شر كما ترى، أما الغبطة فلا تكون إلا في الخير(1) تأمل قول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - حينما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بحق ذي البجادين: اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارضى عنه، فقال ابن مسعود: ياليتني كنت صاحب اللحد(2)، إنها كلمة كل مؤمن آمن بالله واليوم الآخر، ووقف موقفه ذاك فقد عرفوا أين تكون ميادين التنافس(3).
سادساً: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة:
ظهرت في غزوة تبوك معجزات منها:
1-الله تعالى يرسل السحاب لدعاء نبيه بالسقيا:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص163،164.
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص598.
(3) انظر: معين السيرة، ص452.
(9/74)

لما جاوز النبي - صلى الله عليه وسلم - حجر ثمود، أصبح الناس ولاماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه، واستسقى لمن معه من المسلمين، فأرسل الله -سبحانه وتعالى- سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، فتحدث ابن اسحاق عمن قال لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله! إن كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضاً على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ماكان، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه ونقول: ويحك! هل بعد هذا الشيء؟ قال: سحابة مارة(1).
2-خبر ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائراً في طريقه إلى تبوك، ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أصحابه، يقال له: عُمارة بن حزم وكان عقبيّاً بدرياً، وهم عم بني عمروبن حزم، وكان في رحله زيد بن اللُّصيت القينقاعي، وكان منافقاً.
قال زيد بن اللُّصيت وهو في رحل عمارة، وعُمارة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أليس محمد يزعم أنه نبي؟ ويخبركم عن السماء، وهو لايدري أين ناقته؟
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/176)؛ صور وعبر من الجهاد النبوي، ص473.
(9/75)

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعُمارة عنده: إن رجلاً قال: هذا محمد يخبركم أنه، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لايدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ماعلمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاؤوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شيء حدَّثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنفاً، عن مقالة قائل، أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: زيد، والله، قال هذه المقالة قبل أن تأتي فأقبل عمارة على زيد، يجأ في عنقه (يطعنه فيه) ويقول: إليّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، أخرج، ايْ عدو الله(1) من رحلي، فلا تصحبني. قال ابن اسحاق: فزعم بعض الناس أن زيداً تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل مُتَّهماً بشرَّ حتى هلك(2).
3-الأخبار بهبوب ريح شديدة والتحذير منها:
أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في تبوك بأن ريحاً شديدة ستهب وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم فلا يخرجوا حتى لاتؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لاتؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهبت الريح الشديدة وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد(3)، فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي حميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ(4).
__________
(1) انظر: إعلام النبوة للماوردي، ص100؛ السيرة النبوية لابن هشام (4/177).
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/177).
(3) انظر: الصراع مع الصلبيين ، ص141.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (15/42)؛ مختصر مسلم رقم 1543.
(9/76)

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم معقباً على هذا الحديث: هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة من أخباره - صلى الله عليه وسلم - بالمغيب، وخوف الضرر من القيام وقت الريح(1).
4-تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه من خصب:
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك(2)، تنبض(3) بشيء من مال، فسألهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل مستما من مائها شيئاً؟ قالا: نعم، فسبهما النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال لهما ماشاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، وغسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو غزير حتى استقى الناس(4).
__________
(1) شرح النووي على صحيح مسلم (15/42).
(2) الشراك: هو سير النعل ومعناه ماء قليل جداً.
(3) تبعني: بفتح التاء وكسر الموحدة وتشديد الضاد ومعناه تسيل.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (15/41)؛ مختصر مسلم رقم 1530.
(9/77)

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل: يوشك يامعاذ إن طالت بك حياة أن ترى ماهاهنا قد ملئ جناناً(1)، لقد كانت منطقة تبوك والوادي الذي كانت فيه العين منطقة جرداء لقلة الماء ولكن الله -عزوجل- أجرى على يد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بركة تكثير هذا الماء حتى أصبح يسيل بغزارة، ولم يكن هذا آتياً لسد حاجة الجيش، بل أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - بأنه سيستمر وستكون هناك جنان وبساتين مملوءة بالأشجار المثمرة ولقد تحقق ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - - بعد فترة قليلة من الزمن، ولازالت تبوك حتى اليوم تمتاز بجنانها وبساتينها ونخيلها وتمورها، تنطق بصدق نبوة الرسول وتشهد بأن الرسول لايتكلم إلا صدقاً ولايخبر إلا حقاً ولاينبئ بشيء إلا ويتحقق(2).
5-تكثير الطعام:
__________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي (15/41)؛ الفتح الرباني (21/196).
(2) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص142.
(9/78)

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يارسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا(1) فأكلنا وأدمنا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إفعلوا، فجاء عمر فقال: يارسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر(2)، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بنطع(3) فبسطه، ثم دعاهم بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجئ بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع في ذلك شيء يسير، ثم دعا عليه بالبركة، ثم قال لهم: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا من أوعيتهم حتى ماتركوا من المعسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لايلقى الله بهما عبد غير شاك فتحجب عنه الجنة(4).
هذه بعض المعجزات والكرامات التي أظهرها الله على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك تدل على صدق نبوته ورسالته وتدل على رفعة منزلته وتكريمه عند ربه(5).
سابعاً: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة:
أ-قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:
__________
(1) نواضحتا: جمع ناضح وهي الأبل التي يسقى عليها.
(2) الظهر: مايحمل عليه من الإبل.
(3) النطع: بساط من الجلد.
(4) الفتح الرباني (21/196-198).
(5) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص141.
(9/79)

قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء .. فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن. قال عبدالله: فأنا رأيته متعلقاً بحقب(1) ناقة رسول الله والحجارة تنكبه(2)، وهو يقول: يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟
وفي رواية قتادة قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات...!!، فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: احبسوا على هؤلاء الركب. فأتاهم فقال: قلتم كذا قلتم كذا، قالوا فأنزل الله فيهم ماتسمعون(3) فأنزل الله تعالى:{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ صدق الله العظيم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:64-65).
والاستفهام في قوله:{ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} استفهام إنكاري.
والمعنى: قل يامحمد لهؤلاء موبخاً ومنكراً: ألم تجدوا ماتستهزئون به في مزاحكم ولعبكم -كما تزعمون- سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟
__________
(1) الحقب: حبل يشد به الرحل في بطن البعير.
(2) الحجارة تنكبه: تصيبه وتؤذيه.
(3) انظر: الدر المنثور للسيوطي (4/230).
(9/80)

ثم بين سبحانه - أن استهزاءهم هذا أدى بهم إلى الكفر فقال: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} (سورة التوبة، آية:66).
ومعنى الآية: أي لاتذكروا هذا العذر لدفع هذا الجرم، لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لاينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرار بذنبكم فهو كما يقال: عذر أقبح من ذنب(1).
وقوله:{ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: إن نعف عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم كمِخَشنّ بن حُمَير نعذب بعضاً آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه(2).
ب- إيذاء الرسول والمؤمنين ومحاولة اغتيال رسول الله:
وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعالى:{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(سورة التوبة، آية:74).
__________
(1) انظر: تفسير المراغي (4/153).
(2) نفس المصدر (4/153).
(9/81)

وقد قال ابن كثير أن الضحاك قال: إن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير وكانوا بضعة عشر رجلاً نزلت فيهم هذه الآية(1) وفي رواية الواحدي عن الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ماقالوا حذيفة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم رسول الله: ياأهل النفاق ماهذا الذي بلغني عنكم؟ فحلفوا ماقالوا شيئاً من ذلك، فأنزل الله هذه الآية إكذاباً لهم(2).
والمعنى الإجمالي للآية: (يحلفون بالله أنهم ماقالوا تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن هذه الكلمة لأنه لاينبغي ذكرها...)(3).
أما همهم بما ينالوا فهو اغتيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبة منصرفة من تبوك - ذاك أنه لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلاً من تبوك إلى المدينة ... وسبب النزول السابق ذكره يوضح ذلك وقوله:{ وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم شيئاً يقتضي الكراهة والهم بالإنتقام، إلا أن أغناهم الله تعالى إياهم ورسوله من فضله بالغنائم التي هي عندهم أحب الأشياء لديهم في هذه الحياة.
وقوله تعالى:{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ}.
أي: فإن يتوبوا من النفاق ومايصدر عنه من مساوئ الأقوال والأفعال، يكن ذلك المتاب خيراً لهم في الدنيا والآخرة.
__________
(1) تفسير ابن كثير (2/372).
(2) انظر: اسباب النزول للواحدي، ص251.
(3) انظر: حديث القرآن الكريم (2/665).
(9/82)

وقوله:{ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}.
أي: وإن يعرضوا عما دعوا إليه من التوبة وأصروا على النفاق وماينشأ منه من المساوئ الخلقية والنفسية يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا بما يلازم قلوبهم من الخوف والهلع(1).
المبحث الثالث
العودة من تبوك إلى المدينة وحديث القرآن الكريم
في المخلفين عن الغزوة وعن مسجد ضرار

عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين ليلة(2) وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وهو راجع إلى المدينة ولما اقترب من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه ودخل المدينة، فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس وجاء المخلفون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمون له الاعتذار وكانوا أربعة أصناف فمنهم من له أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى، ومنهم من ليس له أعذار شرعية وتاب الله عليهم، ومنهم من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، ومنهم من منافقي المدينة.
أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى:
__________
(1) انظر: حديث القرآن الكريم (2/666).
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص603.
(9/83)

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ صدق الله العظيم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ صدق الله العظيم } (سورة التوبة، آية:
91-92).
بينت هذه الآيات الكريمة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان لهم عذر شرعي بأنه ليس عليهم حرج وليس عليهم إثم في هذا التخلف، ذلك لأن لهم عذراً شرعياً منعهم من الخروج وفي المراد بالضعفاء: أنهم الزمن والمشايخ الكبار، وقيل الصغار وقيل المجانين، سموا ضعافاً لضعف عقولهم ذكر القولين الماوردي: والصحيح أنهم الذين يضعفون لزمانه أو عمى، أو سن، أو ضعف في الجسم. والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال(1).
وقوله:{وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ}.
أي: ليس على الذين لايجدون نفقة تبلغهم إلى الغزو حرج أي إثم {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إذا عرفوا الحق، وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه(2).
وقوله:{ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}. قال الطبري: يقول تعالى ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله في تخلفه عن رسول الله عن الجهاد معه، لعذر يعذر به طريق يتطرق عليه فيعاقب من قبله{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
يقول تعالى: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها(3).
__________
(1) انظر: زاد المسير (4/485).
(2) انظر: تفسير القرطبي (8/226).
(3) انظر: تفسير الطبري (10/211).
(9/84)

وقال القرطبي: الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز، من جهة القوة أو العجز من جهة المال(1).
وقوله:{وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ..} معطوف على ماقبله، من عطف الخاص على العام، اعتناءاً بشأنهم وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله قبل ذلك {أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}.
أي: لاحرج ولا إثم على الضعفاء ولاعلى المرضى ولا على الذين لايجدون ماينفقون، إذا ماتخلفوا عن الجهاد، وكذلك لاحرج ولا إثم -أيضاً- على فقراء المؤمنين {الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} على الرواحل التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل { قُلْتَ} لهم يامحمد(2) {لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} وقوله {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} اي انصرفوا وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأن لايجدوا المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك(3).
ثانياً: المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم:
جاءت ثلاث آيات تتحدث عن هؤلاء المخلفين وهي:
1-قوله تعالى:{ وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(سورة التوبة، آية:102).
__________
(1) انظر: تفسير القرطبي (8/226).
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/672).
(3) نفس المصدر (2/673).
(9/85)

ومعنى الآية الكريمة: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم والمراد بالعمل الصالح: ماتقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن والمراد بالعمل السيء: هو تخلفهم عن هذه الغزوة. وقد أتبعوا هذا العمل السيء عملاً صالحاً وهو الاعتراف به والتوبة عنه.
وأصل الاعتراف والإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لايكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال وقد وقع منهم مايفيد هذا. ومعنى الخلط أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
وفي قوله:{ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} دليل على أنه قد وقع منهم مع الإعتراف مايفيد التوبة، أو مقدمة التوبة وهي الإعتراف قامت مقام التوبة وحرف الترجي وهو عسى هو في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع لإن الأطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين :{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده(1).
2-قوله تعالى:{ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(سورة التوبة، آية:106).
__________
(1) انظر: تفسير الشوكاني (2/399).
(9/86)

والمراد بهؤلاء المرجون كما في الصحيحين هلال بن أمية، وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع .. وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ما مع الهم باللحاق به عليه الصلاة والسلام فلم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ماكان من المتخلفين قالوا: لاعذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري(1) وأمر رسول الله باجتنابهم وشدد الأمر عليهم كما سنتعلمه إن شاء الله تعالى، وقد وقف امرهم خمسين ليلة لايدرون ماالله تعالى فاعل بهم(2).
3-قال تعالى:{ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(سورة التوبة، آية:118).
والمراد بهؤلاء الثلاثة هم هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وفيهم نزلت هذه الآية(3)، وسوف نتحدث عن هذه القصة بإذن الله بنوع من التفصيل لما فيها من الدروس والعبر والحكم.
ثالثاً: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة:
هؤلاء المخلفون من منافقي الأعراب نزل فيهم قوله تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(سورة التوبة، آية:90).
__________
(1) أي الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد كأبي لبابة وأصحابه.
(2) انظر: تفسير الآلوسي (11/17).
(3) انظر: حديث القرآن الكريم (2/677).
(9/87)

ومعنى الآية: أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاؤا به من الأعذار بحق أو باطل على كلا التفسيرين لأجل أن يأذن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتخلف عن الغزوة وطائفة أخرى لم يعتذروا، بل قعدوا عن الغزوة ولغير عذر، وهم منافقوا الأعراب الذين كذبوا الله ورسوله ولم يؤمنوا ولاصدقوا، ثم توعدهم الله -سبحانه- فقال: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} أي: من الأعراب، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين لم يعتذروا بل كذبوا بالله ورسوله:{ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: كثير الألم فيصدق على عذاب الدنيا والآخرة(1).
ونزل فيهم قوله تعالى:{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ.....).
والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب منافقون، فاحترسوا منهم(2).
رابعاً: المخلفون من منافقي المدينة:
قال تعالى:{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ صدق الله العظيم فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ صدق الله العظيم فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}(سورة التوبة، آية:81،82،83).
وتفسير الآيات السابقة كالآتي:
__________
(1) انظر: تفسير الشوكاني (2/391).
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/681).
(9/88)

المخلفون: اسم مفعول مأخوذ من قولهم خلف فلان فلاناً وراءه إذا تركه خلفه بالمخلف: المتروك خلف من مضى(1)، {بِمَقْعَدِهِمْ}: يقعدوهم {خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} قال ابن الجوزي: فيها قولان:
أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والثاني: أن معناه: مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالمعنى بأنهم قعدوا لمخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(2).
والمعنى: قال ابن كثير: يقول تعالى ذاماً للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وفرحوا بقعودهم بعد خروجه {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا} معه بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا: أي بعضهم لبعض {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {قُلْ} لهم {نَارُ جَهَنَّمَ} التي تصيرون إليها بمخالفتكم {أَشَدُّ حَرًّا} مما فررتم منه من الحر(3)، {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} تذييل قصد به الزيادة في توبيخهم وتحقيرهم(4).
وقوله:{ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
والمعنى: أنهم فرحوا وضحكوا طوال أعمارهم في الدنيا، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة، لأن الدنيا فانية، والآخرة باقية، والمنقطع الفاني قليل بالنسبة إلى الدائم الباقي وقوله تعالى:{ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}.
__________
(1) انظر: زاد المسير (3/478).
(2) نفس المصدر (3/478).
(3) انظر: تفسير ابن كثير (2/376).
(4) انظر: حديث القرآن الكريم (2/686).
(9/89)

والمراد بقوله:{ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى تبوك والمراد بقوله:{ أَوَّلَ مَرَّةٍ} حين لن تخرجوا إلى تبوك والمراد بقوله:{ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}.
قال الإمام الرازي ماملخصه: ذكر في تفسير الخالق وجوها:
الأول: الخالفون جمع، واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل في قوم. ومعناه: فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت فلا يبرحونه.
الثاني: أن الخالفين فسر بالمخالفين: يقال: فلان خالفه أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم، وقوم خالفون. أي: كثيروا الخلاف لغيرهم.
الثالث: أن الخالف هو الفاسد. قال الأصمعي: يقال: خلف عن كل خير يخلف خلوفاً إذا فسد، وخلف اللبن إذا فسد.
إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلاشك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منهما، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات السيئة(1).
__________
(1) انظر: تفسير الرازي (15/151) بتصرف يسير.
(9/90)

هذا وقد لاحظت اختلاف سياسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معاملته للمنافقين عندما اعتذروا له عن المسلمين حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - عامل المنافقين باللين والصفح، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة؟ ولاشك أن الشدة والقسوة في هذا المقام مع المسلمين مظهر للإكرام والتشريف، وهو مالايستحقه المنافقون، وكيف يستحق المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم -على أي حال- أنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء مما يتظاهرون به في الدنيا، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة، وقد أمر الشارع جلّ جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيما معاقبتهم في الدنيا على ماقد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام، كما يُبدو لنا هم أيضاً، الظاهر فقط من أحوالهم وعقائدهم قال ابن القيم: وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة، فلايزال مستيقظاً حذراً، وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنباً أحدث له نعمة(1).
خامساً: مسجد ضرار:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/578).
(9/91)

في أثناء عودة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة راجعاً من تبوك نزلت عليه الآيات الآتية:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ صدق الله العظيم لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ صدق الله العظيم } (سورة التوبة، آية:
107-108).
(9/92)

وسبب نزول هذه الآيات الكريمات: أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجراً إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا بمن وافقهم في أحياء العرب فكان من أمر المسلمين ماكان وامتحنهم الله عزوجل، وكانت العاقبة للمتقين وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصيب ذلك اليوم فجرح وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا لا أنعم الله بك عينا -يافاسق ياعدو الله، ونالوا منه وسبُّوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يموت بعيداً طريداً فنالته هذه الدعوة وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - صلى الله عليه وسلم - فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم بجيش يقاتل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لآداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد
(9/93)

ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: إنّا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله، فلما قفل عليه السلام راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد ضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم، مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة(1) ... هذا ماذكره ابن كثير في سبب النزول.
أما معنى الآيات الكريمات: أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء المسجد أربعة أمور:
1-الضرار لغيرهم، هو المضارّة.
2-الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
3-التفريق بين المؤمنين، لأنهم أرادوا أن لايحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة مالا يخفى.
4-الإرصاد لمن حارب الله ورسوله. أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله(2) ...
وقد خيب الله تعالى مسعاهم، وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بهدمه وإزالته.
وقوله:{ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى} ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة لذلك قال تعالى{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
__________
(1) انظر: تفسيرابن كثير (2/388).
(2) انظر: تفسير الشوكاني (2/403).
(9/94)

ثم نهى الله -تعالى- رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهياً مؤكداً فقال -سبحانه-: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}.
قال ابن عاشور: وقوله-سبحانه- :{ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} المراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه تكسب يمناً وبركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمار بن ياسر، ومالك بن الدخشم مع بعض أصحابه وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه ففعلوا(1) وقوله:{ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادة في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمر الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم(2).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/184).
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/661).
(9/95)

وفيه أيضاً دفع مكيدة المنافقين أن يطعنوا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع، فقوله: {أَحَقُّ} وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه أصلاً. ولعل نكته الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين لمجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - -للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} أن هذا أسس على ضدها(1).
وقد رأى ابن عاشور أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى أنه مسجد هذا صفته لامسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فردين المسجد النبوي ومسجد قباء(2).
قوله تعالى:{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} روى ابن ماجة أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يامعشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء. قال: فهو ذاك فعليكموه(3)، وفي قصة مسجد ضرار دروس وعبر وفوائد منها:
1-الكفر ملة واحدة:
وقد تبين هذا في موقف أبي عامر الراهب من الإسلام ومن المسلمين إذ غضب غضباً شديداً وتألم لهزيمة المشركين في بدر، فأعلن عداءه للرسول وتوجه إلى عاصمة الشرك مكة يحث أهلها على قتال المسلمين وخرج مقاتلاً معهم في أحد، وحاول تفتيت الصف الإسلامي(4) وصدق الله تعالى عندما قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}(سورة الأنفال، آية:73).
2-محاولة التدليس على المسلمين:
__________
(1) انظر: التنوير والتحرير (11/31).
(2) نفس المصدر (11/32).
(3) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة ، باب الاستنجاء بالماء (1/127).
(4) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص179.
(9/96)

حاول المنافقون أن يضيفوا الشرعية على هذا البناء، وأنه مسجد بنوه لأسباب مقنعة في الظاهر، ولكن لاحقيقة لها في نفوس أصحابها، فقد جاءوا يطلبون من الرسول - صلى الله عليه وسلم - -الصلاة في هذا البناء ليكون مسجداً قد باركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة فيه، فإذا حدث هذا فقد استقر قرارهم في تحقيق أهدافهم، وهذا أسلوب ماكر خبيث قد ينطلي على كثير من الناس(1).
3-فلله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين:
إن الباحث ليلاحظ مدى العناية الإلهية بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد أطلعه الله عزوجل على أسرار هؤلاء المنافقين وماأرادوه من تأسيس هذا المسجد، فلولا إعلام الله لرسوله لما أدرك رسول الله حقيقة نواياهم، ولصلى في البناء، فأضفى عليه الشرعية وأقبل الناس يصلون فيه لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه، وبذلك يحدث الاختلاط بين المنافقين وضعاف المسلمين فينفردون بهم وقد يؤثرون عليهم بالإشاعات(2).
4-العلاج النبوي الحاسم:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص181.
(2) نفس المصدر، ص181.
(9/97)

إن ماقام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بهدم مسجد الضرار هو التصرف الأمثل، وهذا منهج نبوي كريم سنّة لقادة الأمة في القضاء على أي عمل يراد منه الإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم، فالداء العضال لايعالج بتسكينه والتخفيف منه، وإنما يعالج بجسمه وإزالة آثاره، حتى لايتجدد ظهوره بصورة أخرى، وإن الثمار العملية، التي لمسها المسلمون على إثر تطبيق الأمر النبوي الحازم لتدلُّنا على أن هذه المنهجية التي نهجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع هذا المكر الخبيث هي الطريقة المثلى لقمع حركة النفاق في المجتمع المسلم، فقد أصبح أمرهم بعد ذلك يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى لم يبق منهم بعد لحاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى إلا عدد قليل، ولم يعرف عنهم بعد تدمير مسجد ضرار أن قاموا بأعمال تخدم الهدف نفسه لعلمهم بنتائج العمل بعد انكشافهم(1).
5-مايلحق بحكم مسجد ضرار:
ذكر المفسرون مايلحق بمسجد الضرار في الحكم، فهذه بعض أقوالهم:
أ-قال الزمخشري: ... وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار(2).
علق الدكتور عبدالكريم زيدان على قول الزمخشري فقال: ولكن هل يلحق بمسجد الضرار فيهدم، كما هدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في المدينة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدمه؟ لا أرى ذلك، وإنما يمكن أن يقال إن المسجد الذي لهذه الأغراض يلحق بمسجد الضرار من جهة عدم ابتنائه على التقوى، والإخلاص الكامل لله تعالى(3).
ب-قال القرطبي في تفسيره: قال علماؤنا: وكل مسجد بُني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لاتجوز الصلاة فيه(4).
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (8/130).
(2) انظر: تفسير الزمخشري (2/310).
(3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/504).
(4) انظر: تفسير القرطبي (8/254).
(9/98)

جـ-وقال سيد قطب في تفسيره: هذا المسجد –مسجد الضرار- الذي اتخذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيدة للإسلام والمسلمين .. هذا المسجد مايزال يتخذ في صور شتى، يتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه ... وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتَتَترَّس وراءها، وهي ترمي هذا الدين، وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام، لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب بما توحيه لهم من أن الإسلام بخير، وأن لاداعي للخوف أو القلق عليه(1).
6-قاعدة لمعرفة مايلحق بالمسجد الضرار:
قال الدكتور عبدالكريم زيدان: كل مايتخذ مما هو في ظاهره مشروع، ويريد متخذوه تحقيق غرض غير مشروع، فهو ملحق بالمسجد الضرار، لأنه يحمل روحه وعناصره(2)، وإذا أردنا الإيجاز قلنا في هذه القاعدة: كل ما كان ظاهره مشروعاً ويريد متخذوه الإضرار بالمؤمنين فهو ملحق بالمسجد الضرار(3).
وبناء على هذه القاعدة يخرج من نطاق مسجد الضرار ومايلحق به، ماذكره الإمام ابن القيم من مشاهد الشرك، ومن أماكن المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمر والمنكرات ونحو ذلك، لأن هذه المنكرات ظاهرها غير مشروع فلا تلحق به، وإن استحقت الإزالة كمسجد الضرار باعتبارها منكرات ظاهراً وباطناً(4).
7-مساجد الضرار في بلاد المسلمين:
__________
(1) في ظلال القرآن (3/1710-1711).
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/506).
(3) نفس المصدر (2/507).
(4) المصدر السابق (2/507).
(9/99)

لايزال أعداء الإسلام من المنافقين والملحدين، والمبشرين والمستعمرين يقيمون أماكن باسم العبادة وماهي لها، وإنما المراد بها الطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وآدابهم، وكذلك يقيمون مدارس باسم الدرس والتعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، وكذلك يقيمون المنتديات باسم الثقافة والغرض منها خلخلة العقيدة السليمة في القلوب والقيم الخلقية في النفوس، ومستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمة الإنسانية والغرض منها التأثير على المرضى والضعفاء وصرفهم عن دينهم وقد اتخذوا من البيئات الجاهلة والفقيرة لاسيما في بلاد إفريقيا ذريعة للتوصل إلى أغراضهم الدنيئة التي لايقرها عقل ولاشرع ولاقانون(1).
إن مسجد الضرار ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول وانقضت بل هي فكرة باقية، يخطط لها باختيار الأهداف العميقة، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها، وخططها تصب في التآمر على الإسلام وأهله بالتشويه وقلب الحقائق، والتشكيك، وزرع بذور الفتن لإبعاد الناس عن دينهم وإشغالهم بما يضرهم ويدمر مصيرهم الأخروي(2).
المبحث الرابع
قصة الثلاثة الذين خلفوا

وردت قصة الثلاثة الذين خلفوا على لسان كعب بن مالك - رضي الله عنه - في كتب السيرة والحديث والتفسير بروايات متقاربة في ألفاظها، ولقيت عناية فائقة في الشرح والتدريس وكان صحيح البخاري من أكثر الكتب دقة وتفصيلاً لهذه القصة(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابي شهبة (2/508).
(2) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص182.
(3) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص187.
(9/100)

ونترك كعب بن مالك رضي الله عنه يحدثنا بنفسه حيث قال: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير معاد، ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة(1) حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة. والله مااجتمعت عندي قبله راحلتان قطُّ حتى جمعتها في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، وعدوا كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير، ولايجمعهم كتاب حافظ -يريدون الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، مالم ينزل فيه وحيُ الله.
__________
(1) ليلة العقبة: الليلة اليت بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار على الاسلام.
(9/101)

وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، فطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضي شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادرٌ عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه ولم أقضي من جهازي شيئاً. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقضي شيئاً. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقضي شيئاً. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو(1)، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس -بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- فطفقت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: مافعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يارسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه(2). فقال له معاذ بن جبل: بئس ماقلت: والله يارسول الله! ماعلمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً(3) يزول به السراب(4)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه(5) المنافقون فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلاً(6) من تبوك حضرني بثي(7)، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه
__________
(1) تفارط الغزو: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا.
(2) والنظر في عطفيه: أي جانبيه وهو إشارة الى إعجابنه بنفسه ولباسه.
(3) مبيضاً: لابس البياض.
(4) يزول به السراب: يتحرك وينهض، والسراب مايظهر للإنسان.
(5) لموه المنافقون: عابوه واحتقروه.
(6) توجه قافلاً: راجعاً.
(7) حضرني بثني: حزني.
(9/102)

غداً؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أطل قادماً(1) زاح(2) عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه(3)، وصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال:(تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ماخلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: قلت: يارسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً(4)، ولكني، والله! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن(5) الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه(6) إني لأرجو فيه عقبى الله(7). والله! ماكان لي عذر، والله! ماكنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ماعلمناك أذنبت ذنباً قبل هذا. لقد عجزت في أن لاتكون اعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك. قال فوالله! مازالوا يؤنبونني(8) حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله -
__________
(1) أظل قادماً: أقبل ودنا قدومه كأنه أبقى على ظله.
(2) زاح: ازال.
(3) أجمعت صدقه: عزمت على صدقه.
(4) أعطيت جدلاً: فصاحة وقوة في الكلام وبراعة.
(5) ليوشكن: ليسرعن.
(6) تجد عليّ فيه: تغضب.
(7) إني لأرجو عقبى الله: يعقبني خيراً ويثيني عليه.
(8) يؤنبونني: يلومنني اشد اللوم.
(9/103)

صلى الله عليه وسلم - فأكذب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان، قالا مثل ماقلت، فقيل لهما مثل ماقيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدوا بدراً، فيهما أسوة.
قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض. فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا(1) وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم(2)، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولايكلمني أحد. وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه فوالله! مارد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله(3) هل تعلم إني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام(4)، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ. حتى جاءني فدفع إلى كتاباً من ملك غسان. وكنت كاتباً، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة(5)، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت: حين
__________
(1) استكانا: خضعا.
(2) أشب القوم وأجلدهم: أي أصغرهم سناً وأقواهم.
(3) أنشدك بالله: أسألك بالله.
(4) نبطي أهل الشام: فلاحو العجم.
(5) مضيعة: يعني أنك لست بأرض يضيع فيها حقك.
(9/104)

قرأتها وهذا أيضاً من البلاء فتايممت(1) بها التنور، فسجرتها(2)، بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي(3)، إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل هذا.
قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، فقالت له: يارسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لايقربنك فقالت: إنه والله! مابه حركة إلى شيء، والله مازال يبكي منذ كان من أمره ماكان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومايدريني ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عزوجل منا، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفيى على سلع(4)، يقول بأعلى صوته: ياكعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج قال: فآذن(5) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا فذهب قِبَل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليَّ فرساً، وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه
__________
(1) فتايممت: تيممت: قصدت.
(2) فسجرتها: احرقتها.
(3) استلبث الوحي: أبطأ.
(4) أوفى على سلع: صعده وارتفع عليه وسلع جبل بالمدينة معروف.
(5) فآذن الناس: أي اعلمهم.
(9/105)

ببشارته، والله! ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم(1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقني الناس فوجا فوجا(2)، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد، وحوله الناس فقام طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأني والله! ماقام رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لاينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وهو يبرق وجهه من السرور، ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال: قلت: أمن عندك؟ يارسول الله! أم من عند الله؟ فقال: لابل من عند الله وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استنار وجهه كان قطعة قمر قال: وكنا نعرف ذلك. قال: فلما جلست بين يديه قلت يارسول الله: إن من توبتي أن أنخلع(3) من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك بعض مالك، فهو خير لك قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: وقلت: يارسول الله: إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً مابقيت قال: فوالله! ماعلمت أن أحداً من المسلمين أبلاه(4) الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله ماتعمدت كذبة منذ قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقى. قال: فأنزل الله عزوجل:{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ
__________
(1) أتأمم: أي أقصد.
(2) فوجاً فوجاً: الفوج الجماعة.
(3) أنخلع من مالي: أتصدق به.
(4) أبلاه الله: أنعم عليه.
(9/106)

بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ صدق الله العظيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:117-118) حتى بلغ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}(سورة التوبة، آية:119).
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا الله حين أنزل الوحي شر ماقال لأحد، وقال الله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ صدق الله العظيم يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:95-96).
(9/107)

قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عزوجل:{ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(سورة التوبة، آية:118). وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزوة، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا(1)، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه(2)، وفي هذه القصة دروس وعبر وفوائد كثيرة نذكر منها:
1-الأسلوب الجميل والبيان الرائع والأدب الرفيع:
لقد تمت صياغة هذا الحديث بأسلوب جميل، وبيان رائع، وأدب رفيع، وإنه ليعتبر مع أمثاله كحديث صلح الحديبية وحديث الإفك نماذج عالية للأدب العربي الرفيع، وليت القائمين على وضع المناهج الدراسية يختارون هذه الأحاديث وأمثالها لتنمية مدارك الطلاب وتكوين الملكة الأدبية والثروة اللغوية العالية، انظر مثلاً إلى قول كعب في هذا الحديث: فلما قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظلَّ قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه(3).
2-الصدق سفينة النجاة:
__________
(1) إرجاءه أمرنا: تأخيره أمرنا.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4418؛ صحيح السيرة النبوية، ص614.
(3) انظر: التاريخ الاسلامي (8/137).
(9/108)

لقد أدرك كعب وهلال، ومرارة رضي الله عنهم خطورة الكذب فعزموا على سلوك طريق الصراحة والصدق وإن عرّضهم ذلك للتعب والمضايقات، ولكن كان أملهم بالله تعالى كبيراً في أن يقبل توبتهم ثم يعودون إلى الصف الإسلامي أقوى مما كانوا عليه(1)، وما أجمل ختم رب العالمين توبته على كعب ومن معه بقوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}(سورة التوبة، آية:119).
3-الهجر التربوي وأثره في المجتمع:
إن الهجر التربوي له منافعه العظيمة في تربية المجتمع المسلم على الاستقامة، ومنع أفراده من التورط في المخالفات التي تكون إما بترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات، لأن من توقع أنه وقع في شيء من ذلك سيكون مهجوراً من جميع أفراد المجتمع فإنه لايفكر في الإقدام على ذلك.
ولايغيب عن البال أن تطبيق هذا الحكم يجب أن يتم في الظروف المشابهة لحياة المسلمين في العهد النبوي المدني، حيث توجد الدولة المهيمنة والمجتمع القوي، مع أمن الوقوع في الفتنة لمن طبق عليه هذا الحكم.
وهذا الهجر التربوي يختلف عن الهجر الذي يكون بين المسلمين على أمور الدنيا فهذا دنيوي وذاك ديني، فالهجر الديني مطلب شرعي يثاب عليه فاعله، أما الهجر الدنيوي فإنه مكروه إلا إذا زاد عن ثلاثة أيام فإنه يكون محرماً(2)، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام(3)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه(4).
4-تنفيذ أوامر القيادة في المجتمع المسلم:
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (8/138).
(2) نفس المصدر (8/139).
(3) مسلم، كتاب البر، رقم 2560، ص1984.
(4) مسند أحمد (4/220).
(9/109)

استجاب المجتمع المسلم كله لتنفيذ أمر المقاطعة والهجر الذي صدر من القائد الأعلى - صلى الله عليه وسلم - وامتنعوا جميعاً عن الحديث هؤلاء الثلاثة ووصف كعب لنا ذلك فقال:... فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولايكلمني أحد(1) ... وقد أطلق كعب السلام على ابن عمه أبي قتادة فلم يرد عليه السلام وناشده بالله مراراً: هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، مع أنه من أحب الناس إليه، لقد كان أبو قتادة في هذا الموقف موزَّع الفكر بين إجابة رجل حبيب إليه عزيز عليه، وبين تنفيذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتطبيق الهجر التربوي ولكن ليس هناك تردد بين الأمرين، فالذي أوحى به إيمان أبي قتادة هو تنفيذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فظهر ذلك على سلوكه(2).
وقد بلغ الالتزام بالأمر النبوي في الهجر التربوي ذروته حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين خلفوا باعتزال زوجاتهم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا فالتزم الجميع بذلك واستأذنت زوج هلال بن أمية وكان شيخاً طاعناً في السن لايجد من يخدمه فطلبت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لها أن تخدمه فأذن لها النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك شريطة ألا يقربها فالتزمت رضي الله عنها(3).
5-الولاء التام لله ورسوله:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص195.
(2) انظر: التاريخ الاسلامي (8/140).
(3) انظر: الصراع مع الصلبيين، ص196.
(9/110)

كان العدو الصليبي يراقب ويرصد ويستغل الفرصة السانحة لكي يمزق الجبهة الداخلية ويشعل نار الفتنة بين المسلمين ليوهن البنيان ويقوض الأركان ولذلك استغل ملك غسان فرصة هجران المسلمين لكعب بن مالك - رضي الله عنه - وعقوبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بأن يرسل سفيره لكعب برسالة خاصة منه إليه يغريه فيها تأمل قوله: قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولامضيعة، فالحق بنا نواسك(1)، فكان تعليق كعب على هذه الرسالة: وهذا من البلاء أيضاً! قد بلغ مني ماوقعت فيه أن طمع فيَّ رجال من أهل الشرك! ثم أحرق الرسالة(2)، وهذا الموقف يدل على شدة ولاء كعب لله ورسوله وقوة إيمانه وعظمة نفسه، فقد أدرك أنها محنة جديدة أقسى من الأولى، فلا يرضيه أن يجيب ملك غسان بالسلب، أو يرمي بالكتاب ويمزقه، ولكنه رمى به في التنور ليصير رماداً، ويصير كل مابه دخاناً يتبدد في الهواء، وخرج الرجل من محنته وهو أقوى مايكون إيماناً، وأصفى مايكون روحاً، وأكرم مايكون أخلاقاً، فيالعظمة هذه النفوس المؤمنة الكبيرة(3)، لقد مرّ كعب من فوق هذا الاختبار والابتلاء عزيزاً قوياً بإسلامه، لم يتأثر به ولاانزلق فيه(4).
6-توبة الله على العبد قيمة دينية يتطلع إليها الصادقون:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4418.
(2) المغازي (3/1051-1052).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/517).
(4) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص307.
(9/111)

عندما نزلت الآيات الكريمة التي بينت توبة الله على هؤلاء الثلاثة كان ذلك اليوم من الأيام العظيمة عند المسلمين ظهرت فيه الفرحة على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استنار كأنه قطعة قمر، وظهرت الفرحة على وجوه الصحابة رضي الله عنهم حتى صاروا يتلقون كعباً وصاحبيه أفواجاً يهنئونهم بما تفضل الله به عليهم من التوبة وجاء كعب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجهه يبرق من السرور فقال له: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، وهذا يعني مقام التوبة وأنها أعظم من الدخول في الإسلام.
إن التوبة تعني عودة العبد إلى الدخول تحت رضوان الله تعالى الذي هو أعلى هدف ينشده المسلم، وبالتالي فإنه يُحظى بحفظه جل وعلا في الدنيا وتكريمه في الآخرة، لقد كانت توبة كعب عظيمة عبر عنها بنزع ثوبيه اللذين لايملك يومئذ غيرهما وإهدائهما لمن بشره(1)، وعدم نسيان كعب لطلحة بن عبيدالله مصافحته وتهنئته له(2)، وكذلك كانت فرحة صاحبيه عظيمة غير أن كعباً لم يذكر في هذا الخبر إلا ماجرى له(3)، وقد جاء في رواية الواقدي: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، قال: وخرجت إلى بني واقف فبشرته فسجد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه(4) .
7-تشرع أنواع من العبادات شكراً لله عند النعمة:
كانت فرحة كعب بن مالك بتوبة الله –سبحانه وتعالى- عليه، لاتحدها حدود ولاتصورها مثل، وقد تفنن هو –رضي الله عنه- في التعبير عنها بجملة من العبادات منها:
أ-سجود الشكر:
__________
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (8/141).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/518).
(3) انظر: التاريخ الاسلامي (8/142).
(4) المغازي للواقدي (3/1054).
(9/112)

حينما سمع كعب البشارة بتوبة الله عليه خرّ ساجداً من فوره شكراً لله
-تبارك وتعالى- ، فقد كان من عادة الصحابة –رضي الله عنهم- أن يسجدوا شكراً لله تعالى كلما تجددت لهم نعمة أو انصرفت عنهم نقمة وقد تعلموا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1).
ب-مكافأة الذي يحمل البشرى:
فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسهما، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما، ثم استعار ثوبين، فلبسهما، ولاشك أن هذا ضرب من الهبة المشروعة، فإن كان المبشر غنياً كان له هدية، وإن كان فقيراً كان له صدقة، وكلاهما إخراج المال شكراً لله تعالى، على إنزاله الفرج(2).
جـ-التصدق بالمال:
فقد جعل كعب من توبته أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى لكنه –عليه الصلاة والسلام- لم يتقبل منه التصدق بجميع ماله، وقال له: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، وكأنه يستشيره بذلك، فكانت المشورة بإمساك بعض ماله(3)، وقد ثار الخلاف الفقهي فيمن نذر التصدق بجميع ماله، والصدقة مستحبة والنذر واجب الوفاء، ولم يذهب كعب إلى النذر وإنما استشار في الصدقة بكل المال، فأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه بإمساك بعض ماله.
المبحث الخامس
دروس وعبر وفوائد

أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك:
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي، ص493.
(2) نفس المصدر، ص493؛ الصراع مع الصلبيين، ص202.
(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي، ص493.
(9/113)

إن الآيات التي أنزلها الله في كتابه المتعلقة بغزوة العسرة هي أطول مانزل في قتال بين المسلمين وخصومهم وقد بدأت باستنهاض الهمم لرد هجوم المسيحية، وإشعارهم بأن الله لايقبل ذرة تفريط في حماية دينه ونصرة نبيه، وإن التراجع أمام الصعوبات الحائلة دون قتال الروم -يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق(1)، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ صدق الله العظيم إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:38-39).
وعند التأمل في سورة التوبة يلاحظ القارئ أن لها معالم في عرضها لغزوة تبوك منها:
1-عاتب القرآن الكريم من تخلف عتاباً شديداً، وتميزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأن الله حث على الخروج فيها وعاتب من تخلف عنها والآيات الكريمة جاءت بذلك كقوله تعالى:{ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(سورة التوبة، آية:41).
وقد ختمت الغزوات النبوية بهذه الغزوة وقد كان تطبيقاً عملياً لوضع النص القرآني في قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ...} موضع التنفيذ(2).
__________
(1) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص404.
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/702).
(9/114)

2-ميز القرآن الكريم هذه الغزوة عن غيرها فسماها الله تعالى ساعة العسرة، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}، فقد كانت غزوة عسرة بمعنى الكلمة.
3-من معالم منهج القرآن في عرضه لهذه الغزوة العظيمة أن الله رد على المنافقين لمزهم فقراء الصحابة عندما جاء أحدهم بنصف صاع وتصدق به فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، ومافعل هذا إلا رئاء، فنزلت الآية: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(سورة التوبة، آية:79).
4-بين القرآن الكريم أن المؤمنين الذين خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعددهم يزيد عن الثلاثين ألفاً قد كتب الله لهم الأجر العظيم(1). قال تعالى:{ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}(سورة التوبة، آية:92).
ثانياً: ممارسة الشورى في هذه الغزوة:
مارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة الشورى وقبل مشورة الصديق والفاروق في بعض النوازل التي حدثت في الغزوة ومن هذه النوازل هي:
أ-قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدعاء حين تعرض الجيش لعطش شديد:
__________
(1) نفس المصدر (2/703).
(9/115)

قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل مابقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يارسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً، فادع الله، قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى حالت السماء فأظلت ثم سكبت فملؤوا مامعهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر(1).
ب-قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحرالإبل حين أصابت الجيش مجاعة:
أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نحر إبلهم حتى يسدّوا جوعتهم، فلما آذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك جاءه عمر رضي الله عنه فأبدى مشورته في هذه المسألة وهي أن الجند إن فعلوا ذلك نفذت رواحلهم وهم أحوج مايكون إليها في هذا الطريق الطويل، ثم ذكر رضي الله عنه حلاً لهذه المعضلة وهو: جمع أزواد القوم ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل - صلى الله عليه وسلم - بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقية من هذا الطعام، بعد أن ملؤوا أوعيتهم منه وأكلوا حتى شبعوا(2).
3-قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود الشام والعودة إلى المدينة:
__________
(1) اخرجه ابن حبان، كتاب الجهاد، باب غزوة تبوك رقم 1707.
(2) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على من مات على التوحيد (1/56) رقم 27.
(9/116)

عندما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منطقة تبوك وجد أن الروم فرّوا خوفاً من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يرجع بالجيش إلى المدينة وعلّل رأيه بقوله: إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، ولقد كانت مشورة مباركة فإن القتال داخل بلاد الرومان يعد أمراً صعباً، إذ أنه يتطلب تكتيكاً خاصاً، لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن بالإضافة إلى أن عدد الرومان في الشام يقرب من مائتين وخمسين ألفاً، ولاشك في أن تجمع هذا العدد الكبير في تحصنّه داخل المدن يعرّض جيش المسلمين للخطر(1).
إن ممارسة الشورى في حياة الأمة في كافة شؤونها السياسية والعسكرية والاجتماعية .. الخ منهج تربوي كريم سار عليه الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حياته.
ثالثاً: التدريب العملي العنيف:
__________
(1) انظر: غزوة تبوك، ص176،177، باشميل.
(9/117)

كان خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه إلى تبوك بأصحابه فيه فوائد كثيرة منها، تدريبهم تدريباً عنيفاً، فقطع بهم - صلى الله عليه وسلم - مسافة طويلة في ظروف جوّية صعبة، حيث كانت حرارة الصيف اللاّهب بالإضافة إلى الظروف المعيشية التي كانوا يعانون منها، فقد كان هناك قلة في الماء حتى كادوا يهلكون من شدة العطش، وأيضاً كان هناك قلة في الزاد والظهر ولاشك في أنّ هذه الأمور تعد تدريباً عنيفاً لايتحمله إلاّ الأقوياء من الرجال وفي هذا الدرس يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: تعمل الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريباً عنيفاً كاجتياز مواقع وعراقيل صعبة جداً، وقطع مسافات طويلة في ظروف جوية مختلفة، وحرمان من الطعام والماء بعض الوقت، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمل أصعب المواقف المحتمل مصادفتها في الحرب، لقد تحمل جيش العسرة مشقات لاتقل صعوبة عن مشقات هذا التدريب العنيف، إن لم تكن أصعب منها بكثير، لقد تركوا المدينة في موسم نضج ثمارها وقطعوا مسافات طويلة شاقة في صحراء الجزيرة العربية صيفاً وتحملوا الجوع والعطش مدة طويلة.
إن غزوة تبوك تدريب عنيف للمسلمين، كان غرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - منه إعدادهم لتحمل رسالة حماية حرية نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية، ... فقد كانت هذه الغزوة آخر غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلابد من الاطمئنان إلى كفاءة جنوده قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى(1)، وقد ساعد هذا التدريب العملي الصحابة في عصر الخلفاء، فقاموا بفتح بلاد الشام وبلاد الفرس بقوة إيمانهم وثقتهم بخالقهم وساعدهم على ذلك لياقتهم البدنية العالية، ومعرفتهم العملية لاستخدام السيوف والرماح، وأنواع الأسلحة في زمانهم.
رابعاً: أهم نتائج الغزوة
أ-يمكن للباحث أن يلاحظ أهم نتائج هذه الغزوة وهي:
__________
(1) انظر: الرسول القائد، ص281،282.
(9/118)

1-إسقاط هيبة الروم من نفوس العرب جميعاً مسلمهم وكافرهم على السواء، لأن قوة الروم كانت في حس العرب لاتقاوم ولاتُغْلب، ومن ثم فقد فزعوا من ذكر الروم وغزوهم، ولعل الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في غزوة (مؤتة) كانت مؤكدة على ماترسخ في ذهن العربي في جاهليته من أن الروم قوة لاتقهر، فكان لابد من هذا النفير العام لإزاحة هذه الهزيمة النفسية من نفوس العرب.
2-إظهار قوة الدولة الإسلامية كقوة وحيدة في المنطقة قادرة على تحدي القوى العظمى عالمياً -حينذاك- ليس بدافع عصبي أو عرقي، أو تحقيق أطماع زعامات معاصرة، وإنما بدافع تحريري حيث تدعو الإنسانية إلى تحرير نفسها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد ولقد حققت هذه الغزوة الغرض المرجو منها بالرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالاً فحققوا انتصاراً للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمت بصلة الولاء لدولة الروم مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة (مدينة العقبة حاليا على خليج العقبة) وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبينهم كتاباً يحدد مالهم وماعليهم(1) وأصبحت القبائل العربية الشامية الأخرى التي لم تخضع للسيطرة الإسلامية في تبوك تتعرض بشدة للتاثير الإسلامي، وبدأ الكثير من هذه القبائل يراجع موقفه ويقارن بين جدوى الاستمرار في الولاء للدولة البيزنطية أو تحويل هذا الولاء إلى الدولة الإسلامية الناشئة، ويعد ماحدث في تبوك نقطة البداية العملية للفتح الإسلامي لبلاد الشام(2)، وإن كانت هناك محاولات قبلها ولكنها لم تكن في قوة التأثير كغزوة تبوك، فقد كانت هذه الغزوة بمثابة المؤشر لبداية عمليات متواصلة لفتح البلدان والتي واصلها خلفاء رسول الله -
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة للشجاع، ص209.
(2) انظر: المسلمون والروم في عصر النبوة، عبدالرحمن احمد، ص120.
(9/119)

صلى الله عليه وسلم - من بعده، ومما يؤكد هذا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل موته جهّز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة ليكون رأس حربه موجَّهة صوب الروم، وطليعة لجيش الفتح، ضم هذا الجيش جُلَّ صحابة رسول الله ولكنه لم يقم بمهمته إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ومع هذا فقد حقق الهدف المطلوب منه كما سيأتي(1) بإذن الله عند الحديث في سيرة الصديق رضي الله عنه.
لقد وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسس الأولى والخطوات المثلى لفتح بلاد الشام والفتوحات الإسلامية.
3-توحيد الجزيرة العربية تحت حكم الرسول:
تأثر موقف القبائل العربية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدعوة الإسلامية بمؤثرات متداخلة كفتح مكة، وخيبر وغزوة تبوك، فبادر كل قوم بإسلامهم بعد ما امتد سلطان المسلمين إلى خطوط التماس مع الروم ثم مصالحة نجران في الأطراف الجنوبية على أن يدفعوا الجزية، فلم يعد أمام القبائل العربية إلا المبادرة الشاملة إلى اعتناق الإسلام والالتحاق بركب النبوة بالسمع والطاعة، ونظراً لكثرة وفود القبائل العربية التي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربية بعد عودة النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك لتعلن إسلامها هي ومن وراءها فقد سُمِّيَ العام التاسع للهجرة في المصادر الإسلامية بعام الوفود(2).
وبهذه الغزوة المباركة ينتهي الحديث عن غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قادها بنفسه، فقد كانت حياته المباركة غنية بالدروس والعبر التي تتربى عليها أمته في أجيالها المقبلة(3) ومليئة بالدروس والعبر في تربية الأمة وإقامة الدولة التي تحكم شرع الله.
المبحث السادس
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة، للشجاع، ص209.
(2) انظر: نظرة النعيم (1/395،396).
(3) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/460).
(9/120)

أهم الأحداث مابين غزوة تبوك وحجة الوداع

أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم:
لما انصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الطائف اتبع اثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فاسلم، ورجع إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فرموه بالنبل، فأصابه سهم فقتله ثم إنهم رأوا أنه لاطاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين أسلموا، فأجمعوا على أن يرسلوا رجالاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدم عليه ستة منهم في رمضان بعد رجوعه من تبوك سنة تسع(1).
وكان الوفد يتكون من ستة من كبار بني مالك والأحلاف، ثلاثة لكل منهما وعلى رأسهم جميعاً عبداياليل بن عمرو(2) وتكوين هذا الوفد على هذا النحو يدل على فكر سياسي عميق ذلك لأن ثقيف تأمل في أن يتدخل المهاجرون من بني أمية للتوسط في إقرار الصلح مع الرسول بسبب علاقة بني أمية التاريخية بالأحلاف(3).
كان الصحابة يعرفون اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإسلام ثقيف، ولذلك ما أن ظهر وفد ثقيف قرب المدينة، حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول، وتنازل المغيرة لأبي بكر(4).
__________
(1) انظر: رسالة الأنبياء، عمر احمد عمر، ص199.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/193).
(3) انظر: رجال الادارة في الدولة الاسلامية، د. حسين محمد، ص76.
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/193).
(9/121)

واستقبل الرسول الوفد راضياً وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا وكانت ضيافتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يفدون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، فكان عثمان، كلما رجعوا وقالُوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الدِّين واستقرأه القرآن، حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائماً عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعجب منه وأحبه(1).
فمكث الوفد أياماً يختلفون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الإسلام، فقال له عبد ياليل: (هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضيَّة ولاصلح بيني وبينكم).
قال عبد ياليل: أرأيت الزنى؟ فإنا قوم عُزَّاب بغَرْب(2)، لابد لنا منه، ولايصبر أحدنا على العُزْبة قال: هو مما حرّم الله على المسلمين يقول الله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا}(سورة الإسراء، آية:32).
قال: أرأيت الربا؟ قال: الربا حرام! قال: فإن أموالنا كلها رباً قال: لكم رؤوس أموالكم، يقول تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(سورة البقرة، آية:278).
قال: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصيرُ أعانبنا، لابد لنا منها.
__________
(1) انظر: تاريخ الاسلام للذهبي، المغازي، ص670.
(2) أي نذهب الى بلاد بعيدة.
(9/122)

قال: فإنّ الله قد حرمها! ثم تلا رسول الله هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(سورة المائدة، آية:90).
فارتفع القوم، وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ياليل: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث! والله! والله لاتصبر ثقيف عن الخمر أبداً، ولا عن الزنا أبداً.
قال سفيان بن عبدالله: أيّها الرجل، إن يرد الله بها خيراً تصبر عنها! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، فصبروا وتركوا ماكانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطَاْ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض والإسلام حولنا فاش. والله لو قام على حصننا شهراً لمتنا جوعاً، وما أرى إلا الإسلام، وأنا أخاف يوماً مثل يوم مكة.
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كتبوا الكتاب، كان خالد هو الذي كتبه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل إليهم الطعام، فلا يأكلون منه شيئاً حتى يأكل منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسلموا.
قالوا: أرأيت الرَّبَّة، ماترى فيها؟ قال: هدمها.
(9/123)

قالوا: هيهات! لو تعلم الرَّبَّة أنا أوضعنا هدمها(1) قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ويحك ياعبد ياليل! إن الرَّبَّة حجر لايدري من عبده ممن لايعبده. قال عبد ياليل: إنا لم نأتك ياعمر. فأسلموا، وكمل الصلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد، فلما كمل الصلح، وكتب الصلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد، فلما كمُل الصُلح كلَّموا النبي - صلى الله عليه وسلم - يدع الرَّبَّة ثلاث سنين لايهدمها، فأبى قالوا سنتين! فأبى. قالوا: سنة! فأبى. قالوا: شهراً واحداً ! فأبى أن يوقِّت لهم وقتاً وإنما يريدون بترك الرَّبة لما يخافون من سفائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يُروِّعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعفيهم من هدمها(2) فوافق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على طلبهم ذلك. وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاخير في دين لاصلاة فيه(3).
لقد طلب وفد ثقيف أن يعفيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعض الفرائض، أن يحلل لهم بعض المحرمات إلا أنهم فشلوا في طلباتهم وخضعوا للأمر الواقع(4).
__________
(1) أي أسرعنا السير في السفر.
(2) انظر: المغازي للواقدي (3/968).
(3) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (8/50)؛ المغازي للواقدي (3/968).
(4) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص221،222،223.
(9/124)

وقد أكرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفادتهم وأحسن ضيافتهم في قدومهم وإقامتهم وعند سفرهم، وأمرّ - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن أبي العاص على الطائف، فقد كان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين، وكان أصغرهم سناً(1). ولقد تأثر الوفد من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن اختلاطهم بالمسلمين حتى أنهم صاموا مابقي عليهم من شهر ومكثوا في المدينة خمسة عشر يوماً ثم رجعوا إلى الطائف(2)، وبعد رجوعهم جهّز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومشاركة المغيرة بن شعبة(3) رضي الله عنه، وأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه(4) وبعثهم في أثر الوفد(5).
وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدخول في الإسلام وأخبروهم بمصير الّلات، وإذا بالسرية قد وصلت إلى الطائف ودخل المغيرة ابن شعبة في بضعة عشر رجلاً يهدمون الربة(6)، وكان ذلك تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود(7) وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى الأبكار من خدورهن، وكانوا لقرب عهدهم بالشرك لاترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة(8).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/519).
(2) نفس المصدر (2/519،520).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/195).
(4) نفس المصدر (4/195).
(5) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (5/303-304).
(6) المغازي (3/671).
(7) انظر: دلائل النبوة (5/304).
(8) انظر: السرايا والبعوث، ص300.
(9/125)

وكان المغيرة رجلاً فيه دعابة وظرف فقال لأصحابه: والله لأضحكنّكم من ثقيف، فضرب بالفأس ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة، وقالوا، أبعد الله المغيرة فقد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطاً(1). وقالوا مخاطبين أفراد السرية، من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لاتستطاع أبداً، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال: قبحكم الله يامعشر ثقيف إنما هي لكاع(2) حجارة ومدر، فأقبلوا عافية الله واعبدوه(3).
أكمل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفاً على أحر من الجمر ينتظر نقمة الرَّبَّة وغضبها على هؤلاء العصاة(4)، فما أن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلاً: سترون إذا انتهى أساسها يغضب الأساس غضباً يخسف بهم(5)، فلما سمع المغيرة رضي الله عنه بذلك السخف قال لقائد السرية دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف(6). وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوة على أعينهم(7).
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحليتها وكسوتها فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه، وحمدوا الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه(8).
__________
(1) نفس المصدر، ص300.
(2) لكاع عند العرب: العبد ثم استعمل في الحمق والذم.
(3) دلائل النبوة (5/303).
(4) انظر: السرايا والبعوث، ص300.
(5) انظر: المغازي (3/972).
(6) انظر: دلائل النبوة (5/303).
(7) انظر: السرايا والبعوث، ص301.
(8) انظر: تاريخ ابن شيبة (2/507) نقلاً عن السرايا والبعوث، ص301.
(9/126)

وتم القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشرك في الجزيرة العربية، وحل محلها بيت من بيوت الله عزوجل يوحد فيه الربُّ الذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيه كريم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن أبي العاص(1) رضي الله عنه عامله على الطائف حيث أمره (بأن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم)(2).
ثانياً: وفاة زعيم المنافقين (عبدالله بن سلول):
مرض عبدالله بن أبي سلول، رأس المنافقين، في ليال بقين من شوال ومات في ذي القعدة من السنة التاسعة(3).
قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عبدالله بن أبي في مرضه نعوده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد كنت أنهاك عن حب يهود، فقال عبدالله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات(4).
__________
(1) انظر: السرايا والبعوث، ص301.
(2) انظر: دلائل النبوة (5/299-303)؛ المغازي (3/970-972).
(3) انظر: تاريخ الاسلام للذهبي، المغازي، ص659.
(4) ابو داود، كتاب الجنائز، باب في العيادة رقم 3094.
(9/127)

ولما توفي عبدالله بن أبي جاءه ابنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يارسول الله، تصلي عليه؟ وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما خيرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(سورة التوبة، آية:80). وسأزيده على سبعين، قال: إنه منافق، قال فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عزوجل آية:{ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}(سورة التوبة، آية:84)(1).
وإنما صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام، ولما فيه من اكرام ولده عبدالله -وكان من خيار الصحابة وفضلائهم- وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق كما بينا، ولما فيه من مصلحة شرعية، وهو تأليف قلوب قومه وتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين، فعسى أن يتأثروا ويرجعوا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا لله ولرسوله، ولو لم يجب ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة وعاراً على ابنه وقومه، فالرسول الكريم اتبع احسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى(2).
__________
(1) البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم 4670.
(2) انظر: السيرة النبوية لابي شهبة (2/533،534).
(9/128)

وإما إعطاؤه - صلى الله عليه وسلم - القميص فلأن الغنى به بخل بالكرم، وقد كان من خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لايرد طالب حاجة قط، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول قميصه لما جئ به أسيراً يوم بدر، وكان من خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته رد الجميل بخير منه(1).
وبموت عبدالله بن سلول تراجعت حركة النفاق في المدينة حتى أننا لم نجد لهم حضوراً بارزاً في العام العاشر للهجرة، ولم يبق إلا العدد غير المعروف إلا لصاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة بن اليمان(2)، وكان عمر فيما بعد لايصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليه حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، وقد أخبره رسول الله بهم(3).
كان العام التاسع حاسماً لحركة النفاق في المجتمع الإسلامي، فقد وصل النظام الإسلامي إلى قوته ومن ثم لابد من تحديد إطار التعامل مع كل القوى بوضوح(4)، ولهذا عبر الإمام ابن القيم عن خطة الإسلام أمام المنافقين، فإنه أُمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهى أن يصلي عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم(5).
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص621،622؛ السيرة لأبي شهبة (28534).
(2) انظر: دراسات في عهد النبوة للشجاع، ص221.
(3) انظر: معين السيرة النبوية، ص464.
(4) انظر: دراسات في عهد النبوة، ص219.
(5) زاد المعاد (2/91).
(9/129)

وجاءت هذه الخطة وفق النصوص القرآنية التي احتوتها سورة التوبة (براءة) (الفاضحة) حيث يستغرق الحديث عن المنافقين أكثر من نصف السورة فيفضح نواياهم وأعمالهم ووصف أحوالهم النفسية والقلبية، وموقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثناءها وماتلاها، وكشف حقيقة حيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد، وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصفوف، وإيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقول والعمل(1).
ومن أهم الأحكام التي برزت في هذه المرحلة ضد المنافقين:
1-عدم الصلاة على من مات منهم، ودمغهم بالكفر:
{وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ صدق الله العظيم وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:84-85).
2-تهديم مسجدهم الذي بنوه للإضرار بين المسلمين، وهو مسجد الضرار وقد تحدثت عنه فيما مضى بنوع من التفصيل.
3-إصدار الأمر بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكافرين:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(سورة التحريم، آية:9)، وسواء أكان الجهاد بالقتال أم في المعاملة والمواجهة والكشف والفضح فإن طريقة التعامل مع المنافقين بعد سورة براءة، غير المعاملة قبلها.
__________
(1) انظر: المنافقون، محمد جميل غازي، ص92،93.
(9/130)

4-الكشف عن صفاتهم وأعمالهم بوضوح كما جاء في سورة التوبة أيضاً فهم الذين قالوا تثبيطاً للمسلمين:{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}(سورة التوبة، آية:81) وهم الذين يلمزون المطوعين في الصدقات ويؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القول والفعل(1) ... الخ هذه معالم المنهج النبوي في التعامل مع حركة النفاق في المجتمع الإسلامي في العام التاسع الهجري.
ثالثاً: تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته (دروس في بيوتات الرسول - صلى الله عليه وسلم -):
قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا صدق الله العظيم وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا صدق الله العظيم }(سورة الأحزاب، آية:28-29).
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن نزول هاتين الآيتين كان بعد اعتزال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنسائه بعد أن أقسم أن لايدخل عليهن شهراً، فاعتزلهن في مشربة له، وهي القصة المعروفة بقصة إيلائه(2) من نسائه وكان تاريخ نزول هذه الآيات في العام التاسع للهجرة(3) .
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة للشجاع، ص220.
(2) الإيلاء: الحلف، قضايا نساء النبي والمؤمنات، ص51.
(3) انظر: قضايا نساء النبي والمؤمنات، ص68.
(9/131)

وأما سبب نزولها هو طلب زوجاته - صلى الله عليه وسلم - التوسعة عليهن في النفقة فقد أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً حوله نساؤه واجما(1) ساكتاً، قال: فقال: لأقولن شيئاً أضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يارسول الله: لو رأيت بنت خارجة(2) سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها(3)، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول أتسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماليس عنده، فقلن:والله! لانسأل رسول الله شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية(4).
__________
(1) واجماً: هو الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.
(2) بنت زيد امرأة عمر جميلة بنت ثابت نسبها عمر الى احد اجدادها.
(3) فوجأت عنقها: بمعنى طعنت عنقها.
(4) مسلم في الطلاق (2/1104).
(9/132)

كانت الحياة المعيشية في بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجري على وتيرة واحدة بالرغم من إمكانية التوسع في بعض الأحيان ونساء الرسول - صلى الله عليه وسلم - هن من البشر، يرغبن بما يرغب به الناس، ويشتهين ما يشتهيه الناس(1)، فقد كان مساكنهن متواضعة بسيطة غاية البساطة فقد وصفها الدكتور أبو شهبة فقال:إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنى حجراً حول مسجده الشريف لتكون مساكن له ولأهله ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفع عن الدنيا وزخرفها، وابتغى الدار الآخرة، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وسقوفها من جذوع النخل والجريد، قريبة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده قال الحسن البصري -وكان غلاماً مع أمه خيرة مولاة أم سلمة: قد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي، وكان لكل حجرة بابان: خارجي وداخلي من المسجد، ليسهل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه(2) .
وأما الإضاءة: فلم يكن هناك مصباح يستضاء به، يدل على ذلك مارواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح(3).
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص465.
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنّة (2/35-36).
(3) البخاري، كتاب الصلاة رقم 513.
(9/133)

أما الفراش، الذي يأوي إليه هذا النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فهو عبارة عن رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، ووسادته من أدم حشوها ليف(1)، فقد كانت معيشته - صلى الله عليه وسلم - تدل على الشدة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفاً مرققاً(2) حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً(3) بعينه قط(4)، وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار، فقال لها عروة بن الزبير: ماكان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء(5) هذا وقد فتح الله على المسلمين بعد خيبر وفتح مكة، وغزوة تبوك وقد قرأت زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - آيات في كتاب الله تبيح التمتع بنعم الله دون إسراف، فرغبن أن ينلهن حظ من ذلك كما في قوله تعالى:{ يَابَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(سورة الأعراف، آية:31).
وحضى على أكل الطيبات من الرزق قال سبحانه:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(سورة الأعراف، آية:32).
__________
(1) البخاري، كتاب المظالم والغصب، ك 2468.
(2) مرققاً: رقيقاً ضد الغليظ.
(3) سميط: الذي أزيل شعره بالماء المسخن وشوي.
(4) البخاري في الرقائق رقم 6457.
(5) البخاري في الرقائق رقم 6459.
(9/134)

ودعا إلى التوسط في الإنفاق والاعتدال فيه فقال تعالى:{ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(سورة الإسراء، آية:29). إلا أن هناك جانباً آخر يتعلق به - صلى الله عليه وسلم - ونمط من المعيشة اختاره بتوجيه من ربه عزوجل، فلم يلتفت لشيء من هذا، كما أدبه ربه سبحانه وتعالى بقوله: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}(سورة الحجر، آية:88). وقوله سبحانه:{ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(سورة طه، آية:131). ولذلك جاءت آيات التخيير، فوقف زوجاته - صلى الله عليه وسلم - من قضية التخيير موقفاً حاسماً لاتردد فيه، فإنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فقد كن يطلبن منه - صلى الله عليه وسلم - التوسعة في النفقة، وكن يدافعن عن ذلك مااستطعن، فلما وصل الأمر إلى وضعهن أمام خيارين: الحياة الدنيا وزينتها، أو الله ورسوله والدار الآخرة لم يترددن لحظة واحدة في سلوك الخيار الثاني، بل قلن جميعهن بصوت واحد: نريد الله ورسوله والدار الآخرة(1).
__________
(1) انظر: قضايا نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنا في سورة الاحزاب، ص77.
(9/135)

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال إن الله جلّ ثناؤه قال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا صدق الله العظيم وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا صدق الله العظيم }(سورة الأحزاب، آية:28-29). قالت: فقلت ففي أيّ هذا أستأمر أبويَّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل مافعلت(1).
وهكذا تتجلى في موقفهن -رضي الله عنهن- صورة ناصعة لقوة الإيمان، واختبار حقيقي للإخلاص والصدق مع الله تعالى، فإن قوله تعالى في الآية الأولى من آيتي التخيير:{ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ} ، كالوعد بحصولهن على مبتغاهن في الحياة الدنيا وزينتها إن اخترن ذلك ولكنهن رفضن هذا، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة وفي قوله تعالى في الآية الثانية: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}، إشارة إلى أن مايَنَلْنَه من الأجر سببه كونهن محسنات، ومن ذلك اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، إذ لايكفي لحصولهن على هذا الأجر كونهن زوجات للرسول - صلى الله عليه وسلم -(2).
__________
(1) البخاري، كتاب التفسير رقم 4786.
(2) انظر: قضايا نساء النبي والمؤمنات في سورة الاحزاب، ص79.
(9/136)

وتنكير الأجر، ثم وصفه بأنه عظيم –فيه ترغيب لهن بالكف عن التطلع إلى الحياة الدينا وزينتها، فهذا الأجر لايقدر قدره إلا الله، وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة(1).
ولقد اعتبر الخلفاء الراشدون قصة التخيير تلك معلم من معالم الإسلام ومنهج نبوي كريم ينبغي أن يسلكه بيت القيادة في الأمة. وإن النظرة الفاحصة في التاريخ لتبين أن هذا الجانب يعد معياراً دقيقاً به يعرف القرب من الاستقامة أو البعد عنها وقد فهم قادة الأمة المؤمنون -حينما وجدوا- على امتداد تاريخ الإسلام، أهمية هذا الجانب فرعوه حق رعايته، وإن الأمثلة العملية من تاريخ الخلافة الراشدة هي من الوفرة والكثرة بمكان بحيث لاتتعب الباحث في التفتيش(2) عنها.
إن قيادة الأمة تكليف ومغرم وليست مغنماً ولابد للذين يتولونها أن يحسبوا أهمية التعالي على حطام الدنيا، والشوق إلى الله والدار الآخرة(3).
رابعاً: حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس:
__________
(1) انظر: تفسير السعدي (4/148).
(2) انظر: البداية والنهاية (7/136).
(3) انظر: معين السيرة، ص475.
(9/137)

كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - مستمرة على كافة الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والعسكرية والتعبدية وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، فحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين(1)، فلما حل موسم الحج أراد الحج - صلى الله عليه وسلم - ولكنه قال:(إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لايكون ذلك) فأرسل - صلى الله عليه وسلم - الصدِّيق أميراً على الحج سنة تسعة، فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة(2)، وساقوا معهم الهدي(3) فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً رضي الله عنه وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية،ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرف الناس مناسكهم: في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات ... الخ وعلي يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: لايدخل الجنة إلا مؤمن، ولايطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولايحج بعد العام مشرك(4)
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/536)؛ دراسات في عهد النبوة ، ص222.
(2) انظر: نظرة النعيم (1/398)؛ الطبقات الكبرى (2/168).
(3) انظر: فتح الباري (8/82).
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص625.
(9/138)

.
وقد أمر الصدِّيق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته(1).
إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية، وأتباعها، حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم(2).
قال تعالى:{ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ صدق الله العظيم فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ صدق الله العظيم وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ صدق الله العظيم }(سورة التوبة، آية:1-3).
وقد أمهل المعاهدون لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم فقال تعالى: {إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(سورة التوبة، آية:4).
كما أمهل من لاعهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين قال تعالى:{ فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(سورة التوبة، آية:5).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/537).
(2) انظر: نظرة النعيم (1/399).
(9/139)

وقد كلف النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج مراعات لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود ونقضها أن لايتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام فلذلك تدارك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر وأرسل علياً بذلك فهذا هو السبب في تكليف علي بتبليغ صدر سورة براءة لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن علياً أحق بالخلافة من أبي بكر وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولاأدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور(1)؟ وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير(2).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع(3)، لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد(4).
خامساً: عام الوفود (9هـ):
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص624.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/540).
(3) نفس المصدر (2/540).
(4) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص283.
(9/140)

لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمد أربعة أشهر لقبائل العرب المشركين لكي يقرروا مصيرهم بأنفسهم قبل ان تتخذ الدولة الإسلامية منهم موقفاً معيناً، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه معلنة إيمانها وولاءها(1)، وقد اختلف العلماء في تاريخ مقدم الوفود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عددها حيث أشارت المصادر الحديثية والتاريخية إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخ مبكر عن السنة التاسعة، ولعل ذلك مما أدى إلى الإختلاف في تحديد عدد الوفود بين مايزيد عن ستين وفداً عند البعض، وليرتفع فيبلغ أكثر من مائة وفد عند آخرين، ولعل البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم(2)، فقد أورد محمد بن إسحاق أنه: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة المكرمة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه(3).
__________
(1) نفس المصدر، ص284.
(2) انظر: نظرة النعيم (1/396).
(3) انظر: البداية والنهاية (5/46-47).
(9/141)

وقد استقصى ابن سعد في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصل كثيراً وقدم ترجمات وافية عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبة منهم، وماورد عن طريقهم من آثار، ولاتخلو أسانيد ابن سعد أحياناً من المطاعن، كما أن فيها أسانيد من الثقاة أيضاً(1)، ولاشك في أن الأخبار التي أوردها المؤرخون ليست ثابتة بالنقل الصحيح المعتمد وفق أساليب المحدثين، رغم أن عدداً كبيراً من المرويات عن تلك الوفود ثابتة وصحيحة(2)، فقد أورد البخاري معلومات عن وفد قبيلة تميم وقدومه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفود أخرى مثل: عبد القيس وبني حنيفة، ووفد نجران، ووفد الأشعريين وأهل اليمن، ووفد دوس(3)، وتعززت أخبار هذه الوفود بمعلومات إضافية وردت في مصادر تاريخية إلى جانب ماورد عنها في كتب السير والمغازي(4) وقد أورد مسلم أخباراً عن أغلب الوفود المذكورة آنفاً(5) كما أوردت بقية الكتب الستة معلومات أوسع شملت عدداً كبيراً من الوفود(6).
__________
(1) انظر: نظرة النعيم (1/397).
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/542).
(3) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4365، 4368، 4372، 4392.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/40-98) مثلاً.
(5) انظر: نظرة النعيم (1/398).
(6) نفس المصدر (1/398).
(9/142)

إن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معها من الأهمية بالمكان الكبير(1)، وتبقى مسألة الحاجة الماسة إلى نقد تاريخي لمتون الأخبار المفصلة التي وصلتنا عن الوفود(2) لقد تركت لنا تلك الأخبار والقصص منهجاً نبوياً كريماً في تعامله - صلى الله عليه وسلم - مع الوفود يمكننا الاستفادة من هديه - صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع النفسية البشرية وتربيته ودقته وتنظيمه ففيها ثروة هائلة من الفقه الذي يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية وربط أفراد بأعيانهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية إلى الإسلام إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كل الحقول نفسياً واجتماعياً واقتصادياً وإدارياً وسياسياً وعكسرياً تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروساً تكفيه وتغنيه(3) هذا وقد تميز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة وقد استعدت الدول الإسلامية لاستقبالهم وتهيئة المناخ التربوي لهم، وقد تمثل هذا الاستقبال، بتهيئة مكان إقامة لهم وكانت هناك دار للضيافة(4)، ينزل فيها الوافدون، وهناك مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان ساحة للاستقبال، ثم كان هناك تطوع أو تكليف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحد الصحابة باستضافة بعض القادمين(5) واهتم - صلى الله عليه وسلم - بتلك الوفود وحرص على تعليمها وتربيتها، وقد كانت تلك الوفود حريصة على فهم الإسلام وتعلم شرائعه وأحكامه، وآدابه، ونظمه في الحياة، وتطبيق ماعلِّموه تطبيقا عملياً، جعلهم نماذج حياة لفضائله، وقد كان
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الأساس في السنّة (2/1014).
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/544).
(3) انظر: الأساس في السنّة (2/1014).
(4) انظر: المدينة النبوية فجر والاسلام والعصر الراشدي، محمد شُرّاب (2/400).
(5) انظر: دراسات في عهد النبوة للشجاع، ص221.
(9/143)

لكثير منهم سؤالات عن أشياء كانت شائعة بينهم ابتغاء معرفة حلالها وحرامها، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصاً أشد الحرص على تفقيههم في الدين، وبيان ماسألوه عنه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يدني منهم من يعلم منه زيادة حرص على القرآن العظيم وحفظ آياته تفقهاً فيه ويقول لأصحابه: فقِّهوا إخوانكم(1)، وكان - صلى الله عليه وسلم - يسأل عمن يعرف من شرفائهم، فإذا رغبوا في الرحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحق، وحثَّهم على الاعتصام بالصبر، ثم يجزيهم بالجوائز الحسان، ويسوِّي بينهم فإذا رجعوا إلى أقوامهم رجعوا هُداة دعاة، مشرقة قلوبهم بنور الإيمان، يعلمونهم مما علِّموا، ويحدثونهم بما سمعوا، ويذكرون لهم مكارم النبي وبره وبشره واستنارة وجهه سروراً بمقدمهم عليه، ويذكرون لهم ماشاهدوه من حال أصحابه في تآخيهم وتحاببهم ومواساة بعضهم بعضاً ليثيروا في أنفسهم الشوق إلى لقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولقاء أصحابه، ويحببوا إليهم التأسي بهم في سلوكهم ومكارم أخلاقهم(2)، واختارت بعض الوفود البقاء على نصرانيتها كفود نصارى نجران ووافقت على دفع الجزية، ونحاول أن نتحدث عن بعض الوفود لما في ذلك من الفقه والدروس والعبر كوفد عبد قيس، وبني سعد بن بكر ووفد نصارى نجران:
أ-وفد عبد قيس:
وقد تحدث ابن عباس رضي الله عنهما عن قدومهم فقال:
__________
(1) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/520).
(2) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/521).
(9/144)

إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفد؟ أو من القوم؟ قالوا: ربيعة قال: مرحباً بالقوم(1)، أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى(2). قال: فقالوا: يارسول الله: إنا نأتيك من شقة بعيدة(3)، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لانستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل(4) نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: هل تدرون ماالإيمان بالله؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم ونهاهم عن الدباء(5)، والحنتم(6)، والمزفت(7)، وبما قال النقير(8)، أو المقير وقال: احفظوه وأخبروا به من وراءكم(9)، وفي رواية: أن الاشج بن عبد قيس تخلف في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبلها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله، فقال: جبل جبلت عليه أم تخلقاً مني؟ قال: بل جبلٌ قال: الحمد لله الذي جبلني على مايحب الله ورسوله(10).
__________
(1) مرحباً بالقوم: صادفت رحباً وسعة.
(2) غير خزايا ولا ندامى: معناه لم يكن منكم تأخر عن الاسلام ولا عناد.
(3) شقة بعيدة: السفر البعيد، قيل المسافة البعيدة.
(4) أمر الفصل: الين الواضح الذي ينفصل به المراد.
(5) الدباء: القرع اليابس أي الوعاء فيه.
(6) الحتم : أصح الأقوال فهيا : الجرار الخضر وهي جرار كانت يحمل فيها الخمر.
(7) المزفت: الأوعية التي فيها الزفت.
(8) النقير: جذع ينقر وسطه ثم ينبذ فيها الرطب والبسر.
(9) البخاري، كتاب الايمان رقم 53.
(10) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص631.
(9/145)

وقد انشغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمقدمهم وأخر صلاة السنة البعدية بعد الظهر وصلاها بعد العصر(1).
ب-وفد ضمامة بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكر:
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: بينما نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم علقه ثم قال لهم: أيكم محمد
-والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبدالمطلب. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد أجبتك فقال الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أسألك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد(2) علي في نفسك فقال: سل (عما بدا لك). فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: (اللهم نعم) .
قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال:(اللهم نعم).
قال: أنشدك بالله. آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك بالله. آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم نعم.
فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر(3).
وفي رواية ابن عباس: ... حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأودي هذه الفرائض وأجتنب مانهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص.
__________
(1) نفس المصدر، ص635.
(2) تجد: تحقد وتحمل البغضاء.
(3) البخاري، كتاب العلم رقم 63.
(9/146)

قال: ثم انصرف راجعاً إلى بعيره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ولى: إن يصدق ذو العقيصتين(1) يدخل الجنة، قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ماتكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: صه ياضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما والله لايضران ولاينفعان، إن الله عزوجل قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه. وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضرة رجل ولا امرأة إلا مسلماً، قال: يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة(2).
وتدل قصة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربية، حتى جاء ضمام لا ليسأل عنها ولكن جاء ليستوثق منها، معدداً لها الواحدة تلو الأخرى، مما يدل على استيعابه لها قبل مجيئة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -(3).
جـ-وفد نصارى نجران:
كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران(4) كتاباً قال فيه: أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية. فإن أبيتم آذنتكم بحرب. والسلام(5).
__________
(1) لأنه فرق شعره فرقتين.
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص630؛ مسند أحمد (1/264).
(3) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص650.
(4) نجران بلد كبير على سبع مراحل من مكة الى جهة اليمن.
(5) انظر: البداية والنهاية (5/48).
(9/147)

فلما أتى الأسقف الكتاب، جمع الناس وقرأه عليهم، وسألهم عن الرأي فيه؟ فقرروا أن يرسلوا إليه وفداً يتكون من أربعة عشر من أشرافهم، وقيل ستين راكباً، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذين يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم، وحبرهم وصاحب مدارسهم، فقدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحِبَرة، وأردية مكفوفة بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذهب، فقاموا يصلُّون في المسجد نحو المشرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعوهم. ثم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعرض عنهم، ولم يكلمهم، فقال لهم عثمان: من أجل زيَّكم هذا، فانصرفوا يومهم هذا، ثم غدَوا عليه بزي الرهبان فسلّموا عليه، فردّ عليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يمنعكم من الإسلام ثلاث:
عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً(1) وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القرآن ويقرع باطلهم بالحجة وكان مما قالوه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مالك تشتم صاحبنا وتقول أنه عبدالله، فقال: أجل، إنه عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب فإن كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ صدق الله العظيم الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ صدق الله العظيم }(سورة آل عمران،آية:59-60).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547).
(9/148)

فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه(1) فلما لم تجد معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة(2)، امتثالاً لقوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(سورة آل عمران، آية:61).
وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة وقال:(وإذا أنا دعوت فأمِّنوا)(3) فائتمروا فيما بينهم، فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبي حقاً، وأنه ماباهل قوم نبياً إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر(4)، ولما عزموا على الرجوع إلى بلادهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ابعث معنا رجلاً أميناً ليقبض منهم مال الصلح، فقال لهم: لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرق له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة(5).
سادساً: بعوث رسول الله لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الأدارة والمال:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/633)؛ السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547).
(3) نفس المصدر (2/547).
(4) المصدر السابق (2/547).
(5) البخاري، كتاب فضائل الصحابة رقم 3745.
(9/149)

كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها وتنضوي تحت سيادة الدولة الإسلامية ويتعلمون ماشاء الله أن يتعلموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم، وكان - صلى الله عليه وسلم - يرسل معهم من يعلمهم دينهم، وشرع - صلى الله عليه وسلم - يبعث دعاته في شتى الجهات واهتم بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن لتعليمها مبادئ الإسلام وأحكامه فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام(1) لكي تتطهر قلوبهم وتشفى صدورهم من أمراض الجاهلية وأدرانها الخبيثة وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدخول في الإسلام، فأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد في سرية دعوية جهادية.
أ-بعث خالد إلى بني الحارث بني كعب (10هـ):
__________
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص322.
(9/150)

كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران ولم يقبل منهم أحد الإسلام، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادي سنة عشر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كتب خالد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمه بإسلامهم وأنه مقيم فيهم حتى يكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمره بأن يقبل إلى المدينة ومعه وفد منهم ففعل، فلما قدموا أمر عليهم قيس بن الحصين، وبعث إليهم بعد ذلك عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة، ومعالم الإسلام(1) وفي رواية: أنه - صلى الله عليه وسلم - أرسل علياً بدلاً من خالد وعندما وصل إلى قبائل همدان قرأ عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامهم فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب خر ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان السلام على همدان(2)، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على الجبهة الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلاً وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تساند هذا النشاط الدعوي السلمي حيث بعث خالد بن
__________
(1) انظر: السيرة لابن هشام (4/250).
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4349.
(9/151)

الوليد ثم علي بن أبي طالب رضي عنهم في هذا السياق(1).
إن الوثائق التي عقدها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قبائل اليمن وحضرموت قد بلغت عدداً كبيراً ضمّنها محمد حميد الله رحمه الله في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية)(2).
إن التركيز على مفاصل القوى، ومراكز التأثير في المجتمعات وبناء الدول منهج نبوي كريم حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على ممارسته في حياته.
ب-بعث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري إلى اليمن رضي الله عنهما:
__________
(1) انظر: الفقه السياسي للوثائق النبوية، ص231.
(2) انظر: الوثائق السياسية، حميدالله رقم 111 ص230.
(9/152)

1-بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل الأنصاري أعلم الصحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضياً ومفقِّهاً، وأميراً، ومصدِّقاً(1)، وجعله على أحد مِخْلافيها(2) وهو الأعلى. ولما خرج معاذ قاصداً اليمن خرج معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يودعه ويوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرة ورسم له منهجاً دعوياً عظيماً حيث قال له: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب(3). وفي هذا الحديث إرشاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالأهم، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيماناً يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك(4).
__________
(1) المصدِّق: آخذ الزكاة.
(2) المخلاف: الأقليم والكورة والرستاق.
(3) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4347.
(4) انظر: التاريخ الاسلامي (8/187).
(9/153)

وهذا منهج نبوي كريم رسمه - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدى الصحابة الكرام وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النبوي يترسمون خطاه، ويستوعبونه فهما ووعياً، وتطبيقاً، وحينئذ تكون خطاهم في الطريق الصحيح(1) ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وصاياه لمعاذ قال له: يامعاذ، إنك عسى أن لاتلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري(2) . فبكى معاذ خَشَعاً لفراق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول، فقد أقام معاذ باليمن ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -(3).
2-وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى الأشعري اليمني إلى مخلاف اليمن الآخر وهو الأسفل، قاضياً ومفقهاً وأميراً ومصدِّقاً، وأوصاه ومعاذاً فقال: يسِّرا ولاتعسرا، وبشِّرا ولاتنفِّرا، وتطاوعا ولاتختلفا(4).
وهذا منهج نبوي كريم أرشد إليه رسول الله معاذاً وأبا موسى بأن يأخذوا بالتيسير على الناس ونهاهما عن التعسير عليهم، وأمرهما بالتبشير ونهاهما عن التنفير(5).
جـ- ترتيب أمور الإدارة والمال:
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص486.
(2) انظر: صحيح السيرة ، ص654.
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/559).
(4) البخاري، كتاب المغازي رقم 4342.
(5) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (8/186).
(9/154)

إن النظام جزء من هذا الدين، وداخل في كل أموره، لأن النظام يجمع الأشتات، وتحقق به الأهداف والغايات، فالنظام سمة يتميز بها الإسلام منذ اللحظة الأولى حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التصورية والشعائرية والتعبدية وفي الشرائع الحياتية كلها، فكان - صلى الله عليه وسلم - يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها، وكلما فتح منطقة وضع عليها أميراً، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعين عليها أميراً من قبله، ثم يترك لهم من يعلمهم دينهم ويرسل إليهم من يجمع صدقاتهم(1)، وكان يختار عمّاله من الصالحين وأولي العلم والدين، ومن المنظور إليهم من العرب وذوي الشخصيات المؤثرة في قبائلهم، فقد كان عامله على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن العاص، وبعث علياً وأبا موسى إلى اليمن وأقر الرسول في بعض الحالات أمراء وملوك التي أسلمت أو قبلت الجزية ومنهم باذان ابن سامان ولد بهرام الذي أقرّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اليمن بعد إسلامه ولما بلغه موته قسم عمله على جماعة من الصحابة، فولى على صنعاء شمر بن باذان، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى همذان، عامر بن شمر الهمذاني، وعلى مابين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزام، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور(2)، وكان - صلى الله عليه وسلم - يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، وحدّد - صلى الله عليه وسلم - لبعض عماله رواتب، منهم عتاب بن أسيد والي مكة درهماً كل يوم(3)، ولما استعمل عليه الصلاة والسلام قيس بن مالك على قومه همذان خصص له قطعة من الأرض يأخذ خراجها، وكانت رواتب عماله تتغير بتغير
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة، ص221 للشجاع.
(2) ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر (2/59).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/153).
(9/155)

أحوال المعيشة فهي ليست ثابتة(1)، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ولي لنا ولاية ولم يكن له بيت فليتخذ بيتاً أو لم تكن له زوجة فليتخذ زوجة، أو لم تكن له دابة فليتخذ دابة(2). وهذه هي الحاجات الرئيسية لوليّ الأمر في ذلك الوقت منعاً لأخذ الرشوة، وهذه قاعدة قانونية جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها وهي أن الهدية للحاكم رشوة صريحة(3).
المبحث السابع
حجة الوداع (10هـ)

يعتبر الحج أحد الأركان الخمسة، وقد فرض في العام العاشر وهذا ماذهب إليه ابن القيم(4) واستدل بأدلة قوية وهو اللائق بهديه - صلى الله عليه وسلم - في عدم تأخير ماهو فرض، لأن الله تعالى يقول:{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}(سورة آل عمران، آية:97). وقد نزلت عام الوفود، أواخر سنة تسع(5).
__________
(1) انظر: الدولة العربية الاسلامية، منصور الحرابي ، ص44.
(2) انظر: الدولة العربية الاسلامية، ص44؛ التراتيب الادارية للكتاني (1/227).
(3) انظر: الدولة العربية الاسلامية، ص44.
(4) انظر: زاد المعاد (3/595).
(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص680؛ زاد المعاد (3/595).
(9/156)

لم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة غير حجته التي كانت في العام العاشر وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ، لأنه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولاً وعملاً، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام، وقواعده شيء إلا وقد بينه، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عليه بعرفة:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} (سورة المائدة، آية:3)(1) ولما نزلت هذه الآية بكى بعض الصحابة -ومنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -- وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولما قيل لسيدنا عمر: مايبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان(2)، وكان عدد الذي مع رسول الله أكثر من مائة ألف(3).
أولاً: كيف حج النبي - صلى الله عليه وسلم - :
عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج، وأعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووافاه في الطريق خلائق لايحصون، فكانوا من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، مد البصر، وخرج من المدينة نهاراً بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلى الظهر بها أربعاً(4).
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4407.
(2) انظر: السيرة النبوية لآبي شهبة (2/575).
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص386.
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص664؛ السيرة النبوية للندوي ،ص386.
(9/157)

وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الاحرام وواجباته وسننه ثم سار وهو يلبي، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك(1) والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرهم، ولاينكر عليهم، ولزم تلبيته ثم مضى حتى نزل بـ (العرج) ثم سار حتى أتى (الأبواء) فوادي (عسفان) في (سرف) ثم نهض إلى أن نزل بـ (ذي طوى) فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة فدخلها نهاراً من أعلاها، ثم سار، حتى دخل المسجد، وذلك ضحى(2)، فاستلم الركن(3) - صلى الله عليه وسلم - فرمل ثلاثاً(4)، ومشى ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم(5) عليه السلام. فقرأ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (سورة البقرة، آية:125). فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ:{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}(سورة البقرة، آية:158) وأبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا. فرقى عليه، حتى إذا رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره. وقال: (لا إله إلا الله وحده
__________
(1) البخاري، كتاب الحج، باب التلبية رقم 1550.
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص387.
(3) مسلم، كتاب الحج باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم رقم 1218.
(4) الرمل : إسراع المشي مع تقارب الخطا.
(5) نفذ الى مقام ابراهيم: بله ماضياً في زحام.
(9/158)

لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذه ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت(1) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا(2) مشى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة(3).
__________
(1) انصبت قدماه: انحدرت.
(2) صعدتا: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.
(3) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي رقم 1218.
(9/159)

فقال سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يارسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى. وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين (لا بل لأبد أبد)(1) وأقام بمكة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء فلما كان يوم الخميس ضحى، توجه بمن معه من المسلمين إلى منى ونزل بها، وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة(2)، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام(3)، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز(4) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفه، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة. فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي(5)، فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لايوطئن في فرشكم أحداً تكرهونه(6)
__________
(1) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي رقم 1218؛ صحيح السيرة النبوية، ص659.
(2) نمرة: موضع بجنب عرفات وليست من عرفات.
(3) المشعر الحرام: جبل بمزدلفة كانت قريش تقف عليه، ولا تقف مع العرب في عرفات ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عرفات.
(4) فأجاز: جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وإنما توجه الى عرفات.
(5) بطن الوادي: وادي عرنة، وليست عرنة من ارض عرفات عند العلماء إلا مالكاً قال من عرفات.
(6) أي لايجوز للمرأة ان تدخل احداً الى بيت زوجها من قريب او بعيد أو امرأة إلا من يرضى عنه زوجها.
(9/160)

، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح(1)، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم مالن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها(2) إلى الناس: اللهم اشهد. اللهم اشهد، ثلاث مرات(3)، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات(4) وجعل جبل المشاة بين يديه(5)، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص(6)، وذكر أبو الحسن الندوي: لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيه: اللهم! إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لايخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم! لاتجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيماً، ياخير المسؤولين، وياخير المعطين(7).
__________
(1) الضرب المبرح: الشديد الشاق.
(2) ينكثها: يقلبها ويرددها الى الناس مشيراً إليهم.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص661؛ مسلم كتاب الحج، رقم 1218.
(4) الصخرات: صخرات في اسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات.
(5) جبل المشاة: مجتمعهم. وقيل جبل المشاة: ومعناه طريقهم حيث تسلك الرجالة.
(6) حتى غاب قرص الشمس: حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة.
(7) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص389.
(9/161)

وهنالك أنزلت عليه:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} (سورة المائدة، آية:3). فلما غربت الشمس أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة ضم إليه زمام ناقته، حتى أن رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: أيها الناس عليكم السكينة(1)، وكان يلبي في مسيره ذلك، لايقطع التلبية حتى أتى المزدلفة، وأمر المؤذن بالأذان فأذن، ثم أقام، فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم، أمر، فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء، ثم نام، حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرع، والتكبير والتهليل والذكر، حتى أسفر جداً، وذلك قبل طلوع الشمس، ثم سار من مزدلفة، مردفاً للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات، فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته، وأسرع السير(2)، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل العذاب، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكباً بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية(3)، ثم رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفاراً، يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه(4) وقد جاء في هذه الخطبة: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال فقال: أليس ذو
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص662.
(2) نفس المصدر، ص662؛ السيرة النبوية للندوي، ص389.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية للندوي، ص389.
(4) نفس المصدر، ص390.
(9/162)

الحجة قلنا: بلى، قال:(أي بلد هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: اليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم -وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مبلِّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض(1).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/550)؛ السيرة النبوية لأبي شهبة (2/578).
(9/163)

ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنه بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره، ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، فلما أكمل - صلى الله عليه وسلم - نحره استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه، ثم أفاض إلى مكة راكباً، وطاف طواف الإفاضة(1)، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبدالمطلب يسقون على زمزم، فقال: أنزعوا بني عبدالمطلب: فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه(2) ثم رجع إلى منى من يومه ذلك، فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر، وخطبة ثانية في ثاني يوم النحر(3)، وهو يوم النفر الأول، وهي تأكيد لبعض ماجاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر بمنى - والواقع أن تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمراً لابد منه لحاجة المسلمين، فهي الحجة الوحيدة التي حجّها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد عزّ فيها الإسلام والمسلمون، وأصبحت كلمتهم هي النافذة في الجزيرة كلها، كما كانت الوداع الأخير فما أشد حاجة المسلمين في هذا المشهد العظيم إلى التذكير والنصح والتوصية وإلى تكرار القول والتأكيد عليه حتى يعوه ويحفظوه ولاينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة(4).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.
(2) مسلم، كتاب الحج رقم 1218؛ صحيح السيرة النبوية ص663.
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/579)؛ المستفاد من قصص القرآن (2/515).
(9/164)

هذا وقد تأخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ليلاً سحراً، وأمر الناس بالرحيل، وتوجه إلى المدينة(1). وفي طريق العودة من حجة الوداع خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس في غدير خُمّ قريباً من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقد جاء في هذه الخطبة: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي(2)، وفي رواية ... أخذ بيد علي رضي الله عنه وقال: من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(3) ، وفي رواية:(من كنت مولاه فعلي مولاه)(4)، وكان علي قد أقبل من اليمن وشهد حجة الوداع(5)، وقد اشتكى بعض الجند عليا وأنه اشتد في معاملتهم وكان قد استرجع منهم حللاً وزعها عليهم نائبه، فأوضح لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم مكانة علي ونبه على فضله لينتهوا عن الشكوى(6)، فقد كان الحق مع علي في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته لأنها أموال صدقات وخمس(7).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.
(2) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل علي بن أبي طالب رقم 2048.
(3) النسائي في خصائص علي، ص21؛ صحيح السيرة النبوية، ص688.
(4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/550).
(5) انظر: البداية والنهاية (5/209).
(6) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/551).
(7) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/581).
(9/165)

ولما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات، وقال: لا إله إلا الله وحده، لاشريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون صدق الله وعده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دخلها نهارا(1).
ثانياً: الدروس والعبر والفوائد:
1- مرحلة النضج التي وصلت إليها الأمة:
وصلت الأمة الإسلامية في السنة العاشرة مرحلة من النضج متقدمة وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، فوسع - صلى الله عليه وسلم - في العام التاسع والعاشر من الهجرة دائرة التلقي المباشر من خلال استقباله الوفود ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد(2)، ففي حجة الوداع كانت اللمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
2-تربية الأفراد على قطع الصلة بالجاهلية والإبتعاد عن الذنوب:
أ-فقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أهمية قطع المسلم بعلاقته بالجاهلية، أوثانها، وثاراتها، ورباها، وغير ذلك ولم يكن حديثه - صلى الله عليه وسلم - مجرد توصية بل كان قراراً أعلن عنه للملأ كله لأولئك الذين كانوا من حوله والأمم التي ستأتي من بعده وهذه هي صيغة القرار: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع، دماء الجاهلية موضوعة ... وربا الجاهلية موضوع(3)، لأن الحياة الجديدة التي يحياها المسلم بعد إسلامه حياة لاصلة لها برجس الماضي وأدرانه(4).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص391 نقلاً عن زاد المعاد (1/249).
(2) انظر: الأساس في السنّة (2/1054).
(3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص331.
(4) قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، ص303.
(9/166)

ب-وقد حذر - صلى الله عليه وسلم - من الذنوب والخطايا والآثام، ماظهر منها ومابطن، لأن الذنوب والخطايا تفعل بالفرد مالايفعله العدو بعدوه فهي سبب مصائبه في الدنيا: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}(سورة الشورى، آية:30) فترديه في نار جهنم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات مالايفعله السيف، وأعلن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام، لأن العقول التي تفتحت على التوحيد ترفض أن تعود إلى الشرك الظاهر، ولكن الشيطان لاييأس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا والذنوب، حتى تردى صاحبها في المهاوي(1).
3-تربية المجتمع علىمبادئ أساسية:
أ-الأخوة في الله هي العروة الوثقى التي تربط بين جميع المسلمين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض(2).
__________
(1) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص303.
(2) مسلم، كتاب الحج رقم 1218.
(9/167)

ب-الوقوف بجانب الضعيف حتى لايكون هذا الضعف ثغرة في البناء الإجتماعي، فأوصى - صلى الله عليه وسلم - في خطبته بالمرأة والرقيق على أنهما نموذجان عن الضعفاء(1)، فقد شدّد - صلى الله عليه وسلم - في وصيته بالإحسان إلى الضعفاء(2)، وأوصى خيراً بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية(3).
جـ-التعاون مع الدولة الإسلامية على تطبيق أحكام الإسلام، والإلتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبداً حبشياً، فإن في ذلك الصلاح والفلاح، والنجاة في الدنيا والآخرة(4)، فقد بين - صلى الله عليه وسلم - العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها تعتمد على السمع والطاعة مادام الرئيس يحكم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا مال عنهما فلا سمع ولاطاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى(5).
د-المساواة بين البشر: فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: لافضل لعربي على عجمي، ولالعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب(6)، حيث حدد أن أساس التفاضل لاعبرة فيه لجنس، ولالون، ولاوطن، ولاقومية، ... وإنما أساس التفاضل قيمة خلقية راقية ترفع مكانة الإنسان إلى مقامات رفيعة جداً(7).
__________
(1) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص304.
(2) انظر: دولة الرسول من التكوين الى التمكين، ص575.
(3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص332.
(4) انظر:دولة الرسول من التكوين الى التمكين، ص576.
(5) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص333.
(6) مسند أحمد (3/411) إسناده صحيح.
(7) انظر: الموسوعة في سماحة الاسلام ، عرجون (2/876).
(9/168)

هـ-تحديد مصدر التلقي: وقد حدد - صلى الله عليه وسلم - مصدر التلقي والطريقة المثلى لحل مشاكل المسلمين التي قد تعترض طريقهم في الرجوع إلى مصدرين لاثالث لهما، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما، الأمان من كل شقاء وضلال، وهما: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبين للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفاً على عصر دون آخر، وأنه لاينبغي أن يكون لأيّ تطور حضاري أوعرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما(1).
لقد وصف - صلى الله عليه وسلم - الداء والدواء ووضع العلاج لكل المشكلات بالالتزام التام بما جاء من أحكام في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -:(تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي) . هذا هو العلاج الدائم وقد كرر - صلى الله عليه وسلم - نداءه للبشرية عامة عبر الأزمنة، والأمكنة بوجوب الاهتداء بالكتاب والسنة في حل جميع المشكلات التي تواجه البشرية، فإن الإعتصام بهما يجنب الناس من الضلال، ويهديهم إلى التي هي أقوم في الحاضر والمستقبل، لقد اجتازت تعاليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه حدود الجزيرة، واخترقت حواجز الزمن، وأسوار القرون، وظل يتردد صداها حتى يوم الناس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه فيقول لهم (أيها المؤمنون، أيها المسلمون أيها الحجاج بل كان يقول لهم يا أيها الناس) وقد كرر نداءه إلى الناس كافة مرات متعددة دون أن يخصصه بجنس أو بزمان أو مكان أو لون، فقد بعثه الله للناس كافة وأرسله رحمة للعالمين(2).
4-الأساليب التعليمية من خطب حجة الوداع:
أ-التعليم بمباشرة مايراد تعليمه:
__________
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص333.
(2) انظر: الجانب السياسي في حياة الرسول، ص131، احمد محمد باشميل.
(9/169)

علّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام مناسك الحج بصورة عملية، بأن قام بها وباشرها فعلاً، ولم يكتف بأن يعلمها لهم قولاً، ولذلك قال لهم:(خذوا عني مناسككم)(1)، وعلى هذا فيستحسن من الدعاة وهم يعلمون الناس معاني الإسلام أن يعلموهم هذه المعاني، والمطلوبات الشرعية، أو بعضها في الأقل بصورة عملية كالوضوء، والصلاة، وتعليم قراءة القرآن بصورة سليمة(2).
ب-تكرار الخطب:
لاحظنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كرر خطبه، فقد خطب في عرفة، وفي منى مرتين، كما كرر معاني بعض هذه الخطب، فعلى الدعاة أن يقتدوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيكرروا خطبهم ويكرروا بعض معانيها التي يروا حاجة لتكرارها، حتى يستوعبها السامعون ويحفظوها، لأن القصد من خطب الخطيب إفادة السامعين بما يقول، فإذا كانت الفائدة لاتحصل أو لاتتم إلا بتكرار الخطب من حيث عددها، أو بتكرارها من حيث تكرار معانيها، فليكررها الداعية، ولايكون حرصه على أن يأتي بجديد في خطبه مادام يرى الحاجة في ترسيخ معاني معينة في أذهان السامعين، إن الداعية همه أن يفيد السامعين وليس همه أن يظهر براعته في الخطب، وفي تنوع معانيها دون نظر ولا اعتبار إلى مايحتاجه السامعون، ودون اعتبار لفهمهم هذه المعاني واستيعابهم لها(3).
حـ-فليبلغ الشاهد الغائب:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/549)؛ مسلم (2/942) رقم 1297.
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/518).
(3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/517،518).
(9/170)

وفي هذا توجيه نبوي كريم لكي تعم الفائدة أكبر عدد ممكن من الناس فهذا من باب التعاون على الخير، ولأن الغائب قد يكون أوعى للعلم، وأكثر فهماً له من الحاضر الذي سمع وعلى الدعاة والعلماء عندما يلقون درساً أو محاضرة لإخوانهم أو لعامة الناس فمن المستحسن أن يقولوا للحاضرين: فليبلغ الحاضر منكم الغائب بما سمعه(1).
د-جلب انتباه الحاضر لما يقوله الخطيب:
ويستفاد من سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - الحاضرين عن اسم اليوم الذي هم فيه، وكذا عن الشهر والبلد وهم يعرفونها مما يجلب انتباههم إلى ماقد عسى أن يريده بطرح هذه الأسئلة فيصغون إليه إصغاءً تاماً، قال القرطبي: سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثلاثة: أي عن اليوم والشهر والبلد، وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة مايخبرهم عنه ... فعلى العلماء والدعاة أن يقدموا بين يدي مايقولونه مايدعو إلى جلب انتباه السامعين ويشدهم إلى كلامهم(2).
5-بعض الأحكام الفقهية المستنبطة من حجة الوداع:
جاءت حجة الوداع حافلة بالأحكام الشرعية وخاصة مايتعلق بالحج وبالوصايا والأحكام التي وردت في خطبة عرفات، لذلك اهتم العلماء بحجة الوداع اهتماماً كبيراً واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك وغيرها مما تحفل به كتب الفقه وكتب شروح الحديث وخصص بعضهم مؤلفات مستقلة في حجة الوداع(3).
ونشير إلى بعض هذه الأحكام باختصار شديد فمن هذه الأحكام:
أ-إفطار الحاج يوم عرفة:
__________
(1) البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي رب مبلغ رقم 105.
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة (2/518).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/549)، ماألفه الألباني حجة النبي وغيره.
(9/171)

قالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الناس شكوا في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة، فأرسلت إليه ميمونة بحلاب(1) اللبن، وهو واقف في الموقف فشرب منه، والناس ينظرون إليه(2).
ب-كيف يفعل بمن توفي محرماً؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل واقف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة إذ وقع عن راحلته، فأوقصته أو قال فأقعصته(3)، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولاتحنطوه(4)، ولاتخمروا(5) رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً(6).
جـ-هل يجوز الحج عن الغير؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يارسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لايثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: (نعم). وذلك في حجة الوداع(7).
د-منهج التيسير لاحرج لاحرج:
__________
(1) الإناء الذي يحلب فيه.
(2) البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة حديث رقم 1989.
(3) فأقعصته: قتلته في الحال.
(4) لا تحنطوه: لا تضعوا عليه من الطيب شيئاً.
(5) لا تخمروا: لا تغطوا ورأسه.
(6) البخاري، كتاب الجنائز باب الكفن في ثوبين رقم 1265. ملبياً: يحشر يوم القيامة على الهيئة التي مات عليها.
(7) البخاري في الحج، باب وجوب الحج وفضله رقم 1513.
(9/172)

قال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فطفق ناس يسألونه فيقول القائل: يارسول الله! إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فارم ولاحرج قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: انحر ولاحرج قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افعل ولاحرج(1).
هذه بعض الأحكام المختصرة ومن أراد المزيد فليراح ماكتبه الألباني عن حجة الوداع فقد لخص الحجة في اثنتين وسبعين مسألة(2)، وكتاب (الوصية النبوية للأمة الإسلامية) للدكتور فاروق حمادة فقد جمع من المصادر الأدبية والحديثية وكتب أهل السير ثمانية وثلاثين بنداً ثم قام بتحليلها وتخريجها وتوثيق نصوصها بميزان الجرح والتعديل الذي اعتمده أئمة المسلمين منذ الصدر الأول لأن الأمر دين وشرع كما قال وقد أجاد وأفاد(3).
6-فوائد في تسمية أيام الحج:
__________
(1) البخاري في العلم، باب الفتيا على الدابة رقم 83.
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص683.
(3) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص681.
(9/173)

كان يقال لليوم السابع من ذي الحجة يوم الزينة، لأنه يُزين فيه البُدن التي تهدى بالجلال وغيرها، واليوم الثامن يقال له: يوم التروية لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء ويحملون منه مايحتاجون إليه حال الوقوف ومابعده، لأن هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذ آبار ولا عيون، أما الآن ففيها الماء الكثير والحمد لله، واليوم التاسع: يوم عرفة للوقوف فيه بها. واليوم العاشر: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الحادي عشر: يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له: يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، وهو أول أيام التشريق. وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النَّفر الأول لجواز الخروج فيه إلى مكة لمن يريد التعجيل، وثالث أيام التشريق يقال له يوم النَّفر الثاني(1) قال عز شأنه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(سورة البقرة، آية:203).
المبحث الثامن
مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته

إن الأرواح الشفافة الصافية القوية لتدرك بعض مايكون مخبوءاً وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئة لتحدِّت صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ماوراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لايسامى ولايطاول(2).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/579).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/587).
(9/174)

ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء ولقد فهم - صلى الله عليه وسلم - من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ماهو صريح الدلالة على الوفاة ومنها ماليس كذلك، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم(1).
أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته - صلى الله عليه وسلم -:
1-الآيات:
أ-قال تعالى:{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(سورة آل عمران، آية:144).
قال القرطبي: فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبداً، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسل بموت أو قتل(2).
ب- قال تعالى:{ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}(سورة الزمر، آية:30).
قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تحقق الناس موته(3).
__________
(1) انظر: مرض النبي ووفاته، خالد أبو صالح، ص33.
(2) انظر: تفسير القرطبي (4/222).
(3) انظر: تفسير ابن كثير (4/53).
(9/175)

جـ-قال تعالى:{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}(سورة الأنبياء، آية:34) ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق فقال عزوجل:{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(سورة الأنبياء، آية:35). فهذه الآيات صريحة ونصت على وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرح منها:
قال تعالى:{ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى صدق الله العظيم وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى صدق الله العظيم }(سورة الضحى، آية:4-5).
قال تعالى:{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ صدق الله العظيم وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ صدق الله العظيم }(سورة الرحمن، آية:26-27).
جـ- قال تعالى:{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
فهذه الآيات تبين أن جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنة الله في موت خلقه لن يتخلف عنهم أحداً أبداً.
د- قال تعالى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}(سورة المائدة، آية:3).
وقد بكى عمر بن الخطاب حين نزلت الآية فقيل مايبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان!! وكأنه استشعر وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -(1).
هـ- قال تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ صدق الله العظيم وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا صدق الله العظيم فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا صدق الله العظيم }(سورة النصر، آية:
1-3).
فقد سأل عمر بن عباس عن هذه الآية:{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}.
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (5/189).
(9/176)

فقال: أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ماتعلم(1)، وفي رواية الطبراني قال ابن عباس: نعيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه حين نزلت فأخذ بأشد ماكان قط اجتهاداً في أمر الآخرة(2).
2-أما الأحاديث التي أشارت إلى ذلك:
أ-قالت عائشة رضي الله عنها: اجتمع نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده، لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي لاتخطئ مشيتها مشية أبيها فقال: مرحباً يابنيتي، فأقعدها يمينه أو شماله، ثم سارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت. فقلت لها: خصَّك رسول الله بالسِّرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها أخبريني ماسارّك؟ فقالت: ماكنت لأفشي سرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتيني. قالت: أما الآن فنعم، قالت: سارّني في الأول قال لي: إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك، فبكيت ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ فضحكت(3).
وفي هذا الحديث دليل قاطع وإشارة واضحة إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ساعة الفراق قد باتت قريبة إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختص ابنته فاطمة رضي الله عنها بعلم ذلك، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(4).
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4430.
(2) مجمع الزوائد (9/26) رواه الطبراني في الكبير والاوسط وأحد اسانيده رجاله ثقات.
(3) البخاري، كتاب الاستئذان رمق 6285،6286.
(4) انظر: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، ص35.
(9/177)

ب-قال جابر رضي الله عنه: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه(1).
قال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع(2).
وقال ابن رجب: ومازال - صلى الله عليه وسلم - يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، فطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع(3).
جـ-قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس وقال: إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ماعند الله فاختار ذلك العبد ماعند الله. قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خير، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخيَّر وكان أبو بكر أعلمنا(4).
قال الحافظ ابن حجر:وكأن أبا بكر رضي الله عنه فهم الرمز الذي أشار به النبي - صلى الله عليه وسلم - من قرينه ذكره ذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى(5).
__________
(1) مسلم، كتاب الحج، رقم 1297.
(2) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (9/45).
(3) انظر: لطائف المعارف، ص105.
(4) البخاري، كتاب فضائل الصحابة رقم 3654.
(5) فتح الباري (7/16).
(9/178)

د-قال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء(1) بأشطان(2) شداد فقصصت ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذاك وفاة ابن أخيك(3). وفي هذا الحديث إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرب وفاته، وفيه صدق رؤيا المؤمن، واستشعار بعض الصحابة وفاته عليه الصلاة والسلام(4).
هـ-وعن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن خرج راكباً والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي تحت راحلته فقال: يامعاذ عسى إنك ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمرَّ بقبري ومسجدي فبكى معاذ لفراقه - صلى الله عليه وسلم -. فقال: لاتبك يامعاذ فإن البكاء من الشيطان(5). وفي الحديث إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل باقتراب أجله، وأنه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا، وفيه شدة محبة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبكائهم إذا ذكروا فراقه(6).
ثانياً: مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
1-بدء الشكوى:
__________
(1) تنزع الى السماء: أي تجذب. وأصل النزع: الجذب والقلع.
(2) بأشطان شداد: الأشطان جمع شطن وهو الحبل.
(3) البزار (1/397)؛ كشف الاستار رقم 844 ؛ مجمع الزوائد (9/24) رجاله ثقات.
(4) انظر: مرض النبي ووفاته، ص37.
(5) مجمع الزوائد (9/22) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 2497.
(6) انظر: مرض النبي ووفاته، ص38.
(9/179)

رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفراً، من العام العاشر فبدأ بتجهيز جيش أسامة وأمرّ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار فلم يقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - طعنهم في إمارة أسامة(1)، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان من أحبِّ الناس إليَّ وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي بعده(2)، وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شكواه الذي قبضه الله فيه، وقد حدثت حوادث مابين مرضه ووفاته منها:
أ-النبي في البقيع وزيارته قتلى أحد وصلاته عليهم:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/552).
(2) البخاري، كتاب فضائل اصحاب النبي (4/213).
(9/180)

عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه فلما وقف بين قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شرُّ من الأولى(1) ثم أقبل علي فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. قال: فقلت: بأبي أنت وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لاوالله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه الذي قبضه الله فيه(2)، ومن حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء، والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(3).
ب-استئذانه - صلى الله عليه وسلم - أن يمرض في بيت عائشة وشدة المرض الذي نزل به:
__________
(1) أي الفتن الآخرة.
(2) الحاكم في المستدرك (3/55، 56) ؛ صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(3) البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد رقم 1344.
(9/181)

قالت عائشة رضي الله عنها: لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأذنَّ له فخرج وهو بين رجلين، تخطُّ رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر(1)، ولما دخل بيتي اشتد وجعه. قال: أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن(2)، لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضَب(3) لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم(4)، وقالت عائشة رضي الله عنها مارأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(5)، وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فمسسته بيدي. فقلت: يارسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجل ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مامن مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها(6).
ثالثاً: من وصايا رسول الله في أيامه الأخيرة:
1-وصيته - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار:
__________
(1) قال ابن عباس: الرجل الآخر هو علي بن أبي طالب.
(2) جمع الوكاء، وهو مايشدّ به رأس القربة.
(3) مِخضب: بكسر الميم وهي الإجانة التي تغسل فيها الثياب.
(4) البخاري، كتاب الوضوء رقم 198.
(5) انظر: صحيح السيرة النبوية ، ص695.
(6) البخاري، كتاب المرض، باب شدة المرض رقم 5647.
(9/182)

مرّ العباس - رضي الله عنه - بقوم من الأنصار يبكون حين اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه فقال لهم: مايبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل العباس عليه - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فعُصِّب بعصابة دسماء(1)، أو قال: بحاشية برد، وخرج وصعد المنبر ولم يصعد بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي(2) وعيبي(3)، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فأقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم(4)، وفي الحديث شدة محبة الأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبكاؤهم لمرضه وحرمانهم من مجلسه(5).
2-إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد:
لقد ازدادت شدة المرض على رسول الله، بحيث كان يغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة، ومع ذلك كله أحبّ - صلى الله عليه وسلم - أن يفارق الدنيا وهو مطمئن على أمته أن تضل من بعده فأراد أن يكتب لهم كتاباً مفصلاً ليجتمعوا عليه ولايتنازعوا فلما اختلفوا عنده - صلى الله عليه وسلم - عدل عن كتابة ذلك الكتاب وأوصاهم بأمور ثلاثة ذكر الراوي منها اثنين:
-أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.
-وأجيزوا الوفد بنحو ماكنت أجيزهم به(6).
3-النهي عن اتخاذ قبره مسجداً:
كان من آخر ماتكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لايبقين دينان بأرض العرب(7).
4-إحسان الظن بالله:
__________
(1) بعصابة دسماء: أي سوداء.
(2) كرشي وعيبتي: أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذي يعتمد عليهم في أموره واستعار الكرش والعيبة لذلك.
(3) العيبة: مايحرز فيه الرجل نفيس ماعنده.
(4) البخاري، كتاب مناقب الأنصار رقم 3799.
(5) انظر: مرض النبي ووفاته، ص65.
(6) البخاري، كتاب الجهاد والسير رقم 3035.
(7) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص712؛ البخاري، كتاب الصلاة رقم 435.
(9/183)

قال جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول قبل موته بثلاث: أحسنوا الظن بالله عزوجل(1).
5-الوصية بالصلاة وما ملكت أيمانكم:
قال أنس رضي الله عنه: كانت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضره الموت: الصلاة وماملكت إيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، ولايفيض بها لسانه(2).
6-لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا:
قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السِّتر، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: (اللهم بلغت) ثلاث مرات، أنه لم يبق من مبشِّرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قَمِنٌ(3)، أن يستجاب لكم(4).
رابعاً: أبو بكر يصلي بالمسلمين:
__________
(1) مسلم (4/2208) كتاب الجنة رقم 2880.
(2) سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا (2/900، 901) رقم 2697.
(3) ممن: أي جدير وحقيق.
(4) مسلم (1/348) كتاب الصلاة رمق 207.
(9/184)

ولما اشتد المرض بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرت الصلاة، فأذن بلال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مروا أبا بكر فليصلّ، فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف(1) إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف(2)، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه خفَّة فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن مكانك ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر! فقال برأسه: نعم(3).
خامساً: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى:
__________
(1) أسيف: من الأسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب.
(2) والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف مافي الباطن.
(3) البخاري، كتاب الآذان رقم 712.
(9/185)

1-كان أبو بكر يصلي بالمسلمين، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي - صلى الله عليه وسلم - ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى، صلة دائمة، لاتقطعها وفاة نبيها، فملئ من السرور ما الله به عليم واستنار وجهه وهو منير(1)، يقول الصحابة –رضي الله عنهم- :(كشف النبي - صلى الله عليه وسلم - ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة، وأرخى الستر(2) وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة -أحدى زوجتيه- وكانت تسكن بالسُّنح(3)، فركب على فرسه وذهب إلى منزله(4).
2-في الرفيق الأعلى:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص401.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4448.
(3) السنح: خارج المدينة كان للصديق مال فيه وبيت.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/593).
(9/186)

واشتدت سكرات الموت بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسول الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها(1) ونحرها، فدخل عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك، فأشار برأسه نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه فاستاك به كأحسن مايكون الاستياك وكل ذلك وهو لاينفك عن قوله: (في الرفيق الأعلى)(2)، وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل يده في ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى .. حتى قبض ومالت يده(3)، وفي لفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: اللهم أعني على سكرات الموت(4).
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند ظهره يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى(5).
وقد ورد أن فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات قالت: يا أبتاه .. أجاب ربا دعاه، يا أبتاه .. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه .. إلى جبريل ننعاه فلما دفن - صلى الله عليه وسلم - قالت لأنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب(6).
3-كيف فارق رسول الله الدنيا؟
__________
(1) السحر: الرئة. النحر: الثغرة التي في أسفل العنق.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4437.
(3) البخاري، كتاب المغازي رقم 4449.
(4) الترمذي، كتاب الجنائز رقم 978.
(5) البخاري، كتاب المغازي رقم 4440.
(6) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4462.
(9/187)

فارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم وماترك عند موته ديناراً ولا درهماً، ولاعبداً، ولا أمة، ولاشيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة(1).
وتوفي - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير(2).
وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ للهجرة بعد الزوال(3) وله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث وستون سنة(4)، وكان أشد الأيام سواداً ووحشة ومصابا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس(5).
يقول أنس رضي الله عنه: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء(6)، وبكت أم أيمن فقيل لها مايبكيك على النبي قالت: إني قد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيموت ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا(7).
4-هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية(8).
قال القرطبي مبيناً عظم هذه المصيبة وماترتب عليها من أمور:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4461.
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص403.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/223).
(4) مسلم، كتاب الفضائل (4/1825).
(5) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص404.
(6) الترمذي (5/549) رقم 3618.
(7) مسلم (4/1907).
(8) انظر: لطائف المعارف، ص114.
(9/188)

من أعظم المصائب المصيبة في الدين .. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها أعظم المصائب(1)، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه(2).
لقد أذهل نبأ الوفاة عمر رضي الله عنه فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات ويقول: مامات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم والله ليرجعنَّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات(3).
ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسُّنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُغشّى بثوب حِبَرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لايجمع الله عليه موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها(4)، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم فقال: اجلس ياعمر، وهو ماض في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيباً بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت، ثم تلا هذه الآية:{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (سورة آل عمران، آية 144).
__________
(1) انظر: السلسلة الصحيحة للألباني رقم 1106.
(2) انظر: تفسير القرطبي (2/176).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/594).
(4) البخاري، كتاب المغازي رقم 4452.
(9/189)

قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ماتحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات(1).
قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدُّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولامصيبة أعظم من موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنح(2).
فرحم الله الصدِّيق الأكبر، كم من مصيبة درأها عن الأمة، وكم من فتنة كان المخرج على يديه، وكم من مشكلة ومعضلة كشفها بشهب الأدلة من القرآن والسنة، التي خفيت على مثل عمر رضي الله عنه، فاعرفوا للصديق حقه، واقدروا له قدره. وأحبوا حبيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحبه إيمان وبغضه نفاق(3).
5-بيعة أبي بكر بالخلافة:
وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة بني ساعدة، حتى لايجد الشيطان سبيلاً إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولاتلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفنه(4) والحديث عن بيعة أبي بكر سنتكلم عنه بالتفصيل عند الدخول في عصر الخلفاء الراشدين إن شاء الله تعالى.
6-غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكفنه، والصلاة عليه:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي رقم 4454.
(2) انظر: تفسير القرطبي (4/222).
(3) انظر: مرض النبي ووفاته، ص24.
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص406.
(9/190)

قالت عائشة رضي الله عنها: لما أرادوا غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: ماندري أنجرّده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى مامنهم رجل إلا وذقنه في صدره فكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو !! أن اغسلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم. قالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماغسَّله إلا نساؤه(1).
وكفن - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب سحولية، من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولاعمامة(2)، وقد صلى عليه المسلمون قال ابن عباس: لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدخل الرجال، فصلوا عليه بغير إمام أرسالاً، حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالاً، لم يؤمهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد(3).
قال ابن كثير: وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه، أمر مجمع عليه لاخلاف فيه(4).
7-موقع دفنه وصفة قبره ومن باشر دفنه؟ ومتى دفن؟
__________
(1) المستدرك للحاكم (3/59،60) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.
(2) انظر: مختصر سيرة الرسول، ص37؛ تهذيب الأسماء للنووي، ص23؛ مسلم (2/650) كتاب الجنائز رقم 45.
(3) انظر: دلائل النبوة (7/250) وسنن ابن ماجة رقم 1628 والحديث فيه ضعف.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/232).
(9/191)

اختلف المسلمون في موقع دفنه فقال بعضهم: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، وقال قائل في مصلاه(1)، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فحسم مادة هذا الخلاف أيضاً بما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة وابن عباس: لما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغسل اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: مانسيتُ ماسمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ماقبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه(2)، وهذا الحديث وإن كان مختلف في صحته إلا أن دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - في موضعه الذي توفى فيه أمر مجمع عليه(3).
وقال ابن كثير: قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها، شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن فيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما(4).
وقد لحد(5) قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أجمع العلماء على أن اللحد والشق(6) جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبة لاينهار ترابها فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل(7).
__________
(1) الموطأ رقم 545؛ ابن سعد (2/293).
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص727.
(3) انظر: مرض النبي ووفاته، ص160.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/238).
(5) اللحد: الشق الذي يعمل ف يجانب القبر لموضع الميت.
(6) والشق: أي يحفر في وسط الأرض.
(7) انظر: المجموع للنووي (5/287).
(9/192)

وقد قال الألباني رحمه الله: ويجوز في القبر اللحد والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الأول أفضل(1)، لأن الله تعالى لايختار لنبيه إلا الأفضل(2)، وأما صفة قبره فقد كان مُسَنَّمَاً(3)، أي مرتفعاً وذهب جمهور العلماء إلى أن المستحب في بناء القبور هو التسنيم وأنه أفضل من التسطيح(4) وفي المسألة خلاف طويل ليس هذا محله وقد قرب ابن القيم رحمه الله بين المذهبين فقال: وكانت قبور أصحابه لامشرفة، ولا لائطة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبر صاحبيه، فقبره - صلى الله عليه وسلم - مُسَنَّم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبني ولامطين، وهكذا قبر صاحبيه(5)، وقد كان قبره - صلى الله عليه وسلم - مرتفعاً قليلاً عن سطح الأرض(6).
__________
(1) انظر: أحكام الجنائز، ص144.
(2) انظر: مرض النبي ووفاته، ص160 وقد استفدت من هذا الكتاب فائدة كبرى في مبحث مرض ووفاة الرسول.
(3) البخاري، كتاب الجنائز رقم 1390.
(4) انظر: مرض النبي ووفاته، ص164.
(5) انظر: زاد المعاد (1/524).
(6) انظر: تهذيب السنن لابن القيم (4/338).
(9/193)

وأما الذين باشروا دفنه - صلى الله عليه وسلم - قال ابن اسحاق: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقُثَم بن عباس، وشقران مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1)، وزاد النووي(2)، والمقدسي(3): العباس قال النووي: ويقال: كان أسامة بن زيد وأوس بن خَوْلي(4) معهم. ودفن في اللحد، وبنى عليه - صلى الله عليه وسلم - في لحده اللَّبن، يقال إنها تسع لبنات، ثم أهالوا التراب(5) وأما وقت دفنه، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه دفن ليلة الأربعاء قال ابن كثير: والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء(6).
لقد كان لوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثر على الصحابة الكرام فقد قال أنس رضي الله عنه: ... وما نفضنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأيدي -إنا لفي دفنه- حتى أنكرنا قلوبنا(7).
سادساً: بعض ماقيل من المراثي في وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
1-ماقاله حسان رضي الله عنه في موت رسول الله:
لقد نافح حسان بن ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، ودافع عن الإسلام والمسلمين بقصائده الرائعة التي هزت عرب الجزيرة وفعلت فيهم الأفاعيل، ولقد تأثر بموت حبيبنا - صلى الله عليه وسلم - فرثاه بقصائد مبكية حزينة، حفظها لنا التاريخ ولم تهملها الليالي ولم تفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون فمما قاله:
يبكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
مابالُ عينك لاتنام كأنها
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/321).
(2) انظر: تهذيب الاسماء، ص23.
(3) انظر: مختصر السيرة، ص35.
(4) انظر: مرض النبي ووفاته، ص173.
(5) انظر: تهذيب الأسماء للنووي، ص23.
(6) انظر: البداية والنهاية (5/237)؛ صحيح السيرة النبوية، ص728.
(7) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص729.
(9/194)

... ... ... كُحلَتْ مآقيها(1) بكُحْلِ الأرْمَدِ(2)
جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً
... ... ... ياخير من وطئ الحصى لاتبعد
وجهي يقيك التراب ليتني
... ... ... غُيَّبْتُ قبلك في بقيع الغرقد(3)
بأبي وأمي من شهدت وفاته
... ... ... في يوم الإثنين النبيُّ المهتدي
فَظَلْتُ بعد وفاته متبلداً
... ... ... مُتَلدِّداً(4) ياليتني لم أولد
أأُقيمُ بعدك بالمدينة بينهم
... ... ... ياليتني صُبِّحْتُ(5) سَمّ الأسود(6)
أو حلَّ أمر الله فينا عاجلاً
... ... ... في روحة من يومنا أو في غد
فتقوم ساعتُنا فنلقى طيِّباً
... ... ... محضاً ضرائبه(7) كريم المحتد(8)
يابكر آمنةَ المبارك بكرُها
... ... ... ولدته مُحْصَنةً بسعد الأسعدُ
نوراً أضاء على البرية كلِّها
... ... ... من يهد للنور المبارك يهتدي
ياربُّ فاجمعنا معاً ونبينا
... ... ... في جنة تُثنى(9) عيون الحُسَّد
في جنة الفردوس فاكتبها لنا
... ... ... ياذا الجلال وذا العلا والسؤدد
والله أسمع مابقيت بهالك
... ... ... إلا بكيت على النبي محمد
ياويح أنصار النبي ورهطه
... ... ... بعد المغيب في سواء المَلْحدِ(10)
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا
... ... ... سوداً وجوههم كلون الإثمدِ(11)
ولقد ولدناه(12) وفينا قبره
... ... ... وفضولُ نعمته بنا لم تجْحد
والله أكرمنا به وهدى به
__________
(1) المآقي: جمع مأق ومؤق وهي مجاري الدمع من العين.
(2) الأرمد: الذي يشتكي وجع العين.
(3) بقيع الغرقد: المكان الذي يدفن فيه أهل المدينة موتاهم.
(4) متلدِّد: متحير.
(5) صبحت: سقيت صبحاً.
(6) الأسود: ضرب من الحيات.
(7) الضرائب: الطبائع.
(8) المحتد: الأصل.
(9) تثني عيون الحسد: تصرفها وتدفعها.
(10) سوءا الملحد: وسطه.
(11) الأثمد: كحل أسود.
(12) أي بني النجار أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل آبائه.
(9/195)

... ... ... أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحفُّ بعرشه
... ... ... والطيبون على المبارك أحمد(1)
وقال أيضاً:
تالله ماحملت أنثى ولاوضعت
... ... ... مثلَ الرسول نبي الأمة الهادي
ولايرى الله خلقاً من بريته
... ... ... أوفى بذمة جارٍ أو بميعادٍ
من الذي كان فينا يستضاء به
... ... ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
إلى أن قال:
يا أفضل الناس إني كنت في نَهَر
... ... ... أصبحت منه كمثل المفرد الصادي(2)
2-ومما قاله أبو بكر الصديق يبكي النبي - صلى الله عليه وسلم -:
لما رأيت نبينا متجندلا
... ... ... ضاقت علي بعرضهن الدور
فارتاع قلبي عند ذاك لموته
... ... ... والعظم مني ماحييت كسير
أعتيق ويحك!!! إن خلَّك قد ثوى
... ... ... والصبر عندك مابقيت يسير
ياليتني من قبل مهلك صاحبي
... ... ... غُيَّبتُ في لحد عليه صخور
فلتحدُثَنَّ بدائع من بعده
... ... ... تعيا لهن جوانح وصدور(3)
3-وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم يبكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
أرقتُ فبات ليلي لايزول
... ... ... وليلُ أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما
... ... ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتُنا وجَلَّت
... ... ... عشية قيل: قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها
... ... ... تكاد بنا جوانبها تميلُ
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
... ... ... يروح به ويغدو جبرائيل
وذاك أحق ماسالت عليه
... ... ... نفوسُ الناس أو كادت تسيلُ
نبيٌّ كان يجلو الشكّ عنَّا
... ... ... بما يُوحَى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ملاماً
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/328).
(2) الصادي: العاطش، السيرة النبوية لابن هشام (4/329).
(3) انظر: المستطرف للأبشيهي، ص366؛ ديوان ابي بكر الصديق، طبع حديثاً حققه وشرحه راجي الأسمر، ص32،33.
(9/196)

... ... ... علينا والرسول لنا دليل
أفاطمُ إن جزعت فذاك عذر
... ... ... وإن لم تجزعي فهو السبيل
فقبرُ أبيكِ سيدُ كلِّ قبر
... ... ... وفيه سيد الناس الرسول(1)
4-وقالت صفية بنت عبدالمطلب تبكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
ألا يارسول الله كنت رجاءنا
... ... ... وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وكنت رحيما هادياً ومعلِّماً
... ... ... ليبكِ عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده
... ... ... ولكن لما أخشى من الهرج(2) آتيا
كأن على قلبي لذكر محمد
... ... ... وماخفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله ربُّ محمد
... ... ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فِدىً لرسول الله أمي وخالتي
... ... ... وعمي وآبائي ونفسي وماليا
صدقتَ وبلغتَ الرسالة صادقاً
... ... ... ومتّ صليبَ العود أبلج صافيا
فلو أن ربَّ الناس أبقى نبينا
... ... ... سعدنا ولكن أمره كان صافيا
عليك من الله السلام تحيةً
... ... ... وأُدخلت جناتٍ من العدن راضيا(3)
الخاتمة

وبعد فهذا مايسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل تضمنتها فصول هذا الكتاب فيما يتعلق (بالسيرة النبوية دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة) فما كان فيه من صواب فهو محض فضل الله عليَّ فله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فاستغفر الله تعالى وأتوب إليه، والله ورسوله برئ منه، وحسبي أني كنت حريصاً أن لا أقع في الخطأ وعسى أن لا أُحرم من الأجر.
__________
(1) انظر: الاكتفاء للكلاعي (2/456).
(2) الهرج والفتن.
(3) انظر: تفسير القرطبي (4/219،220).
(9/197)

وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين، وأن يذكرني من يقرأه في دعائه فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى:{ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
ويقول الشاعر:
إلهي أنت للإحسان أهلُ
... ... ... ومنك الجود والفضل الجزيل
إلهي بات قلبي في هموم
... ... ... وحالي لايُسَرُّ به خليل
إلهي تُبْ وجُدْ وارحمْ عُبيداً
... ... ... من الأوزار مدمعُهُ يسيل
إلهي ثوبُ جسمي دنّستْه
... ... ... ذنوبٌ حملها أبداً ثقيل
إلهي جُدْ بعفوك لي فإني
... ... ... على الأبواب منكسرٌ ذليل
إلهي خانَني جلدي وصبري
... ... ... وجاء الشيب واقترب الرحيل
إلهي داوِني بدواء عفو
... ... ... به يُشفي فؤادي والغليلُ
إلهي ذاب قلبي من ذنوبي
... ... ... ومن فعل القبيح أنا القتيل
إلهي قلت ادعوني أجِبْكُم
... ... ... فهاك العبد يدعو ياوكيل
إلهي هذه الأوقات تمضي
... ... ... بأعمار لنا وبها تزول
وبقول الشاعر:
اطلب العلم ولاتكسل فما
... ... ... أبعد الخير على أهل الكسل
احتفل للفقه في الدين ولا
... ... ... تشتغل عنه بمال وحَوَلْ
واهجر النوم وحصِّله فمن
... ... ... يعرف المطلوب يحقر مابذل
لاتقل قد ذهبت أربابه
... ... ... كل من سار على الدرب وصل
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).
(9/198)

المصادر والمراجع

(أ)
آثار الحرب في الفقه الإسلامي، د. وهبةالزحيلي، دراسة مقارنة دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1401هـ-1981م.
آثار تطبيق الشريعة، د. محمد عبدالله الزاحم، دار المنار، الطبعة الأولى، 1412هـ-1991م.
آفات على الطريق، محمد سيد نوح، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط:الخامسة، 1400هـ-1990م.
أسد الغابة في معرفة الصحابة: علي بن أبي الكرم ابن الأثير.
الأم، محمد ادريس الشافعي سنة 1410هـ-1990م، طبعة دار الفكر، بيروت-لبنان.
الإتقان في علوم القرآن، عبدالرحمن السيوطي، المكتبة الثقافية، بيروت-لبنان، بدون تاريخ.
الإدارة الإسلامية في عصر عمر بن الخطاب، د. فاروق مجدلاوي، دار مجدلاوي، عمان، الطبعة الثانية 1418هـ – 1998م.
الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، احمد بن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار النهضة مصر.
الإعتصام للإمام الشاطبي، دار الفكر، الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
الإعلام في صدر الإسلام، د.عبداللطيف حمزة، دار الفكر.
إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للشيخ أحمد بن علي المقريزي، صححه وشرحه محمود محمد شاكر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة بالقاهرة 1941م.
الاحاديث الواردة في فضائل المدينة، صالح الرّفاعي، دار الخضيري، المدينة، الطبعة الثالثة 1418هـ.
احكام الجنائز وبدعها للألباني-المكتب الإسلامي- بيروت.
احكام السوق في الإسلام، أحمد الدريويش، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1409هـ-1989م.
احكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي، تحقيق. محمد عبدالقادر عطاء، ط1/1408هـ. دار الكتب العلمية، بيروت.
الاخلاق الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن جنكة الميداني، دار القلم، دمشق.
الاخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، محمود محمد الجوهري.
(10/1)

الاساس في السنّة وفقهها، السيرة النبوية، سعيد حوى، دار السلام بمصر، الطبعة الاولى 1409هـ-1989م.
الاساس في السنة، سعيد حوى، دار السلام، مصر.
اساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم، د.الحسين جرنو محمود جلو، مؤسسة الرسالة،دار العلوم الإنسانية، الطبعة الأولى1414هـ-1994م.
اسباب النزول للواحدي، أوب الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1402هـ-1982م.
اسباب هلاك الأمم السالفة، سعيد محمد بابا سيلا، سلسلة الحكمة البريطانية، الطبعة الأولى، 1420هـ-2000م.
الاستخبارات العسكرية في الإسلام، عبدالله علي السلامة مناصرة مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية،1412هـ-1991م.
الاسلام في خندق، مصطفى محمود، دار أخبار اليوم القاهرة، مصر ، 1414هـ-1994م.
اصول الفكر السياسي في القرآن المكي، التجاني عبدالقادر حامد، الطبعة الأولى 1416هـ-1995م، عمان - الأردن، دار البشير.
اضواء على الهجرة، توفيق محمد سبع، مطبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1393هـ-1973م.
اعلام النبوة للماوردي، الكليات الأزهرية.
اغاثة اللهفان عن مصائد الشيطان، لابن القيم الجوزية، دار الكتب العلمية بيروت، طبعة أولى 1408هـ-1998م.
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء، تأليف أبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1417هـ-1997م.
الاموال لأبي عبيد، أبو عبيد القاسم بن سلام، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت.
الانحرافات العقدية والعلمية، علي بن نجيب الزهراني، دار طيبة، الطبعة الثانية، 1418هـ-1998م.
انساب الأشراف للبلاذري، تحقيق محمد حميد الله، دار المعارف.
الانساب للسمعاني، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند 1382هـ-1962م.
(10/2)

الانساب: أبو سعيد عبدالكريم بن محمد السمعاني، تحقيق عبدالرحمن المعلمي اليماني، نشر مجلس دائرة المعارف- الهند.
اهمية الجهاد في نشر الدعوة، د. علي العلياني، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1405هـ-1985م.
الايمان والحياة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة العاشرة، 1405هـ-1984م.
(ب)
البحر الرائق في الزهد والرقائق، أحمد فريد، دار البخاري، القصيم بالسعودية، الطبعة الاولى 1411هـ-1991م.
بدائع السالك في طبائع الملك، أبو عبدالله بن الأزرق تحقيق وتعليق علي سامي النشار، منشورات وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية.
البداية والنهاية ، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، الطبعة الاولى 1408هـ-1988م، دار الريان للتراث.
بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، محمود شكري الآلوسي، تحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.
بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة، محمد توفيق رمضان، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى 1409هـ-1989.
بهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، شرح جمال الدين محمد الأشخر اليمني، دار صادر- بيروت.
(ت)
تأملات في سورة الكهف للشيخ أبي الحسن الندوي، دار القلم.
تأملات في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - د. محمد السيد الوكيل، دار المجتمع، الطبعة الأولى، 1408هـ-1987م.
تاريخ الإسلام للذهبي المغازي، تحقيق عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1410هـ-1990م.
التاريخ الاسلامي مواقف وعبر، د. عبدالعزيز الحميدي، دار الدعوة ، الاسكندرية ، الطبعة الاولى 1418هـ-1997م.
التاريخ السياسي والحضاري، د. السيد عبدالعزيز سالم.
التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، استراتيجية الرسول السياسية والعسكرية، د. علي معطي، مؤسسة المعارف بيروت، الطبعة الاولى 1419هـ-1998م.
(10/3)

تاريخ الطبري:لأبي جعفر محمد بن جرير، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان-بيروت.
تاريخ اليهود في بلاد العرب، ولفنسون، طبعة القاهرة 1927م.
تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري، مطبعة الآداب، النجف-1967م.
تاريخ دولة الإسلام الأولى، فايد حمّاد عاشور، سليمان ابو عزب، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، الطبعة الأولى،1409هـ-1989م.
تاريخ صدر الإسلام عبدالرحمن عبدالولي شجاع، دار الفكر المعاصر، صنعاء، الطبعة الأولى،1419هـ-1999م.
التحالف السياسي في الإسلام، منير محمد الغضبان، دار السلام، الطبعة الثانية 1408هـ-1988م.
التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور –دار الكتب الشرقية تونس.
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري، مطبعة الاعتماد، نشر محمد عبدالمحسن الكتبي، تصحيح عبدالرحمن محمد عثمان.
تحفة الأشراف، جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبدالرحمن المزي، الدار القيمة 3840هـ.
التربية القيادية، منير الغضبان، دار الوفاء المنصورة ، الطبعة الأولى 1418هـ-1998م.
تفسير أبي السعود، المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لقاضي القضاة أبي السعود محمد العمادي الحنفي، تحقيق عبدالقادر أحمد عطا- الناشر –مكتبة الرياض الحديثة، الرياض- مطبعة السعادة- القاهرة.
تفسير ابن كثير: ابن كثيرالقرشي، دار الفكر ودار القلم، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية.
تفسير الآلوسي، المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي (محمود الآلوسي البغدادي)، إدارة الطباعة المصطفائية بالهند، بدون ذكر سنة الطبع.
تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل، الإمام أبو محمد الحسين الفراء البغوي الشافعي، دار المعرفة، بيروت- لبنان.
(10/4)

تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل تأليف الإمام ناصر الدين أبو الخير عبدالله الشيرازي البيضاوي سنة الطبع 1402هـ-1982م- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
تفسير الزمخشري المسمى بالكشاف، سنة الطبع 1967م، دار المعرفة.
تفسير السعدي المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن ناصر السعدي، المؤسسة السعدية بالرياض،1977م.
تفسير القرطبي، لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصار، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، 1965م.
تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، طبع دار الفكر – بيروت – الطبعة الثالثة، 194هـ.
تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت-لبنان.
التفسير المنير، د. وهب الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، 1411هـ-1991م. الطبعة الأولى.
تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل- تأليف الإمام عبدالله أحمد بن محمد النسفي المتوفي سنة 710هـ. الناشر، دار الكتاب العربي-بيروت.
تفسير بن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:لأبي محمد عبدالحق بن عطية الأندلسي، من مطبوعات رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، الطبعة الأولى، 1412هـ-1991م.
تفسير سورة فصلت، د.محمد صالح علي مصطفى، دار النفائس، الطبعة الأولى،1409هـ-1989م.
تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي، مكتبة الآداب، القاهرة، دون ذكر الطبعة.
التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد حمد يوسف، دار السلام، مصر، الطبعة الاولى 1418هـ-1997م.
تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة، صالح أحمد العلي، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السابع عشر، بغداد-1969م.
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار إحياء الكتب.
(10/5)

تهذيب مدارج السالكين، لابن القيم، هذبه عبدالمنعم صالح العلي العزي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1409هـ-1989م.
(ج)
جامع الأصول،لابن الأثير (أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري) المتوفى سنة 606هـ- تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط، طبع مكتبة الحلواني سوريا- عام 1392هـ.
جامع العلوم والحكم، للإمام ابن رجب الحنبلي، دار الفكر، بيروت.
الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف بالرياض، 1403هـ-1983م.
الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، الطبعة الأولى، 1414هـ-1993م، دار البيارق، عمان-بيروت.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أبو العباس أحمد بن عبدالحليم، مطابع المجد.
جوامع السير لابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، المتوفى 456هـ، تحقيق الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد، طبع دار إحياء السنة باكستان.
جيل النصر المنشود، د.يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة-مصر، الطبعة السادسة،1405هـ-1985م.
(ح)
حاشية ابن عابدين، مطابع مصطفى البابي وأولاده.
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، عبدالرحمن بن علي بن محمد الشيباني ابن الربيع، تحقيق عبدالله ابراهيم الأنصاري.
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، لابن الديبع الشيباني، تحقيق عبدالله إبراهيم الأنصاري.
حديث القرآن عن غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، د. محمد بكر آل عابد، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
الحرب النفسية ضد الاسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، د. عبدالوهاب كحيل، عالم الكتب بيروت، الطبعة الاولى 1406هـ-1986م.
الحركة السنوسية في ليبيا، علي محمد الصّلابي، دار البيارق،عمان طبعة أولى 1999م.
حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، د.محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
(10/6)

الحكم والتحاكم في خطاب الوحي، عبدالعزيز مصطفى كامل، دار طيبة، الطبعة الأولى 1415هـ-1995م.
الحكومة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي – ترجمة أحمد ادريس – المختار الإسلامي للطباعة والنشر – القاهرة – الطبعة الأولى، 1397هـ-1977م.
حلية الأولياء، أبو نعيم: أحمد بن عبدالله الاصبهاني، مطبعة السعادة، مصر، 1351-1375م.
حوار الرسول مع اليهود، د.محسن الناظر، الطبعة الثانية، 1412هـ-1992م، دار الوفاء.
(خ)
خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم -: للشيخ محمد أبي زهرة، الطبعة الأولى،1972م، دار الفكر بيروت.
الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة القاهرة، مصر ط:الرابعة، 1409هـ-1989م.
الخصائص الكبرى، عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت.
(د)
دائرة المعارف الكاثوليكية، مقال التثليث.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور: الإمام السيوطي، الناشر محمد أمين دمج، بيروت-لبنان.
دراسات في السيرة النبوية، د.عماد الدين خليل، الطبعة الحادي عشر، 1409هـ-1989م،دار النفائس بيروت.
دراسات في عهد النبوة، د.عبدالرحمن الشجاع، دار الفكر المعاصر-صنعاء، الطبعة الأولى، 1419هـ-1999م.
دراسات قرآنية:محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة،1408هـ-1988م.
دراسة تحليلية لشخصية الرسول، د.محمد قلعجي، الطبعة الأولى، سنة 1408هـ-1988م، دار النفائس.
الدرر في اختصار المغازي والسير، يوسف بن عبدالبر، وزارة الأوقاف بمصر، لجنة إحياء التراث، 1412هـ-1994م، القاهرة.
دروس في الكتمان، محمود شيت خطاب، مكتبة النهضة، بغداد، الطبعة العاشرة،1988م.
دستور للأمة من القرآن والسنة، د.عبدالناصر العطار، مؤسسة علوم القرآن، الشارقة- عجمان، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ – 1993م.
الدعوة الإسلامية، عبدالغفار عزيز.
دعوة الله بين التكوين والتمكين، د.علي جريشة، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى،1406هـ-1986م.
(10/7)

دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للحافظ أبي بكر أحمد البيهقي تحقيق عبدالمعطي قلعجي، الطبعة الأولى، 1405هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
دور المرأة في خدمة الحديث، آمال قرداش، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 1420هـ، الدوحة قطر.
دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التكوين الى التمكين، كامل سلامة الدقس، دار عمار، عمّان، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994م.
الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، الطبعة الثانية، 1983م، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية بليبيا.
ديوان أبي بكر الصديق، حققه وشرحه راجي الأسمر، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.
ديوان شوقي، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، طبعة1986م.
ديوان عنترة، فاروق الطباع، دار القلم، بيروت-لبنان.
(ر)
الرؤى والاحلام في النصوص الشرعية، أسامة عبدالقادر.
الرؤيا ضوابطها وتفسيرها، هشام الحمصي، دار الكلم الطيب، دمشق-بيروت، الطبعة الثانية 1417هـ-1996م.
رجال الإدارة في الدولة الإسلامية، د.حسين محمد سليمان، دار الإصلاح، الدمام بالسعودية.
الرحيق المختوم، لصفي الدين الرحمن المباركفوري، الطبعة الأولى 1417هـ-1996م، مؤسسة الرسالة - لبنان.
رسالة الأنبياء، عمر احمد عمر، دار الحكمة دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
الرسول القائد، محمد شيت خطاب- الطبعة الثانية، سنة الطبع 1960م، دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة بغداد.
الرسول المبلغ، د. صلاح عبدالفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الطبعة الاولى 1418هـ-1997م.
الرسول المعلم وأساليبه في التعليم للشيخ عبدالفتاح ابي غدة، دار مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب-الأولى، 1417هـ-1996م.
روح المعاني (تفسير الآلوسي)، محمود الآلوسي البغدادي، دار الفكر، طبعة 1402هـ.
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام لأبي القاسم السهيلي، تحقيق عبدالرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة، طبعة 1387هـ.
(ز)
(10/8)

زاد المسير في علم التفسير:أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي الجوزي القرشي البغدادي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1384هـ-1965م.
زاد المعاد في هدى خير العباد، أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الجوزية، حققه:شعيب الأرناؤوط وعبدالقادر،الطبعة الأولى،1399هـ، دار الرسالة.
زاد اليقين لأبي شنب،لآشين أبو شنب، دار البشير، طنطا-مصر، الطبعة الأولى،1413هـ-1993م.
الزهد؛ احمد بن حنبل، دار الريان للتراث، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية ، 1412هـ-1992م.
زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وجامع القرآن، صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1411هـ-1990م.
(س)
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد:محمد بن يوسف الصالحي، تحقيق:مصطفى عبدالواحد، لجنة إحياء التراث الإسلامي،1394هـ-1974م.
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة، د.بريكك محمد بريكك، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
السفارات النبوية، د.محمد العقيلي، دار احياء العلوم-بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
سفراء الرسول، محمود شيت خطاب، مؤسسة الريان، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
سفراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، لمحمود شيت خطاب، مؤسسة الريان، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى،1417هـ-1996م.
سنن أبو داود: الإمام أبو داود سليمان السجستاني، تحقيق وتعليق عزت الدعاس،1391هـ، سوريا.
سنن ابن ماجة: الحافظ أبو عبدالله محمد بن زيد القزويني، دار الفكر.
سنن الترمذي:الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، دار الفكر،1398هـ.
سنن النسائي:أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة،1964م.
سير أعلام النبلاء:شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة -الطبعة الأولى،1403هـ.
السير والمغازي لابن اسحاق، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر، طبعة أولى 1978م.
(10/9)

السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة.
سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، صور مقتبسة من القرآن الكريم –تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة عني بها الأستاذ عبدالله إبراهيم الأنصاري، طبعه على نفقته خليفة حمد آل ثاني – حاكم قطر، المؤتمر العالمي للسيرة النبوية 1400هـ – الدوحة.
السيرة النبوية ، أبو الحسن الندوي، دار التوزيع والنشر الإسلامي، القاهرة.
السيرة النبوية ، دراسة وتحليل، محمد ابو فارس، دار الفرقان الطبعة الأولى 1418هـ-1997م، عمان.
السيرة النبوية ، للذهبي، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة هلال بيروت.
السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم العمري، الطبعة الاولى 1412هـ/1992م مكتبة المعارف والحكم بالمدينة المنورة.
السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، صالح أحمد الشامي، المكتب الاسلامي، الطبعة الاولى، 1412هـ-1992م.
السيرة النبوية دروس وعبر، د.مصطفى السباعي، المكتب الاسلامي بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 1406هـ-1986م.
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنّة، محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، 1417هـ-1996م.
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله أحمد، الطبعة الأولى 1412هـ-1992م، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض.
السيرة النبوية لأبي حاتم البستي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الطبعة الاولى 1407هـ-1987م.
السيرة النبوية لابن هشام، لأبي محمد بن عبدالملك بن هشام، دار الفكر، بدون تاريخ.
السيرة النبوية، لابن كثير، للإمام أبي الفداء اسماعيل ، تحقيق مصطفى عبدالواحد، الطبعة الثانية، 1398هـ، دار الفكر بيروت- لبنان.
السيرة النبوية، لمحمد الصّوياني، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
(ش)
شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، عبدالحي بن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(10/10)

شرح السنة للبغوي:لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق:علي محمد معوض وعادل أحمد عبدالموجود،دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى،1965م، القاهرة.
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، تحقيق وتعليق وتخريج أحاديث وتقديم د/عبدالله بن عبدالمحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، ط4، 1412هـ-1992م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
شرح المعلقات للحسين الزوزاني، تحقيق يوسف علي بدوي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى،1410هـ-1989م.
شرح المواهب اللدنية للقسطلاني، لمحمد بن عبدالباقي الزرقاني، دار المعرفة، بيروت.
شرح النووي على صحيح مسلم للإمام النووي (أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف، المتوفي 676هـ-طبع المطبعة المصرية ومكتبتها-القاهرة- عام 1349هـ.
شرح رسالة التعاليم، محمد عبدالله الخطيب، دار الوفاء.
الشفا في التعريف بحقوق المصطفى: الإمام القاضي عياض، استنانبول، عثمانية.
(ص)
صبح الأعشى في صناعة الإنشاد، احمد بن علي القلقشندي، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.
الصحابي الشاعر عبدالله بن الزبعري، تأليف محمد علي كابتي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1419هـ-1999م.
صحيح البخاري، محمد اسماعيل البخاري، دار الفكر، الطبعة الأولى،1411هـ-1991م.
صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة،1408هـ-1988م، المكتب الإسلامي، بيروت-لبنان.
صحيح السيرة النبوية للطرهوي، محمد رزق، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى،1414هـ.
صحيح السيرة النبوية، ابراهيم العلي، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1998م.
صحيح سننن ابن ماجة: ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج الرياض، الطبعة الثالثة،1408هـ-1988م.
صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى،1347هـ-1929م.
(10/11)

صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية،1972م.
الصراع مع الصليبيين لأبي فارس، محمد عبدالقادر أبو فارس، دار البشير، طنطا، طبعة عام 1419هـ-1999م.
الصراع مع اليهود، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى، 1411هـ-1990م.
صفة الصفوة لابن الجوزي، تحقيق:محمود خوري، ومحمد رواسي قلعجي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية،1399هـ.
صفة الغرباء، سلمان العودة، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية،1412هـ-1991م.
صفوة التفاسير للصابوني، محمد علي محمد جميل، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الأولى-عام 1401هـ.
صلاح الدين الأيوبي، عبدالله علوان.
صلح الحديبية، محمد احمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1973م-1393هـ.
صور من حياة الرسول، أمين دويدار، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، لاتاريخ.
صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، تأليف: د. محمد فوزي فيض الله، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ-1996م.
(ض)
ضوابط المصلحة، محمد رمضان سعيد البوطي، ط4، سنة 1402هـ، مؤسسة الرسالة.
(ط)
الطاعة والمعصية وأثرهما في المجتمع، محمد بن العثيمين، غزوة أحد.
طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين، بدون معلومات نشر، ابو عبدالله محمد بن سلاّم بن عبدالله الجمحي.
طبقات بن سعد الكبرى،محمد بن سعد الزهري، دار صادر، ودار بيروت للطباعة والنشر،1376هـ-1957م.
طريق النبوة والرسالة، د.حسين مؤنس، دار الرشاد، الطبعة الثانية،1418هـ-1997م.
الطريق الى المدائن، عادل كمال، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1407هـ-1987م، بيروت لبنان.
الطريق الى المدينة، محمد العبده، دار الجوهرة، عمان، الطبعة الثانية، طبعة 1999م.
الطريق الى جماعة المسلمين ، حسين بن محسن بن علي جابر، الطبعة الخامسة 1413هـ-1992م، دار الوفاء بالمنصورة في مصر.
(ظ)
(10/12)

ظاهرة الإرجاء، سفر الحوالي، مكتبة الطيب، الطبعة الأولى،1417هـ، القاهرة-مصر.
(ع)
العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية عشر، 1405هـ-1985م.
عبدالله بن مسعود، عبدالستار الشيخ، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية،1410هـ-1990م.
العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، محمد فرج ط الثالثة، سنة 1977م، دار الفكر العربي، القاهرة.
عقيدة أهل السنة في الصحابة د. ناصر حسن الشيخ، مكتبة الرشد الطبعة الأولى، 1413هـ-1993م.
علاج القرآن الكريم للجريمة د.عبدالله الشنقيطي، مكتبة بن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ.
العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، د.سعيد عبدالله حارب المهيري، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1416هـ-1995م.
علاقة الآباء بالأبناء في الشريعة الإسلامية د. سعاد الصالح، الناشر تهامة جدة، الطبعة الأولى، 1401هـ.
عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني.
العهد والميثاق في القرآن الكريم د.ناصر العمري، دار العاصمة، الطبعة الأولى 1413هـ.
عون المعبود، شرح سنن أبي داود، تحقيق عبدالرحمن محمد عثمان، دار الفكر-بيروت.
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس، دار المعرفة، بيروت.
(غ)
الغرباء الأولون، سلمان العودة، الطبعة الثالثة، عام 1412هـ-1991م، دار ابن الجوزي، الدمام السعودية.
غزوة أحد احمد عز الدين.
غزوة أحد دراسة دعوية، محمد عيظة بن سعيد من مذجح، دار اشبيليا، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
غزوة أحد لأبي فارس، محمد عبدالقادر أبو فارس، ط1، 1402هـ-1982م، دار الفرقان، عمان-الأردن.
غزوة الأحزاب لأبي فارس، محمد عبدالقادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1403هـ-1983م.
غزوة الأحزاب، محمد احمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1397هـ-1977م.
غزوة بدر الكبرى الحاسمة، محمود خطاب.
(10/13)

غزوة بدر الكبرى، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى 1402هـ-1982م.
غزوة بدر الكبرى، محمد أحمد باشميل، طبع دار الفكر، الطبعة السادسة، سنة 1394هـ.
غزوة تبوك، محمد احمد باشميل، دار الفكر، بيروت.
(ف)
فتح الباري: ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت-لبنان.
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار الشهاب، القاهرة، دون تاريخ.
الفتح الرباني، للساعاتي، أحمد عبدالرحمن الساعاتي، في ترتيب مسند الإمام أحمد: أحمد عبدالرحمن الساعاتي، مطبعة الفتح الرباني بالقاهرة، الطبعة الأولى.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر.
الفصل في الملل والنحل، لابن حزم، مكتبة السلام العالمية .
فصول في السيرة النبوية، عبدالمنعم السيد.
فقه الإسلام، شرح بلوغ المرام، لفضيلة الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام1403هـ.
فقه الابتلاء، محمد أبو صعيليك، دار البيارق، عمان-بيروت، الطبعة الأولى،1420هـ-1999م.
فقه التمكين في القرآن الكريم، علي محمد الصّلابي، دار البيارق، عمّان، الطبعة الأولى،1999م.
فقه الدعوة إلى الله، عبدالحليم محمود، دار الوفاء، الطبعة الأولى،1410هـ-1990م.
فقه الدعوة الفردية، د.سيد محمد نوح، دار اقرأ، صنعاء.
فقه الزكاة للقرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الحادية والعشرون، 1414هـ-1994م.
الفقه السياسي للوثائق النبوية، خالد الفهداوي، دار عمار، الطبعة الأولى 1419هـ-1998م.
فقه السيرة النبوية، منير الغضبان، معهد البحوث العلمية واحياء التراث مكة المكرمة.
فقه السيرة للبوطي، محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة الحادية عشر،1991م،دار الفكر، دمشق-سوريا.
فقه السيرة للغزالي، الطبعة الرابعة،1409هـ-1989م، دار القلم، دمشق-سوريا.
(10/14)

فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، مكتبة هادي، مكة المكرمة، طبعة عام 1409هـ.
الفوائد لابن القيم، محمد بن ابي بكر بن القيم الجوزية، دار الريان للتراث، القاهرة مصر، الطبعة الاولى 1407هـ-1987م.
في السيرة النبوية جوانب الحذر والحماية، الدكتور إبراهيم علي محمد أحمد، الطبعة الأولى رجب 1417هـ،وزارة الأوقاف بدولة قطر.
في ظلال السيرة النبوية، الهجرة النبوية،الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان-الأردن، الطبعة الثانية،1408هـ-1988م.
في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة التاسعة،1400هـ-1980م.
(ق)
القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروز آبادي، مطبعة مصطفى البابي وأولاده، بمصر الطبعة الثانية 1371هـ-1952م.
قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، دار النفائس، الطبعة الأولى 1416هـ- 1996م، بيروت، لبنان.
قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير وأثرها في التراث العربي، تأليف د.السيد ابراهيم محمد، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
قضايا في المنهج، سلمان العودة، دار مكتبة القدس، الطبعة الثالثة، 1420هـ-1999م.
قضايا نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنات حفصة بنت عثمان الخليفي، دار المسلم الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
قواعد الأحكام في مصالح الأنام: لأبي محمد عزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي (ت660)، المكتبة الحسنية المصرية، بجوار الأزهر، الطبعة الأولى 1353هـ-1934م.
القول المبين في سيرة سيد المرسلين: د.محمد الطيب النجار، دار اللواء، الرياض، 1401هـ-1981م.
قيادة الرسول السياسية والعسكرية، احمد راتب عرموش، دار النفائس، الطبعة الأولى 1419هـ –1989م.
القيادة العسكرية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، دار القلم، الطبعة الأولى، 1410هـ-1990م.
(ك)
الكامل في التاريخ، لابن الأثير، أبو الحسن علي بن محمد، دار صادر- بيروت.
(ل)
(10/15)

لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر،بيروت.
لقاء المؤمنين، عدنان النحوي، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض- السعودية، الطبعة الثالثة،1405هـ-1985م.
(م)
ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين، لأبي الحسن علي الحسني الندوي، الطبعة السابعة،1408هـ-1988م، دار المعارف.
المال في القرآن الكريم، سليمان الحصين، دار المعراج الدولية، الطبعة الأولى، 1415هـ-1995م.
مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم، دار المسلم، الرياض، الطبعة الثانية،1416هـ-1996م.
مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، دار القلم، دمشق-سوريا.
مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثامنة، 1401هـ-1981م.
مبادئ علم الإدارة، محمد نور الدين عبدالرزاق، مكتبة الخدمات الحديثة، جدة-السعودية، الطبعة الأولى بدون تاريخ.
مبادئ نظام الحكم في الإسلام، عبدالحميد متولي، الطبعة الأولى دار المعارف.
المبسوط للسرخسي، شمس الدين السرخسي، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى.
المجتمع المدني في عهد النبوة، د،أكرم العمري، الطبعة الأولى 1404هـ-1984م.
مجلة المجتمع الكويتية، عدد رقم 248، 17صفر 1399هـ.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، الطبعة الثالثة، سنة 1402هـ-1982م، دار الكتاب العربي، بيروت.
مجموع فتاوى: شيخ الإسلام ابن تيمية جمع عبدالرحمن بن محمد قاسم العاصمي النجدي، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب.
مجموعة الوثائق السياسية، لمحمد حميد الله، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405هـ – 1985م.
محاسن التأويل للقاسمي، محمد جمال الدين القاسمي، دار الفكر، بيروت.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، أبي محمد عبدالحق بن غالب الأندلسي، تحقيق المجلس العلمي بفاس، طبعة 1395هـ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب.
(10/16)

محمد رسول الله، محمد الصادق عرجون، دار القلم، الطبعة الثانية، 1415هـ-1995م.
محمد رسول الله، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1975م.
محنة المسلمين في العهد المكي، د.سليمان السّوَيكت، مكتبة التوبة الرياض، الطبعة الأولى، 1412هـ-1992م.
المختار من كنوز السنّة، محمد عبدالله دراز، دار الأنصار القاهرة، الطبعة الثانية 1978م.
مختصر الصواعق المرسلة على الجمهية المعطلة، لابن القيم الجوزية، اختصره محمد الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة.
مختصر سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لمحمد بن عبدالوهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود.
مختصر صحيح مسلم للحافظ زكي عبدالعظيم عبدالقوي بن سلامة المنذري، تحقيق محمد ناصر الألباني – الطبعة الثالثة سنة 1397هـ-1977م. المكتب الإسلامي-دمشق.
المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية، محمد جمال الدين علي محفوظ، مطابع الهيئة المصرية للكتاب بالقاهرة.
مدخل لفهم السيرة، د.يحيى اليحيى، اخذها المؤلف من صاحب الكتاب قبل أن يطبعها.
المدرسة النبوية العسكرية لأبي فارس، دار الفرقان، عمان.
المدينة المنورة فجر الاسلام والعصر الراشدي، محمد حسين شراب، دار القلم دمشق، الطبعة الاولى 1415هـ-1994م.
المدينة النبوية فجر الإسلام والعصر الراشدي، محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، الدّار الشامية بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ/1994م.
المرأة في العهد النبوي، د. عصمة الدين كركر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الاولى 1993م بيروت.
مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته وأثره على الأمة خالد ابو صالح، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1414هـ.
مرويات غزوة أحد، حسين أحمد الباكري، رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية، إشراف د. أكرم العمري – عام 1399م-1400هـ.
مرويات غزوة الحديبية، د. حافظ الحكمي، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، 1411هـ-1991م.
(10/17)

مرويات غزوة بدر، احمد باوزير، مكتبة طيبة، الطبعة الأولى 1400هـ-1980م.
مرويات غزوة بني المصطلق، ابراهيم القريبي، طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى عام1402هـ.
مساجد القاهرة ومدارسها، احمد فكري، طبعة الاسكندرية، 1961م.
المستدر على الصحيحين، للإمام أبي عبدالله النيسبوري بذيله التلخيص للذهبي طبعة سنة 1390هـ-1970م، دار النشر مكتب المطبوعات الإسلامية.
المستشفيات الإسلامية، د.عبدالله عبدالرزاق مسعود العيد دار الضياء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،1408هـ-1987م. عمان-الأردن.
المستطرف في كل فن مستطرف شهاب الدين الأبشيهي، مكتبة الحياة-بيروت.
المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1418هـ-1997م.
المسلمون والروم في عصر النبوة، عبدالرحمن أحمد سالم، دار الفكر العربي، طبعة 1418هـ-1997م.
المسند، أحمد بن حنبل، المكتب الاسلامي، بيروت.
المشروع الإسلامي لنهضة الأمة قراءة في فكر حسن البنا، لمجموعة من الباحثين لم تطبع حتى كتابة هذا البحث.
مشكاة المصابيح، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الأولى،1381هـ-1961م.
مصعب بن عمير، الداعية المجاهد، محمد حسن بريغش، دار القلم-دمشق، الطبعة الرابعة،1407هـ-1987م.
مصنف عبدالرزاق، لأبي بكر عبدالرزاق بن همّام الصنعاني، تحقيق:حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى.
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق:حبيب الرحمن الأعظمي.
معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، الطبعة الرابعة 1989م، المؤسسة العربية للدراسة والنشر.
معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، د.مصطفى مسلم محمد، دار المسلم، الرياض، الطبعة الأولى،1415هـ-1994م.
المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، د.محمد الديك، الطبعة الثانية، 1418هـ-1997م، دار الفرقان للنشر والتوزيع.
(10/18)

معجم البلدان: الياقوت الحميوي، دار صادر، ودار بيروت، 1404هـ-1984م.
معجم الطبراني، سليمان بن أحمد الطبراني، دار العربية، بغداد،1398هـ.
المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، 260هـ-360هـ، دار مكتبة العلوم والحكم، طبعة2، 1406هـ-1985م.
معركة الوجود بين القرآن التلمود، عبدالستار فتح الله السعيد، مكتبة المنار.
المعوقون للدعوة الاسلامية في عهد النبوة وموقف الاسلام منها؛ دكتوراه، سميرة محمد جمجوم، دار المجتمع جدة، الطبعة الاولى 1407هـ-1987م.
المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكار، للزهري، دار الفكر، دمشق 1401-1981م.
مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عروة بن الزبير، تحقيق:د.محمد الأعظمي، نشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، الطبعة الأولى،1401هـ-1981م.
المغازي للواقدي، محمد عمر بن واقد المتوفي 207هـ تحقيق د. مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404هـ-1984م.
مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق القاهرة، الطبعة الثامنة،1413هـ-1993م.
المفصل في أحكام النساء، عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1413هـ-1993م.
مقاصد الشريعة الإسلامية، د.محمد سعد اليوبي، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الأولى،1418هـ-1998م.
المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، الدار العلمية للكتاب الإسلامي ط2، سنة 1415هـ-1993م، الرياض.
مقدمة ابن الصلاح وشرحها للحافظ العراقي، لأبي عمرو عثمان بن عبدالرحمن المعروف بابن الصلاح، طبع دار الكتب العلمية بيروت-لبنان.
مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، ط ، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة بدون تاريخ.
مقومات الداعية الناجح، د.علي بادحدح، دار الأندلس الخضراء، جدة،الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
مقومات السفراء في الإسلام، حسن فتح الباب، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية القاهرة، 1970م.
(10/19)

مقومات النصر، د. احمد أبو الشباب، المكتبة العصرية، لبنان، 1420هـ-1999م.
مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول، للأستاذ احمد الشريف.
ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، عدنان النحوي، الطبعة الثانية.
من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية،1413هـ-1992م.
من هدي سورة الأنفال، محمد أمين المصري –طبع مكتبة دار الأرقم-الكويت.
المنافقون، محمد جميل غازي، مكتبة المدني ومطبعتها، 1972م، جدة-السعودية.
منامات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عبدالقادر الشيخ ابراهيم، دار القلم العربي بحلب، الطبعة الأولى،1419هـ-1999م.
مناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم، د.عبدالرحمن البر، دار اليقين المنصورة، الطبعة الأولى 1420هـ-1999م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لأبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، دراسة وتحقيق محمد عبدالقادر عطا، مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت-لبنان.
منهاج السنة النبوية، لأبي العباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية مؤسسة قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1416هـ – 1986م.
المنهاج القرآني في التشريع، عبدالستار فتح الله سعيد، مطابع دار الطباعة الإسلامية، الطبعة الأولى،1413هـ1992م.
منهج الأعلام الإسلامي في صلح الحديبية، سليم حجازي، دار المنارة، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
منهج الإسلام في تزكية النفس، د.أنس أحمد كرزون، دار نور المكتبات، دار ابن حزم، الطبعة الثانية،1418هـ-1997م.
المنهج التربوي للسيرة النبوية التربية الجهادية، منير محمد الغضبان، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، 1411هـ-1991م.
منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403هـ-1983م.
المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، مكتبة المنار الأردن الطبعة الثالثة 1411هـ-1990م.
(10/20)

منهج الرسول في غرس الروح الجهادية في نفوس أصحابه، السيد محمد نوح، الطبعة الأولى، 1411هـ-1990م، نشرته جامعة الإمارات العربية المتحدة.
الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: مجدي فتحي السيد.
الموافقات في أصول الأحكام: لأبي إسحاق إبراهيم موسى اللخمي الشهير بالشاطبي، دار الفكر، 1341هـ.
الموسوعة في سماحة الإسلام، محمد صادق عرجون، ط الثانية 1404هـ-1984م، الدار السعودية للنشر والتوزيع جدة.
(ن)
نشأة الدولة الإسلامية، د. عون الشريف قاسم، دار الكتب اللبناني، بيروت، ط2، 1400هـ-1980م.
نصب الراية في أحاديث الهداية-بحاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، عبدالله بن يوسف بن محمد الزيلعي المكتب الإسلامي-دمشق، 1393هـ.
نظام الحكم، في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، دار النفائس، الطبعة السادسة 1411هـ-1990م.
نظام الحكومة النبوية المسمي التراتيب الإدارية، محمد عبدالحي الكتاني دار الأرقم، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية.
النظام السياسي في الإسلام لأبي فارس، محمد عبدالقادر أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الثانية 1407هـ-1986م.
نظرات في السيرة للإمام حسن البنا، مكتبة الإعتصام، القاهرة، الطبعة الأولى،1399هـ-1979م، سجلها وأعدها للنشر أحمد عيسى عاشور.
نظرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، إعداد مجموعة من المختصين بإشراف صالح بن حميد، دار الوسيلة، الطبعة الأولى 1418هـ.
نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، توفيق محمد سبع، مجمع البحوث الإسلامية القاهرة-مصر، الطبعة الأولى،بدون تاريخ.
النكت والعيون تفسير الماوردي- لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي، تحقيق خضر محمد خضر- نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والتراث الإسلامي بالكويت.
النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي.
(10/21)

نور اليقين، محمد الخضري، دار القلم، دمشق-سوريا.
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث، القاهرة.
(هـ)
الهجرة الأولى في الإسلام، د. سليمان العودة، دار طيبة للنشر، الرياض، الطبعة الاولى 1419هـ.
هجرة الرسول وصحابته في القرآن والسنة، احمد عبدالغني النجولي الجمل، دار الوفاء، الطبعة الأولى،1409هـ-1989م.
الهجرة النبوية المباركة، د.عبدالرحمن البر، دار الكلمة، المنصورة- مصر، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون جزولي، مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الاولى 1417هـ-1996م.
هذا الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - يامحب، لأبي بكر الجزائري، مكتبة لينة.
هذا الدين، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة-مصر، الطبعة الرابعة،1412هـ-1992م.
(و)
واقعنا المعاصر، لمحمد قطب، مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة، الطبعة الثانية،1408هـ-1987م.
الوحي والرسالة، د. يحيى اليحيى، أخذت من المؤلف صورة قبل الطبع.
الوسطية في القرآن الكريم، علي محمد الصّلابي، دار النفائس، دار البيارق، الطبعة الاولى 1419هـ-1999م.
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، أبو الحسن بن عبدالله السمهوري، دار المصطفى، طبعة القاهرة 1326هـ.
الوفود في العهد المكي وأثره الأعلامي، لعلي رضوان أحمد الأسطل، الطبعة الاولى 1404هـ-1984م، دار المنار - الأردن عمان.
وقفات تربوية مع السيرة النبوية، أحمد فريد، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثالثة، 1417هـ-1997م.
وقفات تربوية من السيرة النبوية، عبدالحميد البلالي، الطبعة الثالثة، 1411هـ-1991م، المنار، الكويت.
الولاء والبراء في الاسلام، محمد سعيد القحطان، دار طيبة الرياض، الطبعة السادسة 1413هـ.
ولاية الشرطة في الإسلام، نمر محمد الحميداني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، 1414هـ-1994م.
(ي)
(10/22)

يقظة أولى الأعتبار مما ورد في ذكر الجنة والنار، لصديق حسن.
اليهود في السنّة المطهرة، د. عبدالله الشقاري،دار طيبة، الرياض، طبعة أولى، 1417هـ-1996م.
اليوم الآخر في الجنة والنار، د. عمر الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثانية، 1408هـ-1988م.

فهرس الكتاب

الاهداء............................................................
أ

المقدمة............................................................
ب

الفصل الأول: أهم الأحداث التاريخية قبل البعثة حتى نزول الوحي.
1

المبحث الأول:الحضارات السائدة قبل البعثة ودياناتها......................
1

أولاً: الإمبراطورية الرومانية......................................
1

ثانياً: الإمبراطورية الفارسية.......................................
2

ثالثاً: الهند.........................................................
3

رابعاً: أحوال العالم الدينية قبل البعثة المحمدية....................
5

المبحث الثاني:أصول العرب وحضارتهم...........................
10

أولاً: أصول العرب. ..............................................
10

ثانياً: حضارات الجزيرة العربية...................................
13

المبحث الثالث:الأحوال الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية عند العرب.............................................

16

أولاً: الحالة الدينية.................................................
16

ثانياً: الحالة السياسية..............................................
19

ثالثاً: الحالة الاقتصادية............................................
21

رابعاً: الحالة الإجتماعية...........................................
23

خامساً:الحالة الأخلاقية.............................................
(10/23)

32

المبحث الرابع: أهم الأحداث قبل مولد الحبيب المصطفى..........
40

أولاً: قصة حفر عبدالمطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - لزمزم.............................
40

ثانياً: قصة أصحاب الفيل..........................................
43

المبحث الخامس:من المولد النبوي الكريم إلى حلف الفضول........
53

أولاً: نسب النبي - صلى الله عليه وسلم -..............................................
53

ثانياً: زواج عبدالله بن عبدالمطلب من آمنة بنت وهب ورؤيا آمنة أم النبي...........................................................

55

ثالثاً: ميلاد الحبيب المصطفى......................................
57

رابعاً: مرضعاته عليه الصلاة والسلام.............................
59

خامساً: وفاة أمه وكفالة جده ثم عمه...............................
66

سادساً: عمله - صلى الله عليه وسلم - في الرعي......................................
68

سابعاً: حفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة.............................
73

ثامناً: لقاء الراهب بحيرا بالرسول وهو غلام.
74

تاسعاً: حرب الفجار...............................................
76

عاشراً: حلف الفضول.............................................
77

المبحث السادس: تجارته لخديجة وزواجه منها وأهم الأحداث إلى البعثة..............................................................

83

أولاً: تجارته لخديجة وزواجه منها.................................
83

ثانياً:اشتراكه في بناء الكعبة الشريفة...............................
87

ثالثاً: تهيئة الناس لاستقبال نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.........................
90

الفصل الثاني: نزول الوحي والدعوة السرية.......................
99
(10/24)

المبحث الأول:نزول الوحي على سيد الخلق أجمعين..............
99

أولاً: الرؤيا الصالحة..............................................
101

ثانياً: ثم حبب إليه الخلاء.......................................................
102

ثالثاً: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء..........................
104

رابعاً: الشدة التي تعرض لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصف ظاهرة الوحي....
106

خامساً: أنواع الوحي..............................................
109

سادساً: أثر المرأة الصالحة في خدمة الدعوة.......................
111

سابعاً: وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للسيدة خديجة رضي الله عنها..............
116

ثامناً: سنة تكذيب المرسلين........................................
117

تاسعاً: وفتر الوحي................................................
117

المبحث الثاني: الدعوة السرية.....................................
119

أولاً: الأمر الرباني بتبليغ الرسالة..................................
119

ثانياً: بدء الدعوة السرية...........................................
121

ثالثاً: استمرار النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة...............................
133

رابعاً: أهم خصائص الجماعة الأولى التي تربت على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -...........................................................

139

خامساً: شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثرها في صناعة القادة...............
142

سادساً: المادة الدراسية في دار الأرقم..............................
144

سابعاً: الأسباب في اختيار دار الأرقم..............................
146

ثامناً: من صفات الرعيل الأول....................................
146
(10/25)

تاسعاً: انتشار الدعوة في بطون قريش وعالميتها...................
150

المبحث الثالث: البناء العقدي في العهد المكي......................
153

أولاً: فقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع السنن..........................
153

ثانياً: سنة التغيير وعلاقتها بالبناء العقدي..........................
158

ثالثاً: تصحيح الجانب العقدي لدى الصحابة........................
160

رابعاً: وصف الجنة في القرآن الكريم وأثره على الصحابة.........
167

خامساً: وصف النار في القرآن الكريم وأثره في نفوس الصحابة...
178

سادساً: مفهوم القضاء والقدر وأثره في تربية الصحابة.............
187

سابعاً: معرفة الصحابة لحقيقة الإنسان.............................
190

ثامناً: تصور الصحابة لقصة الشيطان مع آدم عليه السلام..........
194

تاسعاً: نظرة الصحابة إلى الكون والحياة وبعض المخلوقات........
205

المبحث الرابع: البناء التعبدي والأخلاقي في العهد المكي...........
213

أولاً: تزكية أرواح الرعيل الأول بأنواع العبادات..................
213

ثانياً: التربية العقلية................................................
223

ثالثاً: التربية الجسدية..............................................
226

رابعاً: تربية الصحابة على مكارم الأخلاق، وتنقيتهم من الرذائل...
228

خامساً: تربية الصحابة على مكارم الأخلاق من خلال القصص القرآني............................................................

241

الفصل الثالث: الجهر بالدعوة وأساليب المشركين في محاربتها.....
249

المبحث الأول: الجهر بالدعوة.....................................
249

- أهم اعتراضات المشركين.......................................
252
(10/26)

أولاً: الإشراك بالله................................................
252

ثانياً: كفرهم بالآخرة...............................................
254

ثالثاً: اعتراضهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم -................................
257

رابعاً: موقفهم من القرآن الكريم...................................
259

خامساً: دوافع انكار دعوة الإسلام في العهد المكي.................
261

المبحث الثاني: سنة الابتلاء.......................................
267

- حكمة الابتلاء وفوائده...........................................
268

المبحث الثالث: أساليب المشركين في محاربة الدعوة...............
274

أولاً: محاولة قريش لإبعاد أبي طالب عن مناصرة وحماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -...........................................................

274

ثانياً: محاولة تشويه لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -...........................
279

ثالثاً: ماتعرض له رسول الله من الأذى والتعذيب..................
294

رابعاً: ماتعرض له أصحاب رسول الله من الأذى والتعذيب........
300

خامساً: حكمة الكف عن القتال في مكة واهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبناء الداخلي............................................................

323

سادساً: أثر القرآن الكريم في رفع معنويات الصحابة...............
331

سابعاً: أسلوب المفاوضات.........................................
336

ثامناً: أسلوب المجادلة ومحاولة التعجيز............................
344

تاسعاً: دور اليهود في العهد المكي واستعانة مشركي مكة بهم......
351

عاشراً: الحصار الاقتصادي والاجتماعي في آخر العام السابع من البعثة..............................................................

360
(10/27)

الفصل الرابع: هجرة الحبشة، ومحنة الطائف ومحنة الاسراء......
373

المبحث الأول: تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع سنة الأخذ بالأسباب...........
373

المبحث الثاني: الهجرة إلى الحبشة.................................
381

أولاً: الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة.............................
382

ثانياً: أسباب عودة المسلمين إلى مكة بعد هجرتهم الأولى...........
391

ثالثاً: هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة............................
397

المبحث الثالث: عام الحزن ومحنة الطائف.........................
419

أولاً: عام الحزن...................................................
419

ثانياً: رحلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف..............................
421

المبحث الرابع: الإسراء والمعراج .. ذروة التكريم.................
442

أولاً: قصة الإسراء والمعراج كما جاءت في بعض الأحاديث.......
445

ثانياً: فوائد ودروس وعبر.........................................
450

الفصل الخامس: الطواف على القبائل وهجرة الصحابة إلى المدينة.
463

المبحث الأول: الطواف على القبائل طلباً للنصرة..................
463

أولاً: من أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرد على مكائد أبي جهل والمشركين أثناء الطواف على القبائل..............................

465

ثانياً: المفاوضات مع بني عامر....................................
466

ثالثاً: المفاوضات مع بني شيبان...................................
467

رابعاً: فوائد ودروس وعبر........................................
469

المبحث الثاني: مواكب الخير وطلائع النور........................
473

أولاً: الإتصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج والعمرة........
473
(10/28)

ثانياً: بدء إسلام الأنصار..................................................
475

ثالثاً: بيعة العقبة الأولى............................................
477

رابعاً: قصة إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما.............................................................

479

خامساً: فوائد ودروس وعبر.......................................
481

المبحث الثالث: بيعة العقبة الثانية..................................
487

المبحث الرابع: الهجرة إلى المدينة.................................
499

أولاً: التمهيد والإعداد لها..........................................
499

ثانياً: تأملات في بعض آيات سورة العنكبوت......................
501

ثالثاً: طلائع المهاجرين............................................
504

رابعاً: من أساليب قريش في محاربة المهاجرين ومن مشاهد العظمة في الهجرة.................................................

505

خامساً: البيوتات الحاضنة وأثرها في النفوس......................
516

سادساً: لماذا اختيرت المدينة كعاصمة للدولة الإسلامية؟............
521

سابعاً: من فضائل المدينة..........................................
523

الفصل السادس: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق - رضي الله عنه -..........
529

المبحث الأول: فشل خطة المشركين والترتيب النبوي الرفيع للهجرة............................................................

529

أولاً: فشل خطة المشركين لاغتيال النبي - صلى الله عليه وسلم -......................
529

ثانياً: الترتيب النبوي للهجرة.......................................
530

ثالثاً: خروج الرسول ووصوله إلى الغار...........................
533
(10/29)

رابعاً: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه من مكة........................
534

خامساً: عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله - صلى الله عليه وسلم -............
535

سادساً: خيمة أم معبد في طريق الهجرة............................
538

سابعاً: سراقة بن مالك يلاحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.....................
543

ثامناً: سبحان مقلب القلوب.........................................
545

تاسعاً: استقبال الأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -...........................
546

عاشراً: فوائد ودروس وعبر.......................................
519

المبحث الثاني: الثناء على المهاجرين بأوصاف حميدة والوعد لمن هاجر منهم والوعيد لم تخلف......................................

573

أولاً: الثناء على المهاجرين بأوصاف حميدة.......................
574

ثانياً: الوعد للمهاجرين.............................................
583

ثالثاً: الوعيد للمتخلفين عن الهجرة.................................
590

الفصل السابع: دعائم دولة الإسلام في المدينة......................
595

المبحث الأول: بناء المسجد الأعظم بالمدينة........................
596

أولاً: بيوتات النبي - صلى الله عليه وسلم - التابعة للمسجد.............................
597

ثانياً: الأذان في المدينة............................................
598

ثالثاً: أول خطبة خطبها رسول الله بالمدينة........................
599

رابعاً: الصُّفة التابعة للمسجد النبوي................................
600

خامساً: فوائد ودروس وعبر.......................................
610

المبحث الثاني:المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار..................
623
(10/30)

أولاً: المؤاخاة في المدينة..........................................
625

ثانياً: الدروس والعبر والفوائد......................................
632

المبحث الثالث: الوثيقة أو الصحيفة................................
651

أولاً: كتابه - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار واليهود.................
651

ثانياً: دروس وعبر وفوائد من الوثيقة..............................
656

ثالثاً: موقف اليهود في المدينة......................................
670

رابعاً: إن الله لايصلح عمل المفسدين..............................
699

المبحث الرابع: سنة التدافع وحركة السرايا.........................
705

أولاً: سنة التدافع..................................................
705

ثانياً: من أهداف الجهاد في سبيل الله تعالى........................
713

ثالثاً: أهم السرايا والبعوث التي سبقت غزوة بدر الكبرى...........
722

رابعاً: فوائد ودروس وعبر........................................
729

المبحث الخامس: استمرارية البناء التربوي والعلمي................
747

أولاً: أهم هذه الوسائل والمبادئ التربوية...........................
749

ثانياً: من أخلاق الصحابة عند سماعهم للنبي.......................
760

المبحث السادس: أحداث وتشريعات................................
767

أولاً: معالجة الأزمة الاقتصادية....................................
767

ثانياً: بعض التشريعات............................................
773

الفصل الثامن: غزوة بدر الكبرى..................................
785

المبحث الأول: مرحلة ماقبل المعركة..............................
785

أولاً: بعض الحوادث في أثناء المسير إلى بدر.....................
787
(10/31)

ثانياً: العزم على ملاقاة المسلمين ببدر.............................
788

ثالثاً: مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.................................
789

رابعاً: المسير إلى لقاء العدو وجمع المعلومات عنه................
791

خامساً: مشورة الحباب بن المنذر في بدر..........................
794

سادساً: الوصف القرآني لخروج المشركين.........................
796

سابعاً: موقف المشركين لما قدموا إلى بدر.........................
798

ثامناً: الوصف القرآني لمواقع المسلمين والمشركين في ارض المعركة......
802

المبحث الثاني: النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في ساحة المعركة...........
805

أولاً: بناء عريش القيادة...........................................
805

ثانياً: من نعم الله على المسلمين قبل القتال.........................
806

ثالثاً: خطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المعركة...............................
807

المبحث الثالث: نشوب القتال وهزيمة المشركين....................
818

أولاً: إمداد الله للمسلمين بالملائكة.................................
820

ثانياً: انتصار المسلمين على المشركين وحديث رسول الله لأهل القليب.............................................................

824

المبحث الرابع: مشاهد وأحداث من المعركة........................
828

أولاً: مصارع الطغاة..............................................
828

ثانياً: من مشاهد العظمة...........................................
836

المبحث الخامس: الخلاف في الأنفال والأسرى.....................
839

أولاً: الخلاف في الأنفال...........................................
839

ثانياً: الأسرى......................................................
847
(10/32)

المبحث السادس: نتائج غزوة بدر ومحاولة اغتيال النبي- صلى الله عليه وسلم -.......
861

أولاً: نتائج غزوة بدر..............................................
861

ثانياً: محاولة اغتيال النبي - صلى الله عليه وسلم - واسلام عمير بن وهب.............
865

المبحث السابع: بعض الدروس والعبر والفوائد من غزوة بدر......
870

أولاً: حقيقة النصر من الله تعالى..................................
870

ثانياً: يوم الفرقان..................................................
871

ثالثاً: الولاء والبراء من فقه الإيمان................................
874

رابعاً: المعجزات التي ظهرت في بدر وماحولها...................
877

خامساً: حكم الاستعانة بالمشرك....................................
881

سادساً: حذيفة بن اليمان وأسيد بن الحضير رضي الله عنهما......
882

سابعاً: الحرب الإعلامية في بدر...................................
883

المبحث الثامن: أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد.....
887

أولاً: الغزوات التي قادها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد بدر وقبل أحد...................
887

ثانياً: غزوة بني قينقاع.............................................
891

ثالثاً: تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية: مقتل كعب بن الأشرف...........................................................

898

رابعاً: بعض المناسبات الاجتماعية.................................
911

الفصل التاسع: غزوة أحد..........................................
915

المبحث الأول: أحداث ماقبل المعركة..............................
915

أولاً: أسباب الغزوة................................................
915

ثانياً: خروج قريش من مكة إلى المدينة............................
918
(10/33)

ثالثاً: الاستخبارات النبوية تتابع حركة العدو.......................
919

رابعاً: مشاورته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.....................................
922

خامساً: خروج جيش المسلمين إلى أحد............................
925

سادساً: خطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمواجهة كفار مكة......................
931

المبحث الثاني: في قلب المعركة...................................
935

أولاً: بدء القتال واشتداده، وبوادر الانتصار للمسلمين..............
935

ثانياً: مخالفة الرماة لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -.............................
937

ثالثاً: خطة الرسول في إعادة شتات الجيش.........................
941

رابعاً: من شهداء أحد..............................................
943

خامساً: من دلائل النبوة............................................
962

المبحث الثالث: أحداث مابعد المعركة..............................
965

أولاً: حوار أبي سفيان مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه..................
965

ثانياً: تفقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشهداء....................................
967

ثالثاً: دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد..................................
968

رابعاً: معرفة وجهة العدو.........................................
970

خامساً: غزوة حمراء الأسد........................................
971

سادساً: مشاركة نساء المسلمين في معركة أحد.....................
977

سابعاً: دروس في الصبر تقدمها صحابيات للأمة...................
981

المبحث الرابع: بعض الدروس والعبر والفوائد.....................
985

أولاً: تذكير المؤمنين بالسنن ودعوتهم للعلو الإيماني...............
986
(10/34)

ثانياً: تسلية المؤمنين وبيان حكمة الله فيما وقع يوم أحد............
987

ثالثاً: كيفية معالجة الأخطاء........................................
990

رابعاً: ضرب المثل بالمجاهدين السابقين...........................
991

خامساً: مخالفة ولي الأمر تسبب الفشل لجنوده.....................
992

سادساً: خطورة إيثار الدنيا على الآخرة............................
995

سابعاً: التعلق والارتباط بالدين.....................................
996

ثامناً: معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - للرماة الذين أخطأوا والمنافقين الذين انخذلوا............................................................

1000

تاسعاً: أحد جبل نحبه ويحبنا.......................................
1003

عاشراً: الملائكة في أحد...........................................
1004

الحادي عشر: قوانين النصر والهزيمة من سورة الأنفال وآل عمران............................................................
1005

الثاني عشر: فضل الشهداء وما أعده الله لهم من نعيم مقيم.........
1007

الثالث عشر: الهجوم الإعلامي على المشركين.....................
1008

الفصل العاشر: أهم الأحداث مابين أحد والخندق...................
1013

المبحث الأول: محاولات المشركين لزعزعة الدولة الإسلامية......
1013

أولاً: طمع بني أسد في الدولة الإسلامية...........................
1013

ثانياً: خالد بن سفيان الهذلي وتصدي عبدالله بن أنس له - رضي الله عنه -.......
1015

ثالثاً: غدر قبيلتي عضل والقارة، وفاجعة الرجيع...................
1020

رابعاً:طمع عامر بن الطفيل في المسلمين وفاجعة بئر معونة 4هـ..
1028
(10/35)

المبحث الثاني: زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم المساكين، وأم سلمة وأحداث متفرقة............................................................

1039

أولاً: زينب بنت خزيمة أم المساكين رضي الله عنها...............
1039

ثانياً: زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة رضي الله عنها...................
1039

ثالثاً: مولد الحسن بن علي رضي الله عنه.........................
1045

رابعاً: زيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم لغة اليهود سنة 4هـ......
1046

المبحث الثالث: إجلاء يهود بني النضير............................
1049

أولاً: تاريخ الغزوة وأسبابها.......................................
1049

ثانياً: إنذار بني النضير بالجلاء وحصارهم........................
1054

ثالثاً: الدروس والعبر في هذه الغزوة...............................
1056

المبحث الرابع: غزوة ذات الرقاع.................................
1079

أولاً: تاريخها وأسبابها ولماذا سميت بذات الرقاع؟.................
1079

ثانياً: صلاة الخوف، وحراسة الثغور..............................
1082

ثالثاً: شجاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعاملته لجابر بن عبدالله.............
1085

المبحث الخامس: غزوة بدر الموعد ودومة الجندل.................
1091

أولاً: غزوة بدر الموعد............................................
1091

ثانياً: دومة الجندل.................................................
1093

المبحث السادس: غزوة بني المصطلق.............................
1099

أولاً: من هم بنو المصطلق ومتى وقعت الغزوة وأسبابها...........
1099

ثانياً: زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها...............................................................

1102
(10/36)

ثالثاً: محاولة المنافقين في هذه الغزوة إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار.........................................................

1105

رابعاً: توجيه القرآن الكريم للمجتمع الإسلامي في أعقاب غزوة بني المصطلق.........................................................

1113

خامساً: محاولة المنافقين الطعن في عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإفتراء على عائشة رضي الله عنها مايعرف بحديث الإفك................

1115

سادساً: أهم الآداب والأحكام التي تؤخذ من آيات الإفك.............
1124

سابعاً: فوائد وأحكام ودروس من حادثة الإفك وغزوة بني المصطلق......
1128

الفصل الحادي عشر: غزوة الأحزاب 5هـ.........................
1133

المبحث الأول: تاريخ الغزوة، وأسبابها، وأحداثها..................
1133

أولاً: تاريخ الغزوة وأسبابها.......................................
1133

ثانياً: متابعة المسلمين للأحزاب....................................
1136

ثالثاً: اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجبهة الداخلية............................
1138

المبحث الثاني: اشتداد المحنة بالمسلمين............................
1145

أولاً: نقض يهود من بني قريظة العهد ومحاولة ضرب المسلمين من الخلف.........................................................

1145

ثانياً: تشديد الحصار على المسلمين وإنسحاب المنافقين ونشرهم الأراجيف.........................................................

1147

ثالثاً: محاولة النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيف حدة الحصار بعقد صلح مع غطفان، وبث الإشاعات في صفوف الأعداء.......................

1149

المبحث الثالث:مجئ نصر الله والوصف القرآني لغزوة الأحزاب...
1157
(10/37)

أولاً: شدة تضرع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزول النصر.....................
1157

ثانياً: تحري انصراف الأحزاب....................................
1159

ثالثاً: الوصف القرآني لغزوة الأحزاب ونتائجها....................
1161

رابعاً: التخلص من بني قريظة.....................................
1164

المبحث الرابع: فوائد ودروس وعبر...............................
1167

أولاً: المعجزات الحسية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -...........................
1167

ثانياً: بين التصور والواقع.........................................
1169

ثالثاً: سلمان منا أهل البيت.........................................
1170

رابعاً: الصلاة الوسطى............................................
1171

خامساً: الحلال والحرام............................................
1172

سادساً: شجاعة صفية عمة الرسول - صلى الله عليه وسلم -...........................
1172

سابعاً: عدم صحة مايروى عن جبن حسان رضي الله عنه.........
1172

ثامناً: أول مستشفى إسلامي حربي.................................
1173

تاسعاً: المسلم يقع في الإثم ولكنه يسارع في التوبة.................
1175

عاشراً: من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه...................
1176

الحادي عشر: مقتل حيي بن أخطب، وكعب بن أسد................
1181

الثاني عشر: شفاعة ثابت بن قيس في الزبير بن باطا اليهودي.....
1184

الثالث عشر: من أدب الخلاف.....................................
1185

الرابع عشر: توزيع غنائم بني قريظة وإسلام ريحانة بنت عمرو...
1187

الخامس عشر: الإعلام الإسلامي في غزوة الأحزاب...............
1189
(10/38)

الفصل الثاني عشر: مابين غزوة الأحزاب والحديبية وأحداث مهمة..............................................................

1193

المبحث الأول: زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش رضي الله عنها...............................................................

1193

أولاً: اسمها ونسبها................................................
1193

ثانياً: زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنها...................
1194

ثالثاً: طلاق زيد لزينب رضي الله عنها............................
1195

رابعاً: الحكمة من زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زينب................
1196

خامساً: قصة زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زينب ومافيها من دروس وعبر..............................................................

1200

المبحث الثاني: الآن نغزوهم ولايغزونا............................
1209

أولاً: سرية محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء......................
1210

ثانياً: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر..................
1212

ثالثاً: سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل.................
1218

رابعاً: تأديب الغادرين: غزوة بني لحيان، وغزوة الغابة وغيرها...
1223

خامساً: سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين..................
1229

المبحث الثالث: تصفية المحرضين على الدولة.....................
1233

أولاً: سرية عبدالله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق.............
1233

ثانياً: سرية عبدالله بن رواحة إلى اليُسر بن رِزام اليهودي.........
1239

الفصل الثالث عشر: الفتح المبين(صلح الحديبية)...................
1243

المبحث الأول: تاريخه وأسبابه ومخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة...
1243
(10/39)

أولاً: تاريخه وأسبابه..............................................
1243

ثانياً: وصول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان...................................
1245

ثالثاً: الرسول يغير الطريق وينزل الحديبية........................
1247

رابعاً: ماخلأت القصواء، وماذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل..............................................................

1248

خامساً: السفارة بين الرسول وقريش...............................
1251

سادساً: الوفود النبوية إلى قريش ووقوع بعض الأسرى في يد المسلمين..........................................................

1260

سابعاً: بيعة الرضوان..............................................
1265

المبحث الثاني: صلح الحديبية وماترتب عليه من أحداث...........
1273

أولاً: مفاوضة سهيل بن عمرو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -...................
1273

ثانياً: موقف أبي جندل والوفاء بالعهد..............................
1280

ثالثاً: احترام المعارضة النزيهة....................................
1282

رابعاً: التحلل من العمرة ومشورة أم سلمة رضي الله عنها.........
1284

خامساً: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح......................
1286

سادساً: أبو بصير في المدينة وقيادته لحرب العصابات.............
1293

سابعاً: امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رد المهاجرات.......................
1297

المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد...............................
1303

أولاً: أحكام تتعلق بالعقيدة..........................................
1303

ثانياً: أحكام فقهية وأصولية........................................
1307

ثالثاً: أنموذج من التربية النبوية....................................
1313
(10/40)

الفصل الرابع عشر: أهم الأحداث مابين الحديبية وفتح مكة.........
1317

المبحث الأول: غزوة خيبر........................................
1317

أولاً: تاريخها وأسبابها.............................................
1317

ثانياً: مسيرة الجيش الإسلامي إلى خيبر............................
1319

ثالثاً: وصف تساقط حصون خيبر..................................
1322

رابعاً: الأعرابي الشهيد، والراعي الأسود، وبطل إلى النار.........
1322

خامساً: قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة.............
1327

سادساً: تقسيم الغنائم...............................................
1329

سابعاً: زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفية بنت حيي بن أخطب.......
1332

ثامناً: محاولة أثيمة لليهود: الشاة المسمومة.........................
1335

تاسعاً: الحجاج بن علاط السلمي وإرجاع أمواله من مكة...........
1338

عاشراً: بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالغزوة.....................
1340

المبحث الثاني: دعوة الملوك والأمراء.............................
1345

أولاً: كان صلح الحديبية إيذاناً ببداية المد الإسلامي................
1345

ثانياً: مواصفات رجل الدبلوماسية الإسلامية........................
1350

ثالثاً: دروس وعبر وفوائد.........................................
1353

المبحث الثالث: عمرة القضاء......................................
1361

أولاً: الحيطة والحذر من غدر قريش...............................
1361

ثانياً: دخول مكة والطواف والسعي................................
1363

ثالثاً: زواجه من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث..................
1366

رابعاً: التحاق بنت حمزة بن عبدالمطلب بركب المسلمين...........
1367
(10/41)

خامساً: أثر عمرة القضاء على الجزيرة واسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة..............................

1368

المبحث الرابع: سرية مؤتة 8هـ...................................
1377

أولاً: أسبابها وتاريخها.............................................
1377

ثانياً: وداع الجيش الإسلامي.......................................
1380

ثالثاً: الجيش يصل إلى معان واستشهاد الأمراء الثلاثة..............
1381

رابعاً: المسلمون يختارون خالد بن الوليد قائداً.....................
1384

خامساً: معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف أهل المدينة من الجيش.......
1386

سادساً: دروس وعبر وفوائد.......................................
1387

المبحث الخامس: سرية ذات السلاسل..............................
1396

الفصل الخامس عشر: غزوة فتح مكة 8هـ.........................
1405

المبحث الأول: أسبابها والاستعداد للخروج والشروع فيه...........
1405

أولاً: أسبابها.......................................................
1405

ثانياً: الاستعداد للخروج............................................
1409

ثالثاً: الشروع في الخروج وأحداث في الطريق.....................
1417

المبحث الثاني: خطة النبي - صلى الله عليه وسلم - لدخول مكة وفتحها................
1424

أولاً: توزيع المهام بين قادة الصحابة...............................
1424

ثانياً: دخول خاشع متواضع، لادخول فاتح متعال...................
1431
ثالثاً: إعلان العفو العام............................................
1435

رابعاً: بعث خالد بن الوليد إلى بني جزيمة.........................
1439

خامساً: هدم بيوت الأوثان.........................................
1440
(10/42)

المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد...............................
1444

أولاً: تفسير سورة النصر وكونها علامة على أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -...............................................................

1444

ثانياً: مواقف جعوية وقدرة رفيعة في التعامل مع النفوس...........
1447

ثالثاً: أتكلمني في حد من حدود الله؟...............................
1455

رابعاً: أجرنا من أجرتي ياأم هاني.................................
1455

خامساً: إنه لاينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين...................
1456

سادساً: المحيا محياكم والممات مماتكم.............................
1457

سابعاً: إسلام عبدالله الزبعري شاعر قريش........................
1457

ثامناً: من الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الغزوة ومكان نزول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة.................................................

1460

تاسعاً: من نتائج فتح مكة..........................................
1462

الفصل السادس عشر: غزوة حنين والطائف (8هـ).................
1465

المبحث الأول: أسبابها وأحداث المعركة...........................
1465

أولاً: أهم أحداث غزوة حنين......................................
1466

ثانياً: مطاردة فلول الفارين الى أوطاس والطائف...................
1471

المبحث الثاني: فقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع النفوس............
1477

المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد...............................
1489

أولاً: تفسير الآيات التي نزلت في غزوة حنين.....................
1489

ثانياً: أسباب الهزيمة وعوامل النصر في حنين.....................
1492

ثالثاً: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف..................
1493
(10/43)

رابعاً: مواقف لبعض الصحابة والصحابيات........................
1498

خامساً: إسلام كعب بن زهير -الشاعر- والهيمنة الاسلامية على الجزيرة...........................................................

1501

سادساً: من نتائج غزوة حنين والطائف............................
1504

المبحث الرابع: أهم الأحداث مابين حنين وتبوك...................
1505

أولاً: ترتيب استيفاء الصدقات.....................................
1505

ثانياً: أهم السرايا في هذه المرحلة..................................
1506

ثالثاً: إسلام عدي بن حاتم.........................................
1508

رابعاً: أحداث متفرقة في سنة ثمان.................................
1511

الفصل السابع عشر: غزوة تبوك (9هـ) وهي غزوة العسرة........
1513

المبحث الاول: تاريخ الغزوة، واسماؤها وأسبابها..................
1513

أولاً: تاريخها وأسماؤها...........................................
1513

ثانياً: أسبابها......................................................
1515

ثالثاً: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد.........
1516

رابعاً: موقف المنافقين من غزوة تبوك.............................
1521

خامساً: إعلان النفير وتعبئة الجيش................................
1525

المبحث الثاني: أحداث في الطريق والوصول الى تبوك............
1531

أولاً: قصة أبي ذر الغفاري........................................
1531

ثانياً: قصة أبي خيثمة.............................................
1533

ثالثاً: الوصول الى تبوك...........................................
1536

رابعاً: وصايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجيش عند مروره لحجر ثمود.....
1538
(10/44)

خامساً: وفاة الصحابي عبدالله ذو البجادين - رضي الله عنه -....................
1540

سادساً: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة....................
1542

سابعاً: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة.....
1546

المبحث الثالث: العودة من تبوك الى المدينة وحديث القرآن الكريم في المخلفين عن الغزوة وعن مسجد ضرار........................

1551

أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى............................................................

1551

ثانياً: المخلفون الذين ليس لهم اعذار شرعية وتاب الله عليهم......
1553

ثالثاً: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة....
1555

رابعاً: المخلفون من منافقي المدينة.................................
1556

خامساً: مسجد ضرار..............................................
1558

المبحث الرابع: قصة الثلاثة الذين خلفوا...........................
1567

المبحث الخامس: دروس وعبر وفوائد.............................
1581

أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك........
1581

ثانياً: ممارسة الشورى في هذه الغزوة.............................
1582

ثالثاً: التدريب العلمي العنيف.......................................
1584

رابعاً: أهم نتائج الغزوة............................................
1585

المبحث السادس: أهم الأحداث مابين غزوة تبوك وحجة الوداع.....
1589

أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم..........................................
1589

ثانياً: وفاة زعيم المنافقين (عبدالله بن سلول).......................
1594

ثالثاً: تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته....................................
1598
(10/45)

رابعاً: حج أبي بكر - رضي الله عنه - بالناس...................................
1603

خامساً: عام الوفود (9هـ)..........................................
1606

سادساً: بعوث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتعليم مبادئ الاسلام وترتيب أمور الادارة والمال.....................................................

1614

المبحث السابع: حجة الوداع (10هـ)...............................
1621

أولاً: كيف حج النبي - صلى الله عليه وسلم -.........................................
1622

ثانياً: الدروس والعبر والفوائد......................................
1629

المبحث الثامن: مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووفاته.....................
1639

أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت الى وفاته - صلى الله عليه وسلم -................
1639

ثانياً: مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم -.........................................
1644

ثالثاً: من وصايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيامه الأخيرة.................
1646

رابعاً: أبوبكر يصلي بالمسلمين....................................
1648

خامساً: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى.......................
1648

سادساً: بعض ماقيل من المراثي في وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.............
1657

الخاتمة............................................................
1663

المصادر والمراجع................................................
1665

فهرس الموضوعات...............................................
1701
(10/46)