Advertisement

ألف ليلة وليلة1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمـــد للـــه رب العالميـــن والصلـــاة والسلـــام علـــى سيـــد المرسليـــن سيدنــــا ومولانــــا محمــــد وعلــــى آلــــه
وصحبه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
وبعـد فـإن سيـر الأوليـن صـارت عبــرة للآخريــن لكــي يــرى الإنســان العبــر التــي حصلــت لغيــره فيعتبــر
ويطالـع حديـث الأمـم السالفـة ومـا جـرى لهـم فينزجـر. فسبحـان مــن جعــل حديــث الأوليــن عبــرة لقــوم
آخرين فمن تلك العبر والحكايات التي تسمى ألف ليلة وليلة وما فيها من الغرائب والأمثال.
===
حكايات الملك شهريار وأخيه الملك شاه الزمان
حكــي واللــه أعلــم أنــه كــان فيمــا مضـــى مـــن قديـــم الزمـــان وسالـــف العصـــر والـــأوان ملـــك مـــن ملـــوك
ساســـان بجزائـــر الهنـــد والصيـــن صاحـــب جنـــد وأعـــوان وخـــدم وحشـــم لـــه ولـــدان أحدهمـــا كبيــــر
والآخــر صغيــر وكانــا بطليــن وكــان الكبيــر أفــرس مــن الصغيــر وقـــد ملـــك البلـــاد وحكـــم بالعـــدل بيـــن
العبــاد وأحبــه أهــل بلــاده ومملكتــه وكــان اسمــه الملــك شهريـــار وكـــان أخـــوه الصغيـــر اسمـــه الملـــك شـــاه
زمـان وكـان ملـك سمرقنـد العجـم ولـم يـزل الأمـر مستقيمـاً فـي بلادهمــا وكــل واحــد منهمــا فــي مملكتــه
حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنة وهم في غاية البسط والانشراح.
لـم يـزالا علـى هـذه الحالـة إلـى أن اشتـاق الكبيـر إلـى أخيـه الصغيـر فأمــر وزيــره أن يسافــر إليــه ويحضــر
بـه فأجابــه بالسمــع والطاعــة وسافــر حتــى وصــل بالسلامــة ودخــل علــى أخيــه وبلغــه السلــام وأعلمــه
أن أخـــاه مشتـــاق إليـــه وقصـــده أن يــــزوره فأجابــــه بالسمــــع والطاعــــة وتجهــــز وأخــــرج خيامــــه وبغالــــه
وخدمه وأعوانه وأقام وزيره حاكماً في بلاده وخرج طالباً بلاد أخيه.
فلمـا كـان فـي نصـف الليـل تذكـر حاجـة نسيهـا فـي قصــره فرجــع ودخــل قصــره فوجــد زوجتــه راقــدة
فـي فراشـه معانقـة عبـداً أسـود مـن العبيـد فلمـا رأى هـذا اسـودت الدنيـا فـي وجهـه وقــال فــي نفســه:
===
إذا كـان هـذا الأمـر قـد وقـع وأنـا مـا فارقــت المدينــة فكيــف حــال هــذه العاهــرة إذا غبــت عنــد أخــي
مـدة ثـم أنـه سـل سيفـه وضـرب الاثنيـن فقتلهمـا فـي الفــراش ورجــع مــن وقتــه وساعتــه وســار إلــى أن
وصــل إلــى مدينــة أخيــه ففــرح أخيــه بقدومــه ثــم خــرج إليــه ولاقــاه وسلــم عليــه ففــرح بــه غايــة الفــرح
وزيــن لــه المدينــة وجلــس معــه يتحــدث بانشــراح فتذكــر الملـــك شـــاه زمـــان مـــا كـــان مـــن أمـــر زوجتـــه
فحصــل عنــده غــم زائــد واصفــر لونــه وضعــف جسمـــه فلمـــا رآه أخـــوه علـــى هـــذه الحالـــة ظـــن فـــي
نفسه أن ذلك بسبب مفارقته بلاده وملكه فترك سبيله ولم يسأل عن ذلك.
ثـم أنـه قـال لـه فـي بعـض الأيـام: يـا أخــي أنــا فــي باطنــي جــرح ولــم يخبــره بمــا رأى مــن زوجتــه فقــال:
إنـي أريـد أن تسافـر معـي إلــى الصيــد والقنــص لعلــه ينشــرح صــدرك فأبــى ذلــك فسافــر أخــوه وحــده
إلى الصيد.
وكـان فـي قصـر الملــك شبابيــك تطــل علــى بستــان أخيــه فنظــروا وإذا ببــاب القصــر قــد فتــح وخــرج
منـه عشـرون جاريـة وعشـرون عبـداً وامـرأة أخيـه تمشـي بينهـم وهـي غايـة فـي الحســن والجمــال حتــى
وصلـــوا إلــــى فسقيــــة وخلعــــوا ثيابهــــم وجلســــوا مــــع بعضهــــم وإذا بامــــرأة الملــــك قالــــت: يــــا مسعــــود
فجاءهــا عبــد أســود فعانقهــا وعانقتــه وواقعهــا وكذلــك باقــي العبيــد فعلــوا بالجــواري ولــم يزالــوا فـــي
بوس وعناق ونحو ذلك حتى ولى النهار.
===
فلمــا رأى أخــو الملــك فقــال: واللــه إن بليتـــي أخـــف مـــن هـــذه البليـــة وقـــد هـــان مـــا عنـــده مـــن القهـــر
والغم وقال: هذا أعظم مما جرى لي ولم يزل في أكل وشرب.
وبعــد هــذا جــاء أخــوه مــن السفــر فسلمــا علــى بعضهمــا ونظــر الملــك شهريــار إلــى أخيـــه الملـــك شـــاه
زمــان وقــد رد لونــه واحمــر وجهــه وصـــار يأكـــل بشهيـــة بعدمـــا كـــان قليـــل الأكـــل فتعجـــب مـــن ذلـــك
وقــال: يــا أخــي كنــت أراك مصفــر الوجــه والـــآن قـــد رد إليـــك لونـــك فأخبرنـــي بحالـــك فقـــال لـــه: أمـــا
تغيـر لونــي فأذكــره لــك واعــف عنــي إخبــارك بــرد لونــي فقــال لــه: أخبرنــي أولاً بتغيــر لونــك وضعفــك
حتى أسمعه.
فقــال لــه: يــا أخــي إنــك لمــا أرسلــت وزيـــرك إلـــي يطلبنـــي للحضـــور بيـــن يديـــك جهـــزت حالـــي وقـــد
بـررت مـن مدينتـي ثـم أنـي تذكـرت الخـرزة التـي أعطيتهـا لـك فـي قصــري فرجعــت فوجــدت زوجتــي
معهــا عبــد أســود وهــو نائــم فــي فراشــي فقتلتهمــا وجئــت عليــك وأنــا متفكــر فــي هــذا الأمـــر فهـــذا
سبب تغير لوني وضعفي وأما رد لوني فاعف عني من أن أذكره لك.
فلمـا سمـع أخـوه كلامــه قــال لــه: أقسمــت عليــك باللــه أن تخبرنــي بسبــب رد لونــك فأعــاد عليــه جميــع
مــا رآه فقــال شهريــار لأخيــه شــاه زمــان: اجعــل أنــك مسافــر للصيــد والقنــص واختــف عنــدي وأنــت
تشاهـد ذلـك وتحققـه عينـاك فنـادى الملــك مــن ساعتــه بالسفــر فخرجــت العساكــر والخيــام إلــى ظاهــر
===
المدينـة وخـرج الملـك ثـم أنـه جلـس فــي الخيــام وقــال لغلمانــه لا يدخــل علــي أحــد ثــم أنــه تنكــر وخــرج
مختفيـاً إلــى القصــر الــذي فيــه أخــوه وجلــس فــي الشبــاك المطــل علــى البستــان ساعــة مــن الزمــان وإذا
بالجواري وسيدتهم دخلوا مع العبيد وفعلوا كما قال أخوه واستمروا كذلك إلى العصر.
فلمــا رأى الملــك شهريــار ذلــك الأمــر طــار عقلــه مــن رأســه وقــال لأخيــه شــاه زمــان: قــم بنــا نسافـــر
إلـى حـال سبيلنـا وليـس لنـا حاجـة بالملـك حتـى ننظـر هـل جـرى لأحـد مثلنـا أو لا فيكــون موتنــا خيــر
مـن حياتنـا فأجابـه لذلـك. ثـم أنهمـا خرجـا مـن بـاب سـري فـي القصـر ولـم يـزالا مسافريــن أيامــاً وليالــي
إلـى أن وصـلا إلـى شجـرة فــي وســط مــرج عندهــا عيــن بجانــب البحــر المالــح فشربــا مــن تلــك العيــن
وجلســا يستريحــان. فلمــا كــان بعــد ساعــة مضــت مــن النهــار وإذا هــم بالبحــر قــد هـــاج وطلـــع منـــه
عمـود أسـود صاعـد إلـى السمـاء وهـو قاصـد تلــك المرجــة. فلمــا رأيــا ذلــك خافــا وطلعــا إلــى أعلــى
الشجـــرة وكانـــت عاليـــة وصـــارا ينظـــران مـــاذا يكـــون الخبـــر وإذا بجنـــي طويـــل القامــــة عريــــض الهامــــة
واســع الصــدر علــى رأســه صنــدوق فطلــع إلــى البــر وأتــى الشجــرة التــي همــا فوقهــا وجلـــس تحتهـــا
وفتـح الصنـدوق وأخـرج منـه علبـة ثـم فتحهـا فخرجــت منهــا صبيــة بهيــة كأنهــا الشمــس المضيئــة كمــا
قال الشاعر:
أشرقت في الدجى فلاح النهار واستنارت بنورهـا الأسحـار
===
تسجــد الكائنــات بيــن يديهــا حيــن تبــدو وتهتــك الأستــار
وإذا أومضــت بـــروق حماهـــا هطلــــت بالمدامــــع الأمطـــــار
قــال: فلمــا نظــر إليهــا الجنــي قــال: يــا سيــدة الحرائــر التــي قــد اختطفتــك ليلـــة عرســـك أريـــد أن أنـــام
قليـلاً ثـم أن الجنـي وضـع رأسـه علـى ركبتيهـا ونـام فرفعـت رأسهـا إلــى أعلــى الشجــرة فــرأت الملكيــن
وهمــا فــوق تلــك الشجــرة فرفعـــت رأس الجنـــي مـــن فـــوق ركبتيهـــا ووضعتـــه علـــى الـــأرض ووقفـــت
تحــت الشجــرة وقالــت لهمــا بالإشــارة انـــزلا ولا تخافـــا مـــن هـــذا العفريـــت فقـــالا لهـــا: باللـــه عليـــك أن
تسامحينــا مــن هـــذا الأمـــر فقـــال لهمـــا باللـــه عليكمـــا أن تنـــزلا وإلا نبهـــت عليكمـــا العفريـــت فيقتلكمـــا
شــر قتلــة فخافــا ونــزلا إليهــا فقامــت لهمــا وقالــت ارصعــا رصعـــاً عنيفـــاً وإلا أنبـــه عليكمـــا العفريـــت
فمـن خوفهمـا قـال الملـك شهريـار لأخيـه الملـك شـاه زمـان: يـا أخــي افعــل مــا أمرتــك بــه فقــال: لا أفعــل
حتــى تفعـــل أنـــت قبلـــي وأخـــذا يتغامـــزان علـــى نكاحهـــا فقالـــت لهمـــا مـــا أراكمـــا تتغامـــزان فـــإن لـــم
تتقدمـا وتفعــلا وإلا نبهــت عليكمــا العفريــت فمــن خوفهمــا مــن الجنــي فعــلا مــا أمرتهمــا بــه فلمــا فرغــا
قالـت لهمـا أقفـا وأخرجـت لهمـا مـن جيبهــا كيســاً وأخرجــت لهمــا منــه عقــداً فيــه خمسمائــة وسبعــون
خاتمـــاً فقالـــت لهمـــا: أتـــدرون مـــا هـــذه فقـــالا لهـــا: لا نـــدري فقالـــت لهمـــا أصحــــاب هــــذه الخواتــــم
كلهــم كانــوا يفعلــون بــي علــى غفلــة قـــرن هـــذا العفريـــت فأعطيانـــي خاتميكمـــا أنتمـــا الاثنـــان الأخـــران
===
فأعطاهـا مـن يديهمـا خاتميـن فقالـت لهمـا أن هـذا العفريـت قـد اختطفنـي ليلـة عرسـي ثـم أنـه وضعنــي
فـي علبـة وجعـل العلبـة داخـل الصنـدوق ورمـى علـى الصنـدوق سبعـة أقفـال وجعلنـي فـي قـاع البحــر
العجاج المتلاطم بالأمواج ويعلم أن المرأة منا إذا أرادت أمر لم يغلبها شيء كما قال بعضهم:
لا تأمنــــــــن إلــــــــى النســــــــاء ولا تثـــــــــــــــق بعهودهــــــــــــــــن
فرضاؤهــــــــــن وسخطهــــــــــن معلــــــــــــــــــق بفروجهــــــــــــــــــن
بيديـــــــــــــــــن وداً كاذبـــــــــــــــــاً والغـــــــدر حشــــــــو ثيابهــــــــن
بحديـــــث يوســــــف فاعتبــــــر متحـــــــذراً مــــــــن كيدهــــــــن
أو مــــــــــا تــــــــــرى إبليـــــــــــس أخـــــرج آدمـــــاً مـــــن أجلهـــــن
فلمــا سمعــا منهــا هــذا الكلــام تعجبــا غايــة العجــب وقــالا لبعضهمــا: إذا كــان هــذا عفريتــاً وجـــرى لـــه
أعظــم ممــا جــرى لنــا فهــذا شــيء يسلينــا. ثــم أنهمــا انصرفــا مــن ساعتهمــا ورجعــا إلــى مدينــة الملـــك
شهريــار ودخــلا قصــره. ثــم أنــه رمــى عنــق زوجتــه وكذلــك أعنــاق الجــواري والعبيــد وصــار الملــك
شهريـار كلمـا يأخـذ بنتـاً بكـراً يزيـل بكارتهــا ويقتلهــا مــن ليلتهــا ولــم يــزل علــى ذلــك مــدة ثلــاث سنــوات
فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في تلك المدينة بنت تتحمل الوطء.
ثـم أن الملـك أمـر الوزيـر أن يأتيـه بنـت علــى جــري عادتــه فخــرج الوزيــر وفتــش فلــم يجــد بنتــاً فتوجــه
===
إلــى منزلــه وهــو غضبــان مقهــور خايــف علــى نفســه مــن الملــك. وكـــان الوزيـــر لـــه بنتـــان ذاتـــا حســـن
وجمــال وبهــاء وقــد واعتــدال الكبيــرة اسمهــا شهـــرزاد والصغيـــرة اسمهـــا دنيـــازاد وكانـــت الكبيـــرة قـــد
قــرأت الكتــب والتواريــخ وسيــر الملـــوك المتقدميـــن وأخبـــار الأمـــم الماضييـــن. قيـــل أنهـــا جمعـــت ألـــف
كتــاب مــن كتــب التواريــخ المتعلقــة بالأمــم السالفــة والملــوك الخاليــة والشعــراء فقالــت لأبيهــا: مالــي أراك
متغيراً حامل الهم والأحزان وقد قال بعضهم في المعنى شعراً:
قـــــــل لمـــــــن يحمــــــــل همــــــــاً إن همـــــــــــــــــاً لا يـــــــــــــــــدوم
مثـــــل مـــــا يفنـــــى الســــــرور هكــــــــذا تفنـــــــــى الهمـــــــــوم
فلمـا سمـع الوزيـر مـن ابنتـه هـذا الكلـام حكــى لهــا مــا جــرى لــه مــن الــأول إلــى الآخــر مــع الملــك فقالــت
لــه: باللــه يــا أبــت زوجنــي هــذا الملــك فإمــا أن أعيــش وإمــا أن أكــون فـــداء لبنـــات المسلميـــن وسببـــاً
لخلاصهـن مــن بيــن يديــه فقــال لهــا: باللــه عليــك لا تخاطــري بنفســك أبــداً فقالــت لــه: لا بــد مــن ذلــك
فقــال: أخشــى عليــك أن يحصــل لكــن مــا حصــل الحمــار والثــور مــع صاحــب الــزرع فقالــت لـــه: ومـــا
الذي جرى لهما يا أبت
===
حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع
قـال: اعلمـي يـا ابنتـي أنـه كــان لبعــض التجــار أمــوال ومــواش وكــان لــه زوجــة وأولــاد وكــان اللــه تعالــى
أعطــاه معرفـــة ألســـن الحيوانـــات والطيـــر وكـــان مسكـــن ذلـــك التاجـــر الأريـــاف وكـــان عنـــده فـــي داره
حمـار وثـور فأتـى يومـاً الثـور إلـى مكـان الحمـار فوجـده منكوســاً مرشوشــاً وفــي معلفــه شعيــر مغربــل
وتبـن مغربـل وهـو راقــد مستريــح وفــي بعــض الأوقــات ركبــه صاحبــه لحاجــة تعــرض لــه ويرجــع علــى
حالــه فلمــا كــان فــي بعــض الأيــام سمــع التاجــر الثــور وهــو يقــول للحمــار: هنيئــاً لـــك ذلـــك أنـــا تعبـــان
وأنــت مستريــح تأكــل الشعيــر مغربــلاً ويخدمونــك وفــي بعـــض الأوقـــات يركبـــك صاحبـــك ويرجـــع وأنـــا
دائماً للحرث.
فقـال لـه الحمـار: إذا خرجـت إلــى الغيــط ووضعــوا علــى رقبتــك النــاف فارقــد ولا تقــم ولــو ضربــوك
فــإن قمــت فارقــد ثانيــاً فــإذا رجعــوا بــك ووضعــوا لــك الفــول فــلا تأكلــه كأنــك ضعيــف وامتنـــع عـــن
الأكـــل والشــــرب يومــــاً أو يوميــــن أو ثلاثــــة فإنــــك تستريــــح مــــن التعــــب والجهــــد وكــــان التاجــــر يسمــــع
كلامهمـا فلمـا جـاء الســواق إلــى الثــور بعلفــه أكــل منــه شيئــاً يسيــراً فأصبــح الســواق يأخــذ الثــور إلــى
الحـرث فوجـده ضعيفـاً فقــال لــه التاجــر: خــذ الحمــار وحرثــه مكانــه اليــوم كلــه فلمــا رجــع آخــر النهــار
===
شكـره الثـور علـى تفضلاتـه حيـه أراحـه مـن التعـب فـي ذلـك اليـوم فلـم يــرد عليــه الحمــار جوابــاً ونــدم
أشـد الندامـة فلمـا رجـع كـان ثانـي يـوم جـاء المـزارع وأخــذ الحمــار وحرثــه إلــى آخــر النهــار فلــم يرجــع
إلا مسلـــوخ الرقبـــة شديـــد الضعـــف فتأملـــه الثـــور وشكـــره ومجـــده فقـــال لـــه الحمـــار: أعلـــم أنـــي لـــك
ناصــح وقــد سمعــت صاحبنــا يقــول: إن لــم يقـــم الثـــور مـــن موضعـــه فأعطـــوه للجـــزار ليذبحـــه ويعمـــل
جلده قطعاً وأنا خائف عليك ونصحتك والسلام.
فلمـا سمـع الثـور كلـام الحمـار شكـره وقـال فـي غــد أســرح معهــم ثــم أن الثــور أكــل علفــه بتمامــه حتــى
لحــس المــذود بلسانــه كــل ذلــك وصاحبهمــا يسمــع كلامهمــا فلمـــا طلـــع النهـــار وخـــرج التاجـــر وزوجـــه
إلـــى دار البقـــر وجلســـا فجـــاء الســـواق وأخـــذ الثـــور وخـــرج فلمـــا رأى الثــــور صاحبــــه حــــرك ذنبــــه
وظرط وبرطع فضحك التاجر حتى استلقى على قفاه.
فقالــت لــه زوجتــه: مــن أي شــيء تضحــك فقــال لهــا: شــيء رأيتـــه وسمعتـــه ولا أقـــدر أن أبيـــح بـــه
فأمــوت فقالــت لــه: لا بـــد أن تخبرنـــي بذلـــك ومـــا سبـــب ضحكـــك ولـــو كنـــت تمـــوت فقـــال لهـــا: مـــا
أقـدر أن أبـوح بـه خوفـاً مـن المـوت فقالــت لــه: أنــت لــم تضحــك إلا علــي. ثــم أنهــا لــم تــزل تلــح عليــه
وتلـح فــي الكلــام إلــى أن غلبــت عليــه فتحيــر أحضــر أولــاده وأرســل أحضــر القاضــي والشهــود وأراد
أن يوصـي ثــم يبــوح لهــا بالســر ويمــوت لأنــه كــان يحبهــا محبــة عظيمــة لأنهــا بنــت عمــه وأم أولــاده وكــان
===
ثـم أنـه أرسـل وأحضـر جميـع أهلهـا وأهـل جارتــه وقــال لهــم حكايتــه وأنــه متــى قــال لأحــد علــى ســره
مـــات فقـــال لهـــا جميـــع النـــاس ممـــن حضـــر: باللـــه عليـــك اتركـــي هـــذا الأمـــر لئـــلا يمـــوت زوجــــك أبــــو
أولـادك فقالـت لهـم: لا أرجـع عنـه حتـى يقـول لــي ولــو يمــوت. فسكتــوا عنهــا. ثــم أن التاجــر قــام مــن
عندهم وتوجه إلى دار الدواب ليتوضأ ثم يرجع يقول لهم ويموت.
وكـــان عنـــده ديـــك تحتـــه خمســـون دجاجـــة وكـــان عنـــده كلــــب فسمــــع التاجــــر الكلــــب وهــــو ينــــادي
الديـــك ويسبـــه ويقـــول لـــه: أنـــت فرحـــان وصاحبنـــا رايـــح يمـــوت فقـــال الديـــك للكلـــب: وكيـــف ذلـــك
الأمــر فأعــاد الكلــب عليــه القصــة فقــال لــه الديــك: واللــه إن صاحبنـــا قليـــل العقـــل. أنـــا لـــي خمســـون
زوجــة أرضــي هــذه وأغضــب هــذه وهــو مــا لــه إلا زوجــة واحــدة ولا يعــرف صلــاح أمــره معهــا فمـــا
لـه لا يأخـذ لهـا بعضــاً مــن عيــدان التــوت ثــم يدخــل إلــى حجرتهــا ويضربهــا حتــى تمــوت أو تتــوب ولا
تعود تسأله عن شيء.
قــال: فلمــا سمــع التاجــر كلــام الديــك وهــو يخاطــب الكلــب رجــع إلـــى عقلـــه وعـــزم علـــى ضربهـــا ثـــم
قــال الوزيــر لابنتــه شهــرزاد ربمــا فعــل بــك مثــل مــا فعــل التاجـــر بزوجتـــه فقالـــت لـــه: مـــا فعـــل قـــال:
دخــل عليهــا الحجــرة بعدمــا قطــع لهــا عيــدان التــوت وخبأهــا داخــل الحجــرة وقــال لهــا: تعالــي داخــل
الحجــرة حتــى أقــول لــك ولا ينظرنــي أحــد ثــم أمــوت فدخلــت معــه ثــم أنــه قفــل بــاب الحجــرة عليهمــا
===
ونــزل عليهــا بالضــرب إلــى أن أغمـــي عليهـــا فقالـــت لـــه: تبـــت ثـــم أنهـــا قبلـــت يديـــه ورجليـــه وتابـــت
وخرجت وإياه وفرح الجماعة وأهلها وقعدوا في أسر الأحوال إلى الممات.
فلمــا سمعــت ابنــة الوزيــر مقالــة أبيهــا قالــت لــه: لا بــد مــن ذلـــك فجهزهـــا وطلـــع إلـــى الملـــك شهريـــار
وكانـت قـد أوصـت أختهـا الصغيـرة وقالــت لهــا: إذا توجهــت إلــى الملــك أرسلــت أطلبــك فــإذا جئــت
عنـدي ورأيـت الملـك قضـى حاجتـه منــي قولــي يــا أختــي حدثينــا حديثــاً غريبــاً نقطــع بــه السهــر وأنــا
أحدثك حديثاً يكون فيه الخلاص إن شاء الله.
ثـم أن أباهـا الوزيـر طلــع بهــا إلــى الملــك فلمــا رآه فــرح وقــال: أتيــت بحاجتــي فقــال: نعــم فلمــا أراد أن
يدخــل عليهـــا بكـــت فقـــال لهـــا: مـــا بـــك فقالـــت: أيهـــا الملـــك إن لـــي أختـــاً صغيـــرة أريـــد أن أودعهـــا
فأرسلهـا الملـك إليهـا فجـاءت إلــى أختهــا وعانقتهــا وجلســت تحــت السريــر فقــام الملــك وأخــذ بكارتهــا
ثـم جلسـوا يتحدثـون فقالـت لهـا أختهـا الصغيـرة: باللـه عليـك يـا أختــي حدثينــا حديثــاً نقطــع بــه سهــر
ليلتنـا فقالـت: حبــاً وكرامــة إن أذن الملــك المهــذب فلمــا سمــع ذلــك الكلــام وكــان بــه قلــق ففــرح بسمــاع
الحديث.
===
حكاية التاجر مع العفريت
الليلة الأولى
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنــه كــان تاجـــر مـــن التجـــار كثيـــر المـــال والمعاملـــات فـــي البلـــاد قـــد
ركـب يومـاً وخـرج يطالـب فــي بعــض البلــاد فاشتــد عليــه الحــر فجلــس تحــت شجــرة وحــط يــده فــي
خرجــه وأكــل كســرة كانــت معــه وتمــرة فلمــا فــرغ مــن أكــل التمـــرة رمـــى النـــواة وإذا هـــو بعفريـــت طويـــل
القامـة وبيـده سيـف فدنـا مــن ذلــك التاجــر وقــال لــه: قــم حتــى أقتلــك مثــل مــا قتلــت ولــدي فقــال لــه
التاجـر: كيـف قتلــت ولــدك قــال لــه: لمــا أكلــت التمــرة ورميــت نواتهــا جــاءت النــواة فــي صــدر ولــدي
فقضــي عليــه ومــات مــن ساعتــه فقــال التاجــر للعفريــت: أعلــم أيهــا العفريــت أنــي علــى ديــن ولــي مـــال
كثيـر وأولـاد وزوجـة وعنـدي رهـون فدعنـي أذهـب إلــى بيتــي وأعطــي كــل ذي حــق حقــه ثــم أعــود
إليــك ولــك علــي عهــد وميثــاق أنـــي أعـــود إليـــك فتفعـــل بـــي مـــا تريـــد واللـــه علـــى مـــا أقـــول وكيـــل.
فاستوثـق منـه الجنـي وأطلقـه فرجـع إلـى بلـده وقضـى جميـع تعلقاتــه وأوصــل الحقــوق إلــى أهلهــا وأعلــم
زوجتـه وأولـاده بمـا جـرى لــه فبكــوا وكذلــك جميــع أهلــه ونســاءه وأولــاده وأوصــى وقعــد عندهــم إلــى
تمـام السنـة ثـم توجـه وأخـذ كفنـه تحـت إبطــه وودع أهلــه وجيرانــه وجميــع أهلــه وخــرج رغمــاً عــن أنفــه
===
وأقيــم عليــه العيــاط والصــراخ فمشــى إلــى أن وصــل إلــى ذلــك البستــان وكــان ذلــك اليـــوم أول السنـــة
الجديــدة فبينمــا هــو جالــس يبكــي علــى مــا يحصــل لــه وإذا بشيــخ كبيــر قــد أقبــل عليــه ومعــه غزالـــة
مسلسلـة فسلـم علـى هـذا التاجـر وحيـاه وقـال لـه: مـا سبـب جلوســك فــي هــذا المكــان وأنــت منفــرد
وهــو مــأوى الجــن فأخبــره التاجــر بمــا جــرى لــه مـــع ذلـــك العفريـــت وبسبـــب قعـــوده فـــي هـــذا المكـــان
فتعجــب الشيــخ صاحــب الغزالــة وقــال: واللــه يــا أخــي مــا دينـــك إلا ديـــن عظيـــم وحكايتـــك حكايـــة
عجيبـة لـو كتبـت بالإبـر علـى آفـاق البصـر لكانـت عبـرة لمـن اعتبــر ثــم أنــه جلــس بجانبــه وقــال واللــه يــا
أخــي لا أبــرح مــن عنــدك حتــى أنظــر مــا يجــري لــك مــع ذلــك العفريــت ثــم أنــه جلــس عنـــده يتحـــدث
معــه فغشــي علــى ذلــك التاجــر وحصــل لــه الخــوف والفـــزع والغـــم الشديـــد والفكـــر المزيـــد وصاحـــب
الغزالـة بجانبـه فـإذا بشيـخ ثـان قـد أقبـل عليهمـا ومعـه كلبتـان سلاقيتــان مــن الكلــاب الســود. فسألهمــا
بعــد السلــام عليهمــا عــن سبــب جلوسهمــا فــي هــذا المكــان وهــو مــأوى الجـــان فأخبـــراه بالقصـــة مـــن
أولهـا إلـى آخرهـا فلـم يستقـر بــه الجلــوس حتــى أقبــل عليهــم شيــخ ثالــث ومعــه بغلــة زرزوريــة فسلــم
عليهـم وسألهـم عـن سبـب جلوسهـم فـي هــذا المكــان فأخبــروه بالقصــة مــن أولهــا إلــى آخرهــا وبينمــا
كذلــك إذا بغبــرة هاجــت وزوبعــة عظيمــة قــد أقبلــت مــن وســـط تلـــك البريـــة فانكشفـــت الغبـــرة وإذا
بذلـك الجنـي وبيـده سيـف مسلـول وعيونـه ترمـي بالشـرر فأتاهـم وجـذب ذلـك التاجـر مـن بينهـم وقـال
===
لــه: قــم أقتلــك مثــل مــا قتلــت ولــدي وحشاشــة كبــدي فانتحــب ذلــك التاجــر وبكــى وأعلـــن الثلاثـــة
شيــوخ بالبكــاء والعويــل والنحيــب فانتبــه منهـــم الشيـــخ الـــأول وهـــو صاحـــب الغزالـــة وقبـــل يـــد ذلـــك
العفريت وقال له:
يـا أيهـا الجنـي وتـاج ملــوك الجــان إذا حكيــت لــك حكايتــي مــع هــذه الغزالــة ورأيتهــا عجيبــة أتهــب لــي
ثلـــث دم هـــذا التاجـــر قـــال: نعـــم. يـــا أيهـــا الشيـــخ إذا أنـــت حكيــــت لــــي الحكايــــة ورأيتهــــا عجيبــــة
وهبـت لـك ثلـث دمـه فقـال ذلـك الشيـخ الـأول: اعلـم يـا أيهــا العفريــت أن هــذه الغزالــة هــي بنــت عمــي
ومـن لحمـي ودمـي وكنـت تزوجـت بهـا وهـي صغيـرة السـن وأقمــت معهــا نحــو ثلاثيــن سنــة فلــم أرزق
منهـا بولـد فأخـذت لـي سريـة فرزقـت منهـا بولـد ذكــر كأنــه البــدر إذا بــدا بعينيــن مليحتيــن وحاجبيــن
مزججيـن وأعضـاء كاملـة فكبـر شيئـاً فشيئـاً إلـى أن صـار ابـن خمـس عشــرة سنــة فطــرأت لــي سفــرة
إلــى بعــض المدائــن فسافــرت بمتجــر عظيــم وكانــت بنــت عمــي هــذه الغزالــة تعلمــت السحــر والكهانــة
مـن صغرهـا فسحـرت ذلـك الولـد عجـلاً وسحـرت الجاريــة أمــه بقــرة وسلمتهــا إلــى الراعــي ثــم جئــت
أنـا بعـد مـدة طويلـة مـن السفـر فسألـت عـن ولـدي وعــن أمــه فقالــت لــي جاريتــك ماتــت وابنــك هــرب
ولــم أعلــم أيــن راح فجلســت مــدة سنــة وأنــا حزيــن القلــب باكـــي العيـــن إلـــى أن جـــاء عيـــد الضحيـــة
فأرسلت إلى الراعي أن يخصني ببقـرة سمينـة وهـي سريتـي التـي سحرتهـا تلـك الغزالـة فشمـرت ثيابـي
===
وأخــذت السكيــن بيــدي وتهيــأت لذبحهــا فصاحــت وبكــت بكــاء شديــداً فقمــت عنهــا وأمــرت ذلـــك
الراعــي فذبحهــا وسلخهــا فلــم يجــد فيهــا شحمـــاً ولا لحمـــاً غيـــر جلـــد وعظـــم فندمـــت علـــى ذبحهـــا
حيث لا ينفعني الندم وأعطيتها للراعي وقلت له:
ائتنــي بعجــل سميــن فأتانــي بولــدي المسحــور عجـــلاً فلمـــا رآنـــي ذلـــك العجـــل قطـــع حبلـــه وجاءنـــي
وتمـــرغ علـــي وولـــول وبكـــى فأخذتنـــي الرأفـــة عليـــه وقلـــت للراعـــي ائتنـــي ببقــــرة ودع هــــذا. وأدرك
شهـرزاد الصبــاح فسكتــت عــن الكلــام المبــاح. فقالــت لهــا أختهــا: مــا أطيــب حديثــك وألطفــه وألــذه
وأعذبــه فقالــت: وأيــن هــذا ممــا أحدثكــم بــه الليلــة القابلــة إن عشــت وأبقانــي الملـــك فقـــال الملـــك فـــي
نفسـه: واللـه مـا أقتلهـا حتـى أسمـع بقيـة حديثهـا ثـم أنهـم باتـوا تلــك الليلــة إلــى الصبــاح متعانقيــن فخــرج
الملـك إلـى محـل حكمـه وطلـع الوزيـر بالكفـن تحـت إبطــه ثــم حكــم الملــك وولــي وعــزل إلــى آخــر النهــار
ولــم يخبــر الوزيـــر بشـــيء مـــن ذلـــك فتعجـــب الوزيـــر غايـــة العجـــب ثـــم انفـــض الديـــوان ودخـــل الملـــك
شهريار قصره.
وفي الليلة الثانية
وقالــت دنيــازاد لأختهــا شهــرزاد: يــا أختــي أتممــي لنــا حديثــك الــذي هــو حديــث التاجـــر والجنـــي.
===
قالــت حبــاً وكرامــة إن أذن لــي الملــك فــي ذلــك فقــال لهـــا الملـــك: احكـــي فقالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك
السعيــد ذو الــرأي الرشيــد أنــه لمــا رأى بكــاء العجــل حــن قلبــه إليــه وقــال للراعــي: ابــق هـــذا العجـــل
بيـن البهائـم. كـل ذلـك والجنـي يتعجـب مـن حكايـة ذلــك الكلــام العجيــب ثــم قــال صاحــب الغزالــة: يــا
سيـد ملـوك الجـان كـل ذلـك جـرى وابنـة عمـي هـذه الغزالــة تنظــر وتــرى وتقــول اذبــح هــذا العجــل فإنــه
سميــن فلــم يهــن علــي أن أذبحــه وأمــرت الراعــي أن يأخــذه وتوجــه بــه ففــي ثانــي يــوم وأنــا جالـــس وإذا
بالراعي أقبل علي وقال:
يـا سيـدي إنـي أقـول شيئـاً تســر بــه ولــي البشــارة. فقلــت: نعــم فقــال: أيهــا التاجــر إن لــي بنتــاً كانــت
تعلمــت السحــر فــي صغرهــا مــن امــرأة عجـــوز كانـــت عندنـــا فلمـــا كنـــا بالأمـــس وأعطيتنـــي العجـــل
دخلـت بـه عليهـا فنظـرت إليـه ابنتــي وغطــت وجههــا وبكــت ثــم إنهــا ضحكــت وقالــت: يــا أبــي قــد
خـس قـدري عنـدك حتــى تدخــل علــي الرجــال الأجانــب. فقلــت لهــا: وأيــن الرجــال الأجانــب ولمــاذا
بكيت وضحكت
فقالــت لــي أن هــذا العجــل الــذي معــك ابــن سيــدي التاجــر ولكنـــه مسحـــور وسحرتـــه زوجـــة أبيـــه
هـو وأمـه فهــذا سبــب ضحكــي وأمــا سبــب بكائــي فمــن أجــل أمــه حيــث ذبحهــا أبــوه فتعجبــت مــن
ذلـك غايـة العجـب ومـا صدقـت بطلـوع الصبـاح حتــى جئــت إليــك لأعلمــك فلمــا سمعــت أيهــا الجنــي
===
كلـام هـذا الراعـي خرجــت معــه وأنــا سكــران مــن غيــر مــدام مــن كثــرة الفــرح والســرور والــذي حصــل
لـي إلـى أن أتيـت إلـى داره فرحبـت بـي ابنـة الراعـي وقبلـت يـدي ثـم إن العجـل جـاء إلــي وتمــرغ علــي
فقلـت لابنـة الراعـي: أحـق مــا تقولينــه عــن ذلــك العجــل فقالــت: نعــم يــا سيــدي إيــه ابنــك وحشاشــة
كبـــدك فقلـــت لهـــا: أيهـــا الصبيـــة إن أنـــت خلصتيـــه فلـــك عنـــدي مـــا تحـــت يـــد أبيــــك مــــن المواشــــي
والأموال فتبسمت وقالت: يا سيدي ليس لي رغبة في المال إلا بشرطين:
الـــأول: أن تزوجنـــي بـــه والثانـــي: أن أســــر مــــن سحرتــــه وأحبسهــــا وإلا فلســــت آمــــن مكرهــــا فلمــــا
سمعــت أيهــا الجنــي كلــام بنــت الراعــي قلــت: ولــك فــوق جميــع مــا تحــت يــد أبيــك مــن الأمــوال زيـــادة
وأما بنت عمي فدمها لك مباح.
فلمـــا سمعـــت كلامـــي أخـــذت طاســــة وملأتهــــا مــــاء ثــــم أنهــــا عزمــــت عليهــــا ورشــــت بهــــا العجــــل
وقالت:
إن كــان اللــه خلقــك عجــلاً فــدم علــى هــذه الصفــة ولا تتغيــر وإن كنــت مسحــوراً فعــد إلــى خلقتـــك
الأولـى بـإذن اللـه تعالـى وإذا بـه انتفـض ثـم صـار إنسانـاً فوقعـت عليـه وقلـت لـه: باللـه عليـك احـك لــي
جميـع مـا صنعـت بـك وبأمـك بنـت عمـي فحكـى لـي جميـع مـا جـرى لهمـا فقلـت: يـا ولـدي قــد قيــض
الله لـك مـن خلصـك وخلـص حقـك ثـم إنـي أيهـا الجنـي زوجتـه ابنـة الراعـي ثـم أنهـا سحـرت ابنـة عمـي
===
هـذه الغزالـة وجئـت إلـى هنــا فرأيــت هــؤلاء الجماعــة فسألتهــم عــن حالهــم فأخبرونــي بمــا جــرى لهــذا
التاجـر فجلسـت لأنظـر مـا يكـون وهـذا حديثـي فقـال الجنـي: هـذا حديـث عجيــب وقــد وهبــت لــك
ثلـث دمـه فعنـد ذلـك تقـدم الشيـخ صاحـب الكلبتيـن السلاقيتيـن وقـال لـه: اعلـم يــا سيــد ملــوك الجــان
أن هاتيـن الكلبتيـن أخوتـي وأنـا ثالثهـم ومـات والـدي وخلـف لنـا ثلاثـة آلـاف دينــار ففتحــت دكانــاً أبيــع
فيـه وأشتـري وسافـر أخـي بتجارتـه وغـاب عنـا مـدة سنـة مـع القوافـل ثـم أتـى ومـا معــه شــيء فقلــت
لــه: يــا أخــي أمــا أشــرت عليــك بعــدم السفــر فبكــى وقــال: يــا أخــي قــدر اللــه عــز وجــل علــي بهــذا
ولـم يبـق لهـذا الكلـام فائـدة ولســت أملــك شيئــاً فأخذتــه وطلعــت بــه إلــى الدكــان ثــم ذهبــت بــه إلــى
الحمــام وألبستــه حلــة مــن الملابــس الفاخــرة وأكلــت أنــا وإيـــاه وقلـــت لـــه: يـــا أخـــي إنـــي أحســـب ربـــح
دكانـي مـن السنـة إلـى السنـة ثـم أقسمـه دون رأس المـال بينــي وبينــك ثــم إنــي عملــت حســاب الدكــان
مـن بربـح مالـي فوجدتـه ألفـي دينـار فحمـدت اللـه عـز وجـل وفرحـت غايـة الفـرح وقسمـت الربـح بينــي
وبينـه شطريـن وأقمنـا مـع بعضنـا أيامـاً ثـم إن أخوتــي طلبــوا السفــر أيضــاً وأرادوا أن أسافــر معهــم فلــم
أرض وقلـت لهـم: أي شـيء كسبتـم مـن سفركـم حتـى أكسـب أنــا فألحــوا علــي ولــم أطعهــم بــل أقمنــا
فـي دكاكيننـا نبيـع ونشتـري سنـة كاملـة وهـم يعرضـون علــي السفــر وأنــا لــم أرض حتــى مضــت ســت
سنوات كوامل.
===
ثـم وافقتهــم علــى السفــر وقلــت لهــم: يــا أخوتــي إننــا نحســب مــا عندنــا مــن المــال فحسبنــاه فــإذا هــو
ستــة آلــاف دينــار فقلــت: ندفــن نصفهــا تحــت الــأرض لينفعــا إذا أصابنــا أمــر ويأخــذ كـــل واحـــد منـــا
ألــف دينــار ونتسبــب فيهـــا قالـــوا: نعـــم الـــرأي فأخـــذت المـــال وقسمتـــه نصفيـــن ودفنـــت ثلاثـــة آلـــاف
دينــار. وأمــا الثلاثــة آلــاف الأخــرى فأعطيــت كــل واحــد منهـــم ألـــف دينـــار وجهزنـــا بضائـــع واكترينـــا
مركبـاً ونقلنـا فيهـا حوائجنـا وسافرنـا مـدة شهـر كامــل إلــى أن دخلنــا مدينــة وبعنــا بضائعنــا فربحنــا فــي
الدينـار عشـرة دنانيـر ثـم أردنـا السفــر فوجدنــا علــى شاطــئ البحــر جاريــة عليهــا خلــق مقطــع فقبلــت
يـــدي وقالـــت: يـــا سيـــدي هـــل عنـــدك إحســـان ومعـــروف أجازيـــك عليهمـــا قلـــت: نعــــم إن عنــــدي
الإحسان والمعروف ولو لـم تجازينـي فقالـت: يـا سيـدي تزوجنـي وخذنـي إلـى بلـادك فإنـي قـد وهبتـك
نفســي فافعــل معــي معروفـــاً لأنـــي ممـــن يصنـــع معـــه المعـــروف والإحســـان ويجـــازي عليهمـــا ولا يغرنـــك
حالـي. فلمــا سمعــت كلامهــا حــن قلبــي إليهــا لأمــر يريــده اللــه عــز وجــل فأخذتهــا وكسوتهــا وفرشــت
لهــا فــي المركــب فرشــاً حسنــاً وأقبلــت عليهــا وأكرمتهــا ثــم سافرنــا وقــد أحبهـــا قلبـــي محبـــة عظيمـــة
وصـرت لا أفارقهــا ليــلاً ولا نهــاراً أو اشتغلــت بهــا عــن إخوتــي فغــاروا منــي وحسدونــي علــى مالــي
وكثـرت بضاعتـي وطمحـت عيونهـم فـي المـال جميعــه وتحدثــوا بقتلــي وأخــذ مالــي وقالــوا: نقتــل أخانــا
ويصيــر المــال جميعــه لنــا وزيــن لهــم الشيطــان أعمالهــم فجاؤونــي وأنـــا نايـــم بجانـــب زوجتـــي ورمونـــي
===
فــي البحــر فلمــا استيقظــت زوجتـــي انتفضـــت فصـــارت عفريتـــة وحملتنـــي وأطلعتنـــي علـــى جزيـــرة
وغابـت عنــي قليــلاً وعــادت إلــي عنــد الصبــاح وقالــت لــي: أنــا زوجتــك التــي حملتــك ونجيتــك مــن
القتـل بـإذن اللـه تعالـى واعلـم أنـي جنيـة رأيتـك فحبـك قلبـي وأنـا مؤمنـة باللـه ورسولــه فجئتــك بالحــال
الـذي رأيتنـي فيـه فتزوجـت بــي وهــا أنــا قــد نجيتــك مــن الغــرق وقــد غضبــت علــى إخوتــك ولا بــد
أن أقتلهــم. فلمــا سمعــت حكايتهــا تعجبــت وشكرتهــا علــى فعلهــا وقلــت لهــا أمــا هلــاك إخوتــي فــلا
ينبغي ثم حكيت لها ما جرى لي معهم من أول الزمان إلى آخره.
فلمــا سمعــت كلامــي قالــت: أنــا فــي هــذه الليلــة أطيــر إليهــم وأغـــرق مراكبهـــم وأهلكهـــم فقلـــت لهـــا:
باللـه لا تفعلـي فـإن صاحــب المثــل يقــول: يــا محسنــاً لمــن أســاء كفــي المســيء فعلــه وهــم إخوتــي علــى
كــل حــال قالـــت لا بـــد مـــن قتلهـــم فاستعطفتهـــا ثـــم أنهـــا حملتنـــي وطـــارت فوضعتنـــي علـــى سطـــح
داري ففتحـت الأبـواب وأخرجـت الـذي خبأتـه تحــت الــأرض وفتحــت دكانــي بعــد مــا سلمــت علــى
النـــاس واشتريـــت بضائـــع فلمـــا كـــان الليـــل دخلـــت داري فوجـــدت هاتيـــن الكلبتيـــن مربوطتيــــن فيهــــا
فلمـا رأيانـي قامـا إلـي وبكيـا وتعلقـا بـي فلـم أشعـر إلا وزوجتـي قالـت هــؤلاء إخوتــك فقلــت مــن فعــل
بهـم هـذا الفعـل قالـت أنـا أرسلـت إلـى أختـي ففعلـت بهـم ذلـك ومـا يتخلصــون إلا بعــد عشــر سنــوات
فجئــت وأنــا سائــر إليهــا تخلصهــم بعــد إقامتهـــم عشـــر سنـــوات فـــي هـــذا الحـــال فرأيـــت هـــذا الفتـــى
===
قــال الجنــي: إنهــا حكايــة عجيبــة وقــد وهبــت لــك ثلــث دمــه فــي جنايتــه فعنـــد ذلـــك تقـــدم الشيـــخ
الثالــث صاحــب البغلــة وقــال للجنــي أنــا أحكــي لــك حكايــة أعجــب مــن حكايــة الاثنيـــن وتهـــب لـــي
باقـي دمــه وجنايتــه فقــال الجنــي نعــم فقــال الشيــخ أيهــا السلطــان ورئيــس الجــان إن هــذه البغلــة كانــت
زوجتـي سافـرت وغبــت عنهــا سنــة كاملــة ثــم قضيــت سفــري وجئــت إليهــا فــي الليــل فرأيــت عبــد
أسـود راقـد معهـا فـي الفــراش وهمــا فــي كلــام وغنــج وضحــك وتقبيــل وهــراش فلمــا رأتنــي عجلــت
وقامــت إلــي بكــوز فيــه مــاء فتكلمــت عليــه ورشتنــي وقالــت اخــرج مــن هــذه الصـــورة إلـــى صـــورة
كلـب فصـرت فـي الحـال كلبـاً فطردتنـي مـن البيـت فخرجـت مـن البــاب ولــم أزل سائــراً حتــى وصلــت
دكان جزار فتقدمت وصرت آكل من العظام.
فلمــا رآنــي صاحــب الدكــان أخذنــي ودخــل بــي بيتــه فلمــا رأتنــي بنــت الجــزار غطــت وجههــا منــي
فقالــت أتجــيء لنــا برجــل وتدخــل علينــا بــه فقــال أبوهــا أيـــن الرجـــل قالـــت إن هـــذا الكلـــب سحرتـــه
امـرأة وأنــا أقــدر علــى تخليصــه فلمــا سمــع أبوهــا كلامهــا قــال: باللــه عليــك يــا بنتــي خلصيــه فأخــذت
كـــوزاً فيـــه مـــاء وتكلمـــت عليـــه ورشـــت علـــي منـــه قليـــلاً وقالـــت: اخـــرج مـــن هــــذه الصــــورة إلــــى
صورتـك الأولـى فصــرت إلــى صورتــي الأولــى فقبلــت يدهــا وقلــت لهــا: أريــد أن تسحــري زوجتــي
كمـا سحرتنــي فأعطتنــي قليــلاً مــن المــاء وقالــت إذا رأيتهــا نائمــة فــرش هــذا المــاء عليهــا فإنهــا تصيــر
===
كمـا أنـت طالـب فوجدتهــا نائمــة فرششــت عليهــا المــاء وقلــت اخرجــي مــن هــذه الصــورة إلــى صــورة
بغلـة فصـارت فـي الحـال بغلـة وهـي هـذه التـي تنظرهـا بعينــك أيهــا السلطــان ورئيــس ملــوك الجــان ثــم
التفــت إليهــا وقــال: أصحيــح هــذا فهــزت رأسهــا وقالــت بالإشــارة نعــم هــذا صحيــح فلمــا فـــرغ مـــن
حديثـه اهتـز الجنـي مــن الطــرب ووهــب لــه باقــي دمــه وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عــن الكلــام
المباح.
فقالـت لهـا أختهـا: يـا أختـي مـا أحلـى حديثـك وأطيبــه وألــذه وأعذبــه فقالــت: أيــن هــذا ممــا أحدثكــم
بــه الليلــة القابلــة إن عشــت وأبقانــي الملــك فقــال الملــك: واللــه لا أقتلهــا حتــى أسمــع بقيــة حديثهـــا لأنـــه
عجيـب ثـم باتـوا تلـك الليلـة متعانقيـن إلــى الصبــاح فخــرج الملــك إلــى محــل حكمــه ودخــل عليــه الوزيــر
والعسكـر واحتبـك الديـوان فحكـم الملــك وولــى وعــزل ونهــى وأمــر إلــى آخــر النهــار ثــم انفــض الديــوان
ودخل الملك شهريار إلى قصره.
وفي الليلة الثالثة
قالـت لهـا أختهـا دنيـا زاد: يـا أختـي أتمــي لنــا حديثــك فقالــت حبــاً وكرامــة بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد
أن التاجـــر أقبـــل علـــى الشيـــوخ وشكرهـــم هنـــوه بالسلامـــة ورجـــع كـــل واحـــد إلـــى بلـــده ومــــا هــــذه
===
حكاية الصياد مع العفريت
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنــه كــان رجــل صيــاد وكــان طاعنــاً فــي الســن ولــه زوجـــة وثلاثـــة
أولـاد وهـو فقيـر الحـال وكـان مـن عادتـه أنـه يرمـي شبكتـه كـل يـوم أربـع مـرات لا غيـر ثــم أنــه خــرج يومــاً
من الأيام في وقـت الظهـر إلـى شاطـئ البحـر وحـط معطفـه وطـرح شبكتـه وصبـر إلـى أن استقـرت فـي
المـاء ثـم جمـع خيطانهـا فوجدهـا ثقيلـة فجذبهـا فلــم يقــدر علــى ذلــك فذهــب بالطــرف إلــى البــر ودق
وتـداً وربطهـا فيـه ثـم عـرى وغطـس فـي المـاء حـول الشبكـة ومـا زال يعالـج حتـى أطلعهـا ولبــس ثيابــه
وأتـى إلـى الشبكـة فوجـد فيهـا حمـاراً ميتـاً فلمـا رأى ذلـك حــزن وقــال لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي
العظيم ثم قال أن هذا الرزق عجيب وأنشد يقول:
يا خائضاً في ظلام الله والهلكة أقصر عنك فليس الرزق بالحركة
ثــم أن الصيــاد لمــا رأى الحمــار ميــت خلصــه مــن الشبكــة وعصرهــا فلمـــا فـــرغ مـــن عصرهـــا نشرهـــا
وبعـد ذلـك نـزل البحـر وقـال بسـم اللــه وطرحهــا فيــه وصبــر عليهــا حتــى استقــرت ثــم جذبهــا فثقلــت
ورسخــت أكثــر مــن الــأول فظــن أنــه سمــك فربــط الشبكـــة وتعـــرى ونـــزل وغطـــس ثـــم عالـــج إلـــى أن
خلصهــا وأطلعهــا إلــى البــر فوجــد فيهــا زيــراً كبيــراً وهــو ملـــآن برمـــل وطيـــن فلمـــا رأى ذلـــك تأســـف
===
ياحرقــــــــة الدهـــــــــر كفـــــــــي إن لـــــــــم تكفـــــــــي فعفـــــــــي
فــــــــــلا يحظــــــــــى أعطــــــــــي ولا يصنعـــــــــــــــــه كفـــــــــــــــــي
خرجـــــت أطلــــــب رزقــــــي وجـــــــدت رزقـــــــي توفـــــــي
كم جاهل في ظهور وعالم متخفي
ثـم إنـه رمـى الزيـر وعصــر شبكتــه ونظفهــا واستغفــر اللــه وعــاد إلــى البحــر ثالــث مــرة ورمــى الشبكــة
وصبر عليها حتى أستقرت وجذبها فوجد فيها شفافة وقوارير فأنشد قول الشاعر:
هو الرزق لا حل لديك ولا ربط ولا قلم يجدي عليك ولا خـط
ثــم أنــه رفــع رأســه إلــى السمــاء وقــال اللهــم أنــك تعلــم أنــي لـــم أرم شبكتـــي غيـــر أربـــع مـــرات وقـــد
رميـت ثلاثـا ثـم أنـه سمـى اللـه ورمـى الشبكـة فــي البحــر وصبــر إلــى أن أستقــرت وجذبهــا فلــم يطــق
جذبهـا وإذا بهـا أشتبكـت فـي الـأرض فقـال: لا حــول ولا قــوة إلا باللــه فتعــرى وغطــس عليهــا وصــار
يعالـج فيهـا إلـى أن طلعـت علـى البحـر وفتحهـا فوجـد فيهـا قمقمـا مــن نحــاس أصفــر ملــآن وفمــه مختــوم
برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان.
فلمــا رآه الصيــاد فــرح وقــال هــذا أبيعــه فــي ســوق النحــاس فإنــه يســاوي عشــرة دنانيــر ذهبــا ثــم أنـــه
حركـه فوجـده ثقيـلاً فقـال: لا بـد أنــي أفتحــه وأنظــر مــا فيــه وأدخــره فــي الخــرج ثــم أبيعــه فــي ســوق
===
النخــاس ثــم أنــه أخــرج سكينــا وعالــج فــي الرصــاص إلــى أن فكــه مــن القمقـــم وحطـــه علـــى الـــارض
وهــزه لينكــت مــا فيــه فلــم ينــزل منــه شــيء ولكــن خــرج مــن ذلــك القمقــم دخــان صعــد إلــى السمـــاء
ومشــى علــى وجــه الــأرض فتعجــب غايــة العجــب وبعــد ذلــك تكامــل الدخـــان واجتمـــع ثـــم انتفـــض
فصــار عفريتــاً رأســه فـــي السحـــاب ورجلـــاه فـــي التـــراب بـــرأس كالقبـــة وأيـــدي كالمـــداري ورجليـــن
كالصــــواري وفــــم كالمغــــارة وأسنـــــان كالحجـــــارة ومناخيـــــر كالإبريـــــق وعينيـــــن كالسراجيـــــن أشعـــــث
أغبر.
فلمـــا رأى الصيـــاد ذلـــك العفريـــت ارتعـــدت فرائصـــه وتشبكـــت أسنانـــه ونشــــف ريقــــه وعمــــي عــــن
طريقــه فلمــا رآه العفريــت قــال لا إلــه إلا اللــه سليمــا نبــي اللــه ثــم قــال العفريــت: يــا نبــي اللــه لا تقتلنــي
فإنـي لا عـدت أخالــف لــك قــولاً وأعصــي لــك أمــراً فقــال لــه الصيــاد: أيهــا المــارد أتقــول سليمــان نبــي
اللــه وسليمــان مــات مــن مــدة ألــف وثمانمائــة سنــة ونحــن فــي آخـــر الزمـــان فمـــا قصتـــك ومـــا حديثـــك
وما سبب دخولك إلى هذا القمقم.
فلمـا سمــع المــارد كلــام الصيــاد قــال: لا إلــه إلا اللــه أبشــر يــا صيــاد فقــال الصيــاد: بمــاذا تبشرنــي فقــال
بقتلــك فــي هــذه الساعــة أشــر القتلــات قــال الصيــاد: تستحــق علــى هــذه البشــارة يــا قيــم العفاريـــت
زوال الستــر عنــك يــا بعيــد لــأي شــيء تقتلنــي وأي شــيء يوجــب قتلــي وقـــد خلصتـــك مـــن القمقـــم
===
ونجيتــك مـــن قـــرار البحـــر وأطلعتـــك إلـــى البـــر فقـــال العفريـــت: تمـــن علـــي أي موتـــة تموتهـــا وأي قتلـــة
تقتلها فقال الصياد ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك.
فقــال العفريــت اسمــع حكايتــي يــا صيــاد قــال الصيــاد: قــل وأوجــز فـــي الكلـــام فـــإن روحـــي وصلـــت
إلــى قدمــي. قــال اعلــم أنــي مــن الجــن المارقيــن وقــد عصيــت سليمــان بـــن داود وأنـــا صخـــر الجنـــي
فأرســل لــي وزيــره آصــف ابــن برخيــا فأتـــى بـــي مكرهـــاً وقادنـــي إليـــه وأنـــا ذليـــل علـــى رغـــم أنفـــي
وأوقفنــي بيــن يديــه فلمــا رآنــي سليمــان استعــاذ منــي وعــرض علــي الإيمــان والدخــول تحـــت طاعتـــه
فأبيـت فطلـب هـذا القمقـم وحبسنـي فيـه وختـم علـي بالرصـاص وطبعــه بالاســم الأعظــم وأمــر الجــن
فاحتملونـي وألقونـي فـي وسـط البحـر فأقمـت مائـة عـام وقلـت فـي قلبـي كـل مـن خلصنـي أغنيتــه إلــى
الأبـد فمــرت المائــة عــام ولــم يخلصنــي أحــد ودخلــت مائــة أخــرى فقلــت كــل مــن خلصنــي فتحــت لــه
كنـوز الـأرض فلـم يخلصنـي أحـد فمـرت علـي أربعمائـة عـام أخـرى فقلــت كــل مــن خلصنــي أقضــي لــه
ثلـاث حاجـات فلـم يخلصنـي أحــد فغضبــت غضبــاً شديــداً وقلــت فــي نفســي كــل مــن خلصنــي فــي
هذه الساعة قتلته ومنيته كيف يموت وها أنك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت.
فلمــا سمــع الصيــاد كلــام العفريــت قــال: يــا اللــه العجــب أنــا مــا جئــت أخلصــك إلا فــي هــذه الأيــام ثــم
قــــال الصيــــاد للعفريــــت اعــــف عــــن قتلــــي يعــــف اللــــه عنــــك ولا تهلكنــــي يسلــــط اللـــــه عليـــــك مـــــن
===
يهلكـــك. فقـــال لا بـــد مـــن قتلـــك فتمـــن علـــي أي موتـــة تموتهـــا فلمـــا تحقـــق ذلـــك منـــه الصيـــاد راجـــع
العفريـت وقـال اعــف عنــي إكرامــاً لمــا أعتقتــك فقــال العفريــت: وأنــا مــا أقتلــك إلا لأجــل مــا خلصتنــي
فقــال الصيــاد: يــا شيــخ العفاريــت هــل أصنــع معــك مليــح فتقابلنـــي بالقبيـــح ولكـــن لـــم يكـــذب المثـــل
حيث قال:
فعلنـــا جميـــلاً قابلونـــا بضـــده وهذا لعمري من فعال الفواجر
ومن يفعل المعروف مع غير أهله يجازى كما جوزي مجير أم عامر
فلمــا سمــع العفريــت كلامـــه قـــال لا تطمـــع فـــلا بـــد مـــن موتـــك فقـــال الصيـــاد هـــذا جنـــي وأنـــا إنســـي
وقـد أعطانـي اللـه عقـلاً كامـلاً وهـا أنـا أدبـر أمـراً فـي هلاكــه بحيلتــي وعقلــي وهــو يدبــر بمكــره وخبثــه
ثــم قــال للعفريــت: هــل صممــت علــى قتلــي قــال نعــم فقــال لــه بالاســم الأعظــم المنقــوش علــى خاتـــم
سليمــان أسألــك عــن شــيء وتصدقنــي فيــه قــال نعــم ثــم إن العفريــت لمــا سمــع ذكــر الاســـم الأعظـــم
اضطــرب واهتــز وقــال: اســأل وأوجــز فقــال لــه: كيــف كنــت فــي هــذا القمقــم والقمقـــم لا يســـع يـــدك
ولا رجلـــك فكيـــف يسعـــك كلـــك فقـــال لـــه العفريـــت: وهـــل أنـــت لا تصـــدق أننـــي كنـــت فيـــه فقــــال
الصيـــاد لا أصـــدق أبـــداً حتـــى أنظـــرك فيـــه بعينـــي وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتــــت عــــن الكلــــام
المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الصيــاد لمــا قــال للعفريــت لا أصدقــك أبــداً حتــى أنظــرك بعينــي
فــي القمقــم فانتفــض العفريــت وصــار دخانــاً صاعــداً إلــى الجــو ثــم اجتمـــع ودخـــل فـــي القمقـــم قليـــلاً
حتــى استكمــل الدخــان داخــل القمقــم وإذا بالصيــاد أســرع وأخــذ ســدادة الرصــاص المختومــة وســد
بهـا فـم القمقـم ونـادى العفريـت وقـال لـه: تمـن علـي أي موتـة تموتهـا لأرميــك فــي هــذا البحــر وأبنــي لــي
هنــا بيتــاً وكــل مــن أتــى هنــا أمنعــه أن يصطــاد وأقــول لــه هنــا عفريــت وكــل مــن أطلعــه يبيــن لــه أنـــواع
الموت يخبره بينها.
فلمـــا سمـــع العفريـــت كلـــام الصيـــاد أراد الخـــروج فلـــم يقـــدر ورأى نفســــه محبوســــاً ورأى عليــــه طابــــع
خاتــــم سليمــــان وعلــــم أن الصيــــاد سجنــــه وسجــــن أحقــــر العفاريــــت وأقذرهــــا وأصغرهــــا ثــــم أن
الصيــاد ذهــب بالقمقــم إلــى جهــة البحــر فقــال لـــه العفريـــت لا لا فقـــال الصيـــاد: لا بـــد لا بـــد فلطـــف
المـارد كلامـه وخضــع وقــال مــا تريــد أن تصنــع بــي يــا صيــاد قــال: ألقيــك فــي البحــر إن كنــت أقمــت
فيـه ألفـاً وثمانمائــة عــام فأنــا أجعلــك تمكــث إلــى أن تقــوم الساعــة أمــا قلــت لــك أبقينــي يبقيــك اللــه ولا
تقتلنـــي يقتلـــك اللـــه فأبيـــت قولـــي ومـــا أردت إلا غـــدري فألقـــاك اللـــه فـــي يـــدي فغـــدرت بـــك فقـــال
العفريـت افتـح لـي حتـى أحســن إليــك فقــال لــه الصيــاد تكــذب يــا ملعــون أنــا مثلــي ومثلــك مثــل وزيــر
الملـــك يونـــان والحكيـــم رويـــان فقـــال العفريـــت: ومـــا شـــأن وزيــــر الملــــك يونــــان والحكيــــم رويــــان ومــــا
===
حكاية الملك يونان والحكيم رويان
قـال الصيـاد: اعلـم أيهـا العفريـت أنـه كـان فــي قديــم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان فــي مدينــة الفــرس
وأرض رومــان ملــك يقــال لــه الملـــك يونـــان وكـــان ذا مـــال وجنـــود وبـــأس وأعـــوان مـــن سائـــر الأجنـــاس
وكـان فـي جسـده بـرص قـد عجـزت فيـه الأطبـاء والحكمــاء ولــم ينفعــه منــه شــرب أدويــة ولا سفــوف
ولا دهان ولم يقدر أحد من الأطباء أن يداويه.
وكـان قـد دخـل مدينـة الملـك يونـان حكيـم كبيــر طاعــن فــي الســن يقــال لــه الحكيــم رويــان وكــان عرفــاً
بالكتـــب اليونانيـــة والفارسيـــة والروميـــة والعربيـــة والسريانيــــة وعلــــم الطــــب والنجــــوم وعالمــــاً بأصــــول
حكمتهـــا وقواعـــد أمورهـــا مـــن منفعتهـــا ومضرتهـــا. عالمـــاً بخـــواص النباتـــات والحشائـــش والأعشـــاب
المضــرة والنافعــة فقــد عــرف علــم الفلاسفــة وجـــاز جميـــع العلـــوم الطبيـــة وغيرهـــا ثـــم إن الحكيـــم لمـــا
دخـل المدينـة وأقـام بهـا أيـام قلائـل سمـع خبـر الملـك ومـا جـرى لــه فــي بدنــه مــن البــرص الــذي ابتلــاه اللــه
به وقد عجزت عن مداواته الأطباء وأهل العلوم.
فلمـا بلـغ ذلـك الحكيــم بــات مشغــولاً فلمــا أصبــح الصبــاح لبــس أفخــر ثيابــه ودخــل علــى الملــك يونــان
وقبـل الـأرض ودعـا لـه بـدوام العـز والنعـم وأحسـن مـا بـه تكلـم وأعلمـه بنفسـه فقـال: أيهـا الملـك: بلغنـي
===
مـا اعتــراك مــن هــذا الــذي فــي جســدك وأن كثيــراً مــن الأطبــاء لــم يعرفــوا الحيلــة فــي زوالــه وهــا أنــا
أداويك أيها الملك ولا أسقيك دواء ولا أدهنك بدهن.
فلمــا سمــع الملــك يونــان كلامــه تعجــب وقــال لــه: كيــف تفعــل فـــو اللـــه لـــو برأتنـــي أغنيـــك لولـــد الولـــد
وأنعــم عليــك مــا تتمنــاه فهــو لــك وتكــون نديمــي وحبيبــي. ثــم أنــه خلــع عليــه وأحســن إليــه وقــال لـــه
أبرئنـي مـن هـذا المـرض بـلا دواء ولا دهـان قـال نعــم أبرئــك بــلا مشقــة فــي جســدك. فتعجــب الملــك
غايـة العجـب ثـم قـال لـه: أيهـا الحكيـم الـذي ذكرتـه لـي يكـون فـي أي الأوقـات وفـي أي الأيـام فأسـرع يـا
ولـــدي قـــال لـــه سمعـــاً وطاعـــة ثـــم نـــزل مـــن عنـــد الملـــك واكتـــرى لـــه بيتـــاً حــــط فيــــه كتبــــه وأدويتــــه
وعقاقيـره ثـم استخـرج الأدويـة والعقاقيـر وجعـل منهـا صولجانـاً وجوفـه وعمــل لــه قصبــة وصنــع لــه كــرة
بمعرفته.
فلمــا صنــع الجميــع وفــرغ منهــا طلــع إلــى الملــك فــي اليــوم الثانــي ودخــل عليــه وقبــل الــأرض بيــن يديــه
وأمــره أن يركــب إلــى الميـــدان وأن يلعـــب بالكـــرة والصولجـــان وكـــان معـــه الأمـــراء والحجـــاب والـــوزراء
وأربـاب الدولـة فمـا استقـر بيـن الجلـوس فـي الميـدان حتـى دخـل عليـه الحكيـم رويـان وناولـه الصولجــان
وقـال لـه: خـذ هـذا الصولجـان واقبـض عليـه مثـل هـذه القبضــة وامــش فــي الميــدان واضــرب بــه الكــرة
بقوتـك حتـى يعـرق كفـك وجسـدك فينفــذ الــدواء مــن كفــك فيســري فــي سائــر جســدك فــإذا عرقــت
===
فعنـــد ذلـــك أخـــذ الملـــك يونـــان ذلـــك الصولجـــان مـــن الحكيـــم ومسكـــه بيـــده وركـــب الجـــواد وركــــب
الكـرة بيـن يديـه وسـاق خلفهـا حتـى لحقهـا وضربهـا بقـوة وهـو قابـض بكفــه علــى قصبــة الصولجــان ومــا
زال يضرب به الكرة حتى عرق كفه وسائر بدنه وسرى له الدواء من القبضة.
وعـرف الحكيـم رويـان أن الـدواء سـرى فـي جسـده فأمــره بالرجــوع إلــى قصــره وأن يدخــل الحمــام مــن
ساعتـــه فرجـــع الملـــك يونـــان مـــن وقتـــه وأمـــر أن يخلـــو لــــه الحمــــام فأخلــــوه لــــه وتسارعــــت الفراشــــون
وتسابقـت المماليـك وأعـدوا للملـك قماشـه ودخــل الحمــام واغتســل غسيــلاً جيــداً ولبــس ثيابــه داخــل
الحمام ثم خرج منه وركب إلى قصره ونام فيه.
هــذا مــا كــان مــن أمــر الملــك يونــان وأمــا مــا كــان مــن أمــر الحكيـــم رويـــان فإنـــه رجـــع إلـــى داره وبـــات
فلما أصبح الصباح طلع إلى الملـك واستـأذن عليـه فـأذن لـه فـي الدخـول فدخـل وقبـل الـأرض بيـن يديـه
وأشار إلى الملك بهذه الأبيات:
زهت الفصاحة إذا ادعيت لها أباً وإذا دعت يوماً سواك لها أبى
يا صاحب الوجه الذي أنواره تمحوا من الخطب الكريه غياهبا
ما زال وجهك مشرقـاً متهلـلاً فـلا تـرى وجـه الزمـان مقطبــا
أوليتني مـن فضلـك المنـن التـي فعلت بنا فعل السحاب مع الربا
===
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره نهـــض الملـــك قائمـــاً علــــى قدميــــه وعانقــــه وأجلســــه بجانبــــه وخلــــع لعيــــه الخلــــع
السنية.
ولمـا خـرج الملـك مـن الحمـام نظـر إلـى جسـده فلـم يجــد فيــه شيئــاً مــن البــرص وصــار جســده نقيــاً مثــل
الفضــة البيضــاء ففــرح بذلــك غايــة الفــرح واتســع صــدره وانشــرح فلمــا أصبــح الصبــاح دخـــل الديـــوان
وجلــس علــى سريــر ملكــه ودخلــت عليــه الحجــاب وأكابــر الدولــة ودخــل عليــه الحكيـــم رويـــان فلمـــا
رآه قــام إليــه مسرعـــاً وأجلســـه بجانبـــه وإذا بموائـــد الطعـــام قـــد مـــدت فأكـــل صحبتـــه ومـــا زال عنـــده
ينادمه طول نهاره.
فلمــا أقبــل الليــل أعطــى الحكيــم ألفــي دينــار غيــر الخلــع والهدايـــا وأركبـــه جـــواده وانصـــرف إلـــى داره
والملــك يونــان يتعجــب مــن صنعــه ويقــول: هــذا داوانــي مــن ظاهــر جســدي ولــم يدهننــي بدهــان فــو
اللــه مــا هــذه إلا حكمــة بالغــة فيجــب علــي لهــذا الرجــل الإنعـــام والإكـــرام وأن أتخـــذه جليســـاً وأنيســـاً
مدى الزمان. وبات الملك يونان مسروراً فرحاً بصحة جسمه وخلاصه من مرضه.
فلمــا أصبــح الملــك وجلـــس علـــى كرسيـــه ووقفـــت أربـــاب دولتـــه وجلســـت الأمـــراء والـــوزراء علـــى
يمينــه ويســاره ثــم طلــب الحكيــم رويــان فدخــل عليــه وقبـــل الـــأرض بيـــن يديـــه فقـــام الملـــك وأجلســـه
بجانبــه وأكــل معــه وحيــاه وخلــع عليــه وأعطـــاه ولـــم يـــزل يتحـــدث معـــه إلـــى أن أقبـــل الليـــل فرســـم لـــه
===
فلمـا أصبـح الصبـاح خـرج الملـك إلــى الديــوان وقــد أحدقــت بــه الأمــراء والــوزراء والحجــاب وكــان لــه
وزيــر مــن وزرائــه بشــع المنظــر نحــس الطالــع لئيــم بخيــل حســـود مجبـــول علـــى الحســـد والمقـــت. فلمـــا
رأى ذلــك الوزيــر أن الملــك قــرب الحكيــم رويــان وأعطــاه هــذه الأنعــام حســده عليــه وأضمــر لــه الشـــر
كما قيل في المعنى: مـا خـلا جسـد مـن حسـد. وقيـل فـي المعنـى: الظلـم كميـن فـي النفـس القـوة تظهـره
والعجز يخفيه.
ثــم أن الوزيــر تقــدم إلــى الملــك يونــان وقبــل الــأرض بيــن يديــه وقــال لــه: يــا ملــك العصــر والــأوان: أنــت
الــذي شمــل النــاس إحسانــك ولــك عنــدي نصيحــة عظيمــة فــإن أخفيتهــا عنـــك أكـــون ولـــد زنـــا فـــإن
أمرتني أن أبديها أبديتها لك.
فقــال الملــك وقــد أزعجــه كلــام الوزيــر: ومــا نصيحتــك فقــال: أيهــا الملـــك الجليـــل: قـــد قالـــت القدمـــاء
مـن لـم ينظـر فـي العواقـب فمـا الدهــر لــه بصاحــب وقــد رأيــت الملــك علــى غيــر صــواب حيــث أنعــم
علــى عــدوه وعلــى مــن يطلــب زوال ملكــه وقــد أحســن إليــه وأكرمــه غايــة الإكــرام وقربــه غايــة القــرب
وأنا أخشى على الملك من ذلك.
فانزعــج الملــك وتغيــر لونــه وقــال لــه: مــن الــذي تزعــم أنــه عــدوي وأحسنــت إليــه فقــال لــه: أيهــا الملــك
إن كنـت نائمـاً فاستيقـظ فأنـا أشيـر إلـى الحكيـم رويــان. فقــال لــه الملــك: إن هــذا صديقــي وهــو أعــز
===
النـاس عنـدي لأنـه داوانـي بشـيء قبضتـه بيـدي وأبرانـي مـن مرضـي الـذي عجــز فيــه الأطبــاء وهــو لا
يوجـد مثلـه فـي هـذا الزمـان فـي الدنيـا غربـاً وشرقـاً فكيـف أنـت تقـول عليـه هـذا المقـال وأنــا مــن هــذا
اليـوم أرتـب لـه الجوامــك والجرايــات وأعمــل لــه فــي كــل شهــر ألــف دينــار ولــو قاسمتــه فــي ملكــي وإن
كان قليلاً عليه. وما أظن أنك تقول ذلك إلا حسداً كما بلغني عن الملك يونان ذكر والله أعلم.
وأدرك شهــــرزاد الصبــــاح فسكتــــت عــــن الكلــــام المبــــاح فقالــــت لهــــا أختهــــا: يــــا أختــــي مــــا أحلـــــى
حديثـــك وأطيبـــه وألـــذه وأعذبـــه فقالـــت لهـــا: وأيـــن هـــذا ممـــا أحدثكـــم بـــه الليلـــة المقبلـــة إن عشــــت
وأبقانـي الملـك. فقـال الملـك فـي نفسـه: واللـه لا أقتلهـا حتـى أسمـع بقيـة حديثهـا لأنـه حديــث عجيــب.
ثــم أنهــم باتــوا تلــك الليلــة متعانقيــن إلــى الصبــاح. ثــم خــرج الملــك إلــى محــل حكمــه واحتبــك الديـــوان
فحجـم وولـى وأمـر ونهـى إلـى آخـر النهـار ثـم انفـض الديــوان فدخــل الملــك عصــره وأقبــل الليــل وقضــى
حاجته من بنت الوزير شهرزاد.
وفي الليلة الخامسة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيـــد أن الملـــك يونـــان قـــال لوزيـــره أنـــت داخلـــك الحســـد مـــن أجـــل هـــذا
الحكيـم فتريـد أن أقتلـه وبعـد ذلـك أنــدم كمــا نــدم السندبــاد علــى قتــل البــازي. فقــال الوزيــر: وكيــف
===
ذكـــر أنـــه كـــان ملـــك ملـــوك الفـــرس يحـــب الفرجـــة والتنـــزه والصيـــد والقنـــص وكـــان لـــه بـــازي ربــــاه ولا
يفارقــه ليــلاً ولا نهــاراً ويبيــت طــوال الليــل حاملــه علــى يــده وإذا طلـــع إلـــى الصيـــد يأخـــذه معـــه وهـــو
عامل له طاسة من الذهب معلقة في رقبته يسقيه منها.
فبينمــا الملــك جالــس وإذا بالوكيــل علــى طيــر الصيـــد يقـــول: يـــا ملـــك الزمـــان هـــذا أوان الخـــروج إلـــى
الصيــد فاستعــد الملــك للخــروج وأخــذ البــازي علــى يـــده وســـاروا إلـــى أن وصلـــوا إلـــى واد ونصبـــوا
شبكـة الصيـد إذا بغزالـة وقعـت فـي تلـك الشبكـة فقـال الملـك: كــل مــن فاتــت الغزالــة مــن جهتــه قتلتــه
فضيقــوا عليهــا حلقــة الصيــد وإذا بالغزالــة أقبلــت علــى الملــك وشبـــت علـــى رجليهـــا وحطـــت يديهـــا
علـى صدرهــا كأنهــا تقبــل الــأرض للملــك فطأطــأ الملــك للغزالــة ففــرت مــن فــوق دماغــه وراحــت إلــى
البر.
فالتفـــت الملـــك إلـــى المعسكـــر فرآهـــم يتغامـــزون عليـــه فقـــال: يـــا وزيـــري مـــاذا يقــــول العساكــــر فقــــال:
يقولــون إنــك قلــت كــل مــن فاتــت الغزالــة مــن جهتــه يقتــل فقـــال الملـــك: وحيـــاة رأســـي لأتبعنهـــا حتـــى
أجـيء بهـا ثـم طلـع الملـك فـي أثـر الغزالـة ولـم يـزل وراءهـا وصــار البــازي يلطشهــا علــى عينهــا إلــى أن
أعماهــا ودوخهــا فسحــب الملــك دبوســاً وضربهــا فقلبهــا ونــزل فذبحهــا وسلخهــا وعلقهــا فـــي قربـــوس
السرج. وكانت ساعة حر وكان المكان قفراً لم يوجد فيه ماء فعطش الملك وعطش الحصان.
===
فالتفــت الملــك فــرأى شجــرة ينــزل منهــا مــاء مثـــل السمـــن وكـــان الملـــك لابســـاً فـــي كفـــه جلـــداً فأخـــذ
الطاســة فــي قبــة البــازي وملأهـــا مـــن ذلـــك المـــاء ووضـــع المـــاء قدامـــه وإذا بالبـــازي لطـــش الطاســـة
فقلبهــا فأخــذ الملــك الطاســة ثانيــاً وملأهــا وظــن أن البــازي عطشــان فوضعهـــا قدامـــه فلطشهـــا ثانيـــاً
وقلبهـا فغضـب الملــك مــن البــازي وأخــذ الطاســة ثالثــاً وقدمهــا للحصــان فقلبهــا البــازي بجناحــه فقــال
الملــك اللــه يخيبــك يــا أشــأم الطيــور وأحرمتنــي مــن الشــرب وأحرمــت نفســـك وأحرمـــت الحصـــان ثـــم
ضرب البازي بالسيف فرمى أجنحته.
فصــار البــازي يقيــم رأســه ويقــول بالإشــارة انظــر الــذي فــوق الشجــرة فرفــع الملــك عينـــه فـــرأى فـــوق
الشجــرة حيــة والــذي يسيــل سمهــا فنــدم الملــك علــى قـــص أجنحـــة البـــازي ثـــم قـــام وركـــب حصانـــه
وســار ومعــه الغزالـــة حتـــى وصـــل الملـــك علـــى الكرســـي والبـــازي علـــى يـــده فشهـــق البـــازي ومـــات
فصــاح الملــك حزنــاً وأسفــاً علــى قتـــل البـــازي حيـــث خلصـــه مـــن الهلـــاك هـــذا مـــا كـــان مـــن حديـــث
الملك السندباد.
فلمــا سمــع الوزيــر كلــام اللمــك يونــان قــال لــه: أيهــا الملــك العظيــم الشــأن ومــا الــذي فعلتــه مــن الضــرورة
ورأيـت منـه سـوء إنمـا فعـل معـك هـذا شفقـة عليـك وستعلـم صحـة ذلـك فـإن قبلــت منــي نجــوت وإلا
هلكـت كمــا هلــك وزيــر كــان احتــال علــى ابــن ملــك مــن الملــوك وكــان لذلــك الملــك ولــد مولــع بالصيــد
===
والقنـص وكــان لــه وزيــراً فأمــر الملــك ذلــك الوزيــر أن يكــون مــع ابنــه أينمــا توجــه فخــرج يومــاً مــن الأيــام
إلـى الصيــد والقنــص وخــرج معــه وزيــر أبيــه فســارا جميعــاً فنظــر إلــى وحــش كبيــر فقــال الوزيــر لابــن
الملـك دونـك هـذا الوحـش فاطلبـه فقصـده ابـن الملـك حتـى غـاب عـن العيــن وغــاب عنــه الوحــش فــي
البريـة وتحيـر ابــن الملــك فلــم يعــرف أيــن يذهــب وإذا بجاريــة علــى رأس الطريــق وهــي تبكــي فقــال لهــا
ابـن الملـك مـن أنـت: قـال بنــت ملــك مــن ملــوك الهنــد وكنــت فــي البريــة فأدركنــي النعــاس فوقعــت مــن
فوق الدابة ولم أعلم بنفسي فصرت حائرة.
فلمــا سمــع ابــن الملــك كلامهــا رق لحالهــا وحملهــا علــى ظهــر جابتــه وأردفهــا وســـار حتـــى مـــر بجزيـــرة
فقالـــت لـــه الجاريـــة: يـــا سيـــد أريـــد أن أزيـــل ضـــرورة فأنزلهـــا إلـــى الجزيـــرة ثـــم تعوقـــت فاستبطأهـــا
فدخــل خلفهــا وهــي لا تعلــم بــه فــإذا هــي غولــة وهــي تقــول لأولادهـــا يـــا أولـــادي قـــد أتيتكـــم اليـــوم
بغلام سمين فقالوا لها أتينا به يا أمنا نأكله في بطوننا.
فلمــا سمــع ابــن الملــك كلامهــم أيقـــن بالهلـــاك وارتعـــد فرائضـــه وخشـــي علـــى نفســـه ورجـــع فخرجـــت
الغولــة فرأتــه كالخائــف الوجــل وهــو يرتعـــد فقالـــت لـــه: مـــا بالـــك خائفـــاً فقـــال لهـــا أن لـــي عـــدواً وأنـــا
خائــف منــه فقالــت الغولــة إنــك تقــول أنـــا ابـــن الملـــك قـــال لهـــا نعـــم قالـــت لـــه مالـــك لا تعطـــي عـــدوك
شيئــاً مــن المــال فترضيــه بــه فقــال لهــا أنــه لا يرضــى بمــال ولا يرضــى إلا بالــروح وأنــا خائــف منـــه وأنـــا
===
رجــل مظلــوم فقالــت لــه: إن كنــت مظلومــاً كمــا تزعــم فاستعـــن باللـــه عليـــه بأنـــه يكفيـــك شـــره وشـــر
جميع ما تخافه.
فرفــع ابــن الملــك رأســه إلــى السمــاء وقــال: يــا مـــن يجيـــب دعـــوة المضطـــر إذا دعـــاه ويكشـــف الســـوء
انصرنـي علـى عـدوي واصرفــه عنــي إنــك علــى مــا تشــاء قديــر فلمــا سمعــت الغولــة دعــاءه انصرفــت
عنـه وانصـرف ابـن الملـك إلـى أبيــه وحدثــه بحديــث الوزيــر وأنــت أيهــا الملــك متــى آمنــت لهــذا الحكيــم
قتلـك أقبـح القتلـات وإن كنـت أحسنــت إليــه وقربتــه منــك فإنــه يدبــر فــي هلاكــك أمــا تــرى أنــه أبــراك
من المرض من ظاهر الجسد بشيء أمسكته بيدك فلا تأمن أن يهلكك بشيء تمسكه أيضاً.
فقــال الملـــك يونـــان: صدقـــت فقـــد يكـــون كمـــا ذكـــرت أيهـــا الوزيـــر الناصـــح فلعـــل هـــذا الحكيـــم أتـــى
جاسوسـاً فـي طلــب هلاكــي وإذا كــان أبرأنــي بشــيء أمسكتــه بيــدي فإنــه يقــدر أن يهلكنــي بشــيء
أشمــه ثــم إن الملــك يونــان قــال لوزيــره: أيهــا الوزيــر كيــف العمــل فيــه فقــال لــه الوزيــر: أرســـل إليـــه فـــي
هـذا الوقـت واطلبـه فـإن حضـر فاضـرب عنقـه فتكفـي شــره وتستريــح منــه واغــدر بــه قبــل أن يغــدر
بـك فقـال الملـك يونـان صدقــت أيهــا الوزيــر ثــم إن الملــك أرســل إلــى الحكيــم فحضــر وهــو فرحــان ولا
يعلم ما قدره الرحمن كما قال بعضهم في المعنى:
يـا خائفـاً مـن دهـره كــن آمنــاً وكل الأمور إلى الذي بسط الثرى
===
وأنشد الحكيم مخاطباً قول الشاعر:
إذا لم أقـم يومـاً لحقـك بالشكـر فقل لي إن أعددت نظمي مع النثر
لقد جددت لي قبل السؤال بأنعم أتتني بلا مطل لديك ولا عذر
فمالـي لا أعطـي ثنــاءك حقــه وأثني على علياك السر والجهـر
سأشكر ما أوليتني من صنائع يخف لها فمي وإن أثقلت ظهري
فلمــا حضــر الحكيــم رويــان قــال لــه الملــك: أتعلـــم لمـــاذا أحضرتـــك فقـــال الحكيـــم: لا يعلـــم الغيـــب إلا
اللــه تعالــى فقــال لــه الملــك: أحضرتــك لأقتلــك وأعدمــك روحــك فتعجـــب الحكيـــم رويـــان مـــن تلـــك
المقالــة غايــة العجــب وقــال أيهــا الملــك لمــاذا تقتلنــي وأي ذنــب بــدا منــي فقــال لــه الملــك: قــد قيـــل لـــي
إنـك جاسـوس وقـد أتيــت لتقتلنــي وهــا أنــا أقتلــك قبــل أن تقتلنــي ثــم إن الملــك صــاح علــى السيــاف
وقــال لــه اضــرب رقبــة هــذا الغــدار وأرحنــا مــن شـــره فقـــال الحكيـــم أبقنـــي يبقيـــك اللـــه ولا تقتلنـــي
يقتلـك اللـه ثـم أنـه كـرر عليـه القـول مثلمــا قلــت لــك أيهــا العفريــت وأنــت لا تدعــي بــل تريــد قتلــي فقــال
الملـك يونـان للحكيـم رويـان إنـي لا آمـن إلا أن أقتلـك فإنـك برأتنــي بشــيء أمسكتــه بيــدي فــلا آمــن أن
تقتلنــي بشــيء أشمــه أو غيــر ذلــك فقــال الحكيــم أيهــا الملــك أهــذا جزائــي منــك تقابــل المليـــح بالقبيـــح
فقـال الملـك: لا بـد مـن قتلـك مـن غيـر مهلـة فلمـا تحقــق الحكيــم أن الملــك قاتلــه لا محالــة بكــى وتأســف
===
ميمونة من سمات العقل عارية لكن أبوها من الألباب قد خلقا
لم يمش من يابس يوماً ولا وحل إلا بنور هداه تقى الزلقا
بعـد ذلـك تقـدم السيـاف وغمـي عينيـه وشهـر سيفـه وقـال ائـذن والحكيـم يبكــي ويقــول للملــك: أبقنــي
يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله وأنشد قول الشاعر:
نصحت فلم أفلح وغشوا فأفلحوا فأوقعنـي نصحـي بـدار هـوان
فإن عشت فلم أنصح وإن مت فأزلي ذوي النصح من بعدي بك لسان
ثــم إن الحكيــم قــال للملـــك أيكـــون هـــذا جزائـــي منـــك فتجازينـــي مجـــازاة التمســـاح قـــال الملـــك: ومـــا
حكايــة التمســاح فقــال الحكيــم لا يمكننــي أن أقولهــا وأنــا فــي هــذا الحــال فباللــه عليــك أبقنــي يبقيـــك
اللــه ثــم إن الحكيــم بكــى بكــاء شديــداً فقــام بعــض خــواص الملــك وقــال أيهــا الملــك هــب لنــا دم هــذا
الحكيم لأننا ما رأيناه فعل معك ذنباً إلا أبراك من مرضك الذي أعيا الأطباء والحكماء.
فقـال لهـم الملـك لـم تعرفــوا سبــب قتلــي لهــذا الحكيــم وذلــك لأنــي إن أبقيتــه فأنــا هالــك لا محالــة ومــن
أبرأنـي مـن المـرض الـذي كـان بـي بشـيء أمسكتـه بيــدي فيمكنــه أن يقتلنــي بشــيء أشمــه فأنــا أخــاف
أن يقتلنـي ويأخـذ علـي جعالـة لأنـه ربمـا كـان جاسوســاً ومــا جــاء إلا ليقتلنــي فــلا بــد مــن قتلــه وبعــد
ذلك آمن على نفسي فقال الحكيم أبقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله.
===
فلمــا تحقــق الحكيــم أيهــا العفريــت أن الملــك قاتلــه لا محالــة قــال لــه أيهــا الملــك إن كــان ولا بــد مــن قتلــي
فأمهلنــي حتــى أنــزل إلــى داري فأخلــص نفســي وأوصـــي أهلـــي وجيرانـــي أن يدفنونـــي وأهـــب كتـــب
الطـب وعنــدي كتــاب خــاص الخــاص أهبــه لــك هديــة تدخــره فــي خزانتــك فقــال الملــك للحكيــم ومــا
هــذا الكتــاب قــال: فيــه شــيء لا يحصــى وأقـــل مـــا فيـــه مـــن الأســـرار إذا قطعـــت رأســـي وفتحتـــه
وعــددت ثلــاث ورقــات ثــم تقــرأ ثلــاث أسطــر مــن الصحيفــة التــي علــى يســـارك فـــإن الـــرأس تكلمـــك
وتجاوبك عن جميع ما سألتها عنه.
فتعجــب الملــك غايــة العجــب واهتــز مـــن الطـــرب وقـــال لـــه أيهـــا الحكيـــم: وهـــل إذا قطعـــت رأســـك
تكلمـــت فقـــال نعـــم أيهـــا الملـــك وهـــذا أمـــر عجيـــب ثـــم أن الملـــك أرسلــــه مــــع المحافظــــة عليــــه فنــــزل
الحكيـم إلـى داره وقضـى أشغالـه فـي ذلـك اليـوم وفـي اليـوم الثانـي طلــع الحكيــم إلــى الديــوان وطلعــت
الأمـــراء والـــوزراء والحجـــاب والنـــواب وأربـــاب الدولـــة جميعـــاً وصـــار الديــــوان كزهــــر البستــــان وإذا
بالحكيــم دخــل الديــوان ووقــف قــدام الملــك ومعــه كتـــاب عتيـــق ومكحلـــة فيهـــا ذرور وجلـــس وقـــال
ائتونـي بطبـق فأتـوه بطبـق وكتـب فيـه الــذرور وفرشــه وقــال: أيهــا الملــك خــذ هــذا الكتــاب ولا تعمــل
بـه حتـى تقطـع رأسـي فـإذا قطعتهـا فاجعلهـا فـي ذلـك الطبـق وأمــر بكبسهــا علــى ذلــك الــذرور فــإذا
فعلـت ذلـك فـإن دمهـا ينقطـع ثـم افتـح الكتـاب ففتحـه الملــك فوجــده ملصوقــاً فحــط إصبعــه فــي فمــه
===
وبلــه بريقــه وفتــح أول ورقــة والثانيــة والثالثــة والــورق مــا ينفتـــح إلا بجهـــد ففتـــح الملـــك ســـت ورقـــات
ونظـر فيهـا فلـم يجـد كتابـة فقـال الملـك: أيهـا الحكيــم مــا فيــه شــيء مكتــوب فقــال الحكيــم قلــب زيــادة
علـى ذلـك فقلـب فيـه زيـادة فلـم يكـن إلا قليـلاً مـن الزمـان حتـى ســرى فيــه الســم لوقتــه وساعتــه فــإن
الكتـاب كـان مسمومـاً فعنــد ذلــك تزحــزح الملــك وصــاح وقــد قــال: ســرى فــي الســم فأنشــد الحكيــم
رويان يقول:
تحكموا فاستطالوا في حكومتهم وعن قليل كان الحكم لـم يكـن
لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فبغى عليهـم الدهـر بالآفــات والمحــن
وأصبحوا ولسان الحال يشدهم هذا بذاك ولا عتب على الزمن
فلمــا فــرغ رويــان الحكيــم مــن كلامــه سقــط الملــك ميتــاً لوقتــه فاعلــم أيهــا العفريــت أن الملـــك يونـــان لـــو
أبقــى الحكيــم رويــان لأبقــاه اللــه ولكــن أبــى وطلــب قتلــه فقتلـــه اللـــه وأنـــت أيهـــا العفريـــت لـــو أبقيتنـــي
لأبقــاك اللــه. وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت عـــن الكلـــام المبـــاح فقالـــت لهـــا أختهـــا دنيـــازاد: مـــا
أحلــى حديثــك فقالـــت: وأيـــن هـــذا ممـــا أحدثكـــم بـــه الليلـــة القابلـــة إن عشـــت وأبقانـــي الملـــك وباتـــوا
الليلــة فــي نعيــم وســرور إلــى الصبــاح ثــم أطلــع الملــك إلـــى الديـــوان ولمـــا انفـــض الديـــوان دخـــل قصـــره
واجتمع بأهله.
===
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصيـــاد لمـــا قـــال للعفريـــت لـــو أبقيتنـــي كنـــت أبقيتـــك لكـــن مـــا
أردت إلا قتلـي فأنـا أقتلـك محبوســاً فــي هــذا القمقــم وألقيــك فــي هــذا البحــر ثــم صــرخ المــارد وقــال
باللــه عليــك أيهــا الصيــاد لا تفعــل وأبقنــي كرمــاً ولا تؤاخذنــي بعملــي فــإذا كنــت أنـــا مسيئـــاً كـــن أنـــت
محسنـــاً وفـــي الأمثـــال السائـــرة يـــا محسنـــاً لمـــن أســـاء كفـــي المســـيء فعلـــه ولا تعمــــل عمــــل أمامــــة مــــع
عاتكة.
قـال الصيـاد ومــا شأنهمــا فقــال العفريــت مــا هــذا وقــت حديــث وأنــا فــي السجــن حتــى تطلعنــي منــه
وأنـا أحدثــك بشأنهمــا فقــال الصيــاد لا بــد مــن إلقائــك فــي البحــر ولا سبيــل إلــى إخراجــك منــه فإنــي
كنــت أستعطفــك وأتضــرع إليــك وأنــت لا تريــد إلا قتلــي مــن غيــر ذنــب استوجبتـــه منـــك ولا فعلـــت
معــك ســوءاً قــط ولــم أفعــل معــك إلا خيـــراً لكونـــي أخرجتـــك مـــن السجـــن فلمـــا فعلـــت معـــي ذلـــك
علمــت أنــك رديء الأصــل واعلــم أننـــي مـــا رميتـــك فـــي هـــذا البحـــر إلا لأجـــل أن كـــل مـــن أطلعـــك
أخبــره بخبــرك وأحــذره منــك فيرميــك فيــه ثانيــاً فنقيــم فــي هــذا البحــر إلــى آخــر الزمــان حتـــى تـــرى
أنواع العذاب.
فقــال العفريــت: أطلقنــي فهــذا وقــت المــروءات وأنــا أعاهــدك أنــي لــم أســؤك أبـــداً بـــل أنفعـــك بشـــيء
يغنيـــك دائمـــاً فأخـــذ الصيـــاد عليـــه العهـــد أنـــه إذا أطلقـــه لا يؤذيـــه أبـــداً بـــل يعمـــل معـــه الجميـــل فلمــــا
===
استوثــق منــه بالإيمــان والعهــود وحلفــه باســم اللــه الأعظــم فتــح لـــه الصيـــاد فتصاعـــد الدخـــان حتـــى
خرج وتكامل فصار عفريتاً مشوه الخلقة ورفس القمقم في البحر.
فلمـا رأى الصيـاد أنـه رمـى القمقــم فــي البحــر أيقــن بالهلــاك وبــال فــي ثيابــه وقــال هــذه ليســت علامــة
خيــر ثــم أنــه قــوى قلبــه وقــال: أيهــا العفريــت قـــال اللـــه تعالـــى: وأوفـــوا العهـــد إن العهـــد كـــان مســـؤولاً
وأنــت قــد عاهدتنــي وحلفــت أنــك لا تغــدر بــي فــإن غـــدرت بـــي يجـــرك اللـــه فإنـــه غيـــور يمهـــل ولا
يهمل وأنا قلت لك مثل ما قاله الحكيم رويان للملك يونان أبقني يبقيك الله.
فضحــك العفريــت ومشــى قدامــه وقــال أيهــا الصيــاد اتبعنــي فمشـــى الصيـــاد وراءه وهـــو لـــم يصـــدق
بالنجـاة إلـى أن خرجـا مـن ظاهـر المدينــة وطلعــا علــى جبــل ونــزلا إلــى بريــة متسعــة وإذا فــي وسطهــا
بركـــة مـــاء فوقـــف العفريـــت عليهــــا وأمــــر الصيــــاد أن يطــــرح الشبكــــة ويصطــــاد فنظــــر الصيــــاد إلــــى
البركــة وإذا بهــذا السمــك ألوانـــاً الأبيـــض والأحمـــر والـــأزرق والأصفـــر فتعجـــب الصيـــاد مـــن ذلـــك ثـــم
أنه طرح شبكته وجذبها فوجد فيها أربع سمكات كل سمكة بلون فلما رآها الصياد فرح.
فقــال لــه العفريــت ادخــل بهــا إلــى السلطــان وقدمهــا إليــه فإنــه يعطيــك مــا يغنيــك وباللــه أقبـــل عـــذري
فإننـي فـي هـذا الوقـت لـم أعـرف طريقـاً وأنـا فـي هـذا البحـر مـدة ألـف وثمانمائـة عـام مــا رأيــت ظاهــر
الدنيـا إلا فـي هـذه الساعـة ولا تصطـد منهـا كــل يــوم إلا مــرة واحــدة واستودعتــك اللــه ثــم دق الــأرض
===
بقدميــه فانشقــت وابتلعتــه ومضــى الصيــاد إلــى المدينــة متعجــب ممــا جــرى لــه مـــع هـــذا العفريـــت ثـــم
أخــذ السمــك ودخــل بــه منزلــه وأتــى بمأجــور ثــم ملــأه مــاء وحــط فيــه السمــك فاختبــط السمــك مــن
داخل المأجور في الماء ثم حمل المأجور فوق رأسه وقصد به قصر الملك كما أمره العفريت.
فلمــا طلــع الصيــاد إلــى الملــك وقــدم لــه السمــك تعجــب الملــك غايــة العجــب مــن ذلــك السمـــك الـــذي
قدمــه إليــه الصيــاد لأنــه لــم يــر فــي عمــره مثلــه صفـــة ولا شكـــلاً فقـــال: ألقـــوا هـــذا السمـــك للجاريـــة
الطباخـة وكانـت هـذه الجاريــة قــد أهداهــا لــه ملــك الــروم منــذ ثلاثــة أيــام وهــو لــم يجربهــا فــي طبيــخ
فأمرهـــا الوزيـــر أن تقليـــه وقـــال لهـــا يـــا جاريـــة إن الملـــك يقــــول لــــك مــــا ادخــــرت دمعتــــي إلا لشدتــــي
ففرجينـا اليـوم علـى طهيــك وحســن طبيخــك فــإن السلطــان جــاء إليــه واحــد بهديــة ثــم رجــع الوزيــر
بعدمـــا أوصاهـــا فأمــــره الملــــك أن يعطــــي الصيــــاد أربعمائــــة دينــــار فأعطــــاه الوزيــــر إياهــــا فأعطاهــــا
فأخذهــا الوزيــر فــي حجــره وتوجــه إلــى منزلــه لزوجتــه وهــو فرحــان مســرور ثـــم اشتـــرى لعيالـــه مـــا
يحتاجون إليه هذا ما كان من أمر الصياد.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر الجاريـــة فإنهـــا أخـــذت السمـــك ونظفتـــه ورصتـــه فـــي الطاجـــن ثـــم إنهـــا تركـــت
السمــك حتــى استــوى وجهــه وقلبتــه علــى الوجــه الثانــي وإذا بحائــط المطبـــخ قـــد انشقـــت وخرجـــت
منهـا صبيـة رشيقـة القـد أسيلـة الخـد كاملـة الوصــف كحيلــة الطــرف بوجــه مليــح وقــد رجيــح لابســة
===
كوفيــة مــن خــز أزرق وفــي أذنيهــا حلــق وفـــي معاصمهـــا أســـاور وفـــي أصابعهـــا خواتيـــم بالفصـــوص
المثمنـة وفـي يدهـا قضيــب مــن الخيــزران فغــرزت القضيــب فــي الطاجــن وقالــت: يــا سمــك يــا سمــك
هــل أنــت علــى العهــد القديــم مقيــم فلمــا رأت الجاريــة هــذا غشــي عليهــا وقــد أعــادت الصبيــة القــول
ثانياً وثالثاً فرفع السمك رأسه في الطاجن وقال: نعم نعم ثم قال جميعه هذا البيت:
إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا وإن خجرت فإنـا قـد تكافينـا
فعنـــد ذلـــك قلبـــت الصبيـــة الطاجـــن وخرجـــت مـــن الموضــــع الــــذي دخلــــت منــــه والتحمــــت حائــــط
المطبــخ ثــم أقامــت الجاريــة فــرأت الأربــع سمكــات محروقــة مثــل الفحـــم الأســـود فقالـــت تلـــك الجاريـــة
مــن أول غزوتــه حصــل كســر عصبتـــه فبينمـــا هـــي تعاتـــب نفسهـــا وإذا بالوزيـــر واقـــف علـــى رأسهـــا
وقــال لهــا هاتــي السمــك للسلطــان فبكـــت الجاريـــة وأعلمـــت الوزيـــر بالحـــال أنـــه أرســـل إلـــى الصيـــاد
فأتوا به إليه فقال له أيها الصياد لا بد أن تجيب لنا بأربع سمكات مثل التي جئت بها أولاً.
فخــرج الصيــاد إلــى البركــة وطــرح شبكتــه ثــم جذبهــا وإذا بأربــع سمكــات فأخذهـــا وجـــاء بهـــا إلـــى
الوزيـــر فدخـــل بهـــا الوزيـــر إلـــى الجاريـــة وقـــال لهــــا قومــــي اقليهــــا قدامــــي حتــــى أرى هــــذه القضيــــة
فقامـــت الجاريـــة أصلحـــت السمـــك ووضعتـــه فـــي الطاجـــن علــــى النــــار فمــــا استقــــر إلا قليــــلاً وإذا
بالحائــط قــد انشقــت والصبيــة قــد ظهــرت وهــي لابســة ملبسهـــا وفـــي يدهـــا القضيـــب فغرزتـــه فـــي
===
الطاجــــن وقالــــت: يــــا سمــــك هــــل أنــــت علــــى العهــــد القديــــم مقيـــــم فرفعـــــت السمكـــــات رؤوسهـــــا
وأنشدت هذا البيت:
إن عدت عدنا وإن وافيت وافينا وإن هجـرت فإنـا قـد تكافينـا
في الليلة السابعة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنــه لمــا تكلــم السمــك قلبــت الصبيــة الطاجــن بالقضيـــب وخرجـــت
مـــن الموضـــع الـــذي جـــاءت منـــه والتحـــم الحائـــط فعنـــد ذلـــك قـــام الوزيـــر وقـــال: هـــذا أمــــر لا يمكــــن
إخفـــاؤه عـــن الملـــك ثـــم أنـــه تقـــدم إلـــى الملـــك وأخبـــره بمـــا جـــرى قدامـــه فقـــال: لا بـــد أن أنظـــر بعيـــن
فأرسـل إلـى الصيـاد وأمـره أن يأتـي بأربـع سمكـات مثـل الـأول وأمهلــه ثلاثــة أيــام. فذهــب الصيــاد إلــى
البركـة وأتـاه بالسمـك فــي الحــال. فأمــر الملــك أن يعطــوه أربعمائــة دينــار. ثــم التفــت الملــك إلــى الوزيــر
وقــال لــه: ســو أنــت السمــك ههنــا قدامــي فقــال الوزيــر سمعــاً وطاعــة فأحضـــر الطاجـــن ورمـــى فيـــه
السمـك بعـد أن نظفـه ثـم قلبـه وإذا بالحائـط قـد انشـق وخـرج منـه عبـد أسـود كأنـه ثــور مــن الثيــران أو
مـن قـوم عـاد وفـي يــده قــرع مــن شجــرة خضــراء وقــال بكلــام فصيــح مزعــج: يــا سمــك يــا سمــك هــل
أنت على العهد القديم مقيم فرفع السمك رأسه من الطاجن وقال: نعم وأنشد هذا البيت:
===
ثــم أقبــل العبــد علــى الطاجــن وقلبــه بالفــرع إلــى أن صــار فحمــاً أســود ثــم ذهــب العبـــد مـــن حيـــث
أتــى فلمــا غــاب العبــد عــن أعينهــم قـــال الملـــك: هـــذا أمـــر لا يمكـــن السكـــوت عنـــه ولا بـــد أن هـــذا
السمــك لــه شــأن غريــب فأمــر بإحضــار الصيــاد فلمــا حضــر قــال لــه: مــن أيــن هــذا السمــك فقــال لـــه
مـن بركـة بيـن أربـع جبـال وراء هـذا الجبـل الـذي بظاهـر مدينتـك فالتفـت الملــك إلــى الصيــاد وقــال لــه:
مسيرة كم يوم قال له يا مولاننا السلطان مسيرة نصف ساعة.
فتعجــــب السلطــــان وأمــــر بخــــروج العسكــــر مــــن وقتــــه مــــع الصيــــاد فصــــار الصيــــاد يلعــــن العفريـــــت
وسـاروا إلـى أن طلعـوا الجبـل ونزلـوا منـه إلـى بريـة متسعــة لــم يروهــا مــدة أعمارهــم والسلطــان وجميــع
العسكـر يتعجبـون مـن تلـك البريـة التـي نظروهـا بيـن أربـع جبـال والسمـك فيهـا علـى أربعـة ألــوان أبيــض
وأحمر وأصفر وأزرق.
فوقـــف الملـــك متعجبـــاً وقـــال للعسكـــر ولمـــن حضـــر: هـــل أحـــد منكـــم رأى هـــذه البركــــة فــــي هــــذا
المكـــان فقالـــوا كلهـــم لا فقـــال الملـــك: واللـــه لا أدخـــل مدينتـــي ولا أجلـــس علــــى تخــــت ملكــــي حتــــى
أعرف حقيقة هذه البركة وسمكها.
ثــم أمــر النــاس بالنــزول حــول هــذه الجبــال فنزلــوا ثــم دعــا بالوزيـــر وكـــان وزيـــراً عاقـــلاً عالمـــاً بالأمـــور
فلمـا حضـر بيـن يديـه قـال لـه: إنـي أردت أن أعمـل شيئــاً فأخبــرك بــه وذلــك أنــه خطــر ببالــي أن أنفــرد
===
بنفســي فــي هــذه الليلــة وأبحــث عــن خبــر هـــذه البركـــة وسمكهـــا فاجلـــس علـــى بـــاب خيمتـــي وقـــل
للأمــراء والــوزراء والحجــاب أن السلطــان متشــوش وأمرنــي أن لا أؤذن لأحـــد فـــي الدخـــول عليـــه ولا
تعلم أحد بقصدي فلم يقدر الوزير على مخالفته.
ثـم أن الملـك غيـر حالتـه وتقلـد سيفـه وانسـل مـن بينهــم ومشــى بقيــة ليلــه إلــى الصبــاح فلــم يــزل سائــراً
حتى اشتد عليـه الحـر فاستـراح ثـم مشـى بقيـة يومـه وليلتـه الثانيـة إلـى الصبـاح فلـاح لـه سـواد مـن بعـد
ففــرح وقــال: لعلــي أجــد مـــن يخبرنـــي بقضيـــة البركـــة وسمكهـــا فلمـــا قـــرب مـــن الســـواد وجـــده قصـــراً
مبنياً بالحجارة السود مصفحاً بالحديد وأحد شقي بابه مفتوح والآخر مغلق.
ففــرح الملـــك ووقـــف علـــى البـــاب ودق دقـــاً لطيفـــاً فلـــم يسمـــع جوابـــاً فـــدق ثانيـــاً وثالثـــاً فلـــم يسمـــع
جوابـاً فــدق رابعــاً دقــاً مزعجــاً فلــم يجبــه أحــد فقــال لا بــد أنــه خــال فشجــع نفســه ودخــل مــن بــاب
القصـر إلـى دهليـز ثـم صـرخ وقـال: يـا أهـل القصـر إنـي رجـل غريـب وعابــر سبيــل هــل عندكــم شــيء
مـن الـزاد وأعـاد القـول ثانيــاً وثالثــاً فلــم يسمــع جوابــاً فقــوي قلبــه وثبــت نفســه ودخــل مــن الدهليــز إلــى
وسـط القصـر فلـم يجـد فيـه أحـد غيـر أنـه مفـروش وفـي وسطـه فسقيـة عليهـا أربـع سبـاع مــن الذهــب
تلقــي المــاء مــن أفواههــا كالـــدر والجواهـــر وفـــي دائـــره طيـــور وعلـــى ذلـــك القصـــر شبكـــة تمنعهـــا مـــن
الطلــوع فتعجــب مــن ذاك وتأســف حيــث لــم يــر فيــه أحــد يستخبـــر منـــه عـــن تلـــك البركـــة والسمـــك
===
والجبــال والقصــر ثــم جلــس بيــن الأبـــواب يتفكـــر وإذا هـــو بأليـــن مـــن كبـــد حزيـــن فسمعـــه يترنـــم بهـــذا
الشعر:
لما خفيت ضنى ووجدي قد ظهر والنوم من عيني تبـدل بالسهـر
ناديت وجداً قد تزايد بي الفكر يا وجد لا تبقى علي ولا تذر
ها مهجتي بين المشقة والخطر
فلمــا سمــع السلطــان ذلــك الأنيــن نهــض قائمــاً وقصــد جهتــه فوجــد ستــراً مسبـــولاً علـــى بـــاب مجلـــس
فرفعــه فــرأى خلــف الستــر شابــاً جالســاً علـــى سريـــر مرتفـــع عـــن الـــأرض مقـــدار ذراع وهـــو شـــاب
مليــح بقــد رجيــح ولســان فصيــح وجبيــن أزهــر وخــداً أحمــر وشامــة علــى كرســي خــده كتــرس مـــن
عنبر كما قال الشاعر:
ومهفهـف مـن شعــره وجبينــه مشت الورى في ظلمة وضياء
ما أبصرت عيناك أحسن منظر فيمـا يـرى مـن سائــر الأشيــاء
كالشامة الخضراء فوق الوجنة الحمـراء تحـت المقلــة الســوداء
ففــرح بــه الملــك وسلــم عليــه والصبــي جالــس وعليــه قبـــاء حريـــر بطـــراز مـــن ذهـــب لكـــن عليـــه أثـــر
الحـــزن فـــرد السلـــام علـــى الملـــك وقـــال لـــه: يـــا سيـــدي اعذرنـــي عـــن عـــدم القيـــام فقـــال الملـــك: أيهـــا
===
الشــاب أخبرنــي عــن هــذه البركــة وعــن سمكهــا الملــون وعــن هــذا القصــر وسبـــب وحدتـــك فيـــه ومـــا
سبب بكائك
فلمـــا سمـــع الشـــاب هـــذا الكلـــام نزلـــت دموعـــه علـــى خــــده وبكــــى بكــــاء شديــــداً فتعجــــب الملــــك
وقــال: مــا يبكيــك أيهــا الشــاب فقــال كيــف لا أبكــي وهــذه حالتــي ومــد يـــده إلـــى أذيالـــه فـــإذا نصفـــه
التحتاني إلى قدميه حجر ومن صرته إلى شعر رأسه بشر.
ثـم قـال الشـاب: اعلـم أيهـا الملــك أن لهــذا أمــراً عجيبــاً لــو كتــب بالإبــر علــى آفــاق البصــر لكــان عبــرة
لمــن اعتبــر وذلــك يــا سيــدي أنـــه كـــان والـــدي ملـــك هـــذه المدينـــة وكـــان اسمـــع محمـــود الجزائـــر الســـود
وصاحــب هــذه الجبـــال الأربعـــة أقـــام فـــي الملـــك سبعيـــن عامـــاً ثـــم توفـــي والـــدي وتسلطنـــت بعـــده
وتزوجـت بابنـة عمــي وكانــت تحبنــي محبــة عظيمــة بحيــث إذا غبــت عنهــا لا تأكــل ولا تشــرب حتــى
ترانـي فمكثـت فـي عصمتـي خمـس سنيـن إلـى أن ذهبـت يومـاً إلـى الحمـام فأمـرت الطبـاخ أن يجهــز لنــا
طعامــاً لأجــل العشــاء ثــم دخلــت هــذا القصــر ونمــت فــي الموضــع الــذي أنــا فيــه وأمــرت جاريتيـــن أن
يروحــا علــى وجهــي فجلســت واحــدة عنــد رأســي والأخــرى عنــد رجلــي وقــد قلقــت لغيابهــا ولـــم
يأخذني نوم غير أن عيني مغمضة ونفسي يقظانة.
فسمعــت التــي عنـــد رأســـي تقـــول للتـــي عنـــد رجلـــي يـــا مسعـــودة إن سيدنـــا مسكيـــن شبابـــه ويـــا
===
خسارتـه مـع سيدتنـا الخبيثـة الخاطئـة. فقالـت الأخـرى: لعـن اللــه النســاء الزانيــات ولكــن مثــل سيدنــا
وأخلاقه لا يصلح لهذه الزانية التي كل ليلة تبيت في غير فراشه.
فقالـت التـي عنـد رأسـي: إن سيدنـا مغفـل حيـث لـم يسـأل عنهــا. فقالــت الأخــرى ويلــك وهــل عنــد
سيدنـا علـم بحالهـا أو هـي تخليـه باختيـاره بـل تعمـل لـه عمـلاً فـي قـدح الشـراب الــذي يشربــه كــل ليلــة
قبـل المنـام فتضـع فيـه البنـج فينـام ولـم يشعـر بمـا يجـري ولـم يعلـم أيـن تذهـب ولا بمــا تصنــع لأنهــا بعدمــا
تسقيـه الشـراب تلبـس ثيابهـا وتخـرج مـن عنـده فتغيـب إلـى الفجـر وتأتـي إليـه وتبخـره عنـد أنفـه بشـيء
فيستيقظ من منامه.
فلمــا سمعــت كلــام الجــواري صــار الضيــا فـــي وجهـــي ظلامـــاً ومـــا صدقـــت أن الليـــل اقبـــل وجـــاءت
بنـــت عمـــي مـــن الحمـــام فمـــدا السمـــاط وأكلنـــا وجلسنـــا ساعـــة زمنيـــة نتنـــادم كالعــــادة ثــــم دعــــوت
بالشــراب الــذي أشربــه عنـــد المنـــام فناولتنـــي الكـــأس فراوغـــت عنـــه وجعلـــت أشربـــه مثـــل عادتـــي
ودلقته في عبـي ورقـدت فـي الوقـت والساعـة وإذا بهـا قالـت: نـم ليتـك لـم تقـم واللـه كرهتـك وكرهـت
صورتــك وملــت نفســـي مـــن عشرتـــك. ثـــم قامـــت ولبســـت أخفـــر ثيابهـــا وتبخـــرت وتقلـــدت سيفـــاً
وفتحت باب القصر وخرجت.
فقمـت وتبعتهـا حتـى خرجـت وشقـت فـي أسـواق المدينـة إلـى أن انتهـت إلـى أبــواب المدينــة فتكلمــت
===
بكلــام لا أفهمــه فتساقطــت الأقفــال وانفتحــت الأبـــواب وخرجـــت وأنـــا خلفهـــا وهـــي لا تشعـــر حتـــى
انتهـت إلـى مـا بيـن الكيمـان وأتـت حصنـاً فيـه قبــة مبنيــة بطيــن لهــا بــاب فدخلتــه هــي وصعــدت أنــا
علــى سطـــح القبـــة وأشرفـــت عليهـــا اذا بهـــا قـــد دخلـــت علـــى عبـــد أســـود إحـــدى شفتيـــه غطـــاء
وشفتــه الثانيــة وطــاء وشفاهــه تلقــط الرمــل مــن الحصــى وهـــي مبتلـــي وراقـــد علـــى قليـــل مـــن قـــش
القصب فقبلت الأرض بين يديه.
فرفــع ذلــك العبــد رأســـه إليهـــا وقـــال لهـــا: ويلـــك مـــا سبـــب قعـــودك إلـــى هـــذه الساعـــة كـــان عندنـــا
الســـودان وشربـــوا الشـــراب وصـــار كـــل واحـــد بعشيقتـــه وأنـــا مــــا رضيــــت أن أشــــرب مــــن شأنــــك
فقالــت: يــا سيــدي وحبيــب قلبــي أمــا تعلــم أنــي متزوجــة بابــن عمــي وأنــا أكـــره النظـــر فـــي صورتـــه
وأبغــض نفســي فــي صحبتــه ولــولا أنــي أخشــى علــى خاطــرك لكنــت جعلــت المدينـــة خرابـــاً يصبـــح
فيها البوم والغراب وأنقل حجارتها إلى جبل قاف.
فقــــال العبــــد: تكذبيــــن يــــا عاهــــرة وأنــــا أحلــــف وحــــق فتــــوة الســــودان وإلا تكــــون مروءتنــــا مـــــروءة
البيضــان. إن بقيــت تقعــدي إلــى هــذا الوقــت مــن هــذا اليــوم لا أصاحبــك ولا أضـــع جســـدي علـــى
جسدك يا خائنة تغيبين علي من أجل شهوتك يا منتنة يا أخت البيضان.
قـال الملـك: فلمـا سمعـت كلامهـا وأنـا أنظــر بعينــي مــا جــرى بينهمــا صــارت الدنيــا فــي وجهــي ظلامــاً
===
ولـم أعـرف روحـي فـي أي موضـع وصـارت بنـت عمـي واقفـة تبكـي إليـه وتتدلـل بيـن يديـه وتقـول لـه:
يـا حبيبـي وثمـرة فـؤادي مـا أحـد غيـرك بقـي لـي فـإن طردتنـي يـا ويلـي يـا حبيبــي يــا نــور عينــي. ومــا
زالـت تبكــي وتضــرع لــه حتــى رضــي عليهــا ففرحــت قامــت وقلعــت ثيــاب ولباسهــا وقالــت لــه: يــا
سيــدي هــل عنــدك مــا تأكلــه جاريتــك فقـــال لهـــا اكشفـــي اللقـــان فـــإن تحتهـــا عظـــام فيـــران مطبوخـــة
فكليها ومرمشيها وقومي لهذه القوارة تجدين فيها بوظة فاشربيها.
فقامــت وأكلـــت وشربـــت وغسلـــت يديهـــا وجـــاءت فرقـــدت مـــع العبـــد علـــى قـــش القصـــب وتعـــرت
ودخلـت معــه تحــت الهدمــة والشرايــط فلمــا نظــرت هــذه الفعــال التــي فعلتهــا بنــت عمــي وهممــت أن
أقتل الإثنين فضربت العبد أولاً على رقبته فظننت أنه قضي عليه.
وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت عـــن الكلـــام المبـــاح فلمـــا أصبـــح الصبـــاح دخـــل الملــــك إلــــى محــــل
الحكـم واحتبـك الديــوان إلــى آخــر النهــار ثــم طلــع الملــك قصــره فقالــت لهــا أختهــا دنيــازاد: تممــي لنــا
حديثك قالت: حباً وكرامة.
في الليلة الثامنة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشــاب المسحــور قــال للملــك: لمــا ضربــت العبــد لأقطــع رأســه
===
قطعــت الحلقــوم والجلـــد واللحـــم فظننـــت أنـــي قتلتـــه فشخـــر شخيـــراً عاليـــاً فتحركـــت بنـــت عمـــي
وقامــت بعــد ذهابــي فأخــذت السيــف وردتــه إلــى موضعــه وأتــت المدينــة ودخلــت القصـــر ورقـــدت
في فراشـي إلـى الصبـاح ورأيـت بنـت عمـي فـي ذلـك اليـوم قـد قطعـت شعرهـا ولبسـت ثيـاب الحـزن
وقالـت: يـا ابـن عمـي لا تلمنـي فيمـا أفعلـه فإنـه بلغنـي أن والدتـي توفيــت وأن والــدي قتــل فــي الجهــاد
وأن أخــوي أحدهمــا مــات ملسوعــاً والآخــر رديمــاً فيحــق لــي أن أبكــي وأحــزن فلمــا سمعــت كلامهـــا
سكــت عنهــا وقلــت لهــا: افعلــي مــا بــدا لــك فإنــي لا أخالفــك فمكثــت فــي حـــزن وبكـــاء وعـــددي
سنـة كاملـة مـن الحـول إلـى الحــول وبعــد السنــة قالــت لــي أريــد أن أبنــي فــي قصــرك مدفنــاً مثــل القبــة
وأنفرد فيه بالأحزان أسميه بيت الأحزان.
فقلـت لهـاك افعلـي مـا بـدا لـك فبنـت لهـا بيتـاً للحـزن فـي وسطــه قبــة ومدفنــاً مثــل الضريــح ثــم نقلــت
العبـــد وأنزلتـــه فيـــه وهـــو ضعيـــف جـــداً لا ينفعهـــا بنافعـــة لكنـــه يشـــرب الشـــراب ومــــن اليــــوم الــــذي
جرحتـه فيـه مـا تكلـم إلا أنـه حـي لـأن أجلـه لـم يفـرغ فصـارت كـل يـوم تدخــل عليــه القبــة بكــرة وعشيــاً
وتبكــي عنــده وتعــدد عليــه وتسقيــه الشــراب والمساليــق ولــم تــزل علــى هــذه الحالــة صباحــاً ومســـاء
إلـى ثانـي سنـة وأنـا أطـول بالـي عليهـا إلـى أن دخلـت عليهـا يومـاً مـن الأيـام علـى غفلــة فوجدتهــا تبكــي
وتلطم وجهها وتقول هذه الأبيات:
===
خذوا كرماً جسمي إلى أني ترتموا وأين حللتـم فادفنونـي حداكـم
وإن تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم أنين عظامي عند صوت نداكم
فلمــا فرغــت مــن شعرهــا قلــت لهــا وسيفــي مسلــول فــي يــدي: هــذا كلــام الخائنـــات اللاتـــي يسكـــرن
المعشــره ولا يحفظــن الصحــة وأردت أن أضربهــا فرفعــت يــدي فـــي الهـــواء فقامـــت وقـــد علمـــت أنـــي
أنــا الــذي جــرح العبــد ثــم وقعــت علــى قدميهــا وتكلمــت بكلــام لا أفهمــه وقالــت جعــل اللــه بسحــري
نصفـك حجـراً ونصفــك الآخــر بشــراً فصــرت كمــا تــرى وبقيــت لا أقــوم ولا أقعــد ولا أنــا ميــت ولا أنــا
حي.
فلمـــا صـــرت هكــــذا سحــــرت المدينــــة ومــــا فيهــــا مــــن الأســــواق والغبطــــان وكانــــت مدينتنــــا أربعــــة
أصنـــاف مسلميـــن ونصـــارى ويهـــود ومجـــوس فسحرتهـــم سمكــــاً فالأبيــــض مسلمــــون والأحمــــر مجــــوس
والــأزرق نصــارى والأصفــر يهــود وسحــرت الجزائــر الأربعــة جبــال وأحاطتهــا بالبركــة ثــم إنهــا كـــل يـــوم
تعذبنـي وتضربنـي بسـوط مـن الجلـد مائـة ضربـة حتـى يسيـل الـدم ثـم تلبسنـي مـن تحــت هــذه الثيــاب
ثوباً من الشعر على نصفي الفوقاني ثم أن الشاب بكى وأنشد:
صبـراً لحكمـك يــا إلــه القضــا أنا صابر إن كان فيه لك الرضا
قد ضقت بالأسر الذي قد نابني فوسبانــي آل النبــي المرتضـــى
===
فعنـد ذلـك التفـت الملـك إلـى الشـاب وقـال لـه: أيهـا الشـاب زدتنـي همــاً علــى همــي ثــم قــال لــه: وأيــن
تلـك المـرأة قـال فـي المدفـن الـذي فيـه العبـد راقـد فـي القبـة وهـي تجــيء لــه كــل يــوم مــرة وعنــد مجيئهــا
تجـيء إلـى وتجردنـي مـن ثيابـي وتضربنـي بالسـوط مئـة ضربـة وأنـا أبكـي وأصيـح ولـم يكـن فــي حركــة
حتى أدفعها عـن نفسـي ثـم بعـد أن تعاقبنـي تذهـب إلـى العبـد بالشـراب والمسلوقـة بكـرة النهـار. قـال
الملـك: واللـه يـا فتـى لأفعلـن معـك معروفـاً أذكـر بـه وجميـلاً يؤرخونـه سيــراً مــن بعــدي ثــم جلــس الملــك
يتحــدث معــه إلــى أن أقبــل الليــل ثــم قــام الملــك وصبــر إلــى أن جــاء وقــت السحــر فتجــرد مـــن ثيابـــه
وتقلـد سيفـه ونهـض إلـى المحـل الـذي فيـه العبـد فنظـر إلـى الشمـع والقناديـل ورأى البخــور والأدهــان ثــم
قصـد العبـد وضربـه فقتلـه ثـم حملـه علـى ظهـره ورمـاه فـي بئـر كانـت فـي القصـر ثــم نــزل ولبــس ثيــاب
العبـد وهـو داخـل القبــة والسيــف معــه مسلــول فــي طولــه فبعــد ساعــة أتــت العاهــرة الساحــرة وعنــد
دخولهـا جـردت ابـن عمهـا مـن ثيابــه وأخــذت سوطــاً وضربتــه فقــال آه يكفينــي مــا أنــا فيــه فارحمينــي
فقالـت: هــل كنــت أنــت رحمتنــي وأبقيــت لــي معشــوق ثــم ألبستــه اللبــاس الشعــر والقمــاش مــن فوقــه
ثــم نزلــت إلــى العبــد ومعهــا قــدح الشـــراب وطاســـة المسلوقـــة ودخلـــت عليـــه القبـــة وبكـــت وولولـــت
وقالت: يا سيدي كلمني يا سيدي حدثني وأنشدت تقول:
فإلى متى هذا التجنب والجفا إن الذي فعل الغرام لقـد كفـى
===
ثـــم إنهـــا بكـــت وقالـــت: يـــا سيـــدي كلمنـــي وحدثنـــي فخفـــض صوتـــه وعـــوج لسانـــه وتكلــــم بكلــــام
السـودان وقـال: آه لا حـول ولا قـوة إلا باللـه فلمـا سمعــت كلامــه صرخــت مــن الفــرح وغشــي عليهــا ثــم
إنهـــا استفاقـــت وقالـــت لعـــل سيـــدي صحيـــح فخفــــض صوتــــه بضعــــف وقــــال: يــــا عاهــــرة أنــــت لا
تستحقـــي أن أكلمـــك قالـــت مـــا سبـــب ذلـــك قـــال سببـــه أنـــك طـــول النهـــار تعاقبيـــن زوجــــك وهــــو
يصــرخ ويستغيــث حتــى أحرمتينــي النــوم مــن العشــاء إلــى الصبــاح ولــم يـــزل زوجـــك يتضـــرع ويدعـــو
عليـك حتــى أقلقنــي صوتــه ولــولا هــذا لكنــت تعافيــت فهــذا الــذي منعنــي عــن جوابــك فقالــت عــن
إذنك أخلصه مما هو فيه فقال لها: خلصيه وأريحينا فقالت: سمعاً وطاعة.
ثــم قامــت وخرجــت مــن القبــة إلـــى القصـــر وأخـــذت طاســـة ملأتهـــا مـــاء ثـــم تكلمـــت عليهـــا فصـــار
المــاء يغلــي بالقــدر ثــم رشتــه منهــا وقالــت: بحــق مــا تلوتــه أن تخــرج مــن هــذه الصــورة إلــى صورتـــك
الأولـى: فانتفـض الشـاب وقـام علـى قدميــه وفــرح بخلاصــه وقــال: أشهــد أن لا إلــه إلا اللــه وأن محمــداً
رسـول اللـه صـاى اللـه عليـه وسلـم ثـم قالـت لـه: اخـرج ولا ترجـع إلـى هنـا وإلا قتلتــك وصرخــت فــي
وجهه.
فخـرج مـن بيـن يديهـا وعـادت إلـى القبـة ونزلــت وقالــت: يــا سيــدي اخــرج إلــي حتــى أنظــرك فقــال لهــا
بكلـام ضعيـف أي شـيء فعلتيـه أرحتينـي مـن الفـرع ولــم تريحينــي مــن الأصــل فقالــت يــا حبيبــي ومــا
===
هــو الأصــل قــال: أهــل هــذه المدينــة والأربــع جزائــر كـــل ليلـــة إذا انتصـــف الليـــل يرفـــع السمـــك رأســـه
ويدعـــو علــــي وعليــــك فهــــو سبــــب منــــع العافيــــة عــــن جسمــــي فخلصيهــــم وتعالــــي خــــذي بيــــدي
وأقيمينــي فقــد توجهــت إلـــى العافيـــة فلمـــا سمعـــت كلـــام الملـــك وهـــي تظنـــه العبـــد قالـــت لـــه وهـــي
فرحـة يـا سيـدي علـى رأسـي وعينـي بسـم اللـه ثــم نهضــت وقامــت وهــي مســرورة تجــري وخرجــت
إلى البركة وأخذت من مائها قليلاً وأدرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة التاسعة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الصبيــة الساحـــرة لمـــا أخـــذت شيئـــاً مـــن هـــذه البركـــة وتكلمـــت
عليــه بكلــام لا يفهــم تحــرك السمــك ورفــع رأســه وصــار آدمييــن فــي الحــال وانفـــك السحـــر عـــن أهـــل
المدينـة وأصبحـت عامـرة والأســواق منصوبــة وصــار كــل واحــد فــي صناعتــه وانقلبــت الجبــال جزائــر
كمــا كانــت ثــم أن الصبيــة الساحــرة رجعــت إلــى الملــك فــي الحـــال وهـــي تظـــن أنـــه العبـــد وقالـــت يـــا
حبيبي ناولني يدك الكريمة أقبلها.
فقـال الملـك بكلـام خفـي: تقربـي منـي فدنـت منـه وقـد أخـذ صارمــه وطعنهــا بــه فــي صدرهــا حتــى
خـرج مـن ظهرهـا ثـم ضربهـا فشقهـا نصفيـن وخــرج فوجــد الشــاب المسحــور واقفــاً فــي انتظــاره فهنــأه
===
بالسلامــة وقبــل الشــاب يـــده وشكـــره فقـــال لـــه الملـــك: تقعـــد مدينتـــك أن تجـــيء معـــي إلـــى مدينتـــي
فقـال الشـاب: يـا ملـك الزمـان أتــدري مــا ينــك وبيــن مدينتــك فقــال يومــان ونصــف فعنــد ذلــك قــال لــه
الشـاب: إن كنـت نائمـاً فاستيقـظ إن بينـك وبيـن مدينتـك سنـة للمجـد ومــا أتيــت فــي يوميــن ونصــف
إلا لأن المدينة كانت مسحورة وأنا أيها الملك لا أفارقك لحظة عين.
ففــرح الملــك بقولــه ثــم قــال الحمــد للــه الــذي مــن علــي بــك فأنــت ولــدي لأنــي طــول عمـــري لـــم أرزق
ولــداً. ثــم تعانقــا وفرحــا فرحــاً شديــداً ثــم مشيــا حتــى وصــلا إلــى القصــر وأخبــر الملــك الــذي كــان
مسحـوراً أربـاب دولتــه أنــه مسافــر إلــى الحــج الشريــف فهيئــوا لــه جميــع مــا يحتــاج إليــه ثــم توجــه هــو
والسلطـان وقلـب السلطـان ملتهــب علــى مدينتــه حيــث غــاب عنهــا سنــة. ثــم سافــر ومعــه خمســون
مملوكاً ومعه الهدايا ولم يزالا مسافرين ليلاً ونهاراً سنة كاملة حتى أقبلا على مدينة السلطان.
فخـرج الوزيـر والعساكـر بعدمـا قطعــوا الرجــاء منــه وأقبلــت العساكــر وقبلــت الــأرض بيــن يديــه وهنــؤه
بالسلامـة فدخــل وجلــس علــى الكرســي ثــم أقبــل علــى الوزيــر وأعلمــه بكــل مــا جــرى علــى الشــاب
فلما سمع الوزير ما جرى على الشاب هنأه بالسلامة.
ولمـــا استقـــر الحـــال أنعـــم السلطـــان علـــى أنـــاس كثيـــرون ثـــم قــــال للوزيــــر علــــي بالصيــــاد الــــذي أتــــى
بالسمـك فأرسـل إلـى ذلـك الصيـاد الـذي كـان سببـاً لخلـاص أهــل المدينــة فأحضــره وخلــع عليــه وسألــه
===
عـــن حالـــه وهـــل لـــه أولـــاد فأخبـــره أن لـــه ابنـــاً وبنتيـــن فتـــزوج الملـــك بإحـــدى بنتيـــه وتـــزوج الشــــاب
بالأخــرى. وأخــذ الملــك الإبــن عنــده وجعلــه خازنــدارا ثـــم أرســـل الوزيـــر إلـــى مدينـــة الشـــاب التـــي
هـي الجزائـر السـود وقلـده سلطنتهــا وأرســل معــه الخمسيــن مملوكــا الذيــن جــاؤوا معــه وكثيــرا مــن الخلــع
لسائـر الأمـراء. فقبـل الوزيــر يديــه وخــرج مسافــرا واستقــر السلطــان والشــاب. وأمــا الصيــاد فإنــه قــد
صــار أغنــى أهــل زمانــه وبناتــه زوجــات الملــوك إلــى أن أتاهــم الممــات ومــا هـــذا بأعجـــب ممـــا جـــرى
للحمال.
===
حكاية الحمال مع البنات
فإنـه كــان إنســان مــن مدينــة بغــداد وكــان حمــالاً. فبينمــا هــو فــي الســوق يومــاً منــا لأيــام متكئــاً علــى
قفصـــه إذ وقفـــت عليـــه امـــرأة ملتفـــة بـــإزار موصلـــي مــــن حريــــر مزركــــش بالذهــــب وحاشيتــــاه مــــن
قصـب فرفعـت قناعهـا فبـان مـن تحتـه عيـون سوجـاء بأهــداب وأجفــان وهــي ناعمــة الأطــراف كاملــة
الأوصــاف وبعــد ذلــك قالــت بحلــاوة لفظهــا: هــات قفصــك واتبعنــي. فحمـــل الحمـــال القفـــص وتبعهـــا
إلـى أن وقفــت علــى بــاب دار فطرقــت البــاب فنــزل لــه رجــل نصرانــي فأعطتــه دينــاراً وأخــذت منــه
مقــداراً مــن الزيتــون وضعتــه فــي القفــص وقالــت لــه: احملــه واتبعنـــي فقـــال الحمـــال: هـــذا واللـــه نهـــار
مبارك.
ثـم حمـل القفــص وتبعهــا فوقفــت عنــد دكــان فاكهانــي واشتــرت منــه تفاحــاً شاميــاً وسفرجــلاً عثمانيــاً
وخوخــاً عمانيــاً وياسمينــاً حلبيــاً وبنــو فــراده شقيــاً وخيــاراً نيليــاً وليمونـــاً مصريـــاً وتمـــر حنـــا وشقائـــق
النعمـان وبنفسجـاً ووضعـت الجميـع فـي قفــص الحمــال وقالــت لــه: احمــل فحمــل وتبعهــا حتــى وقفــت
علـى جــزار وقالــت لــه: اقطــع عشــرة أرطــال لحمــة فقطــع لهــا ولفــت اللحــم فــي ورق مــوز ووضعتــه
فـي القفـص وقالـت لـه: احمـل يـا حمـال فحمـل وتبعهـا ثــم وقفــت علــى النقلــي وأخــذت مــن سائــر النقــل
===
وقالــت للحمــال: احمــل واتبعنــي فحمــل القفــص وتبعهــا إلــى أن وقفــت علــى دكــان الحلوانــي واشتــرت
طبقــاً وملأتــه جميـــع مـــا عنـــده مـــن مشبـــك وقطايـــف وميمونـــة وأمشـــاط وأصابـــع ولقيمـــات القاضـــي
ووضعـت جميـع أنـواع الحلـاوة فـي الطبـق ووضعتـه فـي القفـص. فقـال الحمـال: لـو أعلمتنـي لجئـت معــي
ببغل تحمل عليه هذه الأشياء فتبسمت.
ثـم وقفـت علـى العطــار واشتــرت منــه عشــرة ميــاه مــاء ورد ومــاء زهــر وخلافــه وأخــذت قــدراً مــن
السكــــر وأخــــذت مــــاء ورد ممســــك وحصــــى لبـــــان ذكـــــر وعـــــودا عنبـــــر ومسكـــــاً وأخـــــذت شمعـــــاً
اسكندرانيــاً ووضعــت الجميــع فــي القفــص وقالــت للحمـــال: احمـــل قفصـــك واتبعنـــي فحمـــل القفـــص
وتبعهـا إلــى أن أتــت داراً مليحــة وقدامهــا رحبــة فسيحــة وهــي عاليــة البنيــان مشيــدة الأركــان بابهــا
صنــع مــن الأبنــوس مصفــح بصفائــح الذهــب الأحمــر فوقفــت الصبيــة علــى البـــاب ودقـــت دقـــاً لطيفـــاً
وإذا بالباب انفتح بشقتيه.
فنظـر الحمـال إلـى مـن فتـح لهــا البــاب فوجدهــا صبيــة رشيقــة القــد قاعــدة النهــد ذات حســن وجمــال
وقــد واعتــدال وجبيــن كثغــرة الهلــال وعيــون كعيــون الغزلــان وحواجــب كهلـــال رمضـــان وخـــدود مثـــل
شقائـق النعمـان وفـم كخاتـم سليمـان ووجـه كالبـدر فـي الإشـراق ونهديـن كرمانتيـن وبطـن مطـوي تحــت
الثياب كطي السجل للكتاب.
===
فلمـا نظــر الحمــال إليهــا سلبــت عقلــه وكــاد القفــص أن يقــع مــن فــوق رأســه ثــم قــال: مــا رأيــت عمــري
أبــرك مــن هــذا النهــار فقالــت الصبيــة البوابــة للدلالــة والحمــال مرحبــا وهــي مــن داخـــل البـــاب ومشـــوا
حتــى انتهــوا إلــى قاعــة فسيحــة مزركشــة مليحــة ذات تراكيــب وشــاذر وأثــاث ومصاطــب وسدلــات
وخزائـــن عليهـــا الستـــور مرخيــــات وفــــي وســــط القاعــــة سريــــر مــــن المرمــــر مرصــــع بالــــدر والجوهــــر
منصـوب عليـه ناموسيـة منـا لأطلـس الأحمـر ومـن داخلـه صبيـة بعيـون بابليـة وقامـة ألفيـة ووجــه يخجــل
الشمس المضيئة فكأنها بعض الكواكب الدرية أو عقيلة عربية كما قال فيها الشاعر:
من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد أضحى القياس به زوراً وبهتانا
الغصن أحسن ما تلقاه مكتسباً وأنت أحسـن مـا تلقـاه عريانـا
فنهضــت الصبيــة الثالثــة مــن فــوق السريــر وخطــرت قليــلاً إلـــى أن صـــارت فـــي وســـط القاعـــة عنـــد
أختيهـــا وقالـــت: مـــا وقوفهـــم حطـــوا عـــن رأس هـــذا الحمـــال المسكيـــن فجـــاءت الدلالــــة مــــن قدامــــه
والبوابـــة مـــن خلفـــه وساعدتهمـــا الثالثـــة وحططـــن عـــن الحمـــال وأفرغـــن مـــا فـــي القفـــص وصفـــوا كـــل
شـيء فـي محلـه وأعطيـن الحمـال ديناريـن وقلـن لـه: توجـه يـا حمـال فنظــر إلــى البنــات ومــا هــن فيــه مــن
الحسن والطبائع الحسان فلم ير أحسن منهن ولكن ليس عندهن رجال.
ونظـر مـا عندهـن مــن الشــراب والفواكــه والمشمومــات وغيــر ذلــك فتعجــب غايــة العجــب ووقــف عــن
===
الخـــروج فقالـــت لـــه الصبيـــة: مـــا بالـــك لا تــــروح هــــل أنــــت استقللــــت الأجــــرة والتفتــــت إلــــى أختهــــا
وقالــت لهــا: أعطيــه دينــاراً آخــر فقــال الحمــال: واللــه يــا سيداتـــي إن أجرتـــي نصفـــان ومـــا استقللـــت
الأجـرة وإنمـا اشتغــل قلبــي وســري بكــن وكيــف حالكــن وأنتــن وحدكــن ومــا عندكــن رجــال ولا أحــد
يؤانسكــن وأنتــن تعرفــن أن المنــارة لا تثبــت إلا علــى أربعــة وليــس لكــن رابــع ومــا يكمــل حــظ النســاء
إلا بالرجال كما قال الشاعر:
انظر إلى أربع عندي قد اجتمعت جنـك وعـود وقانـون ومزمــار
أنتـن ثلاثـة فتفتقــرن إلــى رابــع يكــون رجــلاً عاقــلاً لبيبــاً حاذقــاً وللأســرار كاتمــاً فقلــن لــه: نحــن بنــات
ونخاف أن نودع السر عند من لا يحفظه وقد قرأنا في الأخبار شعراً:
صن عن سواك السر لا تودعنه مــن أودع الســر فقـــد ضيعـــه
فلمــا سمــع الحمــال كلامهــن قــال: وحياتكــن أنــي رجــل عاقــل أميـــن قـــرأت الكتـــب وطالعـــت التواريـــخ
أظهر الجميل وأخفي القبيح وأعمل بقول الشاعر:
لا يكتـم السـر إلا كـل ذي ثقــة والسر عند خيار الناس مكتوم
السر عندي في بيـت لـه غلـق ضاعت الفاتحة والباب مختـوم
فلمــا سمعــت البنــات الشعــر والنظــام ومــا أبــداه مــن الكلــام قلــن لــه: أنــت تعلــم أننــا غرمنــا علــى هـــذا
===
المقـام جملـة مــن المــال فهــل معــك شــيء تجازينــا بــه فنحــن لا ندعــك تجلــس عندنــا حتــى تغــرم مبلغنــا
مــن المــال لــأن خاطــرك أن تجلــس عندنــا وتصيــر نديمنــا وتطلــع علــى وجوهنــا الصبــاح الملــاح. فقالــت
صاحبــة الــدار: وإذا كانـــت بغيـــر المـــال محبـــة فـــلا تســـاوي وزن حبـــة وقالـــت البوابـــة إن يكـــن معـــك
شـيء رح بـلا شـيء فقالـت الدلالـة يـا أختـي نكـف عنـه فواللـه مـا قصـر اليـوم معنـا ولــو كــان غيــره مــا
طول روحه علينا ومهما جاء عليه أغرمه عنه.
ففــرح الحمــال وقــال واللـــه مـــا استفتحـــت بالدراهـــم إلا منكـــن فقلـــن لـــه اجلـــس علـــى الـــرأس والعيـــن
وقامـــت الدلالـــة وشـــدت وسطهـــا وصبـــت القنانـــي وروقـــت المـــدام وعملـــت الخضـــرة علــــى جانــــب
البحــر وأحضــرت مــا يحتاجــون إليــه ثــم قدمــت وجلســت هـــي وأختهـــا وجلـــس الحمـــال بينهـــن وهـــو
يظن أنه في المنـام. ولـم يـزل الحمـال معهـن فـي عنـاق وتقبيـل وهـذه تكلمـه وهـذه تجذبـه وهـذه بالمشمـوم
تضربه وهو معهن حتى لعبت الخمرة بعقولهم.
فلمــا تحكــم الشــراب معهــم قامــت البوابــة وتجــردت مــن ثيابهــا وصــارت عريانــة ثــم رمــت نفسهـــا فـــي
تلـك البحيـرة ولعبـت فـي المـاء وأخـذت المـاء فـي فمهـا وبخــت الحمــال ثــم غسلــت أعضاءهــا ومــا بيــن
فخذيهــا ثــم طلعــت مــن المــاء ورمــت نفسهــا فــي حجــر الحمــال وقالــت لــه يــا حبيبــي مــا اســـم هـــذا
وأشارت إلى فرجها.
===
فقــال الحمــال رحمــك فقالــت يــوه أمـــا تستحـــي ومسكتـــه مـــن رقبتـــه وصـــارت تصكـــه فقـــال فرجـــك
فقالــت غيــره فقــال: كســك فقالــت غيــره فقــال زنبــورك فلــم تــزل تصكــه حتــى ذاب قفــاه ورقبتــه مــن
الصــك ثــم قــال لهــا ومــا اسمــه فقالــت لـــه: حبـــق الجســـور فقـــال الحمـــد للـــه علـــى السلامـــة يـــا حبـــق
الجسور. ثم أنهم أداروا الكأس والطاس.
فقامـت الثانيـة وخلعـت ثيابهـا ورمـت نفسهــا فــي تلــك البحيــرة وعملــت مثــل الأولــى وطلعــت ورمــت
نفسهــا فــي حجــر الحمــال وأشــارت إلــى فرجهــا وقالـــت لـــه نـــور عينـــي مـــا اســـم هـــذا قـــال فرجـــك
فقالـت لـه: مـا يقبـح عليـك هـذا الكلـام وصكتــه كفاطــن لــه سائــر مــا فــي القاعــة فقــال حبــك الجســور
فقالت له: لا والضرب والصك من قفاه فقال لها وما اسمه فقالت له السمسم المقشور.
ثـم قامـت الثالثـة وخلعـت ثيابهـا ونزلـت تلـك البحيــرة وفعلــت مثــل مــن قبلهــا ثــم لبســت ثيابهــا وألقــت
نفسهـا فــي حجــر الحمــال وقالــت لــه أيضــاً مــا اســم هــذا وأشــارت إلــى فرجهــا فصــار يقــول لهــا كــذا
وكذا إلى أن قال لها وهي تضربه وما اسمه فقالت خان أبي منصور.
ثـم بعـد ساعـة قـام الحمـال ونـزع ثيابـه ونـزل البحيـرة وذكـره يسبـح فـي المـاء وغسـل مثـل مـا غسلـن. ثـم
طلـع ورمــى نفســه فــي حجــر سيدتهــن ورمــى ذراعيــه فــي حجــر البوابــة ورمــى رجليــه فــي حجــر
الدلالـة ثـم أشـار إلـى أيــره وقــال: يــا سيدتــي مــا اســم هــذا فضحــك الكــل علــى كلامــه حتــى انقلبــن
===
علــى ظهورهــن وقلــن زبــك قـــال لا وأخـــذ مـــن كـــل واحـــدة عضـــة قلـــن أيـــرك قـــال لا وأخـــذ مـــن كـــل
واحدة حضناً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة العاشرة
قالت لها أختها دنيازاد: يا أختي أتمي لنا حديثك قالت حباً وكرامة:
قــد بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنهــن لــم يزلــن يقلــن زبــك أيــرك وهــو يقبــل ويعانــق وهــن يتضاحكــن إلـــى
أن قلـن لـه ومـا اسمـه قـال: اسمــه البغــل الجســور الــذي رعــى حبــق الجســور ويلعــق السمســم المقشــور
ويبيـت فـي خـان أبـي منصـور فضحكـن حتـى استلقيـن علـى ظهورهـن ثـم عــادوا إلــى منادمتهــم ولــم
يزالوا كذلك إلى أن أقبل الليل عليهم فقلن للحمال توجه وأرنا عرض أكتافك.
فقــال الحمــال واللــه خــروج الــروح أهــون مــن الخــروج مــن عندكــن دعونـــا نصـــل الليـــل بالنهـــار وكـــل منـــا
يــروح فــي حــال سبيلــه فقالــت الدلالــة بحياتــي عندكــن تدعنــه ينــام عندنــا نضحــك عليــه فإنـــه خليـــع
ظريــف فقلــن لــه: تبيــت عندنــا بشــرط أن تدخــل تحــت الحكــم ومهمــا رأيتـــه لا تســـأل عنـــه ولا عـــن
سببـه فقالـت نعـم فقلــن قــم واقــرأ مــا علــى البــاب مكتوبــاً فقــام إلــى البــاب فوجــد مكتوبــاً عليــه بمــاء
الذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.
===
فقـال الحمـال اشهـدوا أنـي لا أتكلـم فيمـا لا يعنينــي ثــم قامــت الدلالــة وجهــزت لهــم مأكــولاً ثــم أوقــدوا
الشمـع والعـود وقعـدوا فـي أكـل وشـرب وإذا هـم سمعــوا دق البــاب فلــم يختــل نظامهــم فقامــت واحــدة
منهـن إلـى البـاب ثــم عــادت وقالــت كمــل صفاؤنــا فــي هــذه الليلــة لأنــي وجــدت بالبــاب ثلاثــة أعجــام
ذقونهـم محلوقــة وهــم عــور بالعيــن الشمــال وهــذا مــن أعجــب الاتفــاق وهــم نــاس غربــاء قــد حضــروا
مــن أرض الــروم ولكــل واحــد منهــم شكــل وصــورة مضحكــة فــإن دخلــوا نضحــك عليهــم. ولــم تــزل
تتلطـف بصاحبتيهـا حتـى قالتـا لهـا دعيهـم يدخلـون واشترطـي عليهـم أن لا يتكلمـوا فــي مــا لا يعنيهــم
فيسمعــــوا مــــا لا يرضيهــــم. ففرحــــت وزاحــــت ثــــم عــــادت ومعهــــا الثلاثــــة العـــــور ذقونهـــــم محلوقـــــة
وشواربهـم مبرومـة ممشوقـة وهـم صعاليــك فسلمــوا فقــام لهــم البنــات وأقعدوهــم فنظــر الرجــال الثلاثــة
إلى الحمال فوجدوه سكران فلما عاينوه ظنوا أنه منهم وقالوا: هو صعلوك مثلنا يؤانسنا.
فلمــا سمــع الحمــال هــذا الكلــام قــام وقلــب عينيــه وقــال لهــم: اقعــدوا بــلا فضــول أمــا قرأتــم مــا علـــى
البـــاب فضحـــك البنـــات وقلـــن لبعضهـــن إننـــا نضحـــك علـــى الصعاليــــك والحمــــال ثــــم وضعــــن الأكــــل
للصعاليك فأكلوا ثم جلسوا يتنادمون والبوابة تسقيهم.
ولمــا دار الكــأس بينهــم قــال الحمـــال للصعاليـــك يـــا إخواننـــا هـــل معكـــم حكايـــة أو نـــادرة تسلوننـــا بهـــا
فديــت فيهـــم الحـــرارة وطلبـــوا آلـــات اللهـــو فأحضـــرت لهـــم البوابـــة فلموصليـــا وعـــوداً عراقيـــاً وجنكـــاً
===
عجميـاً فقـام الصعاليــك واقفيــن وأخــذ واحــد منهــم الــدف وأخــذ واحــد العــود وأخــذ واحــد الجنــك
وضربـوا بهــا وغنــت البنــات وصــار لهــم صــوت عــال. فبينمــا هــم كذلــك وإذا بطــارق يطــرق البــاب
فقامـت البوابـة لتنظـر مـن بالبـاب وكـان السبـب فـي دق البـاب أن فـي تلــك الليلــة نــزل هــارون الرشيــد
لينظــر ويسمــع مــا يتجــدد مــن الأخبــار هــو وجعفــر وزيــره وسيــاف نقمتــه وكــان مــن عادتــه أن يتنكــر
فـي صفـة التجـار فلمـا نـزل تلــك الليلــة ومشــى فــي المدينــة جــاءت طريقهــم علــى تلــك الــدار فسمعــوا
آلـات الملاهـي فقــال الخليفــة جعفــر هــؤلاء قــوم قــد دخــل السكــر فيهــم ونخشــى أن يصيبنــا منهــم شــر
فقال لا بد من دخولنا وأريد أن نتحيل حتى ندخل عليهم فقال جعفر: سمعاً وطاعة.
ثــم تقــدم جعفــر وطــرق البــاب فخرجــت البوابــة وفتحــت البـــاب فقـــال لهـــا: يـــا سيدتـــي نحـــن تجـــار
مـن طبريـة ولنـا فـي بغـداد عشـرة أيـام ومعنـا تجـارة ونحــن نازلــون فــي خــان التجــار وعــزم علينــا تاجــر
فـــي هـــذه الليلـــة فدخلنـــا عنـــده وقــــدم لنــــا طعامــــاً فأكلنــــا ثــــم تنادمنــــا عنــــده ساعــــة ثــــم أذن لنــــا
بالانصــراف فخرجنــا بالليــل ونحــن غربــاء فتهنــا عــن الخــان الــذي نحــن فيــه فنرجــو مــن مكارمكـــم أن
تدخلونـــا هـــذه الليلـــة نبيـــت عندكـــم ولكـــم الثـــواب فنظـــرت البوابـــة إليهـــم فوجدتهــــم بهيئــــة التجــــار
وعليهم الوقار فدخلت لصاحبتيها وشاورتهما فقالتا لها أدخليهم.
فرجعــت وفتحــت لهــم البــاب فقالــوا ندخــل بإذنــك قالـــت ادخلـــوا فدخـــل الخليفـــة وجعفـــر ومســـرور
===
فلمـا أتتهــم البنــات قمــن لهــم وخدمنهــم وقلــن مرحبــاً وأهــلاً وسهــلاً بضيوفنــا ولنــا عليكــم شــرط أن
لا تتكلمـــوا فيمـــا لا يعنيكـــم فتسمعــــوا مــــا لا يرضيكــــم قالــــوا نعــــم. وبعــــد ذلــــك جلســــوا للشــــراب
والمنادمـة فنظـر الخليفـة إلـى الصعاليـك الثلاثـة فوجدهـم عـور العيـن الشمــال فتعجــب منهــم ونظــر إلــى
البنـات ومـا هـم فيـه مـن الحسـن والجمـال فتحيـر وتعجـب واستمـر فـي المنادمـة والحديـث وأتيـن الخليفـة
بشراب فقال أنا حاج وانعزل عنهم.
فقامــت البوابــة وقدمــت لــه سفــرة مزركشــة ووضعــت عليهــا بمطيــة مــن الصينــي وسكبــت فيهــا مــاء
الخلــاف وأرخــت فيــه قطعــة مــن الثلــج ومزجتــه بسكــر فشكرهــا الخليفــة وقــال فـــي نفســـه لا بـــد أن
أجازيهــا فــي غــد علــى فعلهــا مــن صنيــع الخيــر ثـــم اشتغلـــوا بمنادمتهـــم فلمـــا تحكـــم الشـــراب قامـــت
صاحبـة البيـت وخدمتهـم ثـم أخـذت بيـد الدلالـة وقالـت: يــا أختــي قومــي بمقتضــى ديننــا فقالــت لهــا
نعــم فعنــد ذلــك قامــت البوابــة وأطلعـــت الصعاليـــك خلـــف الأبـــواب قدامهـــن وذلـــك بعـــد أن أخلـــت
وسط القاعة ونادين الحمال وقلن له: ما أقل مودتك ما أنت غريب بل أنت من أهل الدار.
فقــام الحمــال وشــد أوسطــه وقــال: مـــا تـــردن فلـــن تقـــف مكانـــك ثـــم قامـــت الدلالـــة وقالـــت للحمـــال
ساعدنـي فـرأى كلبتيـن مـن الكلــاب الســود فــي رقبتيهمــا جنازيــر فأخذهمــا الحمــال ودخــل بهمــا إلــى
وســط القاعــة فقامــت صاحبــة المنــزل وشمــرت عــن معصميهــا وأخـــذت سوطـــاً وقالـــت للحمـــال قـــوم
===
كلبــة منهمــا فجرهــا فــي الجنزيــر وقدمهــا والكلبـــة تبكـــي وتحـــرك رأسهـــا إلـــى الصبيـــة فنزلـــت عليهـــا
الصبيــة بالضــرب علــى رأسهــا والكلبـــة تصـــرخ ومـــا زالـــت تضربهـــا حتـــى كلـــت سواعدهـــا فرمـــت
الســوط مــن يدهـــا ثـــم ضمـــت الكلبـــة إلـــى صدرهـــا ومسحـــت دموعهـــا وقبلـــت رأسهـــا ثـــم قالـــت
للحمال ردها وهات التالية فجاء بها وفعلت بها مثل ما فعلت بالأولى.
فعنــــد ذلــــك اشتعــــل قلــــب الخليفــــة وضــــاق صــــدره وغمــــز جعفــــر أن يسألهــــا فقــــال لــــه بالإشـــــارة
اسكـت ثـم التفتــت صاحبــة البيــت للبوابــة وقالــت لهــا: قومــي لقضــاء مــا عليــك قالــت نعــم. ثــم إن
صاحبــة البيــت صعـــدت علـــى سريـــر مـــن المرمـــر مصفـــح بالذهـــب والفضـــة وقالـــت البوابـــة والدلالـــة
ائتيــا بمــا عندكمــا فأمــا البوابــة فإنهــا صعــدت علــى سريــر بجانبهـــا وأمـــا الدلالـــة فإنهـــا دخلـــت مخدعـــاً
وأخرجــت منــه كيســاً مــن الأطلــس بأهــداب خضــر ووقفــت قــدام الصبيـــة صاحبـــة المنـــزل ونفضـــت
الكيس وأخرجت منه عوداً وأصلحت أوتاره وأنشدت هذه الأبيات:
ردوا على جفني النوم الذي سلبا وخبرونـــي بعقلـــي آيـــة ذهبـــا
علمت لما رضيت الحب منزلة إن المنام على جفني قد غصبا
قالوا عهدناك من أهل الرشاد فما أغواك قلت اطلبوا من لحظة السببا
إني له عن دمي المسفوك معتذر أقـول حملتـه فـي سفكــه تعبــا
===
من صاغه الله من ماء الحياة وقد أجـرى بقيتــه فــي ثغــره شنبــا
ماذا ترى في محب ما ذكرت له إلا شكى أو بكى أو حن أو أطربا
يرى خيالك في الماء الذلال إذا رام الشراب فيروى وهو ما شربا
وأنشدت أيضاً:
سكرت من لحظه لا من مدامته ومـال بالنـوم عـن عينــي تمايلــه
فما السلاف سلتني بل سوالفه وما الشمل شلتنـي بـل شمائلـه
فلمـــا سمعـــت الصبيـــة ذلـــك قالـــت طيبـــك اللــــه ثــــم شقــــت ثيابهــــا ووقعــــت علــــى الــــأرض مغشيــــاً
عليهــا فلمــا نكشــف جسدهـــا رأى الخليفـــة أثـــر ضـــرب المقـــارع والسيـــاط فتعجـــب مـــن ذلـــك غايـــة
العجــب فقامــت البوابــة ورشــت المـــاء علـــى وجههـــا وأتـــت إليهـــا بحلـــة وألبستهـــا إياهـــا فقـــال الخليفـــة
لجعفـر أمـا تنظـر إلـى هـذه المــرأة ومــا عليهــا مــن أثــر الضــرب فأنــا لا أقــدر أن أسكــت علــى هــذا ومــا
أستريـح إلا إن وقفـت علــى حقيقــة خبــر هــذه الصبيــة وحقيقــة خبــر هاتيــن الكلبتيــن فقــال جعفــر: يــا
مولانــا قــد شرطــوا علينــا شرطــاً وهــو أن لا نتكلــم فيمــا لا يعنينــا فنسمــع مـــا لا يرضينـــا ثـــم قامـــت
الدلالة فأخذت العود وأسندته إلى نهدها وغمزته بأناملها وأنشدت تقول:
إن شكونـا الهـوى فمـاذا تقـول أو تلفنـا شوقـاً فمــاذا السبيــل
===
أو صبرنــا فمــا لنــا مــن بقـــاء بعــد فقــد الأحبــاب إلا قليـــل
ليـــس إلا تأسفــــاً ثــــم حزنــــاً ودموعـاً علــى الخــدود تسيــل
أيهـا الغائبـون عــن لمــح عينــي وعـم فــي الفــؤاد منــي حلــول
هل حفظتم لدى الهوى عهد صب ليـس عنـه مـدى الزمـان يحـول
أم نسيتـم علـى التباعـد صبــا شفـه فبكـم الضنــى والنحــول
وإذا الحشـــــر ضمنـــــا أتمنــــــى مـن لــدن وبنــا حسابــاً يطــول
فلمــا سمعــت المــرأة الثانيــة. شعــر الدلالــة شقــت ثيابهــا. كمــا فعلـــت الأولـــى. وصرخـــت ثـــم ألقـــت
نفسهــا علــى الــأرض مغشيــاً عليهــا فقامــت الدلالـــة وألبستهـــا حلـــة ثانيـــة بعـــد أن رشـــت المـــاء علـــى
وجهها ثم قامت المـرأة الثالثـة وجلسـت علـى سريـر وقالـت للدلالـة غنـي لـي لا فـي دينـي فمـا بقـي غيـر
هذا الصوت فأصلحت الدلالة العود وأنشدت هذه الأبيات:
فإلى متى هذا الصدود وذا الجفا فلقد جوى من أدمعي ما قد كفى
كم قد أطلت الهجر لي معتمداً إن كان قصدك حاسدي فقد اشتفى
لو أنصف الدهر الخؤون لعاشق مـا كــان يــوم العــواذل منصفــا
===
يـا مسلمـون خـذوا بنـار متيـم ألف الشهادة لديه طرف ما غفا
أيحـل فـي شـرع الغـرام تذللــي ويكون غيري بالوصال مشرفـا
ولقــد كلفــت بحبكــم متلـــذذاً وغدا عذولي في الهوى متكلفا
فلمــا سمعـــت المـــرأة الثالثـــة قصيدتهـــا صرخـــت وشقـــت ثيابهـــا وألقـــت نفسهـــا علـــى الـــأرض مغشيـــاً
عليهــا فلمــا انكشــف جسدهـــا ظهـــر فيـــه ضـــرب المقـــارع مثـــل مـــن قبلهـــا فقـــال الصعاليـــك ليتنـــا مـــا
دخلنــا هــذه الــدار وكنــا بتنــا علــى الكيمــان فقــد تكــدر مبيتنــا هنــا بشـــيء يقطـــع الصلـــب فالتفـــت
الخليفــة إليهــم وقــال لهــم لــم ذلــك قالــوا قــد اشتغــل سرنــا بهــذا الأمــر فقــال الخليفــة أمــا أنتــم مــن هـــذا
البيــت قالــوا لا ولا ظننــا هــذا الموضــع إلا للرجــل الــذي عندكــم. فقــال الحمــال واللـــه مـــا رأيـــت هـــذا
الموضع إلا هذه الليلة وليتني بت على الكيمان ولم أبت فيه.
فقــال الجميــع نحــن سبعــة رجــال وهــن ثلــاث نســوة وليـــس لهـــن رابعـــة فنسألهـــن عـــن حالهـــن فـــإن لـــم
يجبننـــا طوعـــاً أجبننـــا كرهـــاً واتفـــق الجميـــع علـــى ذلـــك فقـــال جعفـــر مـــا هـــذا رأي سديـــد دعوهـــن
فنحـن ضيـوف عندهـن وقـد شرطـن علينــا شرطــاً فنوفــي بــه ولــم يبــق مــن الليــل إلا القليــل وكــل منــا
يمضـي إلـى حـال سبيلـه ثـم إنـه غمـز الخليفـة وقـال مـا بقـي غيـر ساعـة وفـي غــد تحضرهــن بيــن يديــك
فتسألهـن عـن قصتهـن فأبـى الخليفـة وقـال لـم يبــق لــي صبــر عــن خبرهــن وقــد كثــر بينهــن القيــل والقــال
===
فقــال الحمــال لصاحبــة البيــت وقــال لهــا يــا سيدتــي سألتـــك باللـــه وأقســـم عليـــك بـــه أن تخبرينـــا عـــن
حــال الكلبتيـــن وأي سبـــب تعاقبيهمـــا ثـــم تعوديـــن تبكيـــن وتقبليهمـــا وأن تخبرينـــا عـــن سبـــب ضـــرب
أختـك بالمقـارع وهـذا سؤالنــا والسلــام فقالــت صاحبــة المكــان للجماعــة مــا يقولــه عنكــم فقــال الجميــع
نعم إلا جعفر فإنه سكت.
فلمـــا سمعـــت الصبيـــة كلامهـــم قالـــت واللـــه لقـــد آذيتمونـــا يـــا ضيوفنـــا الأذيـــة البالغـــة وتقــــدم لنــــا أننــــا
شرطنـــا عليكـــم أن مـــن تكلــــم فيمــــا لا يعنيــــه سمــــع مــــا لا يرضيــــه أمــــا كفــــا أننــــا أدخلناكــــم منزلنــــا
وأطعمناكـــم زادنـــا ولكـــن لا ذنـــب لكـــم وإنمـــا الذنـــب لمـــن أوصلكـــم إلينـــا ثـــم شمـــرت عــــن معصمهــــا
وضربت الأرض ثلاث ضربات وقالت عجلوا.
وإذا ببــاب خزانــة قــد فتــح وخــرج منهــا سبعــة عبيــد بأيديهــم سيــوف مسلولــة وقالـــت كتفـــوا هـــؤلاء
الذيـن كثـر كلامهـم واربطـوا بعضهـم ببعـض ففعلـوا وقالـوا أيتهــا المخــدرة ائذنــي لنــا فــي ضــرب رقابهــم
فقالـت أمهلوهـم ساعـة حتــى أسألهــم عــن حالهــم قبــل ضــرب رقابهــم فقــال الحمــال باللــه يــا سيدتــي
لا تقتلينـي بذنـب الغيــر فــإن الجميــع أخطــأوا ودخلــوا فــي الذنــب إلا أنــا واللــه لقــد كانــت ليلتنــا طيبــة
لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك الذين لو دخلوا مدينة عامرة لأخربوها ثم أنشد يقول:
مـا أحسـن الغفـران مـن قــادر لا سيمـا عـن غيــر ذي ناصــر
===
فلمـــا فــــرغ الحمــــال مــــن كلامــــه ضحكــــت الصبيــــة وأدرك شهــــرزاد الصبــــاح فسكتــــت عــــن الكلــــام
المباح.
لليلة الحادية عشرة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصبيـــة لمــــا ضحكــــت بعــــد غيظهــــا أقبلــــت علــــى الجماعــــة
وقالــت أخبرونــي بخبركــم فمــا بقـــي مـــن عمركـــم إلا ساعـــة ولـــولا أنتـــم أعـــزاء فقـــال الخليفـــة ويلـــك يـــا
جعفــر عرفهــا بنــا وإلا تقتلنــا فقــال جعفــر مــن بعــض مــا نستحــق فقــال لــه الخليفــة لا ينبغــي الهــزل فــي
وقــت الجــد كــل منهــم لــه وقــت ثــم أن الصبيــة أقبلــت علـــى الصعاليـــك وقالـــت لهـــم هـــل أنتـــم أخـــوة
فقالوا لا والله ما نحن إلا فقراء الحجام.
فقالــت لواحــد منهــم هــل أنــت ولــدت أعــور فقــال لا واللــه وإنمــا جــرى لـــي أمـــر غريـــب حيـــت تلفـــت
عينـي ولهـذا الأمـر حكايـة لـو كتبـت بالإبـر علــى أمــاق البصــر لكانــت عبــرة لمــن اعتبــر فسألــت الثانــي
والثالـــث فقـــالا لهـــا مثـــل الـــأول ثـــم قالـــوا أن كـــل منـــا مـــن بلــــد وأن حديثنــــا عجيــــب وأمرنــــا غريــــب
فالتفتــت الصبيــة لهــم وقالــت كــل واحــد منكـــم يحكـــي حكايتـــه ومـــا سبـــب مجيئـــه إلـــى مكاننـــا ثـــم
يملـس علــى رأســه ويــروح إلــى حــال سبيلــه فــأول مــن تقــدم الحمــال فقــال يــا سيدتــي أنــا رجــل حمــال
===
حملتنـي هـذه الدلالـة وأتـت بـي إلــى هنــا وجــرى لــي معكــم مــا جــرى وهــذا حديثــي والسلــام فقالــت
له ملس على رأسك وروح فقال والله ما أروح حتى أسمع حديث رفقائي.
فتقــدم الصعلــوك الــأول وقـــال لهـــا يـــا سيدتـــي إن سبـــب حلـــق ذقنـــي وتلـــف عينـــي أن والـــدي كـــان
ملكـاً ولـه أخ وكـان أخـوه ملكـاً علـى مدينـة أخـرى واتفـق أن أمـي ولدتنـي فـي اليـوم الـذي ولــد فيــه ابــن
عمـي ثـم مضـت سنـون وأعـوام وأيـام حتـى كبرنـا وكنـت أزور عمــي فــي بعــض السنيــن وأقعــد عنــده
أشهـر عديـدة فزرتـه مـرة فأكرمنـي غايــة الإكــرام وذبــح لــي الأغنــام وروق لــي المــدام وجلسنــا للشــراب
فلمــا تحكــم الشــراب فينــا قــال ابــن عمــي: يــا ابــن عمــي إن لــي عنــدك حاجــة مهمــة فاستوثـــق منـــي
بالإيمـان العظـام ونهـض مـن وقتـه وساعتـه وغـاب قليـلاً ثـم عــاد وخلفــه امــرأة مزينــة مطيبــة وعليهــا مــن
الحلل ما يساوي مبلغاً عظيماً.
فالتفـت إلـي والمـرأة خلفـه وقــال خــذ هــذه المــرأة واسبقنــي علــى الجبانــة الفلانيــة ووصفهــا لــي فعرفتهــا
وقـال ادخــل بهــا التربــة وانتظرنــي هنــاك فلــم يمكنــي المخالفــة ولــم أقــدر علــى رد سؤالــه لأجــل الــذي
خلفتـه فأخـذت المـرأة وسـرت إلـى أن دخلـت التربـة أنـا وإياهـا فلمـا استقـر بنــا الجلــوس جــاء ابــن عمــي
ومعـه طاسـة فيهـا مـاء وكيـس فيـه جبـس وقـدوم ثـم إنـه أخـذ القـدوم وجـاء إلـى قبـر فـي وسـط التربـة
ففكـه ونقـض أحجـاره إلـى ناحيـة التربــة ثــم حفــر بالقــدوم فــي الــأرض حتــى كشــف عــن طابــق قــدر
===
لــم ألتفــت إلــى المــرأة بالإشــارة وقــال لهــا دونــك ومــا تختاريــن بــه فنزلــت المـــرأة علـــى ذلـــك السلـــم ثـــم
التفــت إلــي وقــال يــا ابــن عمــي تمــم المعــروف إذا نزلــت أنــا فــي ذلــك الموضــع فـــرد الطابـــق ورد عليـــه
التـراب كمـا كـان وهـذا تمـام المعـروف وهـذا الجبـس الـذي فـي الكيــس وهــذا المــاء الــذي فــي الطاســة
أعجـن منـه الجبـس وجبـس القبـر فـي دائـر الأحجـار كمـا كــان أول حتــى لا يعرفــه أحــد ولا يقــول هــذا
فتــح جديــد وتطيينــه عتــق لــأن لــي سنــة كاملــة وأنــا أعمــل فيــه ومــا يعلــم بــه إلا اللــه وهــذه حاجتــي
عندك ثم قال لي لا أوحش الله منك يا ابن عمي ثم نزل على السلم.
فلمـا غـاب عنـي قمـت ورددت الطابـق وفعلـت مـا أمرنـي بــه حتــى صــار القبــر كمــا كــان ثــم رجعــت
إلـى قصـر عمـي وكـان عمـي فـي الصيـد والقنـص فنمـت تلـك الليلـة فلمـا أصبـح الصبــاح تذكــرت الليلــة
الماضيــة ومــا جــرى فيهــا بينــي وبيــن ابــن عمــي وندمــت علـــى مـــا فعلـــت معـــه حيـــث لا ينفـــع النـــدم
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الثانية عشرة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الصعلــوك قــال للصبيــة ثــم خرجـــت إلـــى المقابـــر وفتشـــت علـــى
التربـة فلـم أعرفهـا ولـم أزل أفتـش حتـى أقبــل الليــل ولــم أهتــد إليهــا فرجعــت إلــى القصــر لــم آكــل ولــم
===
أشـرب وقـد اشتغـل خاطـري بابــن عمــي مــن حيــث لا أعلــم لــه حــالاً فاغتممــت غمــاً شديــداً وبــت
ليلتـي مغمومــاً إلــى الصبــاح فجئــت ثانيــاً إلــى الجبانــة وأنــا أتفكــر فيمــا فعلــه ابــن عمــي وندمــت علــى
سماعـي منـه وقــد فتشــت فــي التــرب جميعــاً فلــم أعــرف تلــك التربــة ولا رمــت التفتيــش سبعــة أيــام
فلم أعرف له طريقاً.
فــزاد بــي الوســواس حتــى كــدت أن أجــن فلــم أجــد فرجــاً دون أن سافــرت ورجعــت غليـــه فساعـــة
وصولـي إلـى مدينـة أبـي نهــض إلــى جماعــة مــن بــاب المدينــة وكتفونــي فتعجبــت كــل العجــب إنــي ابــن
سلطـان المدينـة وهـم خـدم أبـي وغلمانـي ولحقنـي منهـم خـوف زائـد فقلـت فــي نفســي يــا تــرى أجــرى
على والدي وصرت أسأل الذين كنفوني عن سبب ذلك فلم يردوا علي جواباً.
ثــم بعــد حيــن قــال لــي بعضهــم وكــان خادمــاً عنــدي إن أبــاك قــد غــدر بــه الزمـــان وخانتـــه العساكـــر
وقتلــه الوزيــر ونحــن نترقــب وقوعـــك فأخذونـــي وأنـــا غائـــب عـــن الدنيـــا بسبـــب هـــذه الأخبـــار التـــي
سمعتهـا عـن أبـي فلمـا تمثلـت بيـن يـدي الوزيـر الـذي قتـل أبـي وكـان بينـي وبينـه عــداوة قديمــة وسبــب
تلـك العـداوة أنـي كنـت مولعـاً بضـر البندقيـة فاتفـق أنـي كنــت واقفــاً يومــاً مــن الأيــام علــى سطــح قصــر
وإذا بطائـــر نـــزل علـــى سطــــح قصــــر الوزيــــر وكــــان واقفــــاً هنــــاك فــــأردت أن أضــــرب الطيــــر وغــــذا
بالبندقية أخطأت عين الوزير فأتلفتها بالقضاء والقدر كما قال الشاعر:
===
ولا تفــــرح ولا تحــــزن بشــــيء فــإن الشــيء ليـــس لـــه بقـــاء
وكما قال الآخر:
مشينـــا خطـــا كتبـــت علينـــا ومن كتب عليه خطـاً مشاهـا
ومـــن كانـــت منيتــــه بــــأرض فليس يموت في أرض سواهـا
ثــم قــال ذلــك الصعلــوك: فلمــا أتلفــت عيــن الوزيــر لــم يقـــدر أن يتكلـــم لـــأن والـــدي كـــان ملـــك المدينـــة
فهــذا سبــب العــداوة التــي بينــي وبينــه فلمــا وقفــت قدامــه وأنــا مكتـــف أمـــر فضـــرب عنقـــي فقلـــت
أتقتلنــي بغيــر ذنــب فقــال أي ذنــب أعظــم مــن هــذا وأشــار إلــى عينــه المتلفــة فقلــت لــه: فعلــت ذلــك
خطـأ فقـال إن كنــت فعلتــه خطــأ فأنــا أفعلــه بــك عمــداً ثــم قــال قدمــوه بيــن يــدي فقدمونــي بيــن يديــه
فمد إصبعه فـي عينـي الشمـال فأتلفهـا فصـرت مـن ذلـك الوقـت أعـور كمـا ترونـي ثـم كتفنـي ووضعنـي
فــي صنــدوق وقــال للسيــاف: تسلــم هــذا وأشهــر حسامــك وخــذه واذهــب بـــه إلـــى خـــارج المدينـــة
واقتلــه ودعــه للوحــوش تأكلــه فذهــب بــي السيــاف وصـــار حتـــى خـــرج مـــن المدينـــة وأخرجنـــي مـــن
الصنـدوق وأنـا مكتـوف اليديـن مقيـد الرجليـن وأراد أن يغمــي عينــي ويقتلنــي فبكيــت وأنشــدت هــذه
الأبيات:
جعلتكموا درعاً حصيناً لتمنعوا سهام العدا عني فكنتم نصالها
===
دعوا قصة العذال عنـي بمعـزل وخلوا العـدا ترمـي إلـي نبالهـا
إذا لم تقوا نفسي مكايدة العدا فكونوا سكوتاً لا عليها ولا لها
وأنشدت أيضاً هذه الأبيات:
وإخــــوان اتخذتهـــــم دروعـــــاً فكانوهــــا ولكـــــن للأعـــــادي
رحلتهــــم سهامــــاً صائبـــــات فكانـــوا ولكــــن فــــي فــــؤادي
وقالـوا قـد سعينـا كــل سعــي لقد صدقوا ولكن في فسـادي
فلمــا سمــع السيــاف شعــري وكــان سيــاف أبــي ولــي عليــه إحســان قــال يــا سيــدي كيــف أفعـــل وأنـــا
عبد مأمور ثم قال لي فر بعمرك ولا تعد إلى هذه المدينة فتهلك وتهلكني معك كما قال الشاعر:
ونفسك فر بها إن خفت ضيماً وخـل الـدار تنعـي مــن بناهــا
فإنــك واحــد أرضــاً بـــأرض ونفسك لم تجـد نفسـاً سواهـا
عجبـت لمـن يعيــش بــدار ذل وأرض اللــــه واسعــــة فلاهــــا
وما غلظت رقاب الأسد حتى بأنفسهـــا تولـــت مــــا عناهــــا
فلمــا قــال ذلــك قبلــت يديــه ومــا صدقــت حتــى فــررت وهــان علــي تلــف عينــي بنجاتــي مـــن القتـــل
===
مـن تلـف عينـي فبكـى بكـاء شديـداً وقـال لقـد زدتنــي همــاً علــى همــي وغمــاً علــى غمــي فــإن ابــن
عمكقـد فقـد منـذ أيـام ولـم أعلـم بمـا جـرى لـه ولـم يخبرنـي أحــد بخبــره وبكــى حتــى أغمــي عليــه فلمــا
استفــاق قــال يـــا ولـــدي قـــد حزنـــت علـــى ابـــن عمـــك حزنـــاً شديـــداً وأنـــت زدتنـــي بمـــا حصـــل لـــك
ولابنــك غمــاً علــى غمــي ولكــن يــا ولــدي بعينــك ولا بروحــك ثــم إنــه لــم يمكنــي السكـــوت عـــن ابـــن
عمـي الـذي هـو ولـده فأعلمتـه بالـذي جـرى لـه كلـه ففـرح عمـي بمـا قلتــه لــه فرحــاً شديــداً عنــد سمــاع
خبــر ابنــه وقــال أرنــي التربــة فقلــت واللــه يــا عمــي لــم أعــرف مكانهــا لأنــي رجعــت بعــد ذلــك مــرات
لأفتــش عليهــا فلــم أعــرف مكانهــا ثــم ذهبــت أنــا وعمــي إلــى الجبانــة ونظــرت يمينـــاً وشمـــالاً فعرفتهـــا
ففرحـت أنـا وعمـي فرحـاً شديـداً ودخلـت أنــا وإيــاه التربــة وأزحنــا التــراب ورفعنــا الطابــق ونزلــت أنــا
وعمـي مقـدار خمسيـن درجـة فلمـا وصلنـا إلــى آخــر السلــم وإذا بدخــان طلــع علينــا فغشــي أبصارنــا
فقـال عمـي الكلمـة التـي لا يخـاف قائلهــا وهــي لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم ثــم مشينــا وإذا
نحـن بقاعـة ممتلئـة دقيقـاً وحبوبـاً ومأكولـات وغيـر ذلـك ورأينــا فــي وســط القاعــة ستــارة مسبولــة علــى
سريـر فنظـر عمـي إلـى السريـر فوجـد ابنــه هــو والمــرأة التــي قــد نزلــت معــه صــار فحمــاً أســود وهمــا
متعانقـان كأنهمـا ألقيـا فـي جـب نـار فلمـا نظــر عمــي بصــق فــي وجهــه وقــال تستحــق يــا خبيــث فهــذا
عـذاب الدنيـا وبقـي عــذاب الآخــرة وهــو أشــد وأبقــى وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عــن الكلــام
===
في الليلة الثالثة عشرة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصعلـــوك قـــال للصبيـــة والجماعـــة والخليفـــة وجعفـــر يستمعــــون
الكلــام ثــم أن عمــي ضــرب ولــده بالنعــال وهــو راقــد كالفحــم الأســود فتعجبــت مــن ضربــه وحزنـــت
علــى ابــن عمــي حيــث صــار هــو والصبيــة فحمــاً أســود ثــم قلــت باللـــه يـــا عمـــي خفـــف الهـــم عـــن
قلبـك فقـد اشتغـل سـري وخاطـري بمـا قـد جـرى لولــدك وكيــف صــار هــو والصبيــة فحمــاً أســود مــا
يكفيك ما هو فيه حتى تضربه بالنعال.
فقــال يــا ابــن أخــي إن ولــدي هــذا كــان مــن صغــره مولعــاً بحـــب أختـــه وكنـــت أنهـــاه عنهـــا وأقـــول فـــي
نفسـي إنهمـا صغيـران فلمـا كبـر أوقـع بينهمــا القبيــح وسمعــت بذلــك ولــم أصــدق ولكــن زجرتــه زجــراً
بليغـاً وقلـت لـه أحـذر مـن هـذه الفعـال القبيحـة التـي لــم يفعلهــا أحــد قبلــك ولا يفعلهــا أحــد بعــدك وإلا
نبقــى بيــن الملــوك بالعــار والنقصــان إلـــى الممـــات وتشيـــع أخبارنـــا مـــع الركبـــان وإيـــاك أن تصـــدر منـــك
هـذه الفعـال فإنـي أسخـط عليـك وأقتلـك ثـم حجبتـه عنهـا وحجبتهــا عنــه وكانــت الخبيثــة تحبــه محبــة
عظيمة وقد تمكن الشيطان منها.
فلمـــا رآنـــي حجبتـــه فعـــل هـــذا المكـــان الـــذي تحـــت الـــأرض الخفيـــة. ونقــــل فيــــه المأكــــول كمــــا تــــراه
===
واستغفلنـي لمـا خرجـت إلـى الصيـد وأتـى إلـى هـذا المكـان فغـار عليـه وعليهــا الحــق سبحانــه وتعالــى
وأحرقهمـا ولعـذاب الآخـرة أشـد وأبقـى ثـم بكـى وبكيــت معــه وقــال لــي أنــت ولــدي عوضــاً عنــه ثــم
أنــي تفكــرت ساعــة فــي الدنيــا وحوادثهــا مـــن قتـــل الوزيـــر لوالـــدي وأخـــذ مكانـــه وتلـــف عينـــي ومـــا
جرى لابن عمي من الحوادث الغريبة.
فبكيـت ثــم أننــا صعدنــا ورددنــا الطابــق والتــراب وعملنــا القبــر كمــا كــان ثــم رجعنــا إلــى منزلنــا فلــم
يستقـــر بيننـــا جلـــوس حتـــى سمعنـــا دق طبـــول وبوقـــات ورمحـــت الأبطـــال وامتلــــأت الدنيــــا بالعجــــاج
والغبــار مــن حوافــر الخيــل فحــارت عقولنــا ولــم نعــرف الخبــر فســأل الملــك عـــن الخبـــر فقيـــل إن وزيـــر
أخيـك قتلـه وجمـع العسكـر والجنـود وجــاء بعسكــره ليهجمــوا علــى المدينــة وأهــل المدينــة لــم يكــن لهــم
طاقة بهم فسلموا إليه فقلت في نفسي متى وقعت أنا في يده قتلني.
وتراكمـت الأحـزان وتذكـرت الحـوادث التـي حدثـت لأبــي وأمــي ولــم أعــرف كيــف العمــل فــإن ظهــرت
عرفني أهـل المدينـة وعسكـر أبـي فيسعـون فـي قتلـي وهلاكـي فلـم أجـد شيئـاً أنجـو بـه إلا حلـق ذقنـي
فحلقتهـا وغيـرت ثيابـي وخرجـت مـن المدينـة وقصـدت هــذه المدينــة والسلــام لعــل أحــداً يوصلنــي إلــى
أميـر المؤمنيـن وخليفـة رب العالميـن حتـى أحكـي لـه قصتـي ومــا جــرى لــي فوصلــت إلــى هــذه المدينــة
في هذه الليلة فوقفت حائراً ولم أدر أين أمضي وإذا بهذا الصعلوك واقف.
===
فسلمـت عليــه وقلــت لــه أنــا غريــب أيضــاً فبينمــا نحــن كذلــك وإذا برفيقنــا هــذا الثالــث جاءنــا وسلــم
علينـــا وقـــال أنـــا غريـــب فقلنـــا لـــه ونحـــن غريبـــان فمشينـــا وقـــد هجـــم علينـــا الظلـــام فساقنـــا القــــدر
إليكـم وهـذا سبـب حلـق ذقنـي وتلــف عينــي فقالــت الصبيــة ملــس علــى رأســك وروح فقــال لهــا لا
أروح حتى أسمع خبر غيري فتعجبوا من حديثه.
فقــال الخليفــة لجعفــر واللــه أنــا مــا رأيــت مثـــل الـــذي جـــرى لهـــذا الصعلـــوك ثـــم تقـــدم الصعلـــوك الثانـــي
وقبــل الــأرض وقــال يــا سيدتــي أنــا مــا ولــدت أعــور وإنمــا لــي حكايــة عجيبــة لــو كتبــت بالإبــر علــى
آمــاق البصــر لكانــت عبــرة لمــن اعتبــر فأنــا ملــك ابــن ملــك وقــرأت القــرآن علــى سبـــع روايـــات وقـــرأت
الكتـب علـى أربابهـا مـن مشايـخ العلـم وقـرأت علـم النجـوم وكلــام الشعــراء واجتهــدت فــي سائــر العلــوم
حتـى فقـت أهـل زمانــي فعظــم حظــي عنــد سائــر الكتبــة وشــاع ذكــري فــي سائــر الأقاليــم والبلــدان
وشاع خبري عند سائر الملوك.
فسمــع بــي ملــك الهنــد فأرســل يطلبنــي مــن أبــي وأرســل إليــه هدايــا وتحفـــاً تصلـــح للملـــوك فجهزنـــي
أبي فـي سـت مراكـب وسرنـا فـي البحـر مـدة شهـر كامـل حتـى وصلنـا إلـى البـر وأخرجنـا حبـلاً كانـت
معنــا فــي المركــب وحملنــا عشــرة جمــال هدايــا ومشينــا قليــلاً وإذا بغبــار قــد عــلا وثـــار حتـــى ســـد
الأقطـار واستمـر ساعـة مـن النهــار ثــم انكشــف قبــان مــن تحتــه ستــون فارســاً وهــم ليــوث وعوانــس
===
فتأملناهــم وإذا هــم عــرب قطــاع طريــق فلمــا رأونــا ونحــن نفــر قليــل ومعنــا عشــرة أجمــال هدايــا لملـــك
الهند رمحوا علينا وشرعوا الرماح بين أيديهم نحونا.
فأشرنـا إليهــم بالأصابــع وقلنــا لهــم: نحــن رســل إلــى ملــك الهنــد المعظــم فــلا تؤذونــا فقالــوا نحــن لسنــا
فـي أرضـه ولا تحـت حكمـه ثـم إنهـم قتلـوا بعـض الغلمـان وهـرب الباقـون وهربـت أنـا بعــد أن جرحــت
جرحــاً بليغــاً واشتغلــت عنــا العـــرب بالمـــال والهدايـــا التـــي كانـــت معنـــا فصـــرت لا أدري أيـــن أذهـــب
وكنـت عزيـزاً فصـرت ذليــلاً وســرت إلــى أن أتيــت رأس الجبــل فدخلــت مغــارة حتــى طلــع النهــار ثــم
سـرت منهـا حتـى وصلـت إلـى مدينـة عامـرة بالخيـر وقــد ولــى عنهــا الشتــاء ببــرده وأقبــل عليهــا الربيــع
بورده.
ففرحــت بوصولــي إليهــا وقــد تعبــت مــن المشــي وعلانــي الهــم والاصفــرار فتغيــرت حالتــي ولا أدري
أيـن أسلـك فملـت إلـى خيـاط فـي دكـان وسلمـت عليـه فـرد علـي السلـام ورحــب بــي وباسطنــي عــن
سبــب غربتــي فأخبرتــه بمــا جــرى لــي مــن أولــه إلــى آخــره فاغتــم لأجلــي وقــال يـــا فتـــى لا تظهـــر مـــا
عندك فإني أخاف عليك من ملك المدينة لأنه أكبر أعداء أبيك وله عنده ثأر.
ثــم أحضــر لــي مأكــولاً ومشروبــاً فأكلــت وأكــل معــي وتحادثــت معــه فــي الليــل وأخلـــى لـــي محـــلاً فـــي
جانــب حانوتــه وأتانــي بمــا أحتــاج إليــه مــن فــراش وغطــاء فأقمــت عنــده ثلاثــة أيـــام ثـــم قـــال لـــي أمـــا
===
تعـرف صنعـة تكسـب بهـا فقلــت لــه: إنــي فقيــه طالــب علــم كاتــب حاســب فقــال: إن صنعتــك فــي
بلادنا كاسدة وليس في مدينتنا من يعرف علماً ولا كتابة غير المال.
فقلــــت واللــــه لا أدري شيئــــاً غيــــر الــــذي ذكرتــــه لــــك فقــــال شـــــد وسطـــــك وخـــــذ فأســـــاً وحبـــــلاً
واحتطـب فـي البريـة حطبـاً تتقــوت بــه إلــى أن يفــرج اللــه عنــك ولا تعــرف أحــداً بنفســك فيقتلــوك ثــم
اشتـرى لـي فأسـاً وحبـلاً وأرسلنـي مـع بعـض الحطابيــن وأوصاهــم علــي فخرجــت معهــم واحتطبــت
فأتيــت بحمــل علــى رأســي فبعتــه بنصــف دينــار فأكلــت ببعضــه وأبقيــت بعضــه ودمــت علــى هـــذا
الحال مدة سنة.
ثــم بعــد السنــة ذهبــت يومــاً علــى عادتــي إلــى البريــة لأحتطــب منهــا ودخلتهــا فوجـــدت فيهـــا خميلـــة
أشجــار فيهــا حطـــب كثيـــر فدخلـــت الخميلـــة وأتيـــت شجـــرة وحفـــرت حولهـــا وأزلـــت التـــراب عـــن
جدارهــا فاصطكـــت الفـــأس فـــي حلقـــة نحـــاس فنظفـــت التـــراب وإذا هـــي فـــي طابـــق مـــن خشـــب
فكشفتـه فبـان تحـت سلـم فنزلـت إلـى أسفـل السلـم فرأيــت بابــاً فدخلتــه فرأيــت قصــراً محكــم البنيــان
فوجدت فيه صبية كالدرة السنية تنفي إلى القلب كل هم وغم وبلية.
فلمـا نظـرت إليهــا سجــدت لخالقهــا لمــا أبــدع فيهــا مــن الحســن والجمــال فنظــرت غلــي وقالــت لــي أنــت
أنســي أم جنــي فقلــت لهــا: إنســـي فقالـــت: ومـــن أوصلـــك إلـــى هـــذا المكـــان الـــذي لـــي فيـــه خمســـة
===
وعشــرون سنــة مــا رأيــت فيــه إنسيــاً أبـــداً فلمـــا سمعـــت كلامهـــا وجـــدت لـــه عذوبـــة وقلـــت لهـــا يـــا
سيدتـي أوصلنـي اللـه إلـى منزلـك ولعلـه يزيـل همـي وغمــي وحكيــت لهــا مــا جــرى لــي مــن الــأول إلــى
الآخر.
فصعـب عليهـا حالـي وبكـت وقالـت أنـا الأخـرى أعلمـك بقصتـي فاعلـم أنـي بنــت ملــك أقصــى الهنــد
صاحـــب جزيـــرة الآبنـــوس وكـــان قـــد زوجنـــي بابـــن عمـــي فاختطفنـــي ليلـــة زفافـــي عفريــــت اسمــــه
جرجريـس بـن رجـوس بـن إبليـس فطـار بـي إلـى هـذا المكـان ونقــل فيــه كــل مــا أحتــاج إليــه مــن الحلــى
والحلـــل والقمـــاش والمتـــاع والطعـــام والشـــراب. فـــي كـــل عشـــرة أيـــام يجيئنـــي مــــرة فيبيــــت هنــــا ليلــــة
وعاهدنـي إذا عرضـت لـي حاجـة ليـلاً أو نهـاراً أن ألمـس بيـدي هذيــن السطريــن المكتوبيــن علــى القبــة
فمــا ارفــع يــدي حتــى أراه عنــدي ومنــذ كــان عنــدي لــه اليــوم أربعــة أيــام وبقــي لــه ستـــة أيـــام حتـــى
يأتي فهل لك أن تقيم عندي خمسة أيام ثم تنصرف قبل مجيئه بيوم فقلت نعم.
ففرحـت ثـم نهضـت علـى أقدامهـا وأخـذت بيــدي وأدخلتنــي مــن بــاب مقنطــر وانتهــت بــي إلــى حمــام
لطيـف ظريـف فلمـا رأيتــه خلعــت ثيابــي وخلعــت ثيابهــا ودخلــت فجلســت علــى مرتبــة وأجلستنــي
معهـا وأتـت بسكـر ممسـك وسقتنـي ثــم قدمــت لــي مأكــولاً وتحادثنــا ثــم قالــت لــي ثــم واستــرح فإنــك
تعبــان فنمــت يــا سيدتــي وقــد نسيـــت مـــا جـــرى لـــي وشكرتهـــا فلمـــا استيقظـــت وجدتهـــا تكبـــس
===
رجلــي فدعــوت لهــا وجلسنــا نتحــادث ساعــة ثــم قالــت واللــه إنــي كنــت ضيقــة الصـــدر وأنـــا تحـــت
الــأرض وحــدي ولــم أجــد مــن يحدثنــي خمســة وعشريـــن سنـــة فالحمـــد للـــه الـــذي أرسلـــك إلـــي ثـــم
أنشدت:
لـــو علمنـــا مجيئكــــم لفرشنــــا مهجة القلـب أو سـواد العيـون
وفرشنــــا خدودنــــا والتقينـــــا لكـــون المسيـــر فـــوق الجفــــون
فلمـا سمعـت شعرهـا شكرتهـا وقـد تمكنـت محبتهـا فـي قلبـي وذهـب عنــي همــي وغمــي ثــم جلسنــا
فـي منادمـة إلـى الليـل فبـت معهـا ليلـة مـا رأيـت مثلهـا فــي عمــري وأصبحنــا مسروريــن فقلــت لهــا هــل
أطلعـك مـن تحـت الـأرض وأريحـك مـن هـذا الجنـي فضحكـت وقالـت اقنـع واسكــت ففــي كــل عشــرة
أيـام يـوم للعفريـت وتسعـة لـك فقلـت وقـد غلـب علـي الغـرام فأنـا فـي هـذه أكسـر هـذه القبــة التــي عليهــا
النقــش المكتــوب لعــل العفريــت يجــيء حتــى أقتلــه فإنــي موعــود بقتــل العفاريــت فلمــا سمعــت كلامـــي
أنشدت:
يـــــا طالبــــــاً للفــــــراق مهــــــلاً بحيلــــة قــــد كفـــــى اشتيـــــاق
اصبـــر فطبـــع الزمـــان غــــدر وآخـــــــر الصحبـــــــة الفـــــــراق
فلمـــا سمعـــت شعرهـــا لـــم ألتفـــت لكلامهـــا بـــل رفســـت القبـــة رفســـاً قويـــاً وأدرك شهـــرزاد الصبــــاح
===
وفي الليلة الرابعة عشرة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصعلـــوك الثانـــي قـــال للصبيـــة يـــا سيدتـــي لمـــا رفســـت القبــــة
رفســاً قويــاً قالــت لــي المــرأة أن العفريـــت قـــد وصـــل إلينـــا أمـــا حذرتـــك مـــن هـــذا وللـــه لقـــد آذيتنـــي
ولكـن انـج بنفسـك واطلـع مـن المكـان الـذي جئــت منــه فمــن شــدة خوفــي نسيــت نعلــي وفأســي فلمــا
طلعــت درجتيــن التفــت لأنظرهمـــا فرأيـــت الـــأرض قـــد انشقـــت وطلـــع منهـــا عفريـــت ومنظـــر شنيـــع
وقال ما هذه الزعجة التي أرعشتني بها فما مصيبتك.
فقالـــت مـــا أصابنـــي شــــيء غيــــر أن صــــدري ضــــاق فــــأردت أن أشــــرب شرابــــاً يشــــرح صــــدري
فنهضــت لأقضــي أشغالــي فوقعــت علــى القبــة فقــال لهــا العفريــت يــا فاجـــرة ونظـــر فـــي القصـــر يمينـــاً
وشمـالاً فـرأى النعـل والفـأس فقــال لهــا مــا هــذه إلا متــاع الإنــس مــن جــاء إليــك فقالــت: مــا نظرتهمــا إلا
في هذه الساعة ولعلهما تعلقا معك.
فقــال العفريــت هــذا كلــام محــال لا ينطلــي علــي يــا عاهـــرة ثـــم أنـــه أعراهـــا وصلبهـــا بيـــن أربعـــة أوتـــاد
وجعــل يعاقبهــا ويقررهــا بمــا كــان فلــم يهــن علــي أن أسمــع بكاءهـــا فطلعـــت مـــن السلـــم مذعـــوراً مـــن
الخــوف فلمــا وصلــت إلــى أعلــى الموضــع رددت الطابــق كمــا كــان وسترتــه بالتــراب وندمــت علــى مــا
===
فعلــت غايــة النــدم وتذكــرت الصبيـــة وحسنهـــا وكيـــف يعاقبهـــا هـــذا الملعـــون وهـــي لهـــا معـــه خمســـة
وعشــرون سنــة ومــا عاقبهــا إلا بسببــي وتذكـــرت أبـــي ومملكتـــه وكيـــف صـــرت حطابـــاً فقلـــت هـــذا
البيت:
إذا ما أتاك الدهر يومـاً بنكبـة فيوم ترى يسراً ويوم ترى عسرا
ثـم مشيـت إلـى أن أتيـت رفيقـي الخيـاط فلقيتــه مــن أجلــي علــى مقالــي النــار وهــو لــي فــي الانتظــار
فقـال لـي: بـت البارحـة وقلبـي عنـدك وخفـت عليـك مـن وحــش أو غيــره فالحمــد للــه علــى سلامتــك
فشكرتــه علــى شفقتــه علـــي ودخلـــت خلوتـــي وجعلـــت أتفكـــر فيمـــا جـــرى لـــي وألـــوم نفســـي علـــى
رفسـي هـذه القبـة وإذا بصديقـي الخيـاط دخـل علــي وقــال لــي فــي الدكــان شخــص أعجمــي يطلبــك
ومعـه فأســك ونعلــك قــد جــاء بهمــا إلــى الخياطيــن وقــال لهــم أنــي خرجــت وقــت آذان المــؤذن لأجــل
صلـاة الفجـر فعثـرت بهمـا ولـم أعلـم لمـن همــا فدلونــي علــى صاحبهــا فدلــه الخياطــون عليــك وهــا هــو
قاعد في دكاني فاخرج إليه واشكره وخذ فأسك ونعلك.
فلمـــا سمعـــت هكـــذا الكلـــام اصفـــر لونـــي وتغيـــر حالـــي فبينمــــا أنــــا كذلــــك وإذا بــــأرض محلــــي قــــد
انشقــت وطلــع منهــا الأعجمــي وإذا هــو العفريــت وقــد كــان عاقــب الصبيــة غايــة العقــاب فلــم تقــر لــه
بشــيء فأخــذ الفــأس والنعــل وقــال لهــا إن كنــت جرجريــس مـــن ذريـــة إبليـــس فأنـــا أجـــيء بصاحـــب
===
هـذا الفـأس والنعـل ثـم جـاء بهـذه الحيلـة إلـى الخياطيــن ودخــل علــي ولــم يمهلنــي بــل اختطفنــي وطــار
وعــلا بــي ونــزل بــي وغــاص فــي الــأرض وأنــا لا أعلــم بنفســي ثــم طلــع بــي القصــر الــذي كنـــت فيـــه
فرأيت الصبية عريانة والدم يسيل من جوانبها فقطرت عيناي بالدموع.
فأخذهــا العفريــت وقــال لهــا يــا عاهــرة هــذا عشيقــك فنظــرت إلــي وقالــت لــه لا أعرفــه ولا رأيتـــه إلا
فــي هــذه الساعــة فقــال لهــا العفريــت أهــذه العقوبــة ولــم تقــري فقالــت مــا رأيتــه عمــري ومـــا يحـــل مـــن
اللــه أن أكــذب عليــه فقــال لهــا العفريـــت إن كنـــت لا تعرفينـــه فخـــذي هـــذا السيـــف واضربـــي عنقـــه
فأخـذت السيــف وجاءتنــي ووقفــت علــى رأســي فأشــرت لهــا بحاجبــي فنهضــت وغمرتنــي وقالــت
أنت الذي فعلت هذا كله فأشرت لها أن هذا وقت العفو ولسان حالي يقول:
يترجم طرفي عن لساني لتعلموا ويبدو لكم ما كان في صدري يكتم
ولمـا التقينـا والدمـوع سواجــم خرست وطرفي بالهوى يتكلـم
تشيـر لنــا عمــا تقــول بطرفهــا وأرمــي إليهــا بالبنـــان فتفهـــم
حواجبنا تقضـي الحوائـج بيننـا فنحن سكـوت والهـوى يتكلـم
فلمــا فهمــت الصبيــة إشارتــي رمــت السيــف مــن يدهــا فناولنــي العفريــت السيــف وقــال لــي اضــرب
عنقهــا وأنــا أطلقــك ولا أنكــد عليـــك فقلـــت نعـــم وأخـــذت السيـــف وتقدمـــت نشـــاط ورفعـــت يـــدي
===
فقالــت لــي بحاجبهــا أنــا مــا قصــرت فــي حقــك فهملـــت عينـــاي بالدمـــوع ورميـــت السيـــف مـــن يـــدي
وقلـــت أيهـــا العفريـــت الشديــــد والبطــــل الصنديــــد إذا كانــــت امــــرأة ناقصــــة عقــــل وديــــن لــــم تستحــــل
ضـرب عنقـي فكيـف يحـل لـي أن أضـرب عنقهــا ولــم أرهــا عمــري فــلا أفعــل ذلــك أبــداً ولــو سقيــت
من الموت كأس الردى.
فقـــال العفريـــت أنتمـــا بينكمـــا مـــودة أخـــذ السيـــف وضـــرب يـــد الصبيـــة فقطعهـــا ثــــم ضــــرب الثانيــــة
فقطعهـا ثـم قطـع رجلهـا اليمنـى ثـم قطـع رجلهـا اليسـرى حتـى قطـع أرباعهـا بأربــع ضربــات وأنــا أنظــر
بعينـي فأيقنـت بالمـوت ثـم أشـارت إلـي بعينيهـا فرآهـا العفريـت فقـال لهـا وقـد زنيـت بعينـك ثـم ضربهـا
فقطــع رأسهــا والتفــت إلــي وقــال يــا آنســي نحــن فــي شرعنــا إذا زنــت الزوجــة يحـــل لنـــا قتلهـــا وهـــذه
الصبيـة اختطفتهـا ليلـة عرسهـا وهـي بنـت اثنتـي عشـرة سنـة ولـم تعـرف أحـداً غيــري وكنــت أجيئهــا
فـي كـل عشـرة أيـام ليلـة واحـدة فـي زي رجـل أعجمـي. فلمــا تحققــت أنهــا خانتنــي فقتلتهــا وأمــا أنــت
فلـم أتحقـق أنـك خنتنـي فيهـا ولكـن لا بـد أنـي إمـا اخليـك فـي عافيـة فتمـن علــي أي ضــرر فرحــت يــا
سيدتــي غايــة الفــرح وطمعــت فــي العفريــت وقلــت لــه: ومــا أتمنــاه عليـــك قـــال تمـــن علـــي أي صـــورة
اسحـرك فيهـا إمـا صــورة كلــب وإمــا صــورة حمــار وإمــا صــورة قــرد فقلــت لــه وقــد طمعــت أنــه يعفــو
عنـي واللـه إن عفـوت عنــي يعفــو اللــه عنــك بعفــوك عــن رجــل مسلــم لــم يؤذيــك وتضرعــت إليــه غايــة
===
فقـال لـي لا تطـل علـي الكلـام أمـا القتـل فـلا تخــف منــه وأمــا العفــو عنــك فــلا تطمــع فيــه وأمــا سحــرك
فـلا بـد منـه ثـم شـق الـأرض وطـار بـي إلـى الجـو حتـى نظـرت إلــى الدنيــا حتــى كأنهــا قصعــة مــاء ثــم
حطنـي علـى جبـل وأخــذ قليــلاً مــن التــراب وهمهــم عليــه وتكلــم وقــال اخــرج مــن هــذه الصــورة إلــى
صورة قرد.
فمنـذ ذلـك الوقـت صــرت قــرداً ابــن مائــة سنــة فلمــا رأيــت نفســي فــي هــذه الصــورة القبيحــة بكيــت
علـى روحـي وصبـرت علـى جـور الزمـان وعلمــت أن الزمــان ليــس لأحــد وانحــدرت مــن أعلــى الجبــل
إلـى أسفلـه وسافـرت مـدة شهـر ثــم ذهبــت إلــى شاطــئ البحــر المالــح فوقفــت ساعــة وإذا أنــا بمركــب
فـي وسـط البحـر قـد طـاب ريحهــا وهــي قاصــدة البــر فاختفيــت خلــف صخــرة علــى جانــب البحــر
وسرت إلى أن أتيت وسط المركب.
فقـــال واحـــد منهـــم أخرجـــوا هـــذا المشـــؤوم مـــن المركـــب وقـــال واحـــد منهـــم نقتلـــه وقــــال آخــــر اقتلــــه
بهــذا السيــف فأمسكــت طــرف السيــف وبكيــت وسالــت دموعــي فحــن علــي الريــس وقــال لهــم يـــا
تجـار إن هـذا القـرد استجـار بـي وقـد أجرتـه وهـو فـي جـواري فـلا أحـد يعــرض لــه ولا يشــوش عليــه
ثم أن الريس صار يحسن إلي ومهما تكلم به أفهمه وأقضي حوائجه وأخدمه في المركب.
وقــد طــاب لهــا الريــح مــدة خمسيــن يومـــاً فرسينـــا علـــى مدينـــة عظيمـــة وفيهـــا عالـــم كثيـــر لايحصـــى
===
عددهـم إلا اللـه تعالـى فساعـة وصولنـا أوقفنـا مركبنــا فجاءتنــا مماليــك مــن طــرف ملــك المدينــة فنزلــوا
المركــب وهنــوا التجــار بالسلامــة وقالــوا إن ملكنــا يهنئكــم بالسلامــة وقــد أرســل إليكــم هــذا الـــدرج
الـورق وقـال كـل واحـد يكتـب فيــه سطــرا فقمــت وأنــا فــي صــورة القــرد وخطفــت الــدرج مــن أيديهــم
فخافـوا أنـي أقطعـه وأرميـه فـي المـاء فنهرونـي وأرادوا قتلـي فأشـرت لهـم أنـي أكتــب فقــال لهــم الريــس
دعــوه يكتــب فــإن لخبــط الكتابــة طردنــاه عنــا وإن أحسنهــا اتخذتــه ولــداً فإنــي مــا رأيـــت قـــرداً أفهـــم
منه ثم أخذ القلم واستمديت الحبر وكتبت سطراً بقلم الرقاع ورقمت هذا الشعر:
لقد كتب الدهر فضل الكـرام وفضلــــــك للــــــآن لايحســــــب
فــلا أيتـــم اللـــه منـــك الـــورى لأنــــك للفضـــــل نعـــــم الـــــأب
وكتبت بقلم الثلث هذين البيتين:
ومـــا مـــن كاتـــب إلاسيفنــــى ويبقـي الدهـر مـا كتبـت يــداه
فلا تكتب بخطك غيـر شـيء يســـرك فـــي القيامـــة أن تـــراه
وكتبت تحته بقلم المشق هذين البيتين:
إذا فتحــت دواة العــز والنعـــم فاجعل مدادك من جود ومن كرم
واكتب بخير إذا ما كنت مقتدراً بذاك شرفت فضلاً نسبه القلم
===
ثـم ناولتهـم ذلـك الـدرج الـورق فطلعـوا بــه إلــى الملــك فلمــا تأمــل الملــك مــا فــي ذلــك الــدرج لــم يعجبــه
خـط أحـد إلا خطــي فقــال لأصحابــه توجهــوا إلــى صاحــب هــذا الخــط وألبســوه هــذه الحلــة وأركبــوه
بغلـة وهاتـوه بالنوبـة وأحضـروه بيـن يـدي فلمـا سمعـوا كلــام الملــك تبسمــوا فغضــب منهــم ثــم قــال كيــف
آمركـم بأمـر فتضحكـون علـي فقالــوا أيهــا الملــك مــا نضحــك علــى كلامــك بــل الــذي كتــب هــذا الخــط
قـرد وليــس هــو آدميــا وهــو مــع ريــس المركــب. فتعجــب الملــك مــن كلامهــم واهتــز مــن الطــرب وقــال
أريـد أن أشتـري هـذا القـرد ثــم بعــث رســلا إلــى المركــب ومعهــم البغلــة والحلــة وقــال لابــد أن تلبســوه
هـــذه الحلـــة وتركبـــوه البغلـــة وتأتـــوا بـــه فســـاروا إلـــى المركـــب وأخذونـــي مـــن الريـــس وألبسونـــي الحلـــة
فاندهـش الخلائـق وصـاروا يتفرجــون علــي فلمــا طلعــوا بــي للملــك ورأيتــه قبلــت الــأرض ثلــاث مــرات
فأمرنـي بالجلـوس فجلسـت علـى ركبتـي. فتعجـب الحاضــرون مــن أدبــي وكــان الملــك أكثرهــم تعجبــا
ثــم أن الملــك أمــر الخلــق بالإنصــراف فانصرفــوا ولــم يبــق إلا الملــك والطواشـــي ومملـــوك صغيـــر وأنـــا ثـــم
أمـر الملـك بطعـام فقدمـوا سفـرة طعـام فيهـا مـا تشتهــي الأنفــس وتلــذ الأعيــن فأشــار إلــي الملــك أن كــل
فقمــت وقبلــت الـــأرض بيـــن يديـــه سبـــع مـــرات وجلســـت آكـــل معـــه وقـــد ارتفعـــت السفـــرة وذهبـــت
فغسلت يدي وأخذت الدواة والقلم والقرطاس وكتبت هذين البيتين:
أتاجر الضأن تريـاق مـن العلـل وأصحن الحلو فيها منتهى أملي
===
ثـم قمـت وجلسـت بعيـدا أنتظـر الملـك إلـى مـا كتبتـه وقـرأه فتعجـب وقـال هــذا يكــون عنــد قــرد هــذه
الفصاحــة وهــذا الخــط واللــه إن هــذا مــن أعجــب العجــب ثــم قــدم للملـــك شطرنـــج فقـــال لـــي الملـــك
أتلعـب قلـت برأسـي نعـم فتقدمــت وصففــت الشطرنــج ولعبــت معــه مرتيــن فغلبتــه فحــار عقــل الملــك
وقـال لـو كـان هـذا آدميـا لفـاق أهـل زمانـه ثـم قـال لخادمـه إذهــب إلــى سيدتــك وقــل لهــا: كلمــي الملــك
حتـى تجــيء فتتفــرج علــى هــذا القــرد العجيــب. فذهــب الطواشــي وعــاد معــه سيدتــه بنــت الملــك
فلمــا نظــرت إلــي غطــت وجههــا وقالــت يـــا أبـــي كيـــف طـــاب علـــى خاطـــرك أن ترســـل إلـــي فيرانـــي
الرجــال الأجانــب فقــال يابنتــي مــا عنــدك ســوى المملــوك الصغيــر والطواشــي الــذي ربــاك وهــذا القــرد
وأنــا أبــوك فممــن تغطيــن وجهــك. فقالــت إن هــذا القــرد إبــن ملــك وإســم أبيــه إيمــار صاحــب جزائـــر
الأبنــوس الداخلــة وهــو مسحــور وسحــره العفريــت جرجريــس الــذي هــو مــن ذريــة إبليــس وقـــد قتـــل
زوجتـه بنـت ملـك أقنامـوس وهـذا الـذي تزعـم أنـه قــردا إنمــا هــو رجــل عالــم عاقــل. فتعجــب الملــك
مـن إبنتـه ونظـر إلـي وقـال: أحـق مـا تقـول عنـك فقلــت برأســي نعــم وبكيــت فقــال الملــك لبنتــه مــن أيــن
عرفـت أنـه مسحـور فقالـت: يـا أبـت كـان عنـدي وأنــا صغيــرة عجــوز ماكــرة ساحــرة علمتنــي السحــر
وقـد حفظتـه وأتقنتـه وعرفـت مائـة وسبعيــن بابــا مــن أبوابــه أقــل بــاب منهــا أنقــل بــه حجــارة مدينتــك
خلـف جبـل قـاف وأجعلهـا لجــة بحــر وأجعــل أهلهــا سمكــا فــي وسطــه. فقــال أبوهــا: بحــق إســم اللــه
===
عليـك أن تخلصـي لنـا هـذا الشـاب حتـى أجعلـه وزيـري وهـل فيـك هــذه الفضيلــة ولــم أعلــم فخلصيــه
حتــى أجعلــه وزيــري لأنــه شــاب ظريــف لبيــب فقالــت لـــه حبـــا وكرامـــة ثـــم أخـــذت بيدهـــا سكينـــا
وعملت دائرة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة عشرة
قالــت بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصعلـــوك قـــال للصبيـــة يـــا سيدتـــي ثـــم أن بنـــت الملـــك أخـــذت
بيدهــا سكينــا مكتوبـــا عليهـــا أسمـــاء عبرانيـــة وخطـــت بهـــا دائـــرة فـــي وســـط وكتبـــت فيهـــا أسمـــاء
وطلاســم وعزمــت بكلــام وقــرأت كلامــا لا يفهـــم فبعـــد ساعـــة أظلمـــت علينـــا جهـــات القصـــر حتـــى
ظننــا أن الدنيــا قــد إنطبقــت علينــا وإذا بالعفريــت قــد تدلــى علينــا فــي أقبـــح صفـــة بأيـــد كالمـــداري
ورجليـن كالصـواري وعينيـن كمشعليـن يوقـدان نـارا ففزعنـا منـه. فقالــت بنــت الملــك لا أهــلا بــك ولا
سهــلا فقــال العفريــت وهــو فــي صــورة أســد يـــا خائنـــة كيـــف خنـــت اليميـــن أمـــا تحالفنـــا علـــى أن لا
يعتـرض أحدنـا للآخـر فقالـت لـه يـا لعيـن ومــن أيــن لــك يميــن فقــال العفريــت خــذي مــا جــاءك ثــم انقلــب
أســدا وفتــح فــاه وهجــم علــى الصبيــة. فأسرعــت وأخـــذت شعـــرة مـــن شعرهـــا بيدهـــا وهمهمـــت
بشفتيهـــا فصـــارت الشعـــرة سيفـــا ماضيـــا وضربـــت ذلـــك الأســـد فقطعتـــه نصفيـــن فصـــارت رأســــه
===
عقربــا وانقلبــت الصبيــة حيــة عظيمــة وهمهمــت علــى هـــذا اللعيـــن وهـــو فـــي صفـــة عقـــرب فتقاتـــلا
قتـالا شديــدا ثــم انقلــب العقــرب عقابــا فانقلبــت الحيــة نســرا وصــارت وراء العقــاب واستمــرا ساعــة
زمانيــة ثـــم انقلـــب العقـــاب قطـــا أســـود فانقلبـــت الصبيـــة ذئبـــا فتشاحنـــا فـــي القصـــر ساعـــة زمانيـــة
وتقاتــلا قتــالا شديــدا فـــرأى القـــط نفســـه مغلوبـــا فانقلـــب وصـــار رمانـــة حمـــراء كبيـــرة ووقعـــت تلـــك
الرمانــة فــي بركــة وانتثــر الحــب كـــل حبـــة وحدهـــا وامتلـــأت أرض القصـــر حبـــا فانقلـــب ذلـــك الذئـــب
ديكــا لأجــل أن يلتقــط ذلــك الحــب حتــى لا يتــرك منــه حبـــة فبالأمـــر المقـــدر دارت حبـــة فـــي جانـــب
الفسقيـــة فصـــار الديـــك يصيـــح ويرفـــرف بأجنحتـــه ويشيـــر إلينـــا بمنقـــاره ونحـــن لا نفهـــم مـــا يقـــول ثـــم
صــرخ علينــا صرخــة تخيــل لنــا منهــا أن القصــر قــد انقلــب علينـــا ودار فـــي أرض القصـــر كلهـــا حتـــى
رأى الحبــة التــي تــدارت فــي جانــب الفسقيــة فانقــض عليهــا ليلتقطهــا وإذا بالحبــة سقطـــت فـــي المـــاء
فانقلـب الديـك حمـارا كبيـرا ونـزل خلفهـا وغــاب ساعــة وإذا بنــا قــد سمعنــا صراخــا عاليــا فارتجفنــا.
وبعــد ذلــك طلــع العفريــت وهــو شعلــة نــار فألقــى مــن فمـــه نـــارا ومـــن عينيـــه ومنخريـــه نـــارا ودخانـــا
وانقلبـت الصبيـة لجـة نـار فاردنـا أن نغطـس فـي ذلـك المــاء خوفــا علــى أنفسنــا مــن الحريــق فمــا شعرنــا
إلا العفريـت قـد صـرخ مـن تحـت النيـران وصـار عندنــا فــي الليــوان ونفــخ فــي وجوهنــا بالنــار فلحقتــه
الصبيــة ونفخــت فــي وجهــه بالنــار أيضــا فأصابنـــا الشـــر منهـــا ومنـــه فأمـــا شررهـــا فلـــم يؤذينـــا وأمـــا
===
شرره فلحقني منه شـرارة فـي عينـي فأتلفتهـا وأنـا فـي صـورة القـرد ولحـق الملـك شـرارة منـه فـي وجهـه
فأحرقــت نصفـــه التحتانـــي بذقنـــه وحنكـــه ووقفـــت أسنانـــه التحتانيـــة ووقعـــت شـــرارة فـــي صـــدر
الطواشـي فاحتـرق ومـات مــن وقتــه وساعتــه فأيقنــا بالهلــاك وقطعنــا رجائنــا مــن الحيــاة. فبينمــا نحــن
كذلــك وإذا بقائــل يقــول: اللــه أكبــر اللــه أكبــر قــد فتــح ربــي ونصــر وخــذل مــن كفــر بديــن محمــد سيــد
البشــر وإذا بالقائــل بنــت الملــك قــد أحضــرت العفريــت فنظرنــا إليـــه فرأينـــاه قـــد صـــار كـــوم رمـــاد ثـــم
جـاءت الصبيـة وقالـت إلحقونـي بطاسـة مــاء فجــاؤوا بهــا فتكلمــت عليهــا بكلــام لا نفهمــه ثــم رشتنــي
بالمـاء وقالـت أخلـص بحـق الحـق وبحـق إسـم اللـه الأعظـم إلـى صورتـك الأولـى فصـرت بشـرا كمـا كنــت
أولا ولكــن تلفــت عينــي. فقالــت الصبيــة النــار يــا والــدي ثـــم أنهـــا لـــم تـــزل تستغيـــث مـــن النـــار وإذا
بشـرر أسـود قـد طلـع إلـى صدرهـا وطلـع إلـى وجههـا فلمـا وصـل إلـى وجههـا بكـت وقالـت أشهــد أن
لا إلـــه إلا اللـــه وأشهـــد أن محمــــدا رســــول اللــــه. ثــــم نظرنــــا إليهــــا فرأيناهــــا كــــوم رمــــاد بجانــــب كــــوم
العفريــت فحزنــا عليهــا وتمنيــت لـــو كنـــت مكانهـــا ولا أرى ذلـــك الوجـــه المليـــح الـــذي عمـــل فـــي هـــذا
المعــروف يصيـــر رمـــادا ولكـــن حكـــم اللـــه لا يـــرد. فلمـــا رأى الملـــك أبنتـــه صـــارت كـــوم رمـــاد نتـــف
لحيتــه ولطــم علــى وجهــه وشــق ثيابــه وفعلــت كمــا فعــل وبكينـــا عليهـــا ثـــم جـــاء الحجـــاب وأربـــاب
الدولـة فوجـدوا السلطـان فـي حالـة العـدم وعنـده كـوم رمــاد فتعجبــوا وداروا حــول الملــك ساعــة فلمــا
===
أفــاق أخبرهــم بمــا جــرى لإبنتــه مــع العفريـــت فعظمـــت مصيبتهـــم وصـــرخ النســـاء والجـــواري وعملـــوا
العــزاء سبعــة أيــام. ثــم إن الملــك أمــر أن يبنــي علـــى رمـــاد ابنتـــه قبـــة عظيمـــة وأوقـــد فيهـــا الشمـــوع
والقناديـل وأمـا رمـاد العفريـت فإنهـم أذروه فـي الهـواء إلـى لعنـة اللــه ثــم مــرض السلطــان مرضــا أشــرف
منــه علــى المــوت واستمــر مرضــه شهــرا وعــادت إليــه العافيــة فطلبنــي وقــال لــي يــا فتــى قـــد قضينـــا
زماننـا فـي أهنـأ عيـش آمنيـن مـن نوائـب الزمــان حتــى جئنــا فأقبلــت علينــا الأكــدار فليتنــا مــا رأينــاك
ولا رأينــا طلعتــك القبيحــة التــي لسببهــا صرنــا فــي حالــة العــدم. فـــأولا عدمـــت ابنتـــي التـــي كانـــت
تسـاوي مائـة رجــل وثانيــا جــرى لــي مــن الحريــق مــا جــرى وعــدم أضراســي ومــات خادمــي ولكــن مــا
بيـدك حيلـة بـل جـرى قضــاء اللــه علينــا وعليــك والحمــد للــه حيــث خلصتــك إبنتــي وأهلكــت نفسهــا
فاخـرج يـا ولـدي مـن بلـدي وكفـى مــا جــرى بسببــك وكــل ذلــك مقــدر علينــا وعليــك فاخــرج بسلــام.
فخرجــت يــا سيدتــي مــن عنــده ومــا صدقــت بالنجــاة ولا أدري أيــن أتوجــه وخطـــر علـــى قلبـــي مـــا
جــرى لـــي وكيـــف خلونـــي فـــي الطريـــق سالمـــا منهـــم ومشيـــت شهـــرا وتذكـــرت دخولـــي فـــي المدينـــة
واجتماعـي بالخيـاط واجتماعـي بالصبيــة تحــت الــأرض وخلاصــي مــن العفريــت بعــد أن كــان عازمــا
علــى قتلــي وتذكــرت مــا حصــل لــي مــن المبــدأ إلــى المنتهــى فحمــدت اللــه وقلــت بعينــي ولا بروحــي
ودخلــت الحمــام قبــل أن أخــرج مــن المدينــة وحلقــت ذقنــي وجئــت يــا سيدتــي وفـــي كـــل يـــوم أبكـــي
===
تحيرت والرحمن لاشك في أمري وحلت بي الأحزان من حيث لا أدري
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمر من الصبر
وما أحسن الصبر الجميل مع التقى وما قدر المولى على خلقه يجري
سرائر سري ترجمـان سريرتـي إذا مان سر السر سرك في سري
ولو أن ما بي بالجبـال لهدمـت وبالنار أطفأها والريح لم يسـر
ومن قال أن الدهر فيـه حلـاوة فـلا بـد مـن يـوم أمـر مــن المــر
ثــم سافــرت الأقطــار ووردت الأمصــار وقصــدت دار السلــام بغــداد لعلــي أتوصــل إلــى أميــر المؤمنيــن
وأخبــره بمــا جــرى فوصلــت إلــى بغــداد هــذه اليلــة فوجــدت أخـــي هـــذا الـــأول واقفـــا متحيـــرا فقلـــت
السلـــام عليـــك وتحدثـــت معـــه وإذا بأخينـــا الثالـــث قـــد أقبـــل علينـــا وقـــال السلـــام عليكـــم أنـــا رجــــل
غريــب فقلنــا ونحــن غريبــان وقــد وصلنــا هــذه الليلــة المباركــة. فمشينــا نحــن الثلاثـــة ومـــا فينـــا أحـــد
يعـرف حكايـة أحـد فساقتنـا المقاديـر إلـى هـذا البـاب ودخلنـا عليكـم وهـذا سبـب حلـق ذقنـي وتلــف
عينـي فقالـت لــه إن كانــت حكايتــك غريبــة فامســح علــى رأســك واخــرج فــي حــال سبيلــك فقــال لا
أخــرج حتــى أسمــع حديــث رفيقــي. فتقــدم الصعلــوك الثالــث وقــال أيتهــا السيــدة الجليلـــة مـــا قصتـــي
مثــل قصتهمــا بــل قصتــي أعجــب وذلــك أن هذيــن جاءهمــا القضــاء والقـــدر وأمـــا أنـــا فسبـــب حلـــق
===
ذقنـي وتلـف عينـي أننـي جلبـت القضـاء لنفسـي والهـم لقلبـي وذلــك أنــي كنــت ملكــا إبــن ملــك ومــات
والـدي وأخـذت الملـك مـن بعـده وحكمـت وعدلـت وأحسنــت للرعيــة وكــان لــي محبــة فــي السفــر فــي
البحــر وكانــت مدينتــي علــى البحـــر والبحـــر متســـع وحولنـــا جزائـــر معـــدة للقتـــال. فـــأردت أن أتفـــرج
علـى الجزائـر فنزلـت فـي عشـرة مراكـب وأخـذت معـي مؤونـة شهـر وسافــرت عشريــن يومــا. ففــي ليلــة
مــن الليالــي هبــت علينــا ريــاح مختلفــة إلــى أن لــاح الفجــر فهــدأ الريـــح وسكـــن البحـــر حتـــى أشرقـــت
الشمــس ثــم أننــا أشرفنــا علــى جزيــرة وطلعنــا إلــى البــر وطبخنــا شيئــا نأكلــه فأكلنــا ثــم أقمنــا يوميـــن
وسافرنــا عشريــن يومــا فاختلفــت علينــا الميــاه وعلــى الريــس استغــرب الريـــس البحـــر فقلنـــا للناطـــور:
انظـر البحـر بتأمـل فطلـع علـى الصـاري ثــم نــزل الناطــور وقــال للريــس: رأيــت عــن يمينــي سمكــا علــى
وجـه المــاء ونظــرت إلــى وســط البحــر فرأيــت ســوادا مــن بعيــد يلــوح تــارة أســود وتــارة أبيــض. فلمــا
سمــع الريــس كلــام الناطــور ضــرب الــأرض بعمامتــه ونتــف لحيتــه وقــال للنــاس ابشــروا بهلاكنــا جميعـــا
ولا يسلــم منــا أحــد وشــرع يبكــي وكذلــك نحــن الجميــع نبكــي علــى أنفسنــا فقلــت أيهــا الريــس أخبرنـــا
بمـا رأى الناطـور فقـال يـا سيــدي أعلــم أننــا تهنــا يــوم جــاءت علينــا الريــاح المختلفــة ولــم يهــدأ الريــح إلا
بكـرة النهـار ثـم أقمنـا يوميـن فتهنـا فـي البحـر ولـم نـزل تائهيـن أحـد عشـر يومـا مـن تلـك الليلــة وليــس لنــا
ريـح يرجعنــا إلــى مــا نحــن قاصــدون آخــر النهــار وفــي غــد نصــل إلــى جبــل مــن حجــر أســود يسمــى
===
حجـر المغناطيـس ويجرنـا الميـاه غصبـا إلـى جهتـه. فيتمـزق المركـب ويـروح كـل مسمـار فـي المركـب إلـى
الجبـل ويلتصـق بـه لـن اللـه وضـع حجـر مغناطيـس سـرا وهـو أن جميــع الحديــد يذهــب إليــه وفــي ذلــك
الجبــل حديــد كثيــر لا يعلمــه إلا اللــه تعالــى حتــى أنــه تكســر مــن قديــم الزمـــان مراكـــب كثيـــرة بسبـــب
ذلـك الجبـل ويلـي ذلـك البحـر قبـة مـن النحـاس الأصفـر معمـودة علـى عشـرة أعمــدة وفــوق القبــة فــارس
علـى فـرس مـن نحــاس وفــي يــد ذلــك الفــارس رمــح مــن النحــاس ومعلــق فــي صــدر الفــارس لــوح مــن
رصـاص منقـوش عليـه أسمـاء وطلاسـم فيهـا أيهــا الملــك مــا دام هــذا الفــارس راكبــا علــى هــذه الفــرس
تنكسـر المراكـب التـي تفـوت مـن تحتــه ويهلــك ركابهــا جميعــا ويلتصــق جميــع الحديــد الــذي فــي المركــب
بالجبــل ومــا الخلــاص إلا إذا وقــع هــذا الفــارس مــن فــوق تلــك الفــرس ثــم إن الريــس يـــا سيدتـــي بكـــى
بكــاء شديــد فتحققنــا أننــا هالكــون لا محالــة وكــل منــا ودع صاحبــه. فلمـــا جـــاء الصبـــاح قربنـــا مـــن
تلــك الجبــل وساقتنــا الميــاه إليــه غصبــا فلمــا صــارت الميــاه تحتــه انفتحــت وفــرت المساميــر منهـــا وكـــل
حديــد فيهــا نحــو حجــر المغناطيــس ونحــن دائــرون حولــه فــي آخــر النهــار وتمزقــت المراكــب فمنـــا مـــن
غـرق ومنـا مـن سلـم ولكـن أكثرنـا غـرق والذيـن سلمــوا لــم يعلمــوا ببعضهــم لــأن تلــك الأمــواج واختلــاف
الأريــاح أدهشتهــم. وأمــا أنــا يــا سيدتــي فنجانــي اللــه تعالــى لمــا أراده مــن مشقتــي وعذابــي وبلوتـــي
فطلعـت علـى لـوح مــن الألــواح فألقــاه الريــح والمــوج إلــى جبــل فأصبــت طريقــا متطرفــا إلــى أعلــاه علــى
===
هيئــة السلالــم منقــورة فــي الجبــل فسميــت اللــه تعالــى وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عــن الكلــام
المباح.
وفي الليلة السادسة عشرة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الصعلــوك الثالــث قــال للصبيــة والجماعــة مكتفــون والعبيــد واقفيــن
بالسيــوف علــى رؤوسهــم ثــم أنــي سميــت اللــه ودعوتــه وابتهلــت إليــه وحاولـــت الطلـــوع علـــى الجبـــل
وصــرت أتمســك بالنقــر التــي فيــه حتــى أسكــن اللــه الريـــح فـــي تلـــك الساعـــة وأعاننـــي علـــى الطلـــوع
فطلعــت سالمـــا علـــى الجبـــل وفرحـــت بسلامتـــي غايـــة الفـــرح ولـــم يكـــن لـــي دأب إلا القبـــة فدخلتهـــا
وصليـت فيهـا ركعتيـن شكـرا للـه علـى سلامتـي ثـم إنـي نمـت تحـت القبـة. فسمعـت قائـلا يقـول يـا ابـن
خصيــــب إذا انتهيــــت مــــن منامــــك فاحفــــر تحــــت رجليــــك قوســــا مــــن نحــــاس وثلــــاث نشابــــات مــــن
رصـــاص منقوشـــا عليهـــا طلاســـم فخـــذ القـــوس والنشابــــات وارم للفــــارس الــــذي علــــى القبــــة وارح
النـاس مـن هـذا البـلاء العظيـم فـإذا رميـت الفـارس يقــع فــي البحــر ويقــع القــوس مــن يــدك فخــذ القــوس
وادفنــه فــي موضعــه. فــإذا فعلــت ذلــك يطفــو البحــر ويعلــو حتــى يســاوي الجبــل ويطلــع عليـــه زورق
فيـه شخـص غيـر الـذي رميتـه فيجـيء غليـه وفـي يـده مجـذاف فاركـب معـه ولا تسـم اللـه تعالــى فإنــه
===
يحملـك ويسافـر بـك مـدة عشـرة أيـام إلـى أن يوصلـك إلـى بلـدك وهـذا غنمـا يتــم لــك إن لــم تســم اللــه.
ثـــم استيقظـــت مــــن نومــــي وقمــــت بنشــــاط وقصــــدت المــــاء كمــــا قــــال الهاتــــف وضربــــت الفــــارس
فرميتـه فوقـع فـي البحـر ووقـع القـوس مـن يـدي فأخـذت القـوس ودفنتـه فهـاج البحـر وعـلا حتـى سـاوى
الجبـل الـذي أنـا عليـه فلـم ألبـث غيـر ساعـة حتـى رأيـت زورقـا فـي وسـط البحــر يقصدنــي فحمــدت
اللــه تعالــى فلمــا وصــل إلــي الــزورق وجــدت فيـــه شخصـــا مـــن النحـــاس صـــدره لـــوح مـــن الرصـــاص
منقــوش بأسمــاء وطلاســم. فنزلــت فــي الــزورق وأنـــا ساكـــت لا أتكلـــم فحملنـــي الشخـــص أول يـــوم
والثانـي والثالـث إلـى تمـام عشـرة أيـام حتــى جزائــر السلامــة ففرحــت فرحــا عظيمــا ومــن شــدة فرحــي
ذكـرت اللـه وسميـت وهللــت وكبــرت فلمــا فعلــت ذلــك قذفنــي مــن الــزورق فــي البحــر ثــم رجــع فــي
البحـر وكنـت أعـرف العـوم فعمـت ذلـك اليـوم إلـى الليـل حتـى كلـت سواعـدي وتعبـت أكتافـي وصــرت
فـــي الهلكـــات ثـــم تشهـــدت وأيقنـــت بالمـــوت وهـــاج البحـــر مـــن كثـــرة الريـــاح فجــــاءت موجــــة كالقلعــــة
العظيمـة فحملتنـي وقذفتنـي قذفـة صـرت بهــا فــوق البــر لمــل يريــد اللــه فطلعــت البــر وعصــرت ثيابــي
ونشفتهـا علـى الـأرض وبـت. فلمـا أصبحـت لبسـت ثيابــي وقمــت أنظــر أيــن أمشــي فوجــدت غوطــة
فجئتهـــا ودرت حولهـــا فوجـــدت الموضـــع الـــذي فيـــه جزيـــرة صغيـــرة والبحـــر محيـــط بهـــا فقلــــت فــــي
نفسـي كلمـا أخلـص مـن بليـة أقــع فــي أعظــم منهــا فبينمــا أنــا متفكــر فــي أمــري أتمنــى المــوت إذ نظــرت
===
مركبـا فيهـا نـاس. فقمـت وطلعـت علـى شجـرة وإذا بالمركـب التصقـت بالبــر وطلــع منهــا عشــرة عبيــد
معهــم مساحــي فمشــوا حتــى وصلــوا إلــى وســط الجزيـــرة وحفـــروا فـــي الـــأرض وكشفـــوا عـــن طابـــق
فرفعـوا الطابـق وفتحـوا بابـه ثـم عـادوا إلـى المركــب ونقلــوا منهــا خبــزا ودقيقــا وسمنــاً وعســلاً وأغنامــاً
وجميــع مــا يحتــاج إليــه الساكــن وصــار العبيــد متردديــن بيــن المركـــب وبـــاب الطابـــق وهـــم يحولـــون مـــن
المركب وينزلون في الطابـق إلـى أن نقلـوا جميـع مـا فـي المركـب. ثـم بعـد ذلـك طلـع العبيـد ومعهـم ثيـاب
أحسـن مـا يكـون وفـي وسطهـم شيــخ كبيــر هــرم قــد عمــر زمنــا طويــلا وأضعفــه الدهــر حتــى صــار
فانيـا ويـد ذلـك الشيـخ فـي يـد صبـي قـد أفـرغ فـي قالـب الجمـال وألبـس حلـة الكمـال حتـى أنـه يضـرب
بحسنـه الأمثـال وهـو كالقضيـب الرطـب يسحـر كـل قلــب بجمالــه ويسلــب كــل لــب بكمالــه فلــم يزالــوا يــا
سيدتـي سائريـن حتـى أتـوا إلـى الطابـق ونزلـوا فيـه وغابـوا عـن عينـي. فلمـا توجهــوا قمــت ونزلــت مــن
فـوق الشجـرة ومشيــت إلــى موضــع الــردم ونبشــت التــراب ونقلتــه وصبــرت نفســي حتــى أزلــت جميــع
التــراب فانكشــف الطابــق فــإذا هـــو خشـــب مقـــدار حجـــر الطاحـــون فرفعتـــه فبـــان مـــن تحتـــه سلـــم
معقــود مــن حجــر فتعجبــت مــن ذلــك ونزلــت السلــم حتــى إنتهيــت إلــى آخــره فوجـــدت شيئـــا نظيفـــا
ووجــدت بستانــا وثانيــا إلــى تمــام تسعــة وثلاثيــن وكــل بستــان أرى فيــه مــا يكـــل عنـــه الواصفـــون مـــن
أشجـار وأنهـار وأثمـار وذخائـر. ورأيــت بابــا فقلــت فــي نفســي مــا الــذي فــي هــذا المكــان فلابــد أن
===
أفتحـه وأنظـر مـا فيـه ثـم فتحتـه فوجـدت فيـه فرسـا مسرجــا ملحمــا مربوطــا ففككتــه وركبتــه فطــار
بي إلى حطنـي علـى سطـح وأنزلنـي وضربنـي بذيلـه فأتلـف عينـي وفـر منـي فنزلـت مـن فـوق السطـح
فوجـدت عشـرة شبـان عـور فلمــا رأونــي قالــوا لا مرحبــا بــك فقلــت لهــم: أتقبلونــي أجلــس عندكــم.
فقالـوا واللـه لا تجلـس عندنـا فخرجـت مـن عندهــم حزيــن القلــب باكــي العيــن وكتــب اللــه لــي السلامــة
حتـى وصلـت إلـى بغـداد فحاقـت ذقنــي وصــرت صعلوكــا فوجــدت هذيــن الإثنيــن العوريــن فسلمــت
عليهمـا وقلـت لهمـا أنــا غريــب فقــالا ونحــن غريبــان فهــذا سبــب تلــف عينــي وحلــق ذقنــي فقالــت لــه
أمســح علــى رأســك وروح فقــال: لا أروح حتـــى أسمـــع قصـــة هـــؤلاء. ثـــم أن الصبيـــة التفتـــت إلـــى
الخليفـة وجعفـر ومسـرور وقالــت لهــم أخبرونــي بخبركــم فتقــدم جعفــر وحكــى لهــا الحكايــة التــي قالهــا
للبوابـة عنـد دخولهـم فلمـا سمعـت كلامـه قالـت وهبـت بعضكـم لبعــض فخرجــوا إلــى أن صــاروا فــي
الزقــاق فقــال الخليفــة للصعاليــك يــا جماعــة إلــى أيــن تذهبــون فقالــوا مــا نـــدري أيـــن نذهـــب فقـــال لهـــم
الخليفـة سيـروا وبيتـوا عندنـا وقـال لجعفــر خذهــم واحضرهــم لــي غــدا حتــى ننظــر مــا يكــون فامتثــل
جعفـر مـا أمـره بـه الخليفــة. ثــم أن الخليفــة طلــع إلــى قصــره ولــم يجئــه نــوم فــي تلــك الليلــة فلمــا اصبــح
جلـس علـى كرسـي المملكـة ودخلـت عليـه أربـاب الدولــة فالتفــت إلــى جعفــر بعــد أن طلعــت أربــاب
الدولـة وقـال ائتنــي بالثلــاث صبايــا والكلبتيــن والصعاليــك فنهــض جعفــر وأحضرهــم بيــن يديــه فأدخــل
===
الصبايــا تحــت الأسنــار. والتفــت لهــن جعفــر وقــال لهــن قــد عفونــا عنكــن لمــا أسلفتـــن مـــن الإحســـان
إلينـا ولـم تعرفنـا فهـا أنـا أعرفكـن وأنتـن بيـن يـدي الخامـس مـن بنـي العبـاس هـارون الرشيـد فــلا تخبرنــه
إلا حقــا فلمـــا سمـــع الصبايـــا كلـــام جعفـــر عـــن لســـان أميـــر المؤمنيـــن تقدمـــت الكبيـــرة وقالـــت يـــا أميـــر
المؤمنيــن أن لــي حديثـــا لـــو كتـــب بالإبـــر علـــى آمـــاق البصـــر لكـــان عبـــرة لمـــن اعتبـــر وأدرك شهـــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة عشرة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن كبيــرة الصبايــا لمــا تقدمــت بيــن يــدي أميــر المؤمنيــن وقالــت إن لــي
حديثـا عجيبـا وهـو أن هاتيـن الصبيتيــن أختــاي مــن أبــي مــن غيــر أمــي فمــات والدنــا وخلــف خمســة
آلـاف دينـار وكنـت أنـا اصغرهـن سنـا فتجهـزت أختــاي وتزوجــت كــل واحــدة برجــل ومكثنــا مــدة ثــم
إن كـــل واحـــد مـــن أزواجهمـــا هيـــأ متجـــرا واخـــذ مـــن زوجتــــه ألــــف دينــــار وسافــــروا مــــع بعضهــــم
وتركونـي فغابـوا أربـع سنيـن وضيـع زوجاهمــا المــال وخســرا وتركاهمــا فــي بلــاد النــاس فجاءانــي فــي
هيئـة الشحاتيـن. فلمـا رأيتهمـا ذهلـت عنهمـا ولـم أعرفهمــا ثــم إنــي لمــا عرفتهمــا قلــت لهمــا: مــا هــذا
الحــال فقالتــا يــا أختــاه إن الكلــام لا يفيــد الــآن وقــد جــرى القلــم بمــا حكــم اللــه فأرسلتهمــا إلــى الحمــام
===
وألبسـت كـل واحـدة حلـة وقلـت لهمـا يـا أختـي أنتمـا الكبيـرة وأنـا الصغيـرة وأنتـم عـوض عـن أبـي وأمــي
والــإرث الــذي ناســي معكمــا قــد جعــل اللــه فيــه البركــة فكــلا مــن زكاتــه وأحوالــي جليلــة وأنــا وأنتمـــا
ســواء وأحسنــت إليهمــا غايــة الإحســان فمكثــا عنــدي مــدة سنــة كاملــة وصــار لهمــا مـــال مـــن مالـــي
فقالتا لـي أن الـزواج خيـر لنـا وليـس لنـا صبـر عنـه. فقلـت لهمـا يـا أختـي لـم تريـا فـي الـزواج خيـرا فـإن
الرجــل الجيــد قليــل فــي هــذا الزمــان وقــد اخترتمـــا الـــزواج فلـــم يقبـــلا كلامـــي وتزوجـــا بغيـــر رضـــاي
فزوجتهمـــا مـــن مالـــي وسترتهمـــا ومضتـــا مـــع زوجيهمـــا فأقامـــا مـــدة يسيـــرة ولعـــب عليهمــــا زوجهمــــا
وأخــــذ مــــا كــــان معهمــــا وسافــــرا وتركاهمــــا فجاءتــــا عنــــدي وهمــــا عريانتيــــن واعتذرتــــا وقالتـــــا لا
تؤاخذينــا فأنــت أصغــر منــا سنــا وأكمــل عقــلا ومــا بقينــا نذكــر الــزواج أبــدا. فقلــت مرحبــا بكمــا يـــا
أختـي مـا عنـدي أعـز منكمـا وقبلتهمـا وزدتهمـا إكرامـا ولـم تــزل علــى هــذه الحالــة سنــة كاملــة فــأردت
أن أجهـز لـي لــي مركبــا إلــى البصــرة فجهــزت مركبــا كبيــرة وحملــت فيهــا البضائــع والمتاجــر ومــا أحتــاج
إليـه فـي المركـب وقلـت يـا أختـي هـل لكمـا أن تقعـدوا فـي المنـزل حتـى أسافـر وأرجـع أو تسافـرا معـي
فقالتــا تسافــر معــك فإنــا لا نطيــق فراقــك فأخذتهمــا وسافرنــا وكنــت قسمــت مالــي نصفيــن فأخـــذت
النصــف وخبــأت النصــف الثانــي وقلـــت ربمـــا يصيـــب المركـــب شـــيء ويكـــون فـــي العمـــر مـــدة فـــإذا
رجعنــا نجــد شيئــا ينفعنــا. ولــم نــزل مسافريــن أيامــا وليالــي فتاهـــت بنـــا المركـــب وغفـــل الريـــس عـــن
===
الطريــق ودخلــت المركــب بحــرا غيــر البحــر الــذي نريــده ولــم نعلــم بذلــك مــدة وطــاب لنــا الريــح عشــرة
أيـام فلاحـت لنـا مدينـة علـى بعـد فقلنـا للريـس مـا إسـم هـذه المدينـة التــي أشرفنــا عليهــا فقــال واللــه لا
أعلـــم ولا رأيتهـــا قـــط ولا سلكـــت عمـــري هـــذا البحـــر ولكـــن جـــاء الأمـــر بسلامـــة فمـــا بقــــي إلا أن
تدخلـوا هـذه المدينـة وتخرجـوا بضائعكـم فـإن حصـل لكـم بيـع فبيعـوا وغـاب ساعــة. ثــم جاءنــا وقــال
قومـوا إلـى المدينـة وتعجبـوا مـن صنـع اللـه فــي خلقــه واستعيــذوا مــن سخطــه فطلعنــا المدينــة فوجدنــا
كـل مـن فيهــا مسخوطــا حجــارة ســوداء فاندهشنــا مــن ذلــك ومشينــا فــي الأســواق فوجدنــا البضائــع
باقيـة والذهـب والفضـة باقييــن علــى حالهمــا ففرحنــا وقلنــا لعــل هــذا يكــون لــه أمــر عجيــب وتفرقنــا
فـي شـوارع المدينـة وكـل واحـد اشتغـل عـن رفيقـه بمـا فيهـا مـن المــال والقمــاش. وأمــا أنــا فطلعــت إلــى
القلعــة فوجدتهــا محكمــة فدخلــت قصــر الملــك فوجــدت فيــه جميــع الأوانـــي مـــن الذهـــب والفضـــة ثـــم
رأيـت الملـك جالسـا وعنـده حجابـه ونوابـه ووزرائـه وعليـه مـن الملابــس شــيء يتحيــر فيــه الفكــر فلمــا
قربـت مـن الملـك وجدتــه جالســا علــى كرســي مرصــع بالــدر والجواهــر فيــه كــل درة تضــيء كالنجمــة
وعليــه حلــة مزركشــة بالذهــب وواقفــا حولــه خمســون مملوكــا بيــن أنــواع الحريــر وفـــي أيديهـــم السيـــوف
مجــردة. فلمــا نظــرت لذلــك دهــش عقلــي ثــم مشيــت ودخلــت قاعــة الحريـــم فوجـــدت فـــي حيطانهـــا
ستائـــر مـــن الحريـــر ووجـــدت الملكـــة عليهـــا حلـــة مزركشـــة بالؤلـــؤ الرطـــب وعلـــى رأسهـــا تـــاج مكلـــل
===
بأنـواع الجواهـر وفـي عنقهـا قلائـد وعقـودا وجميـع مـا عليهـا مـن الملبـوس والمصـاغ بـاق علــى حالــه وهــي
ممسوخـــة حجـــر أســـود ووجـــدت بابـــا مفتوحـــا فدخلتـــه ووجـــدت فيـــه سلمـــا بسبـــع درج فصعدتـــه
فرأيـــت مكانـــا مرخمـــا مفروشـــا بالبســـط المذهبــــة ووجــــدت فيــــه سريــــر مــــن المرمــــر مرصعــــا بالــــدر
والجواهــر ونظــرت نــورا لامعــا فــي جهــة فقصدتهــا فوجــدت فيهــا جوهــرة مضيئــة قــدر بيــض النعامــة
علــى كرســي صغيــر وهــي تضــيء كالشمعــة ونورهــا ساطــع ومفــروش علــى ذلـــك السريـــر مـــن أنـــواع
الحريـر مـا يحيـر الناظـر. فلمـا نظـرت إلـى ذلـك تعجبـت ورأيـت فـي ذلـك المكــان شموعــا موقــدة فقلــت
فـي نفســي لابــد أن أحــدا أوقــد هــذه الشمــوع ثــم إنــي مشيــت حتــى دخلــت موضعــا غيــره وصــرت
أفتـش فـي تلـك الأماكـن ونسيـت نفسـي ممـا أدهشنـي مـن التعجـب مـن تلـك الأحــوال واستغــرق فكــري
إلـى أن دخـل الليـل فـأردت الخـروج فلـم أعـرف البـاب وتهـت عنـه فعـدت إلـى الجهـة التـي فيهــا الشمــوع
الموقـدة وجلسـت علــى السريــر وتغطيــت بلحــاف بعــد أن قــرأت شيئــا مــن القــرآن وأوردت النــوم فلــم
أستطــع ولحقنــي القلــق. فلمــا انتصــف الليــل سمعــت تلــاوة القــرآن بصــوت حســن رقيــق فالتفـــت إلـــى
مخـدع فرأيـت بابـه مفتوحـا فدخلـت البــاب ونظــرت المكــان فــإذا هــو معبــد وفيــه قناديــل معلقــة موقــدة
وفيــه سجــادة مفروشـــة جالـــس عليهـــا شـــاب حســـن المنظـــر فتعجبـــت كيـــف هـــو سالـــم دون أهـــل
المدينــة فدخلــت وسلمــت عليــه فرفــع بصــره ورد علــي السلــام فقلــت لـــه أسألـــك بحـــق مـــا تتلـــوه مـــن
===
كتـاب اللـه أن تجيبنـي عـن سؤالـي. فتبسـم وقـال أخبرنـي عـن سبـب دخولـك هـذا المكـان وأنـا أخبـرك
بجــواب مــا تسألينــه عنــه فأخبرتــه بخبــري فتعجــب مــن ذلــك ثــم إننــي سألتــه عــن خبــر هـــذه المدينـــة
فقـال أمهلينـي ثـم طبـق المصحـف وادخلـه كيـس مـن الأطلـس وأجلسنــي بجنبــه فنظــرت إليــه فــإذا هــو
كالبــدر حســن الأوصــاف ليــن الأعطــاف بهــي المنظــر رشيــق القــد أسيــل الخـــد زهـــي الجنـــات كأنـــه
المقصود من هذه الأبيات:
رصــد النجــم ليلــه فبــدا لـــه قــد المليــح يميــس فـــي برديـــه
وأمــد زحـــل ســـواد ذوائـــب والمسك هادي الخال في خديه
وغدت من المربـح حمـرة خـده والقوس يرمي النبل من جفنيـه
وعطـارد أعطـاه فــرط ذكائــه وأبـى السهـا نظـر الوشــاة إليــه
فغـدا المنجــم حائــرا ممــا أرى والأرض باس الأرض بين يديـه
فنظــرت لــه نظــرة أعقبتنــي ألــف حســرة وأوقــدت بقلبــي كــل جمــرة فقلــت لـــه يـــا مولـــاي أخبرنـــي عمـــا
سألتــك فقــال سمعــا وطاعــة. أعلمــي أن هــذه المدينــة مدينــة والــدي وجميــع أهلــه وقومــه وهــو الملـــك
الــذي رأيتــه علــى الكرســي ممسوخــا حجــرا وأمــا الملكـــة التـــي رأيتهـــا فهـــي أمـــي وقـــد كانـــوا مجوســـا
يعبــدون النــار دون الملــك الجبــار وكانــوا يقسمــون بالنــار والنــور والظــل والخــرور والفلـــك الـــذي يـــدور
===
وكــان أبــي ليــس لــه ولــد فــرزق بــي فــي آخــر عمــره فربانــي حتــى نشــأت وقــد سبقــت لــي السعـــادة
وكان عندنا عجوز طاعنة في السـن مسلمـة تؤمـن باللـه ورسولـه فـي الباطـن وتوافـق أهلـي فـي الظاهـر
وكـان أبـي يعتقـد فيهـا لمــا يــرى عليهــا مــن الأمانــة والعفــة وكــان يكرمهــا ويزيــد فــي إكرامهــا وكــان يعتقــد
أنهـا علــى دينــه. فلمــا كبــرت سلمنــي أبــي إليهــا وقــال: خذيــه وربيــه وعلميــه أحــوال ديننــا وأحسنــي
تربيتـــه وقومـــي بخدمتـــه فأخذتنـــي العجـــوز وعلمتنـــي ديـــن الإسلـــام مـــن الطهـــارة والوضـــوء والصلــــاة
وحفظتنـي القـرآن فلمـا أتمــت ذلــك قالــت لــي يــا ولــدي أكتــم هــذا الأمــر عــن أبيــك ولا تعلمــه بــه لئــلا
يقتلـك فكتمتـه عنـه ولـم أزل علـى هــذا الحــال مــدة أيــام قلائــل وقــد ماتــت العجــوز وزاد أهــل المدينــة
فـي كفرهـم وعتوهـم وضلالهـم. فبينمـا هـم علـى مـا هــم فيــه إذ سمعــوا مناديــا ينــادي بأعلــى صوتــه
مثـل الرعـد القاصــف سمعــه القريــب والبعيــد يقــول يــا أهــل المدينــة أرجعــوا عــن عبــادة النــار واعبــدوا
الملــك الجبــار فحصــل عنــد أهــل المدينــة فــزع واجتمعــوا عنــد أبــي وهــو ملــك المدينــة وقالــوا لـــه: مـــا
هـــذا الصـــوت المزعـــج الـــذي سمعنـــاه فاندهشنـــا مـــن شـــدة هولـــه فقــــال لهــــم لايهولنكــــم الصــــوت ولا
يردعنكم عن دينكم. فمالت قلوبهم إلـى قـول أبـي ولـم يزالـوا مكبيـن علـى عبـادة النـار واستمـروا علـى
طغيانهـم مـدة سنـة حتــى جــاء ميعــاد مــا سمعــوا الصــوت الــأول فظهــر لهــم ثانيــا فسمعــوا ثلــاث مــرات
علـى ثلــاث سنيــن فــي كــل سنــة مــرة فلــم يزالــوا عاكفيــن علــى مــا هــم عليــه حتــى نــزل عليهــم المقــت
===
والسخـط مـن السمـاء بعـد طلـوع الفجـر فمسخــوا حجــارة ســودا وكذلــك دوابهــم وأنعامهــم ولــم يسلــم
مـن أهـل هـذه المدينـة غيـري ومـن يـوم مـا جـرت هـذه الحادثــة وأنــا علــى هــذه الحالــة فــي صلــاة وصيــام
وتلـاوة قـرآن وقـد يئسـت مـن الوحـدة ومـا عنــدي مــن يؤنسنــي. فعنــد ذلــك قلــت لــه أيهــا الشــاب هــل
لـك أن تـروح معـي إلــى مدينــة بغــداد وتنظــر إلــى العلمــاء وإلــى الفقهــاء فتــزداد علمــا وفقهــا وأكــون أنــا
جاريتـــك مـــع إنـــي سيـــدة قومـــي وحاكمـــة علـــى رجـــال وخـــدم وغلمـــان وعنــــدي مركــــب مشحــــون
بالمتجـر وقـد رمتنـا المقاديـر علـى هـذه المدينـة حتـى كـان ذلـك سببــا فــي إطلاعنــا علــى هــذه الأمــور
وكان النصيب في إجتماعنـا ولـم أزل أرغبـه فـي التوجـه حتـى أجابنـي إليـه. وأدرك شهـرزاد الصبـاح
فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الثامنة عشرة
قالــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الصبيـــة مـــا زالـــت تحســـن للشـــاب التوجـــه معهـــا حتـــى غلـــب
عليهـا النـوم فنامـت تلــك الليلــة تحــت رجليــه وهــي لا تصــدق بمــا هــي فيــه مــن الفــرح ثــم قالــت فلمــا
أصبــح الصبــاح قمنــا ودخلنــا إلــى الخزائــن وأخذنــا مــا خــف حملــه وغــلا ثمنـــه ونزلنـــا مـــن القلعـــة إلـــى
المدينــة فقابلنــا العبيــد والريـــس وهـــم يفتشـــون علـــي فلمـــا رأونـــي فرحـــوا بـــي وسألونـــي عـــن سبـــب
===
غيابـي فأخبرتهـم بمـا رأيـت وحكيــت لهــم قصــة الشــاب وسبــب مســخ أهــل هــذه المدينــة ومــا جــرى
لهم فتعجبوا من ذلك.
فلمـا رأتنـي أختـاي ومعـي ذلـك الشـاب حسدتانـي عليـه وصارتـا فـي غيـظ وأضمرتـا المكــر لــي. ثــم
نزلنـا المركــب وأنــا بغايــة الفــرح وأكثــر فرحــي بصحبــة هــذا الشــاب وأقمنــا ننتظــر الريــح حتــى طابــت
لنــا الريــح فنشرنــا القلــوع وسافرنــا فقعــدت أختــاي عندنــا وصــارت تتحدثــان فقالتــا لــي يــا أختـــاه مـــا
تصنعيـن بهـذا الشـاب الحسـن فقلـت لهمـا قصـدي أن اتخـذه بعـلا ثــم التفــت إليــه وأقبلــت عليــه وقلــت
يا سيدي أنـا أقصـد أن أقـول لـك شيئـا فـلا تخالفنـي فيـه. فقـال سمعـا وطاعـة. ثـم التفـت إلـى أختـاي
وقلـت لهمـا يكفينـي هـذا الشـاب وجميـع هـذه الأمـوال لكمـا فقالتـا نعـم مـا فعلــت ولكنهمــا أضمرتــا لــي
الشـر ولـم نـزل سائريــن مــع اعتــدال الريــح حتــى خرجنــا مــن بحــر الخــوف ودخلنــا بحــر الأمــان وسافرنــا
أيامــا قلائــل إلــى أن قربنــا مــن مدينــة البصــرة ولاحــت لنـــا أبنيتهـــا فأدركنـــا المســـاء فلمـــا أخذنـــا النـــوم
قامـت أختــاي وحملتانــي أنــا والغلــام ورمتانــا فــي البحــر فأمــا الشــاب فإنــه كــان لا يحســن العــوم فغــرق
وكتبـه اللـه مـن الشهـداء. وأمـا أنــا فكنــت مــن السالميــن فلمــا سقطــت فــي البحــر رزقنــي اللــه بقطعــة
مـن خشـب فركبتهـا وضربتنـي الأمـواج إلـى أن رمتنـي علـى ساحـل جزيـرة فلـم أزل أمشـي فـي الجزيــرة
باقـي ليلتـي فلمـا أصبـح الصبـاح رأيـت طريقـا فيـه أثـر مشـي علـى قـدر ابــن آدم وتلــك الطريــق متصلــة
===
مـن الجزيـرة إلـى البـر وقـد طلعـت الشمـس فنشفـت ثيابـي فيهـا وسـرت فـي الطريـق ولـم أزل سائـرة إلـى
أن قربــت مــن البــر الـــذي فيـــه المدينـــة وإذا بحيـــة تقصدنـــي وخلفهـــا ثعبـــان يريـــد هلاكهـــا وقـــد تدلـــى
لسانهــا مــن شــدة التعــب. فأخذتنــي الشفقــة عليهــا فقعـــدت إلـــى حجـــر وألقيتـــه علـــى رأس الثعبـــان
فمات مـن وقتـه فنشـرت الحيـة جناحيـن وصـارت فـي الجـو فتعجبـت مـن ذلـك وقـد تعبـت فنمـت فـي
موضعــــي ساعــــة فلمــــا أفقــــت وجــــدت تحــــت رجلـــــي جاريـــــة وهـــــي تكبـــــس رجلـــــي فجلســـــت
واستحيـت منهـا وقلـت لهـا مـن أنـت ومـا شانـك فقالـت مـا أســرع مــا نسيتنــي أنــت التــي فعلــت معــي
الجميـل وقتلـت عـدوي فإنـي الحيـة التـي خلصتينـي مـن الثعبـان جنـي وهـو عــدوي ومــا نجانــي منــه إلا
أنت. فلمـا نجيتنـي منـه طـرت فـي الريـح وذهبـت إلـى المركـب التـي رمـاك منهـا أختـاك ونقلـت جميـع مـا
فيهـا إلـى بيتـك وأحرقتهـا وأمـا أختـاك فإنـي سحرتهمــا كلبتيــن مــن الكلــاب الســود فإنــي عرفــت جميــع
مــا جــرى لــك معهمــا وأمـــا الشـــاب فإنـــه غـــرق ثـــم حملنـــي أنـــا والكلبتيـــن والقتنـــا فـــوق سطـــح داري
فرأيـت جميـع مـا كـان فـي المركـب مـن الأمـوال فـي وسـط بيتـي ولـم يضـع منـه شـيء ثـم أن الحيـة قالــت
لـي وحـق النقـش الـذي علـى خاتـم سليمـان إذا لـم تضربـي كـل واحـدة منهـا فـي كـل يـوم ثلاثمائـة سـوط
لآتيـن أجعلـك مثلهمـا فقلــت سمعــا وطاعــة. فلــم أزل يــا أميــر المؤمنيــن أضربهــا ذلــك الضــرب وأشفــق
عليهمــا فتعجــب الخليفــة مـــن ذلـــك ثـــم قـــال للصبيـــة الثانيـــة: وأنـــت مـــا سبـــب الضـــرب الـــذي علـــى
===
جسـدك فقالـت: يـا أميـر المؤمنيـن إنـي كـان لـي والـد مـات وخلـف مـالا كثيــرا فأقمــت بعــده مــدة يسيــرة
وتزوجــت برجــل اسعــد أهــل زمانــه فأقمــت معــه سنــة كاملــة ومــات فورثــت منــه ثمانيــن ألــف دينـــار
فبينمـا أنـا جالسـة فـي يـوم مـن الأيـام إذ دخلـت علـي عجـوز بوجـه مسقــوط وحاجــب ممغــوط وعيونهــا
مفجرة وأسنانها مكسرة ومخاطها سائل وعنقها مائل كما قال فيها الشاعر:
عجـوز النحـس إبليـس يراهــا تعلمــه الخديعــة مــن سكـــوت
تقـود مـن السياسـة ألـف بغــل إذا انفــردوا بخيــط العنكبــوت
فلمـا دخلـت العجـوز علمــت علــي وقالــت أن عنــدي بنتــا يتيمــة والليلــة عملــت عرسهــا وأنــا قصــدي
لــك الأجــر والثــواب فاحضـــري عرسهـــا فأنهـــا مكســـورة الخاطـــر ليـــس لهـــا إلا اللـــه تعالـــى ثـــم بكـــت
وقبلــت رجلــي فأخذتنــي الرحمــة والرأفـــة فقلـــت سمعـــا وطاعـــة فقالـــت جهـــزي نفســـك فإنـــي وقـــت
العشـاء أجــي وآخــذك ثــم قبلــت يــدي وذهبــت فقمــت وهيــأت نفســي وجهــزت حالــي وإذا بالعجــوز
قـد أقبلـت وقالـت يــا سيدتــي أن سيــدات البلــد قــد حضــرن وأخبرتهــن بحضــورك ففرحــن وهــن فــي
انتظــارك فقمــت وتهيــأت وأخــذت جــواري معــي وســرت حتــى أتينــا إلـــى زقـــاق هـــب فيـــه النسيـــم
وراق فرأينــا بوابــة مقنطــرة قبــة مــن الرخــام مشيــدة البنيــان وفـــي داخلهـــا قصـــر قـــد قـــام مـــن التـــراب
وتعلـق بالسحـاب فلمـا وصلنـا إلـى البـاب طرقتــه العجــوز ففتــح لنــا ودخلنــا فوجدنــا دهليــزا مفروشــا
===
بالبسـط معلقـا فيـه قناديـل موقـدة وشمـوع مضيئــة وفيــه الجواهــر والمعــادن معلقــة فمشينــا فــي الدهليــز
إلـــى أن دخلنـــا القاعـــة فلـــم يوجـــد لهـــا نظيـــر مفروشـــة بالفـــراش الحريـــر معلقـــا فيهــــا القناديــــل الموقــــدة
والشمــوع المضيئــة وفــي صــدر القاعــة سريــر مــن المرمــر مرصــع بالــدر والجوهـــر وعليـــه ناموسيـــة مـــن
الأطلــس وإذا بصبيــة خرجــت مــن الناموسيــة مثــل القمــر فقالــت لــي مرحبــا وأهــلا وسهــلا يــا أختـــي
آنستيني وجبرت خاطري وأنشدت تقول:
لو تعلم الدار من زارها فرحت واستبشرت ثم باست موضع القدم
وأعلنــت بلســان الحـــال قائلـــة أهلا وسهلا بأهل الجود والكرم
ثـم جلسـت وقالـت يـا أختـي أن لـي أخـا وقـد رآك فـي الأفـراح وهـو شــاب احســن منــي وقــد أحبــك
قلبــه حبــا شديــدا وأعطــى هــذه العجــوز دراهــم حتــى أتتــك وعملــت الحيلـــة لأجـــل اجتماعـــه بـــك
ويريـد أخـي أن يتزوجــك بسنــة اللــه ورسولــه ومــا فــي الحلــال مــن عيــب فلمــا سمعــت كلامهــا ورأيــت
نفسـي قـد انحجـزت فـي الـدار فقلـت للصبيــة سمعــا وطاعــة ففرحــت وصفقــت بيدهــا وفتحــت بابــا
فخرج منه شاب مثل القمر كما قال الشاعر:
قــد زاد حسنــا تبـــارك اللـــه جـــل الـــذي صاغـــه وســــواه
قـد حـاز كــل الجمــال منفــردا كــل الــورى فــي جمالــه تهــواه
===
فلمـا نظـرت إليـه مـال قلبــي لــه ثــم جــاء وجلــس وإذا بالقاضــي قــد دخــل ومعــه أربعــة شهــود فسلمــوا
وجلسـوا ثـم أنهـم كتبـوا كتابــي علــى ذلــك الشــاب وانصرفــوا فالتفــت الشــاب إلــي وقــال ليلتنــا مباركــة
ثــم قــال يــا سيدتــي أنــي شــارط عليـــك شرطـــا فقلـــت يـــا سيـــدي ومـــا الشـــرط فقـــام وأحضـــر لـــي
مصحفــا وقــال احلفــي لــي أنــك لا تختــاري أحــدا غيــري ولا تميلــي إليــه فحلفــت لــه علــى ذلــك ففــرح
فرحــا شديــدا وعانقنــي فأخــذت محبتــه بمجامـــح قلبـــي وقدمـــوا لنـــا السمـــاط فأكلنـــا وشربنـــا حتـــى
اكتفينـا فدخـل علينـا الليـل. فأخذنـي ونـام معـي علــى الفــراش وبتنــا فــي عنــاق إلــى الصبــاح ولــم نــزل
علـى هـذه الحالـة مـدة شهـر ونحـن فـي هنـاء وسـرور وبعـد الشهـر استأذنتـه فــي أن أسيــر إلــى الســوق
وأشتـري بعـض قمـاش فـأذن لـي فـي الـرواح فلبسـت ثيابـي وأخـذت العجـوز معـي ونزلــت فــي الســوق
فجلسـت علـى دكـان تاجـر تعرفـه العجـوز وقالـت لـي هــذا ولــد صغيــر مــات أبــوه وخلــف مــالا كثيــرا
ثــم قالــت لــه هـــات أعـــز مـــا عنـــدك مـــن القمـــاش لهـــذه الصبيـــة. فقـــال لهـــا سمعـــا وطاعـــة فصـــارت
العجـوز تثنـي عليــه فقلــت مــا لنــا حاجــة بثنائــك عليــه لــأن مرادنــا أن نأخــذ حاجتنــا منــه ونعــود إلــى
منزلنــا فأخــرج لنــا مــا طلبنــاه وأعطينــاه الدراهــم فأبــى أن يأخــذ شيئــا وقــال هــذه ضيافتكمـــا اليـــوم
عنــدي فقلــت للعجــوز إن لــم يأخــذ الدراهـــم أعطـــه قماشـــه. فقـــال: واللـــه لا آخـــذ شيئـــا والجميـــع
هديـة مـن عنـدي فـي قبلـة واحـدة فإنهـا عنـدي أحسـن مــن مــا فــي دكانــي. فقالــت العجــوز مــا الــذي
===
يفيـدك مـن القبلـة ثـم قالـت يـا بنتـي قــد سمعــت مــا قــال هــذا الشــاب ومــا يصيبــك شــيء اخــذ منــك
قبلــة وتأخذيــن مــا تطلبينــه فقلــت لهــا أمــا تعرفيــن أنــي حالفــة فقالــت دعيــه يقبلــك وأنـــت ساكتـــة ولا
عليـك شـيء وتأخذيـن هـذه الدراهــم ولازالــت تحســن لــي الأمــر حتــى أدخلــت رأســي فــي الجــراب
ورضيـت بذلـك ثـم إنـي غطيــت عينــي وداريــت بطــرف إزاري مــن النــاس وحــط فمــه تحــت إزاري
علـى خـدي فمـا أن قبلنـي حتـى عضنـي عضــة قويــة حتــى قطــع اللحــم مــن خــدي فغشــي علــي ثــم
آخذتنـي العجـوز فـي حضنهـا. فلمـا أفقـت وجــدت الدكــان مقفولــة والعجــوز تظهــر لــي الحــزن وتقــول
مـا دفـع اللـه كـان أعظـم ثـم قالـت لـي قومـي بنـا إلـى البيــت وأعملــي نفســك ضعيفــة وأنــا أجــيء إليــك
بــدواء تداويــن بــه هــذه العضــة فتبرئيــن سريعــا فبعــد ساعــة قمــت مــن مكانــي وأنــا فــي غايـــة الفكـــر
واشتــداد الخــوف فمشيـــت حتـــى وصلـــت إلـــى البيـــت وأظهـــرت حالـــة المـــرض وإذا بزوجـــي داخـــل
وقال ما الـذي أصابـك يـا سيدتـي فـي هـذا الخـروج فقلـت لـه مـا انـا طيبـة فنظـر إلـي وقـال لـي مـا هـذا
الجـرح الـذي بخـدك وهـو فـي المكـان الناعـم. فقلـت لمـا استأذنتـك وخرجـت فـي هـذا النهــار لأشتــري
القمــاش زاحمنــي جمــل حامــل حطبــا فشــرط نقابــي وجــرح خــدي كمــا تــرى فــإن الطريــق ضيـــق فـــي
هـذه المدينـة فقـال غـدا أروح للحاكـم وأشكـوا لــه فيشنــق كــل حطــاب فــي المدينــة فقلــت باللــه عليــك
لا تتحمـل خطيئـة أحـد فإنـي ركبــت حمــارا نفــر بــي فوقعــت علــى الــأرض فصادفنــي عــود فخــدش
===
خــدي وجرحنــي فقــال غــدا أطلــع لجعفــر البرمكــي وأحكــي لــه الحكايــة فيقتـــل كـــل حمـــار فـــي هـــذه
المدينـة فقلــت هــل أنــت تقتــل النــاس كلهــم بسببــي وهــذا الــذي جــرى لــي بقضــاء اللــه وقــدره. فقــال
لابــد مــن ذلــك وشــدد علــي ونهــض قائمــا وصــاح صيحــة عظيمـــة فانفتـــح البـــاب وطلـــع منـــه سبعـــة
عبيـد سـود فسحبونـي مـن فراشــي ورمونــي فــي وســط الــدار ثــم أمــر عبــدا منهــم أن يمسكنــي مــن
أكتافـي ويجلـس علـى رأسـي وأمـر الثانـي أن يجلـس علـى ركبتــي ويمســك رجلــي وجــاء الثالــث وفــي
يـده سيــف فقــال يــا سيــدي أضربهــا بالسيــف فأقسمهــا نصفيــن وكــل واحــد يأخــذ قطعــة يرميهــا فــي
بحر الدجلة فيأكلها السمك وهذا جزاء من يخون الإيمان المودة وأنشد هذا الشعر:
إذا كان لي فيمن أحب مشارك منعت الهوى روحي ليتلفني وجدي
وقلت لها يا نفس موتي كريهة فلا خير في حب يكون مع الضد
ثــم قـــال للعبـــد اضربهـــا يـــا سعـــد فجـــرد السيـــف وقـــال اذكـــري الشهـــادة وتذكـــري مـــا كـــان لـــك مـــن
الحوائـج واوصـي ثـم رفعـت رأسـي ونظـرت إلــى حالــي وكيــف صــرت فــي الــذل بعــد العجــز فجــرت
عبرتي وبكيت أنشدت هذه الأبيات:
أقمتم فؤادي في الهوى وقعدتم واسهرتـم جفنـي القريـح ونمتـم
ومنزلكـم بيـن الفــؤاد وناظــري فلا القلب يسلوكم ولا الدمع يكتم
===
ولم ترحموا وجدي بكم وتلهفي أأنتم صـروف الحادثـات أمنتـم
سألتكم باللـه أن مـت فاكتبـوا على لـوح قبـري أن هـذا متيـم
لعل شجيا عارفا لوعة الهوى يمــر علــى قبــر المحــب فيرحــم
فلمـا فرغـت مـن شعـري بكيـت فلمـا سمـع الشعــر ونظــر إلــى بكائــي أزداد غيظــا علــى غيظــه وأنشــد
هذين البيتين:
تركت حبيب القلب لاعن ملانة ولكن جنى ذنبا يؤدي إلى الترك
إذا ارى شريكا في المحبة بيننـا وإيمان قلبي لا يميل إلـى الشـرك
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره بكيـــت واستعطفتـــه وإذا بالعجـــوز قـــد دخلــــت ورمــــت نفسهــــا علــــى أقــــدام
الشـاب وقبلتهـا وقالـت يـا ولـدي بحـق تربيتـي لـك تعفـوا عـن هـذه الصبيــة فإنهــا مــا فعلــت ذنبــا يوجــب
ذلـك وأنـت شـاب صغيـر فأخـاف عليـك مـن دعائهـا ثـم بكـت العجـوز ولــم تــزل تلــح عليــه حتــى قــال
عفــوت عنهــا ولكــن لابــد لــي أن أعمــل فيهــا أثــرا يظهــر عليهــا بقيــة عمرهــا ثــم أمــر العبيــد فجذبونــي
مــن ثيابــي وأحضــر قضيبــا مــن سفرجــل ونــزل بـــه علـــى جســـدي بالضـــرب ولـــم يـــزل يضربنـــي ذلـــك
الشـاب علـى ظهـري وجنبـي حتـى غبــت عــن الدنيــا مــن شــدة الضــرب وقــد يئســت مــن حياتــي ثــم
أمـر العبيـد أنـه إذا دخـل الليـل يحملوننـي ويأخـذون العجـوز معهـم ويرموننــي فــي بيتــي الــذي كنــت فيــه
===
سابقـا. ففعلـوا مـا أمرهــم بــه سيدهــم ورمونــي فــي بيتــي فتعاهــدت نفســي وتداويــت فلمــا شفيــت
بقيـت أضلاعـي كأنهـا مضروبــة بالمقــارع كمــا تــرى فاستمريــت فــي مــداواة نفســي أربعــة أشهــر حتــى
شفيـت ثـم جئـت إلـى الـدار التــي جــرت لــي فيهــا ذلــك الأمــر فوجدتهــا خربــة ووجــدت الزقــاق مهــد
ومـا مـن أولـه إلـى آخـره ووجـدت فـي موقـع الـدار كيمـا ولـم أعلـم سبـب ذلـك فجئـت إلـى أختــي هــذه
التـي مـن أبـي فوجـدت عندهـا هاتيـن الكلبتيـن فسلمـت عليهـا وأخبرتهـا بخبـري وبجميـع مـا جـرى لـي.
فقالـــت مـــن ذا الـــذي مـــن نكبـــات الزمـــان سلـــم الحمـــد للـــه الـــذي جعـــل الأمـــر بسلامـــة ثـــم أخبرتنـــي
بخبرهــا وبجميــع مــا جــرى لهــا مــن أختيهــا وقعــدت أنــا وهــي لا نذكــر خبـــر الـــزواج علـــى ألسنتنـــا ثـــم
صاحبتنـا هـذه الصبيـة الدلالـة فـي كـل يـوم تخـرج فتشتـري لنــا مــا نحتــاج إليــه مــن المصالــح علــى جــري
علاتهـا فوقـع لنـا مـا وقـع مـن مجـيء الجمــال والصعاليــك ومــن مجيئكــم فــي صفــة تجــار فلمــا صرنــا فــي
هـذا اليــوم ولــم نشعــر إلا نحــن بيــن يديــك وهــذه حكايتنــا فتعجــب الخليفــة مــن هــذه الحكايــة وجعلهــا
تاريخها مثبتا في خزانته وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة عشرة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن الخليفــة أمــر أن تكتــب هــذه القصــة فــي الدواويــن ويجعلوهــا فــي
===
خزانـة الملـك ثـم أنـه قـال للصبيـة الأولـى هـل عنـدك خبـر بالعفريتـة التـي سحـرت أختيـك قالــت يــا أميــر
المؤمنيـن إنهـا أعطتنـي سيئـا مـن شعرهــا وقالــت إن أردت حضــوري فاحرقــي مــن هــذا الشعــر شيئــا
فأحضــر إليــك عاجــلا ولــو كنــت خلــف جبــل قــاف. فقــال الخليفـــة أحضـــري لـــي الشعـــر فأحضرتـــه
الصبيـــة فأخـــذه الخليفـــة وأحـــرق منـــه شيئـــا فلمـــا فاحـــت منـــه رائحـــة إهتــــز القصــــر وسمعــــوا دويــــا
وصلصلــة وإذا بالجنيــة حضــرت وكانــت مسلمــة فقالــت السلــام عليكــم يــا خليفــة اللــه فقــال: وعليكـــم
السلــــام ورحمــــة اللــــه وبركاتــــه فقالــــت أعلــــم أن هــــذه الصبيــــة صنعــــت معــــي جميــــلا ولا أقـــــدر أن
أكافئهــا عليــه فهــي أنقذتنــي مــن المــوت وقتلــت عــدوي ورأيــت مــا فعلــه معهــا أختاهــا فمـــا رأيـــت إلا
أنـــي أنتقـــم منهمـــا فسحرتهمـــا كلبتيـــن بعـــد أن أردت قتلهمـــا فخشيـــت أن يصعـــب عليهــــا وإن أردت
خلاصهمـا يـا أميـر المؤمنيـن أخلصهمــا كرامــة لــك ولهــا فإنــي مــن المسلميــن. فقــال لهــا خلصيهمــا وبعــد
ذلـك نشـرع فـي أمـر الصبيـة المضروبـة وتفحــص عــن حالهــا فــإذا ظهــر لــي صدقهــا أخــذت ثأرهــا ممــن
ظلمهــا فقالــت العفريتــة يــا أميــر المؤمنيـــن أنـــا أدلـــك علـــى مـــا فعـــل بهـــذه الصبيـــة هـــذا الفعـــل وظلمهـــا
وأخـــذ مالهـــا وهـــو أقـــرب النـــاس إليـــك ثــــم إن العفريتــــة أخــــذت طاســــة مــــن المــــاء وعزمــــت عليهــــا
ورشـت وجـه الكلبتيــن وقالــت لهمــا عــودا إلــى صورتكمــا الأولــى البشريــة فعادتــا صبيتيــن سبحــان
خالقهمــا ثــم قالــت يــا أميــر المؤمنيــن أن الــذي ضــرب الصبيــة ولـــدك الأميـــن فإنـــه كـــان يسمـــع بحسنهـــا
===
وجمالهـــا وحكـــت لـــه العفريتـــة جميـــع مـــا جـــرى للصبيـــة فتعجــــب وقــــال الحمــــد للــــه خلــــاص هاتيــــن
الكلبتين على يدي.
ثـم أن الخليفـة أحضـر ولـده الأميـن بيـن يديـه وسألـه عـن قصـة الصبيـة الأولــى فأخبــره علــى وجــه الحــق
فأحضــره الخليفــة القضــاة والشهــود والصعاليــك الثلاثــة وأحضـــر الصبيـــة الأولـــى وأختيهـــا اللتيـــن كانتـــا
مسحورتيـــن فـــي صـــورة كلبتيـــن وزوج الثلاثـــة للثلاثـــة الصعاليــــك الذيــــن أخبــــروه أنهــــم كانــــوا ملوكــــا
وعملهــم حجابــا عنــده وأعطاهــم مــا يحتاجــون إليــه وأنزلهــم فــي قصــر بغــداد ورد الصبيــة المضروبــة
لولـده الأميـن وأعطاهـا مـالا كثيـرا وأمــر أن تبنــى الــدار أحســن مــا كانــت ثــم أن الخليفــة تــزوج بالدلالــة
ورقـد فـي تلـك الليلـة معهــا. فلمــا أصبــح أفــرد لهــا بيتــا وجــواري يخدمنهــا ورتــب لهــا راتبــا وشيــد
لهـا قصــرا ثــم قــال لجعفــر ليلــة مــن الليالــي أنــي أريــد أن ننــزل فــي هــذه الليلــة إلــى المدينــة ونســأل عــن
أحــوال الحكــام والمتوليــن وكــل مــن شكــا منــه أحـــد عزلنـــاه فقـــال جعفـــر ومســـرور نعـــم وســـاروا فـــي
المدينـة ومشـوا فـي الأسـواق مـروا بزقـاق فـرأوا شيخـا كبيـرا علـى رأسـه شبكـة وقفـة وفـي يـده عصــا
وهـو مـاش علـى مهلـه. ثـم إن الخليفـة تقـدم إليــه وقــال لــه يــا شيــخ مــا حرفتــك قــال يــا سيــدي صيــاد
وعندي عائلة وخرجت من بيتـي مـن نصـف النهـار إلـى هـذا الوقـت ولـم يقسـم اللـه لـي شيئـا أقـوت بـه
عيالـي وقـد كرهـت نفسـي وتمنيـت المـوت. فقـال لـه الخليفـة هـل لـك أن ترجـع معنــا إلــى البحــر وتقــف
===
علــى شاطــئ الدجلــة وترمــي شبكتــك علــى بختــي وكــل مــا طلــع اشتريتــه منــك بمائــة دينــار. ففــرح
الرجــل لمــا سمــع هــذا الكلــام وقـــال علـــى رأســـي أرجـــع معكـــم. ثـــم أن الصيـــاد ورجـــع إلـــى البحـــر
ورمـى شبكتــه وصبــر عليهــا ثــم أنــه جــذب الخيــط وجــر الشبكــة إليــه فطلــع فــي الشبكــة صنــدوق
مقفـــول ثقيـــل الـــوزن فلمـــا نظـــر الخليفـــة وجـــده ثقيـــلا فأعطـــى الصيـــاد مائـــة دينـــار وانصــــرف وحمــــل
الصنـدوق مسـرور هـو وجعفـر وطلعـا بـه مـع الخليفـة إلـى القصـر وأوقــد الشمــوع والصنــدوق بيــن يــدي
الخليفــة فتقــدم جعفــر ومســرور وكســروا الصنــدوق فوجـــدوا فيـــه قفـــة خـــوص محيطـــة بصـــوت أحمـــر
فقطعــوا الخياطــة فـــرأوا فيهـــا قطعـــة بســـاط فرفعوهـــا فوجـــدوا تحتهـــا أزار فرفعـــوا الـــأزار فوجـــدوا
تحتهـا صبيـة كأنهـا سبيكـة مقتولــة ومقطوعــة. فلمــا نظرهــا الخليفــة جــرت دموعــه علــى خــده والتفــت
إلى جعفر وقال: يا كلـب الـوزراء أتقتـل القتلـى فـي زمنـي ويرمـون فـي البحـر ويصيـرون متعلقيـن بذمتـي
واللـه لابـد أن أقتـص لهـذه الصبيـة ممـن قتلهـا وأقتلـه وقـال لجعفــر وحــق اتصــال نسبــي بالخلفــاء مــن بنــي
العباس إن لم تأتينـي بالـذي قتـل هـذه لأنصفهـا منـه لأصلبنـك علـى بـاب قصـري أنـت وأربعيـن مـن بنـي
عمـك واغتـاظ الخليفــة. فقــال جعفــر أمهلنــي ثلاثــة أيــام قــال أمهلتــك. ثــم خــرج جعفــر مــن بيــن يديــه
ومشى فـي المدينـة وهـو حزيـن وقـال فـي نفسـه مـن أعـرف مـن قتـل هـذه الصبيـة حتـى أحضـره للخليفـة
وإن أحضـرت لـه غيـره يصيـر معلقـا بذمتـي ولا أدري مــا أصنــع. ثــم إن جعفــر جلــس فــي بيتــه ثلاثــة
===
أيـام وفـي اليـوم الرابـع أرسـل لـه الخليفـة يطلبـه فلمـا تمثـل بيـن يديـه قـال لـه أيـن قاتـل الصبيـة قـال جعفـر يــا
أميــر المؤمنيــن أنــا أعلــم الغيــب حتــى أعــرف قاتلهــا فاغتــاظ الخليفــة وأمــر بصلبـــه علـــى بـــاب قصـــره
وأمــر مناديــا ينــادي فــي شــوارع بغــداد مــن أراد الفرجــة علـــى صلـــب جعفـــر البرمكـــي وزيـــر الخليفـــة
وصلـــب أولـــاد عمـــه علـــى بـــاب قصـــر الخليفـــة ليخـــرج ليتفـــرج. فخـــرج النـــاس مـــن جميـــع الحــــارات
ليتفرجــوا علــى صلــب جعفــر وصلــب أولــاد عمــه ولــم يعلمــوا سبــب ذلــك ثـــم أمـــر بنصـــب الخشـــب
فنصبــوه وأوقفهــم تحتــه لأجـــل الصلـــب وصـــاروا ينتظـــرون الـــإذن مـــن الخليفـــة وصـــار الخلـــق يتباكـــون
علـى جعفـر وعلـى أولـاد عمـه. فبينمـا هـم كذلـك وإذا بشـاب حسـن نقــي الأثــواب يمشــي بيــن النــاس
مسرعـا إلـى أن وقــف بيــن يــدي الوزيــر وقــال لــه: سلامتــك مــن هــذه الوقفــة يــا سيــد الأمــراء وكهــف
الفقـراء أنـا الـذي قتلـت القتيلـة التـي وجدتموهـا فـي الصنـدوق فاقتلنـي فيهـا واقتــص منــي. فلمــا سمــع
جعفـر كلـام الشـاب ومـا أبـداه مـن الخطــاب فــرح بخلــاص نفســه وحــزن علــى الشــاب. فبينمــا هــم فــي
الكلـام وإذا بشيـخ كبيـر يفسـح النـاس ويمشـي بينهـم بسرعــة إلــى أن وصــل إلــى جعفــر والشــاب فسلــم
عليهمـا ثـم قـال أيهـا الوزيـر لا تصــدق كلــام هــذا الشــاب فإنــه مــا قتــل هــذه الصبيــة إلا أنــا فاقتــص لهــا
منــي. فقــال الشــاب أيهــا الوزيــر إن هـــذا الشيـــخ كبيـــر خرفـــان لا يـــدري مـــا يقـــول وأنـــا الـــذي قتلتهـــا
فاقتــص منــي. فقــال الشيــخ يــا ولــدي أنــت صغيــر تشتهــي الدنيــا وأنــا كبيــر شبعــت مـــن الدنيـــا وأنـــا
===
أفديــك وأفــدي الوزيــر وبنــي عمــه ومــا قتــل الصبيــة إلا أنــا فباللــه عليــك أن تعجــل بالإقتصــاص منــي
فلمـا نظـر إلـى ذلـك الأمـر تعجــب منــه وأخــذ الشــاب والشيــخ وطلــع بهمــا عنــد الخليفــة وقــال يــا أميــر
المؤمنيــن قــد حضــر قاتــل الصبيــة فقــال الخليفــة أيــن هــو فقــال إن هــذا الشــاب يقـــول أنـــا القاتـــل وهـــذا
الشيـخ يكذبـه ويقـول لا بـل أنـا القاتـل. فنظــر الخليفــة إلــى الشيــخ والشــاب وقــال مــن منكمــا قتــل هــذه
الصبيـة فقـال الشـاب مـا قتلتهـا إلا أنــا وقــال الشيــخ مــا قتلهــا إلا أنــا. فقــال الخليفــة لجعفــر خــذ الإثنيــن
واصلبهمـا فقـال جعفـر إذا كــان القاتــل واحــد فقتــل الثانــي ظلــم فقــال الشــاب: وحــق مــن رفــع السمــاء
وبســط الــأرض أنــي أنــا الــذي قتلــت الصبيــة وهــذه أمــارة قتلهــا ووصــف مــا وجــده الخليفـــة فتحقـــق
عنـد الخليفـة أن الشـاب هـو الـذي قتـل الصبيـة فتعجـب الخليفـة وقــال: ومــا سبــب إقــرارك بالقتــل مــن
غيـر ضـرب وقولـك اقتصـوا لهـا منـي. فقـال الشـاب: أعلـم يـا أميــر المؤمنيــن أن هــذه الصبيــة زوجتــي
وبنـت عمـي وهـذا الشيـخ أبوهـا وهـو عمـي وتزوجـت بهـا وهــي بكــر فرزقنــي اللــه منهــا ثلاثــة أولــاد
ذكـــور وكانـــت تحبنـــي وتخدمنـــي ولـــم أر عليهـــا شيئـــا فلمـــا كـــان أول هــــذا الشهــــر مرضــــت مرضــــا
شديــدا فأحضــرت لهــا الأطبــاء حتـــى حصلـــت لهـــا العافيـــة فـــأردت أن أدخلهـــا الحمـــام فقالـــت إنـــي
أريــد شيئــا قبــل دخــول الحمــام لأنــي أشتهيــه فقلــت لهــا ومــا هــو فقالــت: إنــي أشتهــي تفاحــة أشمهــا
وأعــض منهــا عضــة. فطلعــت مــن ساعتـــي إلـــى المدينـــة وفتشـــت علـــى التفـــاح ولـــو كانـــت الواحـــدة
===
بدينـار فلـم أجـده فبــت تلــك الليلــة وأنــا متفكــر فلمــا أصبــح الصبــاح خرجــت مــن بيتــي ودرت علــى
البساتيـن واحـد واحـد فلـم أجـده فيهـا فصادفنـي خولـي كبيـر فسألتـه عـن التفـاح فقـال: يـا ولـدي هــذا
شـيء قـل أن يوجـد لأنـه معـدوم ولا يوجـد إلا فـي بستـان أميــر المؤمنيــن الــذي فــي البصــرة وهــو عنــد
خولي يدخـره للخليفـة فجئـت إلـى زوجتـي وقـد حملتنـي محبتـي إياهـا علـى أن هيـأت نفسـي وسافـرت
يومـا ليـلا ونهـارا فـي الذهـاب والإيـاب وجئـت لهــا بثلــاث تفاحــات إشتريتهــا مــن خولــي البصــرة بثلاثــة
دنانيــر ثــم إنــي دخلــت وناولتهــا إياهــا فلــم تفــرح بهــا بــل تركتهــا فــي جانبهـــا وكـــان مـــرض الحمـــى قـــد
اشتـد بهـا ولـم تـزل فـي ضعفهـا إلـى أن مضـى لهـا عشـرة أيـام وبعـد ذلـك عوفيـت فخرجـت مـن البيـت
وذهبـت إلـى دكانـي وجلســت فــي بيعــي وشرائــي. فبينمــا أنــا جالــس فــي وســط النهــار وإذا بعبــد
أسـود مـر علـي وفـي يـده تفاحـة يلعـب بهـا فقلـت لـه: مـن أيـن هـذه التفاحـة حتــى آخــذ مثلهــا فضحــك
وقـــال أخذتهـــا مـــن حبيبتـــي وأنـــا كنـــت غائبـــا وجئـــت فوجدتهـــا ضعيفــــة وعندهــــا ثلــــاث تفاحــــات
فقالـت إن زوجــي الديــوث سافــر مــن شأنهــا إلــى البصــرة فاشتراهــا بثلاثــة دنانيــر فأخــذت منهــا هــذه
التفاحـة فلمـا سمعــت كلــام العبــد يــا أميــر المؤمنيــن اســودت الدنيــا فــي وجهــي وقفلــت دكانــي وجئــت
إلـى البيـت وأنـا فاقـد العقـل مـن شـدة الغيــظ فلــم أجــد التفاحــة الثالثــة فقلــت لهــا: أيــن التفاحــة الثالثــة
فقالـــت لا أدري ولا أعـــرف أيـــن ذهبـــت. فتحققـــت قـــول العبـــد وقمـــت وأخـــذت سكينـــا وركبـــت
===
علــى صدرهــا ونحرتهــا بالسكيــن وقطعــت رأسهــا وأعضائهــا ووضعتهــا فــي القفــة بسرعــة وغطيتهــا
بالـإزار ووضعـت عليهـا شقـة بسـاط وأنزلتهـا فـي الصنـدوق وقفلتـه وحملتهـا علـى بغلتـي ورميتهـا فــي
الدجلـــة بيـــدي. فباللـــه عليـــك يـــا أميـــر المؤمنيـــن أن تعجـــل بقتلـــي قصاصــــا لهــــا فإنــــي خائــــف مــــن
مطالبتهـا يـوم القيامـة فإنـي لمـا رميتهـا فـي بحـر الدجلـة ولـم يعلـم بهـا أحـد رجعـت إلــى البيــت فوجــدت
ولــدي الكبيــر يبكــي ولــم يكــن لــه علــم بمــا فعلــت فــي أمــه. فقلــت لــه مــا يبكيــك فقــال إنــي أخـــذت
تفاحـة مـن التفـاح الـذي عنـد أمــي ونزلــت بهــا إلــى الزقــاق ألعــب مــع إخوتــي وإذا بعبــد طويــل خطفهــا
منـي وقـال لـي مـن أيـن جاءتــك هــذه فقلــت لــه هــذه سافــر أبــي وجــاء بهــا مــن البصــرة مــن أجــل أمــي
وهــي ضعيفــة واشتــرى ثلــاث تفاحــات بثلاثــة دنانيــر فأخذهــا منــي وضربنــي وراح بهــا فخفــت مـــن
أمــي أن تضربنــي مــن شــأن التفاحـــة. فلمـــا سمعـــت كلـــام الولـــد علمـــت أن العبـــد هـــو الـــذي افتـــرى
الكلـام الكــذب علــى بنــت عمــي وتحققــت أنهــا قتلــت ظلمــا ثــم إنــي بكيــت بكــاء شديــدا وإذا بهــذا
الشيخ وهـو عمـي والدهـا قـد أقبـل فأخبرتـه بمـا كـان فجلـس بجانبـي وبكـى ولـم نـزل نبكـي إلـى نصـف
الليـل وأقمنـا العــزاء خمســة أيــام ولــم نــزل إلــى هــذا اليــوم ونحــن نتأســف علــى قتلهــا فبحرمــة أجــدادك
أن تعجـل بقتلـي وتقتـص منــي. فلمــا سمــع الخليفــة كلــام الشــاب تعجــب وقــال واللــه لا أقتــل إلا العبــد
الخبيث أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الخليفــة اقســم أنــه لا يقتــل إلا العبــد لــأن الشــاب معـــذور ثـــم أن
الخليفـة التفـت إلـى جعفـر وقـال لـه أحضـر لـي هـذا العبــد الخبيــث الــذي كــان سببــا فــي هــذه القضيــة
وإن لـم تحضـره فأنـت تقتــل عوضــا عنــه فنــزل يبكــي ويقــول: مــن أيــن أحضــره ولا كــل مــرة تسلــم الجــرة
وليس لي فـي هـذا الأمـر حيلـة والـذي سلمنـي فـي الـأول يسلمنـي فـي الثانـي واللـه مـا بقيـت أخـرج مـن
بيتـي ثلاثـة أيـام والحـق سبحانـه يفعـل مـا يشـاء. ثـم أقـام فـي بيتـه ثلاثــة أيــام وفــي اليــوم الرابــع أحضــر
القاضـي وأوصـى وودع أولـاده وبكـى وإذا برسـول الخليفـة أتـى إليـه وقـال لـه أن أميـر المؤمنيـن فـي أشــد
مــا يكــون مــن الغضــب وأرسلنــي إليــك وحلــف أنــه لا يمــر هــذا النهــار إلا وأنــت مقتــول إن لــم تحضـــر
العبـد. فلمـا سمـع جعفـر هـذا الكلـام بكـى هــو وأولــاده فلمــا فــرغ مــن التوديــع تقــدم إلــى بنتــه الصغيــرة
ليودعهـا وكـان يحبهـا أكثـر مـن أولـاده جميعـا فضمهـا إلـى صـدره وبكـى علــى فراقهــا فوجــد فــي جيبهــا
شـيء مكببــا فقــال لهــا مــا الــذي فــي جيبــك فقالــت لــه يــا أبــت تفاحــة جــاء بهــا عبدنــا ريحــان ولهــا
معـي أربعـة أيـام ومـا أعطاهـا لـي حتــى أخــذ منــي ديناريــن. فلمــا سمــع جعفــر بذكــر العبــد والتفاحــة
فـرح وقـال يـا قريـب الفـرج ثــم إنــه أمــر بإحضــار العبــد فحضــر فقــال لــه مــن أيــن هــذه التفاحــة فقــال يــا
سيــدي مــن مــدة خمســة أيــام كنــت ماشيــا فدخلــت فــي بعــض أزقــة المدينــة فنظــرت صغــار يلعبـــون
ومـــع واحـــد منهـــم هـــذه التفاحـــة فخطفتهـــا منـــه وضربتـــه فبكـــى وقـــال هــــذه لأمــــي وهــــي مريضــــة
===
واشتهـت علـى أبـي تفاحـا فسافـر إلـى البصــرة وجــاء لهــا بثلــاث تفاحــات بثلــاث دنانيــر فأخــذت هــذه
ألعـــب بهـــا ثـــم بكـــى فلـــم ألتفـــت إليـــه وأخذتهـــا وجئـــت بهـــا إلـــى هنـــا فأخذتهـــا سيدتـــي الصغيـــرة
بديناريــن فلمــا سمــع جعفــر هــذه القصــة تعجــب لكــون الفتنــة وقتــل الصبيــة مـــن عبـــده وأمـــر بسجـــن
العبد وفرح بخلاص نفسه ثم أنشد هذين البيتين:
ومــــن كانــــت دريتــــه بعبـــــد فمـــا للنفــــس تجعلــــه فداهــــا
فإنـــك واجـــد خدمـــا كثيــــرا ونفسك لم تجـد نفسـا سواهـا
ثـم أنـه قبـض علـى العبـد وطلـع بـه إلــى الخليفــة فأمــر أن تــؤرخ هــذه الحكايــة وتجعــل سيــرا بيــن النــاس
فقـال لـه جعفــر لاتعجــب يــا أميــر المؤمنيــن مــن هــذه القصــة فمــا هــي بأعجــب مــن حديــث نــور الديــن
مــع شمــس الديــن أخيــه فقـــال الخليفـــة وأي حكايـــة أعجـــب مـــن هـــذه الحكايـــة فقـــال جعفـــر: يـــا أميـــر
المؤمنين لا أحدثك إلا بشرط أن تعتق عبدي من القتل. فقال قد وهبت لك دمه.
===
حكاية الوزير نور الدين مع شمس الدين أخيه
فقــال جعفــر: أعلــم يــا أميــر المؤمنيــن أنــه كــان فــي مصــر سلطـــان صاحـــب عـــدل وإحســـان لـــه وزيـــر
عاقـل خبيـر لـه علـم بالأمـور والتدبيـر وكـان شيخـا كبيـرا ولـه ولـدان كأنهمـا قمـران وكـان الكبيـر شمــس
الديـن وأدهـم الصغيـر نـور الديـن وكـان الصغيـر أميـر مـن الكبيــر فــي الحســن والجمــال وليــس فــي زمانــه
أحسـن منـه حتـى أنـه شـاع ذكـره فـي البلـاد فكــان بعــض أهلهــا يسافــر مــن بلــاده إلــى بلــده لأجــل رؤيــة
جمالــه فأتفــق أن والدهمــا مــات فحــزن عليــه السلطــان وأقبــل علــى الوالديــن وفـــر بهمـــا وخلـــع عليهمـــا
وقـال لهمـا أنتمـا فــي مرتبــة أبيكمــا ففــرح وقبــلا الــأرض بيــن يديــه وعمــلا العــزاء لأبيهمــا شهــرا كامــلا
ودخــلا فــي الـــوزارة وكـــل منهمـــا يتولاهـــا جمعـــة وإذا أراد السلطـــان السفـــر يسافـــر مـــع واحـــد منهمـــا
فاتفـق فـي ليلـة مــن الليالــي أن السلطــان كــان عازمــا علــى السفــر فــي الصبــاح وكانــت النوبــة للكبيــر.
فبينمـا الأخـوان يتحدثـان فـي تلـك الليلـة: إذ قـال الكبيـر يـا أخـي قصـدي أن أتـزوج أنـا وأنــت فــي ليلــة
واحـدة فقـال الصغيـر إفعــل يــا أخــي مــا تريــد فإنــي موافقــك علــى مــا تقــول واتفقــا علــى ذلــك. ثــم أن
الكبيـر قـال لأخيـه إن قـدر اللـه وخطبنـا بنتيـن ودخلنـا فـي ليلـة واحـدة ووضعنـا فـي يـوم واحــد وأراد
اللــه وجــاءت زوجتــك بغلــام وجــاءت زوجتــي ببنــت نزوجهمــا لبعضهمــا لأنهمــا أولــاد عـــم فقـــال نـــور
===
الدين يـا أخـي مـا تأخـذ مـن ولـدي فـي مهـر بنتـك قـال آخـذ مـن ولـدك فـي مهـر بنتـي ثلاثـة آلـاف دينـار
وثلاثـة بساتيـن وثلـاث ضيـاع فـإن عقـد الشـاب عقـده بغيـر هـذا لا يصـح. فلمــا سمــع نــور الديــن هــذا
الكلـام قـال مـا هــذا المهــر الــذي اشترطــه علــى ولــدي أمــا تعلــم أننــا إخــوان ونحــن الإثنــان وزيــران فــي
مقــام واحــد وكــان الواجــب عليــك أن تقــدم ابنتــك لولــدي هديــة مــن غيــر مهـــر فانـــك تعلـــم أن الذكـــر
أفضــل مــن الأنثــى وولــدي ذكــر ويذكــر بــه وخلــاف ابنتــك فقــال ومالهـــا قـــال لا ذكـــر بهـــا بيـــن الأمـــراء
ولكــن أنــت تريــد أن تفعــل معــي علــى رأي الــذي قــال أن أردت أن تطــرده فأجمـــل الثمـــن غاليـــا وقيـــل
أن بعــض النــاس قــدم علــى بعــض أصحابــه فقصــده فــي حاجــة فغلــى عليــه الثمــن. فقــال لــه شمـــس
الديــن أراك قــد قصــرت لأنــك تعمــل إبنــك أفضــل مـــن بنتـــي ولا شـــك أنـــك ناقـــص عقـــل وليـــس لـــك
أخلــاق حيــث تذكــر شركــة الــوزارة وأنــا مــا أدخلتــك معــي فــي الـــوزارة إلا شفقـــة عليـــك ولأجـــل أن
تساعدنـي وتكـون لـي معينـا ولكـن قـل مـا شئـت وحيـث صـدر منـك هــذا القــول واللــه لا أزوج بنتــي
لولـــدك ولـــو وزنـــت ثقلهـــا ذهبـــا فلمـــا سمـــع نـــور الديـــن كلـــام أخيـــه اغتـــاظ وقـــال وأنـــا لا أزوج إبنــــي
إبنتــك فقــال شمــس الديــن أنــا لا أرضــاه لهــا بعــلا ولــو أننــي أريــد السفـــر لكنـــت عملـــت معـــك العبـــر
ولكــن لمــا أرجــع مــن السفــر يعمــل اللــه مــا يريــد. فلمــا سمــع نـــور الديـــن مـــن أخيـــه ذلـــك الكلـــام امتـــلأ
غيظـا وغـاب عـن الدنيـا وكتـم مـا بـه وبـات كـل واحـد فـي ناحيـة. فلمـا أصبـح الصبــاح بــرر السلطــان
===
للسفـر وعـدي إلــى الجزيــرة وقصــد الأهــرام وصحبــه الوزيــر شمــس الديــن وأمــا أخــوه نــور الديــن فبــات
فــي تلــك الليلــة فــي أشــد مــا يكــون مــن الغيــظ فلمــا أصبــح الصبــاح قــام وصلــى الصبــح وعمــد إلــى
خزانتــه وأخــذ منهــا خرجــا صغيــرا وملــأه ذهبــا وتذكـــر قـــول أخيـــه واحتقـــاره إيـــاه وافتخـــاره فأنشـــد
هذه الأبيات:
سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
ما في المقام لذي لب وذي أدب معزة فاتـرك الأمطـان واغتـرب
إني رأيت وقوف الماء يفسده فإن جرى طاب أو لم يجر لم يطب
والبـدر أفـول منــه مــا نظــرت إليه في كل حيـن عيـن مرتقـب
والأسد لولا فراق الغاب ما قنصت والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والتبر كالتراب ملقى في أماكنـه والعود في أرضه نوع من الحطب
فــإن تغــرب هــذا عــز مطلبــه وإن أقام فـلا يعلـوا إلـى رتـب
فلمــا فــرغ مــن شعــره أمــر بعـــض غلمانـــه أن يشـــد لـــه بغلـــة زرزوريـــة غاليـــة سريعـــة المشـــي فشدهـــا
ووضـــع عليهــــا سرجــــا مذهبــــا بركابــــات هنديــــة وعبــــاآت مــــن القطيفــــة الأصفهانيــــة فســــارت كأنهــــا
عــروس مجليــة وأمــر أن يجعــل عليهــا بســاط حريــر وسجــادة وأن يوضــع الخــرج مــن تحــت السجــادة ثــم
===
قــال للغلــام والعبيــد: قصــدي أن أتفــرج خــارج المدينــة وأروح نواحــي القلبونيــة وأبيــت ثلــاث ليــال فـــلا
يتبعنـي منكـم أحـد فـإن عنـدي ضيـق صـدر. ثـم أســرع وركــب البغلــة وأخــذ معــه شيئــا قليــلا مــن
الـزاد وخـرج مـن مصـر واستقبـل البـر فمـا جـاء عليـه الظهـر حتـى دخـل مدينــة فليبــس فنــزل عــن بغلتــه
واستــراح وأراح البغلــة وأكــل شيئــا وأخــذ مــن فليبــس مــا يحتــاج إليـــه ومـــا يعلـــق بـــه علـــى بغلتـــه ثـــم
استقبـل البـر فمــا جــاء عليــه الظهــر بعــد يوميــن حتــى دخــل مدينــة القــدس فنــزل عــن بغلتــه واستــراح
وأراح بغلتـه وأخـرج شيئـا أكلـه ثـم وضـع الخـرج تحـت رأسـه وفــرش البســاط ونــام فــي مكــان والغيــظ
غالـب عليـه ثـم أنـه بــات فــي ذلــك المكــان. فلمــا أصبــح الصبــاح ركــب وصــار يســوق البغلــة إلــى أن
وصـل إلـى مدينـة حلــب فنــزل فــي بعــض الخانــات وأقــام ثلاثــة أيــام حتــى استــراح وأراح البغلــة وشــم
الهـواء ثـم عـزم علـى السفـر وركـب بغلتـه وخـرج مسافـرا ولا يـدري أيـن يذهـب ولـم يــزل سائــرا إلــى أن
وصـل إلـى مدينـة البصـرة ليـلا ولــم يشعــر بذلــك حتــى نــزل فــي الخــان وأنــزل الخــرج عــن البغلــة وفــرش
السجـــادة وأودع البغلـــة بعدتهـــا عنـــد البـــواب وأمـــره أن يسيرهـــا فأخذهــــا وسيرهــــا فاتفــــق أن وزيــــر
البصـرة كـان جالـس فـي شبـاك قصـره فنظــر إلــى البغلــة ونظــر مــا عليهــا مــن العــدة المثمنــة فظنهــا بغلــة
وزيــر مــن الــوزراء أو ملــك مــن الملــوك فتأمــل فــي ذلــك وحــار عقلــه وقــال لبعــض غلمانـــه ائتنـــي بهـــذا
البـواب. فذهـب الغلـام إلــى الوزيــر فتقــدم البــواب وقبــل الــأرض بيــن يديــه وكــان الوزيــر شيخــا كبيــرا
===
فقــال للبــواب مــن صاحــب هــذه البغلــة ومــا صفاتــه فقــال البــواب يــا سيــدي إن صاحــب هــذه البغلـــة
شــاب صغيــر ظريــف الشمائــل مــن أولــاد التجــار عليــه هيبــة ووقــار. فلمــا سمــع الوزيــر كلــام البــواب
قــام علــى قدميــه وركــب وســار إلــى الخــان ودخــل علــى الشــاب فلمــا رأى نــور الديـــن الوزيـــر قادمـــا
عليـه قـام ولاقـاه واحتضنـه ونـزل الوزيـر مـن فـوق جــواده وسلــم عليــه فرحــب بــه وأجلســه عنــده وقــال
لــه يــا ولــدي مــن أيــن أقبلــت ومــاذا تريــد. فقـــال نـــور الديـــن يـــا مولـــاي إنـــي قدمـــت مـــن مدينـــة مصـــر
وكــان أبــي وزيــرا فيهــا وقــد انتقــل إلــى رحمــة اللــه وأخبــره بمــا جــرى مــن المبتــدأ إلــى المنتهــى ثــم قــال
وعزمـت علـى نفسـي أن لا أعـود أبـدا حتــى أنظــر جميــع المــدن والبلــدان فلمــا سمــع الوزيــر كلامــه قــال
لـه يـا ولـدي لا تطـاوع النفـس فترميـك فـي الهلــاك فــإن البلــدان خــراب وأنــا أخــاف عليــك مــن عواقــب
الزمــان. ثــم إنــه أمــر بوضــع الخــرج عــن البغلــة والبســاط والسجــادة وأخــذ نــور الديـــن معـــه إلـــى بيتـــه
وأنزلـه فـي مكـان ظريـف وأكرمـه وأحسـن إليـه وأحبـه حبـا شديـدا وقـال لــه يــا ولــدي أنــا بقيــت رجــلا
كبيرا ولم يكن لـي ولـد ذكـر وقـد رزقنـي اللـه بنتـا تقاربـك فـي الحسـن ومنعـت عنهـا خطابـا كثيـرة وقـد
وقـع حبـك فـي قلبــي فهــل لــك أن تأخــذ إبنتــي جاريــة لخدمتــك وتكــون لهــا بعــلا. فــإن كنــت تقبــل
ذلـك أطلــع إلــى سلطــان البصــرة وأقــول لــه أنــه ولــد أخــي وأوصلــك إليــه حتــى أجعلــك وزيــرا مكانــي
وألـزم أنـا بيتـي فإنـي صـرت رجــلا كبيــرا. فلمــا سمــع نــور الديــن كلــام وزيــر البصــرة أطــرق برأســه ثــم
===
قــال سمعــا وطاعــة ففــرح الوزيــر بذلــك وأمــر غلمانــه أن يصنعــوا لـــه طعامـــا وأن يزينـــوا قاعـــة الجلـــوس
الكبـرة المعـدة لحضـور أكابـر الأمـراء ثـم جمـع أصحابـه ودعـا أكابـر الدولــة وتجــار البصــرة فحضــروا بيــن
يديـه وقـال لهـم أنـه كـان لـي أخ وزيـر بالديـار المصريــة ورزقــه اللــه ولديــن وأنــا كمــا تعلمــون رزقنــي اللــه
بنتــا وكـــان أخـــي أوصانـــي أن أزوج بنتـــي لأحـــد أولـــاده فأجبتـــه إلـــى ذلـــك فلمـــا استحقـــت الـــزواج
أرسـل إلـي أحـد أولـاده وهــو هــذا الشــاب الحاضــر فلمــا جائنــي أحببــت أن أكتــب كتابــه علــى بنتــي
ويدخــل بهــا عنــدي. فقالــوا: نعــم مــا قلــت ثــم شربـــوا السكـــر ورشـــوا مـــاء الـــورود وانصرفـــوا وأمـــا
الوزيــر فإنــه أمـــر غلمانـــه أن يأخـــذوا نـــور الديـــن ويدخلـــوا بـــه الحمـــام وأعمـــاه الوزيـــر بدلـــة مـــن خـــاص
ملبوسـه وأرسـل إليــه الفــوط والطاســات ومجامــر البخــور ومــا يحتــاج إليــه فلمــا خــرج مــن الحمــام لبــس
البدلـــة فصـــار كالبـــدر ليلـــة تمامـــه ثـــم ركـــب بغلتـــه ودخـــل علـــى الوزيـــر فقبـــل يـــده ورحــــب الوزيــــر
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والعشرون
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الوزيـر قـام لـه ورحــب بــه وقــال لــه: قــم وأدخــل هــذه الليلــة علــى
زوجتـك وفـي غـد أطلـع بـك إلـى السلطـان وأرجـوا لـك مـن اللـه كـل خيـر فقـام نـور الديــن ودخــل علــى
===
زوجتــه بنــت الوزيــر هــذا مــا كــان مــن أمــر نـــور الديـــن وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر أخيـــه فإنـــه غـــاب مـــع
السلطــان مــدة فــي السفــر ثــم رجــع فلــم يجــد أخــاه فســأل عنــه الخــدم فقالــوا لــه مــن يــوم سافــرت مـــع
السلطــان ركــب بغلتــه بعــدة الموكــب وقــال أنــا متوجــه إلــى جهــة القيلوبيــة فأغيــب يومــا أو يوميــن فـــإن
صـدري ضـاق ولا يتبعنـي منكـم أحـد. ومـن يـوم خروجـه إلـى هـذا اليـوم لـم نسمـع لــه خبــرا فتشــوش
خاطـر شمـس الديـن علـى فـراق أخيـه واغتــم غمــا شديــدا لفقــده وقــال فــي نفســه مــا سبــب ذلــك إلا
أني أغلظـت عليـه فـي الحديـث ليلـة سفـري مـع السلطـان فلعلـه تغيـر خاطـره وخـرج مسافـرا فـلا بـد أن
أرسـل خلفـه ثـم طلـع وأعلـم السلطـان بذلـك فكتــب بطاقــات وأرســل بهــا إلــى نوابــه فــي جميــع البلــاد
ونـور الديـن قطـع بلـادا بعيـدة فـي مـدة غيـاب أخيـه مـع السلطـان فذهبـت الرسـل بالمكاتيـب ثـم عــادوا
ولــم يقفــوا لــه علــى خبــر ويئــس شمــس الديــن مــن أخيــه وقــال لقـــد أغظـــت بكلامـــي مـــن جهـــة زواج
الأولـاد فليـت ذلـك لـم يكـن ومـا حصــل ذلــك إلا مــن قلــة عقلــي وعــدم تدبيــري. ثــم بعــد مــدة يسيــرة
خطـب بنـت رجــل مــن تجــار مصــر وكتــب كتابــه عليهــا ودخــل بهــا وقــد اتفــق أن ليلــة دخــول شمــس
الديـن علـى زوجتــه كانــت ليلــة دخــول نــور الديــن علــى زوجتــه بنــت وزيــر البصــرة وذلــك بــإرادة اللــه
تعالــى حتــى ينفــذ حكمــه فــي خلقــه وكـــان الأمـــر كمـــا قالـــاه فاتفـــق أن الزوجتيـــن حملتـــا منهمـــا وقـــد
وضعـت زوجــة شمــس الديــن وزيــر مصــر بنتــا لا يــرى فــي مصــر أحســن منهــا ووضعــت زوجــة نــور
===
ومهفهـف يغنــي النديــم بريقــه عـن كأسـه الملـأى وعـن أبريقـه
فعــل المــدام ولونهـــا ومذاقهـــا مــن مقلتيــه ووجنتيـــه وريقـــه
فسمــوه حسنــا وفــي سابــع ولادتــه صنعــوا الولائــم وعملـــوا أسمطـــة لا تصلـــح إلا لأولـــاد الملـــوك ثـــم أن
وزيـر البصــرة أخــذ معــه نــور الديــن وطلــع بــه إلــى السلطــان فلمــا صــار قدامــه قبــل الــأرض بيــن يديــه
وكان نور الدين فصيح اللسان ثابت الجنان صاحب حسن وإحسان فأنشد قول الشاعر:
هـذا الــذي عــم الأنــام بعدلــه وسطــا فمهــد سائـــر الآفـــاق
أشكر صنائعه فلسـن صنائعـا لكنهـــــــن قلائـــــــد الأعنـــــــاق
وأنتـــم أناملــــه فلســــن أنامــــلا لكنهــــــن مفاتـــــــح الـــــــأزرق
فألزمهــا السلطــان وشكــر نــور الديــن علــى مــا قــال وقــال لوزيــره مـــن هـــذا الشـــاب فحكـــى لـــه الوزيـــر
قصتـه مـن أولهـا إلـى آخرهـا وقـال لـه هـذا إبـن أخـي فقـال وكيـف يكـون إبـن أخيـك ولـم نسمـع بــه فقــال
يــا مولانــا السلطــان إنــه كــان لــي أخ وزيــر بالديــار المصريــة وقـــد مـــات وخلـــف ولديـــن فالكبيـــر جلـــس
فــي مرتبــة والــده وزيـــرا وهـــذا الصغيـــر جـــاء عنـــدي وحلـــف أنـــي لا أزوج إبنتـــي إلا لـــه فلمـــا جـــاء
زوجتــه بهــا وهــو شــاب وأنــا صــرت شيخــا كبيــرا وقــل سمعــي وعجــز تدبيــري والقصـــد مـــن مولانـــا
السلطــان أن يجعلــه فــي مرتبتــي فإنــه إبــن أخــي وزوج إبنتـــي وهـــو أهـــل للـــوزارة لأنـــه صاحـــب رأي
===
وتدبيـر. فنظـر السلطـان إليـه فأعجبـه واستحســن رأي الوزيــر بمــا أشــار عليــه مــن تقديمــه فــي رتبــة
الــوزراء فأنعـــم عليـــه بهـــا وأمـــر لـــه بخلعـــة عظيمـــة وزاد لـــه الجوامـــك والجرايـــات إلـــى أن إتســـع عليـــه
الحـــال وســـار لـــه مراكـــب تسافـــر مـــن تحـــت يــــده بالمتاجــــر وغيرهــــا وعمــــر أملاكــــا كثيــــرة ودواليــــب
وبساتيــن إلــى أن بلــغ عمــر ولــده حســن أربـــع سنيـــن فتوفـــي الوزيـــر الكبيـــر والـــد زوجـــة نـــور الديـــن
فأخرجـه خرجـة عظيمـة وأوراه فـي التـراب ثـم اشتغـل بعـد ذلـك بتربيــة ولــده فلمــا بلــغ أشــده أحضــر
لـه فقيهـا يقرئـه فـي بيتـه وأوصـاه بتعليمـه وحسـن تربيتـه فأقــرأه وعلمــه فوائــد فــي العلــم بعــد أن حفــظ
القرآن في مدة سنوات وما زال حسن يزداد جمالا وحسنا واعتدالا كما قال الشاعر:
قمر تكامل في المحاسن وانتهى فالشمس تشرق من شقائق خده
ملــك الجمـــال بأســـره فكأنمـــا حسـن البريـة كلهــا مــن عنــده
وقـد ربـاه الفقيـه فـي قصـر أبيـه ومـن حيـن نشأتـه لـم يخـرج مـن قصـر الـوزارة إلـى أن أخـذه والـده الوزيــر
نـور الديـن يومـا مـن الأيـام وألبسـه بدلـة مــن أفخــر ملبوســه وأركبــه بغلــة مــن خيــار بغالــه وطلــع بــه إلــى
السلطــان ودخــل بــه عليــه فنظــر الملــك حســـن بـــدر الديـــن بـــن الوزيـــر نـــور الديـــن فانبهـــر مـــن حسنـــه
وقـال لأبيـه يـا وزيـر لابـد أنـك تحضـره معـك فـي كـل يـوم فقـال سمعــا وطاعــة ثــم عــاد الوزيــر بولــده إلــى
منزلـه ومـا زال يطلـع بـه إلـى حضـرة السلطـان فـي كـل يـوم إلـى أن بلـغ الولـد مـن العمـر خمسـة عشـر عامـا
===
ثــم ضعــف والــده الوزيــر نــور الديــن فاحضـــره وقـــال لـــه يـــا ولـــدي أعلـــم أن الدنيـــا دار فنـــاء والآخـــرة
دار بقــاء وأريــد أن أوصيــك وصايـــا فافهـــم مـــا أقـــول لـــك وأصـــغ قلبـــك إليـــه وصـــار يوصيـــه بحســـن
عشـــرة النـــاس وحســـن التدبيـــر. ثـــم إن نـــور الديـــن تذكـــر أخـــاه وأوطانـــه وبلـــاده وبكـــى علـــى فرقـــة
الأحبـاب وسجـت دموعـه وقـال يـا ولـدي إسمــع قولــي فــإن لــي أخــا يسمــى شمــس الديــن وهــو عمــك
ولكنــه وزيــر بمصــر قــد فارقتــه وخرجــت علــى غيــر رضــاه والقصــد أنـــك تأخـــذ دوجـــا مـــن الـــورق
وتكتـب مـا أمليـه عليـك فأحضـر قرطاسـا وصـار يكتـب فيــه كــل مــا قالــه أبــوه فأملــى عليــه جميــع مــا
جـرى لـه مـن أولـه إلـى آخــره وكتــب لــه تاريــخ زواجــه ودخولــه علــى بنــت الوزيــر وتاريــخ وصولــه إلــى
البصــرة واجتماعــه بوزيرهــا. وكتــب وصيــة موثقــة ثــم قــال لولــده: إحفــظ هــذه الوصيــة فــإن ورقتهــا
فيهــا أصلــك وحسبــك ونسبــك فــإن أصابــك شــئ مــن الأمــور فاقصــد مصــر واستـــدل علـــى عمـــك
وسلــم عليــه وأعلمــه أنــي مــت غريبــا مشتاقــا إليــه فأخـــذ حســـن بـــدر الديـــن الرقعـــة وطواهـــا ولـــف
عليهــا خرقــة مشمعــة وخاطهــا بيــن البطانــة والظهــارة وصــار يبكــي علــى أبيــه مــن أجـــل فراقـــه وهـــو
صغيـر ومـا زال نـور الديـن يوصـي ولـده حسـن بـدر الديـن حتـى طلعـت روحــه فأقــام الحــزن فــي بيتــه
وحـزن عليـه السلطــان وجميــع الأمــراء ودفنــوه ولــم يزالــوا فــي حــزن مــدة شهريــن وولــده لــم يركــب ولــم
يطلـع الديـوان ولــم يقابــل السلطــان وأقــام مكانــه بعــض الحجــاب وولــى السلطــان وزيــرا مكانــه وأمــره أن
===
يختــم علــى أماكــن نــور الديــن وعلــى عماراتــه وعلــى أملاكــه. فنـــزل الوزيـــر الجديـــد وأخـــذ الحجـــاب
وتوجهـوا إلـى بيـت الوزيـر نـور الديـن يختمـون عليـه ويقبضـون علـى ولـده حســن الديــن ويطلعــون بــه إلــى
السلطــان ليعمــل فيــه مــا يقتضــي رأيــه وكــان بيــن العسكــر مملــوك مــن مماليــك الوزيــر نــور الديــن المتوفــي
فلـم يهـن عليـه ولـد سيــده فذهــب ذلــك المملــوك إلــى حســن بــدر الديــن فوجــده منكــس الــرأس حزيــن
القلـب علـى فـراق والـده فأعلمـه بمـا جـرى فقـال لـه هـل فـي الأمـر مهلـة حتـى أدخــل فآخــذ معــي شيئــا
مـن الدنيـا لأستعيـن بـه علـى الغربـة فقـال لـه المملـوك أنــج بنفســك فلمــا سمــع كلــام المملــوك غطــى رأســه
بذيلــه وخــرج ماشيــا إلــى أن صـــار خـــارج المدينـــة فسمـــع النـــاس يقولـــون أن السلطـــان أرســـل الوزيـــر
الجديـد إلـى بيـت الوزيـر المتوفـي ليختـم علـى مالـه وأماكنـه ويقبـض علـى ولـده حسـن بـدر الديـن ويطلــع
بـه إليــه فيقتلــه وصــارت النــاس تتأســف علــى حسنــه وجمالــه فلمــا سمــع كلــام النــاس خــرج إلــى غيــر
مقصـد ولــم يعلــم أيــن يذهــب. فلــم يــزل سائــرا إلــى أن ساقتــه المقاديــر إلــى تربــة والــده فدخــل المقبــرة
ومشـى بيـن القبـور إلـى أن جلـس عنـد قبــر أبيــه وأزل ذيلــه مــن فــوق رأســه فبينمــا هــو جالــس عنــد
تربـة أبيـه إذ قـدم عليـه يهـودي مـن البصـرة وقـال يــا سيــدي مالــي أراك متغيــرا فقــال لــه إنــي كنــت نائمــا
فـي هـذه الساعـة فرأيـت أبـي يعاتبنـي علـى عـدم زيارتـي قبـره فقمــت وأنــا مرعــوب وخفــت أن يفــوت
النهـــار ولـــم أزره فيصعـــب علـــي الأمـــر فقـــال لـــه اليهـــودي يـــا سيـــدي إن أبـــاك كــــان أرســــل مراكــــب
===
تجــارة وقــدم منهــا البعــض ومــرادي أن أشتــري منــك وثــق كــل مركــب قدمــت بألــف دينــار ثـــم أخـــرج
اليهـــودي كيســـا ممتلئـــا مـــن الذهـــب وعـــد منـــه ألـــف دينـــار ودفعـــه إلـــى حســـن إبـــن الوزيـــر ثــــم قــــال
اليهــودي إكتــب لــي ورقــة واختمهــا فأخــذ حســن إبــن الوزيــر ورقــة وكتــب فيهـــا كاتـــب هـــذه الورقـــة
حســن بــدر الديــن إبــن الوزيــر نــور الديـــن قـــد بـــاع اليهـــودي فلـــان جميـــع وثـــق كـــل مركـــب وردت مـــن
مراكــب أبيــه المسافريـــن بألـــف دينـــار وقبـــض الثمـــن علـــى سبيـــل التعجيـــل. فأخـــذ اليهـــودي الورقـــة
وصـار حســن يبكــي ويتذكــر مــا كــان فيــه مــن العــز والإقبــال ثــم دخــل عليــه الليــل وأدركــه النــوم فنــام
عنـد قبـر أبيـه ولـم يـزل نائمــا حتــى طلــع القمــر فتدحرجــت رأســه عــن القبــر ونــام علــى ظهــره وصــار
يلمـع وجهـه فـي القمـر وكانـت المقابـر عامـرة بالجــن المؤمنيــن فخرجــت جنيــة فنظــرت وجــه حســن وهــو
نائـم فلمـا رأتــه تعجبــت مــن حسنــه وجمالــه وقالــت سبحــان اللــه مــا هــذا الشــاب إلا كأنــه مــن الحــور
العيــن ثــم طــارت إلــى الجــو تطــوف علــى عادتهــا فـــرأت عفريتـــا طائـــرا فسلمـــت عليـــه وسلـــم عليهـــا
فقالـت لــه مــن أيــن أقبلــت قــال: مــن مصــر فقالــت لــه هــل لــك أن تــروح معــي حتــى تنظــر إلــى حســن
هـذا الشـاب النائـم فـي المقبـرة فقــال لهــا نعــم فســارا حتــى نــزلا فــي المقبــرة فقالــت لــه هــل رأيــت فــي
عمـــرك مثـــل هـــذا فنظـــر العفريـــت إليـــه وقـــال سبحـــان مـــن لا شبيـــه لــــه ولكــــن يــــا أختــــي إن أردت
حدثتـك بمـا رأيـت فقالـت لـه حدثنــي فقــال لهــا إنــي رأيــت مثــل هــذا الشــاب فــي إقليــم مصــر وهــي
===
بنـت الوزيــر وقــد علــم بهــا الملــك فخطبهــا مــن أبيهــا شمــس الديــن. فقــال لــه يــا مولانــا السلطــان أقبــل
عــذري وارحــم عبرتــي فإنــك تعــرف أن أخــي نــور الديــن خــرج مـــن عندنـــا ولا نعلـــم أيـــن هـــو وكـــان
شريكي في الـوزارة وسبـب خروجـه أنـي جلسـت أتحـدث معـه فـي شـأن الـزواج فغضـب منـي وخـرج
مغضبــا وحكــى للملــك جميــع مــا جــرى بينهمــا ثــم قــال للملــك فكــان ذلــك سببــا لغيظــه وأنـــا حالـــف
أن لا أزوج بنتــي إلا لإبــن أخــي مــن يــوم ولدتهــا أمهــا وذلــك نحـــو ثمـــان عشـــرة سنـــة ومـــن مـــدة قريبـــة
سمعـت أن أخـي تـزوج بنـت وزيـر البصـرة وجـاء منهـا بولـد وأنــا لا أزوج بنتــي إلا لــه كرامــة لأخــي ثــم
إنـي أرخـت وقـت زواجـي وحمـل زوجتـي وولـدة هـذه البنـت وهـي باســم ابــن عمهــا والبنــات كثيــر.
فلمـا سمـع السلطــان كلــام الوزيــر غضــب غضبــا شديــدا وقــال لــه كيــف يخطــب مثلــي مــن مثلــك بنتــا
فتمنعهـا منـه وتحتـج بحجـة بـاردة وحيـاة رأسـي لا أزوجهـا إلا لأقــل منــي برغــم أنفــك وأدرك شهــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والعشرون
قالـت بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن الجنــي لمــا حكــي للجنيــة حكايــة بنــت وزيــر مصــر وأن الملــك قــد
أقســم أن يزوجهــا رغــم أنـــف أبيهـــا بأقـــل منـــه وكـــان عنـــد الملـــك سائـــس أحـــدب بحدبـــة مـــن قـــدام
===
وحدبــة مــن وراء فأمــر السلطــان بإحضــاره وكتــب كتابــه علــى بنـــت الوزيـــر بالنهـــار وأمـــر أن يدخـــل
عليهـا فـي هــذه الليلــة ويعمــل لــه زفافــا وقــد تركــه وهــو بيــن مماليــك السلطــان وهــم حولــه فــي أيديهــم
الشمــوع موقــدة يضحكــون ويسخــرون منــه علــى بــاب الحمــام وأمــا بنــت الوزيــر فإنهـــا جالســـة تبكـــي
بيـــن المنقشـــات والمواشـــط وهـــي أشبـــه النـــاس بهـــذا الشـــاب وقـــد حجــــروا علــــى أبيهــــا ومنعــــوه أن
يحضرهــا ومــا رأيــت يــا أختــي أقبــح مــن هــذا الأحــدب فهـــي أحســـن مـــن هـــذا الشـــاب. قالـــت لـــه
الجنيــة تكــذب فــإن هــذا الشــاب أحســن أهــل زمانـــه فـــرد عليهـــا العفريـــت وقـــال واللـــه يـــا أختـــي إن
الصبيــة أحســن مــن هـــذا ولكـــن لا يصلـــح لهـــا إلا هـــو فإنهمـــا مثـــل بعضهمـــا ولعلهمـــا إخـــوان أو أولـــاد
عــم فيــا خسارتهــا مــع هــذا الأحــدب فقالــت لــه يــا أخــي دعنــا ندخــل تحتــه ونــروح بــه إلـــى الصبيـــة
التــي تقــول عليهــا وننظــر أيهمــا أحســن فقــال العفريــت سمعــا وطاعــة هــذا كلــام صـــواب وليـــس هنـــاك
أحسـن مـن هـذا الـرأي الـذي إخترتيـه فأنـا أحملـه ثـم إنـه حملـه وطـار بـه إلـى الجـو وصـارت العفريتـة فــي
كـل ركابـه تحاذيـه إلـى أن نــزل بــه فــي مدينــة مصــر وحطــه علــى مصطبــة ونبهــه. فاستيقــظ مــن النــوم
فلـم يجـد نفسـه علـى قبـر أبيـه فــي أرض البصــرة والتفــت يمينــا وشمــالا فلــم يجــد نفســه إلا فــي مدينــة
غيـر مدينــة البصــرة فــأراد أن يصيــح فغمــزه العفريــت وأوقــد لــه شمعــة وقــال لــه أعلــم أنــي جئــت بــك
وأنـا أريـد أن أعمـل معـك شيئـا للـه فخــذ هــذه الشمعــة وامــش بهــا إلــى ذلــك الحمــام واختلــط بالنــاس
===
ولا تــزال مــا شيــا معهــم حتــى تصــل إلــى قاعـــة العروســـة فاسبـــق وادخـــل القاعـــة ولا تخشـــى أحـــدا
وإذا دخلـــت فقـــف علـــى يميـــن العريـــس الأحـــدب وكـــل مـــا جــــاءك المواشــــط والمغنيــــات والمنقشــــات
فحــط يــدك فــي جيبــك تجــده ممتلئــا ذهبــا فاكبــش وارم لهــم ولا تتوهــم أنــك تدخــل يــدك ولـــم تجـــده
ممتلئــا بالذهــب فاعــط كــل مــن جــاءك بالحفنــة ولا تخشــى مــن شــيء وتوكــل علــى الـــذي خلقـــك فمـــا
هــذا بحولــك وقوتــك بــل بحــول اللــه وقوتــه. فلمــا سمــع حســـن بـــدر الديـــن مـــن العفريـــت هـــذا الكلـــام
قــال يــا هــل تــرى أي شــيء هــذه القضيــة ومــا وجــه الإحســان ثــم مشــى وأوقــد الشمعــة وتوجــه إلــى
الحمـام فوجـد الأحـدب راكـب الفـرس فدخـل حسـن بـدر الديـن بيـن النــاس وهــو علــى تلــك الحالــة مــع
الصــورة الحسنــة وكــان عليــه الطربــوش والعمامــة والفرجيـــة المنسوجـــة بالذهـــب ومـــا زال ماشيـــا فـــي
الزينــة وكلمــا وقفــت المغنيــات النــاس ينقطوهــن يضــع يــده فــي جيبــه فيلقاهــا ممتلئــا بالذهـــب فيكبـــش
ويرمـــي فـــي الطـــار للمغنيـــات والمواشـــط فيمـــلأ الطـــار دنانيـــر فاندهشـــت عقـــول المغنيـــات وتعجـــب
النـاس مــن حسنــه وجمالــه ولــم يــزل علــى هــذا الحــال حتــى وصلــوا إلــى بيــت الوزيــر فــردت الحجــاب
النــاس ومنعوهــم. فقالـــت المغنيـــات والمواشـــط واللـــه لا ندخـــل إلا إن دخـــل هـــذا الشـــاب معنـــا لأنـــه
غمرنـا بإحسانـه ولا نجلـي العروسـة إلا وهــو حاضــر فعنــد ذلــك دخلــوا بــه إلــى قاعــة الفــرح وأجلســوه
برغــم أنــف العريــس الأحــدب واصطفــت جميــع نســاء الأمــراء والــوزراء والحجــاب صفيــن وكـــل مـــرأة
===
معهـا شمعــة كبيــرة موقــدة مضيئــة وكلهــن ملثمــات وصــرن صفوفــا يمينــا وشمــالا مــن تحــت المنصــة إلــى
صـدر الليـوان الـذي عنـد المجلـس الـذي تخــرج منــه العروســة فلمــا نظــر النســاء حســن بــدر الديــن ومــا
هــو فيــه مــن الحســن والجمــال ووجهــه يضــيء كأنــه هلــال مالــت جميــع النســـاء إليـــه. فقالـــت المغنيـــات
للنســـاء الحاضـــرات اعلمـــوا أن هـــذا المليـــح مـــا نقطنـــا إلا بذهـــب الأحمـــر فـــلا تقصـــرن فـــي خدمتــــه
وأطعنــه فيمــا يقــول فازدحمــن النســاء عليــه بالشمــع ونظــرن إلــى جمالـــه فانبهـــرت عقولهـــن مـــن حسنـــه
وصـــارت كـــل واحـــدة منهـــن تـــود أن تكـــون فـــي حضنـــه سنـــة أو شهـــرا أو ساعـــة ورفعـــن مـــا كـــان
علـى وجوههـن مــن النقــاب وتحيــرت منهــن الألبــاب وقلــن هنيئــا لمــن كــان هــذا الشــاب لــه أو عليــه ثــم
دعــون لحســن بــدر الديــن دعــون علــى ذلــك الأحـــدب. ثـــم إن المغنيـــات ضربنـــا بالدفـــوف وأقبلـــت
المواشـــط وبنـــت الوزيـــر بينهـــن وقـــد طيبنهـــا وعطرنهـــا وألبسنهـــا وحســــن شعرهــــا ونحرهــــا بالحلــــى
والحلــل مــن لبــاس الملــوك الأكاســرة ومــن جملــة مـــا عليهـــا ثـــوب منقـــوش بالذهـــب الأحمـــر وفيـــه صـــور
الوحـوش والطيـور وهـو مسبـول عليهـا مـن فـوق حوائجهـا وفــي عنقهــا عقــد يســاوي الألــوف قــد حــوى
كـل فـص مـن الجواهـر مــا حــاز مثلــه تبــع ولا قيصــر وصــارت العروســة كأنهــا البــدر إذا أقمــر فــي ليلــة
أربعــة عشــر ولمــا أقبلــت كانــت كأنهــا حوريــة فسبحــان مــن خلقهــا بهيــة وأحــدق بهـــا النســـاء فصـــرن
كالنجــوم وهــي بينهــن كالقمــر إذا انجلــى عنــه الغيــم وكــان حســن بــدر الديــن البصــري جالســا والنـــاس
===
ينظــرون إليــه. فحضــرت العروســة وأقبلــت وتمايلــت فقــام إليهــا السائــس الأحــدب ليقبلهــا فأعرضـــت
عنـه وانقلبـت حتــى صــارت قــدام حســن إبــن عمهــا فضحــك النــاس لمــا رأوهــا مالــت إلــى نحــو بــدر
الديـن وحـط يـده فـي جيبـه وكبـش الذهـب ورمــى فــي طــار المغنيــات ففرحــوا وقالــوا كنــا نشتهــي أن
تكــون هــذه العروســة لــك فتبســم. هــذا كلــه والسائــس الأحــدب وحــده كأنــه قــرد وكلمــا أوقــدوا لــه
الشمعـة طفئـت فبهــت وصــار قاعــدا فــي الظلــام يمقــت فــي نفســه وهــؤلاء النــاس محدقــون بــه وتلــك
الشمـــوع الموقـــدة بهجتهـــا مـــن اعجـــب العجائـــب يتحيـــر مـــن شعاعهـــا أولـــوا الألبــــاب وأمــــا العروســــة
فإنهـا رفعـت كفيهـا إلـى السمـاء وقالـت اللهــم إجعــل هــذا بعلــي وأرحنــي مــن هــذا السائــس الأحــدب
وصـارت المواشـط تجلـي العروسـة إلـى آخــر السبــع وخلــع علــى حســن بــدر الديــن البصــري والسائــس
الأحـدب وحـده. فلمـا افرغـوا مـن ذلـك أذنـوا بالإنصـراف فخـرج جميـع مـن كــان فــي الفــرح مــن النســاء
والأولـــاد ولـــم يبقـــى إلا حســـن بــــدر الديــــن والسائــــس الأحــــدب ثــــم إن المواشــــط أدخلــــن العروســــة
ليكشفـن مــا عليهــا مــن الحلــي ويهيئنهــا للعريــس فعنــد ذلــك تقــدم السائــس الأحــدب إلــى حســن بــدر
الديــن وقــال لــه يــا سيــدي آنستنــا فــي هــذه الليلــة وغمرتنــا بإحسانــك فلـــم لا تقـــوم تـــروح بيتـــك بـــلا
مطـرود فقــال بســم اللــه ثــم قــام وخــرج مــن البــاب فلقيــه العفريــت. فقــال لــه قــف يــا بــدر الديــن فــإذا
خـرج الأحـدب إلـى بيـت للراحـة فادخـل أنـت واجلـس فـي المخـدع فــإذا أقبلــت العروســة فقــل لهــا أنــا
===
زوجــك والملــك مــا عمــل تلــك الحيلــة إلا لأنــه يخــاف عليــك مــن العيــن وهــذا الــذي رأيتــه سائــس مــن
سياسنـا ثـم أقبـل عليهــا واكشــف وجههــا ولا تخشــى بأســا مــن أحــد فبينمــا بــدر الديــن يتحــدث مــع
العفريـــت وإذا بالسائـــس دخـــل بيـــت الراحـــة وقعـــد علـــى الكرســـي فطلـــع للـــه العفريـــت مـــن الحـــوض
الــذي فيــه المــاء فــي صــورة فــأر وقــال زيــق فقــال الأحـــدب مـــا جـــاء بـــك هنـــا فكبـــر الفـــأر وصـــار
كالقـط ثـم كبـر حتـى صـار كلبـا وقـال عـوه عـوه. فلمـا نظـر السائــس ذلــك فــزع وقــا لإخســأ يــا مشــؤوم
فكبــر الكلــب وانتفــخ حتــى صــار جحشــا ونهــق هــاق هــاق فانزعــج السائــس وقــال إلحقونــي يــا أهــل
البيــت وإذا بالجحـــش قـــد كبـــر وصـــار قـــدر الجاموســـة وســـد عليـــه المكـــان وتكلـــم بكلـــام إبـــن آدم
وقـال: ويلـك يـا أحـدب يـا أنتـن السيـاس فلحـق السائـس البطـن وقعـد علـى الملاقــي بأثوابــه واشتبكــت
أسنانــه ببعضهــا فقــال لــه العفريــت: هــل ضاقــت عليــك الـــأرض فـــلا تتـــزوج إلا بمعشوقتـــي فسكـــت
السائــس فقــال لــه: رد الجــواب وإلا اسكنتــك التــراب فقــال لـــه: واللـــه مالـــي ذنـــب إلا إنهـــم غصبونـــي
ومــا عرفــت أن لهــا عشاقــا مــن الجواميــس ولكــن أنـــا تائـــب إلـــى اللـــه ثـــم إليـــك. فقـــال لـــه العفريـــت:
اقســـم باللـــه إن خرجـــت فـــي هــــذا الوقــــت مــــن هــــذا الموضــــع أو تكلمــــت قبــــل أن تطلــــع الشمــــس
لأقتلنـــك فـــإذا طلعـــت الشمـــس فاخـــرج إلـــى حـــال سبيلـــك ولا تعـــد إلـــى هـــذا البيـــت أبـــدا ثـــم إن
العفريـت قبـض علـى السائـس الأحـدب وقلــب رأســه فــي الملاقــي وجعلهــا إلــى أسفــل وجعــل رجليــه
===
إلــى فــوق وقــال لــه إستمــر هنــا وأنــا أحرســك إلــى طلــوع الشمــس هــذا مــا كــان مــن قصــة الأحـــدب
وأمـا مـا كـان مـن قصـة بــدر الديــن البصــري فإنــه خلــى الأحــدب والعفريــت يتخاصمــان ودخــل البيــت
وجلـــس داخـــل المخـــدع وإذا بالعـــروس أقبلـــت معهـــا العجـــوز. فوقفـــت العجـــوز فـــي بـــاب المخــــدع
وقالـــت يـــا أبـــا شهـــاب قـــم وخـــذ عروستــــك وقــــد استودعتــــك اللــــه ثــــم ولــــت العجــــوز ودخلــــت
العروســـة وصـــدر المخـــدع وكـــان إسمهـــا ســـت الحســـن وقلبهـــا مكســـور وقالـــت فـــي قلبهـــا واللــــه لا
أمكنــه مــن نفســي لــو طلعــت روحــي فلمــا دخلــت إلــى صـــدر المخـــدع نظـــرت بـــدر الديـــن فقالـــت:
يـا حبيبـي وإلـى هـذا الوقـت أنـت قاعـد لقـد قلـت فـي نفسـي لعلـك أنـت والسائـس الأحـدب مشتركـان
فـي فقـال حســن بــدر الديــن: وأي شــيء أوصــل السائــس إليــك ومــن أيــن لــه أن يكــون شريكــي فيــك
فقالـــت: ومـــن زوجـــي أأنـــت أم هـــو قـــال حســـن بـــدر الديـــن: يـــا سيدتـــي نحـــن مـــا عملنــــا هــــذا إلا
سخريـة بـه لنضحـك عليـه. فلمـا نظـرت المواشـط والمغنيـات وأهلـك حسنــك البديــع خافــوا علينــا مــن
العيـن فأكتـراه أبــوك بعشــرة دنانيــر حتــى يصــرف عنــا العيــن وقــد راح فلمــا سمعــت ســت الحســن مــن
بــدر الديــن ذلــك الكلــام فرحـــت وتبسمـــت وضحكـــت ضحكـــا لطيفـــا وقالـــت واللـــه أطفـــأت نـــاري
فباللــه خذنــي عنــدك وضمنــي إلــى حضنــك وكانــت بــلا لبــاس فكشــف ثوبهــا إلــى نحرهـــا فبـــان مـــا
قدامهــا وورائهــا. فلمــا نظــر بــدر الديــن صفــاء جسمهـــا تحركـــت فيـــه الشهـــوة فقـــام وحـــل لباســـه ثـــم
===
حــل كيــس الذهــب الــذي كــان أخــذه مــن اليهــودي ووضــع فيــه ألــف دينــار ولفــه فــي سروالــه وحطــه
تحــت ذيلــة الطراحـــة وقلـــع عمامتـــه ووضعهـــا علـــى الكرســـي وبقـــي بالقميـــص الرفيـــع وكـــان القميـــص
مطــرز بالذهــب فعنــد ذلــك قامــت إليــه ســـت الحســـن وجذبتـــه إليهـــا وجذبهـــا بـــدر الديـــن وعانقهـــا
وأخـذ رجليهـا فـي وسطـه ثـم ركـب المدفـع وحـرره علـى القلعـة وأطلقـه فهــدم البــرج فوجدهــا درة مــا
ثقبـت ومطيـة لغيــره مــا ركبــت فــأزال بكارتهــا وتملــى بشبابهــا ولــم يــزل يركــب المدفــع ويــرد إلــى غايــة
خمـــس عشـــرة مـــرة فعلقـــت منـــه فلمـــا فــــرغ حســــن بــــدر الديــــن وضــــع يــــده تحــــت رأسهــــا وكذلــــك
الأخرى وضعت يدها تحت رأسه ثم أنهما تعانقا وشرحا بعناقهما مضمون هذه الأبيات:
زر مــن تحــب كلــام الحاســد ليس الحسود على الهوى بمساعد
لم يخلق الرحمـن أحسـن منظـرا من عاشقين فـي فـراش واحـد
متعانقيـن علنهمـا حلـل الرضـا متوسديـــن بمعصـــم وبساعـــد
وإذا تألفت القلوب على الهوى فالناس تضرب في حديد بارد
وإذا صفى لك من زمانك واحد فهو المراد وعش بذاك الواحد
هــذا مــا كــان مــن أمــر حســن بــدر الديــن وســت الحســن بنــت عمــه وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر العفريـــت
فإنـه قـال للعفريتـة قومـي وادخلـي تحــت الشــاب ودعينــا نوديــه مكانــه لئــلا يدركنــا الصبــح فــإن الوقــت
===
قريــب فعنــد ذلــك تقدمــت العفريتــة ودخلــت تحــت ذيلــه وهــو نائــم وأخذتــه وطـــارت بـــه وهـــو علـــى
حالـه بالقميـص وهــو بــلا لبــاس ومــا زالــت العفريتــة طائــرة بــه والعفريــت يحاذيهــا فــأذن اللــه الملائكــة أن
ترمـي العفريـت بشهـاب مـن نــار فأحتــرق وسلمــت العفريتــة فانزلــت بــدر الديــن فــي موضــع مــا أحــرق
الشهــاب العفريــت ولــم تتجــاوزه بــه خوفــا عليــه وكــان بالأمــر المقــدر ذلــك الموضــع فــي دمشــق الشــام
فوضعتــه العفريتــة علــى بــاب مــن أبوابهــا وطــارت. فلمــا طلــع النهـــار وفتحـــت أبـــواب المدينـــة خـــرج
النـاس فظـروا شابـا مليحـا بالقميـص والطاقيـة بـلا عمامـة ولا لبـاس وهــو ممــا قاســى مــن السهــر غرقــان
فـي النـوم فلمـا رآه النـاس قالـوا يـا بخـت مـن كـان هـذا عقـده فـي هـذه الليلـة ويــا ليتــه صبــر حتــى لبــس
حوائجـه وقـال الآخـر مساكيـن أولـاد النـاس لعـل هـذا يكـون فـي هـذه الساعـة خـرج مــن المسكــرة لبعــض
شغلـه فقـوي عليــه السكــر فتــاه عــن المكــان الــذي كــان قصــده حتــى وصــل إلــى بــاب المدينــة فوجــده
مغلقــا فنــام ههنــا وقــد خــاض النــاس فيــه بالكلــام وإذا بالهــوى هــب علــى بــدر الديــن فرفــع ذيلـــه مـــن
فــوق بطنــه فبــان مــن تحتــه بطــن وســره محققــة وسيقــان وأفخــاد مثــل البلــور فصـــار النـــاس يتعجبـــون
فانتبــه حســن بــدر الديــن فوجــد روحـــه علـــى بـــاب مدينـــة وعليهـــا نـــاس فتعجـــب وقـــال أيـــن أنـــا يـــا
جماعـــة الخيـــر ومـــا سبـــب اجتماعكـــم علـــي ومـــا حكايتـــي معكـــم. فقالـــوا نحـــن رأينـــاك عنـــد أذان
الصبــح ملقــى علــى هــذا البــاب نائمــا ولا نعلــم مــن أمــرك غيــر هــذا فأيــن كنــت نائمــا هــذه الليلــة فقــال
===
حسـن بـدر الديــن واللــه يــا جماعــة إنــي كنــت نائمــا هــذه الليلــة فــي مصــر فقــال واحــد هــل أنــت تأكــل
حشيشـا وقـال بعضهـم أأنـت مجنـون كيـف تكـون بايتـا فـي مصـر وتصبـح نائمـا فـي مدينــة دمشــق فقــال
لهــم واللــه يــا جماعــة الخيــر لــم أكــذب عليكــم أبــدا وأنــا كنــت البارحــة بالليــل فــي ديـــار مصـــر وقبـــل
البارحــة كنــت بالبصــرة فقــال واحــد هــذا شــيء عجيــب وقــال الآخــر هـــذا شـــاب مجنـــون وصفقـــوا
عليـه بالكفـوف وتحــدث النــاس مــع بعضهــم وقالــوا يــا خســارة شبابــه واللــه مــا فــي جنونــه خلــاف ثــم
إنهــم قالــوا لــه إرجــع لعقلــك. فقــال حســن بــدر الديــن كنــت البارحــة عريســا فـــي ديـــار مصـــر فقالـــوا
لعلـك حلمـت ورأيـت هـذا الـذي تقـول فـي المنـام فتحيـر حسـن فـي نفسـه وقـال لهـم واللـه مـا هـذا منــام
وأيــن السايــس الأحـــدب الـــذي كـــان قاعـــدا عندنـــا والكيـــس الذهـــب الـــذي كـــان معـــي وأيـــن ثيابـــي
ولباســـي ثـــم قـــام ودخـــل المدينـــة ومشـــى فـــي شوارعهـــا وأسواقهـــا فازدحمـــت عليـــه النــــاس وألفــــوه
فدخــل دكــان طبــاخ وكــان ذلــك الطبــاخ رجــلا مسرفــا فتــاب اللـــه عليـــه مـــن الحـــرام وفتـــح لـــه دكـــان
طبــاخ وكانــوا أهــل دمشــق كلهــم يخافــون منــه بسبــب شــدة بأســه فلمــا نظــر الطبــاخ إلــى حســن بــدر
الديــن وشاهــد حسنــه وجمالـــه وقعـــت فـــي قلبـــه محبتـــه فقـــال: مـــن أيـــن أنـــت يـــا فتـــى فاحكـــي لـــي
حكايتـك فإنـك صـرت عنــدي أعــز مــن روحــي فحكــى لــه مــا جــرى مــن المبتــدأ إلــى المنتهــى. فقــال
لـه الطبـاخ يـا سيـدي بـدر الديـن أعلـم أن هـذا أمـر عجيــب وحديــث غريــب ولكــن يــا ولــدي اكتــم مــا
===
معـك حتـى يفـرج اللـه مـا بـك واقعـد عنـدي فـي هـذا المكـان وأنـا مــا لــي ولــد فأتخــذك ولــدي فقــال لــه
بـدر الديـن الأمـر كمـا بريـد يـا عـم. فعنـد ذلــك نــزل الطبــاخ إلــى الســوق واشتــرى لبــدر الديــن أقمشــة
مفتخـرة وألبسـه إياهـا وتوجـه بـه إلــى القاضــي وأشهــد علــى نفســه أنــه ولــده وقــد اشتهــر حســن بــدر
الديـن فـي مدينـة دمشــق أنــه ولــد الطبــاخ وقعــد عنــده فــي الدكــان يقبــض الدراهــم وقــد استقــر أمــره
عنـد الطبـاخ علـى هـذه الحالـة. هـذا مـا كــان مــن أمــر حســن بــدر الديــن وأمــا مــا كــان مــن أمــر ســت
الحسـن بنـت عمــه فإنهــا لمــا طلــع الفجــر وانتهــت مــن النــوم لــم تجــد حســن بــدر الديــن قاعــدا عندهــا
فاعتقــدت أنــه دخــل المرحــاض فجلســت تنتظــره ساعــة وإذا بأبيهــا قــد دخــل عليهــا وهــو مهمـــوم ممـــا
جـرى لـه مـن السلطـان وكيــف غصبــه وزوج ابنتــه غصبــا لأحــد غلمانــه الــذي هــو السايــس الأحــدب
وقال في نفسه
سأقتــل هــذه البنــت إن مكنــت هــذا الخبيــث مــن نفسهــا فمشــى إلــى أن وصــل إلــى المخــدع ووقـــف
علـى بابـه وقـال: يـا سـت الحســن فقالــت لــه نعــم يــا سيــدي ثــم إنهــا خرجــت وهــي تتمايــل مــن الفــرح
وقبلــت الــأرض بيــن يديــه وازداد وجههــا نــوراً وجمــالاً لعناقهــا لذلــك الغــزال فلمــا نظرهــا أبوهــا وهـــي
بتلك الحالة قال لها: يا خبيثة هل أنت فرحانة بهذا السايس.
فلمــا سمعــت ســـت الحســـن كلـــام والدهـــا تبسمـــت وقالـــت: يـــا اللـــه يكفـــي مـــا جـــرى منـــك والنـــاس
===
يضحكـون علـي ويعايرونـي بهـذا السيـاس الـذي مـا يجـيء فــي إصبعــي قلامــة ظفــر. إن زوجــي واللــه
مــا بــت طــول عمــري ليلــة أحســن مــن ليلــة البارحــة التـــي بتهـــا معـــه فـــلا تهـــزأ بـــي وتذكـــر لـــي ذلـــك
الأحـــدب فلمـــا سمـــع والدهـــا كلامهـــا امتـــزج بالغضـــب وازرقـــت عينـــاه وقـــال لهــــا: ويلــــك أي هــــذا
الكلــام الــذي تقولينــه إن السايــس الأحــدب قــد يــأت عنــدك فقالــت: باللــه عليــك لا تذكــره لــي قبحـــه
اللـه وقبـح أبـاه فـلا تكثـر المـزاح بذكـره فمـا كــان السايــس إلا مكتــري بعشــرة دنانيــر وأخــذ أجرتــه وراح
وجئــت أنــا ودخلــت المخــدع فنظــرت زوجــي قاعــداً بعدمــا جلتنــي عليــه المغنيــات ونقـــط بالذهـــب
الأحمـر حتـى أغنـى الفقـراء الحاضريــن وقــد بــت فــي حضــن زوجــي الخفيــف الــروح صاحــب العيــون
السود والحواجب المقرونة.
فلمــا سمــع والدهــا هــذا الكلــام صــار الضيــاء فــي وجهــه ظلامــاً وقــال لهــا: يــا فاجــرة مــا هــذا الــذي
تقولينــه أيــن عقلــك فقالـــت لـــه: يـــا أبـــت لقـــد فتـــت كبـــدي لـــأي شـــيء تتغافـــل فهـــذا زوجـــي الـــذي
أخـذ وجهـي قــد دخــل بيــت الراحــة وإنــي قــد علقــت منــه فقــام والدهــا وهــو متعجــب ودخــل بيــت
الخــلاء فوجــد السايــس الأحــدب ورأســه مغــروز فــي الملاقــي ورجلــاه مرتفعــة إلــى فــوق فبهــت فيــه
الوزير وقال: أما هذا هو الأحدب فخاطبه فلم يرد عليه وظن الأحدب أنه العفريت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن السائــس الأحــدب لمــا كلمــه الوزيـــر لـــم يـــرد عليـــه فصـــرخ عليـــه
الوزيـــر وقـــال لـــه تكلـــم وإلا أقطـــع رأســـك بهـــذا السيـــف لعنـــد ذلـــك قـــال الأحـــدب واللـــه يـــا شيــــخ
العفاريـت مـن حيـن جعلتنـي فـي هـذا الموضـع مـا رفعـت رأسـي فباللـه عليـك أن ترفـق بـي فلمــا سمــع
الوزيـر كلـام الأحـدب قـال لـه مـا تقـول فإنــي أبــو العروســة ومــا أنــا عفريــت فقــال ليــس عمــري فــي يــدك
ولا تقــدر أن تأخــذ روحــي فــرح حــال سبيلــك قبــل أن يأتيــك الــذي فعــل بـــي هـــذه الفعـــال فأنتـــم لا
تزوجونـــي إلا بمعشوقـــة الجواميـــس ومعشوقـــة العفاريـــت فلعـــن اللـــه مـــن زوجنـــي بهـــا ولعـــن مـــن كـــان
السبــب فــي ذلــك فقــال لــه الوزيــر قــم واخــرج مــن هــذا المكــان فقــال لـــه هـــل أنـــا مجنـــون حتـــى أروح
معــك بغيــر إذن العفريـــت فإنـــه قـــال لـــي إذا طلعـــت الشمـــس فاخـــرج وروح إلـــى حـــال سبيلـــك فهـــل
طلعت الشمس أو لا فإني لا اقدر أن أطلع من موضعي إلا إن طلعت الشمس.
فعنـد ذلـك قـال لـه الوزيـر مــن أتــى بــك إلــى هــذا المكــان فقــال إنــي جئــت البارحــة إلــى هنــا لأقضــي
حاجتــي وأزيــل ضرورتــي فــإذا بفــأر طلــع مــن وســط المـــاء وصـــاح وصـــار يكبـــر حتـــى بقـــي قـــدر
الجاموسـة وقـال لـي كلامـاً دخـل فـي أذنـي فخلنــي ورح لعنــد العروســة ومــن زوجنــي بهــا فتقــدم إليــه
الوزيـر وأخرجـه مـن المرحـاض فخـرج وهـو يجـري ومـا صــدق أن الشمــس طلعــت وطلــع إلــى السلطــان
وأخبـره بمـا اتفـق لـه مـع العفريـت وأمـا الوزيـر أبـو العروســة فإنــه دخــل البيــت وهــو حائــر العقــل فــي أمــر
===
بنتـه فقـال يـا ابنتـي اكشفــي لــي عــن خبــرك فقالــت أن الظريــف الــذي كنــت أتجلــى عليــه بــات عنــدي
البارحــة وأزال بكارتــي وعلقــت منــه وإن كنــت لـــم تصدقنـــي فهـــذه عمامتـــه بلفتهـــا علـــى الكرســـي
ولباسه تحت الفراش وفيه شيء ملفوف لم أعرف ما هو.
فلمـــا سمـــع والدهـــا هـــذا الكلـــام دخـــل المخـــدع فوجـــد عمامـــة حســـن بـــدر الديـــن ابـــن أخيــــه ففــــي
الحـال أخذهـا فـي يـده وقلبهـا وقـال هـذه عمامـة وزراء إلا أنهـا موصليـة ثـم نظـر إلــى الحــرز مخيــط فــي
طربوشـه فأخـذه وفتقـه وأخـذ اللبـاس فوجـد الكيـس الـذي فيـه ألـف دينــار ففتحــه فوجــد فيــه ورقــة
فقرأهـا فوجــه مبايعــة اليهــودي واســم حســن بــدر الديــن بــن نــور الديــن البصــري ووجــد الألــف دينــار
فلمــا قــرأ شمــس الديــن الورقــة صــرخ صرخــة وخــر مغشيــاً عليـــه فلمـــا أفـــاق وعلـــم مضمـــون القصـــة
تعجـب وقـال لا إلـه إلا اللـه القـادر علـى كـل شـيء وقـال: يـا بنـت هـل تعرفيــن مــن الــذي أخــذ وجهــك
قالــت لا قــال إنــه ابــن أخــي وهــو ابــن عمــك وهــذه الألــف دينــار مهــرك فسبحــان اللــه فليــت شعـــري
كيـف اتفقــت هــذه القضيــة ثــم فتــح الحــرز المخيــط فوجــد فيــه ورقــة مكتوبــاً عليــه بخــط أخيــه نــور
الدين المصري أبي حسن بدر الدين فلما نظر خط أخيه أنشد هذين البيتين:
أرى آثارهــم فـــأذوب شوقـــا وأسكب في مواطنهم دموعـي
وأســأل مــن بفرقتهـــم رمانـــي يمــــن علـــــي يومـــــاً بالرجـــــوع
===
فلمــا فــرغ مــن الشعــر قــرأ الحــرز فوجــد فيــه تاريـــخ زواجـــه بنـــت وزيـــر البصـــرة وتاريـــخ دخولـــه بهـــا
وتاريــخ عمــره إلــى حيــن وفاتــه وتاريــخ ولــادة ولـــده حســـن بـــدر الديـــن فتعجـــب واهتـــز مـــن الطـــرب
وقابــل مـــا جـــرى لأخيـــه علـــى مـــا جـــرى لـــه فوجـــده ســـواء بســـواء وزواجـــه وزواج الآخـــر موافقيـــن
تاريخيـاً ودخولهمـا بزوجتيهمـا متوافقـاً وولـادة حســن بــدر الديــن ابــن أخيــه وولــادة ابنتــه ســت الحســن
متوافقيـن فأخـذ الورقتيـن وطلـع بهمـا إلـى السلطـان وأعلمـه بمـا جـرى مـن أول الأمـر إلــى آخــره فتعجــب
الملـك وأمـر أن يـؤرخ هـذا الأمـر فـي الحـال ثـم أقـام الوزيـر ينظـر ابـن أخيـه فمــا وقــع لــه علــى خبــر فقــال
والله لأعملن عملاً ما سبقني إليه أحد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الرابعة والعشرون
قالــت بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر أخــذ دواة وقلمــاً وكتــب أمتعــة وأن الخشخانــة فــي موضــع
كـذا والستـارة الفلانيـة فـي موضـع كـذا وكتـب جميـع مـا فـي البيـت ثـم طـوى الكتـاب وأمـر بخــزن جميــع
الأمتعــة وأخــذ العمامــة والطربــوش وأخــذ معــه الفرجيــة والكيــس وحفظهمــا عنـــده وأمـــا بنـــت الوزيـــر
فإنهــا لمــا كملــت أشهرهــا ولــدت ولــذا مثـــل القمـــر يشبـــه والـــده مـــن الحســـن والكمـــال والبهـــاء والجمـــال
===
فقطعـــوا سرتـــه وكحلـــوا مقلتـــه وسلمـــوه إلـــى المرضعـــات وسمـــوه عجيبـــاً فصـــار يومـــه بشهـــر وشهــــره
بسنـة فلمـا مـر عليـه سبـع سنيـن أعطـاه جـده لفقيـه ووصـاه أن يربيـه ويحسـن تربيتـه فأقـام فــي المكتــب
أربـع سنـوات فصـار يقاتـل أهـل المكتـب ويسبهـم ويقـول لهــم مــن منكــم مثلــي أنــا ابــن وزيــر مصــر فقــام
الأولاد واجتمعوا يشكون إلى العريف ما قاسوه من عجيب.
فقـال لهـم العريــف أنــا أعلمكــم شيئــاً تقولونــه لــه لمــا يجــيء فيتــوب عــن المجــيء للمكتــب وذلــك أنــه إذا
جــاء غــداً فاقعــدوا حولــه وقولــوا لبعضكــم: واللــه مــا يلعــب معنــا هــذه اللعبــة إلا مــن يقـــول لنـــا علـــى
اسـم أمـه واسـم أبيـه ومـن لـم يعـرف اسـم أمـه واسـم أبيـه فهـو ابـن حـرام فـلا يلعـب معنـا. فلمـا أصبـح
الصبـاح أتــوا إلــى المكتــب وحضــر عجيــب فاختلــط بالأولــاد وقالــوا نحــن نلعــب لعبــة ولكــن مــا يلعــب
إلا مـن يقـول لنـا عـن اسـم أمـه واسـم أبيـه واتفقــوا علــى ذلــك فقــال واحــد منهــم اسمــي ماجــدي وأمــي
علـوي وأبـي عـز الديـن وقـال الآخــر مثــل قولــه والآخــر كذلــك إلــى أن جــاء الــدور إلــى عجيــب فقــال:
أنـا اسمـي عجيـب وأمـي سـت الحسـن وأبـي شمــس الديــن والوزيــر بمصــر فقالــوا لــه واللــه إن الوزيــر مــا
هو أبوك فقال عجيب الوزير أبي حقيقة.
فعنـد ذلـك ضحكـت عليـه الأولـاد وصفقـوا عليــه وقالــوا أنــت مــا تعــرف لــك أبــاً فقــم مــن عندنــا فــلا
يلعــب معنــا إلا مــن يعــرف اســم أبيــه. وفــي الحــال تفــرق الأولــاد مــن حولــه وتضاحكــوا عليــه فضــاق
===
صــدره وأنخنــق بالبكــاء. فقــال لــه العريــف هــل تعتقــد أن أبــاك جــدك الوزيــر أبــو أمــك ســت الحســن
إن أبـــاك مـــا تعرفـــه أنـــت ولا نحـــن لـــأن السلطـــان زوجهــــا للسائــــس الأحــــدب وجــــاءت الجــــن فنامــــوا
عندهـا فـإن لـم تعـرف لـك أبـا يجعلونـك بينهـم ولــد زنــا ألا تــرى أن ابــن البائــع يعــرف أبــاه فوزيــر مصــر
إنما هو جدك وأما أبوك فلا نعرفه نحن ولا أنت فارجع لعقلك.
فلمــا سمــع ذلــك الكلــام قــام مــن ساعتــه ودخــل علــى والدتــه ســت الحســن وصــار يشكــو هــلا وهـــو
يبكــي ومنعــه البكــاء مــن الكلــام فلمــا سمعــت أمــه كلامــه وبكـــاءه التهـــب قلبهـــا عليـــه وقالـــت لـــه: يـــا
ولـدي مـا الـذي أبكــاك فاحكــي لــي قصتــك فحكــى لهــا مــا سمعــه مــن الأولــاد ومــن العريــف وقــال يــا
والدتـي مـن هـو أبـي قلـت لـه أبـوك وزيـر مصـر فقـال لهــا ليــس هــو أبــي فــلا تكذبــي علــي فــإن الوزيــر
أبــوك أنــت لا أبــي أنــا. مــن هــو أبــي فــإن لــم تخبرينــي بالصحيــح قتلــت روحــي بهــذا الخنجــر. فلمــا
سمعــت والدتــه ذكــر أبيــه بكــت لذكــر ولــد عمهــا وتذكــرت محاســن حســن بـــدر الديـــن البصـــري ومـــا
جرى لها معه وصرخت وكذلك ولدها وإذا بالوزير دخل.
فمــا نظــر إلــى بكائهــا احتــر قلبــه وقــال مــا يبكيكمـــا فأخبرتهـــا بمـــا اتفـــق لولدهـــا مـــع صغـــار المكتـــب
فبكـى الآخـر ثـم تذكـر أخـاه ومـا اتفـق لـه معـه ومـا اتفـق لابنتـه ولـم يعلـم بمـا فــي باطــن الأمــر. ثــم قــام
الوزيـر فـي الحـال ومشـى حتـى طلـع إلـى الديـوان ودخـل علـى الملـك وأخبـره بالقصــة وطلــب منــه الــإذن
===
بالسفــر إلــى الشــرق ليقصــد مدينــة البصــرة ويســأل عــن ابــن أخيــه وطلــب مــن السلطــان أن يكتــب لـــه
مراسيـم لسائـر البلـاد إذا وجـد ابـن أخيـه فـي أي موضــع يأخــذه ثــم بكــى بيــن يــدي السلطــان فــرق لــه
قلبـه وكتـب مراسيـم لسائـر الأقاليـم والبلـاد ففـرح بذلـك ودعـا للسلطـان وودعـه ونــزل فــي الحــال وتجهــز
فــي الحــال وأخــذ مــا يحتــاج إليــه وأخــذ ابنتــه وولدهــا عجيبــاً وسافــر أول يــوم وثانــي يــوم وثالــث يــوم
حتى وصل إلى مدينة دمشق فوجدها ذات أشجار وأنهار كما قال الشاعر:
من بعد يوم في دمشـق وليلتـي حلـف الزمــان بمثلهــا لا يغلــط
بتنـا وجنـح الليـل فــي غفلانــه ومن الصباح عليه فـرع أشمـط
والظل في تلـك الغصـون كأنـه در يصافحـه النسيـم فيسقــط
والطيـر يقـرأ والغديـر صحيفـة والريـح تكتـب والغمــام ينقــط
فنـــزل الوزيـــر مـــن ميـــدان الحصبـــاء ونصـــب خيامـــه وقـــال لغلمانـــه نأخـــذ الراحـــة هنـــا يوميــــن فدخــــل
الغلمـان المدينـة لقضــاء حوائجهــم. هــذا يبيــع وهــاذ يشتــري وهــذا يدخــل الحمــام وهــذا يدخــل جامــع
بنـي أميـة الـذي مـا فـي الدنيـا مثلـه ودخـل المدينـة عجيـب هـو وخادمـه يتفرجـان والخـادم ينشـي خلــف
عجيب وفي يـده سـوط لـو ضـرب بـه جمـلاً لسقـط ولـم يثـر. فلمـا نظـر أهـل دمشـق إلـى عجيـب وقـده
واعتدالـه وبهائـه وكمالـه بديـع الجمـال وخيــم الدلــال الطــف مــن نسيــم الشمــال وأحلــى للظمــآن مــن المــاء
===
الزلــال وألــذ مــن العافيــة لصاحــب الاعتلــال فلمــا رآه أهــل دمشــق تبعـــوه وصـــارت الخلـــق تجـــري وراءه
تتبعــه وتقعــد فــي الطريــق حتــى يجــيء عليهــم وينظرونــه إلــى أن وقــف عجيــب بالأمــر المقـــدر علـــى
دكــان أبيــه حســن بــدر الديــن الـــذي أجلســـه فيـــه الطبـــاخ الـــذي اعتـــرف عنـــد القضـــاة والشهـــود أنـــه
ولده.
فلمـا وقـف عليـه العبـد فـي ذلـك اليـوم وقـف معـه الخـدام فنظـر حســن بــدر الديــن إلــى ولــده فأعجبــه
حيـن وجـده فـي غابـة الحسـن فحـن إليـه فـؤاده وتعلـق بـه قلبـه وكـان قـد طبـخ حــب رمــان مخلــي بلــوز
وسكــر فأكلــوا ســواء فقــال لهــم حســن بـــدر الديـــن أنستمونـــا كلـــوا هنيئـــاً مريئـــاً ثـــم أن عجيـــب قـــال
لوالـده أقعـد كـل معنـا لعـل اللـه يجمعنـا بمـن نريـد فقـال عجيـب نعـم يــا عــم حــرق قلبــي بفــراق الأحبــاب
والحبيــب الــذي فارقنــي هــو والــدي وقــد خرجــت أنــا وجــدي نطــوف عليــه البلــاد فواحسرتــاه علــى
جمــع شملــي بــه وبكــى بكــاء شديــداً وبكــا والـــده لبكائـــه وتذكـــر فرقـــة الأحبـــاب وبعـــده عـــن والـــده
ووالدته فحن له الخادم وأكلوا جميعاً إلى أن اكتفوا.
ثـــم بعـــد ذلـــك قامــــا وخرجــــا مــــن دكــــان حســــن بــــدر الديــــن فأحــــس أن روحــــه فارقــــت جســــده
وراحــت معهــم فمــا قــدر أن يصيــر عنهــم لحظــة واحــدة فقفــل الدكــان وتبعهــم وهــو لا يعلــم أنــه ولــده
وأسـرع فـي مشيـه حتـى لحقهـم قبـل أن يخرجـوا مـن البـاب الكبيـر فالتفـت الطواشــي وقــال لــه مالــك يــا
===
طبـاخ فقـال حسـن بـدر الديـن لمـا نزلتـم مـن عنـدي كـان روحـي خرجـت مـن جسمـي ولــي حاجــة فــي
المدينــة خــارج البــاب فــأردت أن أرافقكــم حتــى أقضــي حاجتــي وأرجـــع فغضـــب الطواشـــي وقـــال
لعجيـب أن هـذه أكلـة مشؤومـة وصـارت علينـا مكرمــة وهاهــو تابعنــا مــن موضــع إلــى موضــع فالتفــت
عجيــب فــرأى الطبــاخ فاغتــاظ واحمــر وجهــه وقــال للخـــادم دعـــه يمشـــي فـــي طريـــق المسلميـــن فـــإذا
خرجنــا إلــى خيامنــا وخـــرج معنـــا وعرفنـــا أنـــه يتبعنـــا نطـــرده فأطـــرق رأســـه ومشـــى والخـــادم وراءه
فتبعهم حسن بدر الدين إلى ميدان الحصباء وقد قربوا من الخيام فالتفوا ورأوه خلفهم.
فغضــب عجيــب وخــاف مــن الطواشــي أن يخبــر جــده فامتـــزج بالغضـــب مخافـــة أن يقولـــوا أنـــه دخـــل
دكـان الطبـاخ وأن الطبـاخ منعـه فالتفـت حتـى صـار عينـاه فــي عيــن أبيــه وقــد بقــي جســداً بــلا روح
ورأى عجيـب عينـه كأنهـا عيــن خائــن وربمــا كــان ولــد زنــا فــازداد غضبــاً فأخــذ حجــراً وضــرب بــه
والـده فوقـع الحجـر علـى جبينـه فبطحـه فوقـع حسـن بـدر الديـن مغشيـاً عليـه وسـال الــدم علــى وجهــه
وسـار عجيـب هـو والخـادم إلـى الخيـام وأمـا حسـن بـدر الديـن فإنــه لمــا أفــاق مســح دمــه وقطــع قطعــة
مــن عمامتــه وعصــب بهــا رأســه ولــام نفســه وقــال أنــا ظلمـــت الصبـــي حيـــث غلقـــت دكانـــي وتبعتـــه
حتـى ظـن أنـي خائـن ثـم رجـع إلـى الدكـان واشتغـل ببيـع طعامـه وصـار مشتاقـاً إلـى والدتــه التــي فــي
البصرة ويبكي عليها وأنشد هذين البيتين:
===
خذ ما تيسر وأزوالهم ناحيـة لا بد من كدر فيه وإن صافي
ثـم أن حســن بــدر الديــن استمــر مشتغــلاً يبيــع طعامــه وأمــا الوزيــر عمــه فإنــه أقــام فــي دمشــق ثلاثــة
أيـام ثـم رحـل متوجهـاً إلـى حمـص فدخلهـا ثــم رحــل عنهــا وصــار يفتــش فــي طريقــه أينمــا حــل وجهــه
فـي سيـره إلـى أن وصـل إلـى مارديـن والموصـل وديـار بكـر ولــم يــزل سائــراً إلــى مدينــة البصــرة فدخلهــا
فلمـا استقـر بـه المنـزل دخـل إلـى سلطانهــا واجتمــع بــه فاحترمــه وأكــرم منزلــه وسألــه عــن سبــب مجيئــه
فأخبــره بقصتـــه وأن أخـــاه الوزيـــر علـــي نـــور الديـــن فترحـــم عليـــه السلطـــان وقـــال ايهـــا الصاحـــب إنـــه
كـان وزيـري وكنـت أحبـه كثيـراً وقـد مـات مـن مـدة خمســة عشــر عامــاً وخلــف ولــداً وقــد فقدنــاه ولــم
نطلع له على خبر غير أن أمه عندنا لأنها بنت وزيري الكبير.
فلمــا سمــع الوزيــر شمــس الديـــن مـــن الملـــك أن أم ابـــن أخيـــه طيبـــة فـــرح وقـــال يـــا ملـــك إنـــي أريـــد أن
أجتمع بهـا فـإذن لـه فـي الحـال ثـم أنـه صـار يمشـي إلـى أن وصـل إلـى قاعـة زوجـة أخيـه أم حسـن بـدر
الديـن البصـري وكانـت فـي مـدة غيبــة ولدهــا قــد لزمــت البكــاء والنحيــب بالليــل والنهــار فلمــا طالــت
عليهـا المـدة عملـت لولدهـا قبــراً مــن الرخــام فــي وســط القاعــة وصــارت تبكــي عليــه ليــلاً ونهــاراً ولا
تنـام إلا عنـد ذلـك القبــر فلمــا وصــل إلــى مسكنهــا سمــع حسهــا فوقــف خلــف البــاب فسمعهــا تنشــد
على القبر هذين البيتين:
===
يا قبر لا أنت بستـان ولا فلـك فكيف يجمع فيك الغصن والقمر
فبينمـــا هـــي كذلـــك وإذا بالوزيـــر شمـــس الديـــن قــــد دخــــل عليهــــا وسلــــم عليهــــا وأعلمهــــا أنــــه أخــــو
زوجهــا وقــد أخبرهـــا بمـــا جـــرى وكشـــف لهـــا عـــن القصـــة وأن ابنهـــا حســـن بـــدر الديـــن بـــات عنـــد
ابنتـه ليلـة كاملـة ثـم طلـع عليـه الصبـاح وقــال لهــا إن ابنتــي حملــت مــن ولــدك وولــدت ولــداً وهــو معــي
وإنـه ولـدك وولــد ولــدك مــن أبــي فلمــا سمعــت خبــر ولدهــا وأنــه حــي ورأت أخــا زوجهــا قامــت إليــه
ووقعت على قدميه وقبلتهما وأنشدت هذين البيتين:
للــــه در مبشـــــري بقدومهـــــم فلقــد أتــى بأطايــب المسمــوع
لــو كــان يقنــع بالخليـــع وهبتـــه قلبـــاً تقطــــع ساعــــة التوديــــع
ثـم إن الوزيــر أرســل إلــى عجيــب ليحضــره فلمــا حضــر قامــت لــه جدتــه واعتنقتــه وبكــت فقــال لهــا
شمـس الديـن مـا هــذا وقــت بكــاء بــل هــذا وقــت تجهــزك للسفــر معنــا إلــى ديــار مصــر عســى اللــه أن
يجمــع شملنــا وشملــك بولــدك ابــن أخــي فقالـــت سمعـــاً وطاعـــة ثـــم قامـــت مـــن وقتهـــا وجمعـــت جميـــع
أمتعتهــا وذخائرهــا وجواريهــا وتجهــزت فــي الحــال ثــم طلــع الوزيــر شمـــس الديـــن إلـــى سلطـــان البصـــرة
وودعــه فبعــث معــه هدايــا وتحفــاً إلــى سلطــان مصــر وسافــر مــن وقتــه هـــو وزوجـــة أخيـــه ولـــم يـــزل
سائــراً حتــى وصــل إلــى مدينــة دمشــق فنــزل علــى القانــون وضـــرب الخيـــام وقـــال لمـــن معـــه إننـــا نقيـــم
===
بدمشـق جمعـة إلـى أن نشتـري للسلطـان هدايـاً وتحفـاً ثـم قـال عجيـب للطواشــي يــا غلــام إنــي اشتقــت
إلـى الفرجـة فقـم بنـا ننـزل إلـى ســوق دمشــق ونعتبــر أحوالهــا وننظــر مــا جــرى لــذاك الطبــاخ الــذي كنــا
أكلنا طعامه وشججنا رأسه مع أنه قد كان أحسن إلينا ونحن أسأناه.
فقــال الطواشــي سمعــاً وطاعــة ثــم إن عجيبــاً أخــرج مــن الخيــام هــو والطواشــي وحركتــه القرابـــة إلـــى
التوجــه لوالــده ودخــل مدينــة دمشــق ومــا زالا إلــى أن وصـــلا إلـــى دكـــان الطبـــاخ فوجـــداه واقفـــاً فـــي
الدكـان وكـان ذلـك قبـل العصـر وقـد وافـق الأمــر أنــه طبــخ حــب رمــان فلمــا قربــا منــه ونظــره عجيــب
حــن غليــه قلبــه ونظــر إلــى أثــر الضربـــة بالحجـــر فـــي جبينـــه فقـــال: السلـــام عليـــك يـــا هـــذا اعلـــم أن
خاطــري عنــدك فلمــا نظــر إليــه حســن بــدر الديـــن تعلقـــت أحشـــاؤه بـــه وخفـــق فـــؤاده غليـــه وأطـــرق
برأســه إلــى الــأرض وأراد أن يديــر لسانــه فــي فمــه فمــا قــدر علــى ذلـــك ثـــم رفـــع رأســـه إلـــى ولـــده
خاضعاً متدللاً وأنشد هذه الأبيات:
تمنيـت مـن أهـوى فلمــا رأيتــه ذهلت فلم أملك لساناً ولا طرفا
وأطرقــت إجلــالاً لـــه ومهابـــة وحاولت إخفاء الذي بي فلم يخف
وكنت معداً للعتـاب صحائفـاً فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا
ثـم قـال لهمـا اجبـرا قلبـي وكـلا مـن طعامـي فـو اللـه مـا نظـرت إليـك أيهــا الغلــام إلا حــن قلبــي إليــك ومــا
===
كنـت تبعتـك إلا وأنـا بغيـر عقـل. فقـال عجيـب واللـه إنـك محـب لنــا ونحــن أكلنــا عنــدك لقمــة فلازمتنــا
عقبهـــا وأردت أن تهتكنـــا ونحـــن لا نأكــــل لــــك أكــــلاً إلا بشــــرط أن تحلــــف أنــــك لا تخــــرج وراءنــــا ولا
تتبعنـا وإلا لا نعــود إليــك مــن وقتنــا هــذا فنحــن مقيمــون فــي هــذه المدينــة جمعــة حتــى يأخــذ جــدي
هدايــا للملــك فقــال بــدر الديــن لكــم علــي ذلــك فدخــل عجيــب هــو والخــادم فــي الدكــان فقــدم لهمــا
زبديــة ممتلئــة حــب رمــان فقــال عجيــب كــل معنــا لعــل اللــه يفــرج عنــا ففــرح حســن بــدر الديــن وأكـــل
معهــم حتــى امتلــأت بطونهمــا وشبعــا علــى خلــاف عادتهمــا ثــم انصرفــا وأسرعــا فــي مشيهمــا حتـــى
وصـلا إلـى خيامهمـا ودخـل عجيــب علــى جدتــه أم والــده حســن بــدر الديــن فقبلتــه وتذكــرت حســن
بدر الدين فتنهدت وبكت ثم أنها أنشدت هذين البيتين:
لـو لـم أرى بـأن الشمـل يجتمـع ما كان لي في حياتي بعدكم طمع
أقسمت ما في فؤادي غير حبكم والله ربي على الأسرار مطلع
ثـم قالـت لعجيــب يــا ولــدي أيــن كنــت قــال فــي مدينــة دمشــق فعنــد ذلــك قامــت وقدمــت لــه زبديــة
لعـام مـن حـب الرمـان وكـان قليـل الحلـاوة وقالـت للخـادم اقعـد مــع سيــدك فقــال الخــادم فــي نفســه واللــه
مــا لنــا شهيــة فــي الأكــل ثــم جلــس الخــادم وأمـــا عجيـــب فإنـــه لمـــا جلـــس كـــان بطنـــه ممتلئـــاً بمـــا أكـــل
وشــرب فأخــذ لقمــة وغمسهــا فــي حــب الرمـــان وأكلهـــا فوجـــده قليـــل الحلـــاوة لأنـــه شبعانـــاً فتضجـــر
===
وقــال أي شــيء هــذا الطعـــام الوحـــش فقالـــت جدتـــه: يـــا ولـــدي أتعيـــب طبيخـــي وأنـــا طبختـــه ولا
أحـد يحسـن الطبيــخ مثلــي إلا والــدك حســن بــدر الديــن فقــال عجيــب واللــه يــا سيدتــي إن طبيخــك
هـذا غيـر متقـن نحـن فـي هـذه الساعـة رأينـا فـي المدينـة طباخـاً طبــخ رمــان ولكــن رائحتــه ينفتــح لهــا
القلــب وأمــا طعامــه فإنــه يشتهــي نفــس المتخــوم أن يأكــل وأمــا طعامــك بالنسبـــة غليـــه فإنـــه لا يســـاوي
كثيـــراً ولا قليـــلاً فلمـــا سمعـــت جدتـــه كلامـــه اغتاظـــت غيظـــاً شديـــداً ونظــــرت إلــــى الخــــادم وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والعشرين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن جــدة عجيــب لمــا سمعــت كلامــه اغتاظــت ونظــرت إلــى الخــادم
وقالــت ويلــك هــل أنــت أفســدت ولــدي لأنــك دخلــت بــه إلـــى دكاكيـــن الطباخيـــن فخـــاف الطواشـــي
وأنكـــر وقـــال مـــا دخلنـــا الدكـــان ولكـــن جزنـــا جـــوازاً فقـــال عجيـــب واللـــه لقــــد دخلنــــا وأكلنــــا وهــــو
أحســن مــن طعامــك فقامــت جدتــه وأخبــرت أخــا زوجهــا وأغرتــه علــى الخــادم فحضــر الخــادم قــدام
الوزيــر فقــال لــه لــم دخلــت بولــدي دكــان الطبــاخ فخـــاف الخـــادم وقـــال مـــا دخلنـــا فقـــال عجيـــب بـــل
دخلنــا وأكلنــا مــن حــب الرمــان حتــى شبعنـــا وسقانـــا الطبـــاخ شرابـــاً بثلـــج وسكـــر فـــازداد غضـــب
===
الوزيـــر علـــى الخـــادم وسألـــه فأنكـــر فقـــال لـــه الوزيـــر إن كـــان كلامـــك صحيحـــاً فاقعـــد وكـــل قدامنــــا
فعنــد ذلــك تقــدم الخــادم وأراد أن يأكــل فلــم يقــدر ورمـــى اللقمـــة وقـــال يـــا سيـــدي إنـــي شبعـــان مـــن
البارحة.
فعـرف الوزيــر أنــه أكــل عنــد الطبــاخ فأمــر الجــواري ن يطرحنــه فطرحنــه ونــزل عليــه بالضــرب الوجيــع
فاستغـاث وقـال يـا سيـدي إنـي شبعـان مـن البارحـة ثـم منـع عنـه الضـرب وقــال لــم أنطلــق بالحــق فقــال
اعلـم أننادخلنـا دكـان الطبـاخ وهـو يطبـخ حـب الرمــان فغــرف لنــا منــه واللــه مــا أكلــت عمــري مثلــه ولا
رأيــت أقبــح مــن هــذا الـــذي قدامنـــا فغضبـــت أم حســـن بـــدر الديـــن وقالـــت لا بـــد أن تذهـــب إلـــى
هـذا الطبـاخ وتجـيء لنـا بزبديــة حــب الرمــان مــن الــذي عنــده وتريــه لسيــدك حتــى يقــول أيهمــا أحســن
وأطيـب فقـال الخـادم: نعـم ففـي الحـال أعطتــه زبديــة ونصــف دينــار فمضــى الخــادم حتــى وصــل إلــى
الدكـان وقـال للطبـاخ نحـن تراهنـا علـى طعامـك فـي بيــت سيدنــا لــأن هنــاك حــب رمــان طبخــه أهــل
البيــت فهــات لنــا بهــذا النصــف دينــار وأدر بالــك فــي طهيــه وأتقنــه فقــد أكلنــا الضــرب الموجــع علــى
طبيخك.
فضحــك حســن بــدر الديــن وقــال واللــه أن هــذا الطعــام لا يحسنــه أحــد إلا أنـــا ووالدتـــي وهـــي الـــآن
فـي بلـاد بعيـدة ثـم أنـه عـرف الزبديــة وأخذهــا وختمهــا بالمســك ومــاء الــورد فأخذهــا الخــادم وأســرع
===
بهـــا حتـــى وصـــل إليهـــم فأخذتهـــا والـــدة حســـن وذاقتهـــا ونظــــرت حســــن طعمهــــا فعرفــــت طباخهــــا
فصرخـت ثـم وقعـت مغشيـاً عليهـا فبهــت الوزيــر مــن ذلــك ثــم رشــوا عليهــا مــاء الــورود بعــد ساعــة
أفاقـت وقالـت إن كـان ولـدي فـي الدنيـا فمـا طبـخ حـب الرمــان هــذا إلا هــو وهــو ولــدي حســن بــدر
الدين لا شك ولا محالة لأن هذا طعامه وما أحد يطبخه غيره إلا أنا لأني علمته طبيخه.
فلمــا سمــع الوزيــر كلامهــا فــرح فرحــاً شديــداً وقــال واشوقــاه إلــى رؤيـــة ابـــن أخـــي أتـــرى تجمـــع الأيـــام
شملنـا ومــا نطلــب الاجتمــاع بــه إلا مــن اللــه تعالــى ثــم إن الوزيــر قــام مــن وقتــه وساعتــه وصــاح علــى
الرجـال الذيـن معـه وقـال يمضـي منكــم عشــرون رجــلاً إلــى دكــان الطبــاخ ويهدمونهــا ويكتفونــه بعمامتــه
ويجرونــه غصبــاً إلــى مكانــي مــن غيــر إيــذاء يحصــل لــه فقالــوا لــه نعـــم ثـــم إن الوزيـــر ركـــب مـــن وقتـــه
وساعتــه إلـــى دار السعـــادة واجتمـــع بنائـــب دمشـــق وأطلعـــه علـــى الكتـــب التـــي معـــه مـــن السلطـــان
فوضعهـا علـى رأسـه بعـد تقبيلهـا وقـال مــن هــو غريمــك قــال رجــل طبــاخ ففــي الحــال أمــر حجابــه أن
يذهبـوا إلـى دكانـه فذهبـوا فرأوهـا مهدومـة وكـل شـيء فيهــا مكســور لأنــه لمــا توجــه إلــى دار السعــادة
فعلــت جماعتــه مــا أمرهــم بــه وصــاروا منتظريــن مجــيء الوزيــر مــن دار السعـــادة وحســـن بـــدر الديـــن
يقـول فـي نفسـه يـا تـرى أي شـيء رأوا فـي حـب الرمـان حتـى صـار لـي هـذا الأمـر فلمــا حضــر الوزيــر
مـن عنـد نائـب دمشـق وقــد أذن غريمــه وسفــره بــه فلمــا دخــل الخيــام طلــب الطبــاخ فأحضــروه مكتفــاً
===
فلمـا نظـر حسـن بـدر الديــن إلــى عمــه بكــى بكــاء شديــداً وقــال يــا مولــاي مــا ذنبــي عندكــم فقــال لــه
أنـت الـذي طبخــت حــب الرمــان قــال نعــم فهــل وجدتــم فيــه شيئــاً يوجــب ضــرب الرقبــة فقــال هــذا
أقـل جزائـك فقـال لـه يـا سيـدي أمـا توقفنـي علـى ذنبــي فقــال لــه الوزيــر: نعــم فــي هــذه الساعــة ثــم إن
الوزيـــر صـــرخ علـــى الغلمـــان وقـــال هاتـــوا الجمـــال وأخـــذوا حســـن بــــدر الديــــن معهــــم وأدخلــــوه فــــي
صنـدوق وقفلـوا عليـه وسـاروا ولـم يزالـوا سائريــن إلــى أن أقبــل الليــل فحطــوا وأكلــوا شيئــاً مــن الطعــام
وأخرجــوا حســن بــدر الديــن فأطعمــوه وأعــادوه إلــى الصنــدوق ولــم يزالــوا كذلـــك حتـــى وصلـــوا إلـــى
مكـان فأخرجـوا حســن بــدر الديــن مــن الصنــدوق وقــال لــه هــل أنــت طبخــت حــب الرمــان قــال نعــم
يا سيدي.
فقـال الوزيـر قيـدوه فقيـدوه وأعـادوه إلـى الصنـدوق وســاروا إلــى أن وصلــوا إلــى مصــر وقــد نزلــوا فــي
الزيدانيـة فأمـر بإخــراج حســن بــدر الديــن مــن الصنــدوق وأمــر بإحضــار نجــار وقــال اصنــع لهــذا لعبــة
خشــب فقــال حســن بــدر الديــن ومــا تصنـــع بهـــا فقـــال أصلبـــك وأسمـــرك فيهـــا ثـــم أدور بـــك المدينـــة
كلهـا فقـال علـى أي شـيء تفعـل بـي ذلــك فقــال الوزيــر علــى عــدم إتقــان طبيخــك حــب الرمــان كيــف
طبختـه وهـو ناقـص فلفـلاً فقـال لــه وهــل لكونــه ناقــص فلفــلاً تصنــع معــي هــذا كلــه أمــا كفــاك حبســي
وكــل يــوم تطعمــون بأكلــة واحــدة فقــال لــه الوزيـــر مـــن أجـــل كونـــه ناقصـــاً فلفـــلاً مـــا جـــزاؤك إلـــى القتـــل
===
فتعجــب حســن بــدر الديــن وحــزن علــى روحـــه وصـــار يتفكـــر فـــي نفســـه فقـــال لـــه الوزيـــر فـــي أي
شـيء تتفكـر فقـال لـه فـي العقـول السخيفـة التـي مثـل عقلـك فإنـه لـو كـان عنــدك عقــل مــا كنــت فعلــت
معي هذه الفعال لأجل نقص الفلفل فقال له الوزير يجب علينا أن نؤدبك حتى لا تعود لمثله.
فقـال حسـن بـدر الديـن إن الـذي فعلتـه معـي أقـل شـيء فيــه أدبــي فقــال لا بــد مــن صلبــك وكــل هــذا
والنجـار يصلـح الخشـب وهـو ينظـر إليـه ولـم يزالـوا كذلـك إلـى أن أقبـل الليـل فأخــذه عمــه ووضعــه فــي
الصنــدوق وقــال فــي غــد يكــون صلبــك ثــم صبـــر عليـــه حتـــى عـــرف أنـــه نـــام فقـــام وركـــب وأخـــذ
الصنــدوق قدامــه ودخــل المدينــة وســار إلــى أن دخــل بيتــه ثــم قــال لابنتــه ســت الحســن: الحمــد للــه
الـذي جمـع شملـك بابـن عمـك قومـي وافرشــي البيــت مثــل فرشــة ليلــة الجــلاء فأمــرت الجــواري بذلــك
فقمــن وأوقــدن الشمــع وقــد أخــرج الوزيــر الورقــة التــي كتـــب فيهـــا أمتعـــة البيـــت ثـــم قرأهـــا وأمـــر أن
يضعـوا كـل شـيء فـي مكانـه حتـى أن الرائـي إذا رأى ذلـك لا يشـك فـي أنهـا ليلــة الجــلاء بعينهــا ثــم أن
الوزيــر أمــر أن تحــط عمامــة حســن بــدر الديــن فــي مكانهــا الــذي حطهـــا فيـــه بيـــده وكذلـــك الســـروال
والكيـس الـذي تحـت الطراحـة ثــم أن الوزيــر أمــر ابنتــه تتحــف نفسهــا كمــا كانــت ليلــة الجــلاء وتدخــل
المخـدع وقـال لهــا: إذ دخــل عليــك ابــن عمــك فقولــي لــه قــد أبطــأت علــي فــي دخولــك بيــت الخــلاء
ودعيه يبيت عندك وتحدثي معه إلى النهار وكتب هذا التاريخ.
===
ثــم أن الوزيــر أخــرج بــدر الديــن مــن الصنــدوق بعـــد أن فـــك القيـــد مـــن رجليـــه وخلـــع مـــا عليـــه مـــن
الثيـاب وصـار بقميـص النـوم وهـو رفيـع مـن غيـر سـروال. كـل هـذا وهـو نائـم لا يعـرف بذلـك ثـم انتبــه
بـدر الديـن مـن النـوم فوجـد نفسـه فــي دهليــز نيــر فقــال فــي نفســه هــل أنــا فــي أضغــاث أحلــام أو فــي
اليقظـة ثـم قـام بـدر الديـن فمشـى قليـلاً إلـى بـاب ثــان ونظــر وغــذا هــو فــي البيــت الــذي انجلــت فيــه
العروســــة ورأى المخــــدع والسريــــر ورأى عمامتــــه وحوائجــــه فلمــــا نظـــــر ذلـــــك بهـــــت وصـــــار يقـــــدم
رجلاً ويؤخر أخرى وقال في نفسـه هـل هـذا فـي المنـام أو فـي اليقظـة وصـار يمسـح جبينـه ويقـول وهـو
متعجـب واللـه إن هـذا مكـان العروســة التــي انجلــت فيــه علــي فإنــي كنــت فــي صنــدوق فبينمــا هــو
يخاطــب نفســه وإذا بســت الحســن رفعــت طــرف الناموسيــة وقالــت لــه يــا سيــدي أمــا تدخــل فإنـــك
أبطـأت علـي فــي بيــت الخــلاء فلمــا سمــع كلامهــا ونظــر إلــى وجههــا وضحــك وقــال إن هــذه أضغــاث
أحلــام ثــم دخـــل وتنهـــد وتفكـــر فيمـــا جـــرى لـــه وتحيـــر فـــي أمـــره وأشكلـــت عليـــه قضيتـــه ولمـــا رأى
عمامتــه وسروالــه والكيــس الــذي فيــه الألــف دينــار قــال: اللــه أعلــم أنــي فــي أضغــاث أحلــام وصـــار
من فرط التعجب متحيراً وهناك أدرك شهرزاد الصباح..
وفي الليلة الخامسة والعشرين
===
قالـت: بلغنـي أن بـدر الديــن تعجــب وتحيــر فعنــد ذلــك قالــت لــه ســت الحســن: مالــي أراك متعجبــاً
متحيــراً مــا كنــت فــي أول الليــل فضحــك وقــال عــام لــي غائــب عنــك فقالــت لــه سلامتــك ســم اللـــه
حواليـك أنــت إنمــا خرجــت إلــى الكنيــف لتقضــي حاجــة وترجــع فــأي شــيء جــرى فــي عقلــك فلمــا
سمـع بـدر الديـن ذلـك ضحــك وقــال لهــا صدقــت ولكننــي لمــا خرجــت مــن عنــدك غلبنــي النــوم فــي
بيـت الراحـة فحلمـت أنـي كنــت طباخــاً فــي دمشــق وأقمــت بهــا عشــرة سنيــن وكأنــه جاءنــي صغيــر
مـن أولـاد الأكابـر ومعـه خـادم وحصــل مــن أمــره كــذا وكــذا ثــم أن حســن بــدر الديــن مســح بيــده علــى
جبينـه فـرأى أثـر الضـرب عليـه. فقـال واللـه يـا سيدتـي كأنـه حـق لأنــه ضربنــي علــى جبينــي فشبحــه
فكأنـه فـي اليقظـة ثـم قـال لعـل هـذا المنـاح حصـل حيـن تعانقـت أنـا وأنـت ونمنـا فرأيــت فــي المنــام كأنــي
سافــرت إلــى دمشــق بــلا طربــوش ولا عمامــة ولا ســروال وعملــت طباخــاً ثــم سكـــت ساعـــة وقـــال
واللــه كأنــي رأيــت أنــي طبخــت حــب رمــان وفلفلــه قليــل واللــه مـــا كأنـــي إلا نمـــت فـــي بيـــت الراحـــة
فرأيـت هـذا كلـه فـي المنـام فقالــت لــه ســت الحســن باللــه وعليــك أي شــيء رأيتــه زيــادة علــى ذلــك.
فحكى لها جميع ما رآه ثم قال والله لولا أني انتبهت لكانوا صلبوني على لعبة خشب.
فقالــت لــه علـــى أي شـــيء فقـــال علـــى قلـــة الفلفـــل فـــي حـــب الرمـــان ورأيـــت كأنهـــم خرجـــوا دكانـــي
وكسـروا مواعينـي وحطونـي فـي صنـدوق وجـاؤوا بالنجـار ليصنــع لــي لعبــة مــن خشــب لأنهــم أرادوا
===
صلبي عليها فالحمد لله الـذي جعـل ذلـك كلـه فـي المنـام ولـم يجعلـه فـي اليقظـة فضحكـت سـت الحسـن
وضمتــه إلــى صدرهــا وضمهــا إلــى صــدره ثــم تذكــر وقـــال: واللـــه مـــا كأنـــه إلا فـــي اليقظـــة فأنـــا مـــا
عرفـت أي شـيء الخبـر ولا حقيقـة الحـال ثـم إنـه نـام وهـو متحيـر فـي أمـره فتــارة يقــول رأيتــه فــي المنــام
وتــارة يقــول رأيتــه فــي اليقظــة ولــم يــزل كذلــك إلــى الصبــاح ثــم دخــل عليــه عمــه الوزيــر شمــس الديــن
فسلــم عليــه فنظــر لــه حســن بــدر الديــن وقــال باللــه عليــك أمــا أنــت الــذي أمــرت بتكتيفـــي وتسميـــر
دكاني من شأن حب الرمان لكونه قليل الفلفل.
فعنـد ذلـك قـال الوزيـر اعلـم يـا ولـدي أنــه ظهــر الحــق وبــان مــا كــان مختفيــاً أنــت ابــن أخــي ومــا فعلــت
ذلـك حتـى تحققـت أنـك الـذي دخلـت علـى ابنتـي تلــك الليلــة ومــا تحققــت ذلــك حتــى رأيتــك عرفــت
البيـت وعرفـت عمامتـك وسروالـك وذهبـك والورقتيـن التـي كتبتهمـا بخطـك والتـي كتبهـا والـدك أخــي
فإنـي مـا رأيتـك قبــل ذلــك ومــا كنــت أعرفــك وأمــا أمــك فإنــي جئــت بهــا معــي مــن البصــرة ثــم رمــى
نفسـه عليـه وبكـى فلمـا سمـع حسـن بــدر الديــن كلــام عمــه تعجــب غايــة العجــب وعانــق عمــه وبكــى
مـن شـدة الفـرح ثـم قـال لـه الوزيـر يـا ولـدي إن سبـب ذلـك كلـه مـا جـرى بينـي وبيــن والــدك وحكــى لــه
جميــع مــا جــرى بينــه وبيــن أخيــه وأخبــره بسبــب سفــر والــده إلــى البصــرة ثـــم إن الوزيـــر أرســـل إلـــى
عجيــب فلمــا رآه والــده قــال لهــذا الــذي ضربنــي بالحجــر فقــال الوزيــر هــذا ولــدك فعنــد ذلــك رمـــى
===
ولقد بكيت على تفرق شملنـا زماناً وفاض الدمع من أجفاني
ونذرت أن أجمع المهيمن شملنا مـا عـدت أذكـر فرقـة بلسانــي
هجم السـرور علـي حتـى أنـه من فرط ما قد سرني أبكاني
فلما فرغ من شعره التفتت إليه والدته وألقت روحها عليه وأنشدت هذين البيتين:
الدهر أقسـم لا يـزال مكـدري حنثت يمينـك يـا زمـان فكفـر
لسعد وافى والحبيب مساعدي فانهض إلى داعي السرور وشمر
ثــم إن والدتــه حكــت لــه جميــع مــا وقــع لهــا بعــده وحكــى لهــا جميـــع مـــا قاســـاه فشكـــروا اللـــه علـــى
جمــع شملهــم ببعضهــم ثــم أن الوزيــر طلــع إلــى السلطــان وأخبــره بمــا جــرى لــه فتعجــب وأمــر أن يــؤرخ
ذلــك فــي السجلــات ليكــون حكايــة علــى ممــر الأوقــات ثــم أن الوزيــر شمــس الديــن وأخيـــه نـــور الديـــن
فقـال الخليفـة هـارون الرشيـد واللـه إن هــذا الشــيء عجــاب ووهــب للشــاب سريــة مــن عنــده ورتــب
لـــه مـــا يعيـــش بـــه وصـــار ممـــن ينادمـــه ثـــم إن لبنـــت قالـــت ومـــا هـــذا بأعجـــب مـــن حكايـــة الخيــــاط
والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع لهم قال الملك وما حكايتهم.
===
حكاية الخياط والأحدب
واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أنــه كانفــي قديــم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان فــي مدينــة الصيــن
رجــل خيــاط مبســوط الــرزق يحـــب اللهـــو والطـــرب وكـــان يخـــرج هـــو وزوجتـــه فـــي بعـــض الأحيـــان
يتفرجـــان علـــى مرائـــب المنتزهـــات فخرجـــا يومـــاً مـــن أول النهــــار ورجعــــا آخــــره إلــــى منزلهمــــا عنــــد
المســاء فوجــدا فــي طريقهمــا رجـــل أحـــدب رؤيتـــه تضحـــك الغضبـــان وتزيـــل الهـــم والأحـــزان فعنـــد
ذلــك تقــدم الخيــاط هـــو وزوجتـــه يتقـــوزان عليـــه ثـــم أنهمـــا عزمـــا عليـــه أن يـــروح معهمـــا إلـــى بيتهمـــا
لينادمهمـا تلـك الليلـة فأجابهمـا إلــى ذلــك ومشــى معهمــا إلــى البيــت فخــرج الخيــاط إلــى الســوق وكــان
الليــل قــد أقبــل فاشتــرى سمكــاً مقليــاً وخبــزاً وليمونــاً وحلــاوة يتحلـــون بهـــا ثـــم رجـــع وحـــط السمـــك
قـدام الأحـدب وجلسـوا يأكلــون فأخــذت امــرأة الخيــاط جزلــة سمــك كبيــرة ولقمتهــا للأحــدب وســدت
فمـه بكفهـا وقالـت واللـه مـا تأكلهمـا إلا دفعـة واحـدة فـي نفـس واحـد ولـم تمهلــه حتــى يمضغهــا فابتلعهــا
وكـــان فيهـــا شوكـــة قويـــة فتصلبـــت فـــي حلقـــه لأجـــل انقضـــاء أجلـــه فمـــات وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح
فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن امــرأة الخيــاط لمــا لقمــت للأحـــدب جزلـــة السمـــك مـــات لانقضـــاء
أجلـه فـي وقتـه فقـال الخيـاط: لا حـول ولا قـوة إلا باللــه العلــي العظيــم هــذا المسكيــن مــا كــان موتــه إلا
هكذا على أيدينا فقالت المرأة وما هذا التواني أما سمعت قول الشاعر:
مالي أعلل نفسي يا حمال على أمــر يكــون بـــه هـــم وأحـــزان
ماذا القعود على نار وما خمدت إن القعود في النيـران خسـران
فقــال لهــا زوجهــا ومــا أفعلــه قالــت قــم واحملـــه فـــي حضنـــك وانشـــر عليـــه فوطـــة حريـــر وأخـــرج أنـــا
قدامــك وأنــت ورائــي فــي هــذه الليلـــة وقـــل هـــذا ولـــدي وهـــذه أمـــه ومرادنـــا أن نوديـــه إلـــى الطبيـــب
ليداويــه فلمــا سمــع الخيــاط هــذا الكلــام قـــام وحمـــل الأحـــدب فـــي حضنـــه وزوجتـــه تقـــول يـــا ولـــدي
سلامتـك أيـن محـل وجعــك وهــذا الجــدري كــان لــك فــي أي مكــان فكــل مــن رآهــا يقــول معهمــا طفــل
مصـاب بالجـدري ولـم يـزالا سائريـن وهمـا يسألـان عـن منـزل الطبيـب حتـى دلوهمـا علــى بيــت طبيــب
يهــودي فقرعــا البــاب فنزلــت لهمــا الجاريــة وفتحــت البــاب ونظـــرت وإذا بإنســـان حامـــل صغيـــر وأمـــه
معــه فقالــت الجاريــة مــا خبركــم فقالــت امــرأة الخيــاط معنــا صغيــر مرادنـــا أن ينظـــره الطبيـــب فخـــذي
الربــع دينــار وأعطيــه لسيــدك ودعيــه ينــزل ليــرى ولــدي فقــد لحقــه ضعــف فطلعــت الجاريــة ودخلـــت
زوجـة الخيـاط داخـل العتبـة وقالــت لزوجهــا دع الأحــدب هنــا ونفــوز بأنفسنــا فأوقفــه الخيــاط وخــرج
===
هـو وزوجتـه وأمـا الجاريـة فإنهـا دخلـت علـى اليهـودي وقالــت لــه فــي أسفــل البيــت ضعيــف مــع امــرأة
ورجل وقد أعطياني ربع دينار لك وتصف لهما ما يوافقه.
فلمــا رأى اليهــودي الربــع دينــار فــرح وقــام عاجــلاً ونــزل فــي الظلــام فــأول مـــا نـــزل عثـــرت رجلـــه فـــي
الأحـدب وهـو ميـت فقـال يـا للعزيـز للمولـى والعشـر كلمـات يــا لهــرون ويوشــع بــن نــون كأنــي عثــرت فــي
هذا المريض فوقع إلـى أسـف فمـات فكيـف أخـرج بقتيلـي مـن بيتـي فحملـه وطلـع بـه مـن حـوش البيـت
إلـى زوجتــه وأعلمهــا بذلــك فقالــت لــه ومــا قعــودك ههنــا فــإن قعــدت هنــا إلــى طلــوع النهــار راحــت
أرواحنــا فأنــا وأنــت نطلــع بــه إلــى المطبــخ ونرميــه فــي بيــت جارنــا المسلـــم فإنـــه رجـــل مباشـــر علـــى
مطبـخ السلطـان وكثيـراً مـا تأتـي القطـط فـي بيتـه وتأكـل ممـا فيـه مـن الأطعمـة والفئــران وإن استمــر فيــه
ليلـة تنـزل عليــه الكلــاب مــن السطــوح وتأكلــه جميعــه فطلــع اليهــودي وزوجتــه وهمــا حاملــان الأحــدب
وأنزلـــاه بيديـــه ورجليـــه إلـــى الـــأرض وجعلـــاه ملاصقـــاً للحائـــط ثـــم نـــزلا وانصرفــــا ولــــم يستقــــر نــــزول
الأحـدب إلا والمباشـر قـد جـاء إلـى البيـت فـي وقتـه وطلـع البيـت ومعـه شمعـة مضيئـة فوجــد ابــن آدم
واقفاً في الزاوية في جانب المطبخ.
فقـال ذلـك المباشــر مــا هــذا واللــه إن الــذي يســرق حوائجنــا مــا هــو إلا ابــن آدم فيأخــذ مــا وجــده مــن
لحــم أو دهــن ولــو خبأتــه مــن القطــط والكلـــاب وإن قتلـــت قطـــة الحـــارة وكلابهـــا جميعـــاً لا يفيـــد لأنـــه
===
ينــزل مــن السطــوح ثــم أخــذ مطرقــة عظيمــة ووكــزه بهــا فصــار عنــده ثــم ضربهــا علــى صـــدره فوقـــع
فوجـده ميتـاً فحـزن وقـال لا حــول ولا قــوة إلا باللــه وخــاف علــى نفســه وقــال لعــن اللــه الدهــن واللحــم
وهــذه الليلــة كيــف فرغــت منيــة ذلــك الرجــل علـــى يـــدي ثـــم نظـــر إليـــه فـــإذا هـــو أحـــدب فقـــال أمـــا
يكفـي أنـك أحـدب حتـى تكـون حراميـاً وتسـرق اللحـم والدهـن يــا ستــار استرنــي بستــرك الجميــل ثــم
حملـه علـى أكتافـه ونـزل بـه مـن بيتـه فـي آخــر الليــل ومــا زال سائــراً بــه إلــى أول الســوق فأوقفــه بجانــب
دكـان فـي رأس عطفـة وتركــه وانصــرف وإذا بنصرانــي وهــو سمســار السلطــان وكــان سكــران فخــرج
يريــد الحمــام فقـــال لـــه سكـــره أن المسيـــح قريـــب فمـــا زال يمشـــي ويتمايـــل حتـــى قـــرب مـــن الأحـــدب
وجعـــل يريـــق المـــاء قبالـــه فلاحـــت منـــه التفاتـــة فوجـــد واحـــداً واقفــــاً وكــــان النصرانــــي قــــد خطفــــوا
عمامتــه فــي أول الليــل فلمــا رأى الأحــدب واقفــاً اعتقــد أنــه يريــد خطــف عمامتــه فطبــق كفـــه ولكـــم
الأحـــدب علـــى رقبتـــه فوقـــع علـــى الـــأرض وصـــاح النصرانـــي علـــى حـــارس الســـوق ثـــم نـــزل علـــى
الأحدب من شدة سكره ضرباً وصار يخنقه خنقاً.
فجـــاء الحـــارس فوجـــد النصرانـــي باركـــاً علـــى المسلـــم وهـــو يضربـــه فقـــال الحـــارس: قـــم عنـــه فقـــام
فتقـدم إليـه الحـارس فوجـده ميتــاً فقــال كيــف يقتــل النصرانــي مسلمــاً ثــم قبــض علــى النصرانــي وكتفــه
وجاء بـه إلـى بيـت الوالـي والنصرانـي يقـول فـي نفسـه يـا مسيـح يـا عـذراء كيـف قتلـت هـذا ومـا أسـرع
===
مــا مــات فــي لكمــة قــد راحــت السكــرة وجــاءت الفكــرة ثــم أن الأحــدب والنصرانــي باتــا فـــي بيـــت
الوالــي وأمــر الوالــي السيــاف أن ينــادي عليــه ونصــب للنصرانــي خشبــه وأوقفــه تحتهــا وجــاء السيـــاف
ورمـى فـي رقبـة النصرانـي الحبـل وأراد أن يعلقـه وإذا بالمباشــر قــد شــق النــاس فــرأى النصرانــي وهــو
واقــف تحــت المشنقــة ففســح النــاس وقــال للسيــاف لا تفعــل أنــا الــذي قتلتــه فقـــال الوالـــي لـــأي شـــيء
قتلتــه قــال إنــي دخلــت الليلــة بيتــي فرأيتــه نــزل مــن السطــح وســرق مصالحــي فضربتـــه بمطرقـــة علـــى
صدره فمات فحملتـه وجئـت بـه إلـى السـوق وأوقفتـه فـي موضـع كـذا فـي عطفـة كـذا ثـم قـال المباشـر
مــا كفانــي أنــي قتلــت مسلمــاً حتــى يقتــل بسببــي نصرانــي فــلا تشنــق غيـــري فلمـــا سمـــع الوالـــي كلـــام
المباشــر أطلــق صــراح النصرانـــي السمســـار وقـــال للسيـــاف اشنـــق هـــذا باعترافـــه فأخـــذ الحبـــل مـــن
رقبـــة النصرانـــي ووضعـــه فـــي رقبـــة المباشـــر وأوقفـــه تحــــت الخشبــــه وأراد أن يعلقــــه وإذا باليهــــودي
الطبيـب قـد شـق النـاس وصـاح علــى السيــاف وقــال لا تفعــل فمــا قتلــه إلا أنــا وذلــك انــه جاءنــي فــي
بيتــي ليــداوى فنزلــت إليــه فتعثــرت فيــه برجلــي فمـــات فـــلا تقتـــل المباشـــر واقتلنـــي. فأمـــر أن يقتـــل
اليهـودي الطبيــب فأخــذ السيــاف الحبــل مــن رقبــة المباشــر ووضعــه فــي رقبــة اليهــودي الطبيــب وإذا
بالخيــاط جــاء وشــق النــاس وقــال للسيــاف لا تفعــل فمــا قتلــه إلا أنــا وذلــك أنــي كنــت بالنهـــار أتفـــرج
وجئــت وقــت العشــاء فلقيــت هــذا الأحــدب سكــران ومعــه دف وهــو يغنــي بفرحــة فوقفـــت أتفـــرج
===
عليــه وجئــت بــه إلــى بيتــي واشتريـــت سمكـــاً وقعدنـــا نأكـــل فأخـــذت زوجتـــي قطعـــة سمـــك ولقمـــة
ودستهمـا فـي فمـه فـزور فمـات لوقتـه فأخذتـه أنـا وزوجتـي وجئنـا بــه لبيــت اليهــودي فنزلــت الجاريــة
وفتحــت لنــا البــاب فقلــت لهــا قولــي لسيــدك أن بالبــاب امــرأة ورجـــلاً ومعهمـــا ضعيـــف تعـــال أنظـــره
وصـــف لـــه دواء وأعطيتهـــا ربــــع دينــــار فطلعــــت لسيدهــــا وأسنــــدت الأحــــدب إلــــى جهــــة السلــــم
ومضيــت أنــا وزوجتــي فنــزل اليهــودي فعثــر فيــه فظــن أنـــه قتلـــه ثـــم قـــال الخيـــاط لليهـــودي أصحيـــح
هــذا قــال: نعــم. والتفــت الخيــاط للوالــي وقــال: أطلـــق اليهـــودي واشنقنـــي فلمـــا سمـــع الوالـــي كلامـــه
تعجـب مـن أمـر الأحـدب وقـال إن هـذا أمـر يـؤرخ فـي الكتـب ثـم قـال للسيـاف أطلـق اليهـودي واشنــق
الخيـاط باعترافـه فقدمـه السيـاف وقـال هـل نقـدم هـذا ونؤخـر هـذا ولا نشنــق واحــداً ثــم وضــع الحبــل
فـي رقبـة الخيـاط فهـذا مـا كـان مـن أمـر هـؤلاء وأمـا مــا كــان مــن أمــر الأحــدب فقيــل أنــه كــان مسخــرة
للسلطـان لا يقـدر أن يفارقـه فلمـا سكـر الأحـدب غـاب عنـه تلــك الليلــة وثانــي يــوم إلــى نصــف النهــار
فسـأل عنـه بعـض الحاضريـن فقالـوا لـه يـا مولانـا طلـع بـه الوالـي وهـو ميـت وأمـر بشنـق قاتلـه فنـزل الوالـي
ليشنـق القاتـل فحضـر لـه ثـان وثالـث وكـل واحــد يقــول مــا قتلــه إلا أنــا وكــل واحــد يذكــر للوالــي سبــب
قتله له.
فلمـا سمـع الملـك هـذا الكلـام صــرخ علــى الحاجــب وقــال لــه انــزل إلــى الوالــي وائتنــي بهــم جميعــاً فنــزل
===
الحاجـب فوجـد السيـاف كـاد أن يقتــل الخيــاط فصــرخ عليــه الحاجــب وقــال لا تفعــل واعلــم الوالــي أن
القضيـة بلغــت الملــك ثــم أخــذه وأخــذ الأحــدب معــه محمــولاً والخيــاط واليهــودي والنصرانــي والمباشــر
وطلـع بالجميـع إلـى الملـك فلمـا تمثـل الوالـي بيـن يديـه قبـل الـأرض وحكـى لـه جميــع مــا جــرى مــع الجميــع
فلمـــا سمـــع الملـــك هـــذه الحكايـــة تعجـــب وأخـــذه الطـــرب وأمـــر أن يكتـــب ذلـــك بمـــاء الذهـــب وقــــال
للحاضريـن هـل سمعتـم مثـل قصـة هـذا الأحـدب فعنــد ذلــك تقــدم النصرانــي وقــال يــا ملــك الزمــان إن
أذنـت لـي حدثتـك بشـيء جـرى لـي وهـو أعجـب وأطـرب مـن قصـة الأحـدب فقــال الملــك حدثنــا بمــا
عنــدك فقـــال النصرانـــي اعلـــم يـــا ملـــك الزمـــان أنـــي لمـــا دخلـــت تلـــك الديـــار أتيـــت بمتجـــر وأوقعنـــي
المقـدور عندكــم وكــان مولــدي بمصــر وأنــا مــن قبطهــا وتزينــت بهــا وكــان والــدي سمســاراً فلمــا بلغــت
مبلغ الرجال توفي والدي فعملت سمساراً مكانه.
فبينمــا أنــا قاعـــد يومـــاً مـــن الأيـــام وإذا بشـــاب أحســـن مـــا يكـــون وعليـــه أفخـــر ملبـــوس وهـــو راكـــب
حمـاراً فلمـا رآنـي سلـم علــي فقمــت إليــه تعظيمــاً لــه فأخــرج منديــلاً وفيــه قــدر مــن السمســم وقــال:
كـم يسـاوي الـأردب مـن هـذا فقلـت لـه: مائـة درهـم. فقـال لـي: خــذ التراسيــن والكياليــن واعمــد إلــى
خان الجوالي فـي بـاب النصـر تجدنـي فيـه وتركنـي ومضـى وأعطانـي السمسـم بمنديلـه الـذي فيـه العينـة
فـــدرت علـــى المشتريـــن فبلـــغ ثمـــن كـــل أردب مائـــة وعشريـــن درهمـــاً فأخـــذت معـــي أربعـــة تراسيــــن
===
ومضيـت إليـه فوجدتـه فـي انتظـاري فلمـا رآنـي قـام إلـى المخـزن وفتحــه فكيلنــاه فجــاء جميــع مــا فيــه
خمسيـن أردبـاً فقـال الشـاب: لـك فـي كـل أردب عشـرة دراهـم سمسـرة واقبـض الثمـن واحفظــه عنــدك
وقـــدر الثمـــن خمســـة آلـــاف لـــك منهـــا خمسمائـــة ويبقـــى لـــي أربعـــة آلـــاف وخمسمائـــة فـــإذا فـــرغ بيـــع
حواصلي جئت إليك وأخذتها فقلت له: الأمر كما تريد ثم قبلت يديه ومضيت من عنده.
فحصـل لـي فـي ذلـك اليـوم ألـف درهـم وغـاب عنـي شهـراً ثــم جــاء وقــال لــي: أيــن الدراهــم فقلــت:
هاهــي حاضــرة فقــال: احفظهــا حتــى أجــيء إليــك فآخذهــا فقعــدت أنتظــره فغــاب عنــي شهــراً ثـــم
جاءنــي وقــال لــي: أيــن الدراهــم فقمــت وأحضــرت لــه الدراهــم وقعــدت أنتظــره فغـــاب عنـــي شهـــراً
ثـم جـاء وقـال لـي: بعـد هـذا اليــوم آخذهــا منــك ثــم ولــى فقمــت وأحضــرت لــه الدراهــم وقلــت لــه:
هــل لــك أن تأكــل عندنــا شيئــاً فأبـــى وقـــال لـــي: احفـــظ الدراهـــم حتـــى أمضـــي وأجـــيء فآخذهـــا
منـك ثـم ولـى وقعـدت أنتظـره فغـاب عنـي شهــراً فقلــت فــي نفســي: إن هــذا الشــاب كامــل السماحــة
ثـم بعـد الشهـر جـاء وعليـه ثيـاب فاخـرة فلمـا رأيتـه قبلـت يديـه ودعــوت لــه وقلــت لــه: يــا سيــدي أمــا
تقبـض دراهمـك فقـال: مهـلاً علـي حتـى أفـرغ مـن قضـاء مصالحـي وآخذهـا منـك ثــم ولــى فقلــت فــي
نفسـي: واللـه إذا جـاء لأضيفنـه لكونــي انتفعــت بدراهمــه وحصــل لــي منهــا مــال كثيــر فلمــا كــان آخــر
السنـة جـاء وعليـه بدلـة أفخـر مــن الأولــى فحلفــت عليــه أن ينــزل عنــدي ويضيفنــي فقــال: بشــرط أن
===
مـــا تنفقـــه مـــن مالـــي الـــذي عنـــدك قلـــت: نعـــم وأجلستـــه ونزلـــت فهيئــــأت مــــا ينبغــــي مــــن الأطعمــــة
والأشربـة وغيـر ذلـك وأحضرتـه بيــن يديــه وقلــت لــه: باســم اللــه فتقــدم إلــى المائــدة ومــد يــده الشمــال
وأكـل معـي فتعجبـت منـه فلمـا فرغنـا غسـل يـده وناولتـه مــا يمسحهــا بــه وجلسنــا للحديــث فقلــت: يــا
سيـدي فـرج عنـي كربـة لـأي شـيء أكلـت بيـدك الشمـال لعــل فــي يــدك اليميــن شيئــاً يؤلمــك فلمــا سمــع
كلامي أنشد هذين البتين:
خليلي لا تسأل على ما بمهجتي من اللوعة الحرى فتظهر أسقام
وما عن رضا فارقت سلمى معوضاً بديلاً ولكـن للضـرورة أحكـام
ثــم أخــرج يــده مــن كمــه وإذا هــي مقطوعــة زنــداً بــلا كــف فتعجبــت مــن ذلــك فقــال لــي: لا تعجـــب
ولا تقــل فــي خاطــرك. إنــي أكلــت معــك بيــدي الشمــال عجبــاً ولكــن لقطــع يـــدي اليميـــن سبـــب مـــن
العجـــب فقلـــت: ومـــا سبـــب ذلـــك فقـــال: اعلـــم أنـــي مـــن بغـــداد ووالـــدي مـــن أكابرهـــا فلمـــا بلغــــت
مبلـــغ الرجـــال سمعـــت السياحيـــن والمسافريـــن والتجـــار يتحدثـــون بالديـــار المصريـــة فبقــــي ذلــــك فــــي
خاطـري حتـى مـات والـدي فأخـذت أمـوالاً كثيــرة وهيــأت متجــراً مــن قمــاش بغــدادي وموصلــي ونحــو
ذلـك مـن البضائـع النفيسـة وحزمـت ذلــك وسافــرت مــن بغــداد وكتــب اللــه السلامــة لــي حتــى دخلــت
مدينتكم هذه. ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:
===
ويسلــــم الجاهــــل مــــن لفظــــة يهلــــك فيهــــا العالــــم الماهـــــر
ويعســـر المؤمـــن فــــي رزقــــه ويــــــرزق الكافـــــــر الفاجـــــــر
ماحيلـــة الإنســــان مــــا فعلــــه هــــو الــــذي قـــــدره القـــــادر
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره قـــال: فدخلـــت مصـــر وأنزلـــت القمـــاش فـــي خــــان ســــرور وفككــــت أحمالــــي
وأدخلتهـا وأعطيـت الخـادم دراهــم ليشتــري لنــا بهــا شيئــاً نأكلــه ونمــت قليــلاً فلمــا قمــت ذهبــت بيــن
القصريـن ثـم رجعـت وبـت ليلتـي فلمـا اصبحـت فتحـت رزمـة القمـاش وقلـت فـي نفســي أقــوم لأشــق
بعــض الأســواق وأنظــر الحــال فأخــذت بعــض القمــاش وحملتــه لبعــض غلمانــي وســـرت حتـــى وصلـــت
قيسريـة جرجـس فاستقبلنـي السماسـرة وكانـوا علمـوا بمجيئـي فأخـذوا منـي القمــاش ونــادوا عليــه فلــم
يبلـغ ثمنـه رأس مالــه فقــال لــي شيــخ الدلاليــن: يــا سيــدي أنــا أعــرف لــك شيئــاً تستفيــد منــه وهــو أن
تعمــل مثــل مــا عمــل التجــار فتبيــع متجــرك إلــى مــدة معلومــة بكاتــب وشاهــد وصيرفـــي وتأخـــذ مـــا
تحصـل مـن ذلــك فــي كــل يــوم خميــس واثنيــن فتكســب الدراهــم كــل درهــم اثنيــن وزيــادة علــى ذلــك
تتفـــرج علـــى مصـــر ونيلهـــا فقلـــت: هـــذا رأي سديـــد فأخـــذت معـــي الدلاليـــن وذهبــــت إلــــى الخــــان
فأخـذوا القمـاش إلـى القيسريـة فبعتــه إلــى التجــار وكتبــت عليهــم وثيقــة إلــى الصيرفــي وأخــذت عليــه
وثيقـة بذلـك ورجعـت إلـى الخـان وأقمـت أيامـاً كــل يــوم أفطــر علــى قــدح مــن الشــراب وأحضــر اللحــم
===
الضانـي والحلويـات حتــى دخــل الشهــر الــذي استحقــت فيــه الجبايــة فبقيــت كــل خميــس واثنيــن أقعــد
علـى دكاكيـن التجـار ويمضـي الصيرفـي والكاتـب فيجيــآن بالدراهــم مــن التجــار ويأتيانــي بهــا إلــى أن
دخلـــت الحمـــام يومـــاً مـــن الأيـــام وخرجـــت إلـــى الخـــان ودخلـــت موضعـــي وأفطـــرت علـــى قــــدح مــــن
الشـراب ثــم نمــت وانتبهــت فأكلــت دجاجــة وتعطــرت وذهبــت إلــى دكــان تاجــر يقــال لــه: بــدر الديــن
البستاني فلما رآني رحب بي وتحدث معي ساعة في دكانه.
فبينمـــا نحـــن كذلـــك وإذا بامـــرأة جـــاءت وقعـــدت بجانبـــي وعليهـــا عصابـــة مائلـــة وتفـــوح منهــــا روائــــح
الطيــب فسابــت عقلـــي بحسنهـــا وجمالهـــا ورفعـــت الـــأزرار فنظـــر إلـــي بأحـــداق ســـود ثـــم سلمـــت
علـى بـدر الديـن فـرد عليهــا السلــام ووقــف وتحــدث معهــا فلمــا سمعــت كلامهــا تمكــن حبهــا مــن قلبــي
فقالـــت لبـــدر الديـــن: هـــل عنـــدك تفصيلـــة مـــن القمـــاش المنســـوج مــــن خالــــص الذهــــب فأخــــرج لهــــا
تفصيلــة فقالــت للتاجــر: هــل آخذهــا وأذهــب ثــم أرســل إليـــك ثمنهـــا فقـــال لهـــا التاجـــر: لا يمكـــن يـــا
سيدتــي لــأن هــذا صاحــب القمــاش ولــه علــي قســط فقالـــت: ويلـــك إن عادتـــي أن آخـــذ منـــك كـــل
قطعــة قمــاش بجملــة دراهــم وأربحــك فيهــا فــوق مــا تريــد ثــم أرســل إليــك ثمنهـــا فقـــال: نعـــم ولكنـــي
مضطـر إلـى الثمـن فـي هــذا اليــوم فأخــذت التفصيلــة ورمتــه بهــا فــي صــدره وقالــت: إن طائفتكــم لا
تعــرف لأحــد قــدراً ثــم قامــت موليــة فظننــت أن روحــي راحــت معهــا فقمــت ووقفــت وقلــت لهـــا:
===
يـــا سيدتـــي تصدقـــي علــــي بالالتفــــات وارجعــــي بخطواتــــك الكريمــــة فرجعــــت وتبسمــــت وقالــــت:
لأجلــك رجعــت وقعــدت قصــادي علــى الدكــان فقلــت لبــدر الديــن: هــذه التفصيلــة كــم ثمنهــا عليــك
قال: ألف ومائة درهم فقلت له: ولك مائة درهم فائدة فهات ورقة فاكتب لك فيها ثمنها.
فأخـــذت التفصيلـــة منـــه وكتبــــت لــــه ورقــــة بخطــــي وأعطيتهــــا التفصيلــــة وقلــــت لهــــا: خــــذي أنــــت
وروحــي وإن شئــت هاتــي ثمنهــا لــي فــي الســوق وإن شئــت هــي ضيافتــك منــي فقــال: جــزاك اللــه
خيـراً ورزقـك مالـي وجعلـك بعلـي فتقبـل اللـه الدعــوة وقلــت لهــا: يــا سيدتــي اجعلــي هــذه التفصيلــة
لك ولك أيضاً مثلها ودعيني أنظر وجهك.
فكشفـت القنـاع عــن وجههــا فلمــا نظــرت وجههــا أعقبتنــي ألــف حســرة وتعلــق قلبــي بمحبتهــا فصــرت
لا أملـــك عقلـــي ثـــم رخـــت القنـــاع وأخـــذت التفصيلـــة وقالـــت: يـــا سيـــدي لا توحشنـــي وقـــد ولـــت
وقعــدت فــي الســوق إلــى بعــد العصــر وأنــا غائــب العقـــل وقـــد تحكـــم الحـــب عنـــدي فمـــن شـــدة مـــا
حصـل لـي مـن الحـب سألـت التاجـر عنهـا حيـن أردت القيــام فقــال: إن هــذه صاحبــة مــال وهــي بنــت
أمير مات والدها وخلف لها مالاً كثيراً.
فودعتـه وانصرفـت وجئـت إلـى الخـان فقـدم لـي العشـاء فتذكرتهـا فلـم آكـل شيئـاً ونمـت فلـم يأتنــي نــوم
فسهــرت إلــى الصبــاح ثــم قمــت فلبســت بدلــة غيــر التــي كانــت علــي وشربـــت قدحـــاً مـــن الشـــراب
===
وأفطـرت علـى شـيء قليـل وجئـت إلـى دكـان التاجـر فسلمـت عليــه وجلســت عنــده فجــاءت الصبيــة
وعليهــا بدلــة أفخــر مــن الأولــى ومعهــا جاريــة فجلســت وسلمــت علــي دون بـــدر الديـــن وقالـــت لـــي
بلســان فصيــح مــا سمعــت أعــذب ولا أحلــى منــه: أرســل معــي مــن يقبــض ألـــف والمائـــة درهـــم ثمـــن
التفصيلــــة فقلــــت لهــــا: ولا شيـــــئ فقالـــــت: لا أعدمنـــــاك وناولتنـــــي الثمـــــن وقعـــــدت أتحـــــدث معهـــــا
فأوميــت إليهــا بالإشــارة ففهمــت أنـــي أريـــد وصالهـــا فقامـــت علـــى عجـــل منهـــا واستوحشـــت منـــي
وقلبـي متعلـق بهـا وخرجـت أنـا خــارج الســوق فــي أثرهــا وإذا بجاريــة أتتنــي وقالــت: يــا سيــدي كلــم
سيدتــي فتعجبــت لهــا وقلــت: مــا يعرفنــي هنــا أحــد فقالــت الجاريــة: مــا أســرع مانسيتهــا سيدتـــي
التي كانت اليوم على دكان التاجر فلان.
فمشيـت معهـا إلـى الصيـارف فلمـا رأتنـي زوتنـي لجانبهـا وقالـت: يــا حبيبــي وقعــت بخاطــري وتمكــن
حبـك مـن قلبـي ومـن ساعـة رأيتـك لـم يطلـب لـي نـوم ولا أكـل ولا شـرب فقلــت لهــا: عنــدي أضعــاف
ذلــك والحــال يغنــي عــن الشكـــوى فقالـــت: يـــا حبيبـــي أجـــيء لعنـــدك فقلـــت لهـــا: أنـــا رجـــل غريـــب
ومالـي مكـان يأوينـي إلا الخـان فـإن تصدقــت علــي بــأن أكــون عنــدك يكمــل الحــظ. قالــت: نعــم لكــن
الليلـة ليلـة جمعــة مــا فيهــا شــيء إلا إن كــان فــي غــد بعــد الصلــاة فصــل واركــب حمــارك واســأل عــن
الحبانيـة فـإن وصلـت فاسـأل عــن قاعــة بركــات النقيــب المعــروف بأبــي شامــة فإنــي ساكنــة هنــاك ولا
===
ففرحـت فرحـاً زائـداً ثـم تفرقنـا وجئـت للخــان الــذي أنــا فيــه وبــت طــول الليــل سهــران فمــا صدقــت
أن الفجــر لــاح حتــى قمــت وغيــرت ملبوســي وتعطــرت وتطيبــت وأخــذت معــي خمسيــن دينــاراً فــي
منديــل ومشيــت مــن خــان مســرور إلــى بــاب زويلــة فركبــت حمــاراً وقلــت لصاحبــه: امــض بـــي إلـــى
الحبانيـة فمضـى فـي أقـل مـن لحظـة فمـا أسـرع مـا وقــف علــى درب يقــال لــه درب المنقــري فقلــت لــه:
ادخـل الـدرب واسـأل عــن قاعــة النقيــب فغــاب عليــلاً وقــال: أنــزل فقلــت: امــش قدامــي إلــى القاعــة
فمشـى حتـى أوصلنـي إلـى المنـزل فقلـت لـه: فـي غــد تجيئنــي هنــا وتودينــي فقــال الحمــار: بســم اللــه
فناولتـــه ربـــع دينـــار ذهبـــاً فأخـــذه وانصـــرف فطرقـــت البـــاب فخـــرج لـــي بنتـــان صغيرتـــان وبكــــران
منهدتان كأنهما قمران فقالتا: ادخل إن سيدتنا في انتظارك لم تنم الليلة لولعها بك.
فدخلـت قاعـة مغلقـة بسبعـة أبــواب وفــي دائرهــا شبابيــك مطلــة علــى بستــان فيــه مــن الفواكــه جميــع
الألـــوان وبـــه أنهـــار دافقـــة وطيـــور ناطقـــة وهـــي مبيضـــة بياضـــاً سلطانيـــاً يـــرى الإنســـان وجهـــه فيهـــا
وسقفهـا مطلـي بذهـب وفـي دائرهـا طــرزات مكتبــة بالــازورد قــد حــوت أوصــاف حسنــة وأضــاءت
للناظريــن وأرضهـــا مفروشـــة بالرخـــام المجـــزع وفـــي أرضهـــا فسقيـــة وفـــي أركـــان تلـــك الفسقيـــة الـــدر
والجوهـــر مفروشـــة بالبســـط الحريـــر الملونـــة والمراتـــب فلمـــا دخلـــت جلســـت وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح
فسكتت عن الكلام المباح.
===
قـد بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن الشــاب التاجــر قــال للنصرانــي: فلمــا دخلــت وجلســت لــم أشعــر إلا
والصبيـة قـد أقبلـت وعليهـا تـاج مكلـل بالـدر والجوهـر وهـي منقشـة مخططـة فلمـا رأتنـي تبسمـت فــي
وجهـي وحضنتنــي ووضعتنــي علــى صدرهــا وجعلــت فمهــا علــى فمــي وجعلــت تمــص لسانــي وأنــا
كذلــــك وقالــــت: أصحيـــــح أتيـــــت عنـــــدي أم هـــــذا منـــــام فقلـــــت لهـــــا: أنـــــا عبـــــدك فقالـــــت أهـــــلاً
ومرحبـــاً واللـــه مـــن يـــوم رأيتـــك مـــا لذنـــي نـــوم ولا طـــاب لـــي طعـــام فقلـــت: وأنـــا كذلـــك ثـــم جلسنـــا
نتحـدث وأنـا مطـرق برأسـي إلـى الـأرض حيــاء ولــم أمكــث قليــلاً حتــى قدمــت لــي سفــرة مــن أفخــر
الألــوان مــن محمــر ومــرق دجــاج محشــو فأكلــت معهــا حتــى اكتفينـــا ثـــم قدمـــوا إلـــى الطشـــط والإبريـــق
فغسلت يدي ثم تطيبنا بماء الورد والمسك وجلسنا نتحدث فأنشدت هذين البيتين:
لــو علمنــا بقدومكــم لفرشنـــا مهجة القلب مع سـواد العيـون
ووضعنــــا حدودنـــــا للقاكـــــم وجعلنــا المسيــر فــوق الجفــون
وهـي تشكـو إلــي مــا لاقــت وأنــا أشكــو إليهــا مــا لقيــت وتمكــن حبهــا عنــدي وهــان علــي جميــع المــال
ثـــم أخذنـــا نلعـــب ونتهـــارش مـــع العنـــاق والتقبيـــل إلـــى أن أقبـــل الليـــل فقدمـــت لنــــا الجــــواري الطعــــام
والمـدام فـإذا هـي خضـرة كاملـة فشربنـا إلـى نصـف الليـل ثـم اضطجعنـا ونمنـا فنمـت معهـا إلـى الصبــاح
فما رأيت عمري مثل هذه الليلة.
===
فلمـا أصبــح الصبــاح قمــت ورميــت لهــا تحــت الفــراش المنديــل الــذي فيــه الدنانيــر وودعتهــا وخرجــت
فبكــت وقالــت: يــا سيــدي متـــى أرى هـــذا الوجـــه المليـــح فقلـــت لهـــاك أكـــون عنـــدك وقـــت العشـــاء
فلمــا خرجــت أصبـــت الحمـــار الـــذي جـــاء بـــي بالأمـــس علـــى البـــاب ينتظرنـــي فركبـــت معـــه حتـــى
وصلــت خــان مســرور فنزلــت وأعطيــت الحمـــار نصـــف دينـــار وقلـــت لـــه: تعالـــى فيوقـــت الغـــروب
قــال: علــى الــرأس فدخلـــت الخـــان وأفطـــرت ثـــم خرجـــت أطالـــب بثمـــن القمـــاش ثـــم رجعـــت وقـــد
عملــت لهــا خروفــاً مشويـــاً وأخـــذت حلـــاوة ثـــم دعـــوت الحمـــال ووصفـــت لـــه المحـــل وأعطيتـــه أجرتـــه
ورجعــت فــي أشغالــي إلــى الغــروب فجاءنــي الحمــار فأخــذت خمسيــن دينــاراً وجعلتهــا فـــي منديـــل
ودخلـــت فوجدتهــــم مسحــــوا لرخــــام وحلــــوا النحــــاس وعمــــروا القناديــــل وأوقــــدوا الشمــــوع وغرفــــوا
الطعام وروقوا الشراب.
فلمــا رأتنــي رمــت يديهــا علــى رقبتــي وقالــت: أوحشتنــي ثــم قدمــت الموائـــد فأكلنـــا حتـــى اكتفينـــا
ورفعـت الجـواري المائـدة وقدمــت المــدام فلــم نــزل فــي شــراب وتقبيــل وحــظ إلــى نصــف الليــل فنمنــا
إلـى الصبــاح ثــم قمــت وناولتهــا الخمسيــن دينــاراً علــى العــادة وخرجــت مــن عندهــا فوجــدت الحمــار
فركبـت إلــى الخــان فنمــت ساعــة ثــم قمــت جهــزت العشــاء فعملــت جــوزاً ولــوزاً وتحتهــم أرز مفلفــل
وعملـــت قلقاســـاً مقليـــاً ونحـــو ذلـــك وأخـــذت فاكهـــة نقـــلاً ومسمومـــاً وأرسلتهـــا وســــرت إلــــى البيــــت
===
وأخـذت خمسيـن دينـاراً فـي منديـل وخرجـت فركبـت مـع الحمـار علـى العـادة إلـى القاعــة فدخلــت ثــم
أكلنـا وشربنــا وبتنــا إلــى الصبــاح ولمــا قمــت رميــت لهــا المنديــل وركبــت إلــى الخــان علــى العــادة ولــم
أزل علــى تلــك الحالــة مــدة إلــى أن بــت لا أملــك درهمــاً ولا دينــار فقلــت فــي نفســي هـــذا مـــن فعـــل
الشيطان وأنشدت هذه الأبيات:
فقـــر الفتـــى يذهــــب أنــــواره مثل اصفرار الشمس عند المغيب
إن غـاب لا يذكـر بيــن الــورى وإن أتـى فمـا لــه مــن نصيــب
يمــر فــي الأســـواق مستخفيـــاً وفي الفلا يبكي بدمـع صبيـب
واللــه مــا الإنســان مـــن أهلـــه إذا ابتلـــى بالفقــــر إلا غريــــب
ثـم تمشيــت إلــى أن وصلــت بيــن القصريــن ولا زلــت أمشــي حتــى وصلــت إلــى بــاب زويلــة فوجــدت
الخلـــق فـــي ازدحـــام والبـــاب منســـد مـــن كثـــرة الخلـــق فرأيــــت بالأمــــر المقــــدر جنديــــاً فزاحمتــــه بغيــــر
اختيـاري فجـاءت يـدي علــى جيبــه فجسيتــه فوجــدت فيــه صــرة مــن داخــل الجيــب الــذي دي عليــه
فعمـدت إلـى تلـك الصـرة فأخذتهـا مـن جيبـه فأحــس الجنــدي بــأن جيبــه خــف فحــط يــده فــي جيبــه
فلــم يجــد شيئــاً والتفــت نحــوي ورفــع يــده بالدبـــوس وضربنـــي علـــى رأســـي فسقطـــت إلـــى الـــأرض
فأحـاط النـاس بنـا وأمسكـوا لجـام فـرس الجنـدي وقالــوا: أمــن أجــل الرحمــة تضــرب هــذا الشــاب هــذه
===
الضربـــة فصـــرخ عليهـــم الجنـــدي وقـــال: هــــذا حرامــــي ســــارق فعنــــد ذلــــك أفقــــت ورأيــــت النــــاس
يقولــون: هـــذا الشـــاب مليـــح لـــم يأخـــذ شيئـــاً فبعضهـــم يصـــدق بعضهـــم يكـــذب وكثـــر القيـــل والقـــال
وجذبنـي النـاس وأرادوا خلاصـي منـه فبأمـر المقـدر جـاء الوالـي هـو وبعــض الحكــام فــي هــذا الوقــت
ودخلـــوا مـــن البـــاب فوجـــدوا الخلـــق مجتمعيـــن علـــي وعلـــى الجنــــدي فقــــال الوالــــي: مــــا الخبــــر فقــــال
الجنـدي: واللـه يــا أميــر المؤمنيــن إن هــذا حرامــي وكــان فــي جيبــي كيــس أزرق فيــه عشــرون دينــاراً
فأخـذه وأنـا فــي الزحــام فقــال الوالــي للجنــدي: هــل كــان معــك أحــد فقــال الجنــدي: لا فصــرخ الوالــي
على المقدم وقـال: أمسكـه وفتشـه فأمسكنـي وقـد زال الستـر عنـي فقـال لـه الوالـي: أعـره مـن جميـع مـا
عليـه فلمـا أعرانـي وجـدوا الكيـس فـي ثيابـي فلمـا وجـدوا الكيــس أخــذه الوالــي وفتحــه وعــده فــرأى
فيه عشرين ديناراً كما قال الجندي.
فغضـب الوالـي وصـاح علـى أتباعــه وقــال: قدمــوه فقدمونــي بيــن يديــه فقــال: يــا صبــي قــل الحــق هــل
أنــت سرقــت هــذا الكيــس فأطرقــت برأســي إلــى الــأرض وقلــت فــي نفســـي: إن قلـــت مـــا سرقتـــه
فقـد أخرجـه مـن ثيابـي وإن قلـت سرقتــه وقعــت فــي العنــاء ثــم رفعــت رأســي وقلــت: نعــم أخذتــه
فلمـا سمـع منـي الوالـي هـذا الكلــام تعجــب ودعــا الشهــود فحضــروا وشهــدوا علــى منطقــي هــذا كلــه
في بـاب زويلـة فأمـر الوالـي السيـاف بقطـع يـدي فقطـع يـدي اليمنـى فـرق قلـب الجنيـد وشفـع فـي عـدم
===
قتلـي وتركنـي الوالـي ومضـى وصـارت النـاس حولـي وسقونـي قـدح شـراب وأمـا الجنـدي فإنـه أعطانـي
الكيس وقال: أنت شاب مليح ولا ينبغي أن تكون لصاً فأخذته منه وأنشدت هذه الأبيات:
والله ما كنت لصاً يا أخا ثقـة ولم أكن سارقاً يا أحسن الناس
ولكن رمتني صروف الدهر عن عجل فزاد همي ووسـواس إفلاسـي
وما رميـت ولكـن الإلـه رمـى سهماً فطير تاج الملك عن رأسي
فتركنـي الجنـدي وانصـرف بعـد أن أعطانــي الكيــس وانصرفــت أنــا ولقيــت يــدي فــي خرقــة وأدخلتهــا
عنـي وقــد تغيــرت حالتــي واصفــر لونــي ممــا جــرى لــي فتمشيــت إلــى القاعــة وأنــا علــى غيــر استــواء
ورميــت روحــي علــى الفــراش فنظرتنــي الصبيــة متغيــر اللــون فقالــت لــي: مــا وجعـــك ومـــا لـــي أرى
حالتـــك تغيـــرت فقلـــت لهـــا: رأســـي توجعنـــي ومــــا أنــــا طيــــب فعنــــد ذلــــك اغتاظــــت وتشوشــــت
لأجلـي وقالــت: لا تحــرق قلبــي يــا سيــدي اقعــد وارفــع رأســك وحدثنــي بمــا حصــل لــك اليــوم فقــد
بـان لـي فـي وجهــك كلــام فقلــت: دعينــي مــن الكلــام فبكــت وصــارت تحدثنــي وأنــا لا أجيبهــا حتــى
أقبــل الليــل فقدمــت لــي الطعــام فامتنعــت وخشيــت أن ترانــي آكــل بيــدي الشمــال فقلـــت: لا أشتهـــي
أن آكـل فـي مثـل هـذه الساعـة فقالـت: حدثنـي بمـا جـرى لـك فـي هـذا اليـوم ولـأي شــيء أراك مهمومــاً
مكسـور الخاطـر والقلـب فقلـت فـي هـذه الساعــة أحدثــك علــى مهلــي فقدمــت لــي الشــراب وقالــت:
===
دونـك فإنـه يزيـل همـك فـلا بـد أن تشـرب وتحدثنـي بخبـرك فقلـت لهـا: إن كـان ولا بـد فاسقينـي بيـدك
فملــأت القــدح وشربتــه وملأتــه وناولتنــي إيــاه فتناولتــه منهــا بيــدي الشمــال وفــرت الدمعـــة مـــن جفنـــي
فأنشدت هذه الأبيات:
إذا أراد اللـــــه أمـــــراً لأمـــــرئ وكــان ذا عقــل وسمــع وبصـــر
أصــــم أذنيــــه وأعمــــى قلبـــــه وسـل منـه عقلــه ســل الشعــر
حتــى إذا أنفـــذ فيـــه حكمـــه رد إليــــــــه عقلــــــــه ليعتبـــــــــر
فلمـا فرغـت مـن شعـري تناولــت القــدح بيــدي الشمــال وبكيــت فلمــا رأتنــي أبكــي صرخــت صرخــة
قويــة وقالــت: مــا سبــب بكائــك قـــد أحرقـــت قلبـــي ومـــا لـــك تناولـــت القـــدح بيـــدك الشمـــال فقلـــت
لهـا إن بيـدي حبـة فقالــت أخرجــاه حتــى أفقهــا لــك فقلــت: مــا هــو وقــت فقعهــا لا تطيلــي علــي فمــا
أخرجها في تلـك الساعـة ثـم شربـت القـدح ولـم تـزل تسقينـي حتـى غلـب السكـر علـي فنمـت مكانـي
فأبصـرت يـدي بـلا كـف ففتشتنـي فـرأت معـي الكيــس الــذي فيــه الذهــب فدخــل عليهــا الحــزن مــا لا
يدخــل علــى أحــد ولا زالــت تتألــم بسببــي إلــى الصبـــاح فلمـــا أفقـــت مـــن النـــوم وجدتهـــا هيـــأت لـــي
مسلوقـــة وقدمتهـــا فـــإذا هـــي أربعـــة مـــن طيـــور الدجـــاج وأسقتنـــي قـــدح شـــراب فأكلـــت وشربـــت
وحطيــت الكيــس وأردت الخــروج فقالــت: أيــن تــروح فقلـــت: إلـــى مكـــان كـــذا لأزحـــزح بعـــض الهـــم
===
عـن قلبـي فقالـت: لا تـروح بـل اجلـس فجلسـت فقالـت لـي: وهـل بلغـت محبتـك إيـاي إلــى أن صرفــت
جميـع مالـك علـي وعدمـت كفـك فأشهـدك علـي والشاهــد اللــه أنــي لا أفارقــك وستــرى صحــة قولــي
ولعـل اللـه استجـاب دعوتـي بزواجــك وأرسلــت خلــف الشهــود فحضــروا فقالــت لهــم: اكتبــوا كتابــي
علــى هــذا الشــاب واشهــدوا أنــي قبضــت المهــر فكتبــوا كتابــي عليهــا ثـــم قالـــت: اشهـــدوا أن جميـــع
مالـي الـذي فـي هـذا الصنـدوق وجميـع مـا عنـدي مـن المماليـك والجـواري لهـذا الشــاب فشهــدوا عليهــا
وقبلت أنا التمليك وانصرفوا بعدما أخذوا الأجرة.
ثم أخذتني مـن يـدي وأوقفتنـي علـى خزانـة وفتحـت صندوقـاً كبيـراً وقالـت لـي: انظـر هـذا الـذي فـي
الصنــدوق فنظــرت فــإذا هــو ملــآن مناديــل فقالــت: هــذا مالــك الــذي أخذتــه منـــك فكلمـــا أعطيتنـــي
منديـلاً فيـه خمسـون دينـاراً ألقـه وأرميــه فــي هــذا الصنــدوق فخــذ مالــك فقــد رده اللــه عليــك وأنــت
اليـوم عزيـز فقـد جـرى عليـك القضـاء بسبــب حتــى عدمــت يمينــك وأنــا لا أقــدر علــى مكافأتــك ولــو
بذلـت روحـي لكـان ذلـك قليــلاً ولــك الفضــل ثــم قالــت لــي: تسلــم مالــك فتسلمتــه ثــم نقلــت مــا فــي
صندوقهـا إلـى صندوقــي وضمــت مالهــا إلــى مالــي الــذي كنــت أعطيتهــا إيــاه وفــرح قلبــي وزال هــي
فقمـت فقبلتهـا وسكـرت معهـا فقالـت: لقـد بذلـت جميــع مالــك ويــدك فــي محبتــي فكيــف أقــدر علــى
مكافأتـك واللـه لـو بذلـت روحـي فـي محبتـك لكـان ذلــك قليــل ومــا أقــوم بواجــب حقــك علــي ثــم إنهــا
===
كتبـــت لـــي جميـــع مـــا تملـــك مـــن ثيـــاب بدنهـــا وصيغتهـــا وأملاكهـــا بحجـــة ومــــا نامــــت تلــــك الليلــــة إلا
مهمومة من أجلي حين حكيت لها ما وقع لي وبت معها.
ثــم أقمنــا علــى ذلــك أقــل مــن شهــر وقــوي بهــا الضعــف وزاد بهــا المــرض ومـــا مكنـــت غيـــر خمسيـــن
يومــاً ثــم صــارت مــن أهــل الآخـــرة فجهزتهـــا وواريتهـــا فـــي التـــراب وعملـــت لهـــا ختمـــات وتصدقـــت
عليهـــا بجملـــة مـــن المـــال ثـــم نزلـــت مـــن التربـــة فرأيـــت لهـــا مـــالاً جزيـــلاً وأملاكـــاً وعقـــارات ومـــن جملـــة
ذلـك تلـك المخـازن السمسـم التـي بعـت لـك منهـا ذلـك المخـزن ومـا كـان اشتغالـي عنــك هــذه المــدة إلا
لأنـي بعـت بقيـة الحواصـل وإلـى الـآن لـم أفـرغ مـن قبـض الثمـن فأرجـو منـك أنــك لا تخالفنــي فيمــا أقولــه
لــك لأنــي أكلــت زادك فقــد وهبتـــك ثمـــن السمســـم الـــذي عنـــدك فهـــذا سبـــب أكلـــي بيـــدي الشمـــال
فقلــت لــه: لقــد أحسنــت إلـــي وتفضلـــت علـــي فقـــال لـــي: لا بـــد أن تسافـــر معـــي إلـــى بلـــادي فإنـــي
اشتريــت متجــراً مصريــاً واسكندرانيــاً فهـــل لـــك فـــي مصاحبتـــي فقلـــت: نعـــم وواعدتـــه علـــى رأس
الشهـر ثـم بعـت جميـع مـا أملـك واشتريـت بـه متجـراً وسافـرت أنـا وذلــك الشــاب إلــى هــذه البلــاد التــي
هــي بلادكــم فبــاع الشــاب متجــره واشتــرى متجــراً عوضــه مــن بلادكــم ومضــى إلـــى الديـــار المصريـــة
فكـان نصيبـي مـن قعـودي هـذه الليلــة حتــى حصــل مــن غربتــي فهــذا يــا ملــك الزمــان مــا هــو أعجــب
مـن حديـث الأحـدب فقـال الملــك: لا بــد مــن شنقكــم كلكــم: وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عــن
===
الليلة الثامنة والعشرون
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن ملـــك الصيـــن لمـــا قـــال: لا بـــد مـــن شنقكـــم فعنـــد ذلـــك تقـــدم
المباشـر إلـى ملـك الصيـن وقـال: إن أذنـت لـي حكيــت لــك حكايــة وقعــت لــي فــي تلــك المــدة قبــل أن
أجــد هــذا الأحــدب وإن كانــت أحــب مــن حديثــه تهــب لنــا أرواحنــا فقــال الملـــك: هـــات مـــا عنـــدك
فقــال: اعلــم أنــي كنــت تلــك الليلـــة الماضيـــة عنـــد جماعـــة عملـــوا ختمـــة وجمعـــوا الفقهـــاء فلمـــا قـــرأوا
المقـــرؤون وفرغـــوا مـــدوا السمـــاط فمـــن جملـــة مـــا قدمـــوا زرباجـــة فقدمنــــا لنأكــــل الزرباجــــة فتأخــــر
واحــد منــا وامتنــع عــن الأكــل منهـــا فحلفنـــا عليـــه فأقســـم أنـــه لا يأكـــل منهـــا فشددنـــا عليـــه فقـــال: لا
تشددوا على فكفاني ما جرى لي من أكلها فأنشدت هذا البيت:
إذا صديــــق أنكــــرت جانبــــه لـم تعينــي علــى فراقــه الحيــل
فلمــا فرغنــا قلنــا لــه: باللــه مـــا سبـــب امتناعـــك عـــن الأكـــل مـــن هـــذه الزرباجـــة فقـــال: لأنـــي لا آكـــل
منهــا غــلا إن غسلــت يــدي أربعيــن مــرة فعنــد ذلــك أمــر صاحــب الدعــوى غلمانــه فأتــوا بالمــاء الــذي
طلبـه فغسـل يديـه كمـا ذكـر ثـم تقـدم وهـو متكـره وجلـس ومـد يـده وهــو مثــل الخائــف ووضــع يــده فــي
الزرباجــة وصــار يأكــل وهــو متغصــب ونحــن نتعجــب منــه غايــة التعجــب ويــده ترتعــد فنصـــب إبهـــام
===
يـده فــإذا هــو مقطــوع وهــو يأكــل بأربعــة أصابــع فقلنــا لــه: باللــه عليــك مــا لإبهامــك هكــذا أهــو خلقــة
اللـــه أم أصابـــه حـــادث فقـــال: يـــا إخوانــــي أهــــو هــــذا الإبهــــام وحــــده ولكــــن إبهــــام الأخــــرى وكذلــــك
رجلـاي الاثنيـن ولكـن انظـروا ثـم كشـف إبهـام يــده الأخــرى فوجدناهــا مثــل اليميــن وكذلــك رجلــاه بــلا
إبهامين.
فلمـا رأينــاه كذلــك ازددنــا عجبــاً وقلنــا لــه: مــا بقــي لنــا صبــر علــى حديثــك والأخبــار بسبــب قطــع
إبهامــي يديكورجليــك وسبــب غســل يديــك مائــة وعشريــن مـــرة فقـــال: اعلمـــوا أن والـــدي كـــان تاجـــر
مــن التجــار الكبــار وكـــان أكبـــر تجـــار مدينـــة بغـــداد فـــي أيـــام الخليفـــة هـــارون الرشيـــد وكـــان مولعـــاً
بشـرب الخمـر وسمـاع العـود فلمـا مـات لـم يتـرك شيئــاً فجهزتــه وقــد عملــت لــه ختمــات وحزنــت عليــه
أيامــاً وليالــي ثــم فتحــت دكانـــه فمـــا وجدتـــه خلـــف إلا يسيـــراً ووجـــدت عليـــه ديونـــاً كثيـــرة فصبـــرت
أصحـاب الديـون وطيبـت خواطرهـم وصـرت أبيـع وأشتـري وأعطـي مـن الجمعــة أصحــاب الديــون ولا
زلت على هذه الحالة إلى أن وفيت الديون وزدت على رأس مالي.
فبينمـا أنـا جالـس يومـاً مـن الأيـام إذا رأيـت صبيـة لـم تـر عينـي أحســن منهــا عليهــا حلــي وحلــل فاخــرة
وهــي راكبــة بغلــة وقدامهــا عبــد وورائهــا عبــد فأوقفـــت البغلـــة علـــى رأس الســـوق ودخلـــت ورائهـــا
خــادم وقــال: يـــا سيدتـــي اخرجـــي ولا تعلمـــي أحـــداً فتطلقـــي فينـــا النـــار ثـــم حجبهـــا الخـــادم فلمـــا
===
نظـرت إلـى دكاكيـن التجـار لـم تجـد أفخـر مـن دكانـي فلمـا وصلــت إلــى جهتــي والخــادم خلفهــا وصلــت
إلــى دكانــي وسلمــت علــي فمــا وجــدت أحســن مــن حديثهــا ولا أعــذب مــن كلامهــا ثــم كشفــت عـــن
وجههــا فنظرتهــا نظــرة أعقبتنــي ألــف حســرة وتعلــق قلبــي بمحبتهــا وجعلــت أكــرر النظــر إلـــى وجههـــا
وأنشد:
جـودي علـي بـزورة أحيـا بهــا ها قد مددت إلى نوالك راحتي
فلما سمعت إنشادي أجابتني بهذه الأبيات:
عدمت فؤادي في الهوى أن سلاكم فــإن فــؤادي لا يحــب سواكــم
وإن نظرت عيني إلى غير حسنكم فـلا سرهـا بعـد العبـاد لقاكــم
حلفت يميناً لست أسلوا هواكم وقلبـــي حزيـــن مغـــرم بهواكـــم
سقاني الهوى كأساً من الحب صافياً فيـا ليتــه لمــا سقانــي سقاكــم
خذوا رمقي حيث استقرت بكم نوى وأين حللتـم فادفنونـي حداكـم
وإن تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم أنين عظامي عنـد رفـع نداكـم
فلو قليل لي ماذا على الله تشتهي لقلت رضا الرحمن ثم رضاكم
فلمــا فرغــت مــن شعرهــا قالــت: يــا فتـــى أعنـــدك تفاصيـــل ملـــاح فقلـــت: يـــا سيدتـــي مملوكـــك فقيـــر
===
ولكــن اصبــري حتــى تفتــح التجــار دكاكينهـــم وأجـــيء لـــك بمـــا تريدينـــه ثـــم تحدثـــت أنـــا وإياهـــا وأنـــا
غـارق فـي بحـر محبتهـا تائـه فـي عشقهـا حتـى فتحـت التجـار دكاكينهـم فقمــت وأخــذت لهــا جميــع مــا
طلبتــه وكــان ثمــن ذلــك خمســة آلــاف درهــم وناولـــت الخـــادم جميـــع ذلـــك فأخـــذه الخـــادم وذهبـــا إلـــى
خــارج الســوق فقدمــوا لهــا البغلــة فركبــت ولــم تذكــر لــي منأيـــن هـــي واستحيـــت أن أذكـــر لهـــا ذلـــك
والتزمـــت الثمـــن للتجـــار وتكلفـــت خمســـة آلـــاف درهــــم وجئــــت البيــــت وأنــــا سكــــران مــــن محبتهــــا
فقدمــوا لــي العشــاء لأكلــت لقمــة وتذكــرت حسنهــا وجمالهــا فأشغلنــي عــن الأكــل وأردت أن أنــام فلـــم
يجيئنــي نــوم ولــم أزل علــى هــذه الحالــة أسبوعــاً وطالبتنــي التجــار بأموالهــم فصبرتهــم أسبوعـــاً آخـــر
فبعد الأسبوع أقبلت وهي على البغلة ومعها خادم وعبدان:
فلمـا رأيتهـا زال عنـي الفكـر ونسيـت مـا كنـت فيـه وأقبلـت تحدثنــي بحديثهــا الحســن ثــم قالــت: هــات
الميــزان وزن مالــك فأعطتنــي ثمــن مــا أخذتــه بزيــادة ثــم انبسطــت معــي فــي الكلــام فكــدت أن أمــوت
فرحـاً وسـروراً ثـم قالـت لـي: هـل لـك أنــت زوجــة فقلــت: لا إنــي لا أعــرف امــرأة ثــم بكيــت فقالــت
لــي: مالــك تبكــي فقلــت: مــن شــيء خطــر ببالـــي ثـــم أنـــي أخـــذت بعـــض دنانيـــر وأعطيتهـــا للخـــادم
وسألتهـا أن يتوسـط فـي الأمـر فضحــك وقــال: هــي عاشقــة لــك أكثــر منــك ومــا لهــا بالقمــاش حاجــة
وإنمـا هـي لأجـل محبتهـا لـك فخاطبهـا بمـا تريــد فإنهــا لا تخالفــك فيمــا تقــول فرأتنــي وأنــا أعطــي الخــادم
===
الدنانيـر فرجعـت وجلسـت ثـم قلـت لهـا: تصدقــي علــى مملوكــك واسمحــي لــه فيمــا يقــول ثــم حدثتهــا
بمـا فـي خاطـري فأعجبهـا ذلـك وأجابتنـي وقالـت: هــذا الخــادم يأتــي برسالتــي واعمــل أنــت بمــا يقــول
لـك الخـادم ثـم قامـت ومضــت وقمــت وسلمــت التجــار أموالهــم وحصــل لهــم الربــح إلا أنــا فإنهــا حيــن
ذهبت حصل لي الندم من انقطاع خبرها عني ولم أنم طول الليل.
فمــا كــان إلا أيــام قلائــل وجاءنــي خادمهــا فأكرمتــه وسألتـــه عنهـــا فقـــال: إنهـــا مريضـــة فقلـــت للخـــادم:
اشــرح لــي أمرهـــا قـــال: إن هـــذه الصبيـــة ربتهـــا السيـــدة زبيـــدة زوجـــة هـــارون الرشيـــد وهـــي مـــن
جواريهـا وقـد اشتهـت علـى سيدتهـا الخـروج والدخــول فأذنــت لهــا فــي ذلــك فصــارت تدخــل وتخــرج
حتــى صــارت قهرمانــة ثــم أنهــا حدثــت بـــك سيدتهـــا وسألتهـــا أن تزوجهـــا بـــك فقالـــت سيدتهـــا: لا
أفعـل حتـى أنظـر هـذا الشـاب فـإن كـان يشبهــك زوجتــك بــه ونحــن نريــد فــي هــذه الساعــة أن ندخــل
بــك الــدار فــإن دخلــت ولـــم يشعـــر بـــك أحـــد وصلـــت تزويجـــك إياهـــا وإن انكشـــف أمـــرك ضربـــت
رقبتـك فمـاذا تقـول فقلـت: نعـم أروح معــك وأصبــر علــى الأمــر الــذي حدثتنــي بــه فقــال لــي الخــادم:
إذا كانــت هــذه الليلــة فامــض إلــى المسجــد الــذي بنتــه السيــدة زبيــدة علــى الدجلــة فصــل فيــه وبـــت
هناك فقلت: حباً وكرامة فلما جاء وقت العشاء مضيت إلى المسجد وصليت وبت هناك.
فلمـا كـان وقـت السحـر رأيـت الخادميـن قـد أقبـلا فـي زورق ومعهمـا صناديــق فارغــة فأدخلوهــا فــي
===
المسجـد وانصرفـوا وتأخـر واحـد منهمـا فتأملتـه وإذا هـو الـذي كـان واسطـة بينـي وبينهـا فبعــد ساعــة
صعــدت غلينــا الجاريــة صاحبتــي فلمــا أقبلــت قمــت إليهــا وعانقتهــا فقبلتنــي وبكــت تحدثنــا ساعـــة
فأخذتني ووضعتني في صنـدوق وأغلقتـه علـي ولـم أشعـر إلا وأنـا فـي دار الخليفـة وجـاؤوا إلـي بشـيء
كثيــر مــن الأمتعــة بحيــث يســاوي خمسيــن ألــف درهـــم ثـــم رأيـــت عشريـــن جاريـــة أخـــرى وهـــن نهـــد
أبكــار وبينهــن الســت زبيــدة وهــي لــم تقــدر علــى المشــي ممــا عليهــا مــن الحلــي والحلـــل فلمـــا أقبلـــت
تفرقـت الجـواري مـن حواليهـا فأتيـت إليهـا وقبلـت الــأرض بيــن يديهــا فأشــارت لــي بالجلــوس فجلســت
بيـن يديهــا ثــم شرعــت تسألنــي عــن حالــي وعــن نسبــي فأجبتهــا عــن كــل مــا سألتنــي عنــه ففرحــت
وقالـت: واللـه مـا خابـت تربيتنـا فـي هـذه الجاريـة ثــم قالــت لــي: اعلــم أن هــذه الجاريــة عندنــا بمنزلــة
ولد الصلب وهي وديعة الله عندك.
فقبلــت الــأرض قدامهــا ورضيــت بزواجــي إياهـــا ثـــم أمرتنـــي أن أقيـــم عندهـــم عشـــرة أيـــام فأقمـــت
عندهــم هــذه المــدة وأنــا لا أدري مــن هــي الجاريــة إلا أن بعـــض الوصائـــف تأتينـــي بالغـــداء والعشـــاء
لأجــل الخدمــة وبعــد هــذه المــدة استأذنــت السيــدة زبيــدة زوجهـــا أميـــر المؤمنيـــن فـــي زواج جاريتهـــا
فـأذن لهـا وأمـر لهـا بعشـرة آلـاف دينـار فأرسلــت السيــدة زبيــدة إلــى القاضــي والشهــود وكتبــوا كتابــي
عليهــا وبعــد ذلــك عملــوا الحلويــات والأطعمــة الفاخــرة وفرقــوا علــى سائــر البيــوت ومكثــوا علــى هـــذا
===
الحـال عشــرة أيــام أخــر وبعــد العشريــن يومــاً أدخلــوا الجاريــة الحمــام لأجــل الدخــول بهــا ثــم أنهــم قدمــوا
سفـــرة فيهـــا طعـــام مــــن جملتــــه خافقيــــة زرباجــــة محشــــوة بالسكــــر وعليهــــا مــــاء ورد ممســــك وفيهــــا
أصنــاف الدجــاج المحمــرة وغيــره مــن سائــر الألــوان ممــا يدهــش العقــول فواللــه حيــن حضــرت المائــدة مـــا
أمهلــت نفســي حتــى نزلــت علــى الزرباجــة وأكلــت منهــا بحســب الكفايــة ومسحــت يــدي ونسيـــت أن
أغسلهـــا ومكثـــت جالســـاً إلـــى أن دخـــل الظلـــام وأوقـــدت الشمـــوع وأقبلـــت المغنيـــات بالدفـــوف ولــــم
يزالـوا يجلـون العروسـة وينقطـون بالذهـب حتـى طافـت القصــر كلــه وبعــد ذلــك أقبلــوا علــي ونزعــوا مــا
عليها من الملبوس.
فلمـا خـارت بهـا فـي الفـراش وعانقتهـا وأنـا لـم أصـدق بوصالهـا شمـت فـي يــدي رائحــة الزرباجــة فلمــا
شمــت الرائحــة صرخــت فنــزل لهــا الجـــواري مـــن كـــل جانـــب فارتجفـــت ولـــم أعلـــم مـــا الخبـــر فقالـــت
الجــواري: مــا لــك يــا أختنــا فقالــت لهــن: أخرجــوا هــذا المجنــون فأنــا أحســـب أنـــه عاقـــل فقلـــت لهـــا:
ومــا الــذي ظهــر لــك مــن جنونــي فقالــت: يــا مجنــون لــأي شــيء أكلــت مــن الزرباجــة ولــم تغســل يـــدك
فواللـــه لا أقبلـــك علـــى عـــدم عقلـــك وســـوء فعلـــك وأدرك شهــــرزاد الصبــــاح فسكتــــت عــــن الكلــــام
المباح.
===
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الجاريـــة قالـــت للشـــاب: لا أقبلـــك علـــى عـــدم عقلـــك وســـوء
فعلــك ثــم تناولــت مــن جانبهــا سوطــاً ونزلــت بــه علــى ظهــري ثــم علـــى مقاعـــدي حتـــى غبـــت عـــن
الوجـود مـن كثـرة الضـرب ثـم إنهـا قالـت للجـواري: خـذوه وامضـوا بــه إلــى متولــي ليقطــع يــده التــي أكــل
بهــا الزرباجــة ولــم يغسلهــا فلمــا سمعــت ذلــك قلــت: لا حــول ولا قــوة إلا باللـــه أتقطـــع يـــدي مـــن أجـــل
أكــل الزرباجــة وعــدم غسلــي إياهــا فدخلــن عليهـــا الجـــواري وقلـــن لهـــا: يـــا أختنـــا لا تؤاخذيـــه بفعلـــه
هــذه المــرة فقالــت واللــه لا بــد أن أقطــع شيئــاً مــن أطرافــه ثــم راحــت وغابــت عنــي عشــرة أيــام ولــم
أرهـا إلا بعـد عشـرة أيـام ثـم أقبلـت علـي وقالـت لـي: يــا أســود الوجــه أنــا لا أصلــح لــك فكيــف تأكــل
الزرباجــة ولــم تغســل يــدك ثــم صاحــت علـــى الجـــواري فكتفونـــي وأخـــذت موســـاً ماضيـــاً وقطعـــت
إبهامــي يــدي وإبهامــي ورجلــي كمــا تــرون يــا جماعــة فغشــي علـــي ثـــم ذرت علـــي بالـــذرور فانقطـــع
الـدم وقلـت فـي نفسـي: لا آكـل الزرباجـة مـا بقيـت حتـى أغسـل يــدي أربعيــن مــرة بالإشنــان وأربعيــن
مــرة بالسعــد وأربعيــن مــرة بالصابــون فأخــذت علــي ميثاقــاً أنــي لا آكــل الزرباجــة حتــى أغســـل يـــدي
كمـا ذكـرت لكـم فلمـا جئتـم بهـذه الزرباجـة تغيـر لونــي وقلــت فــي نفســي: هــذا سبــب غبهامــي يــدي
ورجلي فلما غصبتم علي قلب: لا بد أن أوفي بما حلفت.
فقالــت لــه والجماعــة حاضــرون مــا حصــل لــك بعــد ذلــك قــال: فلمــا حلفــت لهــا طـــاب قلبهـــا ونمـــت
===
أنــا وإياهــا وأقمنــا مــدة علــى هــذا الحــال وبعــد تلــك المــدة قالــت: إن أهــل دار الخلافــة لا يعلمــون بمـــا
حصــل بينــي وبينــك فيهــا ومــا دخلهــا أجنبــي غيــرك ومــا دخلــت فيهــا إلا بعنايــة السيـــدة زبيـــدة ثـــم
أعطتنـــي خمسيـــن ألـــف دينـــار وقالـــت: خـــذ هـــذه الدنانيـــر واخـــرج واشتــــر لنــــا بهــــا داراً فسيحــــة
فخرجـت واشتريـت داراً فسيحـة مليحـة ونقلـت جميـع مــا عندهــا مــن النعــم ومــا ادخرتــه مــن الأمــوال
والقمــاش والتحــف إلــى هــذه الــدار التــي اشتريتهــا فهــذا سبــب قطــع إبهامــي فأكلنــا وانصرفنــا وبعــد
ذلــك جــرى لــي مــع الأحــدب مــا جــرى وهــذا جميــع حديثــي والسلــام فقــال الملــك: مــا هــذا بأعـــذب
مــن حديــث الأحــدب بــل حديــث الأحــدب أعــذب مــن ذلــك ولا بـــد صلبكـــم جميعـــاً. وهنـــا أدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثلاثين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيـــد أن الملـــك قـــال: لا بـــد مـــن صلبكـــم جميعـــاً فتقـــدم اليهـــودي وقبـــل
الـــأرض وقـــال: يـــا ملـــك الزمـــان أنـــا أحدثـــك بحديـــث أعـــذب مـــن حديـــث الأحـــدب فقـــال لـــه ملــــك
الصيـن هـات مـا عنـدك فقـال: أعجـب مـا جـرى فـي زمـن شبابـي أنــي كنــت فــي الشــام وتعلمــت منــه
صنعـة فعملـت فيهـا فبينمـا أنـا أعمـل فــي صنعتــي يومــاً مــن الأيــام إذا تأتــي مملــوك مــن بيــت الصاحــب
===
بدمشـق فخرجـت لـه وتوجهـت معـه إلــى منــزل الصاحــب فدخلــت فرأيــت فــي صــدر الإيــوان سريــراً
مـن المرمـر بصفائـح الذهـب وعليـه مريـض راقـد وهـو شـاب لـم يـر أحسـن منـه فـي زمانـه فقعـدت عنــد
رأســه ووعــدت لــه بالشفــاء فأشــار إليــه بعينيــه فقلــت لــه: يــا سيــدي ناولنــي يــدك فأخـــرج لـــي يـــده
اليسـرى فتعجبـت مـن ذلـك وقلـت فـي نفسـي: يـا اللـه العجـب أن هــذا الشــاب مليــح ومــن بيــت كبيــر
وليــس عنـــده أدب إن هـــذا هـــو العجـــب ثـــم جسســـت مفاصلـــه وكتبـــت لـــه ورقـــة ومكثـــت أتـــردد
عليـه مـدة عشـرة أيـام وفـي اليـوم الحــادي عشــر قــال الشــاب: هــل لــك أنــت نتفــرج فــي الغرفــة فقلــت:
نعــم فأمــر العبيــد أن يطلعــوا الفــراش إلــى فــوق وأمرهــم أن يشــووا خروقــاً وأن يأتــوا إلينــا بفاكهــة ففعــل
العبيد ما أمرهم به وأتوا بالفاكهة فأكلنا وأكل هو بيده الشمال.
فقلــت لــه: حدثنــي بحديثــك فقــال لــي: يــا حكيــم الزمــان اسمــع حكايــة مــا جــرى لــي اعلــم أننــي مــن
أولــاد الموصــل وكــان لــي والــد قــد توفــي أبــوه وخلــف عشــرة أولـــاد ذكـــور مـــن جملتهـــم والـــدي وكـــان
أكبرهـم فكبـروا كلهـم وتزوجــوا ورزق والــدي بــي وأمــا إخوتــه التسعــة فلــم يرزقــوا بأولــاد فكبــرت أنــا
وصـرت بيــن أعمامــي وهــم فرحــون بــي فرحــاً شديــداً فلمــا كبــرت وبلغــت مبلــغ الرجــال وكنــت ذات
يــوم مــع والــدي فــي جامــع الموصــل وكــان اليــوم ويــم جمعــة فصلينــا الجمعــة وخــرج النــاس جميعـــاً وأمـــا
والـدي وأعمامـي فإنهـم قعـدوا يتحدثـون فـي عجائـب البلـاد وغرائـب المــدن إلــى أن ذكــروا مصــر فقــال
===
بعـض أعمامـي: إن المسافريـن يقولـون: مـا علــى وجــه الــأرض أحســن مــن مصــر ونيلهــا ثــم أنهــم أخــذوا
يصفــون مصــر ونيلهــا فلمــا فرغــوا مـــن كلامهـــم وسمعـــت أنـــا هـــذه الأوصـــاف التـــي فـــي مصـــر صـــار
جاري مشغولاً بها ثم انصرفوا وتوجه كل واحد منهم إلى منزله.
فبـت تلـك الليلـة لـم يأتنـي نـوم مـن شغفـي بهـا ولـم يطـب لـي أكــل ولا شــرب فلمــا كــان بعــد أيــام قلائــل
تجهـز أعمامـي إلـى مصـر فبكيـت علـى والـدي لأجــل الذهــاب معهــم حتــى جهــز لــي متجــراً ومضيــت
معهـم وقـال لهـم: لا تدعـوه يدخـل مصـر بـل اتركــوه فــي دمشــق لبيــع متجــره فيهــا ثــم سافرنــا وودعــت
والـــدي وخرجنـــا مـــن الموصـــل ومـــا زلنـــا مسافريـــن إلـــى أن وصلنـــا إلـــى حلـــب فأقمنـــا بهـــا أيامـــاً ثـــم
سافرنــا إلــى أن وصلنــا دمشــق فرأيناهــا مدينــة ذات أشجــار وأنهــار وأثمــار وأطيــار كأنهــا جنـــة فيهـــا
كـل فاكهـة فنزلنـا فـي بعـض الخانـات واستمـر بهـا أعمامـي حتـى باعـوا واشتـروا وباعـوا بضاعتـي فربـح
الدرهــم خمســة دراهــم ففرحــت بالربــح ثــم تركنــي أعمامـــي وتوجهـــوا إلـــى مصـــر. وأدرك شهـــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والثلاثين
قالــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الشـــاب لمـــا تركـــوه أعمامـــه وتوجهـــوا إلـــى مصـــر قـــال: مكثـــت
===
بعدهــم وسكنــت فــي قاعــة مليحــة البنيــان يعجــر عــن وصفهـــا اللســـان أجرتهـــا كـــل شهـــر بديناريـــن
وصــرت أتلــذذ بالمآكــل والمشــارب حتــى صرفــت المــال الــذي كــان معــي فبينمــا أنــا قاعــد علــى بــاب
القاعــة يومــاً مــن الأيــام وإذا بصبيــة أقبلــت علــي وهــي لابســة أفخــر الملابــس ومــا رأت عينـــي أفخـــر
منهـــا فعزمـــت عليهـــا فمـــا قصـــرت بـــل صــــارت داخــــل البــــاب فلمــــا دخلــــت ظفــــرت بهــــا وفرحــــت
بدخولهــا فــرددت البــاب علــي وعليهــا وكشفــت عــن وجههــا وقلعــت إزارهــا فوجدتهــا بديعــة الجمــال
فتمكــن حبهــا مــن قلبــي فقمــت وجئــت بسفــرة مـــن أطيـــب المأكـــول والفاكهـــة ومـــا يحتـــاج غليـــه المقـــام
وأكلنــا ولعبنــا وبعــد اللعــب شربنــا حتــى سكرنــا ثــم نمــت معهــا فــي أطيــب ليلــة إلــى الصبــاح وبعــد
ذلـك أعطيتهـا عشــرة دنانيــر فحلفــت أنهــا لا تأخــذ الدنانيــر منــي ثــم قالــت: يــا حبيبــي انتظرنــي بعــد
ثلاثـة أيـام وقـت المغـرب أكـون عنـدك وهـيء لنـا بهـذه الدنانيــر مثــل هــذا وأعطتنــي هــي عشــرة دنانيــر
وودعتني وانصرفت فأخذت عقلي معها.
فلمــا مضـــت الأيـــام الثلاثـــة أتـــت وعليهـــا مـــن المزركـــش أو الحلـــي والحلـــل أعظـــم ممـــا كـــان عليهـــا أولاً
وكنــت هيــأت لهــا مــا يليــق بالمقــام قبــل أن تحضــر فأكلنــا وشربنـــا ونمنـــا مثـــل العـــادة إلـــى الصبـــاح ثـــم
أعطتنـي عشـرة دنانيـر وواعدتنـي بعـد ثلاثـة أيـام أنهـا تحضــر عنــدي فهيــأت لهــا مــا يليــق بالمقــام وبعــد
ثلاثــة أيــام حضــرت فــي قمــاش أعظــم مــن الــأول والثانــي ثــم قالـــت لـــي: يـــا سيـــدي هـــل أنـــا مليحـــة
===
فقلـت: أي واللـه فقالـت: هـل تـأذن لـي أن أجـيء معـي بصبيـة أحســن منــي وأصغــر سنــاً منــي حتــى
تلعـب معنـا ونضحـك وإياهـا فإنهـا سألتنـي أن تخـرج معـي وتبيــت معنــا لنضحــك وإياهــا ثــم أعطتنــي
عشريـن دينـاراً وقالـت لـي: زد لنـا المقــام لأجــل الصبيــة التــي تأتــي معــي ثــم إنهــا ودعتنــي وانصرفــت
فلمـا كـان اليـوم الرابـع جهـزت لهـا مـا يليـق بالمقـام علــى العــادة فلمــا كــان بعــد المغــرب وإذا بهــا قــد أتــت
ومعهــــا واحــــدة ملفوفــــة بــــإزار فدخلتــــا وجلستــــا ففرحــــت وأوقــــدت الشمــــوع واستقبلتهمــــا بالفــــرح
والســـرور فقامتـــا ونزعتــــا مــــا عليهمــــا مــــن الثيــــاب وكشفــــت الصبيــــة الجديــــدة عــــن وجههــــا فرأيتهــــا
كالبـدر فــي تمامــه فلــم أر أحســن منهــا فقمــت وقدمــت لهمــا الأكــل والشــرب فأكلنــا وشربنــا وصــرت
أقبـل الصبيـة الجديـدة وأمـلأ لهــا القــدح وأشــرب معهــا فغــارت الصبيــة الأولــى فــي الباطــن ثــم قالــت:
باللــه إن هــذه الصبيــة مليحــة أمــا هــي أظــرف منــي فقلــت: أي واللــه قالــت: خاطـــري أن تنـــام معهـــا
قلــت: علــى رأســي وعينــي ثــم قامــت وفرشــت لنــا فقمــت ونمــت مــع الصبيـــة الجديـــدة إلـــى وقـــت
الصبـح فلمـا أصبحـت وجـدت يـدي ملوثـة بـدم فتحـت عينــي فوجــدت الشمــس قــد طلعــت فنبهــت
الصبيــة فتدحــرج رأسهــا عــن بطنهــا فظننــت أنهــا فعلــت ذلــك مــن غيرتهــا منهـــا ففكـــرت ساعـــة ثـــم
قمـت قلعـت ثيابـي وحفــرت فــي القاعــة ووضعــت الصبيــة ورددت التــراب وأعــدت الرخــام كمــا كــان
ورفعــت المخــدة فوجــدت تحتهــا العقــد الــذي كــان فــي عنــق تلــك الصبيــة فأخذتــه وتأملتـــه وبكيـــت
===
ساعــة ثــم أقمــت يوميــن وفــي اليــوم الثالــث دخلــت الحمــام وغيــرت أثوابــي وأنــا مــا معـــي شـــيء مـــن
الدراهــم فجئــت يومــاً إلــى الســوق فوســوس لــي الشيطــان لأجــل إنفــاذ القــدر فأخــذت عقــد الجوهــر
وتوجهـت بـه إلـى السـوق وناولتـه للدلـال فقــام لــي وأجلسنــي بجانبــه وصبــر حتــى عمــر الســوق وأخــذه
الدلــال ونــادى عليــه خفيــة وأنــا لا أعلــم وإذا بالعقــد مثمــن بلــغ ثمنــه ألفــي دينــار فجاءنــي الدلــال وقـــال
لـي: إن هـذا العقـد نحـاس مصنـوع بصنعـة الإفرنـج وقــد وصــل ثمنــه إلــى ألــف درهــم فقالــت لــه: نعــم
كنــا صنعنــاه بصنعــة الإفرنــج لواحــدة نضحــك عليهــا بــه وورثتهــا زوجتــي فرأينــا بيعـــه فـــرح واقبـــض
الألف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الثانية والثلاثين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشــاب لمــا قــال للدلــال اقبــض الألــف درهــم وسمــع الدلــال ذلــك
عـرف أن قضيتـه مشكلـة فتوجـه بالعقـد إلــى كبيــر الســوق وأعطــاه إيــاه فأخــذه وتوجــه بــه إلــى الوالــي
وقـال لـه: إن هـذا العقـد سـرق مـن عنـدي ووجدنـا الحرامــي لابســاً لبــاس أولــاد التجــار فلــم أشعــر إلا
والظلمة قد أحاطـوا بـي وأخذونـي وذهبـوا بـي إلـى الوالـي فسألنـي الوالـي عـن ذلـك العقـد فقلـت لـه مـا
قلتــه للدلــال فضحــك الوالــي وقــال: مــا هــذا كلـــام الحـــق فلـــم أدر إلا وحواشيـــه جردونـــي مـــن ثيابـــي
===
وضربونــي بالمقــارع علــى جميــع بدنــي فأحرقنــي الضـــرب فقلـــت: أنـــا سرقتـــه ولا أقـــول إن صاحبتـــه
مقتولــة عنــدي فيقتلونــي فيهــا فلمــا قلــت أنــي سرقتــه قطعــوا يــدي وقلوهــا فــي الزيـــت فغشـــي علـــي
فسقونـي الشـراب حتـى أفقـت فأخـذت يـدي وجئــت إلــى القاعــة فقــال صاحــب القاعــة حيثمــا جــرى
لـك هـذا فادخـل القاعـة وانظـر لـك موضعـاً آخـر لأنـك متهـم بالحـرام فقلــت لــه: يــا سيــدي اصبــر علــي
يومين أو ثلاثة حتى أنظر لي موضعاً قال: نعم ومضى وتركني.
فبقيـت قاعـد أبكـي وأقـول: كيـف أرجـع إلـى أهلـي وأنـا مقطــوع اليــد والــذي قطــع يــدي لــم يعلــم أنــي
بــريء فلعــل اللــه يحــدث بعــد ذلــك أمــراً وصــرت أبكــي بكـــاء شديـــداً فلمـــا مضـــى صاحـــب القاعـــة
عنـي لحقنـي غـم شديـد فتشوشـت يوميـن وفـي اليـوم الثالـث مـا أدري غــلا وصاحــب القاعــة جاءنــي
ومعـه بعـض الظلمـة وكبيــر الســوق وادعــى علــي أنــي سرقــت العقــد فخرجــت لهــم وقلــت: مــا الخبــر
فلــم يمهلونــي بــل كتفونــي ووضعــوا فــي رقبتــي جنزيــراً وقالـــوا لـــي: إن العقـــد الـــذي كـــان معـــك طلـــع
لصاحــب دمشــق ووزيرهــا وحاكمهــا وقالــوا: إن هــذا العقــد قــد ضــاع مــن بيــت الصاحـــب مـــن مـــدة
ثلــاث سنيــن ومعــه ابنتــه فلمــا سمعــت هــذا الكلــام منهــم ارتعــدت مفاصلــي وقلــت فـــي نفســـي إنهـــم
سيقتلوننـي ولا محالـة واللــه لا بــد أننــي أحكــي للصاحــب حكايتــي فــإن شــاء قتلنــي وإن شــاء عفــى
عنـي فلمـا وصلنـا إلـى الصاحـب أوقفنـي بيـن يديـه فلمـا رآنـي قـال: أهـذا هـو الـذي سـرق العقــد ونــزل
===
بــه ليبيعــه إنكــم قطعتــم يــده ظلمــاً ثــم أمــر بسجــن كبيــر الســوق وقــال لـــه: أعـــط هـــذا ديـــة يـــده وإلا
أشنقــك وآخــذ جميــع مالــك ثــم صــاح علــى أتباعــه فأخــذوه وجــردوه وبقيــت أنــا والصاحــب وحدنـــا
بعــد أن فكــوا الغــل مــن عنقــي بإذنــه وحلــوا وثاقــي ثــم نظــر إلــي الصاحــب وقــال: يــا ولــدي حدثنــي
واصدقنــي كيــف وصــل إليــك هــذا العقــد فقلــت: يــا مولــاي إنــي أقــول لــك الحـــق ثـــم حدثتـــه بجميـــع
مـا جـرى لـي مـع الصبيـة الأولـى وكيـف جاءتنـي بالثانيـة وكيـف ذبحتهــا مــن الغيــرة وذكــرت لــه الحديــث
بتمامه.
فلمـا سمـع كلامـي هـز رأسـه وحـط منديلـه علـى وجهـه وبكـى ساعـة ثــم أقبــل علــي وقــال لــي: اعلــم
يـا ولـدي أن الصبيـة ابنتـي وكنـت أحجــز عليهــا فلمــا بلغــت أرسلتهــا إلــى ابــن عمهــا بمصــر فجاءتنــي
وقـــد تعلمـــت العهـــر مـــن أولـــاد مصـــر وجاءتـــك أربـــع مـــرات ثـــم جاءتـــك بأختهـــا الصغيـــرة والاثنتـــان
شقيقتـان وكانتـا محبتيـن لبعضهمـا فلمـا جــرى للكبيــرة مــا جــرى أخرجــت سرهــا علــى أختهــا فطلبــت
منـي الذهـاب معهــا ثــم رجعــت وحدهــا فسألتهــا عنهــا فوجدتهــا تبكــي عليهــا وقالــت: لا اعلــم لهــا
خبـر ثـم قالـت لأمهـا سـراً جميـع مـا جـرى مـن ذبحهـا أختهـا فأخبرتنـي أمهـا سـراً ولـم تـزل تبكـي وتقـول:
واللـه لا أزال أبكـي عليهــا حتــى أمــوت وكلامــك يــا ولــدي صحيــح فإنــي أعلــم بذلــك قبــل أن تخبرنــي
بـه فانظـر أن أزوجـك ابنتـي الصغيــرة فإنهــا ليســت شقيقــة لهمــا وه يبكــر ولا آخــذ منــك مهــراً فأجعــل
===
لكمـا راتبـاً مـن عنـدي وتبقـى عنـدي بمنزلـة ولـدي فقلـت لـه: الأمــر كمــا تريــد يــا سيــدي ومــن أيــن لــي
أن أصــل إلــى هــذا فأرســل الصاحــب فــي الحــال مــن عنــده بريـــد وأتانـــي بمالـــي الـــذي خلفـــه والـــدي
والذي أنا اليوم في أرغد عيش.
فتعجبــت منـــه وأقمـــت عنـــده ثلاثـــة أيـــام وأعطانـــي مـــالاً كثيـــراً وسافـــرت مـــن عنـــده فوصلـــت إلـــى
بلدكــم هــذه فطابــت لــي المعيشــة وجــرى لــي مـــع الأحـــدب مـــا جـــرى فقـــال ملـــك الصيـــن: مـــا هـــذا
بأعجـب مـن حديـث الأحـدب ولا بـد لـي مـن شنقكـم جميعـاً وخصوصـاً الخيــاط الــذي هــو رأس كــل
خطيئة قال: يا خياط إن حدثتني بشيء أعجب من حديث الأحدب وهبت لكم أرواحكم.
===
حكاية مزين بغداد
فعنـد ذلــك تقــدم الخيــاط وقــال: اعلــم يــا ملــك الزمــان أن الــذي جــرى لــي أعجــب ممــا جــرى للجميــع
لأنـــي كنـــت قبـــل أن أجتمـــع بالأحـــدب أول النهـــار فـــي وليمـــة بعـــض أصحـــاب أربـــاب الصنائـــع مـــن
خياطيـــن وبزازيـــن ونجاريـــن وغيـــر ذلـــك فلمـــا طلعـــت الشمـــس حضـــر الطعـــام لنأكـــل وإذا بصاحـــب
الـدار قــد دخــل علينــا ومعــه شــاب وهــو أحســن مــا يكــون مــن الجمــال غيــر أنــه أعــرج فدخــل علينــا
وسلـــم فقمنـــا فلمـــا أراد الجلـــوس رأى فينـــا إنسانــــاً مزينــــاً فامتنــــع عــــن الجلــــوس وأراد أن يخــــرج مــــن
عندنــا فمنعنـــاه نحـــن وصاحـــب المنـــزل وشددنـــا عليـــه وحلـــف عليـــه صاحـــب المنـــزل وقـــال لـــه: مـــا
سبــب دخولــك وخروجــك فاقــل: باللــه يــا مولــاي لا تتعــرض لــي بشــيء فــإن سبــب خروجـــي هـــذا
المزين الذي هو قاعد.
فلمـا سمـع منــه صاحــب الدعــوة هــذا الكلــام تعجــب غايــة العجــب وقــال: كيــف يكــون هــذا الشــاب
مـن بغـداد وتشـوش خاطـره مـن هـذا المزيـن ثـم التفتنـا إليــه وقلنــا لــه: إحــك لنــا مــا سبــب غيظــك مــن
هـذا المزيـن فقـال الشـاب: يـا جماعـة إنـه جـرى لـي مـع هـذا المزيـن أمــر عجيــب فــي بغــداد بلــدي وكــان
هـو سبـب عرجـي وكسـر رجلـي وحلفـت أنــي مــا بقيــت قاعــداً فــي مكــان ولا أسكــن فــي بلــد هــو
===
ساكـن بهـا وقـد سافـرت مـن بغــداد ورحلــت منهــا وسكنــت فــي هــذه المدينــة وأنــا الليلــة لا أبيــت إلا
مسافــر فقلنــا: باللــه عليــك أن تحكــي لنــا حكايتــك معــه فاصفــر لــون المزيــن حيـــن سألنـــا الشـــاب ثـــم
قــال الشــاب: اعلمــوا يــا جماعــة الخيــر أن والــدي مــن أكابــر تجــار بغــداد ولــم يرزقهـــا للـــه تعالـــى بولـــد
غيري.
فلمـا كبـرت وبلغـت مبلـغ الرجـال توفـي والـدي إلـى رحمـة اللـه تعالـى وخلــف لــي مــالاً وخدمــاً وحشمــاً
فصــرت ألبــس الملابــس وآكــل أحســن المآكــل وكــان اللــه سبحانــه وتعالــى بغضنــي فــي النســاء إلــى أن
كنـت ماشيـاً يومـاً مــن الأيــام فــي أزقــة بغــداد وإذا بجماعــة تعرضــوا لــي فــي الطريــق فهربــت ودخلــت
زقاقــاً لا ينفــذ وارتكنــت فــي آخــره علــى مصطبــة فلــم أقعــد غيــر ساعــة وإذا بطاقـــة قبالـــة المكـــان
الـذي أنـا فيـه فتحـت وطلـت منهـا صبيـة كالبـدر فـي تمامـه لــم أر فــي عمــري مثلهــا ولهــا زرع تسقيــه
وذلك الزرع تحت الطاقة فالتفتت يميناً وشملاً ثم قفلت الطاقة وغابت عن عيني.
فانطلقـت فـي قلبـي النـار واشتغـل خاطـري بهمـا وانقلــب بغضــي للنســاء محبــة فمــا زلــت جالســاً فــي
المكـان إلـى المغـرب وأنـا غائـب عـن الدنيـا مــن شــدة الغــرام وإذا بقاضــي المدينــة راكــب وقدامــه عبيــد
ووراءه خــدم فنــزل ودخــل البيــت الــذي طلــت منــه تلــك الصبيــة فعرفــت أنـــه أبوهـــا ثـــم إنـــي جئـــت
منزلـي وأنـا مكـروب ووقعـت علـى الفـراش مهمومـاً فدخلـن علـي جـواري وقعـدن حولـي ولــم يعرفــن مــا
===
بـي وأنـا لـم أبـد لهــن أمــراً ولــم أرد لخطابهــن جوابــاً وعظــم مرضــي فصــارت النــاس تعودنــي فدخلــت
علـي عجـوز فلمـا رأتنـي لـم يخـف عليهـا حالـي فقعـدت عنـد رأسـي ولاطفتنـي وقالــت لــي: قــل لــي
خبرك فحكيت لها حكايتي وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الثالثة والثلاثين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الشــاب لمــا حكــى للعجــوز حكايتــه قالــت لــه: يــا ولــدي إن هــذه
بنـت قاضـي بغـداد وعليهـا الحجـر والموضـع الـذي رأيتهـا فيــه هــو طبقتهــا وأبوهــا لــه هالــة فــي أسفــل
وهــي وحدهــا وأنــا كثيــراً مـــا أدخـــل عندهـــم ولا تعـــرف وصالهـــا إلا منـــي فشـــد حيلـــك فتجلـــدت
وقويــت نفســي حيــن سمعــت حديثهــا وفـــرح أهلـــي فـــي ذلـــك اليـــوم وأصبحـــت متماســـك الأعضـــاء
مرتجيــاً تمــام الصحــة ثــم مضــت العجــوز ورجعــت ووجههــا متغيــراً فقالـــت: يـــا ولـــدي لا تســـأل عمـــا
جــرى منهــا لمــا قلــت لهــا ذلــك فإنهــا قالــت لــي: إن لــم تسكتــي يــا عجــوز النحــس عــن هـــذا الكلـــام
لأفعلــن بــك مــا تستحقينــه ولا بــد أن أرجــع إليهــا ثانــي مــرة. فلمــا سمعــت ذلــك منهــا ازددت مرضــاً
على مرضي فلما كان بعد أيام أتت العجوز وقالت: يا ولدي أريد منك البشارة.
فلمــا سمعــت ذلــك منهــا ردت روحــي إلــى جسمــي وقلــت لهــا: لــك عنــدي كـــل خيـــر فقالـــت: إنـــي
===
ذهبـت بالأمــس إلــى تلــك الصبيــة فلمــا نظرتنــي وأنــا منكســرة الخاطــر باكيــة العيــن قالــت: يــا خالتــي
أراك ضيقـة الصـدر فلمـا قالـت لـي ذلـك بكيــت وقلــت لهــا: يــا ابنتــي وسيدتــي إنــي أتيتــك بالأمــس
مــن عنــد فتــى يهــواك وهــو مشــرف علــى المــوت مــن أجلــك فقالــت لــي وقـــد رق قلبهـــا: ومـــن يكـــون
هــذا الفتــى الــذي تذكرينــه قلــت: هــو ولــدي وثمـــرة فـــؤادي ورآك مـــن الطاقـــة مـــن أيـــام مضـــت وأنـــت
تسقيـن زرعـك ورأى وجهـك فهــام بــك عشقــاً وأنــا أول مــرة أعلمتــه بمــا جــرى لــي معــك فــزاد مرضــه
ولــزم الوســاد ومــا هــو إلا ميــت ولا محالــة فقالــت وقــد اصفــر لونهــا: هــل هــذا كلــه مـــن أجلـــي قلـــت:
إي واللـــه فمـــاذا تأمريـــن قالـــت: أمضـــي إليـــه وأقرئيـــه منـــي السلـــام وأخبريـــه أن عنــــدي أضعــــاف مــــا
عنـده فـإذا كـان يـوم الجمعـة قبـل الصلــاة يجــيء إلــى الــدار وأنــا أقــول افتحــوا لــه البــاب وأطلعــه عنــدي
وأجتمع أنا وإياه ساعة ويرجع قبل مجيء والدي من الصلاة.
فلمـا سمعـت كلـام العجــوز زال مــا كنــت أجــده مــن الألــم واستــراح قلبــي ودفعــت إليهــا مــا كــان علــي
مـن الثيـاب وانصرفـت وقالـت لـي: طيـب قلبـك فقلـت لهـا: لـم يبـق فـي شـيء مــن الألــم وتباشــر أهــل
بيتــي وأصحابــي بعافيتــي ولــم أزل كذلــك إلــى يــوم الجمعــة وإذ بعجــوز دخلــت علــي وسألتنــي عــن
حالــي فأخبرتهــا أنــي بخيــر وعافيــة ثــم لبســـت ثيابـــي وتعطـــرت ومكثـــت أنظـــر النـــاس يذهبـــون إلـــى
الصلــاة حتــى أمضـــي إليهـــا فقالـــت لـــي العجـــوز: إن معـــك الوقـــت اتساعـــاً زائـــداً فلـــو مضيـــت إلـــى
===
الحمــام وأزلــت شعــرك لا سيمــا مــن أثــر المــرض لكــان فــي ذلــك صلاحــك فقلـــت لهـــا: إن هـــذا هـــو
الــرأي الصــواب لكــن أحلــق رأســـي أولاً ثـــم أدخـــل الحمـــام فأرسلـــت إلـــى المـــزن ليحلـــق لـــي رأســـي
وقلــت للغلــام: امــض إلــى الســوق وائتنــي بمزيــن يكــون عاقـــلاً قليـــل الفضـــول لا يصـــدع رأســـي بكثـــرة
كلامـه فمضـى الغلـام وأتـى بهــذا الشيــخ فلمــا دخــل سلــم علــي فــرددت: عليــك السلــام فقــال: أذهــب
اللـه غمـك وهمـك والبـؤس والأحـزان عنــك. فقلــت لــه: تقبــل اللــه منــك فقــال: أبشــر يــا سيــدي فقــد
جاءتــك العافيــة أتريــد تقصيـــر شعـــرك أو إخـــراج دم فإنـــه ورد عـــن ابـــن عبـــاس أنـــه قـــال: مـــن قصـــر
شعــره يــوم الجمعــة صــرف اللــه عنــه سبعيــن داء وروي أيضــاً أنــه قــال: مــن أحتجــم يــوم الجمعـــة فإنـــه
يأمن ذهاب البصر وكثرة المرض.
فقلــت لــه: دع عنــك هــذا الهذيــان وقــم فــي هــذه الساعــة احلـــق لـــي رأســـي فإنـــي رجـــل ضعيـــف
فقــام ومــد يــده وأخــرج منديــلاً وفتحــه وإذا فيــه اصطرلــاب وهــو سبــع صفائــح فأخـــذه ومضـــى إلـــى
وسـط الـدار ورفـع رأسـه إلـى شعـاع الشمــس ونظــر مليــاً وقــال لــي: اعلــم أنــه مضــى مــن يومنــا هــذا
وهــو يــوم الجمعــة وهــو عاشــر صفــر سنــة ثلــاث وسبعمائــة مــن الهجــرة النبويــة علــى صاحبهــا أفضـــل
الصلــاة والسلــام وطالعــه بمقتضــى مــا أوجبــه علــم الحســاب المريــخ سبــع درج وستــة دقائــق واتفــق أنــه
يـــدل علـــى أن حلـــق الشعـــر جيـــد جـــداً ودل عنـــدي علـــى أنـــك تريـــد الإقبـــال علـــى شخــــص وهــــو
===
مسعـــود لكـــن بعـــده كلـــام يقـــع وشـــيء لا أذكـــره لـــك فقلـــت لـــه وقـــد أضجرتنــــي وأزهقــــت روحــــي
وفولـت علـي وأنــا مــا طلبتــك إلا لتحلــق رأســي ولا تطــل علــي الكلــام فقــال: واللــه لــو علمــت حقيقــة
الأمـر لطلبـت منـي زيـادة البيــان وأنــا أشيــر عليــك أنــك تعمــل اليــوم بالــذي أمــرك بــه بمقتضــى حســاب
الكواكـب وكـان سبيلـك أن تحمـد اللـه ولا تخافنـي فإنــي ناصــح لــك وشفيــق عليــك وأود أن أكــون فــي
خدمتـك سنـة كاملــة وتقــوم بحقــي ولا أريــد منــك أجــرة علــى ذلــك فلمــا سمعــت ذلــك منــه قلــت لــه:
إنك قاتلي في هذا اليوم ولا محالة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والثلاثين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الشـاب قـال لــه: إنــك قاتلــي فــي هــذا اليــوم فقــال: يــا سيــدي أنــا
الــذي تسمينــي النــاس الصامــت لقلـــة كلامـــي دون إخوتـــي لـــأن أخـــي الكبيـــر اسمـــه البقبـــوق والثانـــي
الهـــدار والثالـــث بقبـــق والرابـــع اسمـــه الكـــوز الأصونـــي والخامـــس اسمعهـــا العشــــار والســــادس اسمــــه
شقالـــق والسابـــع اسمـــه الصامـــت وهـــو أنـــا فلمــــا زاد علــــي هــــذا المزيــــن بالكلــــام رأيــــت أن مرارتــــي
انفطــرت وقلــت للغلــام: أعطــه ربــع دينــار وخلــه ينصـــرف عنـــي لوجـــه اللـــه فـــلا حاجـــة إلـــى حلاقـــة
رأسـي فقــال المزيــن حيــن سمــع كلامــي مــع الغلــام: يــا مولــاي مــا أظنــك تعــرف بمنزلتــي فــإن يــدي تقــع
===
جميـــع الصنائـــع مثـــل العقـــود وهـــــذا المزيـــــن در السلـــــوك
فيعلــو علــى كـــل ذي حكمـــة وتحـــت يديـــه رؤوس الملــــوك
فقلــت: دع مــا لا يعنيــك فقــد ضيقـــت صـــدري وأشلـــت خاطـــري فقـــال: أظنـــك مستعجـــلاً فقلـــت
لـه: نعـم فقـال: تمهـل علـى نفسـك فــإن العجلــة مــن الشيطــان وهــي تــورث الندامــة والحرمــان وقــد قــال
عليـه الصلـاة والسلــام: خيــر الأمــور مــا كــان فيــه تــأن وأنــا واللــه رأبنــي أمــرك فأشتهــي أن تعرفنــي مــا
الــذي أنــت مستعجــل مــن أجلــه ولعلــه خيــر فإنــي أخشــى أن يكــون شيئــاً غيــر ذلـــك وقـــد بقـــي مـــن
الوقــت ثلــاث ساعــات ثــم غضــب ورمــى المــوس مــن يــده وأخـــذ الاصطرلـــاب ومضـــى إلـــى الشمـــس
ووقــف حصــة مديــدة وعــاد وقــال: قــد بقــي لوقــت الصلــاة ثلــاث ساعــات لا تزيــد ولا تنقـــص فقلـــت
لــه: باللــه عليــك اسكــت عنــي فقــد فتــت كبــدي فأخــذ المــوس وسنـــه كمـــا فعـــل أولاً وحلـــق بعـــض
رأسـي وقـال: أنـا مهمـوم مـن عجلتـك فلـو أطلعتنـي علـى سببهـا لكـان خيـراً لــك لأنــك تعلــم أن والــدك
مـا كـان يفعـل شيئـاً إلا بمشورتـي. فلمـا علمـت أن مالـي منـه خلـاص قلـت فــي نفســي قــد جــاء وقــت
الصلــاة وأريــد أن أمضــي قبــل أن تخــرج النــاس مـــن الصلـــاة فـــإن تأخـــرت ساعـــة لا أدري أيـــن السبيـــل
إلــى الدخــول إليهــا فقلــت: أوجــز ودع عنــك هــذا الكلــام والفضــول فإنــي أريـــد أن أمضـــي إلـــى دعـــوة
عند أصحابي.
===
فلمــا سمــع ذكــر الدعــوة قــال: يومــك يــوم مبــارك علـــي لقـــد كنـــت البارحـــة حلفـــت علـــي جماعـــة مـــن
أصدقائــي ونسيــت أن أجهــز لهــم شيئــاً يأكلونــه وفــي هــذه الساعـــة تذكـــرت ذلـــك وافضيحتـــاه منهـــم
فقلـت لـه: لا تهتـم بهـذا الأمـر بعـد تعريفـك أننـي اليـوم فـي دعـوة فكـل مـا فـي داري مـن طعـام وشـراب
لـك إن أنجـزت أمـري وعجلـت حلاقـة رأسـي فقـال: جـزاك اللــه خيــراً صــف لــي مــا عنــدك لأضيافــي
حتــى أعرفــه فقلـــت: عنـــدي خمســـة أوان مـــن الطعـــام وعشـــر دجاجـــات محمـــرات وخـــروف مشـــوي
فقـال: أحضرهـا لــي حتــى أنظرهــا فأحضــرت لــه جميــع ذلــك فلمــا عاينــه قــال: بقــي للــه درك مــا كــرم
نفســك لكــن بقــي الشــراب فقلـــت لـــه: عنـــدي قـــال: أحضـــره فأحضرتـــه لـــه قـــال: للـــه درك مـــا أكـــرم
نفســـك لكـــن بقـــي البخـــور الطيـــب فأحضـــرت لـــه درجـــاً فيـــه نـــداً وعـــوداً وعنبـــر ومســــك يســــاوي
خمسيـن دينـاراً وكــان الوقــت قــد ضــاق حتــى صــار مثــل صــدري فقلــت لــه: خــذ هــذا واحلــق لــي
جميع رأسي بحياة محمد فقال المزين: والله ما آخذه حتى أرى جميع ما فيه.
فأمــرت الغلــام ففتــح لــه الــدرج فرمــى المزيــن الصطرلــاب مــن يــده وجلــس علــى الــأرض يقلـــب الطيـــب
والبخـور والعـود الـذي فــي الــدرج حتــى كــادت روحــي أن تفــارق جسمــي ثــم تقــدم وأخــذ الموســى
وحلــق مــن رأســه شيئــاً يسيــراً وقــال: واللـــه يـــا ولـــدي مـــا أدري كيـــف أشكـــرك وأشكـــر والـــدك لـــن
دعوتـي اليـوم كلهـا مـن بعـض فضلــك وإحسانــك وليــس عنــدي مــن يستحــق ذلــك وإنمــا عنــدي زيتــون
===
الحمامــي وصليــع الفسخانــي وعوكــل الفــوال وعكرشــة البقـــال وحميـــد الزبـــال وعكـــارش اللبـــان ولكـــل
هـؤلاء رقصـة يرقصهـا فضحكـت عـن قلـب مشحـون بالغيـظ وقلـت لـه: أقـض شغلــي وأسيــر أنــا فــي
أمـــان اللـــه تعالـــى وتمضـــي أنـــت إلـــى أصحابـــك فإنهـــم منتظـــرون قدومــــك فقــــال: مــــا طلبــــت إلا أن
أعاشــك بهــؤلاء القــوام فإنهــم مــن أولــاد النــاس الذيــن مــا فيهــم فضولــي ولــو رأيتهــم مــرة واحــدة لتركــت
جميــع أصحابــك فقلــت نعــم اللــه ســرورك بهــم ولا بـــد أن أحضرهـــم عنـــدي يومـــاً. وأدرك شهـــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والثلاثين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشــاب لمــا قــال للمزيـــن لا بـــد أن أحضـــر أصحابـــك عنـــد يومـــاً
فقـال لـه: إذا أردت ذلـك وقدمـت دعـوى أصحابـك فـي هـذا اليـوم فاصبـر حتــى أمضــي بهــذا الإكــرام
الـذي أكرمتنـي بـه وأدعـه عنـد أصحابـي يأكلـون ويشربـون ولا ينتظـرون ثـم أعــود إليــك وأمضــي معــك
إلـى أصدقائـك فليـس بينـي وبيـن أصدقائـي حشمـة تمنعنـي عـن تركهــم والعــود إليــك عاجــلاً وأمضــي
معــك أينمــا توجهــت فقلــت: لا حــول ولا قــوة غــلا باللـــه العلـــي العظيـــم امضـــي أنـــت إلـــى أصدقائـــي
وأكـون معهـم فـي هـذا اليـوم فإنهـم ينتظـرون قدومـي فقــال المزيــن لأدعــك تمضــي وحــدك فقلــت لــه: إن
===
الموضـع الـذي أمضــي إليــه لا يقــدر أحــد أن يدخــل فيــه غيــري فقــال: أظنــك اليــوم فــي ميعــاد واحــد
وإلا كنـــت تأخذنـــي معـــك وأنـــا أحـــق مـــن جميـــع النـــاس وأساعـــدك علـــى مـــا تريـــد فإنـــي أخـــاف أن
تدخـل علـى امـرأة أجنبيـة فتــروح روحــك فــإن هــذه مدينــة بغــداد لا يقــدم أحــد أن يعمــل فيهــا شيئــاً
مـن هـذه الأشيـاء لا سيمـا فـي مثـل هـذا اليـوم وهــذا ولــي بغــداد صــار عظيــم فقــل: ويلــك يــا شيــخ
الشر أي شيء هذا الكلام الذي تقابلني به.
فسكــت سكوتــا طويــلاً وأدركنــا وقــت الصلــاة وجــاء وقــت الخطبـــة وقـــد فـــرغ مـــن حلـــق رأســـي.
فقلــت لــه: أمضــي إلــى أصحابــك بهــذا الطعــام والشــراب وأنــا أنتظــرك حتــى تمضــي معــي. ولــم أزل
أخادعــه لعلــه يمضــي فقــال لــي إنــك تخادعنــي وتمضــي وحــدك وترمــي نفســك فــي مصيبــة لا خلــاص
لــك منهــا فباللــه لا تبــرح حتــى أعــود إليــك وأمضــي معــك حتــى أعلــم مــا يتـــم مـــن أمـــرك فقلـــت لـــه:
نعــم لا تبطــئ علــي فأخــذ مــا عطيتــه مــن الطعــام والشــراب وغيــره وأخــرج مـــن عنـــدي فسلمـــه إلـــى
الحمـال ليوصلـه إلـى منزلــه وأخفــى نفســه فــي بعــض الأزقــة ثــم قمــت مــن ساعتــي وقــد أعلنــوا علــى
المنــارات بسلــام الجمعــة فلبســت ثيابــي وخرجــت وحــدي وأتيــت إلــى الزقــاق ووقعــت علـــى البيـــت
الـذي رأيـت فيـه تلــك الصبيــة وإذا بالمزيــن خلفــي ولا أعلــم بــه فوجــدت البــاب مفتوحــاً فدخلــت وإذا
بصاحــب الــدار عــاد إلــى منزلــه مــن الصلــاة ودخــل القاعـــة وغلـــق البـــاب فقلـــت مـــن أيـــن أعلـــم هـــذا
===
فاتفــق فــي هــذه الساعــة لأمــر يريــده اللــه مــن هتــك ستــري أن صاحــب الـــدار أذنبـــت جاريـــة عنـــده
فضربهــا فصاحــت فدخــل عنــده عبــد ليخلصهــا فضربــه فصــاح الآخـــر فاعتقـــد المزيـــن أنـــه يضربنـــي
فصـاح ومـزق أثوابـه وجثـا التـراب علـى رأسـه وصـار يصـرخ ويستغيـث والنــاس حولــه وهــو يقــول قتــل
سيـدي فـي بيـت القاضـي ثـم مضـى إلـى داري وهـو يصيـح والنـاس خلفـه وأعلـم أهــل بيتــي وغلمانــي
فمـــا دريـــت إلا وهـــم قـــد أقبلـــوا يصيحـــون واسيـــداه كـــل هـــذا والمزيـــن قدامهـــم وهـــو يمـــزق الثيــــاب
والنـاس معهـم ولـم يزالـوا يصرخـون وهـو فـي أوائلهـم يصــرخ وهــم يقولــوا واقتيلــاه وقــد أقبلــوا نحــو الــدار
التـي أنـا فيهـا فلمـا سمـع القاضـي ذلـك عظـم عليـه الأمـر وقـام وفتــح البــاب فــرأى جمعــاً عظيمــاً فبهــت
وقــال: يــا قــوم مــا القصــة فقــال لــه الغلمــان إنــك قتلــت سيدنــا فقــال يــا قــوم ومـــا الـــذي فعلـــه سيدكـــم
حتى أقتله وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثلاثين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن القاضــي قــال للغلمــان: ومــا الــذي فعلــه سيدكــم حتــى أقتلــه ومــا
لـي لا أرى هـذا المزيـن بيـن أيديكـم فقـال لـه المزيـن: أنــت ضربتــه فــي هــذه الساعــة بالمقــارع وأنــا أسمــع
صياحـــه فقـــال القاضـــي ومـــا الـــذي فعلـــه حتـــى أقتلـــه ومـــن أدخلـــه داري ومـــن أيـــن جـــاء وإلــــى أيــــن
===
يقصــد فقــال لــه الزيــن لا تكــن شيخــاً نحســاً فأنــا أعلـــم الحكايـــة وسبـــب دخولـــه دارك وحقيقـــة الأمـــر
كلـه وبنتـك تعشقـه وهــو يعشقهــا فعلمــت أنــه قــد دخــل دارك وأمــرت غلمانــك فضربــوه واللــه مــا بيننــا
وبينـك إلا الخليفـة أو تخـرج لنـا سيدنـا ليأخــذه أهلــه ولا تحوجنــي إلــى أن أدخــل وأخرجــه مــن عندكــم
وعجـل أنـت بإخراجـه فالتجـم القاضـي عــن الكلــام وصــار فــي غايــة الخجــل مــن النــاس وقــال للمزيــن:
إن كنـــت صادقـــاً فادخـــل أنـــت وأخرجـــه فنهـــض المزيـــن ودخــــل الــــدار فلمــــا رأيــــت المزيــــن أردت أن
أهـرب فلـم أجـد لـي مهربـاً غيـر أنـي رأيـت فـي الطبقــة التــي أنــا فيهــا صندوقــاً فدخلــت فيــه ورددت
الغطــاء عليــه وقطعــت النفــس فدخــل بسرعــة ولــم يلتفــت إلــى غيــر الجهــة التـــي أنـــا فيهـــا بـــل قصـــد
الموضع الذي أنا فيه والتفت يميناً وشمالاً فلم يجد إلا الصندوق الذي أنا فيه فحمله على رأسه.
فلمــا رأيتــه فعــل ذلــك غــاب رشــدي ثــم مــر مسرعــاً فلمــا علمــت أنــه مــا يتركنــي فتحــت الصنـــدوق
وخرجــت منــه بسرعــة ورميــت نفســي علـــى الـــأرض فانكســـرت رجلـــي فلمـــا توجعـــت إلـــى البـــاب
وجـدت خلقـاً كثيـراً لـم أر فـي عمـري مثـل هـذا الازدحــام الــذي حصــل فــي ذلــك اليــوم فجعلــت أنثــر
الذهــب علــى النــاس ليشتغلــوا بــه فاشتغــل النــاس بــه وصــرت أجــري فــي أزقــة بغــداد وهـــذا المزيـــن
خلفــي وأي مكــان دخلــت فيــه يدخــل خلفــي وهــو يقــول أرادوا أن يفجعونــي فــي سيـــدي الحمـــد للـــه
الــذي نصرنــي عليهــم وخلــص سيــدي مــن أيديهــم فمــا زلــت يــا سيــدي مولعــاً بالعجلــة لســوء تدبيــرك
===
حتـى فعلـت بنفسـك هـذه الأفعـال فلـولا مـن اللـه عليـك بـي مـا كنــت خلصــت مــن هــذه المصيبــة التــي
وقعـت فيهـا وربمـا كانـوا يرمونـك فـي مصيبـة لا تخلـص منهـا أبـداً فاطلـب مـن اللــه أن أعيــش لــك حتــى
أخلصــك واللــه لقــد أهلكتنــي بســوء تدبيــرك وكنــت تريــد أن تـــروح وحـــدك ولكـــن لا نؤاخـــذك علـــى
جهلك لأنك قليل العقل عجول.
فقلــت لــه: أمــا كفــاك مــا جــرى منــك حتــى تجــري ورائــي فــي الأســواق وصـــرت أتمنـــى المـــوت لأجـــل
خلاصــي منـــه فـــلا أجـــد موتـــاً ينقذنـــي منـــه فمـــن شـــدة الغيـــظ فـــررت ودخلـــت دكانـــاً فـــي وســـط
السـوق واستجـرت بصاحبهـا فمنعـه عنـي وجلسـت فـي مخــزن وقلــت فــي نفســي مــا بقيــت أقــدر أن
أفتــرق مـــن هـــذا المزيـــن بـــل يقيـــم عنـــدي ليـــلاً ونهـــاراً ولـــم يبـــق فـــي قـــدرة علـــى النظـــر إلـــى وجهـــه
فأرسلــت فــي الوقــت أحضــر الشهــود وكتبــت وصيــة لأهلــي وجعلــت ناظــراً عليهـــم وأمرتـــه أن يبيـــع
الـــدار والعقـــارات وأوصيتـــه بالكبـــار والصغـــار وخرجـــت مسافـــراً مـــن ذلـــك الوقـــت حتــــى أتخلــــص
مـن ذلـك القـد ثـم جئـت إلـى بلادكـم فسكنتهـا ولـي فيهـا مـدة فلمـا عزمـت علـي وجئــت إليكــم رأيــت
هـذا القبيـح القـواد عندكـم فـي صـدر المكـان فكيـف يستريــح قلبــي ويطيــب مقامــي عندكــم مــع هــذا
وقد فعل معي هذه الفعال وانكسرت رجلي بسببه ثم أن الشاب امتنع من الجلوس.
فلمــا سمعنــا حكايتــه مــع المزيــن قلنــا للمزيــن: أحــق مــا قالــه هــذا الشــاب عنــك فقــال واللــه أنـــا فعلـــت
===
ذلـك بمعرفتـي ولـولا أنـي فعلـت لهلـك ومـا سبـب نجاتـه إلا أنـا ومـن فضـل اللـه عليـه بسببـي أنــه أصــاب
برجلـه ولـم يصـب بروحـه ولـو كنـت كثيـر الكلـام مـا فعلـت معـه ذلـك الجميـل وهـا أنــا أقــول لكــم حديثــاً
جــرى لــي حتــى تصدقــوا أنــي قليـــل الكلـــام ومـــا عنـــدي فضـــول مـــن دون إخوتـــي وذلـــك أنـــي كنـــت
ببغــداد فــي أيــام خلافــة أميــر المؤمنيــن المنتصــر باللــه وكــان يحــب الفقــراء والمساكيـــن ويجالـــس العلمـــاء
والصالحيــن فاتفــق لــه يومــاً أنــه غضــب علــى عشــرة أشخــاص فأمــر المتولــي ببغــداد أن يأتيــه بهــم فــي
زورق فنظرتهـم أنـا فقلـت: مـا اجتمـع هـؤلاء إلا لعزومـة وأظنهـم يقطعـون يومهـم فــي هــذا الــزورق فــي
أكـل وشـرب ولا يكـون نديمهـم غيـري فقمـت ونزلـت معهــم واختلطــت بهــم فقعــدوا فــي الجانــب الآخــر
فجاء لهـم أعـوان الوالـي بالأغلـال ووضعوهـا فـي رقابهـم وضعـوا فـي رقبتـي غلـال مـن جملتهـم فهـذا يـا
جماعــة مــا هــو مــن مروءتــي وقلــة كلامــي لأنــي مــا رضيــت أن أتكلـــم فأخذونـــا جميعـــاً فـــي الأغلـــال
وقدمونــا بيــن يــدي المنتصــر باللــه أميــر المؤمنيــن فأمــر بضـــر رقـــاب العشـــرة فضـــرب السيـــاف رقـــاب
العشرة وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والثلاثين
قـال: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن المزيـن قــال: لمــا السيــاف ضــرب رقــاب العشــرة وبقيــت أنــا فالتفــت
===
الخليفـــة فرآنـــي فقـــال للسيـــاف: مـــا بالـــك لا تضـــرب رقــــاب جميــــع العشــــرة فقــــال: ضربــــت رقــــاب
العشــرة كلهــم فقــال لــه الخليفــة: مـــا أظنـــك ضربـــت رقـــاب غيـــر تسعـــة وهـــذا الـــذي بيـــن يـــدي هـــو
العاشـر فقـال السيــاف: وحــق نعمتــك أنهــم عشــرة قــال: عدوهــم فــإذا هــم عشــرة فنظــر إلــي الخليفــة
وقــال: مــا حملــك علــى سكوتــك فــي هــذا الوقــت وكيــف صـــرت مـــع أصحـــاب الـــدم فلمـــا سمعـــت
خطـاب أميـر المؤمنيـن قلــت لــه: اعلــم يــا أميــر المؤمنيــن أنــي أنــا الشيــخ الصامــت وعنــدي مــن الحكمــة
شـيء أكثـر وأمـا رزانـة عقلـي وجـودة فهمـي وقلـة كلامـي فإنهــا لا نهايــة لهــا وصنعتــي الزيانــة فلمــا كــان
أمــس بكــرة النهــار نظــرت هــؤلاء العشــرة قاصديــن الــزورق فاختلــت بهــم ونزلــت معهــم وظننــت أنهــم
فــي عزومــة فمــا كــان غيــر ساعــة وإذا هــم أصحــاب جرائــم فحضــرت إليهــم الأعــوان ووضعــوا فـــي
رقابهم الأغلال ووضعوا في رقبتـي غـلاً مـن جملتهـم فمـن فـرط مروءتـي سكـت ولـم أتكلـم بيـن يديـك
فأمــرت بضــرب رقــاب العشــرة وبقيــت أنــا بيــن يــدي السيــاف ولــم أعرفكــم بنفســي أمــا هــذه مــروءة
عظيمة وقد أحوجتني إلى أن أشاركهم في القتل لكن طول دهري هكذا أفعل الجميل.
فلمــا سمــع الخليفــة كلامــي وعلــم أنــي كثيــرة المــروءة قليـــل الكلـــام مـــا عنـــدي فضـــول كمـــا يزعـــم هـــذا
الشــاب الــذي خلصتــه مــن الأهــوال قــال الخليفــة: وأخوتـــك الستـــة مثلـــك فيهـــم الحكمـــة والعلـــم وقلـــة
الكلــام قلـــت: لا عاشـــوا ولا بقـــوا إن كانـــوا مثلـــي ولكـــن ذممتنـــي يـــا أميـــر المؤمنيـــن ولا ينبغـــي لـــك أن
===
تقــرن أخوتــي بــي لأنهــم مــن كثــرة كلامهــم وقلــة مروءتهــم كــل واحــد منهــم بعاهــة ففيهــم واحــد أعــرج
وواحـد أعـور واحــد أفكــح وواحــد أعمــى وواحــد مقطــوع الأذنيــن والأنــف وواحــد مقطــوع الشفتيــن
وواحــد أحــول العينيــن ولا تحســب يــا أميــر المؤمنيــن أنــي كثيــر الكلــام ولا بــد أن أبيــن لــك أنــي أعظــم
مـروءة منهـم ولكـل واحـد منهــم حكايــة اتفقــت لــه حتــى صــار فيــه عاهــة وإن شئــت أن أحكــي لــك
فاعلـم يــا أميــر المؤمنيــن أن الــأول وهــو الأعــرج كــان صنعتــه الخياطــة ببغــداد فكــان يخيــط فــي دكــان
استأجرهــا مــن رجــل كثيــر المــال وكــان ذلــك الرجــل ساكنــاً فــي الدكــان وكــان فــي أسفــل دار الرجــل
طاحـون فبينمـا أخــي الأعــرج جالــس فــي الدكــان ذات يــوم إذ رفــع رأســه فــرأى امــرأة كالبــدر الطالــع
فـي روشـن الـدار وهـي تنظـر النـاس فلمـا رآهـا أخـي تعلــق قلبــه بحبهــا وصــار يومــه ذلــك ينظــر إلهيــا
وتــرك اشتغالــه بالخياطــة إلــى وقــت المســاء فلمــا كــان وقــت الصبــاح فتـــح دكانـــه وقعـــد يخيـــط وهـــو
كلمـا غـرز غـرزة ينظـر إلـى الروشـن فمكـث علـى ذلـك مـدة لـم يخيــط شيئــاً يســاوي درهمــاً فاتفــق أن
صاحـب الـدار جـاء إلـى أخـي يومـاً مـن الأيـام ومعـه قمــاش وقــال لــه: فصــل لــي هــذا وخيطــه أقمصــة
فقال أخي: سمعـاً وطاعـة ولـم يـزل يفصـل حتـى فصـل عشريـن قميصـاً إلـى وقـت العشـاء وهـو لـم يـذق
طعامــاً ثــم قــال لــه: كــم أجــرة ذلــك فلــم يتكلــم أخــي فأشــارت إليــه الصبيــة بعينهـــا أن لا يأخـــذ منـــه
شيئـاً وكـان محتاجـاً إلـى الفلــس واستمــر ثلاثــة أيــام لا يأكــل ولا يشــرب إلا القليــل بسبــب اجتهــاده فــي
===
تلــك الخياطــة فلمــا فـــرغ مـــن الخياطـــة التـــي لهـــم أتـــى إليهـــم بالأقمصـــة وكانـــت الصبيـــة قـــد عرفـــت
زوجهـا بحـال أخـي وأخـي لا يعلـم ذلـك واتفقـت هـي وزوجهـا علــى استعمــال أخــي فــي الخياطــة بــلا
أجـرة بــل يضحكــون عليــه فلمــا فــرغ أخــي مــن جميــع أشغالهمــا عمــلا عليــه حيلــة وزوجــاه بجاريتهمــا
وليلـة أراد أن يدخـل عليهـا قــالا لــه: أبــت الليلــة فــي الطاحــون وإلــى الغــد يكــون خيــراً فاعتقــد أخــي
أن لهمـا قصـداً بريئـاً فبــات فــي الطاحــون وحــده وراح زوج الصبيــة يغمــز الطحــان عليــه ليــدوره فــي
الطاحـون فدخـل عليـه الطحـان فـي نصـف الليـل وجعـل يقـول: أن هـذا الثــور بطــال مــع أن القمــح كثيــر
وأصحـاب الطحيـن يطلبونـه فأنـا أعلقـه فـي الطاحـون حتـى يخلــص طحيــن القمــح فعلقــه فــي الطاحــون
إلى قرب الصبح.
فجــاء صاحــب الــدار فـــرأى أخـــي معلقـــاً فـــي الطاحـــون والطحـــان يضربـــه بالســـوط فتركـــه ومضـــى
وبعـد ذلـك جـاءت الجاريـة التـي عقـد عليهـا وكـان مجيئهـا فــي بكــرة النهــار فحلتــه مــن الطاحــون وقــال
قـد شـق علــي أو علــى سيدتــي مــا جــرى لــك وقــد حملنــا همــك فلــم يكــن لــه لســان يــرد جوابــاً مــن
شـدة الضـرب ثـم أن أخــي رجــع إلــى منزلــه وإذا بالشيــخ الــذي كتــب الكتــاب قــد جــاء وسلــم عليــه
وقــال لــه: حيــاك اللــه زواجــك مبــارك أنــت بــت الليلــة فــي النعيــم والدلـــال والعنـــاق مـــن العشـــاء إلـــى
الصبـاح فقـال لـه أخـي لا سلـم اللـه الكـاذب يـا ألـف قـواد واللـه مـا جئـت إلا لأطحــن فــي موضــع الثــور
===
إلى الصبـاح فقـال لـه: حدثنـي بحديثـك فحدثـه أخـي بمـا وقـع لـه فقـال لـه: مـا وافـق نجمـك نجمهـا ولكـن
إذا شئــت أن أغيــر لــك عقــد العقــد أغيــره لــك بأحســن منــه لأجــل أن يوافــق نجمــك نجمهــا فقـــال لـــه:
انظر إن بقي لك حيلة أخرى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثلاثين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الأعــرج لمــا قــال للشيـــخ انظـــر إن بقـــي لـــك حيلـــة أخـــرى فتركـــه
وأتــى إلــى دكانــه ينتظــر أحــداً يأتــي إليــه بشغــل يتقـــوت مـــن أجرتـــه وإذا هـــو بالجاريـــة قـــد أتـــت إليـــه
وكانـــت اتفقـــت مـــع سيدتهـــا علـــى تلـــك الحيلـــة فقـــال لـــه: إن سيدتـــي مشتاقـــة إليـــك وقـــد طلعــــت
السطــح لتــرى وجهــك مــن الروشــن فلــم يشعــر أخــي إلا وهــي قــد طلعــت لــه مـــن الروشـــن وصـــارت
تبكـي وتقـول: لـأي شـيء قطعـت المعاملـة بيننـا وبينـك فلـم يـرد عليهــا جوابــاً فحلفــت لــه أن جميــع مــا
وقـع لـه فـي الطاحـون لـم يكـن باختيارهـا فلمـا نظـر أخـي إلـى حسنهــا وجمالهــا ذهــب عنــه مــا حصــل
لـه وقبـل عذرهـا وفـرح برؤيتهـا ثـم سلــم عليهــا وتحــدث معهــا وجلــس فــي خياطتهــا مــدة وبعــد ذلــك
ذهبـت إليـه الجاريـة وقالـت لـه: تسلـم عليـك سيدتـي وتقـول لـك: إن زوجهـا قــد عــزم علــى أن يبيــت
عنـد بعـض أصدقائـه فـي هـذه الليلـة فـإذا مضـى عندهـم تكـون أنـت عندنـا وتبيــت مــع سيدتــي فــي
===
ألــذ عيــش إلــى الصبــاح وكــان زوجهــا قــد قــال لهــا مــا يكــون العمــل فــي مجيئـــه عنـــدك حتـــى آخـــذه
وأجـره إلـى الوالـي فقالـت: دعنــي أحتــال عليــه بحيلــة وأفضحــه فضيحــة يشتهــر بهــا فــي هــذه المدينــة
وأخي لا يعلم شيئاً من كيد النساء.
فلمـا اقبــل المســاء جــاءت الجاريــة إلــى أخــي وأخذتــه ورجعــت بــه إلــى سيدتهــا فقالــت لــه: واللــه يــا
سيـدي إنـي مشتاقـة إليـك كثيـراً فقـال: باللـه عليـك عجـل بقبلـة قبـل كـل شـيء فلـم يتـم كلامـه إلا وقـد
حضـــر زوج الصبيـــة مـــن بيـــت جـــاره فقبـــض علـــى أخـــي وقـــال لـــه: لا أفارقـــك إلا عنـــد صاحــــب
الشرطـة فتضـرع إليـه أخـي فلـم يسمعـه بـل حملـه إلـى دار الوالـي فضربـه بالسيـاط وأركبـه جمــلاً ودوره
فـي شـوارع المدينـة والنـاس ينـادون عليـه هـذا جـزاء مـن يهيـم علـى حرائـم النـاس ووقـع مـن فـوق الجمــل
فانكســرت رجلــه فصــار أعــرج ثــم نفــاه الوالــي مــن المدينــة فخــرج لا يــدري أيــن يقصــد فاغتظـــت أنـــا
فلحقتــه وأتيــت بــه والتزمــت بأكلــه وشربــه إلــى الـــآن فضحـــك الخليفـــة مـــن كلامـــي وقـــال: أحسنـــت
فقلـت: لا أقبـل هـذا التعظيـم منـك دون أن تصغـي غلـي حتـى أحكــي لــك مــا وقــع لبقيــة أخوتــي ولا
تحسـب أنـي كثيـر الكلـام فقـال الخليفـة: حدثنـي بمـا وقـع لجميـع أخوتـك وشنـف مسامعـي بهــذه الرقائــق
واسلك سبيل الأطناب في ذكر هذه اللطائف.
فقلـت: اعلـم يـا أميـر المؤمنيـن أن أخــي الثانــي كــان اسمــه بقبــق وقــد وقــع لــه أنــه كــان ماشيــاً يومــاً مــن
===
الأيـام متوجهـاً إلـى حاجـة لـه وإذا بعجـوز قـد استقبلتـه وقـال لـه: أيهـا الرجـل قــف قليــلاً حتــى أعــرض
عليـك أمـراً فـإن أعجبـك فاقضـه لـي فوقـف أخـي فقـال لـه: أدلـك علـى شــيء وأرشــدك إليــه بشــرط
أن لا يكــون كلامــك كثيــراً فقــال لهــا أخــي: هــات كلامــك قالــت: مــا قولــك فــي دار حسنـــة وماؤهـــا
يجـري وفاكهـة مـدام ووجـه مليـح تشاهــده وخــد أسيــل تقبلــه وقــد رشيــق تعانقــه ولــم تــزل كذلــك مــن
العشـاء إلـى الصبـاح فـإن فعلـت مـا أشتــرط عليــك رأيــت الخيــر فلمــا سمــع أخــي كلامهــا قــال لهــا: يــا
سيدتـــي وكيـــف قصدتينـــي بهـــذا الأمـــر مـــن دون الخلـــق أجمعيـــن فـــأي شـــيء أعجبـــك منـــي فقــــال
لأخــي: أمــا قلــت لــك لا تكــن كثيــر الكلــام واسكـــت وامـــض معـــي ثـــم ولـــت العجـــوز وســـار أخـــي
تابعـاً لهـا طمعـاً فيمـا وصفتــه لــه حتــى دخــلا داراً فسيحــة وصعــدت بــه مــن أدنــى إلــى أعلــى فــرأى
قصـراً ظريفــاً فنظــر أخــي فــرأى فيــه أربــع بنــات مــا رأى الــراؤون أحســن منهــن وهــن يغنيــن بأصــوات
تطــرب الحجـــر الأصـــم ثـــم إن بنتـــاً منهـــن شربـــت قدحـــاً فقـــال لهـــا أخـــي: بالصحـــة والعافيـــة وقـــام
ليخدمها فمنعته من الخدمة ثم سقته قدحاً وصفعته على رقبته.
فلمــا رأى أخــي ذلـــك خـــرج مغضبـــاً ومكثـــراً الكلـــام فتبعتـــه العجـــوز وجعلـــت تغمـــزه بعينهـــا ارجـــع
فرجـع وجلـس ولـم ينطـق فأعـادت الصفعـة علـى قفـاه إلـى أن أغمـي عليـه ثـم قـام أخـي لقضـاء حاجتــه
فلحقتــه العجــوز وقــال لــه: اصبــر عليــلاً حتــى تبلــغ مــا تريــد فقــال لهــا أخــي: إلــى كـــم أصبـــر قليـــلاً
===
فقالـــت العجـــوز إذا سكـــرت بلغـــت مـــرادك فرجـــع أخـــي إلـــى مكانـــه فقامـــت البنـــات كلهـــن وأمرتهــــن
العجــــوز أن يجردنــــه مــــن ثيابــــه وأن يرششــــن علــــى وجهــــه مــــاء ورد ففعلــــن ذلـــــك فقالـــــت الصبيـــــة
البارعـة الجمـال منهـن: أعـزك اللـه قـد دخلـت منزلـي فـإن صبـرت علـى شرطـي بلغـت مـرادك فقــال لهــا
أخـي: يـا سيدتـي أنــا عبــدك وفــي قبضــة يــدك فقالــت لــه: اعلــم أن اللــه قــد شغفنــي بحــب المطــرب
فمـن أطاعنـي نـال مـا يريـد ثـم أمـرت الجـواري أن يغنيـن فغنيـن حتـى طـرب المجلــس ثــم قالــت الجاريــة:
خـذي سيـدك واقـض حاجتــه وائتينــي بــه فــي الحــال فأخــذت الجاريــة أخــي ولا يــدري مــا تصنــع بــه
فلحقتــه العجــوز وقالــت لــه: اصبـــر مـــا بقـــي إلا القليـــل فأقبـــل أخـــي علـــى الصبيـــة والعجـــوز تقـــول:
اصبـر فقــد بلغــت مــا تريــد وإنمــا بقــي شــيء واحــد وهــو أن تحلــق ذقنــك. فقــال لهــا أخــي: وكيــف
أعمل في فضيحتي بين الناس
فقالـت لـه العجـوز إنهـا مــا أرادت أن تفعــل بــك ذلــك إلا لأجــل أن تصيــر أمــرد بــلا ذقــن ولا يبقــى فــي
وجهـك شـيء يشكهـا فإنهـا صـار فـي قلبهـا لـك محبــة عظيمــة فاصبــر فقــد بلغــت المنــى فصبــر أخــي
وطـاوع الجاريـة وحلـق ذقنـه وجـاءت بـه إلـى الصبيـة وإذا هـو محلـوق الحاجبيـن والشاربيـن والذقـن فقـام
ورقص فلـم تـدع فـي البيـت مخـدة حتـى ضربتـه بهـا وكذلـك جميـع الجـواري صـرن يضربنـه بمثـل نارنجـة
وليمونـة وأترجـة إلـى أن سقـط مغشيـاً عليـه مـن الضـرب ولـم يـزل الصفـع علــى قفــاه والرجــم فــي وجهــه
===
إلـى أن قالـت لـه العجـوز: الـآن بلغــت مــرادك واعلــم أنــه مــا بقــي عليــك مــن الضــرب شــيء ومــا بقــي
إلا شــيء واحــد وذلــك أن مــن عادتهــا أنهــا إذا سكــرت لا تمكــن أحــداً مــن نفسهـــا حتـــى تقلـــع ثيابهـــا
وسراويلهـا وتبقـى عريانـة مـن جميـع مـا عليهــا مــن ثيابهــا وأنــت الآخــر تقلــع ثيابــك وتجــري ورائهــا وهــي
تجـري قدامـك كأنهـا هاربــة منــك ولــم تــزل تابعهــا مــن مكــان إلــى مكــان حتــى يقــوم عضــوك فتمكنــك
مــن نفسهــا ثــم قالــت لــه: قــم اقلــع ثيابـــك فقـــال وهـــو غائـــب عـــن الوجـــود وقلـــع ثيابـــه جميعـــاً وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والثلاثون
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أخــا المزيــن قلــع ثيابــه وصــار عريانــاً فقالــت الجاريــة لأخــي: قــم
الــآن واجــر ورائــي وأجــري أنــا قدامــك وإذا أردت شيئــاً فاتبعنــي فجــرت قدامــه وتبعهــا ثـــم جعلـــت
تدخـل مـن محــل إلــى محــل وتخــرج مــن محــل إلــى محــل آخــر وأخــي وراءهــا وقــد غلــب الشنــق وعضــوه
قائــم كأنــه مجنــون ولــم تــزل تجــري قدامــه وهــو يجـــري وراءهـــا حتـــى سمـــع منهـــا صوتـــاً رقيقـــاً وهـــي
تجــري قدامــه وهــو يجــري وراءهــا فبينمــا هــو كذلــك إذ رأى نفســه فــي وســط زقــاق وذلـــك الزقـــاق
فـي وسـط الجلاديـن وهـم ينـادون علـى الجلــود فــرآه النــاس علــى تلــك الحالــة وهــو عريــان قائــم العضــو
===
محلـــوق الذقـــن والحواجـــب والشـــوارب محمـــر الوجـــه فصاحــــوا عليــــه وصــــاروا يضحكــــون ويقهقهــــون
وصـار بعضهـم يصفعـه بالجلـود وهـو عريـان حتـى غشـي عليـه وحملـوه علــى حمــار حتــى أوصلــوه إلــى
الوالــي فقــال: مــا هــذا قالــوا: هــذا وقــع لنــا مــن بيــت الوزيـــر وهـــو علـــى هـــذه الحالـــة فضربـــه الوالـــي
مائــة ســوط وخرجــت أنــا خلفــه وجئــت بــه وأدخلتــه المدينــة ســراً ثــم رتبــت لــه مــا يقتــات بـــه فلـــولا
مروءتي ما كنت أحتمل مثله.
وأمــا أخــي الثالــث فاسمــه فقــة ساقــه القضــاء والقـــدر إلـــى دار كبيـــرة فـــدق البـــاب طمعـــاً أن يكلمـــه
صاحبهـــا فيسألـــه شيئـــاً فقـــال صاحـــب الـــدار: مـــن بالبـــاب فلـــم يكلمـــه أحـــد فسمعـــه أخــــي يقــــول
بصـــوت عـــال: مـــن هـــذا فلـــم يكلمـــه أخـــي وسمـــع مشيـــه حتـــى وصـــل إلــــى البــــاب وفتحــــه فقــــال:
ماتريــد قــال لـــه أخـــي: شيئـــاً للـــه تعالـــى فقـــال لـــه: هـــل أنـــت ضريـــر قـــال لـــه أخـــي: نعـــم فقـــال لـــه:
ناولنـي يـدك فناولـه يـده فأدخلـه الـدار ولـم يـزل يصعـد بــه مــن سلــم إلــى سلــم حتــى وصــل إلــى أعلــى
السطــوح وأخــي يظــن أنــه يطعمــه شيئــاً فلمــا انتهــى إلــى أعلــى مكــان قــال لأخــي: مــا تريــد يــا ضريــر
قـال: أريـد شيئـاً للـه تعالـى فقـال لـه: يفتـح اللـه عليـك فقـال لـه أخـي: يـا هـذا أمــا كنــت تقــول لــي ذلــك
وأنـا فـي الأسفـل فقـال لـه: يـا أسفـل السفلـة لـم تسألنــي شيئــاً للــه حيــن سمعــت كلامــي أول مــرة وأنــت
تــدق البــاب فقــال أخــي: هــذه الساعـــة مـــا تريـــد أن تصنـــع بـــي فقـــال لـــه: مـــا عنـــدي شـــيء حتـــى
===
أعطيـك إيـاه قـال: انـزل بـي إلـى السلالـم فقـال لـي: الطريـق بيـن يديـك فقـام أخـي واستقبـل السلالـم ومــا
زال نازلاً حتـى بقـي بينـه وبيـن البـاب عشـرون درجـة فزلقـت رجلـه فوقـع ولـم يـزل واقعـاً منحـدراً مـن
السلالـم حتـى انشـج رأسـه فخـرج وهـو لا يـدري أيــن يذهــب فلحقــه بعــض رفقائــه العميــان فقــال لــه:
أي شـيء حصـل لـك فـي هــذا اليــوم فحدثهــم بمــا وقــع لــه قــال لهــم: يــا أخوتــي أريــد أن آخــذ شيئــاً
مــن الدراهــم التــي بقيــت معنــا وأنفــق منــه علــى نفســي وكـــان صاحـــب الـــدار مشـــى خلفـــه ليعـــرف
حالــه فسمــع كلامــه وأخـــي لا يـــدري بـــأن الرجـــل يسعـــى خلفـــه إلـــى أن دخـــل مكانـــه ودخـــل الرجـــل
خلفـه وهـو لا يشعـر بـه وقعـد أخـي ينتظـر رفقــاءه فلمــا دخلــوا عليــه قــال لهــم: أغلقــوا البــاب وفتشــوا
البيـــت كيـــلا يكـــون أحـــد غريـــب تبعنـــا فلمـــا سمـــع الرجـــل كلـــام أخـــي قـــام وتعلــــق بحبــــل كــــان فــــي
السقــف فطافــوا البيــت جميعــه فلـــم يجـــدوا أحـــداً ثـــم رجعـــوا وجلســـوا إلـــى جانـــب أخـــي أخرجـــوا
الدراهــم التــي معهــم وعدوهــا فــإذا هــي عشــرة آلــاف درهــم فتركوهــا فــي زاويــة البيــت وأخــذ كــل
واحـد ممـا زاد عنهـا مـا يحتـاج إليـه ودفنـوا العشـرة آلـاف درهـم فـي التـراب ثـم قدمـوا بيـن أيديهـم شيئـاً
مـن الأكـل وقعـدوا يأكلـون فأحـس أخـي بصـوت غريـب فـي جهتــه فقــال للأصحــاب: هــل معنــا غريــب
ثـم مـد يـده فتعلقـت بيـد الرجـل صاحــب الــدار فصــاح علــى رفقائــه وقــال: هــذا غريــب فوقعــوا فيــه
ضرباً وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أخــي لمـــا صـــاح علـــى رفقائـــه وقـــال: هـــذا غريـــب وقعـــوا فيـــه
ضربــاً فلمــا طــال عليهــم ذلــك صاحـــوا: يـــا مسلميـــن دخـــل علينـــا مـــن يريـــد أن يأخـــذ مالنـــا فاجتمـــع
عليهــم خلـــق فتعامـــى الرجـــل الغريـــب صاحـــب الـــدار الـــذي ادعـــوا عليـــه أنـــه لـــص وأغمـــض عينيـــه
وأظهــر أنــه أعمــى مثلهــم بحيــث لا يشــك فيــه أحــد وصــاح: يــا مسلميــن أنــا باللــه والسلطــان أنـــا باللـــه
والوالــي أنــا باللــه والأميــر فــإن عنــدي نصيحــة للأميــر فلــم يشعــروا إلا وقـــد احتاطهـــم جماعـــة الوالـــي
فأخذوهــم وأخــي معهــم وأحضروهــم بيــن يديــه فقــال الوالـــي: مـــا خبركـــم فقـــال ذلـــك الرجـــل: اسمـــع
كلامــي أيهــا الوالــي لا يظهــر لـــك حقيقـــة حالنـــا إلا بالعقوبـــة وإن شئـــت فابـــدأ بعقوبتـــي قبـــل رفقائـــي
فقــال الوالــي: اطرحــوا هــذا الرجــل واضربــوه بالسيــاط فطرحــوه وضربــوه فلمــا أوجعـــه الضـــرب فتـــح
إحـدى عينيـه فلمـا ازداد عليـه الضـرب فتـح عينــه الأخــرى فقــال لــه الوالــي: مــا هــذه الفعــال يــا فاجــر
فقــال: أعطنــي الأمــان وأنــا أخبــرك فأعطــاه الأمــان فقــال: نحــن أربعــة نعمــل حالنــا عميانـــاً ونمـــر علـــى
النـــاس وندخـــل البيـــوت وننظـــر النســـاء ونحتـــال فـــي فسادهـــن واكتســـاب الأمـــوال مـــن طرقهــــن وقــــد
حصلنــا مــن ذلــك مكسبــاً عظيمــاً وهــو عشــرة آلـــاف درهـــم فقلـــت لرفقائـــي: أعطونـــي حقـــي ألفيـــن
وخمسمائـــة فقامـــوا وضربونـــي وأخـــذوا مالـــي وأنـــا مستجيـــر باللــــه وبــــك وأنــــت أحــــق بحصتــــي مــــن
رفقائـي وإن شئـت أن تعــرف صــدق قولــي فاضــرب كــل واحــد أكثــر ممــا ضربتنــي فإنــه يفتــح عينيــه
===
فعنـد ذلـك أمــر الوالــي بعقوبتهــم وأول مــا بــدأ بأخــي ومــا زالــوا يضربونــه حتــى كــاد أن يمــوت ثــم قــال
لهــم الوالــي: يــا فسقــة تجحــدون نعمــة اللــه وتدعــون أنكــم عميــان فقــال أخــي: اللــه اللــه اللــه مـــا فينـــا
بصيـر فطرحـوه إلـى الضـرب ثانيـاً ولـم يزالـوا يضربونـه حتـى غشـي عليـه فقـال الوالـي: دعـوه حتـى يفيـق
وأعيـــدوا عليـــه الضـــرب ثالـــث مـــرة ثـــم أمـــر بضـــرب أصحابـــه كـــل واحـــد أكثـــر مـــن ثلاثمائــــة عصــــا
والنصيــر يقــول لهــم: افتحــوا عيونكــم وإلا جــددوا عليكــم الضــرب ثــم قــال للوالــي: ابعـــث معـــي مـــن
يأتيـك بالمـال فـإن هـؤلاء مـا يفتحـون أعينهـم ويخافـون مـن فضيحتهـم بيـن النـاس فبعــث الوالــي معــه مــن
أتـــاه بالمـــال فأخـــذه وأعطـــى الرجـــل منـــه ألفيـــن وخمسمائـــة درهـــم علـــى قـــدر حصتـــه رغمـــاً عنهـــم
وبقــي أخــي وباقــي الثلاثــة خــارج المدينــة فخرجــت أنــا يــا أميــر المؤمنيــن ولحقــت أخــي وسألتــه عـــن
حاله فأخبرني بما ذكرته لك فأدخلته المدينة سراً ورتبت له ما يأكل وما يشرب طول عمره.
فضحــك الخليفــة مــن حكايتــي وقــال: صلــوه بجائــزة ودعــوه ينصــرف فقلــت لــه: واللــه مــا آخـــذ شيئـــاً
حتـى أبيـن لأميـر المؤمنيــن مــا جــرى لبقيــة أخوتــي وأوضــح لــه أنــي قليــل الكلــام فقــال الخليفــة: أصــدع
آذاننـا بخرافـة خبـرك وزدنـا مـن عجـرك وبجـرك فقلــت: وأمــا أخــي الرابــع يــا أميــر المؤمنيــن وهــو الأعــور
فإنــه كــان جـــزاراً ببغـــداد يبيـــع اللحـــم ويربـــي الخرفـــان وكانـــت الكبـــار وأصحـــاب الأمـــوال يقصدونـــه
ويشتــرون منــه اللحــم فاكتســب مــن ذلــك مــالاً عظيمــاً واقتنــى الــدواب والــدور ثــم أقـــام علـــى ذلـــك
===
زمنـاً طويـلاً فبينمـا هـو فـي دكانـه يومـاً مــن الأيــام إذ وقــف عليــه شيــخ كبيــر اللحيــة فدفــع لــه دراهــم
وقـال: أعطنـي بهـا لحمـاً فأخـذ الدراهـم منـه وأعطـاه اللحــم وانصــرف فتأمــل أخــي فــي فضــة الشيــخ
فـرأى دراهمـه بيضـاً بياضهـا ساطـع فعزلهـا وحدهـا فـي ناحيـة وأقـام الشيـخ يتـردد عليـه خمسـة أشهـر
وأخـي يطـرح دراهمـه فـي صنـدوق وحدهـا ثـم أراد أن يخرجهـا ويشتــري غنمــاً فلمــا فتــح الصنــدوق
رأى مـــا فيـــه ورقـــاً أبيـــض مقصوصـــاً فلطـــم وجهـــه وصــــاح فاجتمــــع النــــاس عليــــه فحدثــــه بحديثــــه
فتعجبـوا منـه ثـم رجـع أخـي إلـى الدكـان علـى عادتـه فذبـح كبشـاً وعلقــه خــارج الدكــان وصــار يقــول
فـي نفسـه: لعـل ذلـك الشيـخ يجـيء فأقبــض عليــه فمــا كــان إلا ساعــة وقــد أقبــل الشيــخ ومعــه الفضــة
فقام أخي وتعلق به وصار يصيح: يا مسلمين ألحقوني واسمعوا قصتي مع هذا الفاجر.
فلمـا سمـع الشيــخ كلامــه قــال لــه: أي شــيء أحــب إليــك أن تعــرض عــن فضيحتــي أو أفضحــك بيــن
النــاس فقــال لــه: يــا أخــي بــأي شــيء تفضحنــي قــال: بأنــك تبيــع لحــم النــاس فــي صــورة لحــم الغنـــم
فقـال لـه: يـا أخـي كذبــت يــا ملعــون فقــال الشيــخ: مــا ملعــون إلا الــذي عنــده رجــل معلــق فــي الدكــان
فقــال لــه أخــي: إن كــان الأمــر كمــا ذكــرت مالــي ودمــي حلــال لــك فقــال الشيــخ: يــا معاشـــر النـــاس إن
هــذا الجــزار يذبــح الآدمييــن ويبيــع لحمهــم فــي صــورة لحــم الغنــم وإن أردتــم أن تعلمــوا صــدق قولـــي
فادخلــوا دكانــه فهجــم النــاس علـــى دكـــان أخـــي فـــرؤوا ذلـــك الكبـــش صـــار إنسانـــاً معلقـــاً فلمـــا رأوا
===
ذلـك تعلقــوا بأخــي وصاحــوا عليــه: يــا كافــر يــا فاجــر وصــار أعــز النــاس إليــه يضربــه ويلطمــه الشيــخ
علـى عينـه فقلعهــا وحمــل النــاس ذلــك المذبــوح إلــى صاحــب الشرطــة فقــال لــه الشيــخ: أيهــا الأميــر إن
هـذا الرجـل يذبــح النــاس ويبيــع لحمهــم علــى أنــه لحــم غنــم وقــد أتينــاك بــه فقــم واقــض حــق اللــه عــز
وجــل فدافــع أخـــي عـــن نفســـه فلـــم يسمـــع منـــه صاحـــب الشرطـــة بـــل أمـــر بضربـــه خمسمائـــة عصـــا
وأخـذوا جميـع مالـه ولـولا كثـرة مالـه لقتلـوه ثــم نفــوا أخــي مــن المدينــة فخــرج هائمــاً لا يــدري أيــن يتوجــه
فدخـل مدينـة كبيـرة واستحسـن أن يعمـل إسكافيــاً ففتــح دكانــاً وقعــد يعمــل شيئــاً يتقــوت منــه فخــرج
ذات يــوم فــي حاجــة فسمــع صهيــل خيــل فبحــث علــى سبــب ذلـــك فقيـــل لـــه أن الملـــك خـــارج إلـــى
الصيــد والقنــص فخــرج أخــي ليتفــرج علــى الموكــب وهــو يتعجــب مـــن خســـة رأيـــه حيـــث انتقـــل مـــن
صنعــة الأساكفــة فالتفــت الملــك وفقعــت عينــه علــى عيــن أخــي فأطـــرق الملـــك رأســـه وقـــال: أعـــوذ
باللــه مــن شــر هـــذا اليـــوم وثنـــى عنـــان فرســـه وانصـــرف راجعـــاً فرجـــع جميـــع العسكـــر وأمـــر الملـــك
غلمانـه أن يلحقـوا أخـي ويضربونـه فلحقـوه وضربــوه ضربــاً وجيعــاً حتــى كــاد أن يمــوت ولــم يــدر أخــي
السبـب فرجـع إلـى موضعـه وهـو فـي حالـة العـدم ثـم مضـى إلـى إنسـان مـن حاشيـة الملــك وقــص عليــه
مـا وقـع لـه فضحـك حتـى استلقـى علـى قفـاه وقـال لـه: يـا أخــي اعلــم أن الملــك لا يطيــق أن ينظــر إلــى
أعـور لا سيمـا إن كـان الأعـور شمـالاً فإنـه لا يرجــع عــن قتلــه فلمــا سمــع أخــي ذلــك الكلــام عــزم علــى
===
وفي الليلة الحادية والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الأعـور لمـا سمــع ذلــك الكلــام عــزم علــى الهــروب مــن تلــك المدينــة
وارتحـل منهـا وتحـول إلـى مدينـة أخـرى لــم يكــن فيهــا ملــك وأقــام بهــا زمنــاً طويــلاً ثــم بعــد ذلــك تفكــر
فــي أمــره وخــرج يومــاً ليتفــرج فسمـــع صهيـــل خيـــل خلفـــه فقـــال: جـــاء أمـــر اللـــه وفـــر يطلـــب موضعـــاً
ليستتــر فيــه فلــم يجــد ثــم نظــر فــرأى بابــاً منصوبـــاً فدفـــع ذلـــك البـــاب فدخـــل فـــرأى دهليـــزاً طويـــلاً
فاستمـر داخـلاً فيـه فلـم يشعـر إلا ورجلـان قـد تعلقـا بـه وقـالا: الحمـد للـه الــذي مكننــا منــك يــا عــدو
الهــل هــذه ثلــاث ليــال مــا أرحتنــا ولا تركتنــا ننــام ولا يستقــر لنــا مضجــع بــل أذقتنــا طعــم المــوت فقــال
أخـــي: يـــا قـــوم مـــا أمركـــم باللـــه فقالـــوا: أنـــت تراقبنـــا وتريـــد أن تفضحنـــا وتفضـــح صاحــــب البيــــت
أمـا يكفيـك أنـك أفقرتـه وأفقـرت أصحابـك ولكـن أخـرج لنـا السكيـن التــي تهددنــا بهــا كــل ليلــة وفتشــوه
فوجــدوا فــي وسطــه السكيــن التــي يقطــع بهــا النعــال فقــال: يــا قــوم اتقــوا اللــه فـــي أمـــري واعلمـــوا أن
حديثي عجيب فقالوا: وما حديثك فحدثهم بحديثه طمعاً أن يطلقوه.
فلــم يسمعــوا منــه مقالــه ولــم يلتفــوا إليــه بــل ضربــوه ومزقــوا أثوابــه فلمــا تمزقــت أثوابــه وانكشــف بدنـــه
وجـدوا أثـر الضـرب بالمقـارع علـى جنبيـه فقالــوا لــه: يــا ملعــون هــذا أثــر الضــرب يشهــد علــى جرمــك
===
ثـم أحضـروا أخـي بيـن يـدي الوالـي فقـال فــي نفســه قــد وقعــت فأتيــت إليــه وأخذتــه وأدخلتــه المدينــة
سـراً ورتبـت لـه مـا يأكـل ومـا يشــرب. وأمــا أخــي الخامــس فإنــه كــان مقطــوع الأذنيــن يــا أميــر المؤمنيــن
وكــان رجــلاً فقيـــراً يســـأل النـــاس ليـــلاً وينفـــق مـــا يحصلـــه بالســـؤال نهـــاراً وكـــان والدنـــا شيخـــاً كبيـــراً
طاعنـاً بالسـن فخلـف لنـا سبعمائـة درهــم وأمــا أخــي الخامــس هــذا فإنــه لمــا أخــذ حصتــه تحيــر ولــم
يـدر مـا يصنـع بهـا فبينمـا هـو كذلـك إذ وقـع فـي خاطـره أنـه يأخـذ بهـا زجاجـاً مـن كــل نــوع ليتجــر فيــه
ويربـح فاشتـرى بالمائـة درهــم زجاجــاً وجعلــه فــي قفــص كبيــر وقعــد فــي موضــع ليبيــع ذلــك الزجــاج
وبجانبـه حائـط فأسنـد ظهـره إليهـا وقعـد متفكـراً فـي نفسـه وقـال: إن رأس مالـي فـي هـذا الزجـاج مائـة
درهم أنـا أبيعـه بمائتـي درهـم ثـم أشتـري بالمائتـي درهـم زجاجـاً أبيعـه بأربعمائـة درهـم ولا أزال أبيـع
وأشتــري إلــى أن يبقـــى معـــي مـــال كثيـــر فأشتـــري داراً حسنـــة وأشتـــري المماليـــك والخيـــل والســـروج
المذهبـة وآكـل وأشـرب ولا أخلـي مغنيـة فـي المدينــة حتــى أجــيء بهــا إلــى بيتــي وأسمــع مغانيهــا هــذا
كله وهو يحسب في نفسه وقفص الزجاج قدامه.
ثـم قالـت وابعـث جميـع الخاطبـات فـي خطبـة بنـات الملـوك والـوزراء واخطـب بنـت الوزيـر فقــد بلغنــي
أنهـا كاملــة الحســن بديعــة الجمــال وأمهرهــا بألــف دينــار فــإن رضــي أبوهــا حصــل المــراد وإن لــم يــرض
أخذتهـا قهـراً علــى رغــم أنفــه فــإن حصلــت فــي داري اشتــري عشــرة خــدام صغــار ثــم اشتــري لــي
===
كسـوة الملـوك والسلاطيـن وأصـوغ لـي سرجـاً مــن الذهــب مرصعــاً بالجوهــر ثــم اركــب ومعــي المماليــك
يمشــون حولــي وقدامــي وخلفــي حتــى إذا رآنــي الوزيــر قــام إجلـــالاً لـــي وأقعدنـــي مكانـــه ويقعـــد هـــو
دونـي لأنـه صهـري ويكـون معـي خادمـان بكيسيـن فـي كـل كيـس ألـف دينــار فأعطيــه ألــف دينــار مهــر
بنتـه وأهـدي إليــه الألــف الثانــي إنعامــاً حتــى أظهــر لــه مروءتــي وكرمــي وصغــر الدنيــا فــي عينــي ثــم
أنصــرف إلــى داري فــإذا جــاء أحــد مــن جهــة امرأتــي وهبـــت لـــه دراهـــم وخلعـــت عليـــه خلعـــة وإن
أرسـل إلـي الوزيـر هديـة رددتهـا عليـه ولـو كانـت نقيصـة ولــم أقبــل منــه حتــى يعلمــوا أنــي عزيــز النفــس
ولا أخلـي نفسـي إلا فــي أعلــى مكانــة ثــم أقــدم إليهــم فــي إصلــاح شأنــي وتعظيمــي فــإذا فعلــوا ذلــك
أمرتهـم بزفافهـا ثـم أصلــح داري إصلاحــاً بينــاً فــإذا جــاء وقــت الجــلاء لبســت أفخــر ثيابــي وقعــدت
علــى مرتبــة مــن الديبــاج لا ألتفــت بمينــاً ولا شمــالاً لكبــر عقلــي ورزانــة فهمــي وتجـــيء امرأتـــي وهـــي
كالبــدر فــي حليهــا وحللهــا وأنــا أنظـــر إليهـــا عجبـــاً وتيهـــاً حتـــى يقـــول جميـــع مـــن حضـــر: يـــا سيـــدي
امرأتــك وجاريتــك قائمـــة بيـــن يديـــك فأنعـــم عليهـــا بالنظـــر فقـــد أضـــر بهـــا القيـــام ثـــم يقبلـــون الـــأرض
قدامــي مــراراً فعنــد ذلــك أرفــع رأســـي وأنظـــر إليهـــا نظـــرة واحـــدة ثـــم أطـــرق برأســـي إلـــى الـــأرض
فيمضـون بهـا وأقـوم أنـا وأغيـر ثيابــي وألبــس أحســن ممــا كــان علــي فــإذا جــاؤوا بالعروســة المــرة الثانيــة
لا أنظــر إليهــا حتــى يسألونــي مــراراً فأنظـــر إليهـــا ثـــم أطـــرق إلـــى الـــأرض ولـــم أزل كذلـــك حتـــى يتـــم
===
وفي الليلة الثانية والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن أخـا المزيـن الخامـس قـال: إنـي آمـر بعــض الخداميــن أن يرمــي كيســاً
فيـــه خمسمائـــة دينـــار للمواشـــط فـــإذا أخذتـــه آمرهــــن أن يدخلننــــي عليهــــا لا أنظــــر إليهــــا ولا أكلمهــــا
احتقــاراً لهــا لأجــل أن يقــال أنــي عزيــز النفــس حتــى تجــيء أمهــا وتقبـــل رأســـي ويـــدي وتقـــول لـــي يـــا
سيــدي انظــر جاريتــك فإنهــا تشتهــي قربــك فأجبــر خاطرهــا بكلمــة فلــم أرد عليهــا جوابــاً ولـــم تـــزل
كذلـك تستعطفنـي حتـى تقـوم وتقبـل يـدي ورجلـي مـراراً ثـم تقـول: يـا سيـدي إن بنتــي صبيــة مليحــة
مــا رأت رجــلاً فــإذا رأت منــك الانقبــاض انكســر خاطرهــا فمــل إليهــا وكلمهــا ثــم غنهــا تقــوم وتحضــر
لـي قدحـاً وفيـه شرابـاً ثـم إن ابنتهـا تأخـذ القـدح لتعطينـي فــإذا جاءتنــي تركتهــا قائمــة بيــن يــدي وأنــا
متكــئ علــى مخــدة مزركشــة بالذهــب لأنظــر إليهــا مــن كبـــر نفســـي وجلالـــة قـــدري حتـــى تظـــن فـــي
نفسهــا أنــي سلطــان عظيــم الشــأن فتقــول يــا سيــدي بحــق اللــه عليــك لا تــرد القــدح مــن يــد جاريتـــك
فـلا أكلمهـا فتلـح علـي وتقـول: لا بـد مــن شربــه وتقدمــه إلــى فمــي فأنفــض يــدي فــي وجههــا وأرفسهــا
وأعمـل هكـذا ثـم أرفـس أخـي برجلـه فجـاءت فـي قفـص الزجـاج وكــان فــي مكــان مرتفــع فنــزل علــى
الـأرض فتكسـر كـل مـا فيـه. ثـم قـال أخـي هـذا كلــه مــن كبــر نفســي ولــو كــان أمــره إلــى أميــر المؤمنيــن
===
لضربته ألف سـوط وشهرتـه فـي البلـد ثـم بعـد ذلـك صـار أخـي يلطـم علـى وجهـه ومـزق ثيابـه وجعـل
يبكــي ويلطــم علــى وجهــه والنــاس ينظــرون إليــه وهــم رائحـــون إلـــى صلـــاة الجمعـــة فمنهـــم مـــن يرمقـــه
ومنهــم مــن لــم يفكــر فيــه وهــو علــى تلــك الحالــة وراح منــه رأس المــال والربــح ولــم يــزل جالســاً يبكـــي
وإذا بامـــرأة مقبلـــة إلـــى صلـــاة الجمعـــة وهـــي بديعـــة الجمـــال تفـــوح منهـــا رائحـــة المســــك وتحتهــــا بغلــــة
بردعتهـا مـن الديبـاج مزركشـة بالذهــب ومعهــا عــدد مــن الخــدم فلمــا نظــرت إلــى الزجــاج وحــال أخــي
وبكائـه أخذتهـا الشفقـة عليـه ورق قلبهــا لــه وسألــت عــن حالــه فقيــل لهــا: إنــه كــان معــه طبــق زجــاج
يتعيـش منـه فانكسـر منـه فأصابـه مــا تنظريــه فنــادت بعــض الخــدام وقالــت لــه: ادفــع الــذي معــك إلــى
هــذا المسكيــن فدفــع لــه صــرة فأخذهــا فلمــا فتحهــا وجــد فيهــا خمسمائــة دينــار فكــاد أن يمــوت مــن
شـدة الفـرح واقبـل أخــي بالدعــاء لهــا ثــم عــاد إلــى منزلــه غنيــاً وقعــد متفكــراً وإذا بــدق يــدق البــاب
فقــام وفتــح وإذا بعجــوز لا يعرفهــا فقالــت لــه: يــا ولــدي اعلـــم أن الصلـــاة قـــد قـــرب زوال وقتهـــا وأنـــا
بغيـر وضـوء وأطلـب منـك أن تدخلنـي منزلـك حتـى أتوضـأ فقـال لهـا: سمعـاً وطاعـة. ثـم دخـل أخـي
وأذن لهـا بالدخـول وهــو طائــر مــن الفــرح بالدنانيــر فلمــا فرغــت أقبلــت إلــى الموضــع الــذي هــو جالــس
فيـه وصلـت هنـاك ركعتيـن ثـم دعـت لأخـي دعـاء حسنــاً نشرهــا علــى ذلــك وأعطاهــا ديناريــن فلمــا
رأت ذلـك قالـت: سبحـان اللـه أنـي أعجـب مـا أحبـك وأنـت بسمــة الصعاليــك فخــذ مالــك عنــي وإن
===
كنـت غيـر محتـاج إليـه فـأردده إلـى التـي أعطتـك إيـاه لمـا انكسـر الزجــاج منــك فقــال لهــا أخــي: يــا أمــي
كيــف الحيلــة فــي الوصــول إليهــا قالــت: يــا ولــدي إنهــا تميـــل إليـــك لكنهـــا زوجـــة رجـــل موســـر فخـــذ
جميــع مالــك معــك فــإذا اجتمعــت بهــا فــلا تتــرك شيئــاً مــن الملاطفــة والكلــام الحســن إلا وتفعلـــه معهـــا
فإنـــك تنـــال مـــن جمالهـــا ومـــن مالهـــا جميـــع مـــا تريـــد فأخـــذ أخـــي جميـــع الذهــــب وقــــام ومشــــى مــــع
العجـوز وهـو لا يصـدق بذلـك فلـم تـزل تمشـي وراءهـا حتـى وصـلا إلـى بــاب كبيــر فدقتــه فخرجــت
جاريـــة روميـــة فتحـــت البـــاب فدخلـــت العجـــوز وأمــــرت أخــــي بالدخــــول فدخــــل دار كبيــــرة فلمــــا
دخلهــا رأى فيهــا مجلســاً كبيـــراً مفروشـــاً وسائـــد مسبلـــة. فجلـــس أخـــي ووضـــع الذهـــب بيـــن يديـــه
ووضـع عمامتـه علـى ركبتـه فلــم يشعــر إلا وجاريــة أقبلــت مــا رأى مثلهــا الــراؤون وهــي لابســة أفخــر
القمـاش فقـام أخـي علـى قدميــه فلمــا رأتــه ضحكــت فــي وجهــه وفرحــت بــه ثــم ذهبــت إلــى البــاب
وأغلقتـه ثـم أقبلـت علـى أخـي وأخـذت يـده ومضيـا جميعــاً إلــى أن أتيــا إلــى حجــرة منفــردة فدخلاهــا
وإذا هــي مفروشــة بأنــواع الديبــاج فجلــس أخــي وجلســت بجانبــه ولاعبتــه ساعــة زمانيـــة ثـــم قامـــت
وقالـت لــه: لا تبــرح حتــى أجــيء إليــك وغابــت عنــه ساعــة فبينمــا هــو كذلــك إذ دخــل عليــه عبــد
أسـود عظيـم الخلقـة ومعـه سيـف مجـرد يأخـذ لمعانـه بالبصـر وقــال لأخــي: يــا ويلــك مــن جــاء بــك إلــى
هـذا المكـان يـا أخـس الإنـس يـا ابــن الزنــا وتربيــة الخنــا فلــم يقــدر أخــي أن يــرد عليــه جوابــاً بــل انعقــد
===
لسانـه فـي تلـك الساعـة فأخـذه العبـد وأعـراه ولــم يــزل يضربــه بالسيــف صحفــاً ضربــات متعــددة أكثــر
مــن ثمانيــن ضربــة إلــى أن سقــط مــن طولــه علــى الــأرض فرجــع العبــد عنــه واعتقــد أنــه مــات وصــاح
صيحــة عظيمــة بحيــث ارتجــت الــأرض مــن صوتــه ودوى لــه المكــان وقــال: أيــن الميلحــة فأقبلــت إليــه
جاريـــة فـــي يدهـــا طبـــق مليـــح فيـــه ملـــح أبيـــض فصـــارت الجاريــــة تأخــــذ مــــن ذلــــك الملــــح وتحشــــر
الجراحـات التـي فـي جلـد أخـي حتــى تهــورت وأخــي لا يتحــرك خيفــة أن يعلمــوا أنــه حــي فيقتلــوه ثــم
مضـت الجاريـة وصـاح العبـد صيحـة مثـل الأولـى فجـاءت العجــوز إلــى أخــي وجرتــه مــن رجليــه إلــى
ســرداب طويــل مظلــم ورمتــه فيــه علــى جماعــة مقتوليــن فاستقــر فــي مكانــه يوميــن كامليــن وكــان اللــه
سبحانـه وتعالـى جعـل الملـح سببـاً لحياتــه لأنــه قطــع سيلــان عــروق الــدم. فلمــا رأى أخــي فــي نفســه
القـوة علـى الحركـة قـام مـن السـرداب وفتـح طاقـة فـي الحائـط وخـرج مـن مكـان القتلــى وأعطــاه اللــه عــز
وجل الستر فمشـى فـي الظلـام واختفـى فـي هـذا الدهليـز إلـى الصبـح فلمـا كـان وقـت الصبـح خرجـت
العجوز في طلـب سيـد آخـر فخـرج أخـي فـي أثرهـا وهـي لا تعلـم بـه حتـى أتـى منزلـه ولـم يـزل يعالـج
نفســه حتــى بــريء ولــم يــزل يتعهــد العجــوز وينظــر إليهــا كــل وقـــت وهـــي تأخـــذ النـــاس واحـــد بعـــد
واحــد وتوصلهــم إلــى تلــك الــدار وأخــي لا ينطــق بشــيء ثــم لمــا رجعــت إليــه صحتــه وكملــت قوتــه
عمــد إلــى خرقــة وعمــل منهــا كيســاً وملــأه زجاجــاً وشــد فــي وسطـــه وتنكـــر حتـــى لا يعرفـــه أحـــد
===
ولبــس ثيــاب العجــم وأخــذ سيفــاً وجلــه تحــت ثيابــه فلمـــا رأى العجـــوز قـــال لهـــا بكلـــام العجـــم: يـــا
عجـوز هـل عنـدك ميـزان يسـع تسعمائـة دينـار فقالـت العجــوز: لــي ولــد صغيــر صيرفــي عنــده سائــر
الموازيـن فامـض معـي إليـه قبـل أن يخـرج مـن مكانــه حتــى يــزن لــك ذهبــك فقــال أخــي: امشــي قدامــي
فســارت وســار أخــي خلفهــا حتــى أتــت البــاب فدقتــه فخرجــت الجاريــة وضحكـــت فـــي وجهـــه.
وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن المزيـن قــال فخرجــت الجاريــة وضحكــت فــي وجــه أخــي فقالــت
العجـــوز: أتيتكـــم بلحمـــة سمينـــة فأخـــذت الجاريـــة بيـــد أخـــي وأدخلتـــه الـــدار التـــي دخلهـــا سابقـــاً
وقعـدت عنـده ساعـة وقامـت وقالـت لأخــي: لا تبــرح حتــى أرجــع إليــك وراحــت فلــم يستقــر أخــي
إلا والعبـد قـد أقبـل ومعـه السيـف المجـرد فقــال لأخــي: قــم يــا مشــؤوم فقــام أخــي وتقــدم العبــد فرمــى
راسـه وسحبـه مــن رجلــه إلــى الســرداب ونــادى: أيــن المليحــة فجــاءت الجاريــة وبيدهــا الطبــق الــذي
فيـه الملـح فلمـا رأت أخـي والسيـف بيـده ولـت هاربـة فتبعهـا أخــي وضربهــا فرمــى رأسهــا ثــم نــادى:
أيــن العجــوز فجــاءت فقـــال لهـــا: أتعرفينـــي يـــا عجـــوز النحـــس فقالـــت: لا يـــا مولـــاي فقـــال لهـــا: أنـــا
===
صاحـــب الدنانيـــر الـــذي جئـــت وتوضـــأت عنـــدي وصليـــت ثـــم تحيلـــت علـــي حتـــى أوقعتنـــي هنـــا
فقالــت: اتــق اللــه فــي أمــري فالتفــت إليهــا وضربهــا بالسيــف فصيرهــا قطعتيــن ثــم خــرج فـــي طلـــب
الجاريـة فلمـا رأتـه طــار عقلهــا وطلبــت منــه الأمــان فأمنهــا ثــم قــال لهــا: مــا الــذي أوقعــك عنــد هــذا
العبــد الأســود فقالــت: إنــي كنــت جاريــة لبعــض التجــار وكانـــت هـــذه العجـــوز تتـــردد علـــي فقالـــت
لــي يومــاً مــن الأيــام إن عندنـــا فرحـــاً مـــا رأى أحـــد مثلـــه فأحـــب أن تنظـــري إليـــه فقلـــت لهـــا: سمعـــاً
وطاعـة ثـم قمـت ولبســت أحســن ثيابــي وأخــذت معــي صــرة فيهــا مائــة دينــار ومضيــت معهــا حتــى
أدخلتني هذه الدار.
فلمـا دخلـت مـا شعـرت إلا وهـذا الأسـود أخذنـي ولـم أزل عنـده علـى هــذا الحــال ثلــاث سنيــن بحيلــة
العجــوز الكاهنــة فقــال لهــا أخــي: هــل لــه فــي الــدار شــيء فقالــت: عنــده شـــيء كثيـــر فـــإن كنـــت
تقــدر علـــى نقلـــه فانقلـــه فقـــام أخـــي ومشـــى معهـــا ففتحـــت لـــه الصناديـــق فيهـــا أكيـــاس فبقـــي أخـــي
متحيــراً فقالــت لــه الجاريــة: امــض الـــآن ودعنـــي هنـــا وهـــات مـــن ينقـــل المـــال فخـــرج واكتـــرى عشـــرة
رجــال وجــاء فلمــا وصــل إلــى البــاب وجـــده مفتوحـــاً ولـــم يـــر الجاريـــة ولا الأكيـــاس وإنمـــا رأى شيئـــاً
يسيــراً مــن المــال والقمــاش فعلــم أنهــا خدعتــه فعنــد ذلــك أخــذ المــال الــذي بقــي وفتــح الخزائــن وأخـــذ
جميـع مـا فيهـا مـن القمـاش ولـم يتــرك فــي الجــار شيئــاً وبــات تلــك الليلــة مســروراً فلمــا أصبــح الصبــاح
===
وجـــد بالبـــاب عشريـــن جنديـــاً فلمـــا خـــرج عليهـــم تعلقـــوا بـــه وقالـــوا لـــه: إن الوالـــي يطلبـــك فأخـــذوه
وراحــوا إلــى الوالــي فلمــا رأى أخــي قــال لــه: مــن أيــن لــك هــذا القمــاش فقــال أخــي: أعطنـــي الأمـــان
فأعطـاه منديـل الأمـان فحدثـه بجميـع مـا وقـع لـه مـع العجـوز مـن الــأول إلــى الآخــر ومــن هــروب الجاريــة
ثـم قـال للوالـي: والـذي أخذتـه خـذ منـه مـا شئـت ودع مااتقـوت بـه فطلـب الوالــي جميــع المــال والقمــاش
وخــاف أخــي أن يعلــم بــه السلطــان فأخــذ البعــض وأعطــى أخــي البعــض وقــال لــه: اخــرج مـــن هـــذه
المدينـة وإلا أشنقـك فقـال: السمـع والطاعـة فخـرج إلـى بعــض البلــدان فخرجــت عليــه اللصــوص فعــروه
وضربــوه وقطعــوا أذنيــه فسمعــت بخبــره فخرجـــت إليـــه وأخـــذت إليـــه ثيابـــاً وجئـــت بـــه إلـــى المدينـــة
مسروراً ورتبت له ما يأكله وما يشربه.
وأمــا أخــي الســادس يــا أميــر المؤمنيــن وهــو مقطــوع الشفتيــن فإنــه كــان فقيــراً جــداً لا يملــك شيئــاً مـــن
حطـام الدنيـا الفانيـة فخـرج يومـاً مـن الأيـام يطلـب شيئـاً يسـد بـه رمقـه فبينمـا هــو فــي بعــض الطــرق إذ
رأى حسنــه ولهــا دهليــز واســع مرتفــع وعلــى البــاب خـــدم وأمـــر ونهـــي فســـأل بعـــض الواقفيـــن هنـــاك
فقـال: هـي لإنسـان مـن اولـاد الملـوك فتقـدم أخـي إلـى البوابيـن وسألهـم شيئـاً فقالـوا: ادخــل بــاب الــدار
تجــد مــا تحــب مــن صاحبهــا فدخــل الدهليــز ومشــى فيــه ساعــة حتــى وصــل إلــى دار فــي غايــة مــا
يكــون مــن الملاحــة والظــرف وفــي وسطهـــا بستـــان مـــا رأى الـــراؤون أحســـن منـــه وأرضهـــا مفروشـــة
===
بالرخـــام وستورهـــا مسبولـــة فصـــار أخـــي لا يعـــرف أيـــن يقصـــد فمضـــى نحـــو صـــدر المكــــان فــــرأى
أنسانــاً حســن الوجـــه واللحيـــة فلمـــا رأى أخـــي قـــام إليـــه ورحـــب بـــه وسألـــه عـــن حالـــه فأخبـــره أنـــه
محتـاج فلمـا سمـع كلـام أخـي أظهـر غمـاً شديـداً ومــد يــده إلــى ثيابــه ومزقهــا وقــال: هــل أكــون أنــا ببلــد
وأنـت بهـا جائـع لأصبـر مـن ذلـك ووعـده بكـل خيـر ثـم قـال: لا بـد أن تمالحنــي فقــال: يــا سيــدي ليــس
لـي صبــر وإنــي شديــد الجــوع فصــاح: يــا غلــام هــات الطشــت والإبريــق ثــم قــال لــه: يــا ضيفــي تقــدم
واغسـل يـدك ثـم أومـأ كأنـه يغسـل يــده ثــم صــاح علــى أتباعــه أن قدمــوا المائــدة فجعلــت أتباعــه تغــدو
وترجـع كأنهـا تهــيء السفــرة ثــم أخــذ أخــي وجلــس معــه علــى تلــك السفــرة الموهومــة وصــار صاحــب
المنــزل يومــئ ويحــرك شفتــه كأنــه يأكــل ويقــول لأخــي: كــل ولا تستحــي فإنــك جائــع وأنــا أعلــم مــا أنـــت
فيــه مــن شــدة الجــوع فجعــل أخــي يومــئ كأنــه يأكــل وهــو يقــول لأخــي: كــل وانظــر هـــذا الخبـــز وانظـــر
بياضه وأخي لا يبدي شيئاً ثم إن أخي قال في نفسه: إن هذا الرجل يحب أن يهزأ بالناس.
فقــال: يــا سيــدي عمــري مــا رأيــت أحســـن مـــن بيـــاض هـــذا الخبـــز ولا ألـــذ مـــن طعمـــه فقـــال: هـــذا
خبزتـــه جاريـــة لـــي كنـــت اشتريتهـــا بخمسمائـــة دينـــار ثـــم صـــاح صاحـــب الـــدار: يـــا غلـــام قـــدم لنـــا
الكبــاب الــذي لا يوجــد مثلــه فــي طعــام الملــوك ثــم قــال لأخــي: كـــل يـــا ضيفـــي فإنـــك شديـــد الجـــوع
ومحتــاج إلــى الأكــل فصــار أخــي يــدور حنكــه ويمضـــغ كأنـــه يأكـــل وأقبـــل الرجـــل يستدعـــي لونـــاً ب د
===
لــون مــن الطعــام ولا يحضـــر شيئـــاً ويأمـــر أخـــي بالأكـــل ثـــم قـــال: يـــا غلـــام قـــدم لنـــا الفراريـــج المحشـــوة
بالفستـق ثـم قـال: كـل مـا لـم تأكـل مثلـه قـط فقـال: يـا سيـدي إن هـذا الأكـل لا نظيـر لـه فـي اللـذة وأقبـل
يومـــئ بيـــده إلـــى فـــم أخـــي حتـــى كأنـــه يلقمـــه بيـــده وكـــان يعـــدد هـــذه الألـــوان ويصفهـــا لأخـــي بهـــذه
الأوصـــاف وهـــو جائـــع فاشتـــد جوعـــه وصـــار بشهـــوة رغيـــف مـــن شعيـــر. ثـــم قـــال لــــه صاحــــب
الـدار: هـل رأيـت أطيـب مـن أباريـز هـذه الأطعمـة فقـال لــه أخــي: لا يــا سيــدي فقــال: كثــر الأكــل ولا
تستـح فقـال: قــد اكتفيــت مــن الطعــام فصــاح الرجــل علــى أتباعــه أن قدمــوا الحلويــات فحركــوا أيديهــم
فـي الهـواء كأنهـم قدمـوا الحلويـات ثـم قــال صاحــب المنــزل لأخــي: كــل مــن هــذا النــوع فإنــه جيــد وكــل
مـن هـذه القطائــف بحياتــي وخــذ هــذه القطيفــة قبــل أن ينــزل منهــا لجلــاب فقــال لــه أخــي: لا عدمتــك
يـا سيـدي وأقبـل أخـي يسألـه عـن كثـرة المسـك الـذي فـي القطائـف فقـال لـه: إن هـذه عادتـي فـي بيتـي
فدائمـاً يضعـون لـي فـي كـل قطيفـة مثقـالاً مـن المسـك ونصـف مثقـال مـن العنبـر. هـذا كلـه وأخـي يحــرك
رأسـه وفمــه يلعــب بيــن شدقيــه كأنــه يتلــذذ بأكــل الحلويــات ثــم صــاح صاحــب الــدار علــى أصحابــه
أن أحضـروا النقــل فحركــوا أيديهــم فــي الهــواء كأنهــم أحضــروا النقــل وقــال لأخــي: كــل مــن هــذا اللــوز
ومـن هـذا الجـوز ومـن هـذا الزبيـب ونحــو ذلــك وصــار يعــد لــه أنــواع النقــل ويقــول لــه: كــل ولا تستــح.
فقـال أخـي: يـا سيـدي قـد اكتفيـت ولـم يبـق لـي قـدرة علـى أكـل شـيء فقــال: يــا ضيفــي إن أردت أن
===
تأكـل وتتفـرج علـى غرائـب المأكولـات فاللـه اللـه لا تكـن جائعـاً. ثـم فكـر أخـي فـي نفسـه وفــي استهــزاء
ذلــك الرجــل بــه وقــال: لأعملــن فيــه عمــلاً يتــوب بسببــه إلــى اللــه عــن هــذه الفعـــال. ثـــم قـــال الرجـــل
لأتباعـه: قدمـوا لنـا الشـراب فحركـوا أيديهـم فـي الهـواء حتـى كأنهـم قدمــوا الشــراب ثــم أومــأ صاحــب
المنـــزل كأنـــه نـــاول أخـــي قدحـــاً قـــال: خـــذ هـــذا القـــدح فإنـــه يعجبـــك فقـــال: يــــا سيــــدي هــــذا مــــن
إحسانــك وأومــأ أخــي بيــده كأنــه يشــرب فقــال لــه: هــل أعجبــك فقــال لــه: يــا سيــدي مــا رأيـــت ألـــذ
مــن هــذا الشــراب فقــال لــه: اشــرب هنيئــاً وصحـــة ثـــم إن صاحـــب البيـــت أومـــأ وشـــرب ثـــم نـــاول
أخـي قدحـاً ثانيـاً فخيـل أنـه شربـه وأظهـر انـه سطـران ثـم إن أخـي غافلـه ورفـع يـده حتــى بــان بيــاض
إبطـه وصفعـه علـى رقبتـه صفعــة رن لهــا المكــان ثــم ثنــى عليــه بصفعــة ثانيــة. وهنــا أدرك شهــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن أخــا المزيــن لمــا صفــع صاحــب الــدار قــال لــه الرجــل: مــا هــذا يــا
أسفـــل العالميـــن فقـــال: يـــا سيـــدي أنـــا عبـــدك الـــذي أنعمـــت عليـــه وأدخلتـــه منزلــــك وأطعمتــــه الــــزاد
وأسقيتـــه الخمـــر العتيـــق فسكـــر وعربــــد عليــــك ومقامــــك أعلــــى مــــن أن تؤاخــــذه بجهــــل فلمــــا سمــــع
===
صاحـب المنـزل كلـام أخـي ضحـك ضحكـاً عاليـاً ثـم قــال: إن لــي زمانــاً طويــلاً أسخــر بالنــاس وأهــزأ
بجميـع أصحـاب المـزاح والمجـون مـا رأيــت منهــم مــن لــه طاقــة علــى أن أفعــل بــه هــذه السخريــة ولا مــن
لــه فطنــة يدخـــل بهـــا فـــي جميـــع أمـــوري غيـــرك والـــآن عفـــوت عنـــك فكـــن نديمـــي علـــى الحقيقـــة ولا
تفارقنـي ثـم أمـر بإخـراج عـدة مـن أنـواع الطعـام المذكــورة أولاً فأكــل هــو وأخــي حتــى اكتفيــا ثــم انتقــلا
إلـى مجلـس الشـراب فـإذا فيـه جـوار كـأن بـه الأقمـار فغنيـن بجميـع الألحـان واشتغلـن بجميـع الملاهـي ثــم
شربـا حتــى غلــب عليهمــا السكــر وأنــس الرجــل بأخــي حتــى كأنــه أخــوه وأحبــه محبــة عظيمــة وخلــع
عليه خلعة سنية.
فلمـا أصبـح الصبـاح عـادا لمـا كانـا عليـه مـن الأكـل والشــرب ولــم يــزالا كذلــك مــدة عشريــن سنــة ثــم أن
الرجـل مـات وقبـض السلطـان علـى مالـه واحتـوى عليـه فخــرج أخــي مــن البلــد هاربــاً فلمــا وصــل إلــى
نصـف الطريـق خـرج عليــه العــرب فأســروه وصــار الــذي أســره يعذبــه ويقــول لــه: اشتــر روحــك منــي
بالأمــوال وإلا أقتلــك فجعــل أخــي يبكــي ويقــول: أنــا واللــه لا أملــك شيئــاً يــا شيــخ العــرب ولا أعـــرف
طريـق شـيء مـن لمـال وأنـا أسيـرك وصـرت فـي يـدك فافعـل بــي مــا شئــت فأخــرج البــدوي الجبــار مــن
حزامـه سكينـاً عريضـة لــو نزلــت علــى رقبــة جمــل لقطعتهــا مــن الوريــد إلــى الوريــد وأخذهــا فــي يــده
اليمنـى وتقـدم إلـى أخـي المسكيــن وقطــع بهــا شفتيــه وشــك عليــه فــي المطالبــة وكــان للبــدوي زوجــة
===
حسنــة وكــان إذا أخــرج البــدوي تتعــرض لأخــي وتــراوده عــن نفســه وهــو يمتنــع حيــاء مــن اللــه تعالـــى
فاتفــق أن راودت أخــي يومــاً مــن الأيــام فقــام ولاعبهــا وأجلسهـــا فـــي حجـــره فبينمـــا همـــا كذلـــك وإذا
يزوجهــا داخــل عليهمــا فلمـــا نظـــر إلـــى أخـــي قـــال لـــه: ويلـــك يـــا خبيـــث أتريـــد الـــآن أن تفســـد علـــي
زوجتـي وأخـرج سكينـاً وقطـع بهـا ذكـره وحملـه علـى جمـل وطرحـه فـوق جبـل وتركـه وسـار إلـى حــال
سبيلـــه فجـــاز عليـــه المسافـــرون فعرفـــوه فأطعمـــوه وأسقـــوه وأعلمونـــي بخبـــره فذهبــــت إليــــه وحملتــــه
ودخلـت بـه المدينـة ورتبـت لـه مـا يكفيـه وهـا أنـا جئـت عنـدك يـا أميـر المؤمنيــن وخفــت أن أرجــع إلــى
بيتي قبل إخبارك فيكون ذلك غلطاً وورائي ستة أخوة وأنا أقوم بهم.
فلمـا سمـع أميـر المؤمنيـن قصتـي ومـا أخبرتـه بـه عــن أخوتــي ضحــك وقــال: صدقــت يــا صامــت أنــت
قليـل الكلـام مـا عنـدك فضـول ولكـن الـآن أخـرج مــن هــذه المدينــة وأسكــن غيرهــا ثــم نفانــي مــن بغــداد
فلــم أزل سائــراً فــي البلــاد حتــى طفــت الأقاليــم إلــى أن سمعــت بموتــه وخلافـــة غيـــره فرجعـــت إلـــى
المدينــة فوجدتــه مــات ووقعــت عنــد هــذا الشــاب وفعلــت معــه أحســن الفعــال ولولــاي أنــا لقتـــل وقـــد
اتهمنـي بشـيء مـا هـو فـي جميـع مـا نقلــه عنــي مــن الفضــول وكثــرة الكلــام وكثافــة الطبــع وعــدم الــذوق
باطـل يـا جماعـة. ثـم قـال الخيـاط لملـك الصيــن فلمــا سمعنــا قصــة المزيــن وتحققنــا فضولــه وكثــرة كلامــه
وأن الشـاب مظلـوم معـه أخذنـا المزيـن وقبضنـا عليــه وحبسنــاه وجلسنــا حولــه آمنيــن ثــم أكلنــا وشربنــا
===
وتمــت الوليمــة علـــى أحســـن حالـــة ولـــم نـــزل جالسيـــن إلـــى أن أذن العصـــر فخرجـــت وجئـــت منزلـــي
وعشيـت زوجتـي فقالـت: إن طـول النهـار فـي حظـك وأنـا قاعـدة فـي البيـت حزينــة فــإن لــم تخرجــي
وتفرجنـي بقيـة النهـار كـان ذلـك سبـب فراقـي منـك فأخذتهـا وخرجــت بهــا وتفرجنــا إلــى العشــاء ثــم
رجعنا فلقينا هذا الأحدب والسكر طافح منه وهو ينشد هذين البيتين:
رق الزجـــاج وراقـــت الخمـــر فتشابهــــــا وتشاكــــــل الأمـــــــر
فكأنمـــــــا خمــــــــر ولا قــــــــدح وكأنمــــــــا قــــــــدح ولا خمــــــــر
فعزمـــت عليـــه فأجابنـــي وخرجـــت لأشتـــري سمكــــاً مقليــــاً فاشتريــــت ورجعــــت ثــــم جلسنــــا نأكــــل
فأخـذت زوجتـي لقمـة وقطعــة سمــك وأدخلتهمــا فمــه وسدتــه فمــات فحملتــه وتحايلــت حتــى رميتــه
في بيـت هـذا الطبيـب وتحايـل الطبيـب حتـى رمـاه فـي بيـت المباشـر الـذي رمـاه فـي طريـق السمسـار
وهـذه قصـة مـا لقيتـه البارحـة أمـا هـي أعجـب مـن قصـة الحـدب فلمــا سمــع ملــك الصيــن هــذه القصــة
أمـر بعـض حجابـه أن يمضـوا مـع الخيـاط ويحضـروا المزيـن وقــال لهــم: لا بــد مــن حضــوره لأسمــع كلامــه
ويكـون ذلـك سببــاً فــي خلاصكــم جميعــاً وندفــن هــذا الأحــدب ونواريــه فــي التــراب فإنــه ميــت مــن
أمــس ثــم نعمــل لــه ضريحــاً لأنــه كــان سببــاً فــي اطلاعنــا علــى هـــذه الأخبـــار العجيبـــة فمـــا كـــان إلا
ساعـة حتـى جـاءت الحجـاب هـم والخيـاط بعـد أن مضـوا إلـى الحبــس وأخرجــوا منــه المزيــن وســاروا
===
بــه إلــى أن أوقفــوه بيــن يــدي هــذا الملــك فلمــا رآه تأملــه فــإذا هــو شيــخ كبيــر جـــاوز التسعيـــن أســـود
الوجـه أبيـض اللحيـة والحواجـب مقرطـم الأذنيـن طويـل الأنـف فـي نفسـه كبـر فضحــك الملــك مــن رؤيتــه
وقـال: يـا صامـت أريـد أن تحكـي لـي شيئـاً مـن حكاياتـك فقــال المزيــن: يــا ملــك الزمــان مــا شــأن هــذا
النصرانـي وهـذا بطريـق اليهــودي وهــذا المسلــم وهــذا الأحــدب بينكــم ميــت ومــا سبــب هــذا الجمــع
فقــال لــه ملــك الصيـــن: ومـــا سؤالـــك عـــن هـــؤلاء فقـــال: سؤالـــي عنهـــم حتـــى يعلـــم الملـــك أنـــي غيـــر
فضولــي ولا أشتغــل بمــا لا يعنينــي وإننــي بــريء ممــا اتهمونــي بــه مــن كثــرة الكلــام. وأن لــي نصيبــاً مــن
اسمي حيث لقبوني بالصامت كما قال الشاعر:
وكلما أبصرت عينـاك ذا لقـب إلا ومعناه أن فتشت في لقبـي
فقــال الملــك: اشرحــوا للمزيــن حــال هــذا الأحــدب ومــا جــرى لــه فــي وقــت العشــاء واشرحــوا لــه مـــا
حكــى النصرانــي ومــا حكــى اليهــودي ومــا حكــى الخيــاط فحكــوا لــه حكايــات الجميــع فحــرك المزيــن
رأسـه وقـال: واللـه إن هـذا الشـيء عجيـب اكشفـوا لـي عـن هــذا الأحــدب فكشفــوا لــه عنــه فجلــس
عند رأسـه وأخـذ رأسـه فـي حجـره ونظـر فـي وجهـه وضحـك ضحكـاً عاليـاً حتـى انقلـب علـى قفـاه
مـن شـدة الضحـك وقـال: لكـل موتـة سبـب مــن الأسبــاب وموتــة هــذا الأحــدب مــن عجــب العجــاب
يجــب أن تــؤرخ فــي المسجلــات ليعتبــر بمــا مضــى ومــن هــو آت فتعجــب الملـــك مـــن كلامـــه وقـــال: يـــا
===
وفي الليلة الخامسة والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن الملــك قــال: يــا صامــت احــك لنــا سبــب كلامــك هــذا فقــال: يــا
ملـك وحـق نعمتـك أن الأحـدب فيـه الــروح ثــم إن المزيــن أخــرج مــن وسطــه مكحلــة فيهــا دهــن ودهــن
رقبــة الأحــدب وغطاهــا حتــى عرقــت ثــم أخــرج كلبتيــن مــن حديــد ونــزل بهمــا فــي حلقــة فالتقطتـــا
قطعــة السمــك بعظمهــا فلمــا أخرجهــا رآهـــا النـــاس بعيونهـــم ثـــم نهـــض الأحـــدب واقفـــاً علـــى قدميـــه
وعطـس عطسـة واستفـاق فـي نفسـه وملـس بيديـه علـى وجهـه وقـال: لا إلـه إلا اللـه محمــد رســول اللــه
فتعجـــب الحاضـــرون مـــن الـــذي رأوه وعاينـــوه فضحـــك ملــــك الصيــــن حتــــى غشــــي عليــــه وكذلــــك
الحاضـرون وقـال السلطـان: واللـه إن هـذه القصـة عجيبـة مــا رأيــت أغــرب منهــا ثــم إن السلطــان قــال:
يـا مسلميـن يـا جماعـة العسكـر هـل رأيتـم فـي عمركـم أحـداً يمـوت ثـم يحيــا بعــد ذلــك ولــولا رزقــه اللــه
بهــذا المزيــن لكــان اليــوم مــن أهــل الآخــرة فإنــه كـــان سببـــاً لحياتـــه فقالـــوا: واللـــه إن هـــذا مـــن العجـــب
العجـاب ثـم إن ملـك الصيـن أمــر أن تسطــر هــذه القصــة فسطروهــا ثــم جعلوهــا فــي خزانــة الملــك ثــم
خلـع علـى اليهـودي والنصرانـي والمباشـر وخلــع علــى كــل واحــد خلعــة سنيــة وجعــل الخياطــة خياطــه
ورتـب لـه الرواتـب وأصلـح بينـه وبيـن الأحـدب وخلــع علــى الأحــدب خلعــة سنيــة مليحــة ورتــب لــه
===
الراتـــب وجعلـــه نديمـــه وأنعـــم علـــى المزيـــن وخلـــع عليـــه خلعـــة سنيـــة ورتـــب لـــه الرواتـــب وجعـــل لـــه
جامكيـة وجعلـه مزيــن المملكــة ونديمــه ولــم يزالــوا فــي ألــذ العيــش وأهنــاه إلــى أن آتاهــم هــازم اللــذات
ومفـرق الجماعـات وليــس هــذا بأعجــب مــن قصــة الوزيريــن التــي فيهــا ذكــر أنيــس الجليــس قــال الملــك
وما حكاية الوزيرين
===
حكاية الوزيرين التي فيها ذكر أنيس الجليس
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنـــه كـــان بالبصـــرة ملـــك مـــن الملـــوك يحـــب الفقـــراء والصعاليكويرفـــق
بالرعيــة ويهــب مــن مالــه لمــن يؤمــن بمحمــد صلــى اللــه عليــه وسلــم وكـــان يقـــال لهـــذا الملـــك محمـــد بـــن
سليمــان الزينــي وكــان لــه وزيــران أحدهمــا يقــال لـــه المعيـــن ابـــن ســـا وي والثانـــي يقـــال لـــه الفضـــل بـــن
خاقـــان وكـــان الفضـــل ابـــن خاقـــان أكــــرم أهــــل زمانــــه حســــن السيــــرة أجمعــــت القلــــوب علــــى محبتــــه
واتفقـــت العقـــلاء علـــى مشورتـــه وكـــل النـــاس يدعـــون لـــه بطـــول مدتـــه لنـــه محضـــر خيـــر مزيـــل الشــــر
والضيــر وكــان الوزيــر معيــن بــن ســاوي يكــره النــاس ولا يحــب الخيــر وكــان محضــر ســـوء وكـــان النـــاس
علــى قــدر محبتهــم لفضــل الديــن ابــن خاقــان يبغضــون المعيــن بــن ســـاوي بقـــدرة القـــادر ثـــم إن الملـــك
محمــد بــن سليمــان الزينــي كــان قاعــداً يومــاً مــن الأيــام علـــى كرســـي مملكتـــه وحولـــه أربـــاب دولتـــه إذ
نــادى وزيــره الفضــل بــن خاقــان وقــال لــه: إنــي أريــد جاريــة لا يكــون فــي زمانهــا أحســن منهـــا بحيـــث
تكـون كاملـة فــي الجمــال فائقــة فــي الاعتــدال حميــدة الخصــال فقــال أربــاب الدولــة: هــذه لا توجــد إلا
بعشرة آلاف دينار.
فعنــد ذلــك صــاح السلطــان علــى الخازنــدار وقــال: احمــل عشــرة آلــاف دينــار إلـــى جـــار الفضـــل بـــن
===
خاقــان فامتثــل الخازنــدار أمــر السلطــان ونــزل الوزيــر بعدمــا أمــره السلطــان أن يعمــد إلــى الســوق فـــي
كـل يـوم ويوصـي السماســرة علــى مــا ذكــره وأنــه لا تبــاع جاريــة ثمنهــا فــوق الألــف دينــار حتــى تعــرض
علـى الوزيـر فلـم تبـع السماسـرة جاريـة حتــى يعرضوهــا عليــه فامتثــل الوزيــر أمــره واستمــر علــى هــذا
الحــال مــدة مــن الزمــان ولــم تعجبــه جاريــة فاتفــق يومــاً مــن الأيــام أن بعــض السماســـرة أقبـــل علـــى دار
الوزيــر الفضــل بــن خاقــان فوجــده راكبــاً متوجهــاً إلــى قصــر الملــك فقبــض علــى ركابــه وأنشـــد هذيـــن
البيتين:
يا من أعاد رميم الملك منشوراً أنت الوزير الذي لا زال منصوراً
أحييت ما مات بين الناس من كرم لا زال سعيك عند الله مشكورا
ثـم قـال: يـا سيــدي إن الجاريــة التــي صــدر بطلبهــا المرســوم الكريــم قــد حضــرت فقــال لــه الوزيرعلــي
بهــا فغــاب ساعــة ثــم حضــر ومعــه جاريــة رشيقــة القـــد قاعـــدة النهـــد بطـــرف كحيـــل وخـــد أسيـــل
وخصـر نحيـل وردف ثقيـل وعليهـا أحســن مــا يكــون مــن الثيــاب ورضابهــا أحلــى مــن الجلــاب وقامتهــا
تفضـــح غصـــون البـــان وكلامهـــا أرق مـــن النسيـــم إذا مـــر علـــى زهـــر البستـــان كمـــا قـــال فيهـــا بعــــض
واصفيها هذه الأبيات:
لهـا بشـر مثـل الحريــر ومنطــق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
===
فيا حبها زدني جوى كل ليلـة ويا سلوة الأيام موعدك الحشـر
ذوائبهـــا ليـــل ولكـــن جبينهـــا إذا أسفرت يوم يلوح بـه الفجـر
فلمــا رآهــا الوزيــر أعجبتــه غايــة الإعجــاب فالتفــت إلــى السمســار وقــال لـــه: كـــم ثمـــن هـــذه الجاريـــة
فقـال: وقـف سعرهـا علـى عشـرة آلـاف دينـار وحلـف صاحبهـا أن العشـرة آلــاف دينــار لــم تجــيء ثمــن
الفراريــج التــي أكلتهــا ولا ثمــن الخلـــع التـــي خلعتهـــا علـــى معلميهـــا فإنهـــا تعلمـــت الخـــط والنحـــو واللغـــة
والتفسيــر وأصــول الفقــه والديــن والطــب والتقويــم والضــر بالآلــات المطربــة فقـــال الوزيـــر علـــي بسيدهـــا
فأحضــره السمســار فــي الوقــت والساعــة فــإذا هــو رجــل أعجمــي عــاش زمنــاً طويـــلاً حتـــى صيـــره
الدهر عظماً في جلد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة السادسة والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن العجمـي صاحــب الجاريــة لمــا حضــر بيــن يــدي الوزيــر الفضــل بــن
خاقـان قـال لـه الوزيـر: رضيـت أن تأخـذ فـي هـذه الجاريـة عشـرة آلـاف دينـار مــن السلطــان محمــد بــن
سليمــان الزينــي فقــال العجمـــي: حيـــث كانـــت للسلطـــان فالواجـــب علـــي ان أقدمهـــا إليـــه هديـــة بـــلا
ثمـن. فعنـد ذلــك أمــر بإحضــار الأمــوال فلمــا حضــرت وزن الدنانيــر للعجمــي ثــم أقبــل النخــاس علــى
===
الوزيـر وقـال: عــن إذن مولانــا الوزيــر أتكلــم فقــال الوزيــر: هــات مــا عنــدك فقــال: عنــدي مــن الــرأي أن
لا تطلــع بهــذه الجاريــة إلــى السلطــان فــي هــذا اليـــوم فإنـــه قادمـــة مـــن السفـــر واختلفـــت عليهـــا الهـــواء
وأتعبهــا السفــر ولكــن خلهــا عنــدك فــي القصــر عشــرة أيــام حتــى تستريـــح فيـــزداد جمالهـــا ثـــم أدخلهـــا
الحمــام وألبسهــا أحســن الثيــاب وأطلــع بهــا إلــى السلطــان فيكــون لــك فــي ذلـــك الحـــظ الأوفـــر فتأمـــل
الوزيــر كلــام النخــاس فوجــده صوابــاً فأتــى بهــا إلــى قصـــره وأخلـــى لهـــا مقصـــورة ورتـــب لهـــا كـــل مـــا
تحتــاج إليــه مــن طعـــام وشـــراب وغيـــره فمكثـــت مـــدة علـــى تلـــك الرفاهيـــة وكـــان للوزيـــر الفضـــل بـــن
خاقــان ولــد كأنــه البــدر إذا أشــرق بوجــه أقمــر وخــد أحمــر وعليـــه خـــال كنقطـــة عنبـــر وفيـــه عـــذار
أخضر كما قال الشاعر في مثله هذه الأبيات:
ورد الخدود ودونه شوك القنا فمـن المحـدث نفسـه أن يجتنــى
لا تمــدد الأيــدي إليـــه فطالمـــا شنوا الحروب لأن مددنا الأعينا
يا قلبه القاسـي ورقـة خصـره هـلا نقلـت إلـى هنـا مـن هنــا
لو كـان رقـة خصـره فـي قلبـه ما جار قط على المحب ولا جنى
يا عاذلي في حبـه كـن عـاذري من لي بجسم قد تملكه الضنى
مـا الذنـب إلا للفـؤاد وناظــري لولاهما ما كنت في هذا العنى
===
وكـان الصبـي لـم يعـرف قضيـة هـذه الجاريـة وكــان والــده أوصاهــا وقــال لهــا: يــا بنتــي اعلمــي أنــي مــا
اشتريتـك إلا سريـة للملـك محمـد بــن سليمــان الزينــي وإن لــي ولــداً مــا تــرك صبيــة فــي الحــارة إلا فعــل
بهـــا فاحفظـــي نفســـك منـــه وأحـــذري أن تريـــه وجهـــك أو تسمعيـــه كلامـــك فقالـــت الجاريــــة: السمــــع
والطاعــة ثــم تركهــا وانصــرف. واتفــق بالأمــر المقــدر أن الجاريــة دخلــت يومــاً مـــن الأيـــام الحمـــام الـــذي
فـي المنـزل وقـد حماهـا بعـض الجـواري ولبسـت الثيـاب الفاخـرة فتزايـد حسنهـا وجمالهــا ودخلــت علــى
زوجـــة الوزيـــر فقبلـــت يدهـــا فقالـــت لهـــا: نعيمـــاً يـــا أنيـــس الجليـــس كيـــف حالـــك فـــي هـــذا الحمــــام
فقالـــت: يـــا سيدتـــي مـــا كنـــت محتاجـــة إلا إلــــى حضــــورك فيــــه فعنــــد ذلــــك قالــــت سيــــدة البيــــت
للجـــواري: هيـــا بنـــا ندخـــل الحمـــام فامتثلـــن أمرهــــا ومضيــــن وسيدتهــــن بينهــــن وقــــد وكلــــت ببــــاب
المقصـورة التـي فيهـا أنيـس الجليـس جاريتيـن صغيرتيـن وقالـت لهمــا: لا تمكنــا أحــد مــن الدخــول علــى
الجاريـة فقالتـا: السمــع والطاعــة. فبينمــا أنيــس الجليــس قاعــدة فــي المقصــورة وإذا بابــن الوزيــر الــذي
اسمــه علــي نــور الديــن قــد دخــل وســأل عــن أمــه وعــن العائلــة فقالــت لــه الجاريتــان: دخلــوا الحمـــام و
قــد سمعــت الجاريــة أنيـــس الجليـــس كلـــام علـــي نـــور الديـــن بـــن الوزيـــر وهـــي مـــن داخـــل المقصـــورة.
فقالت في نفسها: ياتـرى مـا شـأن هـذا الصبـي الـذي قـال لـي الوزيـر عنـه أنـه مـا خـلا بصبيـة فـي الحـارة
الا وأوقعهــا واللــه أنــي أشتهــي أن أنظــره. ثــم أنهــا نهضــت علــى قدميهــا وهــي بأثـــر الحمـــام وتقدمـــت
===
جهــة بــاب المقصــورة ونظــرت إلــى علــي نــور الديــن فــإذا هــو كالبـــدر فـــي تمامهفأورثتهـــا النظـــرة ألـــف
حسـرة ولاحـت مـن الصبـي التفاتـة إليهـا فنظرهـا نظـرة اورثتـه ألـف حســرة ووقــع كــل منهمــا فــي شــرك
هـوى الآخـر فتقـدم الصبـي إلـى الجاريتيـن وصـاح عليهمـا فهربتـا مـن بيـن يديـه ووقفــا مــن بعيــد ينظرانــه
وينظـران مـا يفعـل وإذا بـه تقـدم مـن بـاب المقصــورة وفتحــه ودخــل علــى الجاريــة وقــال لهــا: أنــت التــي
اشتــراك أبــي فقالــت لــه: نعــم فعنــد ذلــك تقــدم الصبــي إليهــا وكــان فــي حــال السكــر وأخــذ رجليهــا
وجعلهـا فـي وسطـه وهـي شبكــت يدهــا فــي عنقــه واستقبلتــه بتقبيــل وشهيــق وغنــج ومــص لسانهــا
ومصــت لسانــه فــأزال بكارتهــا فلمـــا رأت الجاريتـــان سيدهمـــا الصغيـــر داخـــلاً علـــى الجاريـــة أنيـــس
الجليـس صرختـا وكـان قـد قضــى الصبــي حاجتــه وفــر هاربــاً للنجــاة مــن الخــوف عقــب الفعــل الــذي
فعله.
فلمـــا سمعـــت سيـــدة البيـــت صـــراخ الجاريتيـــن مضـــت مـــن الحمـــام والعـــرق يقطـــر منهـــا وقالــــت: مــــا
سبـب هـذا الصـراخ الـذي فـي الـدار فلمـا قربــت مــن الجاريتيــن اللتيــن أقعدتهمــا علــى بــاب المقصــورة
قالــت لهمــا: ويلكمــا مــا الخبــر فلمــا رأياهــا قالتـــا: إن سيـــدي نـــور الديـــن جـــاء وضربنـــا فهربنـــا منـــه
فدخل أنيس الجليس وعانقها ولا ندري أي شيء عمل بعد ذلك فلما صحا هرب.
فعنـــد ذلـــك تقدمـــت سيـــدة البيــــت إلــــى أنيــــس الجليــــس وقالــــت لهــــا: مــــا الخبــــر فقالــــت لهــــا: يــــا
===
سيدتــي أنــا قاعــدة وإذا بصبــي جميــل الصــورة دخــل علــي وقــال لـــي: أنـــت التـــي اشتـــراك أبـــي لـــي
فقلـت نعـم واللــه يــا سيدتــي اعتقــدت أن كلامــه صحيــح فعنــد ذلــك أتــى إلــي وعانقنــي فقالــت لهــا:
هــل فعــل بــك شــيء غيــر ذلــك قالــت: نعــم وأخــذ منــي ثلـــاث قبلـــات فقالـــت: مـــا تركـــك مـــن غيـــر
افتضــاض. ثــم بكــت ولطمــت علــى وجههــا هــي والجــواري خوفــاً علــى علــي نـــور الديـــن أن يذبحـــه
أبـوه. فبينمـا هـم كذلـك وإذا بالوزيـر دخــل وســأل عــن الخبــر فقالــت لــه زوجتــه: أحلــف أن مــا أقولــه
لــك تسمعــه قــال: نعــم فأخبرتــه بمــا فعلــه ولــده فحــزن ومــزق ثيابــه ولطــم علـــى وجهـــه ونتـــف لحيتـــه
فقالــت لــه زوجتــه: لا تقتــل نفســك أنــا أعطيــك مــن مالــي عشــرة آلــاف دينــار ثمنهــا فعنــد ذلــك رفـــع
رأسـه إليهـا وقـال لهـا: ويلـك أنـا مـا لـي حاجـة بثمنهـا ولكـن خوفـي أن تـروح روحـي ومالـي فقالـت لــه:
يــا سيــدي مــا سبــب ذلــك فقــال لهــا: أمــا تعلميــن أن وراءنــا هــذا العـــدو الـــذي يقـــال لـــه: المعيـــن بـــن
ســاوي ومتــى سمــع هــذا الأمــر تقــدم إلــى السلطــان وقـــال لـــه.. وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت
عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والأربعين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن الوزيــر قــال لزوجتــه: أمــا تعلميــن أن وراءنــا عــدواً يقــال لــه المعيــن
===
بـن سـاوي ومتـى سمـع بهـذا الأمـر تقـدم إلـى السلطـان وقـال لـه: إن وزيـرك الـذي تزعـم أنــه يحبــك أخــذ
منــك عشــرة آلــاف دينــار واشتــرى بهــا جاريــة مــا رأى أحــد مثلهــا فلمــا أعجبتــه قــال لابنــه: خذهـــا
أنــت أحــق بهــا مــن السلطــان فأخذهــا وأزال بكارتهــا وهــا هــي الجاريــة عنــده فيقـــول الملـــك تكـــذب
فيقـول للملـك عـن إذنـك أهجـم عليـه وآتيـك بهـا فيـأذن لـه فـي ذلـك فيهجـم علـى الـدار ويأخـذ الجاريــة
ويحضرهــا بيــن يــدي السلطــان ثــم يسألهــا فــلا تقــدر أن تنكــر فيقـــول لـــه يـــا سيـــدي أنـــت تعلـــم أنـــي
ناصــح لــك ولكــن مـــا لـــي عندكـــم حـــظ فيمثـــل بـــي السلطـــان والنـــاس كلهـــم يتفرجـــون علـــي وتـــروح
روحـي. فقالـت لـه زوجتـه: لا تعلـم أحـد وسلـم أمـرك إلـى اللــه فــي هــذه القضيــة فعنــد ذلــك سكــن
قلب الوزير وطاب خاطره.
هــذا مــا كــان مــن أمــر الوزيــر وأمــا مــا كــان مــن أمــر علــي نــور الديــن فإنــه خـــاف عاقبـــة الأمـــر فكـــان
يقضـي نهـاره فـي البساتيـن ولا يأتــي إلا فــي آخــر الليــل لأمــه فينــام عندهــا ويقــوم قبــل الصبــح ولا يــراه
أحــد ولــم يــزل كذلــك شهــراً وهــو لــم يــر وجــه أبيــه فقالــت أمــه لأبيــه: يــا سيــدي هــل تعـــدم الجاريـــة
وتعـــدم الولـــد فـــإن طـــال هـــذا الأمـــر علـــى الولـــد هـــج قـــال لهـــا: وكيـــف العمـــل قالـــت: أسهـــر هـــذه
الليلـة فـإذا جـاء فأمسكـه واصطلـح أنــت وإيــاه وأعطــه الجاريــة إنهــا تحبــه وهــو يحبهــا وأعطيــك ثمنهــا.
فسهـر الوزيـر طـول الليـل فلمـا أتــى ولــده أمسكــه وأراد نحــره فأدركتــه أمــه وقالــت لــه: أي شــيء تريــد
===
أن تفعـــل معـــه فقـــال لهـــا: أريـــد أن أذبحـــه فقـــال الولــــد لأبيــــه: هــــل أهــــون عليــــك فتغرغــــرت عينــــاه
بالدمـوع وقـال لـه: يـا ولــدي كيــف هــان عليــك ذهــاب مالــي وروحــي فقــال الصبــي: اسمــع يــا والــدي
مقال الشاعر:
هبني جنيت فلم تزل أهل النهي يهبـون للجانـي شماحـاً شامـلا
ماذا عسى يرجو عدوك وهو في درك الحضيض وأنت أعلى منزلا
فعنــد ذلــك قــام الوزيــر مــن علــى صــدر ولــده وأشفــق عليــه وقــام الصبــي وقبــل يـــد والـــده فقـــال: يـــا
ولــدي لــو علمــت أنــك تنصـــف أنيـــس الجليـــس كنـــت وهبتهـــا لـــك فقـــال يـــا والـــدي كيـــف لا أنصفهـــا
قــال: أوصيــك يــا ولــدي أنــك لا تتــزوج عليهــا ولا تضاررهــا ولا تبعهــا قــال لــه: يــا والــدي أنــا أحلــف
لــك أن لا أتــزوج عليهــا ولا أبيعهــا ثــم حلــف لــه أيمانــاً علــى مــا ذكــر ودخــل علــى الجاريــة فأقــام معهـــا
سنـة وأنسـى اللـه تعالـى الملـك قصـة الجاريـة. وأمـا المعيـن بـن ســاوي فإنــه بلغــه الخبــر ولكنــه لــم يقــدر
أن يتكلـم لعظـم منزلـة الوزيــر عنــد السلطــان فلمــا مضــت السنــة دخــل الوزيــر فضــل الديــن بــن خاقــان
الحمــام وخــرج وهـــو عرقـــان فأصابـــه الهـــواء فلـــزم الوســـاد وطـــال بـــه السهـــاد وتسلســـل بـــه الضعـــف
فعنــد ذلــك نــادى ولــده علــي نــور الديــن فلمــا حضــر بيــن يديــه قـــال لـــه: يـــا ولـــدي أن الـــرزق مقســـوم
والأجل محتوم ولا بد لكل نسمة من شرب كأس المنون وأنشد هذه الأبيات:
===
سوى العظم بمن قد كان محتقرا ولم يدع هبة بين الـورى أحـدا
لم يبـق مـن ملـك كـلا ولا ملـك ولا نبـــي يعيـــش دائمـــاً أبــــدا
ثــم قــال: يــا ولــدي مالــي عنــدك وصيــة إلا تقــوى اللــه والنظــر فـــي العواقـــب وأن تستوصـــي بالجاريـــة
أنيـس الجليـس فقـال لـه: يـا أبـت ومـن مثلـك وقـد كنـت معروفــاً بفعــل الخيــر ودعــاء الخطبــاء لــك علــى
المنابـر فقـال: يـا ولـدي أرجـو مـن اللـه تعالـى القبـول ثـم نطــق الشهادتيــن وشهــق شهقــة فكتــب مــن أهــل
السعــادة فعنــد ذلــك امتــلأ القصــر بالصــراخ ووصــل الخبــر إلــى السلطــان وسمعــت أهـــل المدينـــة بوفـــاة
الفضـل بـن خاقـان فبكـت عليـه الصبيـان فــي مكاتبهــا ونهــض ولــده علــي نــور الديــن وجهــزه وحضــرت
الأمــراء والــوزراء وأربــاب الدولــة وأهــل المدينــة مشهــده وكــان ممــن حضــروا الجنــازة الوزيــر المعيـــن بـــن
ساوي وأنشد بعضهم عند خروج جنازته من الدار هذه الأبيات:
قد قلت للرجـل المولـى غسلـه هلا أطعت وكنت من نصائحه
جنبــه مـــاءك ثـــم غسلـــه بمـــا أذرت عيون المجد عنـد بكائـه
وأزل مجاميــع الحنـــوط ونحهـــا عنـــه وحنطـــه بطيـــب ثنائــــه
ومر الملائكة الكرام بحمله شرفاً ألست تراهموا بإزائه
لاتــوه أعنـــاق الرجـــال بحملـــه يكفي الذي حملـوه مـن نعمائـه
===
ثــم مكــث علــي نــور الديــن شديــد الحــزن علــى والــده مــدة مديــدة فبينمــا هــو جالــس يومــاً مــن الأيـــام
فــي بيــت والــده إذ طــرق البــاب طــارق فنهــض علــي نــور الديــن وفتــح البــاب وإذا برجــل مـــن ندمـــاء
والـده وأصحابـه فقبـل يـد علــي نــور الديــن وقــال: يــا سيــدي مــن خلــف مثلــك مــا مــات وهــذا مصيــر
سيــد الأوليــن والآخريــن صلــى اللــه عليــه وسلــم يــا سيــدي طــب نفســاً ودع الحــزن فعنــد ذلــك نهــض
علـي نــور الديــن إلــى قاعــة الجلــوس ونقــل إليهــا مــا يحتــاج إليــه واجتمــع عليــه أصحابــه وأخــذ جاريتــه
واجتمـع عليــه عشــرة مــن أولــاد التجــار ثــم إنــه أكــل الطعــام وشــرب الشــراب وجــدد مقامــاً بعــد مقــام
وصـــار يعطـــي ويتكـــرم فعنـــد ذلـــك دخـــل عليـــه وكيلـــه وقـــال لـــه: يـــا سيـــدي علـــي نـــور الديـــن أمــــا
سمعت قول بعضهم من ينفق ولم يحسب افتقر ولقد أحسن من قال هذه الأبيات:
أصـون دراهمــي وأذب عنهــا لعلمــي أنهــا سيفـــي وترســـي
أأبذلهــا إلـــى أعـــدا الأعـــادي وأبذل في الورى سعدي بنحسي
فيأكلهــــــا ويشربهـــــــا هنيئـــــــاً ولا يسخــو لـــي أحـــد بفلـــس
وأحفظ درهمي عن كل شخص لئيــم الطبــع لا يصفــو لأنســـي
أحـــب إلـــي مـــن قـــول لنـــذل أنلنـــي درهمـــاً لغـــد بخمـــس
فيعـــرض وجهـــه ويصدعنــــي فتبقى مثل نفس الكلب نفسي
===
ثـم قـال: يـا سيـدي النفقـة الجزيلـة والمواهـب العظيمـة تفنـي المــال فلمــا سمــع علــي نــور الديــن مــن وكيلــه
هذا الكلام نظر إليه وقال له: جميع ما قلته لا أسمع منه كلمة فما أحسن قول الشاعر:
أنا ما ملكت المال يوماً ولم أجد فلا بسطت كفي ولا نهضت رجلي
فهاتـوا بخيـلاً نـال مجـداً ببخلــه وهاتوا أروني باذلاً مات من بذل
ثـم قـال: اعلـم أيهـا الوكيــل أنــي أريــد إذا فضــل عنــدك مــا يكفينــي لغدائــي أن لا تحملنــي هــم عشائــي
فانصـرف الوكيـل مـن عنـده إلــى حــال سبيلــه وأقبــل علــي نــور الديــن مــا هــو فيــه مــن مكــارم الأخلــاق
وكــل مــن يقـــول لـــه مـــن ندمائـــه أن هـــذا الشـــيء مليـــح يقـــول هـــو لـــك هبـــة أو يقـــول سيـــدي أن الـــدار
الفلانيـة مليحـة يقــول هــي لــك هبــة ولــم يــزل علــي نــور الديــن يعقــد لندمائــه وأصحابــه فــي أول النهــار
مجلسـاً وفـي آخـره مجلسـاً ومكــث علــى هــذا الحــال سنــة كاملــة فبينمــا هــو جالســاً يومــاً وإذا بالجاريــة
تنشد هذين البيتين:
أحسنت ظنك بالأيام إذا حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بهـا عند صفو الليالي يحدث الكدر
فلمــا فرغــت مــن شعرهــا إذا بطــارق يطــرق البــاب فقــام علــي نــور الديـــن فتبعـــه بعـــض جلسائـــه مـــن
غيـر أن يعلـم بـه فلمــا فتــح البــاب رآه وكيلــه فقــال لــه علــي نــور الديــن: مــا الخبــر فقــال لــه: يــا سيــدي
===
الـذي كنـا أخافـه عليـك منـه قــد وقــع لــك قــال: وكيــف ذلــك قــال: اعلــم أنــه مــا بقــي لــك تحــت يــدي
شـــيء يســـاوي درهمـــاً ولا أقـــل مـــن درهـــم وهـــذه دفاتـــر المصـــروف الــــذي صرفتــــه ودفاتــــر أصــــل
مالــك فلمــا سمــع علــي نــور الديــن هــذا الكلــام أطــرق رأســه إلــى الـــأرض وقـــال: لا حـــول ولا قـــوة إلا
باللــه فلمــا سمــع الرجــل الــذي تبعهــا خفيـــة وخـــرج ليســـأل عليـــه وماقالـــه الوكيـــل رجـــع إلـــى أصحابـــه
وقـال لهـم: انظـروا أي شـيء تعملـون فـإن علـي نـور الديـن قـد أفلـس فلمـا رجــع إليهــم علــي نــور الديــن
قـد أفلــس فلمــا رجــع إليهــم علــي نــور الديــن ظهــر لهــم الغــم فــي وجهــه فعنــد ذلــك نهــض واحــد مــن
الندمـــاء علـــى قدميـــه ونظـــر إلـــى علـــي نـــور الديـــن وقـــال لـــه: يــــا سيــــدي إنــــي أريــــد أن تــــأذن لــــي
بالانصـراف فقـال علـي نــور الديــن: لمــاذا الانصــراف فــي هــذا اليــوم فقــال: إن زوجتــي تلــد فــي هــذه
الليلـة ولا يمكننـي أن أتخلـف عنهـا واريــد أن أذهــب إليهــا وأنظرهــا فــأذن لــه ونهــض آخــر وقــال لــه: يــا
سيـدي نـور الديـن أريـد اليـوم أن أحضـر عنــد أخــي فإنــه يطاهــر ولــده وكــل واحــد يستأذنــه إلــى حــال
سبيلــه حتــى انصرفــوا كلهــم وبقــي علــي نــور الديــن وحــده فعنــد ذلــك دعــا جاريتــه وقــال: يــا أنيــس
الجليـس أمـا تنظريـن مـا حـل بـي وحكـى لهــا مــا قالــه الوكيــل فقالــت: يــا سيــدي منــذ ليــال هممــت أن
أقول لك على هذا الحال فسمعتك تنشد هذين البيتين:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرأ قبل ان تتفلت
===
فلمــا سمعتــك تنشدهمـــا ولـــم أبـــد لـــك خطابـــاً فقـــال لهـــا: يـــا أنيـــس الجليـــس أنـــت تعرفيـــن أنـــي مـــا
صرفـت مالـي إلا علــى أصحابــي وأظنهــم لا يتركوننــي مــن غيــر مؤاســاة فقالــت أنيــس الجليــس: واللــه
مــا ينفعونــك بنافعــة فقــال علــي نــور الديــن: فأنــا فــي هــذه الساعــة أقــوم واروح إليهــم وأطــرق أبوابهــم
لعلـي أنـال منهـم شيئـاً فأجعلـه فــي يــدي رأس مــال وأتجــر فيــه وأتــرك اللهــو واللعــب. ثــم إنــه نهــض مــن
وقتــه وساعتــه ومـــا زال سائـــراً حتـــى أقبـــل علـــى الزقـــاق الـــذي فيـــه أصحابـــه العشـــرة وكانـــوا كلهـــم
ساكنيــن فــي ذلــك الزقــاق فتقــدم إلــى أول بــاب وطرقـــه فخرجـــت لـــه جاريـــة وقالـــت لـــه: مـــن أنـــت
فقـال: قولـي لسيـدك علـي نـور الديـن واقـف فـي البـاب ويقـول لـك مملوكــك يقبــل أياديــك وينتظــر فضلــك
فدخلـت الجاريـة وأعلمـت سيدهـا فصـاح عليهـا وقـال لهــا: ارجعــي وقــول لــه: مــا هــو هنــا فرجعــت
الجاريـة إلــى علــي نــور الديــن وقالــت لــه: يــا سيــدي إن سيــدي مــا هــو هنــا فتوجــه علــي نــور الديــن
وقـال فـي نفسـه: إن كـان هـذا ولـد زنـا وأنكـر نفسـه فغيـره مـا هـو ولـد زنـا ثــم تقــدم إلــى البــاب الثانــي
وقال كما قال أولاً فأنكر الآخر نفسه فعند ذلك أنشد هذا البيت:
ذهب الذين إذا وقفـت ببابهـم منوا عليك بما تريد من النـدى
فلمــا فــرغ مــن شعــره قـــال: واللـــه لا بـــد أن أمتحنهـــم كلهـــم عســـى أن يكـــون فيهـــم واحـــد يقـــوم مقـــام
الجميــع فــدار علــى العشــرة فلــم يجــد أحــداً منهــم فتــح لــه البـــاب ولا أراه نفســـه ولا أمـــر لـــه برغيـــف
===
المرء في زمن الإقبال كالشجرة فالناس من حولها ما دامت الثمرة
حتى إذا أسقطت كل الذي حملت تفرقـوا وأرادوا غيرهـا شجـرة
تبـاً لأبنــاء هــذا الدهــر كلهــم فلم أجد واحداً يصفو من العشرة
ثـــم إنـــه رجـــع إلـــى جاريتـــه وقـــد تزايـــد همـــه فقالـــت لـــه: يـــا سيـــدي أمـــا قلـــت لكإنهـــم لا ينفعونــــك
بنافعــة فقــال: واللــه مـــا فيهـــم مـــن أرانـــي وجهـــه فقالـــت لـــه: يـــا سيـــدي بـــع مـــن أثـــاث البيـــت شيئـــاً
فشيئـاً وأنفـق فبـاع إلـى أن بـاع جميـع مـا فـي البيـت ولـم يبــق عنــده شــيء فعنــد ذلــك نظــر إلــى أنيــس
الجليـس وقـال لهـا: مـاذا نفعـل الــآن قالــت لــه: يــا سيــدي عنــدي مــن الــرأي أن تقــوم فــي هــذه الساعــة
وتنـزل إلـى السـوق فتبيعنـي وأنـت تعلـم أن والـدك كـان قـد اشترانـي بعشـرة آلـاف دينـار فلعـل اللـه يفتــح
عليــك ببعــض هــذا الثمـــن وإذا قـــدر اللـــه باجتماعنـــا نجتمـــع فقـــال لهـــا: يـــا أنيـــس الجليـــس مـــا يهـــون
علي فراقك ساعة واحدة فقالت له: ولا أنا كذلك لكن للضرورة أحكام كما قال الشاعر:
تلجئ الضرورات في الأمور إلى سلـــوك مـــا لا يليــــق بالــــأدب
مـا حامـل نفسـه علـى سبــب إلا لأمـــــــر يليـــــــق بالسبـــــــب
فعند ذلك أخذت دموع أنيس الجليس تسيل على خديه ثم أنشد هذين البيتين:
قفوا زودوني نظرة قبل فراقكم أعلـل قلبــاً كــاد بالبيــن يتلــف
===
ثــم مضــى وسلمهــا إلــى الدلــال وقــال لــه: أعــرف مقــدار مــا تنــادي عليــه فقــال لــه الدلــال: يــا سيـــدي
علـي نـور الديـن الأصـول محفوظـة ثـم قـال لـه: أهـا هـي أنيـس الجليـس الـذي كــان اشتراهــا والــدك منــي
بعشـرة آلـاف دينـار قـال: نعـم فعنـد ذلــك طلــع الدلــال إلــى التجــار فوجدهــم لــم يجتمعــوا كلهــم فصبــر
حتــى اجتمــع سائــر التجــار وامتــلأ الســـوق بسائـــر أجنـــاس الجـــواري مـــن تركيـــة وروميـــة وشركسيـــة
وجرجيـة وحبشيـة فلمـا نظـر الدلـال إلـى ازدحـام السـوق نهـض قائمــاً وقــال: يــا تجــار يــا أربــاب الأمــوال
مــا كــل مــدور جـــوزة ولا كـــل مستطيلـــة مـــوزة ولا كـــل حمـــراء لحمـــة ولا كـــل بيضـــاء شحمـــة ولا كـــل
صهبــاء خمــرة ولا كــل سمــراء تمــرة يــا تجــار هـــذه الـــدرة اليتيمـــة التـــي لا تفـــي الأمـــوال لهـــا بقيـــة بكـــم
تفتحــون بــاب الثمــن فقــال واحــد بأربعــة آلــاف دينــار وخمسمائــة وإذا بالوزيــر المعيــن بــن ســـاوي فـــي
السـوق فنظـر علــي نــور الديــن واقفــاً فــي الســوق فقــال فــي نفســه: مــا بالــه واقفــاً فإنــه مــا بقــي عنــده
شــيء يشتــري بــه جــواري ثــم نظــر بعينيــه فسمــع المنــادي وهــو واقــف ينــادي فـــي الســـوق والتجـــار
حوله.
فقـال الوزيـر فـي نفسـه: مـا أظنـه إلا أفلـس ونـزل بالجاريـة ليبيعهـا ثـم قـال فــي نفســه إن صــح ذلــك فمــا
أبـرده علـى قلبـي ثـم دعـا المنـادي فأقبــل عليــه وقبــل الــأرض بيــن يديــه فقــال: إنــي أريــد هــذه الجاريــة
التـــي تنـــادي عليهـــا فلـــم يمكنـــه المخالفـــة فجـــاء بالجاريـــة وقدمهـــا بيـــن يديـــه فلمـــا نظـــر إليهــــا وتأمــــل
===
محاسنهــا مــن قامتهــا الرشيقــة وألفاظهــا الرقيقــة أعجبتهــا فقــال لــه: إلــى كــم وصــل ثمنهــا فقــال: أربعـــة
آلـاف وخمسمائـة دينــار فلمــا سمــع ذلــك التجــار مــا قــدر واحــد منهــم أن يزيــد درهمــاً ولا دينــاراً بــل
تأخروا لمايعلمون من ظلم ذلك الوزير.
ثـم نظـر الوزيـر معيـن بـن سـاوي إلـى الدلــال وقــال: مــا سبــب وقوفــك رح والجاريــة علــى أربعــة آلــاف
ولــك خمسمائــة دينــار فــراح الدلــال إلــى علــي نــور الديـــن وقـــال لـــه: راحـــت الجاريـــة عليـــك بـــلا ثمـــن
فقــال لــه: وماسبــب ذلــك فقــال لــه: نحــن فتحنــا بــاب سعرهــا بأربعــة آلــاف وخمسمائــة دينــار فجــاء
هـذا الظالـم المعيـن بـن سـاوي ودخـل السـوق فلمـا نظــر الجاريــة أعجبتــه وقــال لــي شــاور علــى أربعــة
آلــاف ولــك خمسمائــة ومــا أظنــه إلا يعــرف أن الجاريــة لــك فــإن كــان يعطيــك ثمنهــا فــي هــذه الساعـــة
يكـون ذلـك مـن فضـل اللـه لكـن أنـا أعــرف مــن ظلمــه أنــه يكتــب لــك ورقــة حوالــة علــى بعــض عملائــه
ثــم يرســل إليهــم ويقــول: لا تعطــوه شيئــاً فكلمــا ذهبــت إليهــم لتطالبهــم يقولــون: فــي غــد نعطيـــك ولا
يزالــون يعدونــك ويخلفـــون يومـــاً بعـــد يـــوم وأنـــت عزيـــز النفـــس وبعـــد أن يضجـــوا مـــن مطالبتـــك إياهـــم
يقولون أعطنا ورقة الحوالة إذا أخذوا الورقة منك قطعوها وراح عليك ثمن الجارية.
فلمــا سمــع علــي نــور الديــن مــن الدلــال هــذا الكلــام نظــر إليــه وقــال لــه: كيــف يكــون العمـــل فقـــال لـــه:
أنـا أشيـر عليـك بمشـورة فـإن قبلتهـا منـي كـان لـك الحـظ الأوفـر قـال: تجــيء فــي هــذه الساعــة عنــدي
===
وأنـا واقـف وسـط السـوق وتأخـذ الجاريـة مـن يـدي وتلكمهـا وتقـول لهـا: ويلــك قــد فديــت يمينــي التــي
حلفتهـا ونزلــت بــك الســوق حيــث حلفــت عليــك أنــه لا بــد مــن إخراجــك إلــى الســوق ومنــاداة الدلــال
عليـك فـإن فعلـت ذلـك ربمـا تدخـل عليـه الحيلــة وعلــى النــاس ويعتقــدون أنــك مــا نزلــت بهــا إلا لأجــل
إبــراز اليميــن فقــال هــذا هــو الــرأي الصائــب ثــم إن الدلــال فارقــه وجــاء إلــى وســط الســـوق وأمســـك
يـد الجاريـة وأشـار إلـى الوزيـر المعيـن بـن سـاوي وقـال: يـا مولـاي هــذا مالكهــا قــد اقبــل ثــم جــاء علــي
نــور الديــن إلــى الدلــال ونــزع الجاريــة مــن يــده ولكمهــا وقــال: ويلــك قــد نزلــت بـــك إلـــى الســـوق لأجـــل
إبرار يميني. روحي إلـى البيـت وبعـد ذلـك لا تخالفينـي فلسـت محتاجـاً إلـى ثمنـك حتـى أبيعـك وأنـا لـو
بعت أثاث البيت وأمثاله مرات عديدة ما بلغ قدر ثمنك.
فلمـــا نظـــر المعيـــن بـــن ســـاوي إلـــى علـــي نـــور الديـــن قـــال لـــه: ويلـــك وهـــل بقـــي عنـــدك شـــيء يبـــاع
ويشتــرى ثــم إن المعيــن بــن ســاوي أراد أن يبطــش بــه فعنــد ذلــك نظــر التجــار إلــى علـــي نـــور الديـــن
وكانــوا كلهــم يحبونــه فقــال لهــم: هــا أنــا بيــن أيديكــم وقــد عرفتــم ظلمــه فقــال الوزيـــر: واللـــه لـــولا أنتـــم
لقتلتـه ثـم رمـزوا كلهـم إلـى بعضهـم بعيـن الإشـارة وقالـوا: مـا أحـد منـا يدخــل بينــك وبينــه فعنــد ذلــك
تقـدم علـي نـور الديـن إلـى الوزيـر بـن ســاوي وكــان علــي نــور الديــن شجاعــاً فجــذب الوزيــر مــن فــوق
سرجـه فرمـاه إلـى الـأرض وكـان هنـاك معجنـة طيـن فوقـع الوزيـر فـي وسطهـا وجعــل نــور الديــن يلكمــه
===
فجــاءت لكمــة علــى أسنانــه فاختضبــت لحيتــه بدمــه وكــان مــع الوزيــر عشـــرة مماليـــك فلمـــا رأوا نـــور
الديــن يفعــل بسيدهــم هــذه الأفعــال وضعــوا أيديهــم علـــى مقابـــض سيوفهـــم وأرادوا أن يهجمـــوا علـــى
نــور الديــن ويقطعونــه وإذا بالنــاس قالــوا للمماليــك: هـــذا وزيـــر وهـــذا ابـــن وزيـــر وربمـــا اصطلحـــا مـــع
بعضهمـا وتكونـون مبغوضيـن عنـد كــل منهمــا وربمــا جــاءت فيــه ضربــة فتموتــون جميعــاً اقبــح الموتــات
ومــن الــرأي أن لا تدخلــوا بينهمــا فلمــا فــرغ علــي نــور الديــن مــن ضــرب الوزيــر أخــذ جاريتــه ومضـــى
إلـى داره وأمـا الوزيــر ابــن ســاوي فإنــه قــام مــن ساعتــه وكــان قمــاش ثيابــه أبيــض فصــار ملونــاً بثلاثــة
ألـوان الطيـن ولـون الـدم ولـون الرمـاد فلمــا رأى نفســه علــى هــذه الحالــة أخــذ برشــاً وجعلــه فــي رقبتــه
وأخـذ فـي يـده حزمتيـن مـن محلفـه وســار إلــى أن وقــف تحــت القصــر الــذي فيــه السلطــان وصــاح: يــا
ملـك الزمــان مظلــوم فأحضــروه بيــن يديــه فتأملــه فــرآه وزيــره المعيــن بــن ســاوي فقــال لــه: مــن فعــل بــك
هذه الفعال فبكى وانتحب وأنشد هذين البيتين:
أيظلمنــي الزمـــان وأنـــت فيـــه وتأكلني الكلـاب وأنـت غيـث
ويروى من حياضك كل صياد وأعطش في حماك وأنت غيث
ثــم قــال: يــا سيــدي هكــذا كــل مــن يحبــك ويخدمــك تجــري لــه هــذه المشــاق قــال لــه: ومــن فعـــل بـــك
هـذه الفعـال فقـال الوزيـر: اعلــم أنــي خرجــت اليــوم إلــى ســوق الجــواري لعلــي أشتــري جاريــة طباخــة
===
فرأيـت فـي السـوق جاريـة مـا رأيـت طـول عمـري مثلهــا فقــال الدلــال أنهــا لعلــي بــن خاقــان وكــان مولانــا
السلطـان أعطـى إيـاه سابقـاً عشــرة آلــاف دينــار ليشتــري لــه بهــا جاريــة مليحــة فاشتــرى تلــك الجاريــة
فأعجبتــه فأعطاهــا لولـــده فلمـــا مـــات أبـــوه سلـــك طريـــق الإســـراف حتـــى بـــاع جميـــع مـــا عنـــده مـــن
الأملـك والبساتيـن والأوانـي فلمـا أفلـس ولـم يبـق عنـده شـيء نـزل بالجاريـة إلــى الســوق علــى أن يبيعهــا
ثــم سلمهــا إلــى الدلــال فنــادى عليهــا وتزايــد فيهـــا التجـــار حتـــى بلـــغ أربعـــة آلـــاف دينـــار فلمـــا سمـــع
كلامــي نظــر إلــي وقـــال: يـــا شيـــخ النحـــس أبيعهـــا لليهـــود والنصـــارى ولا أبيعهـــا لـــك فقلـــت: أنـــا مـــا
اشتريتها لنفسي وإنما اشتريتها لمولانا السلطان الذي هو ولي نعمتنا.
فلمـا سمـع منـي هـذا الكلـام اغتـاظ وجذبنـي ورمانـي عــن الجــواد وأنــا شيــخ كبيــر وضربنــي ولــم يــزل
يضربنـي حتـى تركنـي كمـا ترانـي وأنـا مـا أوقعنـي فــي هــذا كلــه إلا أنــي جئــت لأشتــري هــذه الجاريــة
لسعادتــك ثــم إن الوزيــر رمــى نفســه علــى الــأرض وجعــل يبكــي ويرتعـــد فلمـــا نظـــر السلطـــان حالتـــه
وسمــع مقالتــه قـــام عـــرق الغضـــب بيـــن عينيـــه ثـــم التفـــت إلـــى مـــن بحضرتـــه مـــن أربـــاب الدولـــة وإذا
بأربعيـن مـن ضاربـي السيـف وقفـوا بيـن يديـه فقـال لهـم: انزلـوا فـي هــذه الساعــة إلــى دار ابــن خاقــان
وانهبوهـا واهدموهـا وآتونـي بـه وبالجاريــة مكتفيــن واسحبوهمــا علــى وجوههمــا واتــوا بهمــا بيــن يــدي
فقالــوا: السمــع والطاعــة ثــم إنهــم قصــدوا المسيــر إلــى علــي نــور الديــن وكــان عنــد السلطــان حاجــب
===
يقـال لـه علــم الديــن مضجــر وكــان مــن مماليــك الفضــل بــن خاقــان والــد علــي نــور الديــن فلمــا سمــع أمــر
السلطـان ورأى الأعـداء تهيئــوا إلــى قتــل ابــن سيــده لــم يهــن عليــه ذلــك فركــب جــواده وســار إلــى أن
أتــى بيــت علــي نــور الديــن فطــرق البــاب فخــرج لــه علــي نــور الديــن فلمـــا رآه عرفـــه وأراد أن يسلـــم
عليه فقال: يا سيدي ما هذا وقت سلام ولا كلام واسمع ما قال الشاعر:
ونفسك فز بها إن خفت ضيماً وخـل الـدار تنعـي مــن بناهــا
فإنــك واجــد أرضــاً بـــأرض ونفسك لم تجـد نفسـاً سواهـا
فقــال علــي نــور الديــن: مــا الخبــر فقـــال: انهـــض وفـــز بنفســـك أنـــت والجاريـــة فـــإن المعيـــن بـــن ســـاوي
نصــب لكمــا شركــاً ومتــى وقعتمـــا فـــي يـــده قتلكمـــا وقـــد أرســـل إليكمـــا السلطـــان أربعيـــن ضاربـــاً
بالسيــف والــرأي عنــدي أن تهربــا قبــل أن يحــل الضــرر بكمــا ثــم إن سنجــر مـــد يـــده إلـــى علـــي نـــور
الديـن بدنانيـر فعدهـا فوجدهـا أربعيـن دينــاراً وقــال لــه: يــا سيــدي خــذ هــذه الدنانيــر ولــو كــان معــي
أكثــر مــن ذلــك لأعطيتــك إيــاه لكــن مــا هــذا وقــت معاتبــة فعنـــد ذلـــك دخـــل علـــي نـــور الديـــن علـــى
الجاريـة وأعلمهـا بذلـك فتخبلـت ثـم خـرج الاثنـان فــي الوقــت إلــى ظاهــر المدينــة وأرســل اللــه عليهمــا
ستـره ومشيـا إلـى ساحـل البحـر فوجـدا مركبـاً تجهــز للسفــر والريــس واقــف فــي وســط المركــب يقــول:
مــن بقــي لــه حاجــة مــن وداع أو زوادة أو نســـي حاجتـــه فليـــأت بهـــا فإننـــا متوجهـــون فقـــال كلهـــم: لـــم
===
يبـق لنــا حاجــة يــا ريــس فعندئــذ قــال الريــس لجماعتــه: هيــا حلــوا الطــرف واقلعــوا الأوتــاد فقــال نــور
الدين: إلى أين يا ريس فقال: إلى دار السلام بغداد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والأربعين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الريــس لمــا قــال لعلــي نـــور الديـــن إلـــى دار السلـــام مدينـــة بغـــداد
نــزل علــي نـــور الديـــن ونزلـــت معهـــا لجاريـــة وعومـــوا ونشـــروا القلـــوع فســـاع بهـــم المركـــب وطـــاب لهـــم
الريـح. هـذا مـا جـرى لهـؤلاء وأمـا مـا جـرى للأربعيـن الذيـن أرسلهـم السلطــان فإنهــم جــاؤوا إلــى بيــت
علــي نــور الديــن فكســروا الأبــواب ودخلــوا وطافــوا جميــع الأماكــن فلــم يقفــوا لهمــا علــى خبــر فهدمــوا
الـدار ورجعـوا وأعلمـوا السلطـان فقـال: اطلبوهمـا فـي أي مكـان كانــا فيــه فقالــوا: السمــع والطاعــة ثــم
نـزل الوزيـر معيـن بـن سـاوي إلـى بيتـه بعـد أن خلـع عليـه السلطــان خلعــة وقــال: لا يأخــذ بثــأرك إلا أنــا
فدعـا لـه بطـول البقـاء واطمـأن قلبـه ثـم إن السلطـان أمـر أن ينـادى فـي المدينــة يــا معاشــر النــاس كافــة:
قـد أمــر السلطــان أن مــن عثــر بعلــي نــور الديــن بــن خاقــان وجــاء بــه إلــى السلطــان خلــع عليــه خلعــة
وأعطــاه ألـــف دينـــار ومـــن أخفـــاه أو عـــرف مكانـــه ولـــم يخبـــر بـــه فإنـــه يستحـــق مـــا يجـــري عليـــه مـــن
===
النكـال فصـار جميـع النـاس فـي التفتيـش علـى علــي نــور الديــن فلــم يجــدوا لــه أثــر. هــذا مــا كــان مــن
هؤلاء.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر علــي نــور الديـــن وجاريتـــه فإنهمـــا وصـــلا بالسلامـــة إلـــى بغـــداد فقـــال الريـــس:
هـذه بغـداد وهـي مدينـة أمينـة قـد ولـى عنهـا الشتـاء ببـرده وأقبـل عليهـا فصــل الربيــع بــورده وأزهــرت
أشجارهــا وجـــرت أنهارهـــا فعنـــد ذلـــك طلـــع علـــي نـــور الديـــن هـــو وجاريتـــه مـــن المركـــب وأعطـــى
الريــس خمســة دنانيـــر ثـــم ســـارا قليـــلاً فرمتهمـــا المقاديـــر بيـــن البساتيـــن فجـــاءا إلـــى مكانيـــن فوجـــداه
مكنوســـاً مرشوشـــاً بمصاطـــب مستطيلـــة وقواديـــس معلقـــة ملآنـــة مـــاء وفوقـــه مكعـــب مــــن القصــــب
بطـول الزقـاق وفـي صــدر الزقــاق بــاب بستــان إلا أنــه مغلــق فقــال علــي نــور الديــن للجاريــة: واللــه إن
هــذا محــل ملتــح فقالــت: يــا سيـــدي اقعـــد بنـــا ساعـــة علـــى هـــذه المصاطـــب فطلعـــا وجلســـا علـــى
المصاطـــب ثـــم غســـلا وجهيهمـــا وأيديهمـــا واستلـــذا بمـــرور النسيــــم فنامــــا وجــــل مــــن لا ينــــام وكــــان
البستــان يسمــى بستــان النزهــة وهنــاك قصــر يقــال لــه: قصــر الفرجــة وهـــو للخليفـــة هـــارون الرشيـــد
وكــان الخليفــة إذا ضــاق صــدره يأتــي إلــى البستــان ويدخــل ذلــك القصــر فيقعــد فيــه وكــان القصــر لــه
ثمانـون شباكـاً معلقـاً فيـه ثمانـون قنديـلاً وفـي وسطـه شمعـدان كبيـر مـن الذهـب فـإذا دخلـه الخليفــة أمــر
الجــواري أن تفتــح الشبابيــك وأمــر إسحــق النديــم والجــواري أن يغنــوا مــا يشــرح صـــدره ويـــزول همـــه
===
وكـان للبستـان خولـي شيـخ كبيـر يقـال لـه الشيــخ إبراهيــم واتفــق أنــه خــرج ليقضــي حاجــة مــن أشغالــه
فوجـد المتفرجيـن معهـم النسـاء وأهـل الريبــة فغضــب غضبــاً شديــداً فصبــر الشيــخ حتــى جــاء عنــده
الخليفـة فـي بعـض الأيـام فأعلمـه بذلـك فقـال الخليفـة: كـل مــن وجدتــه علــى بــاب البستــان افعــل بــه مــا
أردت.
فلمـا كـان ذلـك اليـوم خـرج الشيـخ إبراهيـم الخولـي لقضـاء حاجـة عرضـت لـه فوجـد الاثنيـن نائميـن فــي
البستـان مغطييـن بـإزار واحـد فقـال: أمـا عرفـا أن الخليفــة أعطانــي إذنــاً أن كــل مــن لقيتــه قتلتــه ولكــن
هذيـن ضربـاً خفيفـاً حتـى لا يقتــرب أحــد مــن البستــان ثــم قطــع جريــدة خضــراء وخــرج إليهمــا ورفــع
يـده فبـان بيـاض إبطـه وأراد ضربهمـا فتفكـر فـي نفسـه وقــال: يــا إبراهيــم كيــف تضربهمــا ولــم تعــرف
حالهمــا وقــد يكونــان غريبــان أو مــن أبنــاء السبيــل ورمتهمـــا المقاديـــر هنـــا. سأكشـــف عـــن وجهيهمـــا
وأنظـــر إليهمـــا فرفـــع الـــإزار عـــن وجهيهمـــا وقـــال: هـــذان حسنـــان لا ينبغـــي أن أضربهمـــا ثـــم غطـــى
وجهيهمـــا وتقـــدم إلـــى رجـــل علـــي نـــور الديـــن وجعـــل يكبسهـــا ففتـــح عينيـــه فوجـــده شيخــــاً كبيــــراً
فاستحـى علـي نــور الديــن ولــم رجليــه واستــوى قاعــداً وأخــذ يــد الشيــخ فقبلهــا فقــال لــه: يــا ولــدي
مــن ايــن أنتــم فقــال لــه: يــا سيــدي نحـــن غربـــاء وفـــرت الدمعـــة مـــن عينيـــه فقـــال الشيـــخ إبراهيـــم: يـــا
ولــدي اعلــم أن النبــي صلــى اللــه عليــه وسلــم أوصـــى إكـــرام الغريبـــن ثـــم قـــال لـــه: ياولـــدي أمـــا تقـــوم
===
وتدخــل البستــان وتتفــرج فيــه فينشــرح صــدرك فقــال لــه نــور الديـــن: يـــا سيـــدي هـــذا البستـــان مـــن
يخــص فقــال: يــا ولـــدي هـــذا ورثتـــه مـــن أهلـــي ومـــا كـــان قصـــد الشيـــخ إبراهيـــم بهـــذا الكلـــام إلا أن
يطمئنهمـا ليدخـلا البستـان. فلمـا سمــع نــور الديــن كلامــه شكــره وقــام هــو وجاريتــه والشيــخ إبراهيــم
قدامهمـا فدخلـوا البستـان فـإذا هـو بستـان بابـه مقنطـر عليـه كــروم وأعنابــه مختلفــة الألــوان الأحمــر كأنــه
ياقــوت والأســود كأنــه أبنــوس فدخلــوا تحـــت عريشـــة فوجـــدوا فيهـــا الأثمـــار صنـــوان والأطيـــار تغـــرد
بالألحـان علـى الأغصـان والهـزار يترنــم والقمــر مــلأ بصوتــه المكــان والشحــرور كأنــه فــي تغريــده إنســان
والأثمــار قــد أينعــت أثمارهــا مــن كــل مأكــول ومــن فاكهــة زوجــان والمشمــش مـــا بيـــن كافـــوري ولـــوزي
ومشمـش خراسـان والبرقـوق كأنـه لـون الحسـان والقراصيـة تذهـل عقـل كـل إنســان والتيــن مــا بيــن أحمــر
وأبيـــض وأخضـــر مـــن أحســـن الألـــوان والزهـــر كأنـــه اللؤلــــؤ والمرجــــان والــــورد يفضــــح بحمرتــــه خــــدود
الحســـان والبنفســـج كأنـــه الكبريـــت دنـــا مـــن النيـــران والـــآس والمنتــــور والخزامــــى مــــع شقائــــق النعمــــان
وتكالمـت تلـك الـأوراق بمدامـع الغمـام وضحـك ثغــر الأقحــوان وصــار النرجــس ناظــر إلــى ورد بعيــون
السـودان والأتـرج كأنـه أكــواب والليمــون كبنــادق مــن ذهــب وفرشــت الــأرض بالزهــر مــن سائــر الألــوان
وأقبل الربيع فأشرق ببهجته المكان والنهـر فـي خريـر والطيـر فـي هديـر والريـح فـي صفيـر والطقـس فـي
اعتــدال والنسيــم فــي اعتلـــال ثـــم دخـــل بهمـــا الشيـــخ إبراهيـــم القاعـــة المغلقـــة فابتهجـــوا بحســـن تلـــك
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والأربعين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشيــخ إبراهيــم دخـــل القاعـــة ومعـــه علـــي نـــور الديـــن والجاريـــة
وجلسـوا بجانـب بعـض الشبابيـك فتذكـر علـي نـور الديـن المقاسـاة التـي مضــت لــه فقــال: واللــه إن هــذا
المكـان فـي غايـة الحسـن لقـد فكرنـي بمـا مضــى وأطفــأ مــن كربــي جمــر الغضــى ثــم إن الشيــخ إبراهيــم
قــدم لهمــا الأكــل فأكـــلا كفايتهمـــا ثـــم غســـلا ايديهمـــا وجلـــس علـــي نـــور الديـــن فـــي شبـــاك مـــن تلـــك
الشبابيـك وصـاح علـى جاريتــه فأتــت إليــه فصــارا ينظــران إلــى الأشجــار وقــد حملــت سائــر الأثمــار
ثــم التفــت علــي نــور الديــن إلــى الشيــخ إبراهيــم وقــال لــه: يــا شيـــخ إبراهيـــم أمـــا عنـــدك شـــيء مـــن
الشـراب لـأن النـاس يشربـون بعـد أن يأكلــوا فجــاءه الشيــخ إبراهيــم بمــاء حلــو بــارد فقــال لــه نــور الديــن
مــا هـــذا الشـــراب الـــذي تريـــده فقـــال لـــه: أتريـــد خمـــراً فقـــال لـــه نـــور الديـــن: نعـــم فقـــال: أعـــوذ باللـــه
منهـا إن لـي ثلاثـة عشـر عامـاً مـا فعلـت ذلـك لـأن النبـي صلـى اللــه عليــه وسلــم لعــن شاربــه وعاصــره
وحاملـه فقـال لـه نـور الديـن: اسمـع منـي كلمتيـن. قـال: قـل مـا شئـت. قـال: إذا لـم تكـن عاصــر الخمــر
ولا شاربــه ولا حاملــه هــل يصيبـــك مـــن لعنهـــم شـــيء قـــال: لا قـــال: خـــذ هذيـــن الديناريـــن وهذيـــن
===
الدرهميـن واركـب هـذا الحمـار وقـف بعيــداً وأي إنســان وجدتــه يشتــري فصــح عليــه وقــل لــه: خــذ
هذيــن الدرهميــن واشتــر بهمــا خمــراً واحملــه علــى الحمـــار وحينئـــذ لا تكـــون شاربـــاً ولا حامـــلاً ولا
عاصراً ولا يصيبك شيء مما يصيب الجميع.
فقــال الشيــخ إبراهيــم وقــد ضحــك مــن كلامــه: واللــه مــا رأيـــت أظـــرف منـــك ولا أمحـــل مـــن كلامـــك
فقـال لـه نـور الديـن: نحـن صرنـا محسوبيـن عليـك ومـا عليـك إلا الموافقــة فهــات لنــا بجميــع مــا نحتــاج إليــه
فقـال لــه الشيــخ إبراهيــم: يــا ولــدي هــذا كــراري قدامــك وهــو الحاصــل المعــد لأميــر المؤمنيــن فادخلــه
وخـــذ منـــه مـــا شئـــت فـــإن فيـــه مـــا تريـــد فدخـــل علـــي نـــور الديـــن الحاصـــل فـــرأى فيـــه أوانـــي مــــن
الذهـــب والفضـــة والبلـــور مرصعـــة بأصنـــاف الجواهــــر فأخــــرج منهــــا مــــا أراد وسكــــب الخمــــر فــــي
البواطـــي والقنانـــي وصـــار هـــو وجاريتـــه يتعاطيـــان واندهشـــا مـــن حســـن مـــا رأيــــا. ثــــم إن الشيــــخ
إبراهيـم جـاء إليهمـا بالمشمـوم وقعـد بعيـداً عنهمـا فلـم يـزالا يشربـان وهمـا فـي غايـة الفـرح حتـى تحكــم
معهمــا الشــراب واحمــرت خدودهمــا وتغازلــت عيونهمــا واسترخــت شعورهمــا فقــال الشيــخ إبراهيـــم
مــا لــي أقعــد بعيــداً عنهمــا كيــف أقعــد عندهمــا وأي وقــت اجتمــع فــي قصرنــا مثـــل هذيـــن الاثنيـــن
اللذيــن كأنهمــا قمـــران ثـــم إن الشيـــخ تقـــدم وقعـــد فـــي طـــرف الإيـــوان فقـــال لـــه علـــي نـــور الديـــن: يـــا
سيــدي بحياتــي أن تتقــدم عندنــا فتقــدم الشيــخ عندهمــا فمــلأ نــور الديــن قدحـــاً ونظـــر إلـــى الشيـــخ
===
إبراهيـم وقـال لـه: اشـرب حتـى تعـرف لـذة طعمـه فقــال الشيــخ: أعــوذ بالــه إن لــي ثلــاث عشــرة سنــة
مـا فعلــت شيئــاً مــن ذلــك فتغافــل عنــه نــور الديــن وشــرب القــدح ورمــى نفســه علــى الــأرض وأظهــر
أنه غلب عليه السكر.
فعنـد ذلـك نظـرت إليـه أنيـس الجليـس وقالـت لــه: يــا شيــخ إبراهيــم انظــر هــذا كيــف عمــل معــي قــال
لهـا: يـا سيدتــي مالــه قالــت: دائمــاً يعمــل معــي هكــذا فيشــرب ساعــة وينــام وابقــى وحــدي لا أجــد
لــي نديمــاً ينادمنــي علــى قدحــي فــإذا شربــت فمـــن يعاطينـــي وإذا غنيـــت فمـــن يسمعنـــي فقـــال لهـــا
الشيــخ إبراهيــم وقــد حنــت أعضــاؤه ومالــت نفســه إليهــا مــن كلامهــا: لا ينبغــي مـــن النديـــم أن يكـــون
هكــذا ثــم إن الجاريــة ملــأت قدحــاً ونظــرت إلــى الشيــخ إبراهيــم وقالــت: بحياتــي أن تأخــذه وتشربــه
ولا تـــرده فاقبلـــه واجبـــر خاطـــري فمـــد الشيـــخ إبراهيـــم يـــده وأخـــذ القـــدح وشربـــه وملـــأت لـــه ثانيـــاً
ومـدت إليـه يدهــا بــه وقالــت لــه: يــا سيــدي بقــي لــك هــذا فقــال لهــا: واللــه لا أقــدر أن أشربــه فقــد
كفانـي الـذي شربتـه فقـال لــه: واللــه لا بــد منــه فأخــذ القــدح وشربــه ثــم أعطتــه الثالــث فأخــذه وأراد
أن يشربه وإذا بنور الدين هم قاعداً وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخمسين
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن علـي نـور الديـن هـم قاعـداً فقـال لــه: يــا شيــخ إبراهيــم أي شــيء
هــذا أمــا حلفــت عليــك مــن ساعــة فأبيــت وقلــت أن لــي ثلاثــة عشــر عامـــاً مـــا فعلتـــه فقـــال الشيـــخ
إبراهيـم وقـد استحـى: مـا لــي ذنــب فإنمــا هــي شــددت علــي فضحــك نــور الديــن وقعــدوا للمنادمــة
فالتفتــت الجاريــة وقالــت لسيدهــا: ســر يــا سيــدي اشـــرب ولا تحلـــف علـــى الشيـــخ إبراهيـــم حتـــى
أفرجـك عليـه فجعلـت الجاريـة تمـلأ وتسقـي سيدهـا وسيدهـا يمـلأ ويسقيهـا ولـم يـزالا كذلـك مـرة بعــد
مــرة فنظــر لهمــا الشيــخ إبراهيــم وقـــال لهمـــا: أي شـــيء هـــذا ومـــا هـــذه المنادمـــة ولا تسقيانـــي وقـــد
صـرت نديمكمـا فضحكـا مــن كلامــه إلــى أن أغمــي عليهمــا ثــم شربــا وسقيــاه ومــا زالــوا فــي المنادمــة
إلـى ثلـث الليـل فعنـد ذلـك قالـت الجاريـة: يـا شيـخ إبراهيـم عـن إذنـك هـل أقـوم وأوقـد شمعـة مـن هــذا
الشمــع المصفــوف فقــال لهــا: قومــي ولا توقــدي غــلا شمعــة واحــدة فنهضــت علـــى قدميهـــا وابتـــدأت
مـن أول اشمـع إلـى أن أوقــدت ثمانيــن شمعــة ثــم قعــدت وبعــد ذلــك قــال نــور الديــن: يــا شيــخ إبراهيــم
وأنــا أي شــيء حظــي عنــدك أمــا تخلينــي أوقــد قنديــلاً مــن هــذه القناديــل فقــال لـــه الشيـــخ إبراهيـــم:
قــم وأوقــد قنديــلاً واحــداً ولا تتناقــل أنــت الآخــر فقــام وابتــدأ مــن أولهــا إلــى أن أوقــد ثمانيــن قنديــلاً
فعند ذلك رقص المكان.
فقـال لهمـا الشيـخ إبراهيـم وقـد غلـب عليـه السكـر: أنتمـا أخـرع منـي ثـم إنــه نهــض علــى قدميــه وفتــح
===
الشبابيـــك جميعـــاً وجلـــس معهمـــا يتنادمـــون ويتناشـــدون الأشعـــار وابتهــــج بهــــم المكــــان فقــــدر اللــــه
السميــع العليــم الــذي جعــل لكــل شــيء سببــاً حيــث أن الخليفــة كــان فــي تلـــك الساعـــة جالســـاً فـــي
شبابيــك مطلــة علــى ناحيـــة الدجلـــة فـــي ضـــوء القمـــر فنظـــر إلـــى تلـــك الجهـــة فـــرأى ضـــوء القناديـــل
والشمـوع فـي البحـر ساطعـاً فلاحـت مـن الخليفـة التفاتـة إلـى القصــر الــذي فــي البستــان فــرآه يلهــج مــن
تلــك الشمــوع والقناديــل فقــال: علــي بجعفــر البرمكــي فمــا كــان إلا لحظــة وقــد حضـــر جعفـــر البرمكـــي
بيـن يـدي أميـر المؤمنيـن فقـال لــه: يــا كلــب الــوزراء أتخدميــن ولا تعلمنــي بمــا يحصــل فــي مدينــة بغــداد
فقــال لــه جعفــر: ومــا سبــب هــذا الكلـــام فقـــال: لـــولا أن مدينـــة بغـــداد أخـــذت منـــي مـــا كـــان قصـــر
الفرجـة مبتهجــاً بضــوء القناديــل والشمــوع وانفتحــت شبابيكــه ويلــك مــن الــذي يكــون لــه القــدرة علــى
هــذه الفعــال غــلا إذا كانــت الخلافــة أخــذت منــي فقــال جعفــر وقــد ارتعـــدت فرائصـــه: ومـــن أخبـــرك
أن قصــر الفرجــة أوقــدت فيــه القناديـــل والشمـــوع وفتحـــت شبابيكـــه فقـــال لـــه: تقـــدم عنـــدي وانظـــر
فتقـدم جعفـر عنــد الخليفــة ونظــر ناحيــة البستــان فوجــد القصــر كأنــه شعلــة مــن نــور غلــب علــى نــور
القمــر فــأراد جعفــر أن يعتــذر عــن الشيــخ إبراهيـــم الخولـــي ربمـــا هـــذا الأمـــر بإذنـــه لمـــا رأى فيـــه مـــن
المصلحة فقـال: يـا أميـر المؤمنيـن كـان الشيـخ إبراهيـم فـي الجمعـة التـي مضـت قـال لـي يـا سيـدي جعفـر
إنـي أريـد أن أفـرح أولـادي فــي حياتــك وحيــاة أميــر المؤمنيــن فقلــت لــه: ومــا مــرادك بهــذا الكلــام فقــال
===
لـي: مـرادي أن آخـذ إذنـاً مـن الخليفـة بأنــي أظاهــر أولــادي فــي القصــر فقلــت لــه: افعــل مــا شئــت مــن
فـرح أولـادك وإن شـاء اللـه أجتمـع بالخليفــة وأعلمــه بذلــك فــراح مــن عنــدي علــى هــذه الحــال ونسيــت
أن أعلمــك. فقــال الخليفــة: يــا جعفــر كــان لــك عنــدي ذنــب واحـــد فصـــار لـــك عنـــدي ذنبـــان لأنـــك
أخطـأت مـن وجهيـن: الوجـه الـأول أنــك مــا أعلمتنــي بذلــك والوجــه الثانــي أنــك بلغــت الشيــخ إبراهيــم
مقصــوده فإنــه مــا جــاء إليــك وقــال لــك هــذا الكلــام إلا تعريضـــاً بطلـــب شـــيء مـــن المـــال يستعيـــن بـــه
علـى مقصـوده فلـم تعطـه شيئـاً ولـم تعلمنـي حتـى أعطيـه. فقـال جعفـر: يـا أميـر المؤمنيـن نسيــت فقــال
الخليفــة: وحــق آبائــي وأجــدادي مــا أتــم بقيــة ليلتــي إلا عنــده فإنــه رجــل صالـــح يتـــردد إليـــه المشايـــخ
ويساعـد الفقـراء ويؤاسـي المساكيـن وأظـن أن الجميــع عنــده فــي هــذه الليلــة فــلا بــد مــن الذهــاب إليــه
لعـل واحـد منهــم يدعــو لنــا دعــوة يحصــل لنــا بهــا خيــري الدنيــا والآخــرة وبمــا يحصــل لــه نفــع فــي هــذا
الأمــر بحضــوري ويفــرح بذلــك هــو وأحبابــه فقــال جعفــر: يــا أميــر المؤمنيــن إن معظــم الليــل قــد مضــى
وهم في هذه الساعة على وجه الانفضاض فقال الخليفة: لا بد من الرواح عنده.
فسكـت جعفـر وتحيـر فــي نفســه وصــار لا يــدري فنهــض الخليفــة علــى قدميــه وقــام جعفــر بيــن يديــه
ومعهمـا مسـرور والخـادم ومشـى الثلاثـة متنكريـن ونزلـوا مـن القصــر وجعلــوا يشقــون الطريــق فــي الأزقــة
وهــم فــي زي التجــار إلــى أن وصلــوا إلــى البستــان المذكـــور فتقـــدم الخليفـــة فـــرأى البستـــان مفتوحـــاً
===
فتعجـب وقـال: انظـر الشيـخ إبراهيـم كيـف تـرك البـاب مفتوحــاً إلــى هــذا الوقــت ومــا هــي عادتــه ثــم
أنهــم دخلــوا إلــى أن انتهــوا إلــى آخــر البستــان ووقفــوا تحــت القصـــر فقـــال الخليفـــة: يـــا جعفـــر أريـــد أن
أتسلــل عليهــم قبــل أن أطلــع عندهــم حتــى أنظــر مــا عليــه المشايـــخ مـــن النفحـــات وواردات الكرمـــات
فـإن لهـم شؤونـاً فـي الخلـوات والجلـوات لأننـا الـآن لـم نسمــع صوتــاً ولــم نــر لهــم أثــراً ثــم إن الخليفــة نظــر
فـرأى شجـرة جــوز عاليــة فقــال: يــا جعفــر أريــد أن أطلــع علــى هــذه الشجــرة فــإن فروعهــا قريبــة مــن
الشبابيـك وأنظـر إليهـم ثـم إن الخليفـة طلـع فـوق الشجـرة ولـم يـزل يتعلـق مـن فــرع إلــى فــرع حتــى وصــل
إلـى الفـرع الـذي يقابـل الشبـاك وقعـد فوقـه ونظـر مـن شبـاط القصــر فــرأى صبيــة وصبيــاً كأنهمــا قمــران
سبحـان مـن خلقهمـا ورأى الشيـخ إبراهيـم قاعــداً وفــي يــده قــدح وهــو يقــول يــا سيــدة الملــاح الشــرب
بلا طرب غير فلاح ألم تسمعي قول الشاعر:
أدرهــــا بالكبيــــر وبالصغيـــــر وخذهـا مـن يــد القمــر المنيــر
ولا تشــرب بــلا طـــرب فإنـــي رأيـت الخيـل تشـرب بالصفيــر
فلمــا عايــن الخليفــة مــن الشيــخ إبراهيــم هــذه الفعـــال قـــام عـــرق الغضـــب بيـــن عينيـــه ونـــزل وقـــال: يـــا
جعفـر أنـا مـا رأيـت شيئـاً مـن كرمـات الصالحيـن مثـل مـا رأيـت فـي هـذه الليلـة فاطلــع أنــت الآخــر علــى
هـذه الشجـرة وانظـر لئـلا تفوتـك بركــات الصالحيــن فلمــا سمــع جعفــر كلــام أميــر المؤمنيــن صــار متحيــراً
===
فـي أمــره وصعــد إلــى أعلــى الشجــرة وإذا بــه ينظــر فــرأى علــي نــور الديــن والشيــخ إبراهيــم والجاريــة
وكـان الشيـخ إبراهيـم فـي يـده القـدح فلمـا عايـن جعفـر تلـك الحالـة أيقـن بالهلـاك ثـم نـزل فوقـف بيـن يـدي
أميــر المؤمنيــن فقــال الخليفــة: يــا جعفــر الحمــد للــه الـــذي جعلنـــا مـــن المتبعيـــن لظاهـــر الشريعـــة المطهـــرة
وكفانـا شـر تلبيـات الطريقــة المــزورة فلــم يقــدر جعفــر أن يتكلــم مــن شــدة الخجــل ثــم نظــر الخليفــة إلــى
جعفـر وقـال: يــا هــل تــرى مــن أوصــل هــؤلاء إلــى هــذا المكــان ومــن أدخلهــم قصــري ولكــن مثــل هــذا
الصبي وهذه الصبية ما رأت عيني حسناً وجمالاً وقداً واعتدالاً مثلهما.
فقـال جعفـر وقـد استرجـى رضـا الخليفـة: صدقـت يـا أميـر المؤمنيـن. فقــال: يــا جعفــر اطلــع بنــا علــى
هــذا الفــرع الــذي هــو مقابلهــم لنتفـــرج عليهـــم فطلـــع الاثنـــان علـــى الشجـــرة ونظراهمـــا فسمـــع الشيـــخ
إبراهيـم يقـول: يـا سيدتــي قــد تركــت الوقــار بشــرب العقــار ولا يلــذ ذلــك إلا بنغمــات الأوتــار فقالــت
لــه أنيــس الجليــس: يــا شيــخ إبراهيــم واللــه لــو كــان عنـــدي شـــيء مـــن آلـــات الطـــرب لكـــان سرورنـــا
كامــلاً فلمــا سمــع الشيــخ إبراهيــم كلــام الجاريــة نهــض قائمــاً علــى قدميــه فقــال الخليفــة لجعفــر: يــا تــرى
مــاذا يريــد أن يعمــل فقــال جعفــر: لا أدري. فغــاب الشيــخ إبراهيــم وعــاد ومعــه عــوداً فتأملــه الخليفـــة
فـإذا هـو عـود إسحـق النديـم فقـال الخليفـة: واللـه إن غنـت الجاريــة ولــم تحســن الغنــاء صلبتكــم كلكــم
وإن غنــت وأحسنــت الغنــاء فإنــي أعفــوا عنهــم وأصلبــك أنــت فقــال جعفـــر: اللهـــم اجعلهـــا لا تحســـن
===
الغنـــاء فقـــال الخليفـــة: لـــأي شـــيء فقـــال: لأجـــل أن تصلبنـــا كلنــــا فيؤانــــس بعضنــــا بعضــــاً فضحــــك
الخليفــة وإذا بالجاريــة أخــذت العــود وأصلحــت أوتــاره وضربــت ضربــاً يذيــب الحديـــد ويفطـــن البليـــد
وأخذت تنشد هذه الأبيات:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينـا
بنتـم وبنـا فمـا ابتلـت جوانحنـا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينـا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا بـأن نغـص فقــال الدهــر آمينــا
ما الخوف أن تقتلونا في منازلنا وإنمـــا خوفنـــا أن تأثمـــوا فينـــا
فقــال الخليفــة: واللــه يــا جعفــر عمــري مــا سمعــت صوتــاً مطربــاً مثــل هـــذا فقـــال جعفـــر: لعـــل الخليفـــة
ذهـب مــا عنــده مــن الغيــظ قــال: نعــم ثــم نــزل مــن الشجــرة هــو وجعفــر ثــم التفــت إلــى جعفــر وقــال:
أريـد أن أطلـع وأجلـس عندهـم واسمــع الصبيــة تغنــي قدامــي فقــال أميــر المؤمنيــن: إذا طلعــت عليهــم
ربمـا تكـدروا وأمــا الشيــخ إبراهيــم فإنــه يمــوت مــن الخــوف فقــال الخليفــة: يــا جعفــر لا بــد أن تعرفنــي
حيلـة أحتـال بهـا علـى معرفــة حقيقــة هــذا الأمــر مــن غيــر أن يشعــروا باطلاعنــا عليهــم ثــم إن الخليفــة
هـو وجعفـر ذهبـا إلـى ناحيـة الدجلـة وهمـا متفكـران فـي هـذا الأمـر وإذا بصيـاد واقــف يصطــاد وكــان
الصيـاد تحـت شبابيـك القصـر فرمـى شبكتـه ليصطــاد مــا يقتــات بــه وكــان الخليفــة سابقــاً صــاح علــى
===
الشيــخ إبراهيـــم وقـــال لـــه: مـــا هـــذا الصـــوت الـــذي سمعتـــه تحـــت شبابيـــك القصـــر فقـــال لـــه الشيـــخ
إبراهيــم: صــوت الصياديــن الذيــن يصطــادون السمــك فقـــال: انـــزل وامنعهـــم مـــن ذلـــك الموضـــع فامتنـــع
الصيــادون مــن ذلــك الموضــع فلمــا كانـــت تلـــك الليلـــة جـــاء صيـــاد يسمـــى كريمـــاً ورأى بـــاب البستـــان
مفتوحـاً فقـال فـي نفسـه: هـذا وقــت غفلــة لعلــي أستغنــم فــي هــذا الوقــت صيــاداً ثــم أخــذ شبكتــه
وطرحها في البحر وصار ينشد هذه الأبيات:
يا راكب البحر في الأهوال والهلكة أقصر عناك فليس الرزق بالحركة
أما ترى البحر والصياد منتصب فـي ليلـة ونجـوم الليــل محتبكــة
قـد مـد أطنابـه والمـوج يلطمــه وعينه لم تزل في كلـل الشبكـة
حتى إذا بات مسروراً بها فرحاً والحوت قد حط في فخ الردى حنكه
وصاحب القصر أمسى فيه ليلته منعم البال في خيـر مـن البركـة
وصار مستيقظاً من بعد قدرته لكن في ملكه ظبياً وقد ملكـه
سبحان ربي يعطي ذا ويمنع ذا بعض يصيد وبعض يأكل السمكة
فلمـا فـرغ مـن شعــره وإذا بالخليفــة وحــده واقــف بجانبــه فعرفــه الخليفــة فقــال لــه: يــا كريــم فالتفــت إليــه
لمــا سمعــه سمــاه باسمــه فلمــا رأى الخليفـــة ارتعـــدت فرائصـــه وقـــال: وللـــه يـــا أميـــر المؤمنيـــن مـــا فعلتـــه
===
استهــزاء بالمرســوم ولكــن الفقــر العيلــة قــد حملانــي علــى مــا تــرى فقــال الخليفــة: اصطــاد علــى بختـــي
فتقــدم الصيــاد وقــد فــرح فرحــاً شديــداً وطــرح الشبكــة وصبــر إلــى أن أخــذت حدهــا وثبتــت فـــي
القـرار فطلـع فيهـا مـن أنـواع السمـك مـا لا يحصـى ففــرح بذلــك الخليفــة فقــال: يــا كريــم اقلــع ثيابــك فقلــع
ثيابــه وكانــت عليــه جبــة فيهــا مائــة رقعــة مــن الصــوف الخشــن وفيهــا مــن القمــل الــذي لــه أذنــاب ومــن
البراغيــث مــا يكــاد أن يسيــر بهــا علــى وجــه الــأرض وقلـــع عمامتـــه مـــن فـــوق رأســـه وكـــان لـــه ثلـــاث
سنيــن مــا حلهــا وإنمــا كــان إذا رأى خرقــة لفهــا عليهــا فلمــا قلــع الجبــة والعمامــة خلــع الخليفــة مــن فــوق
جسمــه ثوبيــن مــن الحريــر الإسكندرانـــي والبعلبكـــي وملوطـــة وفرجيـــة ثـــم قـــال للصيـــاد: خـــذ هـــذه
والبسهـا ثـم لبـس الخليفـة جبــة الصيــاد وعمامتــه ووضــع علــى وجهــه لثامــاً ثــم قــال للصيــاد: رح أنــت
إلى شغلك فقبل رجل الخليفة وأنشد هذين البيتين:
أوليتنــي مـــا لا أقـــوم بشكـــره وكفيتنـي كـل الأمـور بأسرهــا
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت شكرتك مني عظمي في قبرها
فلمـا فـرغ الصيـاد مـن شعـره حتـى جـال القمــل علــى جلــد الخليفــة فصــار يقبــض بيــده اليميــن والشمــال
مــن علــى رقبتــه ويرمــي ثــم قــال: يــا صيــاد ويلــك مــا هــذا القمـــل الكثيـــر فـــي هـــذه الجبـــة فقـــال: يـــا
سيــدي أنــه فـــي هـــذه الساعـــة يؤلمـــك فـــإذا مضـــت عليـــك جمعـــة فإنـــك لا تحـــس بـــه ولا تفكـــر فيـــه
===
فضحـك الخليفـة وقـال لــه: ويلــك كيــف أخلــي هــذه الجبــة علــى جســدي فقــال الصيــاد: إنــي أشتهــي
أن أقــول لــك كلامــاً ولكــن أستحــي مـــن هيبـــة الخليفـــة فقـــال لـــه: قـــل ماعنـــدك فقـــال لـــه: قـــد خطـــر
ببالـي يـا أميــر المؤمنيــن أنــك إن أردت أن تتعلــم الصيــد لأجــل أن تكــون فــي يــدك صنعــة تنفعــك فــإن
أردت ذلــك يــا أميــر المؤمنيــن فــإن هــذه الجبــة تناسبـــك فضحـــك الخليفـــة مـــن كلـــام الصيـــاد ثـــم ولـــى
الصيـاد إلـى حـال سبيلـه وأخـذ الخليفـة مقطـف السمـك ووضـع فوقـه قليـلاً مـن الحشيـش وأتـى بـه إلــى
جعفـر. ووقـف بيـن يديـه فاعتقـد جعفـر أنــه كريــم الصيــاد فخــاف عليــه وقــال: يــا كريــم مــا جــاء بــك
هنــا انــج بنفســك فــإن الخليفــة هنــا فــي هــذه الساعــة فلمــا سمــع الخليفــة كلـــام جعفـــر ضحـــك حتـــى
استلقـى علـى قفــاه فقــال جعفــر: لعــل مولانــا أميــر المؤمنيــن فقــال الخليفــة: نعــم يــا جعفــر وأنــت وزيــري
وجئــت أنــا وإيــاك هنــا ومــا عرفتنـــي فكيـــف يعرفنـــي الشيـــخ ابراهيـــم وهـــو سكـــران فكـــن مكانـــك
حتى أرجع إليك.
فقــال جعفــر: سمعــاً وطاعــة ثــم إن الخليفــة تقــدم إلــى بــاب القصــر ودقــه فقــام الشيــخ إبراهيــم وقــال:
مــن بالبــاب فقــال لــه: أنــا يـــا شيـــخ إبراهيـــم قـــال لـــه: مـــن أنـــت قـــال لـــه: أنـــا كريـــم الصيـــاد وسمعـــت
أن عنـدك أضيافـاً فجئــت إليــك بشــيء مــن السمــك فإنــه مليــح وكــان نــور الديــن هــو والجاريــة يحبــان
السمـك فلمـا سمعـا ذكـر السمـك فرحـا بـه فرحـاً شديــداً وقــالا: يــا سيــدي افتــح لــه ودعــه يدخــل لنــا
===
عنــدك بالسمــك الــذي معــه ففتــح الشيــخ إبراهيــم فدخـــل الخليفـــة وهـــو فـــي صـــورة الصيـــاد وابتـــدأ
بالسلـــام فقـــال لـــه الشيـــخ إبراهيـــم: أهـــلا باللـــص الســــارق المقامــــر تعــــال أرنــــا السمــــك الــــذي معــــك
فأراهــم إيــاه فلمــا نظــروه فــإذا هــو حـــي يتحـــرك فقالـــت الجاريـــة: واللـــه يـــا سيـــدي إن هـــذا السمـــك
مليـح يـا ليتـه مقلـي فقـال الشيـخ إبراهيـم: واللـه صدقـت ثـم قـال للخليفـة: يــا صيــاد ليتــك جئــت بهــذا
السمـك مقليـاً قـم فاقلـه لنـا وهاتـه فقـال الخليفــة: علــى الــرأس أقليــه وأجــيء بــه فقــال لــه: عجــل بقليــه
والإتيـان بـه فقـام الخليفـة يجـري حتـى وصـل إلـى جعفـر وقـال: يــا جعفــر طلبــوا السمــك مقليــاً فقــال: يــا
أمير المؤمنين هاته وأنا أقليه.
فقــال الخليفــة: وتربــة آبائــي وأجــدادي مــا يقليــه إلا أنــا بيــدي ثــم إن الخليفــة ذهــب إلــى خــص الخولــي
وفتــش فيــه فوجــد فيــه كــل شــيء يحتــاج إليــه مــن آلــة القلــي حتــى الملــح والزعتــر وغيــر ذلــك فتقــدم
للكانــون وعلــق الطاجــن وقلــاه قليــاً مليحــاً فلمــا استــوى جعلــه علـــى ورق المـــوز وأخـــذ مـــن البستـــان
ليمونـاً وطلـع بالسمـك ووضعـه بيـن أيديهـم فتقـدم الصبـي والصبيـة والشيـخ إبراهيــم وأكلــوا فلمــا فرغــوا
غسلـوا أيديهـم فقــال نــور الديــن: واللــه يــا صيــاد إنــك صنعــت معنــا معروفــاً هــذه الليلــة ثــم وضــع يــده
فـي جيبـه وأخـرج لـه ثلاثـة دنانيـر مـن الدنانيـر التـي أعطـاه إياهـا سنجـر وقـت خروجـه للسفـر وقـال: يــا
صيـاد اعذرنـي فواللـه لـو عرفتــك قبــل الــذي حصــل لــي سابقــاً لكنــت نزعــت مــرارة الفقــر مــن قلبــك
===
لكـن خـذ هـذا بحسـب الحـال ثــم رمــى الدنانيــر للخليفــة فأخذهــا وقبلهــا ووضعهــا فــي جيبــه وماكــان
مـــراد الخليفـــة بذلـــك إلا السمـــاع مـــن الجاريـــة وهـــي تغنـــي فقـــال الخليفـــة: أحسنـــت وتفضلــــت لكــــن
مــرادي مــن تصدقاتــك العميمــة أن هــذه الجاريــة تغنــي لنــا صوتــاً حتــى أسمعهــا فقــال نـــور الديـــن: يـــا
أنيـس الجليـس قالـت: نعـم قـال لهـاك وحياتــي أن تغنــي لنــا شيئــاً مــن شــأن خاطــر هــذا الصيــاد لأنــه
يريــد أن يسمعــك فلمــا سمعــت كلــام سيدهـــا أخـــذت العـــود وغمزتـــه بعـــد أن فركـــت أذنـــه وأنشـــدت
هذين البيتين:
وغـــادة لعبـــت بالعـــود أنملهـــا فعادت النفس عند الجس تختلس
قد أسمعت بالأغاني من به صمم وقال احسنت مغنى من به خرس
ثـم إنهـا ضربـت ضربــاً غريبــاً إلــى أن أذهلــت العقــول فقــال نــور الديــن للصيــاد: هــل أعجبتــك الجاريــة
وتحريكهــا الأوتــار فقــال الخليفــة: أي واللــه فقــال نــور الديــن هــي هبــة منـــي إليـــك هبـــة كريـــم لا يرجـــع
فـي عطائـه ثـم إن نــور الديــن نهــض قائمــاً علــى قدميــه وأخــذ ملوطــة ورماهــا علــى الخليفــة وهــو فــي
صــورة الصيــاد وأمــره أن يخــرج ويــروح بالجاريــة فنظــرت الجاريــة وقالــت: يــا سيـــدي هـــل أنـــت رائـــح
بلا وداع إن كان ولا بد فقف حتى أودعك وأنشدت هذين البيتين:
لئت غيبتموا عني فـإن محلكـم لفي مهجتي بين الجوانح والحشا
===
فلما فرغت من شعرها أجابها نور الدين وهو يقول:
ودعتنــي يــوم الفــراق وقالــت وهـي تبكـي مـن لوعـة وفـراق
ما الذي أنت صانع بعد بعدي قلت قولي هـذا لمـن هـو باقـي
ثـم إن الخليفـة لمـا سمـع ذلـك صعـب عليـه التفريـق بينهمـا والتفـت إلـى الصبـي وقـال لــه: يــا سيــدي نــور
الديـن اشـرح لـي أمــرك فأخبــره نــور الديــن بحالــه مــن أولــه إلــى آخــره فلمــا فهــم الخليفــة هــذا الحــال قــال
لــه: أيــن تقصــد فــي هــذه الساعــة قــال لــه: بلــاد اللــه فسيحــة فقــال لــه الخليفــة: أنــا أكتــب لـــك ورقـــة
توصلهـــا إلـــى السلطـــان محمـــد بــــن سليمــــان الزينــــي فــــإذا قرأهــــا لا يضــــرك بشــــيء وأدرك شهــــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والخمسين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد ان الخليفـة لمـا قـال لعلـي نــور الديــن أنــا أكتــب لــك ورقــة توصلهــا إلــى
السلطـان محمـد بـن سليمـان الزينـي فــإذا قرأهــا لا يضــرك بشــيء فقــال لــه علــى نــور الديــن: وهــل فــي
الدنيـــا صيـــاد يكاتـــب الملـــوك إن هـــذا شـــيء لا يكـــون أبـــداً فقـــال لـــه الخليفــــة: صدقــــت ولكــــن أنــــا
أخبـرك بالسبـب اعلـم أنـي أنـا قـرأت أنـا وإيـاه فـي مكتـب واحـد عـن فقيـه وكنـت أنـا عريفــه ثــم أدركتــه
===
السعـادة وصـار سلطانـاً وجعلنـي اللـه صيـاداً ولكـن لـم أرسـل إليـه فـي حاجـة إلا قضاهـا ولــو أدخلــت
إليــه فــي كــل يــوم مــن شــأن ألــف حاجــة لقضاهــا فلمــا سمــع نــور الديــن كلامــه قــال لـــه: اكتـــب حتـــى
أنظــر فأخــذ دواة وقلمــاً وكتــب: بعــد البسملــة أمــا بعــد فــإن هــذا الكتــاب مـــن هـــارون الرشيـــد بـــن
المهدي إلى حضرة محمد بن سليمـان الزينـي المشمـول بنعمتـي الـذي جعلتـه نائبـاً عنـي فـي بعـض مملكتـي
أعرفــك أن الموصــل إليــك هــذا الكتــاب نــور الديــن بــن خاقــان الوزيـــر فساعـــة وصولـــه عندكـــم تنـــزع
نفســك مــن الملــك وتجلســه مكانــك فإنــي قــد وليتــه علــى مــا كنـــت وليتـــك عليـــه سابقـــاً فـــلا تخالـــف
أمــري والسلــام ثــم أعطــى علــي نــور الديــن بــن خاقــان الكتــاب فأخــذه نــور الديــن وقبلــه وحطـــه فـــي
عمامتـه ونـزل فـي الوقــت مسافــراً وطلــع قصــر السلطــان ثــم صــرخ صرخــة عظيمــة فسمعــه السلطــان
فطلبــه فلمــا حضــر بيــن يديــه قبــل الــأرض قدامــه ثــم أخــرج الورقـــة وأعطـــاه إياهـــا فلمـــا رأى عنـــوان
الكتــاب بخــط أميــر المؤمنيــن قــام واقفــاً علــى قدميــه وقبلهــا ثلـــاث مـــرات وقـــال: السمـــع والطاعـــة للـــه
تعالـى ولأميـر المؤمنيـن ثـم أحضـر القضــاة الأربعــة والأمــراء وأراد أن يخلــع نفســه مــن الملــك وإذا بالوزيــر
المعين بـن سـاوي قـد حضـر فأعطـاه السلطـان ورقـة أميـر المؤمنيـن فلمـا قراهـا عـن آخرهـا وأخذهـا فـي
فمه ومضغها ورماها.
فقـــال لـــه السلطـــان وغضـــب: ويلـــك مـــا الـــذي حملـــك علـــى هـــذه الفعـــال قـــال لـــه: هـــذا مـــا اجتمــــع
===
بالخليفـة ولا بوزيـره وإنمـا هـو علـق شيطـان مكـار وقـع بورقــة فيهــا خــط الخليفــة فزورهــا وكتــب فيهــا
مــا أراد فلــأي شــيء تعــزل نفســك مــن السلطنــة مــع أن الخليفــة لــم يرســل إليــك رســولاً بخــط شريــف
ولــو كــان هــذا الأمــر صحيحــاً لأرســـل معـــه حاجبـــاً أو وزيـــراً لكنـــه جـــاء وحـــده فقـــال لـــه: وكيـــف
العمــل قــال لــه: أرســل معــي هــذا الشــاب وأنــا آخــذه وأتسلمــه منــك وأرسلـــه صحبـــة حاجـــب إلـــى
مدينــة بغــداد فــإن كــان كلامــه صحيحــاً يأتينــا بخــط شريــف وتقليــد وإن كــان غيــر صحيــح ترسلـــوه
إلينــا مــع الحاجــب وأنــا آخــذ حقــي مــن غريمــي فلمــا سمــع السلطــان كلـــام الوزيـــر ودخـــل عقلـــه صـــار
علـى الغلمـان فطرحـوه وضربـوه إلـى أن أغمـي عليـه ثـم أمــر أن يضعــوا فــي رجليــه قيــداً وصــاح علــى
السجـان فلمـا حضـر قبــل الــأرض بيــن يديــه وكــان هــذا السجــان يقــال لــه قطيــط فقــال لــه: يــا قطيــط
أريـد أن تأخـذ هـذا وترميـه فـي مطمـورة مـن المطاميـر التـي عنـدك فـي السجـن وتعاقبـه بالليــل والنهــار
فقـال لـه السجـان: سمعـاً وطاعـة ثـم أن السجـان أدخـل نــور الديــن فــي السجــن وقفــل عليــه البــاب ثــم
أمــر بكنــس مصطبـــة وراء البـــاب وفرشهـــا بسجـــادة أو مخـــدة وأقعـــد نـــور الديـــن عليهـــا وفـــك قيـــده
وأحســـن إليـــه وكـــان كـــل يـــوم يرســـل إلـــى السجـــان ويأمـــر بضربـــه والسجـــان يظهـــر أنــــه يعاقبــــه وهــــو
يلاطفه ولم يزل كذلك مدة أربعين يوماً.
فلمــا كـــان اليـــوم الحـــادي والأربعـــون جـــاءت هديـــة مـــن عنـــد الخليفـــة فلمـــا رآهـــا السلطـــان أعجبتـــه
===
فشــاور الــوزراء فــي أمرهــا فقــال: لعــل هــذه الهديــة كانــت للسلطــان الجديــد فقـــال الوزيـــر المعيـــن بـــن
ســاوي: لقــد كــان المناســب قتلـــه وقـــت قدومـــه فقـــال السلطـــان: واللـــه لقـــد ذكرتنـــي بـــه انـــزل هاتـــه
واضـرب عنقـه فقـال الوزيـر: سمعــاً وطاعــة فقــام وقــال لــه: إن قصــدي أن أنــادي فــي المدينــة مــن أراد
أن يتفــرج علـــى ضـــرب رقبـــة نـــور الديـــن علـــي بـــن خاقـــان فليـــأت إلـــى القصـــر فيأتـــي جميـــع النـــاس
ليتفرجــوا عليــه لأشفــي فــؤادي وأكمــد حسامــي فقــال لــه السلطــان: افعــل مــا تريــد فنــزل الوزيــر وهــو
فرحـان مسـرور وأقبـل علـى الوالـي وأمــره أن ينــادي بمــا ذكرنــاه فلمــا سمــع النــاس المنــادي حزنــوا وبكــوا
جميعـــاً حتـــى الصغـــار فـــي المكاتـــب والسوقـــة فـــي دكاكينهـــم وتسابـــق النـــاس يأخـــذون لهــــم أماكــــن
ليتفرجـوا فيهـا وذهـب بعـض النـاس إلـى السجـن حتـى يأتـي معـه ونــزل الوزيــر ومعــه عشــرة مماليــك إلــى
السجـن ثـم إنهـم نـادوا علــى نــور الديــن هــذا أقــل جــزاء مــن يــزور مكتوبــاً علــى الخليفــة إلــى السلطــان
ولا زالـوا يطوفـون بـه فـي البصـرة إلـى أن أوقفـوه تحـت شبـاك القصـر وجعلـوه فـي منقـع الــدم وتقــدم إليــه
السيــاف وقــال لــه: أنــا عبــد مأمــور فــإن كــان لــك حاجــة فأخبرنـــي بهـــا حتـــى أقضيهـــا لـــك فإنـــه مـــا
بقـي مـن عمـرك إلا قــدر مــا يخــرج السلطــان وجهــه مــن الشبــاك فعنــد ذلــك نظــر يمينــاً وشمــالاً وانشــد
هذه الأبيات:
فهل فيكم خل شفيـق يعيننـي سألتكــــم باللــــه رد جوابـــــي
===
وينظر في حالي ويكشف كربتي بشربـة مـاء كـي يهـون عذابــي
فتباكـــت النــــاس عليــــه وقــــام السيــــاف وأخــــذ شربــــة مــــاء يناولــــه إياهــــا فنهــــض الوزيــــر مــــن مكانــــه
وضـرب قلـة المـاء بيـده فكسرهـا وصـاح علـى السيـاف وأمـره بضـرب عنقـه فعنـد ذلـك عصـب عينـي
علـي نـور الديـن فصـاح النـاس علـى الوزيـر وأقامــوا عليــه الصــراخ وكثــر بينهــم القيــل والقــال فبينمــا هــم
كذلـك وإذا بغبـار قـد عـلا وعجـاج مــلأ الجــو والفــلا فلمــا نظــر إليــه السلطــان وهــو قاعــد فــي القصــر
قـال: انظـروا ماالخبـر فقـال الوزيـر: حتـى نضـرب عنـق هـذا قبـل فقــال لــه السلطــان: اصبــر أنــت حتــى
ننظــر الخبــر وكــان ذلــك الغبــار غبــار جعفـــر وزيـــر الخليفـــة ومـــن معـــه وكـــان السبـــب فـــي مجيئهـــم أن
الخليفة مكث ثلاثيـن يومـاً لـم يتذكـر قصـة علـي نـور الديـن بـن خاقـان ولـم يذكرهـا لـه أحـد إلـى أن جـاء
ليلة من الليالي إلى مقصورة أنيس الجليس فسمع بكاءها وهي تنشد بصوت رقيق قول الشاعر:
خيالك فـي التباعـد والتدانـي وذكــــرك لا يفارقـــــه لسانـــــي
وتزايــد بكاؤهــا وإذا قــد فتــح البــاب ودخــل المقصــورة فــرأى أنيــس الجليــس وهـــي تبكـــي فلمـــا رأت
الخليفة وقعت على قدميه وقبلتهما ثلاث مرات ثم أنشدت هذين البيتين:
أيا من زكا أصلاً وطاب ولادة وأثمر غصناً يانعاً وزكا جنسا
أذكرك الوعـد الـذي سمـت بـه محاسنك الحسنا وحاشاك أن تنسى
===
فقــــال الخليفــــة: مــــن أنــــت قالــــت: أنــــا هديــــة علــــي بــــن خاقــــان إليــــك وأريــــد إنجــــاز الوعــــد الــــذي
وعدتنـي بـه مـن أنـك ترسلنـي إليـه مـع الشريـف والــآن لــي هنــا ثلاثــون يومــاً لــم أذق طعــم النــوم فعنــد
ذلـك طلـب الخليفـة جعفــر البرمكــي وقــال: مــن مــدة ثلاثيــن يومــاً لــم أسمــع بخبــر علــي بــن خاقــان ومــا
أظـن إلا أن السلطــان قتلــه ولكــن وحيــاة رأســي وتربــة آبائــي وأجــدادي إن كــان جــرى لــه أمــر مكــروه
لأهلكـن مـن كـان سببـاً فيـه ولـو كـان أعـز النـاس عنــدي وأريــد أن تسافــر أنــت فــي هــذه الساعــة إلــى
البصـرة وتأتـي بأخبـار الملـك محمـد بـن سليمــان الزينــي مــع علــي بــن خاقــان فامتثــل أمــره وسافــر فلمــا
أقبــل جعفــر نظــر ذلــك الهــرج والمــرج والازدحــام فقــال الوزيــر جعفـــر: مـــا هـــذا الازدحـــام فذكـــروا لـــه
ماهم فيه من أمر علي نور الدين بن خاقان.
فلمـا سمـع جعفـر كلامهـم أسـرع بالطلـوع إلـى السلطـان وسلــم عليــه وأعلمــه بمــا جــاء فيــه وأنــه إذا كــان
وقــع لعلــي نــور الديــن أمــر مكــروه فــإن السلطــان يهلــك مــا كــان السبــب فــي ذلــك ثــم إنــه قبــض علـــى
السلطــان والوزيــر المعيــن بــن ســاوي وأمــر بإطلــاق علــي نــور الديــن بــن خاقــان وأجلســه سلطانـــاً فـــي
مكـان السلطـان محمـد بـن سليمـان الزينـي وقعـد ثلاثـة أيــام فــي البصــرة مــدة الضيافــة فلمــا كــان صبــح
اليـوم الرابـع التفـت علـي بـن خاقـان إلـى جعفـر وقـال: إنـي اشتقـت إلـى رؤيـة أميـر المؤمنيــن فقــال جعفــر
للملـك محمـد بـن سليمـان تجهـز للسفــر فإننــا نصلــي الصبــح وتنوجــه إلــى بغــداد فقــال: السمــع والطاعــة
===
ثـم إنهـم وصلـوا الصبـح وركبـوا جميعهـم ومعهـم الوزيـر المعيـن بـن سـاوي وصــار يتنــدم علــى فعلــه وأمــا
علــي نــور الديــن بــن خاقــان فإنــه ركــب بجانــب جعفــر ومــا زالــوا سائريــن إلــى أن وصلـــوا إلـــى بغـــداد
دار السلـــام وبعـــد ذلـــك دخلـــوا علـــى الخليفـــة فلمـــا دخلـــوا عليـــه حكـــوا لـــه قصـــة نـــور الديـــن فعنـــد
ذلـك أقبـل الخليفـة علــى علــي نــور الديــن بــن خاقــان وقــال لــه: خــذ هــذا السيــف واضــرب بــه رقبــة
عـدوك فأخـذه وتقــدم إلــى المعيــن بــن ســاوي فنظــر إليــه وقــال: أنــا عملــت بمقتضــى طبيعتــي فاعمــل
أنـت بمقتضـى طبيعتـك فرمـى السيـف مـن يـده ونظـر إلـى الخليفـة وقـال: يــا أميــر المؤمنيــن إنــه خدعنــي
وأنشد قول الشاعر:
فخدعتـــه بخديعـــة لمــــا أتــــى والحـر يخدعـه الكلــام الطيــب
فقـال الخليفـة: اتركـه أنـت ثـم قـال لمسـرور: يــا مســرور قــم أنــت واضــرب رقبتــه فقــام مســرور ورمــى
رقبتـه فعنـد ذلـك قـال الخليفـة لعلـي بـن خاقـان: تمـن علـي فقـال لـه: يـا سيـدي أنـا مــا لــي حاجــة بملــك
البصـرة ومـا أريـد إلا مشاهـدة وجـه حضرتـك فقـال الخليفـة: حبــاً وكرامــة ثــم إن الخليفــة دعــا بالجاريــة
فحضــرت بيــن يديــه فأنعــم عليهمــا وأعطاهمــا قصــراً مــن قصــور بغــداد ورتــب لهمــا مرتبــات وجعلــه
مـــن ندمائـــه ومـــا زال مقيمـــاً عنـــده إلـــى أن أدركـــه الممـــات ليـــس هـــذا بأعجـــب مــــن حكايــــة التاجــــر
وأولاده قال الملك: وكيف ذلك
===
حكاية التاجر أيوب وابنه غانم وبنته فتنة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أنـه كـان فـي قديـم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان تاجــر مــن التجــار
لــه مــال ولــه ولــد كأنــه البــدر ليلــة تمامــه فصيــح اللســان اسمــه غانـــم بـــن أيـــوب المتيـــم المسلـــوب. ولـــه
أخـــت اسمهـــا فتنـــة مـــن فـــرط حسنهـــا وجمالهـــا فتوفـــي والدهمـــا وخلـــف لهمـــا مــــالاً جزيــــلاً وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والخمسين
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن ذلــك التاجــر خلــف لهمــا مــالاً جزيــلاً ومــن جملــة ذلــك مائــه حمــل
مـن الخــز والديبــاج ونوافــج المســك ومكتــوب علــى الأحمــال هــذا بقصــد بغــداد وكــان مــراده أن يسافــر
إلـى بغـداد فلمـا توفـاه اللـه تعالـى ومضـت مـدة أخــذ ولــده هــذه الأحمــال وسافــر بهــا إلــى بغــداد وكــان
ذلـك فـي زمــن هــارون الرشيــد وودع أمــه وأقاربــه وأهــل بلدتــه قبــل سيــره وخــرج متوكــلاً علــى اللــه
تعالــى وكتــب اللــه لــه السلامــة حتــى وصــل إلــى بغــداد وكـــان مسافـــراً بصحبـــة جماعـــة مـــن التجـــار
فاستأجـــر لـــه داراً حسنـــة وفرشهـــا بالبســـط والوسائــــد وأرخــــى عليهــــا الستــــور وأنــــزل فيهــــا تلــــك
الأحمــال والبغــال والجمــال وجلــس حتــى استــراح وسلــم عليــه تجــار بغــداد وأكابرهــا ثــم أخـــذ بقجـــة
===
فيهــا عشــرة تفاصيــل مــن القمــاش النفيــس مكتــوب عليهــا أثمانهــا ونــزل بهــا إلــى ســوق التجـــار فلاقـــوه
وسلمــوا عليــه وأكرمــوه وتلقــوه بالترحيــب وأنزلــوه علــى دكــان شيــخ الســوق وبــاع التفاصيــل فربــح فـــي
كــل دينــار ديناريــن ففــرح غانــم وصــار يبيــع القمــاش والتفاصيــل شيئـــاً فشيئـــاً ولـــم يـــزل كذلـــك سنـــة
وفـي أول السنـة الثانيـة جـاء إلـى ذلــك الســوق فــرأى بابــه مقفــولاً فســأل عــن سبــب ذلــك فقيــل لــه أنــه
توفـي واحـد مـن التجـار وذهـب التجـار كلهـم يمشـون فـي جنازتـه فهـل لــك أن تكســب أجــراً وتمشــي
معهــم فقــال: نعــم ثــم ســأل عــن محــل الجنــازة فدلــوه علــى المحــل فتوضــأ ثــم مشــى مــع التجــار إلــى أن
وصلـوا المصلـى وصلـوا علـى الميـت ثـم مشـى التجــار جميعهــم قــدام الجنــازة إلــى المقبــرة فتبعهــم غانــم
إلــى أن وصلــوا بالجنــازة خــارج المدينــة ومشــوا بيــن المقابــر حتــى وصلـــوا إلـــى المدفـــن فوجـــدوا أهـــل
الميــت نصبــوا علــى القبــر خيمــة وأحضــر الشمــوع والقناديــل ثـــم دفنـــوا الميـــت وجلـــس القـــراء يقـــرؤون
على ذلـك القبـر فجلـس التجـار ومعهـم غانـم بـن أيـوب وهـو غالـب عليـه الحيـاء فقـال فـي نفسـه: أنـا لـم
أقــدر أن أفارقهــم حتــى أنصــرف معهــم ثــم إنهــم جلســوا يسمعــون القــرآن إلــى وقــت العشـــاء فقدمـــوا
لهــم العشــاء والحلــوى فأكلــوا حتــى اكتفــوا وغسلــوا أيديهــم ثــم جلســوا مكانهــم فاشتغــل خاطـــر غانـــم
ببضاعتـه وخـاف مـن اللصـوص وقـال فـي نفسـه: أنـا رجــل غريــب ومنهــم بالمــال فــإن بــت الليلــة بعيــداً
عــن منزلــي ســرق اللصــوص مــا فيــه مـــن المـــال والأحمـــال وخـــاف علـــى متاعـــه فقـــام وخـــرج مـــن بيـــن
===
الجماعـة واستأذنهـم علــى أنــه يقضــي حاجــة فســار يمشــي ويتتبــع آثــار الطريــق حتــى جــاء إلــى بــاب
المدينـة وكـان ذلـك الوقـت نصـف الليــل فوجــد بــاب المدينــة مغلقــاً ولــم يــر أحــداً غاديــاً ولا رائحــاً ولــم
يسمــع صوتــاً ســوى نبيــح الكلــاب وعــوي الذئــاب فقــال: لا حــول ولا قــوة إلا باللـــه كنـــت خائفـــاً علـــى
مالــي وجئــت مــن أجلــه فوجــدت البــاب مغلقــاً فصــرت الــآن خائفــاً علــى روحــي ثـــم رجـــع ينظـــر لـــه
محــلاً ينــام فيــه إلــى الصبــاح فوجــد تربــة محوطــة بأربـــع حيطـــان وفيهـــا نخلـــة ولهـــا بـــاب مـــن الصـــوان
مفتــوح فدخلهــا وأراد أن ينــام فلــم يجئــه نـــوم وأخذتـــه رجفـــة ووحشـــة وهـــو بيـــن القبـــور فقـــام واقفـــاً
علـى قدميـه وفتـح بـاب المكـان ونظـر فـرأى نـوراً يلـوح علـى بعـد فـي ناحيـة المدينـة فمشـى قليـلاً فـرأى
النـور مقبـلاً فـي الطريـق التـي توصـل إلـى التربــة التــي هــو فيهــا فخــاف غانــم علــى نفســه وأســرع بــرد
البـاب وتعلـق حتـى طلـع فـوق النخلـة وتــدارى فــي قلبهــا فصــار النــور يتقــرب مــن التربــة فتأمــل النــور
فــرأى ثلاثــة عبيــد اثنــان حاملــان صندوقــاً فــي يــده فــأس وفانــوس فلمــا قربـــوا مـــن التربـــة قـــال أحـــد
العبديــن الحامليــن الصندوقــك ويلــك يـــا صـــواب فقـــال العبـــد الآخـــر منهـــا مالـــك يـــا كافـــور فقـــال: إنـــا
كنـا هنــا وقــت العشــاء وخلينــا البــاب مفتوحــاً فقــال: نعــم هــذا الكلــام صحيــح فقــال: هــا هــو مغلــق
فقــال لهمــا الثالــث وهــو حامــل الفــأس والنـــور وكـــان اسمـــه بخيتـــاً: مـــا أعقـــل عقلكمـــا أمـــا تعرفـــان أن
أصحـاب الغيطـان يخرجـون مـن بغـداد ويتـرددون هنــا فيمســي عليهــم المســاء فيدخلــون هنــا ويغلقــون
===
عليهـــم البـــاب خوفـــاً مـــن الســـودان الذيـــن هـــم مثلنـــا أن يأخذوهـــم ويشووهـــم ويأكلوهــــم فقالــــوا لــــه:
صدقــت ومــا فينــا أقــل عقــلاً منــك فقــال لهــم: إنكــم لــم تصدقونــي حتــى ندخـــل التربـــة ونجـــد فيهـــا
أحداً وأظن أنه كان فيها أحداً ورأى النور وهرب فوق النخلة.
فلمــا سمــع غانــم كلــام العبيــد قــال فــي نفســه: مــا أمكــر هــذا العبــد فقبــح اللــه الســودان لمــا فيهــم مـــن
الخبـث واللـؤم ثــم قــال: لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم ومــا الــذي يخلصنــي مــن هــذه الورطــة
ثـم إن الاثنيـن الحامليـن للصنـدوق قـالا لمـن معـه الفـأس: تعلـق علـى الحائـط وافتـح البــاب لنــا يــا صــواب
لأننـا تعبنــا مــن الصنــدوق علــى رقابنــا فــإذا فتحــت لنــا البــاب لــك علينــا واحــد مــن الذيــن نمسكهــم
ونقليـه لـك قليـاً جيـداً بحيــث لا يضيــع مــن دهنــه شــيء فقــال صــواب: أنــا خائــف مــن شــيء تذكرتــه
مـن قلـة عقـل وهـو أننـا نرمـي الصنــدوق وراء البــاب لأنــه ذخيرتنــا فقــالا لــه: إن رمينــاه ينكســر فاقــل:
انـا جربـت أن يكـون فـي داخـل التربـة الحراميــة الذيــن يقتلــون النــاس ويسرقــون أموالهــم لأنهــم إذا أمســى
عليهـم الوقـت يدخلـون فـي هـذه الأماكـن ويقسمـون معهـم فقـال لـه الاثنــان الحاملــان للصنــدوق: يــا قليــل
العقــل هـــل يقـــدرون أن يدخلـــوا هـــذا المكـــان فحمـــلا الصنـــدوق وتعلقـــا علـــى الحائـــط ونـــزلا وفتحـــا
البـاب والعبـد الثالـث الــذي هــو خبيــث واقــف لهمــا بالنــور والمقطــف الــذي فيــه بعــض مــن الجبــس.
ثــم إنهــم جلســوا وقفلــوا البــاب فقــال واحــد منهــم: يــا أخوتــي نحــن تعبنــا مــن المشـــي والشيـــل والحـــط
===
وفتـح البـاب وقفلـه وهـذا الوقـت نصـف الليـل ولـم يبــق فينــا قــوة لفتــح البــاب ودفــن الصنــدوق ولكننــا
نجلــس هنــا ثلــاث ساعــات لنستريــح ثــم نقــوم ونقضــي حاجتنــا ولكــن كـــل واحـــد منـــا يحكـــي سبـــب
تطويشه وجميع ما وقع له من المبتدأ إلى المنتهى لأجل قوات هذه الليلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والخمسون
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن العبيـد الثلاثـة لمــا قالــوا لبعضهــم كــل واحــد يحكــي جميــع مــا وقــع
لــه قــال الــأول وهــو الــذي كــان حامــل النــور: أنــا أحكـــي لكـــم حكايتـــي فقالـــوا لـــه: تكلـــم قـــال لهـــم:
اعلمـوا يــا أخوانــي أنــي لمــا كنــت صغيــراً جــاء بــي الجلــاب مــن بلــدي وعمــري خمــس سنيــن فباعنــي
لواحــد جاويـــش وكـــان لـــه بنـــت عمرهـــا ثلـــاث سنـــوات فتربيـــت معهـــا وكانـــوا يضحكـــون علـــي وأنـــا
ألاعــب البنــت وأرقــص معهــا إلــى أن صــار عمــري اثنتــي عشــرة سنــة وهــي بنــت عشــر سنيــن ولا
يمنعوننـي عنهـا إلـى أن دخلـت عليهـا يومـاً مـن الأيـام وهـي جالسـة فـي البيـت لأنهـا كانـت معطـرة مبخــرة
ووجههـا مثـل القمـر فـي ليلــة أربعــة عشــر فلاعبتنــي ولاعبتهــا فنفــر أحليلــي حتــى صــار مثــل المفتــاح
الكبير.
===
فدفعتنـي إلـى الـأرض فوقعـت علـى ظهـري وركبــت علــى صــدري وصــارت تتمــرغ علــي فانكشــف
إحليلـي فلمـا رأتـه وهـو نافـر أخذتــه بيدهــا وصــارت تحــك بــه علــى أشفــار فرجهــا مــن فــوق لباسهــا
فهاجـت الحـرارة عنـدي وحضنتهـا فشبكـت يديهـا فـي عنقـي وفرطــت علــي بجسدهــا فلــم أشعــر إلا
وإحليلــي فتــق لباسهــا ودخــل فــي فرجهــا وأزال بكارتهــا فلمــا عاينــت ذلــك هربــت عنـــد أصحابـــي
فدخلــت عليهــا أمهــا فلمــا رأت حالهـــا غابـــت عـــن الدنيـــا ثـــم تداركـــت أمرهـــا وأخفـــت حالهـــا عـــن
أبيهــا وكتمتــه وصبــرت عليهــا مــدة شهريــن كــل هــذا وهــم ينادوننــي ويلاطفوننــي حتــى أخذونـــي مـــن
المكان الذي كنت فيه ولم يذكروا شيئاً من هذا الأمر لأبيها لأنهم كانوا يحبونني كثيراً.
ثــم إن أمهــا خطبــت لهــا شابــاً مزيــن كــان يزيــن أباهــا وأمهرتهــا مــن عندهــا وجهزتهــا كــل هــذا وأبوهـــا
لا يعلـم بحالهـا وصـاروا يجتهـدون فـي تحصيـل جهازهـا ثــم إنهــم أمسكونــي علــى غفلــة وخصونــي ولمــا
زفوهـا للعريـس جعلونـي طواشيـاً لهـا أمشــي قدامهــا أينمــا راحــت ســواء كــان رواحهــا إلــى الحمــام أو
إلـى بيـت أبيهـا وقـد ستـروا أمرهـا. وليلـة الدخلــة ذبحــوا علــى قميصهــا حمامــة ومكثــت عندهــا مــدة
طويلــة وأنــا أتملــى بحسنهـــا وجمالهـــا علـــى قـــدر مـــا أمكننـــي مـــن تقبيـــل وعنـــاق إلـــى أن ماتـــت هـــي
وزوجهـا وأمهـا وأبوهـا ثـم أخـذت بيــت المــال وصــرت هــذا المكــان وقــد ارتفعــت بكــم وهــذا سبــب
قطع إحليلي والسلام.
===
فقـال العبـد الثانـي: اعلمـوا يـا إخوانـي انـي كنـت فـي ابتـداء أمـري ابـن ثمــان سنيــن ولكــن كنــت أكــذب
على الجلابة كل سنة كذبة حتـى يقعـوا فـي بعضهـم فقلـق منـي الجلـاب وأنزلنـي فـي يـد الدلـال وأمـره أن
ينــادي مــن يشتــري هــذا العبــد علــى عيبــه فقيــل لــه: ومــا عيبـــه قـــال: يكـــذب فـــي كـــل سنـــة كذبـــة
واحــدة فتقــدم رجــل تاجــر إلــى الدلــال وقــال لــه: كــم أعطــوا فــي هــذا العبــد مـــن الثمـــن علـــى عيبـــه
قــال: أعطــوا ستمائــة درهــم قــال: ولـــك عشـــرون فجمـــع بينـــه وبيـــن الجلـــاب وقبـــض منـــه الدراهـــم
وأوصلنـي الدلـال إلــى منــزل ذلــك التاجــر وأخــذ دلالتــه فكسانــي التاجــر مــا يناسبنــي ومكثــت عنــده
باقـي سنتـي إلـى أن هلـت السنـة الجديـدة بالخيـر وكانـت سنـة مباركـة مخصبـة بالنبــات فصــار التجــار
يعملـون العزومـات وكـل يـوم علـى واحـد منهـم إلـى أن جـاءت العزومـة علــى سيــدي فــي بستــان خــارج
البلــد فــراح هــو والتجـــار وأخـــذ لهـــم مـــا يحتاجـــون إليـــه مـــن أكـــل وغيـــره فجلســـوا يأكلـــون ويشربـــون
ويتنادمــون إلــى وقــت الظهــر فاحتــاج سيــدي إلــى مصلحــة مــن البيــت فقــال: يـــا عبـــد اركـــب البغلـــة
وروح إلــى المنــزل وهــات مــن سيدتــك الحاجـــة الفلانيـــة وارجـــع سريعـــاً فامتثلـــت أمـــره ورحـــت إلـــى
المنـزل وأخبرتهـم أن سيـدي جلـس تحـت الحائـط لقضـاء حاجــة فوقــع الحائــط عليــه ومــات. فلمــا سمــع
أولــاده وزوجتـــه ذلـــك الكلـــام صرخـــوا وشقـــوا ثيابهـــم ولطمـــوا علـــى وجوههـــم فأتـــت إليهـــم الجيـــران
وأمــا زوجــة سيــدي فإنهــا قلبــت متــاع البيــت بعضــه علــى بعــض وخلعـــت رفوفـــه وكســـرت طبقاتـــه
===
وشبابيكــه وسخمــت حيطانــه بطيــن ونيلــة وقالــت: ويلــك يــا كافـــور تعـــال ساعدنـــي واخـــرب هـــذه
الدواليب وكسر هذه الأواني والصيني.
فجئــت إليهـــا وأخرجـــت معهـــا رفـــوف البيـــت وأتلفـــت مـــا عليهـــا ودواليبـــه وأتلفـــت مـــا فيهـــا ودرت
علــى السقــوف وعلــى كــل محــل حتــى أخرجــت الجميــع وأنــا أصيـــح واسيـــداه ثـــم خرجـــت سيدتـــي
مكشوفــة الوجــه بغطــاء رأسهــا لا غيــر وخــرج معهــا البنــات والأولـــاد وقالـــوا: يـــا كافـــور امـــش وأرنـــا
مكــان سيــدك الــذي هــو ميــت فيــه تحــت الحائــط حتــى نخرجــه مــن تحــت الــردم ونحملـــه فـــي تابـــوت
ونجــيء بــه إلــى البيــت فنخرجــه خرجــة مليحــة فمشيــت قدامهــم وأنــا أصيــح واسيــداه وهــم خلفــي
مكشوفـوا الوجـوه والـرؤوس يصيحــون: وامصيبتــاه وانكبتــاه فلــم يبــق أحــد مــن الرجــال ولا مــن النســاء
ولا مـــن الصبيـــان ولا صبيـــة ولا عجـــوزة إلا جـــاءت معنـــا وصـــاروا كلهـــم يلطمـــون وهـــم فـــي شــــدة
البكـاء فمشيـت بهـم فـي المدينـة فســأل النــاس عــن الخبــر فأخبروهــم بمــا سمعــوا منــي فقــال النــاس: لا
حـول ولا قـوة إلا باللـه العلـي العظيـم إننـا نمضـي للوالـي ونخبـره فلمـا وصلـوا إلــى الوالــي أخبــروه. وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الرابعة والخمسين
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أنهــم لمــا وصلــوا إلــى الوالــي وأخبــروه قــام الوالــي وركــب وأخــذ معــه
الفعلــة بالمساحــي والقفــف ومشــوا تابعيــن أثــري ومعهــم كثيـــر مـــن النـــاس وأنـــا أبكـــي وأصيـــح وأحثـــو
التـراب علـى رأسـي وألطـم علـى وجهـي فلمـا دخلـت عليهـم ورآنـي سيـدي بهــت واصفــر لونــه وقــال:
مــا لــك يــا كافــور ومــا هــذا الحــال ومــا الخبــر فقلــت لــه: إنــك لمــا أرسلتنـــي إلـــى البيـــت لأجـــيء لـــك
بالـذي طلبتـه رحـت إلـى البيـت ودخلتـه فرأيـت الحائـط التـي فـي القاعـة وقعـت فانهدمـت القاعــة كلهــا
علــى سيدتــي وأولادهــا فقــال لــي: وهــل سيدتــك لــم تسلــم فقــال: لا مــا سلــم منهــم أحــد وأول مــن
مـات منهـم سيدتـي الكبيـرة فقـال: وهـل سلمـت بنتــي الصغيــرة فقلــت: لا فقــال لــي: ومــا حــال البغلــة
التـــي أركبهـــا هـــل هـــي سالمـــة فقلـــت لـــه: لا يـــا سيـــدي فـــإن حيطـــان البيــــت وحيطــــان الاصطبــــل
انطبقــت علــى جميـــع مـــا فـــي البيـــت حتـــى علـــى الغنـــم والـــإوز والدجـــاج وصـــاروا كلهـــم كـــوم لحـــم
وصـاروا تحـت الـردم ولـم يبـق منهـم أحـد فقــال لــي: ولا سيــدك الكبيــر فقلــت لــه: لا فلــم يسلــم منهــم
أحـــد وفـــي هـــذه الساعـــة لـــم يبـــق دار ولا سكـــان ولـــم يبـــق مـــن ذلـــك كلـــه أثـــر وأمـــا الغنـــم والـــإوز
والدجاج فإن الجميع أكلها القطط والكلاب.
فلمـا سمـع سيـدي كلامـي صـار الضيــاء فــي وجهــه ظلامــاً ولــم يقــدر أن يتمالــك نفســه ولا عقلــه ولــم
يقـدر أن يقـف علـى قدميــه بــل جــاءه الكســاح وانكســر ظهــره ومــزق أثوابــه ونتــف لحيتــه ولطــم علــى
===
وجهــه ورمــى عمامتــه مــن فــوق رأســه ومــا زال يلطــم وجهــه حتــى ســـال منـــه الـــدم وصـــار يصيـــح:
آه.. وا أولـــاداه آه وا زوجتـــاه.. آه وا مصيبتـــاه مـــن جـــرى لـــه مثــــل مــــا جــــرى لــــي فصــــاح التجــــار
رفقـاؤه لصياحـه وبكـوا معـه ورثـوا لحالـه وشقـوا أثوابهــم وخــرج سيــدي مــن ذلــك البستــان وهــو يلطــم
مـن شـدة مــا جــرى لــه وأكثــر اللطــم علــى وجهــه وصــار كأنــه سكــران فبينمــا الجماعــة خارجــون مــن
بــاب البستــان وإذا هــم نظــروا غبــرة عظيمــة وصياحــات بأصــوات مزعجــة فنظـــروا إلـــى تلـــك الجهـــة
فــرأوا الجماعــة المقبليــن وهــم الوالــي وجماعتــه والخلــق والعالــم الذيــن يتفرجــون وأهــل التاجـــر وراءهـــم
يصرخــون ويصيحــون وهــم فــي بكــاء وحــزن زائــد فــأول مــن لاقــى سيـــدي زوجتـــه وأولادهـــا فلمـــا
رآهـــم بهـــت وضحـــك وقـــال لهـــم: مـــا حالكـــم أنتـــم ومـــا حصـــل فـــي الـــدار ومـــا جـــرى لكـــم فلمــــا
رأوه قالـوا: الحمـد للــه علــى سلامتــك أنــت ورمــوا أنفسهــم عليــه وتعلقــت أولــاده بــه وصاحــوا: وأبتــاه
الحمــد للــه علــى سلامتــك يــا أبانــا وقالــت لــه زوجتــه: الحمــد للــه الــذي أرانــا وجهـــك بسلامـــة وقـــد
اندهشــت وطـــار عقلهـــا لمـــا رأتـــه وقالـــت لـــه: كيـــف كانـــت سلامتـــك أنـــت وأصحابـــك فقـــال لهـــا:
وكيـف كـان حالكـم فـي الـدار فقالــوا: نحــن طيبــون بخيــر وعافيــة ومــا أصــاب دارنــا شــيء مــن الشــر
غيــر أن عبــد كافــوراً جــاء إلينــا مكشـــوف الـــرأس مـــزق الأثـــواب وهـــو يصيـــح: وا سيـــداه واسيـــداه
فقلنــا لـــه مـــا الخبـــر يـــا كافـــور فقـــال: إن سيـــدي جلـــس تحـــت حائـــط فـــي البستـــان ليقضـــي حاجـــة
===
فوقعـت عليـه فمـات فقـال لهـم سيـده: واللـه إنـه أتانـي فـي هـذه الساعـة وهـو يصيـح: وا سيدتــاه وقــال
أن سيدتــي وأولادهــا ماتــوا جميعــاً ثــم نظــر إلــى جانبـــه فرآنـــي وعمامتـــي ساقطـــة فـــي رأســـي وأنـــا
أصيـح وأبكـي بكـاء شديـداً وأحثـو التـراب علـى رأسـي فصـرخ علـي فأقبلـت عليــه فقــال لــي: ويلــك
يــا عبــد النحــس يــا ابــن الزانيــة يــا ملعــون الجنــس مــا هــذه الوقائــع التــي عملتهــا ولكــن واللـــه لأسلخـــن
جلـدك عـن لحمـك وأقطعـن لحمـك عـن عظمـك فقلـت: واللـه مـا تقــدر أن تعمــل معــي شيئــاً لأنــك قــد
اشتريتنـي علـى عيبـي وأنـت عالـم بـه وهـو أنـي أكـذب فـي كـل سنـة كذبـة واحـدة وهـذه نصـف كذبــة
فإذا كملت السنة كذبت نصفها الآخر فتبقى كذبة واحدة.
فصـاح علـي: يـا ألعــن العبيــد هــل هــذا كلــه نصــف كذبــة وإنمــا هــو داهيــة كبيــرة اذهــب عنــي فأنــت
حـر فقلـت: واللـه إن أعتقتنـي أنـت مـا أعتقــك أنــا حتــى تكمــل السنــة وأكــذب نصــف الكذبــة الباقــي
وبعـد أن أتمهـا فانـزل بـي السـوق وبعنـي بمـا اشتريتنـي بـه علـى عيبـي ولا تعتقنـي فإننـي مـا لــي صنعــة
أقتات منها وهذه المسألة التي ذكرتها لك شرعية ذكرها الفقهاء في باب العتق.
فبينمــا نحــن فــي الكلــام وإذا بالخلايــق والنــاس وأهــل الحــارة نســاء ورجــالاً قــد جــاؤوا يعملــون العـــزاء
وجــاء الوالــي وجماعتــه فــراح سيــدي والتجــار إلــى الوالــي وأعلمــوه بالقضيـــة وإن هـــذه نصـــف كذبـــة
فلمــا سمــع الحاضــرون ذلــك منــه استعظمــوا تلــك الكذبــة وتعجبــوا غايــة العجــب فلعنونــي وشتمونــي
===
فبقيــت واقفــاً أضحــك وأقــول: كيــف يقتلنــي سيــدي وقــد اشترانــي علــى هــذا العيـــب فلمـــا مضـــى
سيــدي إلــى البيــت وجــده خرابــاً وأنــا الــذي أخربــت معظمــه وكســرت فيــه شيئــاً يســاوي كثيـــراً مـــن
المال.
فقالـت لـه زوجتـه: إن كافــور هــو الــذي كســر الأوانــي الصينــي فــازداد غيظــه وقــال: واللــه مــا رأيــت
عمـري ولـد زنـا مثـل هـذا العبـد ولأنـه يقــول نصــف كذبــة فكيــف لــو كانــت كذبــة كاملــة فحينئــذ كــان
أخرب مدينة أو مدينتن ثـم ذهـب مـن شـدة غيظـه إلـى الوالـي فضربنـي علقـة شديـدة حتـى غبـت عـن
الدنيـا وغشـي علــي فأتانــي بالمزيــن فــي حــال غشيتــي فخصانــي وكوانــي فلمــا أفقــت وجــدت نفســي
خصيـاً وقـال لـي سيـدي: مثـل مـا أحرقـت قلبـي علـى أعــز الشــيء عنــدي أحرقــت قلبــك علــى أعــز
الشـيء عنـدك ثـم أخذنـي فباعنـي بأغلـى ثمـن لأنـي صـرت طواشيـاً ومـا زلـت ألقـى الفتـن فـي الأماكــن
التي أباع فيها.
وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والخمسون
قالت: بلغني أن العبـد قـال: ومـا زلـت ألقـى الفتـن فـي الأماكـن التـي أبـاع فيهـا وانتقـل مـن أميـر إلـى أميـر
===
ومـن كبيـر إلـى كبيـر بالبيـع والشـراء حتـى دخلـت قصـر أميـر المؤمنيــن وقــد انكســرت نفســي وضعفــت
قوتـي وأعدمـت خصيتـي فلمـا سمـع العبـدان كلامـه ضحكـا عليـه وقـالا لــه: إنــك خبيــث ابــن خبيــث
قـد كذبـت كذبـاً شنيعـاً. ثـم قالـوا للعبـد الثالـث: احـك لنـا حكايتـك قـال لهـم: يـا أولــاد عمــي كــل مــا
حكـي هـذا بطــال فأنــا أحكــي لكــم سبــب قطــع خصيتــي وقــد كنــت أستحــق أكثــر مــن ذلــك لأنــي
كنـت نكحـت سيدتـي وابـن سيدتـي والحكايـة معـي طويلـة ومــا هــذا وقــت حكايتهــا الــآن الصبــاح يــا
أولــاد عمــي قريــب وربمــا يطلــع علينــا الصبــاح. ومعنــا هــذا الصنــدوق فننفضـــح بيـــن النـــاس وتـــروح
أرواحنـا فدونكـم فتـح البــاب فــإذا فتحنــاه ودخلنــا محلنــا قلــت لكــم علــى سبــب قطــع خصيتــي ثــم
تعلـق ونــزل مــن الحائــط وفتــح البــاب فدخلــوا وحطــوا الشمــع وحفــروا حفــرة علــى قــد الصنــدوق بيــن
أربعـة قبـور وصـار كافـور يحفـر وصـواب ينقـل التـراب بالقفــف إلــى أن حفــروا نصــف قامــة ثــم حطــوا
الصنـدوق فـي الحفـرة وردوا عليـه التـراب وخرجـوا مـن التربـة وردوا البـاب وغابــوا عــن عيــن غانــم بــن
أيوب.
فلمـا خـلا لغانـم المكـان وعلـم أنـه وحـده اشتغـل سـره بمــا فــي الصنــدوق وقــال فــي نفســه: يــا تــرى أي
شــيء فــي الصنــدوق ثــم صبــر حتــى كشـــف الصنـــدوق وخلصـــه ثـــم أخـــذ حجـــراً وضـــرب القفـــل
فكســره وكشــف الغطــاء ونظــر فـــرأى صبيـــة نائمـــة مبنجـــة ونفسهـــا طالـــع ونـــازل إلا أنهـــا ذات حســـن
===
وجمـال وعليهــا حلــي ومســاغ مــن الذهــب وقلائــد مــن الجوهــر تســاوي ملــك السلطــان مــا يفــي بثمنهــا
مــال فلمــا رآهــا غانــم بــن أيــوب عــرف أنهــم تغامــزوا عليهــا فلمــا تحقــق ذلــك الأمـــر عالـــج فيهـــا حتـــى
أخرجهــا مــن الصنــدوق وأرقدهــا علــى قفاهــا فلمــا استنشقــت الأريــاح ودخــل الهــواء فــي مناخرهــا
عطســت ثــم شرقــت وسعلــت فوقــع مــن حلقهــا قــرص بنــج لــو شمـــه الفيـــل لـــرد مـــن الليـــل إلـــى الليـــل
ففتحــت عينيهــا وأدارت طرفهـــا وقالـــت بكلـــام فصيـــح: ويلـــك يـــا ريـــح مـــا فيـــك ري للعطشـــان ولا
أنــس للريــان أيــن زهــر البستــان فلــم يجاوبهــا أحــد فالتفتــت وقالــت صبيحــة شجـــرة الدرنـــور الهـــدى
نجمـة الصبـح أنـت فـي شهـر نزهـة حلـوة ظريفـة تكلمـوا فلـم يجبهـا أحــد فجالــت بطرفهــا وقالــت: ويلــي
عنـد إنزالـي فـي القبـور يـا مـن يعلـم مـا فـي الصـدور ويجـازي يـوم البعـث والنشـور مـن جـاء بـي مـن بيـن
الستور والخدور ووضعني بين أربعة قبور هذا كله وغانم واقف على قدميه.
فقــال لهـــا: يـــا سيدتـــي لا خـــدور ولا قصـــور ولا قبـــور مـــا هـــذا إلا عبـــدك غانـــم بـــن أيـــوب ساقـــه
إليــك الملــك وعلــام الغيــوب حتــى ينجيــك مـــن هـــذه الكـــروب ويحصـــل لـــك غايـــة المطلـــوب وسكـــت
فلمـا تحققــت الأمــر قالــت: أشهــد أن لا إلــه إلا اللــه وأشهــد أن محمــداً رســول اللــه والتفتــت إلــى غانــم
وقـد وضعـت يديهــا علــى صدرهــا وقالــت لــه بكلــام عــذب: أيهــا الشــاب المبــارك مــن جــاء بــي إلــى
هــذا المكــان فهــا أنــا قــد أفقــت فقــال: يـــا سيدتـــي ثلاثـــة عبيـــد خصيـــون أتـــوا وهـــم حاملـــون هـــذا
===
الصنــدوق ثــم حكـــى لهـــا مـــا جـــرى وكيـــف أمســـى عليـــه المســـاء حتـــى كـــان سبـــب سلامتهـــا وإلا
كانــت ماتــت بغصتهـــا ثـــم سألهـــا عـــن حكايتهـــا وخبرهـــا فقالـــت لـــه: أيهـــا الشـــاب الحمـــد للـــه الـــذي
رمانـي عنـد مثلـك فقـم الـآن وحطنــي فــي الصنــدوق واخــرج إلــى الطريــق وأوصلنــي إلــى بيتــك فــإذا
صـرت فـي دارك يكـون خيـراً وأحكــي لــك حكايتــي وأخبــرك تقصتــي ويحصــل لــك الخيــر مــن جهتــي
ففـــرح وخـــرج إلـــى البريـــة وقـــد شعشـــع النهـــار وطلعـــت الشمـــس بالأنـــوار وخرجـــت النـــاس ومشــــوا
فاكتـرى رجـلاً ببغـل وأتــى بــه إلــى التربــة فحمــل الصنــدوق بعدمــا حــط فيــه الصبيــة ووقعــت محبتهــا
فـي قلبـه وسـار بهـا وهـو فرحـان لأنهـا جاريـة تسـاوي عشـرة آلـاف دينـار وعليهــا حلــي وحلــل يســاوي
مــــالاً جزيــــلاً ومــــا صــــدق أن يصــــل إلــــى داره وأنــــزل الصنـــــدوق وفتحـــــه وأدرك شهـــــرزاد الصبـــــاح
فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والخمسين
قالــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن غانـــم بـــن أيـــوب وصـــل إلـــى داره بالصنـــدوق وفتحـــه وأخـــرج
الصبيــة منــه ونظــرت فــرأت هــذا المكــان محــلاً مليحــاً مفروشــاً بالبســط الملونــة والــأوان المفرحــة وغيـــر
ذلـــك ورأت قماشـــاً محزومـــاً وأحمـــالاً وغيـــر ذلـــك فعلمـــت أنـــه تاجـــر كبيـــر صاحـــب أمــــوال ثــــم إنهــــا
===
كشفــت وجههــا ونظــرت إليــه فــإذا هــو شـــاب مليـــح فلمـــا رأتـــه أحبتـــه وقالـــت لـــه: هـــات لنـــا شيئـــاً
نأكلــه فقــال لهــا غانــم: علــى الــرأس والعيــن ثـــم نـــزل الســـوق واشتـــرى خروفـــاً مشويـــاً وصحـــن حلـــاوة
وأخــذ معــه نقــلاً وشمعــاً وأخــذ معــه نبيــذاً ومــا يحتــاج إليــه الأمــر مــن ألـــة المشمـــوم وأتـــى إلـــى البيـــت
ودخــل بالحوائــج فلمــا رأتــه الجاريـــة ضحكـــت وقبلتـــه واعتنقتـــه وصـــارت تلاطفـــه فـــازدادت عنـــده
المحبة واحتـوت علـى قلبـه ثـم أكـلا وشربـا إلـى أن أقبـل الليـل وقـد أحـب بعضهمـا بعضـاً لأنهمـا كانـا فـي
سن واحد.
فلمـا أقبـل الليـل قـام المتيـم المسلــوب غانــم بــن أيــوب وأوقــد الشمــوع والقناديــل فأضــاء المكــان وأحضــر
آلـة المـدام ثـم نصـب الحضـرة وجلـس هـو وإياهـا. وكـان يمـلأ ويسقيهـا وهـي تمـلأ وتسقيــه وهمــا يلعبــان
ويضحكــان وينشــدان الأشعــار وزاد بهمــا الفــرح وتعلقــا بحــب بعضهمــا فسبحــان مؤلــف القلــوب ولــم
يـزالا كذلـك إلـى قريـب الصبـح فغلـب عليهمـا النـوم فنـام كـل منهمـا فـي موضعــه إلــى أن أصبــح الصبــاح
فقـام غانـم بـن أيـوب وخـرج إلـى السـوق واشتــرى مــا يحتــاج إليــه مــن خضــرة ولحــم وخمــر وغيــره وأتــى
بــه إلــى الــدار وجلــس هـــو وإياهـــا يأكلـــان فأكـــلا حتـــى اكتفيـــا وبعـــد ذلـــك أحضـــر الشـــراب وشربـــا
ولعبــا مــع بعضهمــا حتــى احمــرت وجنتاهمــا واســودت أعينهمــا واشتاقــت نفــس غانــم بــن أيــوب إلــى
تقبيــل الجاريــة والنــوم معهــا فقــال لهــا: يــا سيدتــي ائذنــي لــي بقبلـــة فـــي فيـــك لعلهـــا تبـــرد نـــار قلبـــي
===
فقالـت: يـا غانـم اصبـر حتـى أسكـر وأغيـب وأسمــح لــك ســراً بحيــث لــم أشعــر أنــك قبلتنــي ثــم إنهــا
قامــت علــى قدميهــا وخلعــت بعــض ثيابهــا وقعــدت فــي قميــص رفيـــع وكوفيـــة فعنـــد ذلـــك تحركـــت
الشهــوة عنــد غانــم وقــال: يــا سيدتــي أمــا تسمحيــن لــي بمــا طلبتــه منــك فقالــت: واللــه لا يصــح لـــك
ذلك لأنه مكتوب على دكة لباسي قول صعب فانكسر خاطر غانم بن أيوب فأنشدت:
سألـــــت مـــــن أمـــــر ضنــــــى فـــــي قبلـــــة تشفـــــي السقـــــم
فقــــــــــــــــــال لا لا أبـــــــــــــــــــدا قلــــــــت لــــــــه نعــــــــم نعـــــــــم
فقالــــــت خذهــــــا بالرضـــــــا مــــــــــن الحلــــــــــال وابتســــــــــم
فقلــــــــت غصبــــــــاً قـــــــــال لا ألا علــــــــــــــى رأس علــــــــــــــم
فــــــلا تســــــل عمــــــا جــــــرى إلا علــــــــــــــى رأس علــــــــــــــم
فــــــلا تســــــل عمــــــا جــــــرى واستغفــــــــــر اللــــــــــه ونـــــــــــم
فظـــــــن مـــــــا شئـــــــت بنـــــــا فالحـــــــــب يحلـــــــــو بالتهــــــــــم
ولا أبالي بعد أن باح يوماً أو كتم
ثـم زادت محبتـه وانطلقـت النيـران فـي مهجتـه هــذا وهــي تتمنــع منــه وتقــول: مــا لــك وصــول إلــي ولــم
يـزالا فـي عشقهمـا ومنادمتهمـا وغانـم بـن أيـوب غريـق فــي بحــر الهيــام وأمــا هــي فإنهــا قــد ازداد قســوة
===
وامتناعــاً إلــى أن دخــل الليــل بالظلــام وأرخـــى عليهـــا ذيـــل المنـــام فقـــام غانـــم وأشعـــل القناديـــل وأوقـــد
الشمــــوع وزاد بهجــــة المقــــام وأخــــذ رجليهــــا وقبلهمــــا فوجدهمــــا مثــــل الزبــــد الطــــري فمــــرغ وجههــــا
عليهـا وقـال: يـا سيدتـي ارحمــي أسيــر هــواك ومــن قتلــت عينــاك كنــت سليــم القلــب لولــاك ثــم بكــى
قليـلاً فقالــت: أنــا واللــه لــك عاشقــة وبــك متعلقــة ولكــن أنــا أعــرف أنــك لا تصــل إلــي فقــال لهــا: ومــا
المانــع فقالــت لــه: سأحكــي لــك فــي هــذه الليلــة قصتـــي حتـــى تقبـــل عـــذري ثـــم إنهـــا ترامـــت عليـــه
وطوقـــت علــــى رقبتــــه بيديهــــا وصــــارت تقبلــــه وتلاطفــــه ثــــم وعدتــــه بالوصــــال ولــــم يــــزالا يلعبــــان
ويضحكـان حتـى تمكـن حـب بعضهمـا مـن بعـض ولـم يـزالا علـى ذلـك الحـال وهمـا فــي كــل ليلــة ينامــان
فــي فــراش واحــد وكلمــا طلــب منهــا الوصــال تتعــزز عنــه مــدة شهــر كامـــل وتمكـــن حـــب كـــل واحـــد
منهمـا مـن قلـب الآخـر ولـم يبـق لهمـا صبـر عـن بعضهمـا إلـى أن كانـت ليلـة مـن الليالـي وهــو راقــد معهــا
والاثنـان سكرانـان فمـد يـده علـى جسدهـا وملـس ثـم مـر بيـده علـى بطنهـا ونـزر إلـى سرتهــا فانتبهــت
وقعــدت وتعهــدت اللبــاس فوجدتــه مربوطــاً فنامــت ثانيــاً فملــس عليهــا بيــده ونــزل بهــا إلـــى سراويلهـــا
وتكتها وجذبها فانتبهت وقعدت وقعد غانم بجانبها.
فقالــت لــه: مــا لــذي تريــد قــال: أريــد أن أنــام معــك وأتصافـــى أنـــا وأنـــت فعنـــد ذلـــك قالـــت لـــه: أنـــا
الـآن أوضـح لـك أمـري حتـى تعـرف قـدري وينكشـف لــك عــذري قــال: نعــم فعنــد ذلــك شقــت ذيــل
===
قميصهــا ومــدت يدهــا إلــى تكــة لباسهــا وقالــت: يــا سيـــدي اقـــرأ الـــذي علـــى هـــذا الطـــرف فأخـــذ
طـرف التكـة فـي يـده ونظـره فوجـده مرقومــاً عليــه بالذهــب أنــا لــك وأنــت لــي يــا ابــن عــم النبــي فلمــا
قــرأه نثــر يــده وقــال لهــا: اكشفــي لــي عــن خبــرك قالــت: نعــم أنــا محظيــة أميــر المؤمنيـــن واسمـــي قـــوت
القلـوب وإن أميـر المؤمنيـن لمـا ربانـي فـي قصـره وكبـرت نظـر إلـى صفائـي ومـا أعطانـي ربـي مــن الحســن
والجمال فأحبنـي محبـة زائـدة وأخذنـي وأسكننـي فـي مقصـورة وأمـر لـي بعشـر جـوار يخدمننـي ثـم إنـه
أعطانـي ذلـك المصــاغ الــذي تــراه معــي ثــم إن الخليفــة سافــر يومــاً مــن الأيــام إلــى بعــض البلــاد فجــاءت
السيـدة زبيـدة إلـى بعــض الجــواري التــي فــي خدمتــي وقالــت: إذا نامــت قــوت القلــوب فحطــي هــذه
القلقة البنج في أنفها أو في شرابها ولك علي من المال ما يكفيك.
فقالـــت لهـــا الجاريـــة: حبـــاً وكرامـــة ثـــم إن الجاريـــة أخــــذت البنــــج منهــــا وهــــي فرحانــــة لأجــــل المــــال
ولكونهـا كانـت فــي الأصــل جاريتهــا فجــاءت إلــي ووضعــت البنــج فــي جوفــي فوقعــت علــى الــأرض
وصــارت رأســي عنــد رجلــي ورأيــت نفســي فــي دنيــا أخــرى ولمــا تمــت حيلتهــا حطتنــي فــي ذلــك
الصندوق وأحضـرت العبيـد سـراً وأنعمـت عليهـم وعلـى البوابيـن وأرسلتنـي مـع العبيـد فـي الليلـة التـي
كنـت نائمـاً فيهـا فـوق النخلـة وفعلــوا معــي مــا رأيــت وكانــت نجاتــي علــى يديــك وأنــت أتيــت بــي إلــى
هـذا المكـان وأحسنـت إلـى غايـة الإحسـان وهـذه قصتـي ومـا أعـرف الـذي جـرى للخليفـة فـي غيبتـي
===
فأعــرف قــدري ولا تشهــر أمــري فلمـــا سمـــع غانـــم بـــن أيـــوب كلـــام قـــوت القلـــوب وتحقـــق أنهـــا محظيـــة
الخليفـة تأخـر إلــى ورائــه خيفــة مــن هيبــة الخليفــة وجلــس وحــده فــي ناحيــة مــن المكــان يعاتــب نفســه
ويتفكـر فـي أمـره وصـار متحيـراً فـي عشـق التـي ليـس لـه إليهـا الوصـول فبكـى مـن شــدة الغــرام ولوعــة
الوجـد والهيـام وصـار يشكـو الزمـان ومـا لـه مـن العـدوان فسبحـان مـن شغــل قلــوب الكــرام بالمحبــة ولــم
يعط الأنذال منها وزن حبة وأنشد هذين البيتين:
قلب المحب على الأحباب متعوب وعقله مع بديع الحسـن منهـوب
وقائل قال لي ما المحب قلت له الحب عذب ولكن فيه تعذيب
فعنـد ذلـك قامـت إليـه قـوت القلـوب واحتضنتـه وقبلتـه وتمكـن حبـه فـي قلبهـا وباحـت لــه بسرهــا ومــا
عندهـا مـن المحبـة وطوقـت علــى رقبتــه بيديهــا وقبلتــه وهــو يتمنــع عنهــا خوفــاً مــن الخليفــة ثــم تحدثــا
ساعـة مـن الزمــان وهمــا غريقــان فــي بحــر محبــة بعضهمــا إلــى أن طلــع النهــار فقــام غانــم ولبــس أتوابــه
وخــرج إلــى الســوق علــى عادتــه وأخــذ مــا يحتــاج إليــه الأمــر وجــاء إلــى البيــت فوجــد قـــوت القلـــوب
تبكـي فلمـا رأتـه سكتـت عـن البكـاء وتبسمـت وقالـت لـه: أوحشتنـي يـا محبـوب قلبــي واللــه إن هــذه
الساعـة التـي غبتهـا عنـي كسنـة فإنـي لا أقـدر علـى فراقــك وهــا أنــا قــد بينــت لــك حالــي مــن شــدة
ولعـي بـك فقـم الـآن ودع مـا كــان واقــض أربــك منــي قــال: أعــوذ باللــه إن هــذا شــيء لا يكــون كيــف
===
يجلـس الكلـب فـي موضـع السبـع والـذي لمولـاي يحـرم علـي أن أقربـه ثـم جـذب نفســه منهــا وجلــس فــي
ناحيــة وزادت هــي محبــة بامتناعــه عنهــا ثــم جلســت إلــى جانبــه ونادمتـــه ولاعبتـــه فسكـــرا وهامـــت
بالافتضاح به فغنت منشدة هذه الأبيات:
قلــب المتيـــم كـــاد أن يتفتـــت فإلى متى هذا الصدود إلى متى
يـا معرضـاً عنـي بغيــر جنايــة فعوائـــــد الغزلـــــان أن تتلفتـــــا
صــد وهجــر زائــد وصبابـــة ما كل هذا الأمر يحملـه الفتـى
فبكـى غانـم بـن أيـوب وبكـت هـي لبكائـه ولـم يـزالا يشربـان إلـى الليـل ثـم قـام غانـم وفـرش فرشيــن كــل
فـرش فـي مكـان وحـده فقالــت لــه قــوت القلــوب: لمــن هــذا الفــرش الثانــي فقــال لهــا: هــذا لــي والآخــر
لـك ومـن الليلـة لا ننـام إلا علـى هــذا النمــط وكــل شــيء للسيــد حــرام علــى العبــد فقالــت: يــا سيــدي
دعنــا مــن هــذا وكــل شــيء يجــري بقضــاء وقــدر فأبــى فانطلقــت النــار فــي قلبهـــا وزاد غرامهـــا فيـــه
وقالــت: واللــه مــا ننــام إلا سويــاً فقــال: معـــاذ اللـــه وغلـــب عليهـــا ونـــام وحـــده إلـــى الصبـــاح فـــزاد بهـــا
العشــق والغــرام واشتــد بهــا الوجــد والهيــام وأقامــا علــى ذلــك ثلاثــة أشهـــر طـــوال وهـــي كلمـــا تقـــرب
منـه يمتنـع عنهـا ويقـول: كـل مـا هـو مخصـوص بالسيـد حـرام علـى العبــد فلمــا طــال بهــا المطــال مــع غانــم
بن أيوب المسلوب وزادت بها الشجون والكروب أنشدت هذه الأبيات:
===
حويت من الرشاقة كل معنـى وحـوت مــن الملاحــة كــل فــن
وأجريــت الغــرام لكـــل قلـــب وكللــت السهـــاد بكـــل جفـــن
وأعرف قلبك الأغصـان تجنـي فيا غصـن الـأراك أراك تجنـي
وعهـدي بالظبـا صيـد فمالــي أراك تصيــــد أربــــاب المجـــــن
وأعجب ما أحدث عنك أني فتنــت وأنــت لــم تعلــم بأنـــي
فـلا تسمـح بوصلـك لـي فإنـي أغار عليك منك فكيف مني
ولسـت بقائـل مـا دمــت حيــاً بديع الحسن كما هـذا التجنـي
وأقامـوا علـى هــذا الحــال مــدة والخــوف يمنعهــم عنهــا فهــذا مــا كــان مــن أمــر المتيــم المسلــوب غانــم بــن
أيــوب وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر زبيـــدة فإنهـــا فـــي غيبـــة الخليفـــة فعلـــت بقـــوت القلـــوب ذلـــك الأمـــر ثـــم
صـــارت متحيـــرة تقـــول فـــي نفسهـــا مـــا أقـــول للخليفـــة إذا جـــاء وســـأل عنهـــا ومـــا يكـــون جوابــــي لــــه
فدعــت بعجــوز كانــت عندهــا وأطلعتهــا علــى سرهــا وقالــت لهــا: كيــف أفعـــل وقـــوت القلـــوب قـــد
فـرط فيهــا الفــرط فقالــت لهــا العجــوز لمــا فهمــت الحــال: اعلمــي يــا سيدتــي أنــه قــرب مجــيء الخليفــة
ولكــن أرسلــي إلــى النجــار وأمريــه أن يعمــل صــورة ميــت مــن خشــب ويحفــروا لــه قبــراً وتوقــد حولـــه
الشمــوع والقناديــل وأمــري كــل مــن فــي القصــر أن يلبســوا الأســود وأمــري جواريـــك والخـــدام إذا علمـــوا
===
أن الخليفـة أتـى مـن سفـره أن يشيعـوا الحــزن فــي الدهليــز فــإذا دخــل وســأل عــن الخبــر يقــول: إن قــوت
القلـوب ماتـت ويعظـم اللـه أجـرك فيهـا ومـن معزتهـا عنــد سيدتنــا دفنتهــا فــي قصرهــا فــإذا سمــع ذلــك
يبكـي ويعـز عليـه ثـم يسهـر القـراء علـى قبرهـا لقـراءة الختمـان فـإن قـال فـي نفسـه إن بنـت عمــي زبيــدة
مـن غيرتهـا سعـت فـي هلـاك قـوت القلـوب أو غلـب عليـه الهيــام فأمــر بإخراجهــا مــن القبــر فــلا تفزعــي
مــن ذلــك ولــو حفــروا علــى تلــك الصــورة التــي علــى هيئــة ابــن آدم وأخرجـــوا وهـــي مكفنـــة بالأكفـــان
الفاخـرة فـإن أراد الخليفـة إزالـة الأكفـان عنهــا لينظرهــا فامنعيــه أنــت مــن ذلــك والأخــرى تمنعــه وتقــول:
رؤيـة عورتهـا حـرام فيصـدق حينئــذ أنهــا ماتــت ويردهــا إلــى مكانهــا ويشكــرك علــى فعلــك وتخلصيــن
إن شــاء اللــه تعالــى مــن هــذه الورطــة فلمــا سمعــت السيــدة زبيــدة كلامهـــا ورأت أنـــه صـــواب خلـــت
عليهــا وأمرتهــا أن تفعــل ذلــك بعدمــا أعطتهــا جملــة مــن المــال فشرعــت العجــوز فــي ذلــك الأمــر حـــالاً
وأمــرت النجــار أن يعمــل لهــا صــورة كمــا ذكرنـــا وبعـــد تمـــام الصـــورة جـــاءت بهـــا إلـــى السيـــدة زبيـــدة
فكفنتهــا وأوقــدت الشمــوع والقناديــل وفرشــت البســط حــول القبــر ولبســـت الســـواد وأمـــرت الجـــواري
أن يلبســن الســواد واشتهــر الأمــر فــي القصــر أن قــوت القلــوب ماتــت ثـــم بعـــد مـــدة أقبـــل الخليفـــة مـــن
غيبتـه وطلـع إلـى قصـره ولكـن مـا شغـل إلا قـوت القلـوب فـرأى الغلمـان والخـدام والجـواري كلهـم لابسيـن
السواد فارتجف فؤاده.
===
فلمــا دخــل القصــر علــى السيــدة زبيــدة رآهــا لابســة الســواد فســـأل عـــن ذلـــك فأخبـــروه بمـــوت قـــوت
القلــوب فوقــع مغشيـــاً عليـــه فلمـــا أفـــاق ســـأل عـــن قبرهـــا فقالـــت لـــه السيـــدة زبيـــدة: اعلـــم يـــا أميـــر
المؤمنيـن أننـي مـن معزتهــا عنــدي دفنتهــا فــي قصــري فدخــل الخليفــة بثيــاب السفــر إلــى القصــر ليــزور
قـــوت القلـــوب فوجـــد البســـط مفروشـــة والشمـــوع والقناديـــل موقـــودة فلمـــا رأى ذلــــك شكرهــــا علــــى
فعلهـا ثـم إنـه صـار حائـراً فـي أمــره لــم يــزل مــا بيــن مصــدق ومكــذب فلمــا غلــب عليــه الوســواس أمــر
بحفــر القبــر وإخراجهــا منــه فلمــا رأى الكفــن وأراد أن يزيلــه عنهــا ليراهــا خــاف مــن اللــه تعالــى فقالـــت
العجـــوز: ردوهـــا إلـــى مكانهـــا ثـــم إن الخليفــــة أمــــر فــــي الحــــال بإحضــــار الفقهــــاء والمقرئيــــن وقــــرؤوا
الختمات على قبرها وجلـس بجانـب القبـر يبكـي إلـى أن غشـي عليـه ولـم يـزل قاعـداً علـى قبرهـا شهـراً
كاملاً فأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والخمسين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الخليفــة دخــل الحريــم بعــد انفضــاض الأمـــراء والـــوزراء مـــن بيـــن
يديـه إلـى بيوتهـم ونـام ساعـة فجلسـت عنـد رأسـه جاريـة وعنـد رجليـه جاريـة وبعــد أن غلــب عليــه
النـوم تنبـه وفتـح عينيـه فسمـع الجاريــة التــي عنــد رأســه تقــول للتــي عنــد رجليــه: ويلــك يــا خيــزران
===
قالــت: لــأي شــيء يــا قضيــب قالــت لهـــا: إن سيدنـــا ليـــس عنـــده علـــم بمـــا جـــرى حتـــى أنـــه يسهـــر
علـى قبـر لـم يكـن فيـه إلا خشبـة منجـرة صنعـة النجـار فقالـت لهـا الأخــرى: وقــوت القلــوب أي شــيء
أصابهـــا فقالـــت: اعلمـــي أن السيـــدة زبيـــدة أرسلـــت مـــع جاريـــة بنجـــاً وبنجتهـــا فلمـــا تحكـــم البنـــج
منهــا وضعتهــا فــي صنــدوق وأرسلتهــا مــع صــواب وكافـــور وأمرتهمـــا أن يرمياهـــا فـــي التربـــة فقالـــت
خيزران: ويلك يا قضيب هل السيدة قوت القلوب لم تمت
فقالــت: سلامـــة شبابهـــا مـــن المـــوت ولكـــن أنـــا سمعـــت السيـــدة زبيـــدة تقـــول إن قـــوت القلـــوب عنـــد
شـاب تاجــر اسمــه غانــم الدمشقــي وأن لهــا عنــده إلــى هــذا اليــوم أربعــة أشهــر وسيدنــا هــذا يبكــي
ويسهر الليالي على قبر لم يكن فيه الميت وصارتا تتحدثان بهذا الحديث والخليفة يسمع كلامهما.
فلمــا سمــع فــرغ الجاريتــان مــن الحديــث وعــرف القضيــة وأن هــذا القبــر زور وأن قـــوت القلـــوب عنـــد
غانـم بـن أيـوب مـدة أربعـة أشهـر غضـب غضبــاً شديــداً وقــام وأحضــر أمــراء دولتــه فعنــد ذلــك أقبــل
الوزيـر جعفـر البرمكـي وقبـل الــأرض بيــن يديــه فقــال لــه الخليفــة بغيــظ: انــزل يــا جعفــر بجماعــة واســأل
عـن بيــت غانــم بــن أيــوب واهجمــوا علــى داره وائتونــي بجاريتــي قــوت القلــوب ولا بــد لــي أن أعدمــه
فأجابـه جعفـر بالسمـع والطاعـة فعنـد ذلـك نـزل جعفـر وأتباعـه والوالـي صحبتـه ولـم يزالــوا سائريــن إلــى
أن وصلـوا إلـى دار غانـم كـان غانـم خـرج فـي ذلــك الوقــت وجــاء بقــدر لحــم واراد أن يمــد يــده ليأكــل
===
منهــا هــو وقــوت القلــوب فلاحــت منــه التفاتــة فوجــد البلــاط أحــاط بالــدار والوزيـــر والوالـــي والظلمـــة
والمماليــك بسيــوف مجــردة وداروا بــه كمــا يــدور بالعيــن الســواد فعنــد ذلــك عرفــت أن خبرهــا وصـــل
إلـى الخليفـة سيدهـا فأيقنـت بالهلـاك واصفــر لونهــا وتغيــرت محاسنهــا ثــم أنهــا نظــرت إلــى غانــم وقالــت
لـه: يـا حبيبـي فـر بنفســك فقــال لهــا: كيــف أعمــل وإلــى أيــن أذهــب ومالــي ورزقــي فــي هــذا الــدار
فقالـت لـه: لا تمكـث لئـلا تهلـك ويذهـب مالـك فقـال لهــا: يــا حبيبتــي ونــور عينــي: كيــف أصنــع فــي
الخـــروج وقـــد أحاطـــوا بالـــدار فقالـــت لـــه: لا تخـــف ثـــم إنهـــا نزعـــت مـــا عليـــه مـــن الثيـــاب وألبستــــه
خلقانـاً باليــة وأخــذت القــدر التــي كــان فيهــا اللحــم ووضعتهــا فــوق رأســه وحطــت فيهــا بعــض خبــز
وزبديــة طعــام وقالــت لــه: اخــرج بهــذه الحيلــة ولا عليــك منــي فأنــا أعــرف أي شـــيء فـــي يـــدي مـــن
الخليفة.
فلمـا سمــع غانــم كلــام قــوت القلــوب ومــا أشــارت عليــه بــه خــرج مــن بينهــم وهــو حامــل القــدر وستــر
عليــه الستــار ونجــا مـــن المكايـــد والأضـــرار ببركـــة نيتـــه فلمـــا وصـــل الوزيـــر جعفـــر إلـــى ناحيـــة الـــدار
ترجــل عــن حصانــه ودخــل البيــت ونظــر إلــى قــوت القلــوب وقــد تزينــت وتبهرجــت وملـــأت صندوقـــاً
مـــن ذهـــب ومصـــاغ وجواهـــر وتحـــف ممـــا حملـــه وغـــلا ثمنـــه فلمـــا دخـــل عليهــــا جعفــــر قامــــت علــــى
قدميهــا وقبلــت الــأرض بيــن يديــه وقالــت لــه: يــا سيــدي جــرى أنكــم بمــا حكـــم الـــه فلمـــا رأى ذلـــك
===
جعفــر قــال لهــا: واللــه يــا سيدتــي إنــه مــا أوصانــي إلا بقبــض غانــم بــن أيــوب فقالــت: اعلــم أنــه حـــزم
تجـارات وذهـب إلـى دمشـق ولا علـم لـي بغيـر ذلـك واريـد أن تحفـظ لــي الصنــدوق وتحملــه إلــى قصــر
أميـر المؤمنيـن فقـال: جعفـر السمــع والطاعــة ثــم أخــذ الصنــدوق وأمــر بحملــه وقــوت القلــوب معهــم إلــى
دار الخلافـة وهـي مكرمـة معـززة وكـان هـذا بعــد أن نهبــوا دار غانــم ثــم توجهــوا إلــى الخليفــة فحكــى
لــه جعفــر جميــع مــا جــرى فأمــر الخليفــة لقــوت القلــوب بمكــان مظلــم وأسكنهــا فيــه وألــزم بهـــا عجـــوزاً
لقضـاء حاجتهـا لنـه ظـن أن غانمـاً فحـش بهـا ثـم كتـب مكتوبـاً للأميــر محمــد بــن سليمــان الزينــي وكــان
نائباً في دمشـق ومضمونـه: ساعـة وصـول المكتـوب إلـى يديـك تقبـض علـى غانـم بـن أيـوب وترسلـه إلـي
فلمــا وصــل المرســوم إليــه قبلــه ووضعــه علــى رأســه ونـــادى فـــي الأســـواق مـــن أراد أن ينهـــب فعليـــه
بـدار غانـم بـن أيـوب فجـاؤوا إلـى الـدار فوجـدوا أم غانـم وأختـه قـد صنعتـا لهمــا قبــراً وقعدتــا عنــده
تبكيـان فقبضـوا عليهمـا ونهبـوا الـدار ولـم يعلمـا مـا الخبــر فلمــا أحضرهمــا عنــد السلطــان سألهمــا عــن
غانـم بـن أيـوب فقالتـا لـه: مـن مـدة سنــة مــا وقفنــا لــه علــى خبــر فردوهمــا إلــى مكانهمــا هــذا مــا كــان
من أمرهما.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر غانــم بــن أيــوب المتيــم المسلــوب قإنــه لمــا سلبــت نعمتــه تحيـــر فـــي أمـــره وصـــار
يبكـي علـى نفسـه حتـى انفطـر قلبـه وسـار ولـم يـزل سائـراً إلـى آخـر النهـار وقـد ازداد بـه الجـوع وأضــر
===
به المشـي حتـى وصـل إلـى بلـد فدخـل المسجـد وجلـس علـى بـرش وأسنـد ظهـره إلـى حائـط المسجـد
وارتمـى وهـو فـي غايــة الجــوع والتعــب ولــم يــزل مقيمــاً هنــاك إلــى الصبــاح وقــد خفــق قلبــه مــن الجــوع
وركــب جلــده القمــل وصــارت رائحتــه منتنــة وتغيــرت أحوالــه فأتــى أهــل تلــك البلــدة يصلــون الصبـــح
فوجـــدوه مطروحـــاً ضعيفـــاً مـــن الجـــوع وعليـــه آثـــار النعمـــة لائحـــة فلمـــا أقبلـــوا عليـــه وجـــدوه بـــردان
جائعـــاً فألبســـوه ثوبـــاً عتيقـــاً قــــد بليــــت أكمامــــه وقالــــوا لــــه: مــــن ايــــن أنــــت يــــا غريــــب ومــــا سبــــب
ضعفــك ففتــح عينيــه ونظــر إليهــم وبكــى ولــم يــرد عليهــم جوابــاً ثــم إن بعضهــم عــرف شـــدة جوعـــه
فذهـب وجــاء لــه بكرجــة عســل ورغيفيــن فأكــل وقعــدوا عنــده حتــى طلعــت الشمــس ثــم انصرفــوا
لأشغالهـم ولـم يـزل علـى هـذه الحالـة شهـراً وهـو عندهــم وقــد تزايــد عليــه الضعــف والمــرض فتعطفــوا
عليه وتشاوروا مع بعضهم في أمره ثم اتفقوا على أن يوصلوه إلى المارستان الذي ببغداد.
فبينمــا هــم كذلــك وإذا بامرأتيــن سائلتيــن قــد دخلتــا عليــه وهمــا أمــه وأختــه فلمــا رآهمـــا أعطاهمـــا
الخبــز الــذي عنــد رأســه ونامتــا عنــده تلــك الليلــة ولــم يعرفهمـــا فلمـــا كـــان ثانـــي يـــوم أتـــاه أهـــل القريـــة
وأحضــروا جمــلاً وقالــوا لصاحبــه: احمــل هــذا الضعيــف فــوق الجمــل فــإذا وصلــت إلــى بغــداد فأنزلــه
علـى بـاب المارستـان لعلــه يتعافــى فيحصــل لــك الأجــر فقــال لهــم: السمــع والطاعــة ثــم إنهــم أخرجــوا
غانــم بــن أيــوب مــن المسجــد وحملــوه بالبــرش الــذي هــو نائــم عليـــه فـــوق الجمـــل وجـــاءت أمـــه وأختـــه
===
يتفرجـان عليـه مـن جملـة النـاس ولـم يعلمـا بــه ثــم نظرتــا إليــه وتأملتــاه وقالتــا: إنــه يشبــه غانمــاً ابننــا فيــا
تـرى هـل هـو هــذا الضعيــف أو لا وأمــا غانــم فإنــه لــم يفــق إلا وهــو محمــول فــوق الجمــل فصــار يبكــي
وينــوح وأهــل القريــة ينظــرون وأمــه وأختــه تبكيــان عليــه ولــم يعرفانــه ثــم سافــرت أمـــه وأختـــه إلـــى أن
وصلتـا إلـى بغـداد وأمـا الجمـال فإنــه لــم يــزل سائــراً بــه حتــى أنزلــه علــى بــاب المارستــان وأخــذ جملــه
ورجع فمكث غانم راقداً هناك إلى الصباح.
فلمــا درجــت النــاس فــي الطريــق نظــروا إليــه وقــد صــار رق الحلــال ولـــم يـــزل النـــاس يتفرجـــون عليـــه
حتـى جـاء شيـخ السـوق ومنـع النـاس عنـه وقـال: أنـا أكتسـب الجنـة بهــذا المسكيــن لأنهــم متــى أدخلــوه
المارستـان قتلـوه فـي يــوم واحــد ثــم أمــر صبيانــه بحملــه إلــى بيتــه وفــرش لــه فرشــاً جديــداً ووضــع لــه
مخــدة جديــدة وقــال لزوجتــه: اخدميــه ينصـــح فقالـــت: علـــى الـــرأس ثـــم تشمـــرت وسخنـــت لـــه مـــاء
وغسلــت يديــه ورجليــه وبدنــه والبستــه ثوبــاً مــن لبــس جواريهــا وسقتــه قــدح شــراب ورشــت عليــه
مــاء ورد فأفــاق وتذكــر محبوبتــه قــوت القلــوب فــزادت بــه الكــروب. هــذا مــا كــان مــن أمـــره وأمـــا مـــا
كــان مــن أمــر قـــوت القلـــوب فإنـــه لمـــا غضـــب عليهـــا الخليفـــة وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت عـــن
الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن قــوت القلـــوب لمـــا غضـــب عليهـــا الخليفـــة وأسكنهـــا فـــي مكـــان
مظلــم استمــرت فيــه علــى هــذا الحــال ثمانيـــن يومـــاً فاتفـــق أن الخليفـــة مـــر يومـــاً مـــن الأيـــام علـــى ذلـــك
المكـان فسمـع قـوت القلـوب تنشـد الأشعــار فلمــا فرغــت مــن إنشادهــا قالــت: يــا حبيبــي يــا غانــم مــا
أحسنــك ومــا أعــف نفســك قــد أحسنــت لمــن أســاءك وحفظــت حرمــة مــن انتهــك حرمتــك وستــرت
حريمـــه وهـــو سبـــاك وسبـــى أهلـــك ولا بـــد أن تقـــف أنـــت وأميـــر المؤمنيـــن بيـــن يــــدي حاكــــم عــــادل
وتنتصـف عليـه فـي يـوم يكـون القاضـي هـو اللـه والشهـود هـم الملائكـة فلمــا سمــع الخليفــة كلامهــا وفهــم
شكواهـا علـم أنهـا مظلومـة فدخــل قصــره وأرســل الخــادم لهــا فلمــا حضــرت بيــن يديــه أطرقــت وهــي
باكيـة العيـن حزينـة القلـب فقـال: يـا قـوت القلــوب أراك تنظلميــن منــي وتنسبيننــي إلــى الظلــم وتزعميــن
أنــي أســأت إلــى مــن أحســـن إلـــي فمـــن هـــو الـــذي حفـــظ حرمتـــي وانتهكـــت حرمتـــه وستـــر حريمـــي
وسبيت حريمه فقالت له: غانم بن أيوب فإنه لم يقربني بفاحشة وحق نعمتك يا أمير المؤمنين.
فقـال الخليفـة: لا حـول ولا قـوة إلا باللــه العلــي العظيــم يــا قــوت القلــوب تمنــي علــي فأنــا أبلغــك مــرادك:
قالــت: تمنيــن عليــك محبوبــي غانــم بــن أيــوب فلمـــا سمـــع كلامهـــا قـــال: أحضـــره إن شـــاء اللـــه مكرمـــاً
فقالـت: يــا أميــر المؤمنيــن إن أحضرتــه أتهبنــي لــه فقــال: إن أحضرتــه وهبتــك هبــة كريــم لا يرجــع فــي
عظائـه فقـال: يـا أميـر المؤمنيـن ائـذن لــي أن أدور عليــه لعــل اللــه يجمعنــي بــه فقــال لهــا: افعلــي مــا بــدا
===
لــك ففرحــت وخرجــت ومعهــا ألــف دينــار فــزارت المشايــخ وتصدقــت عنــه وطلعـــت ثانـــي يـــوم إلـــى
التجـار وأعطـت عريـف السـوق دراهـم وقالـت لـه: تصــدق بهــا علــى الغربــاء ثــم طلعــت ثانــي جمعــة
ومعهـــا ألـــف دينـــار ودخلـــت ســـوق الصاغـــة وســـوق الجواهرجيـــة وطلبـــت عريـــف الســـوق فحضـــر
فدفعـت لـه ألـف دينـار وقالـت لــه: تصــدق بهــا علــى الغربــاء فظهــر إليهــا العريــف وهــو شيــخ الســوق
وقــال لهــا: هــل لــك أن تذهبــي إلــى داري وتنظــري إلــى هــذا الشــاب الغريــب مــا أظرفـــه ومـــا أكملـــه
وكــان هــو غانــم بــن أيــوب المتيــم المسلــوب ولكــن العريــف ليـــس لـــه بـــه معرفـــة وكـــان يظـــن أنـــه رجـــل
مسكيــن مديــون سلبــت نعمتــه أو عاشــق فــارق أحبتــه فلمــا سمعــت كلامــه خفــق قلبهــا وتعلقــت بـــه
أحشاؤها.
فقالــت لــه: أرســل معــي مــن يوصلنــي إلــى دارك فأرســـل معهـــا صبيـــاً صغيـــراً فأوصلهـــا إلـــى الـــدار
التـي فيهـا الغريـب فشكرتـه علـى ذلـك فلمـا دخلـت تلــك الــدار وسلمــت علــى زوجــة العريــف قامــت
زوجـة العريـف وقبلـت الـأرض بيـن يديهــا لأنهــا عرفتهــا فقالــت لهــا قــوت القلــوب: أيــن الضعيــف الــذي
عندكـم فبكـت وقالــت: هــا هــو يــا سيدتــي إلا أنــه ابــن نــاس وعليــه أثــر النعمــة فالتفتــت إلــى الفــرش
الــذي هــو راقــد عليــه وتأملتــه فرأتــه كأنــه هــو بذاتــه ولكنــه قــد تغيــر حالــه وزاد نحولــه ورق إلــى أن
صــار كالخلــال وأنبهــم عليهــا أمــره فلــم تتحقــق أنــه هــو ولكـــن أخذتهـــا الشفقـــة عليـــه فصـــارت تبكـــي
===
وتقــول: إن الغربــاء مساكيــن وإن كانــوا أمــراء فــي بلادهــم ورتبــت لــه الشـــراب والأدويـــة ثـــم جلســـت
عنـد رأسـه ساعـة وركبـت وطلعـت إلـى قصرهـا وصـارت تطلـع فـي كـل سـوق لأجـل التفتيــش علــى
غانـم ثـم أن العريـف أتـى بأمـه وأختـه فتنـة ودخـل بهمـا علــى قــوت القلــوب وقــال: يــا سيــدة المحسنــات
قـد دخـل مدينتنـا فـي هـذا اليـوم امـرأة وبنـت وهمـا مـن وجـوه النــاس وعليهمــا أثــر النعمــة لائــح لكنهمــا
لابستـان ثيابــاً مــن الشعــر وكــل واحــدة معلقــة فــي رقبتهــا مخلــاة وعيونهمــا باكيــة وقلوبهمــا حزينــة وهــا
أنـا أتيـت بهمـا إليــك لتأويهمــا وتصونيهمــا مــن ذل الســؤال لأنهمــا لستــا أهــلاً لســؤال اللئــام وإن شــاء اللــه
ندخل بسببهما الجنة.
فقالــت: واللــه يــا سيــدي لقــد شوقتنــي إليهمــا وايــن هــم فأمرهمــا بالدخــول فعنــد ذلــك دخلــت فتنــة
وأمهــا علــى قــوت القلــوب فلمــا نظرتهمــا قــوت القلــوب وهمــا ذاتــا جمــال بكــت عليهمـــا وقالـــت: واللـــه
إنهمــا أولــاد نعمــة ويلــوح عليهمــا أثــر الغنـــى فقـــال العريـــف: يـــا سيدتـــي إننـــا نحـــب الفقـــراء والمساكيـــن
لأجـل الثـواب وهـؤلاء ربمـا جـار عليهـم الظلمـة وسلبـوا نعمتهـم وأخربــوا ديارهــم ثــم إن المرأتيــن بكيتــا
بكـاء شديـداً وتفكرتـا غانــم بــن أيــوب المتيــم المسلــوب فــزاد نحيبهمــا فلمــا بكيتــا بكــت قــوت القلــوب
لبكائهمـا ثــم إن أمــه قالــت: نســأل اللــه أن يجمعنــا بمــن نريــده وهــو ولــدي غانــم بــن أيــوب فلمــا سمعــت
قــوت القلــوب هــذا الكلــام علمــت أن هــذه المــرأة أم معشوقهــا وأن الأخـــرى أختـــه فبكـــت هـــي حتـــى
===
غشــي عليهــا فلمــا أفاقــت أقبلــت عليهمــا وقالــت لهمـــا: لا بـــأس عليكمـــا فهـــذا اليـــوم أو سعادتكمـــا
وآخر شقاوتكما فلا تحزنا وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والخمسين
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملــــك السعيــــد أن قــــوت القلــــوب قالــــت لهمــــا: لا تحزنــــا ثــــم أمــــرت العريــــف أن
يأخذهمـا إلـى بيتـه ويخلـي زوجتــه تدخلهمــا الحمــام وتلبسهمــا ثيابــاً حسنــة وتتوصــى بهمــا وتكرمهمــا
غايـة الإكـرام وأعطتـه جملـة مــن المــال وفــي ثانــي يــوم ركبــت قــوت القلــوب وذهبــت إلــى بيــت العريــف
ودخلــت عنــد زوجتــه فقامـــت إليهـــا وقبلـــت يديهـــا وشكـــرت إحسانهـــا ورأت أم غانـــم وأختـــه وقـــد
أدخلتهمـــا زوجــــة العريــــف الحمــــام ونزعــــت مــــا عليهمــــا مــــن الثيــــاب فظهــــرت عليهمــــا آثــــار النعمــــة
فجلســت تحادثهمــا ساعــة ثــم سألــت زوجــة العريــف عــن المريــض الــذي عندهــا فقالـــت: هـــو بحالـــه
فقالــت: قومــوا بنــا نطــل عليــه ونعــود فقامـــت هـــي وزوجـــة العريـــف وأم غانـــم وأختـــه ودخلـــن عليـــه
وجلسن عنده.
فلمــا سمعهــن غانــم بـــن أيـــوب المتيـــم المسلـــوب يذكـــرن قـــوت القلـــوب وكـــان قـــد انتحـــل جسمـــه ورق
عظمـه ردت لـه روحـه ورفـع رأسـه مـن فــوق المخــدة ونــادى: يــا قــوت القلــوب فنظــرت إليهــم وتحققتــه
===
فعرفتـه وصاحـت بدورهـا: نعـم يـا حبيبــي فقــال لهــا: اقربــي منــي فقالــت لــه: لعلــك غانــم بــن أيــوب
المتيم المسلوب فقال لها: نعم أنا هو فعند ذلك وقعت مغشياً عليها.
فلمــا سمعــت أمـــه وأختـــه كلامهمـــا صاحتـــا بقولهمـــا: وافرحتـــاه ووقعتـــا مغشيـــاً عليهمـــا وبعـــد ذلـــك
استفاقتــا فقالــت لــه قــوت القلــوب: الحمــد للــه الــذي جمــع شملنــا بــك وبأمــك وأختـــك وتقدمـــت إليـــه
وحكــت لــه جميــع مــا جــرى لهــا مــع الخليفـــة وقالـــت: إنـــي قلـــت لـــه قـــد أظهـــرت لـــك الحـــق يـــا أميـــر
المؤمنيـن فصـدق كلامـي ورضـي عنـك وهـو اليـوم يتمنـى أن يـراك ثــم قالــت لغانــم: إن الخليفــة وهبنــي
لــك ففــرح بذلــك غايــة الفــرح فقالــت لهــم قــوت القلــوب: لا تبرحــوا حتــى أحضــر ثـــم إنهـــا قامـــت مـــن
وقتهــا وساعتهــا وانطلقــت إلـــى قصرهـــا وحملـــت الصنـــدوق الـــذي أخذتـــه مـــن داره وأخرجـــت منـــه
دنانيـر وأعطـت العريـف إياهـا وقالــت لــه: خــذ هــذه الدنانيــر واشتــر لكــل شخــص منهــم أربــع بدلــات
كوامـل مـن أحسـن القمـاش وعشريـن منديـلاً وغيــر ذلــك ممــا يحتاجــون إليــه ثــم إنهــا دخلــت بهمــا وبغانــم
الحمـام وأمـرت بغسلهـم وعملـت لهـم المساليــق ومــاء الخولجــان ومــاء التفــاح بعــد أن خرجــوا مــن الحمــام
ولبسـوا الثيـاب وأقامــت عندهــم ثلاثــة أيــام وهــي تطعمهــم لحــم الدجــاج والمساليــق وتسقيهــم السكــر
المكـرر وبعــد ثلاثــة أيــام ردت لهــم أرواحهــم وأدخلتهــم الحمــام ثانيــاً وخرجــوا وغيــرت عليهــم الثيــاب
وخلتهـم فـي بيــت العريــف وذهبــت إلــى الخليفــة وقبلــت الــأرض بيــن يديــه وأعلمتــه بالقصــة وأنــه قــد
===
حضـر سيدهـا غانـم بـن أيـوب المتيــم المسلــوب وأن أمــه وأختــه قــد حضرتــا. فلمــا سمــع الخليفــة كلــام
قــوت القلــوب قــال للخــدام: علــي بغانــم فنــزل جعفــر إليــه وكانــت قــوت القلـــوب قـــد سبقتـــه ودخلـــت
علـى غانـم وقالـت لـه: إن الخليفـة قـد أرسـل إليـك ليحضـرك بيـن يديـه فعليـك بفصاحـة اللســان وثبــات
الجنـان وعذوبـة الكلـام وألبستـه حلـة فاخـرة وأعطتـه دنانيـر بكثـرة وقالـت لـه: أكثــر البــذل إلــى حاشيــة
الخليفــة وأنــت داخــل عليــه وإذا بجعفــر أقبــل عليــه وهــو علــى بغلتـــه فقـــام غانـــم وقابلـــه وحيـــاه وقبـــل
الـأرض بيـن يديـه وقـد ظهـر كوكــب سعــده وارتفــع طالــع مجــده فأخــذه جعفــر ولــم يــزالا سائريــن حتــى
دخـــلا علـــى أميـــر المؤمنيـــن فلمـــا حضـــرا بيـــن يديـــه نظـــر إلـــى الـــوزراء والأمـــراء والحجـــاب والنـــواب
وأربـــاب الدولـــة وأصحـــاب الصولـــة وكـــان غانـــم فصيـــح اللســـان ثابـــت الجنـــان رقيـــق العبـــارة أنيــــق
الإشارة فأطرق برأسه إلى الأرض ثم نظر إلى الخليفة وأنشد هذه الأبيات:
أفديك من ملك عظيـم الشـان متتابــع الحسنـــات والإحســـان
متوقد العزمـات فيـاض النـدى حـدث عـن الطوفـان والنيــران
لا يلجـــون بغيـــره مـــن قيصـــر في ذا المقـام وصاحـب الإيـوان
تضـع الملـوك علـى ثـرى أعتابـه عنـد السلـام جواهــر التيجــان
حتى إذا شخصت له أبصارهم خـــروا لهيبتـــه علـــى الأذقـــان
===
ضاقت بعسكرك الفيافي والفلا فاضرب خيامك في ذرى كيوان
وأقري الكواكب بالمواكب محسناً لشريـف ذاك العالـم الروحانـي
وملكت شامخة الصياصي عنوة من حسن تدبيـر وثبـت جنـان
ونشرت عدلك في البسيطة كلها حتى استوى القاصي بها والداني
فلمــا فــرغ مــن شعــره طــرب الخليفـــة مـــن محاســـن رونقـــه وأعجبـــه فصاحـــة لسانـــه وعذوبـــة منطقـــه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الستين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن غانــم بــن أيــوب لمــا أعجـــب الخليفـــة فصاحتـــه ونظمـــه وعذوبـــة
منطقـه قـال لـه: ادن منـي فدنـا منـه ثـم قـال لـه: اشـرح لـي قصتـك وأطلعنـي علـى حقيقـة خبـرك فقعــد
وحـدث الخليفـة بمـا جــرى لــه مــن المبتــدأ إلــى المنتهــى فلمــا علــم الخليفــة أنــه صــادق خلــع عليــه وقربــه
إليـه وقـال: أبـري ذمتـي فأبـرأ ذمتـه وقـال لـه: يـا أميــر المؤمنيــن إن العبــد ومــا ملكــت يــداه لسيــده ففــرح
الخليفــة بذلــك ثــم أمــر أن يفــرد لــه قصـــر ورتـــب لـــه مـــن الجوامـــك والجرايـــات شيئـــاً كثيـــراً فنقـــل أمـــه
وأختـه إليـه وسمـع الخليفـة بـأن أختـه فتنـة فـي الحسـن فخطبهـا منــه وقــال لــه غانــم: إنهــا جاريتــك وأنــا
===
مملوكـك فشكـره وأعطـاه مائــة ألــف دينــار وأتــى بالقاضــي والشهــود وكتبــوا الكتــاب ودخــل هــو وغانــم
فـي نهـار واحـد فدخـل الخليفـة علـى فتنـة وغانـم بـن أيـوب علـى قـوت القلـوب فلمـا أصبـح الصبـاح أمــر
الخليفــة أن يــؤرخ جميــع مــا جــرى لغانــم مــن أولــه إلــى آخــره وأن يــدون فـــي السجلـــات لأجـــل أن يطلـــع
عليــه مــن يأتــي بعــده فيتعجــب مــن تصرفــات الأقــدار ويفــوض الأمــر إلــى خالــق الليــل والنهــار وليـــس
هــــذا بأعجــــب مــــن حكايــــة عمــــر النعمــــان وولــــده ضــــوء المكــــان ومــــا جــــرى لهـــــم مـــــن العجائـــــب
والغرائب. قال الملك: وما حكايتهم
===
حكاية الملك عمر النعمان
وولديه شركان وضوء المكان
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أنـه كـان بمدينـة دمشـق قبــل خلافــة عبــد الملــك بــن مــروان ملــك يقــال
لـه: عمـر النعمـان وكـان مـن الجبابــرة الكبــار وقــد قهــر الملــوك الأكاســرة والقياصــرة وكــان لا يصطلــى لــه
بنـار ولا يجاريـه أحـد فـي مضمـار وإذا غضــب يخــرج مــن منخريــه لهيــب النــار وكــان قــد ملــك جميــع
الأقطــار ونفــذ حكمــه فــي سائـــر القـــرى والأمصـــار وأطـــاع لـــه جميـــع العبـــاد ووصلـــت عساكـــره إلـــى
أقصــى البلــاد ودخــل فــي حكمــه المشــرق والمغـــرب ومـــا بينهمـــا مـــن الهنـــد والسنـــد والصيـــن واليمـــن
والحجـاز والسـودان والشــام والــروم وديــار بكــر وجزائــر البحــار ومــا فــي الــأرض مــن مشاهيــر الأنهــار
كسيحـــون وحجيجـــون والنيـــل والفـــرات وأرســـل رسلـــه إلـــى أقصـــى البلــــاد ليأتــــوا بحقيقــــة الأخبــــار
فرجعــوا وأخبــروه بــأن سائـــر النـــاس أذعنـــت لطاعتـــه وجميـــع الجبابـــرة خضعـــت لهيبتـــه وقـــد عمهـــم
بالفضـل والامتنـان وأشـاع بينهـم العـدل والأمـان لأنــه كــان عظيــم الشــأن وحملــت إليــه الهدايــا مــن الكــل
فكان واجبي إليه خراج الأرض في طولها وعرضها.
وكـان لـه ولـد وقـد سمـاه شركـان لأنـه نشـأ آفــة مــن آفــات الزمــان وقهــر الشجعــان وأبــاد الأقــران فأحبــه
===
والــده حبــاً شديــداً مــا عليــه مــن مزيــد وأوصــى لــه بالملــك مــن بعــده. ثــم إن شركــان هــذا حيــن بلــغ
مبلـغ الرجـال وصـار لـه مـن العمـر عشـرون سنـة أطــاع لــه جميــع العبــاد لمــا بــه مــن شــدة البــأس والعنــاد
وكـان والـده عمـر النعمـان لـه اربـع نسـاء بالكتـاب والسنـة لكنـه لــم يــرزق منهــن بغيــر شركــان وهــو مــن
إحداهــن والباقيــات عواقــر لــم يــرزق مــن واحــدة منهــن بولــد ومــع ذلــك كلــه كــان لـــه ثلاثمائـــة وستـــون
سريـة علـى عـدد أيـام السنـة القبطيـة وتلـك السـراري مــن سائــرا لأجنــاس وكــان قــد بنــى لكــل واحــدة
منهــن مقصــورة وكانــت المقاصيــر مــن داخــل القصــر فإنــه بنــى اثنــي عشـــر قصـــراً علـــى عـــدد شهـــور
السنـة وجعـل فـي كـل قصـر ثلاثيـن مقصـورة فكانـت جملـة المقاصيـر ثلاثمائـة وستـون مقصــورة وأسكــن
تلـك الجـواري فـي هـذه المقاصيـر وفـرض لكـل سريـة منهـن ليلــة يبيتهــا عندهــا ولا يأتيهــا إلا بعــد سنــة
كاملـة فأقـام علــى ذلــك مــدة مــن الزمــن ثــم إن ولــده شركــان اشتهــر فــي سائــر الأنحــاء ففــرح بــه والــده
وازداد قـوة فطغـى وتجبـر وفتـح الحصــون والبلــاد واتفــق بالأمــر المقــدر أن جاريــة مــن جــواري النعمــان
قـد حملـت واشتهـر حملهــا وعلــم الملــك بذلــك ففــرح فرحــاً شديــداً وقــال: لعــل ذريتــي ونسلــي تكــون
كلهــا ذكــوراً فــأرخ يــوم حملهــا وصــار يحســن إليهــا فعلــم شركــان بذلـــك فاغتمـــم وعظـــم الأمـــر وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن شركــان لمــا علــم أن جاريــة أبيــه قــد حملــت اغتــم وعظــم عليــه
ذلـك وقـال: قـد جاءنــي مــن ينازعنــي فــي المملكــة فأضمــر ف نفســه أن هــذه الجاريــة إن ولــدت ذكــر
أقتلـه وكتـم ذلـك فـي نفسـه هـذا مـا كــان مــن أمــر شركــان. وأمــا مــا كــان مــن أمــر الجاريــة فإنهــا كانــت
روميــة وكــان قــد بعثهــا إليــه هديـــة ملـــك الـــروم صاحـــب قيساريـــة وأرســـل معهـــا تحفـــاً كثيـــرة وكـــان
اسمهـــا صفيـــة وكانـــت أحســـن الجـــواري وأجملهـــن وجهـــاً وأصونهــــن عرضــــاً وكانــــت ذات عقــــل وافــــر
وجمــال باهــر وكانــت تخـــدم الملـــك ليلـــة مبيتـــه عندهـــا وتقـــول لـــه: أيهـــا الملـــك كنـــت أشتهـــي مـــن إلـــه
السمــاء أن يرزقــك منــي ولــد ذكــراً حتــى أحســن تربيتــه لــك وأبالــغ فــي أدبــه وصيانتــه فيفـــرح الملـــك
ويعجبـــه ذلـــك الكلـــام. فمـــا زالـــت كذلـــك حتـــى كملــــت أشهرهــــا فجلســــت علــــى كرســــي الطلــــق
وكانـت علــى صلــاح تحســن العبــادة فتصلــي وتدعــو اللــه أن يرزقهــا بولــد صالــح ويسهــل عليهــا ولادتــه
فتقبــل اللــه منهــا دعاءهــا وكــان الملــك قــد وكــل بهـــا خادمـــاً يخبـــره بمـــا تضعـــه هـــل هـــو ذكـــر أو أنثـــى
وكذلــك ولــده شركــان كــان أرســل مــن يعرفــه بذلــك فلمــا وضعــت صفيــة ذلــك المولــود تأملتــه القوابـــل
فوجدنــه بنتــاً بوجــه أبهـــى مـــن القمـــر فأعلمـــن الحاضريـــن بذلـــك فرجـــع رســـول الملـــك وأخبـــره بذلـــك
وكذلك رسول شركان أخبره بذلك ففرح فرحاً شديداً.
فلمـــا انصـــرف الخـــدام قالـــت صفيـــة للقوابـــل: أمهلـــوا علـــي ساعـــة فإنـــي أحـــس بـــأن أحشائـــي فيهــــا
===
شــيء آخــر ثــم تأوهــت وجاءهــا الطلــق ثانيــاً وسهــل اللــه عليهــا فوضعــت مولــوداً ثانيــاً فنظـــرت إليـــه
القوابــل فوجدتـــه ذكـــراً يشبـــه البـــدر بجبيـــن أزهـــر وخـــد أحمـــر مـــورد ففرحـــت بـــه الجاريـــة والخـــدام
والحشـــم وكـــل مـــن حضـــر ورمـــت صفيـــة الخلـــاص وقـــد أطلقـــوا الزغاريـــد فـــي القصـــر فسمــــع بقيــــة
الجـواري بذلـك فحسدنهـا. وبلـغ عمـر النعمـان الخبـر ففـرح واستبشـر وقـام ودخـل عليهـا وقبــل رأسهــا
ونظـر إلـى المولـود ثـم انحنـى وقبلـه وضربــت الجــواري بالدفــوف ولعبــت بالآلــات وأمــر الملــك أن يسمــوا
المولــود ضــوء المكــان وأختـــه نزهـــة الزمـــان فامتثلـــوا أمـــره وأجابـــوه بالسمـــع والطاعـــة ورتـــب لهـــم مـــن
يخدمهــم مــن المراضــع والخــدم والحشــم ورتـــب لهـــم الرواتـــب مـــن السكـــر والأشربـــة والأدهـــان وغيـــر
ذلـــك ممـــا يكـــل عـــن وصفـــه اللســـان. وسمـــع أهـــل دمشـــق وأقبـــل الأمـــراء والـــوزراء وأربـــاب الدولــــة
وهنئـوا الملـك عمـر النعمـان بولـده ضـوء المكــان وبنتــه نزهــة الزمــان فشكرهــم الملــك علــى ذلــك وخلــع
عليهـم وزاد إكرامهـم مــن الأنعــام وأحســن إلــى الحاضريــن مــن الخــاص والعــام ومــا زال علــى تلــك الحالــة
إلـى أن مضـت أربعـة أعـوام وهـو فـي كـل يـوم يسـأل عــن صفيــة وأولادهــا وبعــد الأربعــة أعــوام أمــر أن
ينقـل غليهـا مــن المصــاغ والحلــي والحمــل والأمــوال شــيء كثيــر وأوصاهــم بتربيتهمــا وحســن أدبهمــا كــل
هــذا وابــن الملــك شركــان لا يعلــم أن والــده عمــر النعمــان رزق ولــداً ذكــراً ولــم يعلـــم أنـــه رزق ســـوى
نزهــة الزمـــان وأخفـــوا عليـــه خبـــر ضـــوء المكـــان إلـــى أن مضـــت أيـــام وأعـــوام وهـــو مشغـــول بمقارعـــة
===
فبينمـا عمـر النعمــان جالــس يومــاً مــن الأيــام إذ دخــل عليــه الحجــاب وقبلــوا الــأرض بيــن يديــه وقالــوا:
أيهــا الملــك قــد وصلــت إلينــا رســـل مـــن ملـــك الـــروم صاحـــب القسطنطينيـــة العظمـــى وإنهـــم يريـــدون
الدخـول عليـك والتمثـل بيـن يديـك فـإن أذن لهــم الملــك بذلــك ندخلهــم وإلا فــلا مــرد لأمــره فعنــد ذلــك
أمـر لهـم بالدخـول فلمـا دخلـوا عليــه مــال إليهــم وأقبــل عليهــم وسألهــم عــن حالهــم ومــا سبــب إقبالهــم
فقبلـوا الـأرض بيـن يديـه وقالـوا: أيهــا الملــك الجليــل صاحــب البــاع الطويــل اعلــم أن الــذي أرسلنــا إليــك
الملــك أفريــدون صاحــب البلــاد اليونانيــة والعساكــر النصرانيــة المقيــم بمملكـــة القسطنطينيـــة يعلمـــك أنـــه
اليـوم فــي حــرب شديــد مــع جبــار عنيــد هــو صاحــب قيساريــة والسبــب فــي ذلــك أن بعــض ملــوك
العــرب اتفــق أنــه وجــد فــي بعــض الفتوحــات كنــزاً مــن قديــم الزمــان فــي عهــد الإسكنــدر فنقــل منـــه
أمــوالاً لا تعــد ولا تحصــى ومــن جملــة مــا وجــد فيــه ثلــاث خــرزات مــدورات علــى قــدر بيــض النعــام
وتلـك الخـرزات مـن أغلـى الجواهـر الأبيـض الخالـص الــذي لا يوجــد لــه نظيــر وكــل خــرزة منقــوش عليهــا
بالقلــم اليونانــي أمــور مــن الأســرار ولهــن منافـــع وخـــواص كثيـــرة ومـــن خواصهـــن أن كـــل مولـــود علقـــت
عليه خرزة منهن لم يصبه ألم ما دامت الخرزة معلقة عليه ولا يحمي ولا يسخن.
فلمـا وضــع يــده عليهــا ووقــع بهــا وعــرف مــا فيهــا مــن الأســرار أرســل إلــى الملــك أفريــدون هديــة مــن
التحـــف والمـــال ومـــن جملتهـــا الثلـــاث خـــرزات وجهـــز مركبيـــن واحـــد فيــــه مــــال والآخــــر فيــــه رجــــال
===
يحفظـون تلـك الهدايــا ممــن يتعــرض لهــا فــي البحــر وكــان يعــرف مــن نفســه أنــه لا أحــد يقــرر أن يتعــدى
عليه لكونه ملك العـرب ولا سيمـا وطريـق المراكـب التـي فيهـا الهدايـا فـي البحـر الـذي فـي مراكبـه مملكـة
القسطنطينيــة وهــي متوجهــة غليــه وليــس فـــي سواحـــل ذلـــك البحـــر إلا رعايـــاه فلمـــا جهـــز المركبيـــن
سافـر إلـى أن قربـا مـن بلادنـا فخـرج عليهمـا بعــض قطــاع الطــرق مــن تلــك الــأرض وفيهــم عساكــر مــن
عنـــد صاحـــب قيساريـــة فأخـــذوا جميـــع مـــا فـــي المركبيـــن مـــن التحـــف والأمـــوال والذخائـــر والثلـــاث
خـــرزات وقتلـــوا الرجـــال فبلـــغ ذلـــك ملكنـــا فأرســـل إليهـــم عسكـــراً فهزمـــوه فأرســــل إليهــــم عسكــــراً
أقوى من الأول فهزموه أيضاً.
فعنـذ ذلـك اغتـاظ الملـك وأقسـم أنـه لا يخـرج إليهــم إلا بنفســه فــي جميــع عسكــره وأنــه لا يرجــع عنهــم
حتـى يخـرب قيساريـة ويتـرك أرضهـا وجميـع البلــاد التــي يحكــم عليهــا ملكــاً والمــراد مــن صاحــب القــوة
والسلطــان الملــك عمــر النعمــان أن يمدنـــا بعسكـــر مـــن عنـــده حتـــى يصيـــر الفجـــر وقـــد أرســـل إليـــك
ملكنـا معنــا شيئــاً مــن أنــواع الهدايــا ويرجــو مــن إنعامــك قبولهــا والتفضــل عليــه بالإنجــاز ثــم أن الرســل
قبلوا الأرض بين يدي الملك عمر النعمان.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن رســل ملــك القسطنطينيــة قبلــوا الــأرض بيـــن يـــدي الملـــك عمـــر
النعمــان بعــد أن حكــوا لــه ثــم أعلمــوه بالهديــة وكانــت الهديــة خمسيــن جاريــة مــن خـــواص بلـــاد الـــروم
وخمسيــن مملوكــاً عليــه أقبيــة مــن الديبــاج بمناطــق مــن الذهــب والفضــة وكــل مملــوك فــي أذنــه حلقــة مـــن
الذهـب فيهـا لؤلـؤة تســاوي ألــف مثقــال مــن الذهــب والجــواري كذلــك وعليهــم مــن القمــاش مــا يســاوي
مــالاً جزيــلاً فلمــا رآهــم الملــك قبلهــم وفــرح بهــم وأمــر بإكــرام الرســـل وأقبـــل علـــى وزرائـــه يشاورهـــم
فيمـا يغفـل فنهـض مــن بينهــم وزيــر وكــان شيخــاً كبيــراً يقــال لــه: دنــدان فقبــل الــأرض بيــن يــدي الملــك
عمــر النعمــان وقــال: أيهــا الملــك مــا فــي الأمــر أحســن مــن أنــك تجهــز عسكــراً جــراراً وتجعـــل قائدهـــم
ولـدك شركـان ونحـن بيـن يديـه غلمـان هـذا الــرأي أحسبــن لوجهيــن: الــأول أن ملــك الــروم قــد استجــار
بــك وأرســل إليــك هديــة فقبلتهــا والوجــه الثانــي أن لعــدو لا يجســر علـــى بلادنـــا فـــإذا منـــع عسكـــرك
عــن ملــك الــروم وهــزم عــدوه ينســب هــذا الأمـــر إليـــك ويشيـــع ذلـــك فـــي سائـــر الأقطـــار والبلـــاد ولا
سيمـــا إذا وصـــل الخبـــر إلـــى جزائـــر البحـــر وسمـــع بذلـــك أهـــل المغـــرب فإنهـــم يحملـــون إليــــك الهدايــــا
والتحف والأموال.
فلمــا سمــع لملــك هــذا الكلــام مــن وزيــره دنــدان أعجبــه واستصوبــه وخلــع عليــه وقـــال لـــه: مثلـــك مـــن
تستشيـره الملـوك ينبغـي أن تكـون أنـت فــي مقــدم العسكــر وولــدي شركــان فــي ساقــة العسكــر ثــم إن
===
الملــك أمــر بإحضــار ولــده فلمــا حضــر قـــص عليـــه القصـــة وأخبـــره بمـــا قالـــه الرســـل وبمـــا قالـــه الوزيـــر
دنــدان وأوصــاه بأخــذ الأهبـــة والتجهيـــز للسفـــر وأنـــه لا يخالـــف الوزيـــر دنـــدان فيمـــا يشـــور بـــه عليـــه
وأمـره أن ينتخـب مـن عسكـره عشـرة آلـاف فـارس كامليــن العــدة صابريــن علــى الشــدة فامتثــل شركــان
مــا قالــه والــده عمــر النعمــان وقــام فــي الوقــت واختـــار مـــن عسكـــره عشـــرة آلـــاف فـــارس ثـــم دخـــل
قصــره وأخــرج مــالاً جزيــلاً وأنفــق عليهــم المــال وقــال لهــم: قــد أمهلتكــم ثلاثــة أيــام فقبلــوا الــارض بيــن
يديــه مطيعيــن لأمــره ثــم خرجــوا مــن عنــده وأخــذوا مــن الأهبــة وإصلــاح الشــأن ثــم إن شركــان دخـــل
خزائـــن السلـــاح وأخـــذ مــــا يحتــــاج إليــــه مــــن العــــدد والسلــــاح دخــــل الإصطبــــل واختــــار منــــه الخيــــل
المسالمـة وأخـذ غيـر ذلـك وبعـد ذلـك أقامـوا ثلاثـة أيـام ثـم خرجـت العساكــر إلــى ظاهــر المدينــة وخــرج
الملــك عمــر النعمــان لــوداع ولــده شركــان فقبــل الـــأرض بيـــن يديـــه وأهـــدى لـــه سبـــع خزائـــن مـــن المـــال
وأقبــل علــى الوزيــر دنــدان وأوصـــاه بعسكـــر ولـــده شركـــان فقبـــل الـــأرض بيـــن يديـــه وأجابـــه بالسمـــع
والطاعــة وأقبــل الملــك علــى ولــده شركـــان وأوصـــاه بمشـــاورة الوزيـــر دنـــدان فـــي سائـــر الأمـــور فقبـــل
ذلــك ورجــع والــده إلــى أن دخــل المدينـــة ثـــم إن شركـــان أمـــر كبـــار العسكـــر بعرضهـــم عليـــه وكانـــت
عدتهـم عشـرة آلـاف فـارس غيـر مـا يتبعهـم ثـم إن القـوم حملــوا ودقــت الطبــول وصــاح النفيــر وانتشــرت
الأعلــام تخفــق علــى رؤوسهــم ولـــم يزالـــوا سائريـــن والرســـل تقدمهـــم إلـــى أن ولـــى النهـــار وأقبـــل الليـــل
===
فلمــا اصبــح الصبــاح ركبــوا وســاروا ولــم يزالــوا سائريــن والرســل يدلونهـــم علـــى الطريـــق مـــدة عشريـــن
يومـاً ثــم أشرفــوا فــي اليــوم الحــادي والعشريــن علــى واد واســع الجهــات كثيــر الأشجــار والنبــات وكــان
وصولهـــم إلـــى ذات الـــوادي ليـــلاً فأمرهـــم شركـــان بالنـــزول والإقامـــة فيـــه ثلاثــــة أيــــام فنــــزل العساكــــر
وضربـوا الخيـام وافتـرق العسكـر يمينـاً وشمــالاً ونــزل الوزيــر دنــدان وصحبتــه رســل أفريــدون صاحــب
القسطنطينيـة فـي وسـط ذلـك الـوادي وأمـا الملـك شركـان فإنـه كــان فــي وقــت وصــول العسكــر وقــف
بعدهـم ساعـة حتـى نزلـوا جميعهـم وتفرقـوا فـي جوانــب الــوادي ثــم إنــه أرخــى عنــان جــواده وأراد أن
يكشـف ذلـك الـوادي ويتولـى الحــرس بنفســه لأجــل وصيــة والــده إيــاه فإنهــم فــي أول بلــاد الــروم وأرض
العـدو فسـار وحــده بعــد أن أمــر مماليكــه وخواصــه بالنــزول عنــد الوزيــر دنــدان ثــم إنــه لــم يــزل سائــراً
علـى ظهـر جـواده فـي جوانـب الـوادي إلـى أن مضـى مـن الليــل ربعــه فتعــب وغلــب عليــه النــوم فصــار
لا يقدر أن يركض الجواد وكان له عادة أنه ينام على ظهر جواده.
فلمـا هجـم عليـه النــوم نــام ولــم يــزل الجــواد سائــراً بــه إلــى نصــف الليــل فدخــل بــه فــي بعــض الغابــات
وكانـت تلـك الغابـة كثيـرة الأشجـار فلـم ينتبـه شركـان حتــى دق الجــواد بحافــره فــي الــأرض فاستيقــظ
فوجــد نفســه بيــن الأشجــار وقــد طلــع عليــه القمــر وأضــاء فــي الخافقيــن فاندهــش شركـــان لمـــا رأى
نفسـه فـي ذلـك المكـان وقـال كلمــة لا يخجــل قائلهــا وهــي: لا حــول ولا قــوة إلا باللــه فبينمــا هــو كذلــك
===
خائــف منــا لوحــوش متحيــر لا يــدري أيــن يتوجــه فلمــا رأى القمــر أشــرف علــى مــرج كأنــه مـــن مـــروج
الجنـة سمـع كلامـاً مليحـاً وصوتـاً عليـاً وضحكــاً يسبــي عقــول الرجــال فنــزل الملــك شركــان عــن جــواده
فـي الأسحـار ومشـى حتـى أشـرف علـى نهـر فـرأى فيـه المــاء يجــري وسمــع كلــام امــرأة تتكلــم بالعربيــة
وهـي تقـول: وحـق المسيـح إن هـذا منكـن غيــر مليــح ولكــن كــل مــن تكلمــت بكلمــة صرعتهــا وكتفتهــا
بزنارهـا كـل هـذا وشركـان يمشـي إلـى جهـة الصـوت حتـى انتهـى إلـى طـرف المكـان ثـم نظــر فــإذا بنهــر
مســـرح وطيـــور تمـــرح وغزلـــان تسنـــح ووحـــوش ترتـــع والطيـــور بلغاتهـــا لمعانـــي الحـــظ تنشـــرح وذلـــك
المكان مزركش بأنواع النبات فقال:
ماتحسن الأرض إلا عند زهرتها والماء من فوقها يجري بإرسال.
صنعا الاله العظيم الشأن مقتدرا معطى العطايا ومعطي كل منفضال.
فنظـر شركـان إلـى ذكـل المكـان فــرأى فيــه ديــراً ومــن داخــل الديــر قلعــة شاهقــة فــي الهــواء فــي ضــوء
القمـر وفـي وسطهـا نهـر يجــري المــاء منــه إلــى تلــك الريــاض وهنــاك امــرأة بيــن يديهــا عشــر جــوار كأنهــن
الأقمــار وعليهــن مــن أنــواع الحلــي والحلــل مــا يدهــش الأبصــار وكلهــن أبكــار بديعـــات كمـــا قيـــل فيهـــن
هذه الأبيات:
يشــــــرق المـــــــرج بمـــــــا فيـــــــه مــــــــــن البيـــــــــــض العـــــــــــوال
===
كـــــــــــل هيفـــــــــــاء قوامــــــــــــا ذات غنــــــــــــــــج ودلـــــــــــــــــال
راخيـــــــــــــــات الشعـــــــــــــــور كاعناقيــــــــــــــد الدوالـــــــــــــــي
فاتنـــــــــــــــــــات بعيــــــــــــــــــــون راميــــــــــــــــــات بالنبــــــــــــــــــال
مائســــــــــــــــات قاتلـــــــــــــــــات لصناديــــــــــــــــد الرجــــــــــــــــال
فنظـر شركـان إلـى هـؤلاء العشـر جـوار فوجــد بينهــن جاريــة كأنــه البــدر عنــد تمامــه بحاجــب مرجــرج
وخبير أبلج وطرف أهدب وصدغ معقرب فأنشد:
تزهــو علــي بألحــاظ بديعـــات وقدهـــا مخجــــل للسمهريــــات
تبــدو إلينــا وخداهــا مـــوردة فيها منا لظرف أنواع الملاحات
كـأن طرتهـا فــي نــور طلعتهــا ليل يلوح علـى صبـح المسـرات
فسمعهـــا شركـــان وهـــي تقــــول للجــــواري: تقدمــــوا حتــــى أصارعكــــم قبــــل أن يغيــــب القمــــر ويأتــــي
الصبـــاح فصـــارت كـــل واحـــدة منهـــن تتقـــدم إليهـــا فتصرعهـــا فـــي الحـــال وتكتفهـــا بزنارهـــا فلــــم تــــزل
تصارعهـــن وتصرعهـــن حتـــى صرعـــت الجميـــع ثـــم التفتـــت إليهـــا جاريــــة عجــــوز كانــــت بيــــن يديهــــا
وقالـــت لهـــا وهـــي كالمغضبـــة عليهـــا: يـــا فاجـــرة أتفرحيـــن بصرعـــك للجـــواري فهـــا أنـــا عجـــوز وقـــد
صرعتهـن أربعيـن مـرة فكيـف تعجبيـن ينفســك ولكــن إن كــان لــك قــوة علــى مصارعتــي فصارعينــي
===
فـإن أردت ذلـك وقمـت لمصارعتـي أقـوم لـك وأجعــل رأســك بيــن رجليــك فتبسمــت الجاريــة ظاهــراً
وقــد امتلــأت غيظــاً منهــا باطنــاً وقامــت إليهــا وقالــت لهـــا: يـــا سيدتـــي ذات الدواهـــي بحـــق المسيـــح
أتصارعيننـــي حقيقـــة أو تمزحيـــن معـــي قالـــت لهـــا: بـــل اصارعـــك حقيقـــة وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح
فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والستين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن الجاريـــة لمـــا قالـــت لهـــا: أصارعـــك حقيقـــة قالـــت لهـــا: قومـــي
للصــراع إن كــان لــك قــوة فلمــا سمعــت العجــوز منهــا اغتاظــت غيظــاً شديــداً وقــام شعــر بدنهــا كأنـــه
شعــر قنفــذ وقامــت لهــا الجاريــة فقالــت لهــا العجــوز: وحــق المسيــح لا أصارعــك إلا وأنـــا عريانـــة يـــا
فاجـــرة ثـــم إن العجـــوز أخـــذت منديـــل حريـــر بعـــد أن فكـــت لباسهـــا وأدخلــــت يديهــــا تحــــت ثيابهــــا
ونزعتهـا مـن فـوق جسدهـا ولمـت المنديــل وشدتــه فــي وسطهــا فصــارت كأنهــا عفريــة معطــاء أو حيــة
رقطــاء ثــم انحنــت علــى الجاريــة وقالــت لهــا: افعلــي كفعلــي كــل هـــذا وشركـــان ينظـــر إليهمـــا ثـــم إن
شركــان صــار يتأمــل فــي تشويـــه صـــورة العجـــوز ويضحـــك ثـــم إن العجـــوز لمـــا فعلـــت ذلـــك قامـــت
الجاريـــة علـــى مهـــل وأخـــذت فوطـــة يمانيـــة وتنتهـــا مرتيـــن وشمـــرت سراويلهـــا فبـــان لهــــا ساقــــان مــــن
===
المرمــر وفوقهمــا كثيــب مــن البلــور ناعــم مربــرب وبطــن يفــوح المســك مــن أعكانــه كأنــه مصفــح بشقائـــق
النعمـــان وصـــدر فيـــه نهـــدان كفحلـــي رمـــان ثـــم انحنـــت عليهـــا العجــــوز وتماسكــــا ببعضهمــــا فرفــــع
شركــان رأســه إلــى السمــاء ودعـــا اللـــه أن الجاريـــة تغلـــب العجـــوز فدخلـــت الجاريـــة تحـــت العجـــوز
ووضعـت يدهـا الشمـال فـي شفتهـا ويدهـا اليميـن فـي رقبتهـا مـع حلقهـا ورفعتهــا علــى يديهــا فانفلتــت
العجـــوز مـــن يديهـــا وارادت الخلـــاص فوقعـــت علـــى ظهرهـــا فارتفعــــت رجلاهــــا إلــــى فــــوق فبانــــت
شعرتهـا فـي القمـر ثـم ضرطـت ضرطتيـن عفـرت إحداهمـا فـي الـأرض ودخنـت الأخـرى فــي السمــاء
فضحـك شركـان منهمـا حتـى وقـع علـى الــأرض ثــم قــام وســل حسامــه والتفــت يمينــاً وشمــالاً فلــم يــر
أحـداً غيـر العجـوز مرميـة علـى ظهرهـا فقـال فـي نفسـه: مـا كـذب مـن سمـاك ذات الدواهـي ثــم تقــرب
منهما ليسمع ما يجري بينهما.
فأقبلـــت الجاريـــة ورمـــت علـــى العجـــوز مـــلاءة مـــن حريـــر رفيعـــة وألبستهـــا ثيابهـــا واعتــــذرت إليهــــا
وقالــت لهـــا: يـــا سيدتـــي ذات الداواهـــي مـــا أردت إلا صرعـــك لأجـــل جميـــع مـــا حصـــل لـــك ولكـــن
أنـت انفلـت مـن بيـن يـدي فالحمـد للـه علـى السلامـة فلمـا تــرد عليهــا جوابــاً وقامــت تمشــي مــن خجلهــا
ولـــم تـــزل ماشيـــة إلـــى أن غابـــت عـــن البصـــر وصـــارت الجـــواري مكتفـــات مرميـــات والجاريـــة واقفـــة
وحدهـا فقـال شركـان فـي نفسـه لكـل رزق سبــب مــا غلــب علــي النــوم وســار بــي الجــواد إلــى هــذا
===
المكــان إلا لبختــي فلعــل هــذه الجاريــة ومــا معهــا يكــون غنيمــة لـــي ثـــم ركـــب جـــواده ولكـــزه ففـــر بـــه
كالسهــم إذا فــر مــن القــوس وبيــده حسامــه مجــرد مــن غلافــه ثــم صــاح: اللـــه أكبـــر فلمـــا رأتـــه الجاريـــة
نهضــت قائمــة وقالــت: اذهــب إلــى أصحابــك قبــل الصبــاح لئـــلا يأتيـــك البطارقـــة فيأخذونـــك علـــى
أسنـة الرمـاح وأنــت مــا فيــك قــوة لدفــع النســوان فكيــف تدافــع الرجــال الفرســان فتحيــر شركــان فــي
نفسـه وقـال لهـا: وقــد ولــت عنــه معرضــة لقصــد الديــر: يــا سيدتــي أتذهبيــن وتتركيــن المتيــم الغريــب
المسكيـــن الكسيـــر القلـــب فالتفتـــت إليـــه وهـــي تضحـــك ثـــم قالـــت لـــه: مـــا حاجتـــك فإنــــي أجيــــب
دعوتــك فقــال: كيــف أطــأ أرضــك واتحلــى بحلــاوة لطفــك وأرجــع بــلا أكــل مــن طعامــك وقــد صـــرت
مــن بعــض خدامــك فقالــت: لا يأبــى الكرامــة إلا لئيــم تفضــل باســم اللــه علــى الــرأس والعيـــن واركـــب
جوادك وسر على جانب النهر مقابلي فأنت في ضيافتي.
ففــرح شركــان وبــادر إلــى جــواده وركــب ومــا زال ماشيــاً مقابلهــا وهــي سائــرة قبالتـــه إلـــى أن وصـــل
إلى جسـر معمـول بأخشـاب مـن الجـوز وفيـه بكـر بسلاسـل مـن البولـاد وعليهـا أقفـال فـي كلاليـب فنظـر
شركــان إلــى ذلــك الجســر وإذا بالجــواري اللاتــي كــن معهــا فــي المصارعـــة قائمـــات ينظـــرن إليهـــا فلمـــا
أقبلــت عليهــن كلمــت جاريــة منهــن بلســان الروميــة وقالــت لهــا: قومــي غليــه وأمسكــي عنـــان جـــواده
ثـم سيـري بـه إلـى الديـر فسـار شركـان وهـي قدامـه إلـى أن عـدي الجسـر وقـد اندهـش عقلــه ممــا رأى
===
وقـال فـي نفسـه: يــا ليــت الوزيــر دنــدان كــان معــي فــي هــذا المكــان وتنظــر عينــاه إلــى تلــك الجــواري
الحسـان ثـم التفـت إلــى تلــك الجاريــة وقــال لهــاك يــا بديعــة الجمــال قــد صــار لــي عليــك الــآن حرمتــان
حرمـة الصحبـة وحرمـة سيـري إلـى منزلـك وقبــول ضيافتــك وقــد صــرت تحــت حكمــك وفــي عهــدك
فلـو أنـك تنعميـن علــي بالمسيــر إلــى بلــاد الإسلــام وتتفرجيــن علــى كــل أســد ضرغــام وتعرفيــن مــن أنــا
فلمـا سمعـت كلامـه اغتاظـت منـه وقالـت لـه: وحــق المسيــح لقــد كنــت عنــدي ذا عقــل ورأي ولكنــي
اطلعـت الـآن علـى مـا فـي قلبـك مـن الفسـاد وكيـف يجـوز لـك أن تتكلـم بكلمـة تنسـب بهـا إلـى الخــداع
كيــف أصنــع هــذا وأنــا أعلــم متــى حصلــت عنــد ملككــم عمــر النعمــان لا أخلــص منــه لأنـــه مـــا فـــي
قصـوره مثلـي ولـو كـان صاحـب بغـداد وخراسـان وبنـى لــه اثنــي عشــر قصــراً فــي كــل قصــر ثلاثمائــة
وســت وستـــون جاريـــة علـــى عـــدد أيـــام السنـــة والقصـــور عـــدد أشهـــر السنـــة وحصلـــت عنـــده مـــا
تركنـي لـأن اعتقادكـم أنـه يحـل لكـم التمتـع بمثلـي كمـا فـي كتبكـم حيـث قيـل فيهـا أو مـا ملكــت أيمانكــم
فكيف تكلمني بهذا الكلام
وأمــا قولــك: وتتفرجيــن علــى شجعــان المسلميــن فوحــق المسيــح إنــك قلــت قــولاً غيــر صحيــح فإنـــي
رأيت عسكركم لما استقبلتم أرضنا وبلادنـا فـي هذيـن اليوميـن فلمـا أقبلتـم لـم أر تربيتكـم تربيـة ملـوك
وإنمـا رأيتكـم طوائـف مجتمعــة وأمــا قولــك: تعرفيــن مــن أنــا فأنــا لا أصنــع معــك جميــلاً لأجــل إجلالــك
===
وإنمـا افعــل ذلــك لأجــل الفخــر ومثلــك مــا يقــول لمثلــي ذلــك ولــو كنــت شركــان بــن الملــك عمــر النعمــان
الـذي ظهـر فـي هــذا المكــان فقــال شركــان فــي نفســه: لعلهــا عرفــت قــدوم العسكــر وعرفــت عدتهــم
وأنهـــم عشـــرة آلـــاف فـــارس وعرفـــت أن والـــدي أرسلهـــم معـــي لنصـــرة ملـــك القسطنطينيـــة ثـــم قـــال
شركـان: يـا سيدتـي أقسمـت عليـك بمـن تعتقديـن مـن دينـك أن تحدثينـي بسبـب ذلـك حتـى يظهــر لــي
الصــدق مــن الكــذب ومــن يكــون عليــه وبــال ذلــك فقالــت لــه: وحــق دينــي لــولا أنــي خفـــت أن يشيـــع
خبـري أنــي مــن بنــات الــروم لكنــت خاطــرت بنفســي وبــارزت العشــرة آلــاف فــارس وقتلــت مقدمهــم
الوزيـــر دنـــدان وظفـــرت بفارسهـــم شركـــان ومـــا كـــان علـــي مــــن ذلــــك عــــار ولكنــــي قــــرأت الكتــــب
وتعلمــت الــأدب مــن كلــام العــرب ولســت أصــف لــك نفســي بالشجاعــة مــع أنــك رأيــت منــي العلامـــة
والصناعـة والقـوة فـي الصـراع والبراعــة ولــو حضــر شركــان مكانــك فــي هــذه الليلــة وقيــل لــه نــط هــذا
النهر لأذعن واعترف بالعجـز وإنـي أسـأل المسيـح أن يرميـه بيـن يـدي فـي هـذا الديـر حتـى خـرج لـه فـي
صفة الرجال أو أأسره واجعله في الأغلال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والستون
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الصبيــة النصرانيــة لمــا قالــت هــذا الكلـــام لشركـــان وهـــو يسمعـــه
===
أخذتــه النخــوة والحميــة وغيــره الأبطــال وأراد أن يظهــر لهــا نفســه ويبطــش بهــا ولكــن رده عنهــا فـــرط
جمالها وبديع حسنها فأنشد هذا البيت:
وإذا المليـح أتـى بذنـب واحـد جـاءت محاسنـه بألــف شفيــع
ثــم صعــدت وهــو فــي أثرهــا فنظــر شركــان إلــى ظهــر الجاريــة فــراى أردافهــا تتلاطـــم كالأمـــواج فـــي
البحر الرجراج فأنشد هذه الأبيات:
في وجهها شافع يمحو إساءتها من القلوب وجيه حيثما شفعا
إذا تأملتها ناديـت مـن عجـب البدر في ليلة الإكمال قد طلعا
لو أن عفريت بلقيس يصارعها من فرط قوته في ساعة صرعا
ولــم يــزالا سائريــن حتــى وصــلا إلــى بــاب مقنطــر وكانــت قنطرتــه مــن رخــام ففتحــت الجاريــة البـــاب
ودخلـت ومعهـا شركـان وسـارا إلـى دهليـز طويـل مقبــى علــى عشــر قناطــر معقــودة وعلــى كــل قنطــرة
قنديـــل مـــن البلـــور يشتعـــل كاشتعـــال الشمـــس فلقيهـــا الجـــواري فـــي آخـــر الدهليـــز بالشمـــوع المطيبــــة
وعلــــى رؤوسهــــن العصائــــب المزركشــــة بالفصــــوص مــــن أصنــــاف الجواهـــــر وســـــارت وهـــــن أمامهـــــا
وشركــان وراءهــا إلــى أن وصلــوا إلــى الديــر فوجــد بداخــل ذلــك الديــر أســرة مقابلــة لبعضهـــا وعليهـــا
ستــور مكللــة بالذهـــب وأرض الديـــر مفروشـــة بأنـــواع الرخـــام المجـــزع وفـــي وسطـــه بركـــة مـــاء عليهـــا
===
أربــع وعشريــن قــارورة مــن الذهــب والمـــاء يخـــرج منهـــا كاللجيـــن ورأى فـــي الصـــدر سريـــراً مفروشـــاً
بالحريـر الملوكــي فقالــت لــه الجاريــة: اصعــد يــا مولــاي علــى هــذا السريــر فصعــد شركــان فــوق السريــر
وذهبــت الجاريــة وغابــت عنــه فســأل عنهــا بعــض الخــدام فقالــوا لــه: إنهــا ذهبــت إلــى مرقدهــا ونحــن
نخدمـك كمـا أمـرت ثـم إنهــا قدمــت إليــه مــن غرائــب الألــوان فأكــل حتــى اكتفــى ثــم بعــد ذلــك قدمــت
إليــه طشتــاً وإبريقــاً مــن الذهــب فغســل يديــه وخاطــره مشغــول بعسكــره لكونــه لا يعلــم مــا جــرى لهـــم
بعـد ويتذكـر أيضـاً كيـف نسـي وصيـة أبيـه فصــار متحيــراً فــي أمــره نادمــاً علــى مــا فعــل إلــى أن طلــع
الفجر وبان النهار وهو يتحسر على ما فعل وصار مستغرقاً في الفكر وأنشد هذه الأبيات:
لــــم أعــــدم الحـــــزم ولكننـــــي دهيـت فـي الأمـر فمـا حيلتـي
لو كان من يكشف عني الهوى برئـت مـن حولـي ومــن قوتــي
وإن قلبــي فــي ضلــال الهـــوى صب وأرجو الله في شدتـي
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره رأى بهجـــة عظيمـــة قـــد أقبلـــت فنظـــر فـــإذا هــــو بأكثــــر مــــن عشريــــن جاريــــة
كالأقمــار حــول تلــك الجاريــة وهــي بينهــن كالبــدر بيــن الكواكــب وعليهــا ديبــاج ملوكــي وفــي وسطهـــا
زنــار مرصـــع بأنـــواع الجواهـــر وقـــد ضـــم خصرهـــا وأبـــرز ردفهـــا فصـــارا كأنهمـــا كثيـــب بلـــور تحـــت
قضيــب مـــن فضـــة ونهداهـــا كفحلـــي رمـــان فلمـــا نظـــر شركـــان ذلـــك كـــاد عقلـــه أن يطيـــر مـــن الفـــرح
===
ونسـي عسكـره ووزيـره وتأمـل رأسهـا فــرأى عليهــا شبكــة مــن اللؤلــؤ مفصلــة بأنــواع الجواهــر والجــواري
عـن يمينهـا ويسارهـا يرفعــن أذيالهــا وهــي تتمايــل عجبــاً فعنــد ذلــك وثــب شركــان قائمــاً علــى قدميــه
من هيبة حسنها وجمالها فصاح: واحسرتاه من هذا الزنار وأنشد هذه الأبيات:
ثقيلــــــــة الــــــــأرداف مائلـــــــــة خرعوبـــــــة ناعمــــــــة النهــــــــد
تكتمت ما عندهـا مـن جـوى ولســت أكتـــم الـــذي عنـــدي
خدامهــا يمشيـــن مـــن خلفهـــا كالقبــل فــي حــل وفــي عقــد
ثـم إن الجاريـة جعلـت تنظـر إليـه طويـلاً وتكــرر فيــه النظــر إلــى أن تحققتــه وعرفتــه فقالــت لــه بعــد أن
أقبلـــت عليـــه: قـــد أشـــرق بـــك المكــــان يــــا شركــــان كيــــف كانــــت ليلتــــك يــــا همــــام بعدمــــا مضينــــا
وتركنـــاك ثـــم قالـــت لـــه إن الكـــذب عنـــد الملـــوك منقصـــة وعـــار ولا سيمـــا عنـــد أكابـــر الملـــوك وأنـــت
شركان بن عمر النعمـان فـلا تنكـر نفسـك وحسبـك ولا تكتـم أمـرك عنـي ولا تسمعنـي بعـد ذلـك غيـر
الصــــدق. إن الكــــذب يــــورث البغــــض والعــــداوة فقــــد نفــــذ فيــــك سهـــــم القضـــــا فعليـــــك بالتسليـــــم
والرضــا. فلمــا سمــع كلامهــا لــم يمكنــه الإنكــار فأخبرهـــا بالصـــدق وقـــال لهـــا: أنـــا شركـــان بـــن عمـــر
النعمـان الـذي عذبنـي الزمـان وأوقعنـي فـي هـذا المكـان فمهمـا شئــت فافعليــه الــآن فأطرقــت برأسهــا
إلــى الــأرض برهــة ثــم التفتــت إلهــي وقالــت لــه: طــب نفســاً وقــر عينـــاً فإنـــك ضيفـــي وصـــار بيننـــا
===
وبينـك خبـز وملـح وحديـث ومؤانسـة فأنـت فـي ذمتـي وفـي عهـدي فكـن آمنـاً. وحـق المسيـح لــو أراد
أهــل الــأرض أن يــؤذوك لمــا وصلــوا إليــك إلا إن خرجــت روحـــي مـــن أجلـــك ولـــو كـــان خاطـــري فـــي
قتلك لقتلتك في هذا الوقت.
ثــم تقدمــت إلــى المائــدة وأكلــت مــن كــل لــون لقمــة فعنــد ذلــك أكــل شركـــان ففرحـــت الجاريـــة وأكلـــت
معـه إلـى أن اكتفيـا وبعـد أن غســلا أيديهمــا قامــت وأمــرت الجاريــة أن تأتــي بالرياحيــن وآلــات الشــراب
مــن أوانــي الذهــب والفضــة والبلــور وأن يكــون الشــراب مـــن سائـــر الألـــوان المختلفـــة والأنـــواع النفيســـة
فأتتهــا بجميــع مــا طلبتــه ثــم إن الجاريــة ملـــأت أولاً القـــدح وشربتـــه قبلـــه كمـــا فعلـــت فـــي الطعـــام ثـــم
ملـأت ثانيـاً وأعطتـه إيـاه فشـرب فقالـت لـه: يـا مسلـم انظـر كيـف أنـت فــي ألــذ عيــش ومســرة ولــم تــزل
تشرب معه إلى أن غاب عن رشده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الخامسة والستين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الجاريــة مــا زالــت تشــرب وتسقـــي شركـــان إلـــى أن غـــاب عـــن
رشــده مــن الشــراب ومــن سكــر محبتهــا ثــم إنهــا قالــت الجاريــة: يــا مرجانــة هــات لنــا شيئــاً مــن آلـــات
الطــرب فقالــت: سمعــاً وطاعــة ثـــم غابـــت لحظـــة وأتـــت بعـــود جلقـــي وجنـــك عجمـــي ونـــاي تتـــري
===
وقانــون مصــري فأخــذت الجاريــة العــود وأصلحتــه وشــدت أوتــاره وغنــت عليــه بصــوت رخيـــم أرق
من النسيم وأعذ من ماء التنسيم وأنشدت مطربة بهذه الأبيات:
عفا الله عن عينينك كم سفكت دما وكم فوقت منك اللواحظ أسهما
أجل حبيبـاً حائـراً فـي حبيبـه حـــراً عيـــه أن يــــرق ويرحمــــا
هنيئاً لطرف فيك بات مسهداً وطوبى لقلب ظل فيـك متيمـا
تحكمت في قتلي فإنك مالكي بروحي أفدي الحاكم المتحكما
ثـــم قامـــت واحـــدة مـــن الجـــواري ومعهـــا آلتهـــا وأنشـــدت تقـــول عليهـــا أبيـــات بلســـان الروميـــة فطــــرب
شركــان ثــم غنــت الجاريــة سيدتهــن أيضــاً وقالــت: يــا مسلــم أمــا فهمــت مــا أقـــول قـــال: لا ولكـــن مـــا
طربــت إلا علــى حســن أناملــك فضحكـــت وقالـــت لـــه: إن غنيـــت لـــك بالعربيـــة مـــاذا تصنـــع فقـــال:
ما كنت أتمالك عقلي فأخذت آلة الطرب وغيرت الضرب وأنشدت هذه الأبيات:
طعـــــــــــم التفريـــــــــــق مــــــــــــر فهـــــــــــل لذلـــــــــــك صبـــــــــــر
أهــــــــوى ظريفــــــــاً سبانــــــــي بالحســـــــــن والهجـــــــــر مـــــــــر
فلمـا فرغـت مـن شعرهـا نظـرت إلـى شركـان فوجدتـه قـد غــاب عــن وجــوده ولــم يــزل مطروحــاً بينهــن
ممـدوداً ساعـة ثـم أفـاق وتذكـر الغنـاء فمــال طربــاً ثــم إن الجاريــة أقبلــت هــي وشركــان علــى الشــراب
===
ولـم يـزالا فـي لعــب ولهــو إلــى أن ولــى النهــار بالــرواح ونشــر الليــل الجنــاح فقامــت إلــى مرقدهــا فســأل
شركـان عنهــا فقالــوا لــه أنهــا مضــت إلــى مرقدهــا فقــال: فــي رعايــة اللــه وحفظــه فلمــا أصبــح أقبلــت
عليــه الجاريــة وقالــت لــه: إن سيدتــي تدعــوك إليهــا فقــام معهــا وســار خلفهــا فلمــا قـــرب مـــن مكانهـــا
زفتـه الجـواري بالدفـوف والمغانـي إلـى أن وصـل إلـى بـاب كبيـر مـن العــاج مرصــع بالــدر والجوهــر فلمــا
دخلــوا منــه وجـــد داراً كبيـــرة أيضـــاً وفـــي صدرهـــا إيـــوان كبيـــر مفـــروش بأنـــواع الحريـــر وبدائـــر ذلـــك
شبابيـك مفتحـة مطلـة علــى أشجــار وأنهــار وفــي البيــت صــور مجسمــة يدخــل فيهــا الهــواء فتتحــرك
فـي جوفهـا آلـات فيتخيـل للناظـر أنهـا تتكلـم والجاريــة جالســة تنظــر إليهــم فلمــا نظرتــه الجاريــة نهضــت
قائمـة غليـه وأخـذت يــده وأجلستــه بجانبهــا وسألتــه عــن مبيتــه فدعــا لهــا ثــم جلســا يتحدثــان فقالــت
لـــه: أتعـــرف شيئـــاً ممـــا يتعلـــق بالعاشقيـــن والمتيميـــن فقـــال: نعـــم أعـــرف شيئـــاً مـــن الأشعـــار فقالـــت
أسمعني فأنشد هذه الأبيات:
لا.. لا أبـوح بحــب عــزة إنهــا أخـذت علــي مواثقــاً وعهــودا
وهبان مديـن والذيـن عهدتهـم يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها خــروا لعــزة ركعـــاً وسجـــودا
فلمـا سمعتـه قالـت: لقـد كـان باهـراً كثيـراً فـي الفصاحـة بـارع البلاغـة لأنـه بالـغ فـي وصفـه العـزة حيــث
===
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى في الحسن عند موفق لقضي لها
وسعت إلي بغيـب عـزة نسـوة جعـل الإلــه خدودهــن نعالهــا
ثـم قالـت: وقيـل أن عـزة كانـت فـي غايـة الحسـن والجمــال ثــم قالــت لــه: يــا ابــن الملــك إن كنــت تعــرف
شيئــاً مــن كلــام جميــل فأنشدنــا منــه ثــم قــال: إنــي أعــرف بــه كــل واحـــد ثـــم أنشـــد مـــن شعـــر جميـــل
هذا البيت:
تريديـن قتلـي لا تريديــن غيــره ولست أرى قصداً سواك أريد
فلمــا سمعــت ذلــك قالــت لــه: أحسنــت يــا ابــن الملــك مــا الــذي ارادتـــه عـــزة بجميـــل حتـــى قـــال هـــذا
الشطــر أي: تريديــن قتلــي لا تريديــن غيــره فقــال لهــا شركــان: يـــا سيدتـــي لقـــد أرادت بـــه مـــا تريديـــن
منــي ولا يرضيــك فضحكــت لمــا قــال لهــا شركــان هــذا الكلــام ولــم يــزالا يشربــان إلــى أن ولــى النهــار
وأقبــل الليــل بالاعتكــار فقامــت الجاريــة وذهبــت مرقدهـــا ونامـــت ونـــام شركـــان فـــي مرقـــده إلـــى أن
أصبــح الصبــح فلمــا أفــاق أقبلــت عليــه الجــواري بالدفـــوف وآلـــات الطـــرب كالعـــادة ومشـــى الجـــواري
حولــه يضربــن بالدفــوف والآلــات إلــى أن خــرج مــن تلــك الـــدار ودخـــل داراً غيـــره أعظـــم مـــن الأولـــى
وفيهــا مــن التماثيــل وصــور الوحــوش مــا لا يوصــف فتعجــب شركــان ممــا رأى مــن صنــع ذلــك المكـــان
فأنشد هذه الأبيات:
===
وعيون ماء مـن سبائـك فضـة وخدود ورد في وجوه زبرجد
فكأنما لون البنفسج قد حكى زرق العيـون وكحلـت بالأثمـد
فلمــا رأت الجاريــة شركــان قامــت لــه وأخــذت يــده وأجلستــه إلــى جانبهــا وقالــت لــه: أنــت ابــن الملــك
عمر النعمان فهل تحسن لعب الشطرنج فقال: نعم ولكن لا تكوني كما قال الشاعر:
أقول والوجد يكويني وينشرنـي ونهلة من رضاب الحب ترويني
حضرت شطرنج من أهوى فلاعبني بالبيض والسود ولكن ليس يرضيني
كأنما الشاة عند الـرخ موضعـه وقــد تفقــد دستــا بالفرازيـــن
فإن نظرت إلى معنى لواحظها فـإن ألحاظهــا يــا قــوم تردينــي
ثــم قــدم الشطرنــج ولعبــت معــه فصــار شركــان كلمــا أراد أن ينظــر إلــى نقلهــا نظــر إلــى وجههــا فيضــع
الفــرس موضــع الفيــل ويضــع الفيــل موضــع الفــرس فضحكــت وقالـــت: إن كـــان لعبـــك هكـــذا فأنـــت لا
تعـرف شيئـاً فقـال: هـذا أول دسـت لا تحسبيــه فلمــا غلبتــه رجــع وصــف القطــع ولعــب معهــا فغلبتــه
ثانيــاً وثالثـــاً ورابعـــاً وخامســـاً ثـــم التفتـــت إليـــه وقالـــت لـــه: أنـــت فـــي كـــل شـــيء مغلـــوب فقـــال: يـــا
سيدتــي مــع مثلــك يحســن أن أكــون مغلوبــاً ثــم أمــرت بإحضــار الطعــام فأكــلا وغســلا أيديهمــا وأمــرت
بإحضـــار الشـــراب فشربـــا وبعــــد ذلــــك أخــــذت القانــــون وكــــان لهــــا بضــــرب القانــــون معرفــــة جيــــدة
===
الدهر ما بين مطوي ومبسـوط ومثلــه مثــل محــرور ومخـــروط
فاضرب على إن كنت مقتدراً أن لا تفارقني في وجه التفريط
ثــم إنهمــا لــم يــزالا علــى ذلــك إلــى أن أقبــل الليــل فكــان ذلــك اليــوم أحســن مــن اليــوم الــذي قبلـــه فلمـــا
أقبـل الليـل مضـت الجاريــة إلــى مرقدهــا وانصــرف شركــان إلــى موضعــه فنــام إلــى الصبــاح ثــم أقبلــت
عليـــه الجـــواري بالدفـــوف وآلـــات الطـــرب وأخـــذوه كالعـــادة إلـــى أن وصلـــوا إلـــى الجاريــــة فلمــــا رأتــــه
نهضــت قائمــة وأمسكتــه مــن يــده وأجلستـــه بجانبهـــا وسألتـــه عـــن مبيتـــه فدعـــا لهـــا بطـــول البقـــاء ثـــم
أخذت العود وأنشدت هذين البيتين:
لا تركننـــــــن إلــــــــى الفــــــــراق فإنــــــــــــه مــــــــــــر المـــــــــــــذاق
الشمـــــــس عنـــــــد غروبهــــــــا تصفـــــر مــــــن ألــــــم الفــــــراق
فبينمـا همـا علـى هـذه الحالــة وإذا همــا بضجــة فالتفتــا فرأيــا رجــالاً وشبانــاً مقبليــن وغالبهــم بطارقــة
بأيديهــم السيــوف مسلولــة تلمــع وهــم يقولــون بلســان روميــة: وقعـــت عندنـــا يـــا شركـــان فأيقـــن الهلـــاك
فلمـا سمـع شركـان هـذا الكلـام قـال فـي نفســه: لعــل هــذه الجاريــة الجميلــة خدعتنــي وأمهلتنــي إلــى أن
جــاء رجالهــا وهــم البطارقــة الذيــن خوفتنــي بهــم ولكــن أنــا الــذي جنيــت علــى نفســي وألقيتهـــا فـــي
الهلاك.
===
ثــم التفــت إلــى الجاريــة ليعاتبهــا فوجــد وجههــا قــد تغيــر بالاصفــرار ثـــم وثبـــت علـــى قدميهـــا وهـــي
تقـول لهـم: مــن أنتــم فقــال لهــا البطريــق المقــدم عليهــم: أيتهــا الملكــة الكريمــة والــدرة اليتيمــة أمــا تعرفيــن
الــذي عنــدك مــن هــو قالــت لــه: لا أعرفــه فمــن هــو فقــال لهــا: هــذا مخــرب البلــدان وسيــد الفرســـان
هــذا شركــان ابــن الملــك عمــر النعمــان هـــذا الـــذي فتـــح القلـــاع وملـــك كـــل حصـــن منيـــع وقـــد وصـــل
خبــره إلــى الملــك حــردوب والــدك مــن العجــوز ذات الدواهــي وتحقــق ذلـــك ملكنـــا نقـــلاً عـــن العجـــوز
وها أنت قد نصرت عسكر الروم بأخذ هذا الأسود المشؤوم.
فلمـــا سمعـــت كلـــام البطريـــق نظـــرت إليـــه وقالــــت لــــه: مــــا اسمــــك قالــــت لهــــا: اسمــــي ماســــورة بــــن
عبــدك موســورة بــن كاشــردة بطريــق البطارقــة قالــت لــه: كيــف دخــل علــي بغيــر إذنــي فقــال لهــا: يــا
مولاتي إني لماوصلـت إلـى البـاب مـا منعنـي حاجـب ولا بـواب بـل قـام جميـع البوابيـن ومشـوا بيـن أيدينـا
كمــا جــرت بـــه العـــادة إنـــه إذا جـــاء غيرنـــا يتركونـــه واقفـــاً علـــى البـــاب حتـــى يستأذنـــوا عليـــه الدخـــول
وليــس هــذا وقــت إطالــة الكلـــام والملـــك منتظـــر رجوعنـــا إليـــه بهـــذا الملـــك الـــذي هـــو شـــرارة جمـــرة
عسكــر الإسلــام لأجــل أن يقتلــه ويرحــل عسكــره إلــى المواضــع الــذي جــاؤوا منــه مـــن غيـــر أن يحصـــل
لنا تعب في قتالهم.
فلمــا سمعــت الجاريــة هــذا الكلامقالــت لــه: إن هــذا الكلــام غيـــر حســـن ولكـــن قـــد كذبـــت العجـــوز
===
ذات الدواهـي ظنهـا قــد تكلمــت بكلــام باطــل لا تعلــم حقيقتــه. وحــق المسيــح الــذي هتــدي مــا هــو
شركـــان وغـــلا كنـــت أسرتـــه ولكـــن رجـــل أتـــى إلينـــا وقـــدم علينـــا فطلـــب الضيافـــة فأضفنــــاه فــــإذا
تحققنـا أنـه شركـان بعينـه وثبـت عندنـا أنـه هـو مـن غيـر شـك فــلا يليــق بمروءتــي أن أمكنكــم منــه لأنــه
دخــل تحــت عهــدي وذمتــي فــلا تخونونــي فــي ضيفــي ولا تفضحونــي بيــن الأنــام بــل ارجــع أنـــت إلـــى
الملك أبي وقبل الأرض بين يديه وأخبره بأن الأمر بخلاف ما قالته العجوز ذات الدواهي.
فقــال البطريــق ماســورة: يــا إبريــزة أنــا مـــا أقـــدر أن أعـــود إلـــى الملـــك إلا بغريمـــه. فلمـــا سمعـــت هـــذا
الكلــام قالــت: لا كــان هــذا الأمــر فإنــه عنــوان السفــه لــأن هــذا الرجــل واحــد وأنتــم مائــة فـــإذا أردتـــم
مصادمته فابرزوا له واحداً بعد واحد ليظهر عند الملك من هو البطل منكم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
الليلة السادسة والستين
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الملكــة أبريــزة لمــا قالــت للبطريــق ذلـــك قـــال: وحـــق المسيـــح لقـــد
قلــت الحــق ولكــن مــا يخــرج لــه ولا غيــري فقالــت الجاريــة: اصبــر حتــى أذهــب إليـــه وأعرفـــه بحقيقـــة
الأمـر وأنظـر مـا عنــده مــن الجــواب فــإن أجــاب الأمــر كذلــك وإن أبــى فــلا سبيــل لكــم إليــه وأكــون أنــا
===
ومن في الديـر فـداءه. ثـم أقبلـت علـى شركـان وأخبرتـه بمـا كـان فتبسـم وعلـم أنهـا لـم تخبـر أحـداً بأمـره
وإنمـا شـاع خبـره حتــى وصــل إلــى الملــك بغيــر إرادتهــا فرجــع باللــوم علــى نفســه وقــال: كيــف رميــت
روحـي فـي بلـاد الـروم ثـم إنـه لمـا سمـع كلـام الجاريــة قــال لهــا: إن بروزهــم لــي واحــداً واحــد جحــاف
بهم فهلا يبرزون لي عشرة بعد عشرة
وبعــد ذلــك وثــب علــى قدميــه وســـار إلـــى أن أقبـــل عليهـــم وكـــان معـــه سيفـــه وآلـــة حربـــه فلمـــا رآه
البطريــق وثــب إليــه وحـــل عليـــه فقابلـــه شركـــان كأنـــه الأســـد وضربـــه بالسيـــف علـــى عاتقـــه فخـــرج
السيــف يلمـــع مـــن أمعائـــه فلمـــا نظـــرت الجاريـــة ذلـــك عظـــم قـــدر شركـــان عندهـــا وعرفـــت أنهـــا لـــم
تصرعــه حيــن صرعتــه بقوتهــا بــل بحسنهــا وجمالهـــا. ثـــم إن الجاريـــة أقبلـــت علـــى البطارقـــة وقالـــت
لهــم: خــذوا بثــأر صاحبكــم فخــرج لــه أخــو المقتــول وكــان جبــاراً عنيــداً فحمــل علــى شركـــان فلـــم
يمهله شركان دون أن ضربه بالسيف على عاتقه فخرج السيف يلمع من أمعائه.
فعنــد ذلــك نــادت الجاريــة وقالــت: يــا عبــاد المسيــح خـــذوا بثـــأر صاحبكـــم فلـــم يزالـــوا يبـــرزوا إليـــه
واحــداً بعــد واحــد وشركــان يلعــب فيهــم بسيفـــه حتـــى قتـــل منهـــم خمسيـــن بطريقـــاً والجاريـــة تنظـــر
غلتهـم وقـد قـذف اللـه الرعـب فـي قلـوب مــن بقــي منهــم وقــد تأخــروا عــن البــراز ولــم يجســروا علــى
البـراز إليـه واحـداً واحـداً بـل حملـوا عليـه حملـة واحـدة بأجمعهـم وحمــل عليهــم بقلــب أقــوى مــن الحجــر
===
إلــى أن طحنهـــم طحـــن الـــدروس وسلـــب منهـــم العقـــول والنفـــوس فصاحـــت الجاريـــة علـــى جواريهـــا
وقالـت لهـن: مـن بقـي فـي الديـر فقلـن لهـا: لـم يبـق إلا البوابيــن ثــم إن الملكــة لاقتــه وأخذتــه بالأحضــان
وطلـع شركـان معهـا إلـى القصـر بعـد فراغـه مـن القتـال وكـان قـد بقـي منهـم قليــل كامــن فــي زوايــا الديــر
فلمـا نظـرت الجاريــة إلــى ذلــك لقليــل قامــت مــن عنــد شركــان ثــم رجعــت إليــه وعليهــا زرديــة ضيقــة
العيـون وبيدهـا صـارم مهنـد وقالـت: وحـق المسيـح لا أبخـل بنفسـي علـى ضيفــي ولا أتخلــى عنــه ولــم
أبـق بسبـب ذلـك معيـرة فـي بلـاد الـروم ثـم إنهـا تأملـت البطارقـة فوجدتهـم قـد قتــل منهــم ثمانــون وانهــزم
منهـــم عشـــرون فلمـــا نظـــرت إلـــى مـــا صنـــع بالقـــوم قالـــت لـــه: بمثلـــك تفتخـــر الفرســـان فللــــه درك يــــا
شركان ثم إنه قام بعد ذلك يمسح سيفه من دم القتلى وينشد هذه الأبيات:
وكم من فرقة في الحرب جاءت تركـت كمماتهـم طعـم السبــاع
سلــوا عنــي إذا شئتــم نزالـــي جميــع الخلــق فــي يـــوم القـــراع
تركت ليوثهم في الحرب صرعى على الرمضاء في تلـك البقـاع
فلمـا فـرغ مـن شعـره أقبلـت عليــه الجاريــة مبتسمــة وقبلــت يــده وقلعــت الــدرع الــذي كــان عليهــا فقــال
لهـــا: يـــا سيدتـــي لـــأي شـــيء لبســـت الـــدرع الـــزرد وشهـــرت حسامـــك قالـــت: حرصـــاً عليـــك مـــن
هـؤلاء اللئـام ثـم إن الجاريـة دعـت البوابيـن وقالــت لهــم: كيــف تركتــم أصحــاب الملــك يدخلــون منزلــي
===
بغيـر إذنـي فقالــوا لهــا: أيتهــا الملكــة مــا جــرت العــادة أن نحتــاج إلــى استئــذان منــك علــى رســل الملــك
خصوصـاً البطريـق الكبيـر فقالـت لهـم: أظنكـم مــا أردتــم إلا هتكــي وقتــل ضيفــي ثــم أمــرت شركــان
أن يضـرب رقابهــم وقالــت لباقــي خدامهــا أنهــم يستحقــون أكثــر مــن ذلــك ثــم التفتــت لشركــان وقالــت
لـه: الـآن ظهـر لـك مـا كـان خافيـاً فهـا أنـا أعلمـك بقصتـي: اعلـم أنـي بنـت ملـك الـروم حـردوب واسمــي
إبريـزة والعجـوز التـي تسمــى ذات الدواهــي جدتــي أم أبــي وهــي التــي أعلمــت أبــي بــك ولا بــد أنهــا
تدبــر حيلــة فــي هلاكــي خصوصــاً وقــد قتلــت بطارقــة أبــي وشـــاع أنـــي قـــد تحزبـــت مـــع المسلميـــن
فالــرأي السديــد أننــي أتــرك الإقامــة هنــا مــا دامــت ذات الدواهــي خلفــي ولكـــن أريـــد منـــك أن تفعـــل
معـي مثـل مـا فعلـت معـك مـن الجميـل فـإن العـداوة قـد أوقعـت بينــي وبيــن أبــي فــلا تتــرك مــن كلامــي
شيئاً فإن هذا كله ما وقع إلا من أجلك.
فلمــا سمــع شركــان هــذا الكلــام طــار عقلــه مــن الفـــرح واتســـع صـــدره وانشـــرح وقـــال: واللـــه لا يصـــل
إليـك أحـداً مـا دامــت روحــي فــي جســدي ولكــن هــل لــك صبــر علــى فــراق والــدك وأهلــك قالــت:
نعــم فحلفهــا شركــان وتعاهــدا علــى ذلــك فقالــت لــه: إنــك ترجــع بعسكــرك إلــى بلــادك فقــال لهـــا: يـــا
سيدتـي إن أبـي عمـر النعمـان أرسلنـي إلـى قتـال والـدك بسبــب المــال الــذي أخــذه ومــن جملتــه الثلــاث
خـرزات الكثيـرة البركـات فقالـت لــه: طــب نفســاً وقــر عينــاً فهــا أنــا أحدثــك بحديثهــا وأخبــرك بسبــب
===
معاداتهمـا لملـك القسطيطينيـة وذلــك أن لنــا عيــداً يقــال لــه عيــد الديــر كــل سنــة تجتمــع فيــه الملــوك مــن
جميــع الأقطــار وبنــات الأكابــر والتجــار ويقعــدون فيــه سبعــة أيــام وأنــا مــن جملتهــم فلمــا وقعــت بيننــا
العـداوة منعنـي أبـي مـن حضــور ذلــك العيــد مــدة سبــع سنيــن فاتفــق فــي سنــة مــن السنيــن أن بنــات
الأكابـر مـن سائـر الجهـات قـد جـاءت مـن أماكنهـا إلـى الديـر فـي ذلــك العيــد علــى العــادة ومــن جملــة مــن
جـاء إليـه بنـت ملـك القسطنطينيـة وكـان يقـال لهـا صفيـة فأقامـوا فـي الديـر ستـة أيـام وفـي اليـوم السابــع
انصـــرف النـــاس فقالـــت صفيـــة: أنـــا مـــا أرجـــع إلـــى القسطنطينيـــة إلا فيـــال بحـــر فجهـــزوا لهـــا مركبـــاً
فنزلـت فيهـا هـي وخواصهـا وأحلــوا القلــوع وســاروا فبينمــا هــم سائــرون وإذا بريــح قــد هبــت عليهــم
فأخــرج المركــب عــن طريقهــا وكــان هنــاك بالقضــاء والقــدر مركــب نصــارى مــن جزيــرة الكافــور وفيهـــا
خمسمائة إفرنجي ومعهم العدة والسلاح وكان لهم مدة في البحر.
فلمــا لــاح لهــم قلــع المركــب التــي فيهــا صفيــة ومــن معهــا مــن البنــات انقضــوا علهـــا مسرعيـــن فمـــا كـــان
غيـــر ساعـــة حتـــى وصلـــوا إلـــى ذلـــك المركـــب ووضعــــوا فيــــه الكلاليــــب وجروهــــا وحلــــوا قلوعهــــم
وقصــدوا جزيرتهــم فمــا بعــدوا غيــر قليــل حتــى انعكــس عليهــم الريــح فجذبهــم إلــى شعـــب بعـــد أن
مــزق قلــوع مركبهــم وقربهــم منــا فخرجنــا فرأيناهـــم غنيمـــة قـــد انساقـــت إلينـــا فأخذناهـــم وقتلناهـــم
واغتنمنــا مــا معهــم مــن الأمــوال والتحــف وكــان فــي مركبهــم أربعــون جاريــة ومــن جملتهــم ابنـــة الملـــك
===
أفريـدون ملـك القسطنطينيـة فاختـار أبــي منهــن عشــر جــواري وفيهــن ابنــة الملــك وفــرق الباقــي علــى
حاشيتـه ثـم عـزل خمسـة منهـن ابنـة الملـك مـن العشـر جـواري وأرســل تلــك الخمســة هديــة إلــى والــدك
عمـر النعمـان مـع شـيء مـن الجـوخ ومــن قمــاش الصــوف ومــن قمــاش الحريــر الرومــي فقبــل الهديــة أبــوك
واختار من الخمس جواري صفية ابنة الملك أفريدون.
فلمـــا كـــان أول هـــذا العـــام أرســـل أبوهـــا إلـــى والـــدي مكتوبـــاً فيـــه كلـــام لا ينبغـــي ذكــــره حيــــث راح
يهـدده فـي ذلــك المكتــوب ويوبخــه ويقــول لــه: إنكــم أخذتــم مركبنــا منــذ سنتيــن وكــان فــي يــد جماعــة
لصـوص مـن الإفرنـج وكـان مـن جملــة مــا فيــه ابنتــي صفيــة ومعهــا مــن الجــواري نحــو ستيــن جاريــة ولــم
ترسلـوا إلـى أحـداً يخبرنـي بذلـك وأنـا لا أقـدر أن أظهـر خبرهـا خوفــاً أن يكــون فــي حقــي عــاراً عنــد
الملـوك مـن أجـل هتـك ابنتـي فكتمـت أمـري إلـى هــذا العــام والــذي بيــن لــي كذلــك أنــي كاتبــت هــؤلاء
اللصــوص وسألتهــم عــن خبــر ابنتــي وأكــدت لهــم أن يفتشــوا عليهــا ويخبرونــي عنــد أي ملــك هــي مــن
ملـوك الجزائـر فقالـوا: واللـه مـا خرجنــا بهــا مــن بلــادك ثــم قــال فــي المكتــوب الــذي كتبتــه لوالــدي إن لــم
يكـن مرادكـم معاداتـي ولا فضيحتـي ولا هتـك ابنتـي فساعـة وصـول كتابـي إليكـم ترسلــوا إلــي ابنتــي
من عندكـم وإن أهملتـم كتابـي وعصيتـم أمـري فـلا بـد لـي مـن أن أكافئكـم علـى قبيـح أفعالكـم وسـوء
أعمالكم.
===
فلمـا وصلـت هـذه المكاتبـة إلـى أبـي وقرأهـا وفهـم مــا فيهــا شــق عليــه ذلــك ونــدم حيــث لا يعــرف أن
صفيـة بنـت الملـك فـي تلـك الجـواري ليردهـا إلـى والدهـا فصـار متحيـراً فـي أمـره ولـم يمكنـه بعـد هـذه
المــدة الطويلــة أن يرســل إلــى الملــك النعمــان ويطلبهــا منـــه ولا سيمـــا وقـــد سمعنـــا مـــن مـــدة يسيـــرة أنـــه
رزق مــن جاريتــه التــي قــال لهــا صفيــة بنــت الملــك أفريــدون أولــاد فلمـــا تحققـــا ذلـــك علمنـــا أن هـــذه
الورطـة هـي المصيبـة العظمـى ولـم يكـن لأبـي حيلـة غيــر أنــه كتــب جوابــاً للملــك أفريــدون يعتــذر إليــه
ويحلـف لـه بالأقسـام أنـه لا يعلـم أن ابنتـه مـن جملـة الجـواري التـي كانــت فــي ذلــك المركــب ثــم أظهــر لــه
علـــى أنـــه أرسلهـــا إلـــى الملـــك عمـــر أتنعمـــان وأنـــه رزق منهـــا أولـــاد فلمـــا وصلـــت رسالـــة أبـــي إلـــى
أفريــدون ملــك القسطنطينيــة قــام وقعـــد وأرغـــى وأزبـــد وقـــال: كيـــف تكـــون ابنتـــي مسبيـــة بصفـــة
الجــواري وتتداولهــا أيــدي الملــوك ويطئونهــا بــلا عقــد ثــم قــال: وحــق المسيـــح والديـــن الصحيـــح أنـــه لا
يمكننـي أن أتعاقـد مـع هـذا الأمـر دون أخـذ الثـأر وكشــف العــار فــلا بــد مــن أن أفعــل فعــلاً يتحــدث
بـه النـاس مـن بعـدي ومـا زال صابـراً إلـى أن عمـل الحيلــة ونصــب مكيــدة عظيمــة وأرســل رســلاً إلــى
والــدك عمــر النعمــان وذكــر لــه مــا سمعــت مــن الأقــوال حتــى جهــزك والــدك بالعساكــر التــي معـــك مـــن
أجلهــا وسيــرك إليــه حتــى يقبــض عليـــك أنـــت ومـــن معـــك مـــن عساكـــرك وأمـــا الثلـــاث خـــرزات التـــي
أخبــر والــدك بهــا فــي مكتوبــه فليــس لذلــك صحــة وإنمــا كانــت مــع صفيــة ابنتــه وأخذهــا أبــي حيـــن
===
استولـى عليهـا هـي والجـواري التـي معهـا ثـم وهبهـا إلـي وهـي عنـدي الـآن فاذهـب أنـت إلـى عسكـرك
وردهم قبل أن يتوغلـوا فـي بلـاد الإفرنـج والـروم فإنكـم إذا توغلتـم فـي بلادهـم يضيقـون عليكـم الطـرق
ولا يكــن لكـــم خلـــاص مـــن أيديهـــم إلـــى يـــوم الجـــزاء والقصـــاص وأنـــا اعـــرف أن الجيـــوش مقيمـــون فـــي
مكانهم لأنك أمرتهم بالإقامة ثلاثة أيام مع أنهم فقدوك في هذه المدة ولم يعلموا ماذا يفعلون.
فلمــا سمــع شركــان هــذا لكلــام صــار مشغـــول الفكـــر بالأوهـــام ثـــم إنـــه قبـــل يـــد الملكـــة إبريـــزة وقـــال:
الحمـد للـه الـذي مـنّ علـي بـك وجعلـك سببـاً لسلامتـي ومـن معـي ولكـن يعـز علــي فراقــك ولاأعلــم مــا
يجـــري عليـــك مـــن بعـــدي فقالـــت لـــه: اذهـــب أنـــت الـــآن إلـــى عسكـــرك وردهـــم وإن كانــــت الرســــل
عندهـم فاقبـض عليهـم حتـى يظهـر لكـم الخبـر وأنتـم بالقــرب مــن بلادكــم وبعــد ثلاثــة أيــام أنــا ألحقكــم
وماتدخلــون بغــداد إلا وأنــا معكــم فندخــل كلنـــا ســـواء. فلمـــا أراد الانصـــراف قالـــت لـــه: لا تنســـى
العهــد الــذي بينــي وبينــك ثــم إنهــا نهضــت قائمــة معـــه لأجـــل التوديـــع والعنـــاق وإطفـــاء نـــار الأشـــواق
وبكـــت بكـــاء يذيـــب الأحجـــار وأرسلـــت الدمـــوع كالأمطـــار فلمـــا رأى منهـــا ذلـــك البكـــاء والدمـــوع
اشتد به الوجد والولوع ونزع في الوداع دمع العين وأنشد هذين البيتين:
ودعتها ويـدي اليميـن لأدمعـي ويـدي اليسـار لضمـة وعنــاق
قال أما تخشى الفضيحة قلت لا يــوم الــوداع فضيحــة العشــاق
===
ثـم فارقهـا شركـان ونـزلا مـن الديــر وقدمــوا لــه جــواده وخــرج متوجهــاً إلــى الجســر فلمــا وصــل إليــه مــر
مـن فوقـه ودخـل بيـن تلـك الأشجـار فلمـا تخلـص مـن الأشجـار ومشـى فـي ذلـك المــرج وإذا هــو بثلاثــة
فـوارس فأخـذ لنفسـه الحـذر منهـم وشهـر سيفـه وانحــدر فلمــا قربــوا منــه ونظــر بعضهــم بعضــاً عرفــوه
وعرفهــم ووجــد أحدهــم الوزيــر دنــدان ومعــه أميــران وعندمــا عرفــوه ترجلــوا لــه وسلــوا عليــه وسألــه
الوزيـر دنـدان عـن سبـب غيابـه فأخبـره بجميـع ماجـرى لــه مــن الملكــة إبريــزة مــن أولــه إلــى آخــره فحمــد
اللــه تعالــى علــى ذلــك ثــم قــال شركــان: ارحلــوا بنــا مــن هــذه البلــاد لـــأن الرســـل الذيـــن جـــاؤوا معنـــا
رحلــوا مــن عندنــا ليعلمــوا ملكهــم بقدومنــا فربمــا أسرعــوا إلينــا وقبضــوا علينــا ثــم نــادى شركــان فــي
عسكـره بالرحيـل فرحلـوا كلهـم ولـم يزالــوا سائريــن مجديــن فــي السيــر حتــى وصلــوا إلــى سطــح الــوادي
وكانــت الرســل قــد توجهــوا إلــى ملكهــم وأخبــروه بقــدوم شركــان فجهــز إليـــه عسكـــراً ليقبضـــوا عليـــه
وعلى من معه هذا ما كان من أمر الرسل وملكهم.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر شركــان فإنــه سافــر بعسكــره مــدة خمســـة وعشريـــن يومـــاً حتـــى أشرفـــوا علـــى
أوائــل بلادهــم فلمــا وصلــوا هنــاك أمنــوا علــى أنفسهـــم ونزلـــوا لأخـــذ الراحـــة فخـــرج إليهـــم أهـــل تلـــك
البلـاد بالضيافـات وعليـق البهائـم ثـم أقامـوا يوميـن ورحلـوا طالبيـن ديارهـم وتأخــر شركــان بعدهــم فــي
مائــة فــارس وجعــل الوزيـــر دنـــدان أميـــراً علـــى مـــن معـــه مـــن الجيـــش فســـار الوزيـــر دنـــدان بمـــن معـــه
===
مسيــرة يــوم ثــم بعــد ذلــك ركــب شركـــان هـــو والمائـــة فـــارس الذيـــن معـــه وســـاروا مقـــدار فرسخيـــن
حتـى وصلـوا إلـى محـل مضيـق بيـن جبليـن وإذا أمامهـم غبـرة وعجـاج فمنعـوا خيولهـم مـن السيـر مقــدار
ساعـة حتـى انكشـف الغبـار وبـان مـن تحتـه مائـة فـارس ليـوث عوابـس وفـي الحديـد والــزرد غواطــس
فلمـا قربــوا مــن شركــان ومــن معــه صاحــوا عليهــم وقالــوا: وحــق يومنــا ومريــم إننــا قــد بلغنــا مــا أملنــاه
ونحـــن خلفكـــم مجـــدون السيـــر ليـــلاً ونهـــاراً حتـــى سبقناكـــم إلـــى هـــذا المكـــان فانزلـــوا عـــن خيولكـــم
وأعطونا أسلحتكم وسلموا لنا أنفسكم حتى نجود عليكم بأرواحكم.
فلمــا سمــع شركــان ذلــك الكلــام لاجــت عينــاه واحمــرت وجنتــاه وقــال لهــم: يــا كلــاب النصــارى كيــف
تجاسرتـم علينـا وجئتـم بلادنـا ومشيتـم أرضنـا ومـا كفاكـم ذلـك حتـى تخاطبونـا بهـذا الخطـاب أظننتــم
أنكــم تخلصــون مــن أيدينــا وتعــودون إلــى بلادكــم ثــم صــاح علــى المائــة فــارس الذيــن معــه وقـــال لهـــم:
دونكــم وهــؤلاء الكلــاب فإنهــم فــي عددكــم ثــم ســل سيفــه وحمــل عليهــم وحملــت معــه المائـــة فـــارس
فاستقبلتهـم الإفرنـج بقلـوب أقـوى مـن الصخـر واصطدمــت الرجــال بالرجــال ووقعــت الأبطــال بالأبطــال
والتحـم القتـال واشتـد النـزال وعظمـت الأهـوال وقـد بطـل القيـل والقـال ولــم يزالــوا فــي الحــرب والكفــاح
والضـرب بالصفــاح حتــى ولــى النهــار وأقبــل الليــل بالاعتكــار فانفصلــوا عــن بعضهــم واجتمــع شركــان
بأصحابه فلم يجد أحداً منهم مجروحاً غير أربعة أنفس حصل لهم جراحات سليمة.
===
فقــال لهــم شركــان: أنــا عمــري أخــوض بحــر الحــرب العجــاج المتلاطـــم مـــن السيـــوف بالأمـــواج وأقاتـــل
الرجـال فواللــه مــا لقيــت أصبــر علــى الجلــاد وملاقــاة الرجــال مثــل هــؤلاء الأبطــال فقالــوا لــه: اعلــم أيهــا
الملــك أن فهــم فارســـاً إفرنجيـــاً وهـــو المقـــدم عليهـــم لـــه شجاعـــة وطعنـــات نافـــذات غيـــر أن كـــل مـــن
وقـع منـا بيــن يديــه يتغافــل عنــه ولا يقتلــه فواللــه لــو أراد قتلنــا لقتلنــا بأجمعنــا فتحيــر شركــان لمــا سمــع
ذلــك المقــال وقــال فــي غــد نصطــف ونبارزهــم فهــا نحــن مائــة وهــم مائـــة ونطلـــب النصـــر عليهـــم مـــن
رب السمــاء وباتــوا تلــك الليلــة علــى ذلــك الاتفــاق وأمــا الإفرنــج فإنهــم اجتمعــوا عنــد مقدمهــم وقالـــوا
لـه: إننـا مـا بلغنـا اليــوم فــي هــؤلاء إربــاً فقــال لهــم: فــي غــد نصطــف ونبارزهــم واحــداً بعــد واحــد
فباتــوا علــى ذلــك الاتفـــاق أيضـــاً فلمـــا أصبـــح الصبـــاح وأضـــاء بنـــوره ولـــاح وطلعـــت الشمـــس علـــى
رؤوس الروابــي والبطــاح وسلمــت علـــى محمـــد زيـــن الملـــاح ركـــب الملـــك شركـــان وركـــب معـــه المائـــة
فــارس وأتــوا إلــى الميـــدان كلهـــم فوجـــدوا الإفرنـــج قـــد اصطفـــوا للقتـــال فقـــال شركـــان لأصحابـــه: إن
أعداءنــا قــد اصطفــوا فدونكــم والمبــادرة إليهــم فنــادى منــاد مـــن الإفرنـــج: لا يكـــون قتالنـــا فـــي هـــذا
اليوم إلا مناوبة بأن يبرز بطل منكم إلى بطل منا.
فعنــد ذلــك بــرز فــارس مــن أصحــاب شركــان وســار بيــن الصفيــن وقــال: هـــل مـــن مبـــارز هـــل مـــن
مناجـر لا يبـرز لــي اليــوم كسلــان ولا عاجــز فلــم يتــم كلامــه حتــى بــرز إليــه فــارس مــن الإفرنــج غريــق
===
فـي سلاحـه وقماشـه مـن ذهـب وهـو راكـب علــى جــواد أشهــب وذلــك الإفرنجــي لا نبــات بعارضيــه
فسـار جـواده حتـى وقـف فـي وسـط الميـدان وصادمـه بالضـرب والطعـان فلـم يكـن غيـر ساعـة حتــى
طعنــة الإفرنجــي بالرمــح فنكســه عــن جــواده وأخــذه أسيــراً وقــاده حقيـــراً ففـــرح بـــه قومـــه ومنعـــوه أن
يخرج إلى الميـدان وأخرجـوا غيـره وقـد خـرج إليـه مـن المسلميـن آخـر وهـو أخـو الأسيـر ووقـف معـه فـي
الميــدان وحمــل الاثنــان علــى بعضهمــا ساعــة يسيــرة ثــم كـــر الإفرنجـــي علـــى المسلـــم وغالطـــه وطعنـــه
بعقـب الرحـم فنكسـه عـن جـواده وأخـذه أسيـراً ومـا زال يخـرج إليهـم مـن المسلميــن واحــداً بعــد واحــد
والإفرنــج يأسرونهــم إلـــى أن ولـــى النهـــار وأقبـــلا لليـــل باعتكـــار وقـــد أســـروا مـــن المسلميـــن عشـــرون
فارساً.
فلمـا عايـن شركـان ذلــك عظــم عليــه الأمــر فجمــع أصحابــه وقــال لهــم: مــا هــذا الأمــر الــذي حــل بنــا
أنـا أخـرج فـي غــد إلــى الميــدان وأطلــب بــراز الإفرنجــي المقــدم عليهــم وأنظــر مــا الــذي حملــه علــى أن
يدخـــل بلادنـــا وأحـــذره مـــن قتالنـــا فـــإن أبـــى قاتلنـــاه وإن صالحنـــاه وباتـــوا علـــى هـــذا الحـــال إلـــى أن
أصبــح الصبــاح وأضــاء بنــوره ولــاح ثــم ركــب الطائفتــان واصطــف الفريقــان فلمــا خـــرج شركـــان إلـــى
الميــدان رأى الإفرنـــج قـــد ترجـــل منهـــم أكثـــر مـــن نصفهـــم قـــدام فـــارس منهـــم ومشـــوا قدامـــه إلـــى أن
صــاروا فــي وســط الميــدان فتأمـــل شركـــان ذلـــك الفـــارس فـــرآه الفـــارس المقـــدام عليهـــم وهـــو لابـــس
===
قبـاء مـن أطلـس أزرق وجهــه فيــه كالبــدر إذا أشــرق ومــن فوقــه زرديــة ضيفــة العيــون وبيــده سيــف
مهنـد وهـو راكـب علـى جـواد أدهـم فـي وجهـه غـرة كالدرهـم وذلـك الإفرنجـي لا نبـات بعارضيـه: ثــم
إنـه لكـز جـواده حتـى صـار فـي وسـط الميـدان وأشـار إلـى المسلميـن وهـو يقـول بلسـان عربـي فصيــح:
يـا شركـان يـا ابـن عمـر النعمـان الـذي ملــك الحصــون والبلــدان دونــك والحــرب والطعــان وأبــرز إلــى مــن
قــد ناصفــك فــي الميــدان فأنــت سيــد قومــك وأنــا سيــد قومــي فمــن غلــب منـــا صاحبـــه أخـــذه هـــو
وقومـه تحـت طاعتــه فمــا استتــم كلامــه حتــى بــرز لــه شركــان وقلبــه مــن الغيــظ ملــآن وســاق جــواده
حتـى دنـا مـن الإفرنجـي فـي الميـدان فكـر عليـه الإفرنجـي كالأســد الغضبــان وصدمــه صدمــة الفرســان
وأخـذا فـي الطعــن والضــرب وصــارا إلــى حومــة الميــدان كأنهمــا جبلــان يصطدمــان أو بحــران يلتطمــان
ولـم يـزالا فـي قتـال وحـرب ونـزال مـن أول النهـار إلـى أن اقبـل الليـل بالاعتكـار ثـم انفصـل كـل منهمــا مــن
صاحبه وعاد إلى قومه.
فلمـــا اجتمـــع شركـــان بأصحابـــه قـــال لهـــم: مـــا رأيـــت مثـــل هـــذا الفـــارس قـــط إلا أنــــي رأيــــت منــــه
خصلـة لـم أرهـا مـن أحـد غيـره وهـو أنـه إذا لـاح فـي خصمـه مضـرب قاتـل يقلـب الرمـح ويضـرب بعقبــه
ولكـــن مـــا أدري مـــاذا يكـــون منـــي ومنـــه ومــــرادي أن يكــــون عسكرنــــا مثلــــه ومثــــل أصحابــــه وبــــات
شركـان فلمـا أصبـح الصبـاح خـرج لـه الإفرنجـي ونـزل فـي وسـط الميـدان وأقبـل عليـه شركـان ثـم أخــذا <