Advertisement

ألف ليلة وليلة2

مــرادك فقــال لــه: يــا ملــك الزمــان اعلــم أنــي قـــد أتيتـــك خاطبـــاً راغبـــاً فـــي الـــدرة اليتيمـــة والجوهـــرة
مــرادك فقــال لــه: يــا ملــك الزمــان اعلــم أنــي قـــد أتيتـــك خاطبـــاً راغبـــاً فـــي الـــدرة اليتيمـــة والجوهـــرة
المكنونة الملكة جوهرة بنت مولانا فلا تخيب أيها الملك قاصدك.
فلمـا سمـع الملـك كلامـه ضحـك حتـى استلقـى علــى قفــاه استهــزاء بــه وقــال يــا صالــح كنــت أحسبــك
رجــلاً عاقــلاً وشابــاً فاضــلاً لا تسعـــى إلا بســـداد ولا تنطـــق إلا برشـــاد ومـــا الـــذي أصـــاب عقلـــك
ودعـاك إلـى هـذا الأمـر العظيـم والخطــب الجسيــم حتــى أنــك تخطــب بنــات الملــوك وأصحــاب البلــدان
والأقاليـم وهـل بلــغ قــدرك أنــك انتهيــت إلــى هــذه الدرجــة العاليــة وهــل نقــص عقلــك إلــى هــذه الغايــة
حتــى تواجهنــي بهــذا الكلــام فقــال صالــح: أصلــح اللـــه الملـــك إنـــي لـــم أخطبهـــا لنفســـي ولـــو خطبتهـــا
لنفســي لكنــت كفــؤاً لهــا قــل أكثــر لأنــك تعلــم أن أبــي ملـــك مـــن ملـــوك البحـــر وإن كنـــت اليـــوم ملكنـــا
ولكن أنا ما خطبتها إلا للملك بدر باسم صاحب أقاليم العجم وأبوه الملك شهرمان.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن صالــح قــال للملــك: أنــا مــا خطبــت بنتــك إلا للملــك بــدر باســم
ابــن الملــك شهرمــان وأنــت تعــرف سطوتــه وإن زعمــت أنــك ملــك عظيــم فالملــك بــدر باســـم أعظـــم
وإن ادعيــت أن ابنتــك جميلــة فالملــك بــدر باســم أجمــل منهــا وأحســن صــورة وأفضــل حسبــاً ونسبـــاً
===
الملـك السمنـدل فـرأوه جالسـاً علـى كرسـي مملكتـه غافـلاً عــن هــؤلاء وهــو شديــد الغيــظ علــى صالــح
ورأوا خدامـــه وغلمانـــه وأعوانـــه غيـــر مستعديـــن فلمـــا رآهـــم وبأيديهـــم السيـــوف مجـــردة صـــاح علــــى
قومــه وقــال: يــا ويلكــم خــذوا رؤوس هـــؤلاء الكلـــاب فحملـــوا علـــى بعضهـــم فلـــم يكـــن غيـــر ساعـــة
حتــى انهــزم قــوم الملــك السمنــدل وركنــوا إلــى الفـــرار وكـــان صالـــح وأقاربـــه قـــد قبضـــوا علـــى الملـــك
السمندل وكتفوه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيــــد أن صالحــــاً وأقاربــــه كتفــــوا الملــــك السمنــــدل ثــــم إن جوهــــرة لمــــا
انتبهــت علمـــت أن أباهـــا قـــد أســـر وأن أعوانـــه قـــد قتلـــوا فخرجـــت مـــن القصـــر هاربـــة إلـــى بعـــض
الجزائــر ثــم إنهــا قصــدت شجــرة عاليــة واختفــت فوقهــا ولمــا اقتتــل هــؤلاء الطائفتــان فــر بعــض غلمــان
الملـك السمنـدل هاربيـن فرآهـم بـدر باسـم فسألهـم عـن حالهــم فأخبــروه بمــا وقــع فلمــا سمــع أن الملــك
السمنـدل قبـض عليـه ولـى هاربـاً وخـاف علـى نفسـه وقـال فـي قلبـه: إن هـذه الفتنــة كانــت مــن أجلــي
ومــا المطلــوب إلا أنــا أولــي هاربــاً وللنجــاة طالبــاً وصــار لا يــدري أيــن يتوجــه فساقتــه المقاديــر الأزليــة
===
إلــى تلــك الجزيــرة التــي فيهــا جوهــرة بنــت الملــك السمنــدل فأتـــى عنـــد الشجـــرة وانطـــرح مثـــل القتيـــل
وأراد الراحــة بانطراحــه ولا يعلــم إن كــل مطلــوب لا يستريــح ولا يعلــم أحـــد مـــا خفـــي لـــه فـــي الغيـــب
مـن المقاديـر فلمـا وقـع بصـره نحـو الشجـرة وقعـت عينـه فـي عيــن جوهــرة فنظــر إليهــا فرآهــا كالبــدر إذا
أشـــرق فقـــال: سبحـــان خالـــق هـــذه الصـــورة وهـــو خالـــق كـــل شـــيء وهـــو علـــى كـــل شــــيء قديــــر
سبحــان اللــه العظيــم الخالــق البــاري المصــور واللــه صدقتــه حــذري تكــون هــذه جوهــرة بنــت الملـــك
السمنــدل وأظنهــا لمــا سمعــت بوقــوع الحــرب بينهمــا هربــت وأتـــت إلـــى هـــذه الجزيـــرة واختفـــت فـــوق
هــذه الشجــرة وإن لــم تكــن هــذه الملكــة جوهــرة فهــذه أحســن منهــا ثــم إنــه صــار متفكــراً فـــي أمرهـــا
وقـال فــي نفســه لأقــوم أمسكهــا وأسألهــا عــن حالهــا فــإن كانــت هــي فإنــي أخطبهــا مــن نفسهــا وهــذه
بغيتـي فانتصـب قائمـاً علـى قدميـه وقـال لجوهـرة: يـا غايـة المطلــوب مــن أنــت ومــن أتــى بــك إلــى هــذا
المكــان فنظــرت جوهــرة إلــى بــدر باســم فرأتـــه كأنـــه الـــدر إذا ظهـــر مـــن تحـــت الغمـــام الأســـود وهـــو
رشيـق القـوام مليـح الابتسـام فقالـت لـه: يـا مليــح الشمائــل أنــا الملكــة جوهــرة بنــت الملــك السمنــدل قــد
هربـت إلـى هـذا المكـان لـأن صالحـاً وجنـوده تقاتلـوا مــع أبــي وقتلــوا جنــده وأســروه هــو وبعــض جنــده
فهربـت أنـا خوفـاً علـى نفسـي ثـم إن الملكـة جوهـرة قالـت للملـك بـدر باســم: وأنــا مــا أتيــت إلــى هــذا
المكـان إلا هاربـة خوفـاً مــن القتــل ولــم أدر مــا فعــل الزمــان بأبــي فلمــا سمــع الملــك بــدر باســم كلامهــا
===
تعجـب غايـة العجــب مــن هــذا الاتفــاق الغريــب وقــال: لاشــك أنــي نلــت غرضــي بأســر أبيهــا ثــم إنــه
نظـر إليهـا وقـال لهـا: انزلـي يـا سيدتـي فإنـي قتيـل هـواك وأسرتنـي عينـاك وعلـى شأنـي وشأنــك كانــت
هــذه الفتنــة وهــذه الحــروب واعلمــي أنــي أنــا بــدر باســم ملـــك العجـــم وأن صالحـــاً هـــو خالـــي وهـــو
الـذي أتــى إلــى أبيــك وخطبــك منــه وأنــا قــد تركــت ملكــي لأجلــك واجتماعنــا فــي هــذا الوقــت مــن
عجائـب الاتفــاق فقومــي وانزلــي عنــدي حتــى أروح أنــا وأنــت إلــى قصــر أبيــك واســأل أخــي صالحــاً
في إطلاقه وأتزوج بك في الحلال.
فلمــا سمعــت جوهــرة كلــام بــدر باســم قالــت فــي نفسهــا: علــى شــأن هــذا العلــق اللئيــم كانــت هـــذه
القضيـة وأســر أبــي وقتــل حجابــه وحشمــه وشتتنــي أنــا عــن قصــري وخرجــت أنــا مسبيــة فــي تلــك
الجزيـرة فـإن لـم أعمـل معـه حيلـة أحسـن منـه تمكـن منـي ونـال غرضــه لأنــه عاشــق والعاشــق مهمــا فعــل
لا يلــام عليــه فيــه ثــم إنهــا خادعتــه بالكلــام وليــن الخطــاب وهــو لا يــدري مــا أضمرتــه لـــه مـــن المكايـــد
وقالـت لـه: يــا سيــدي ونــور عينــي هــل أنــت الملــك بــدر باســم ابــن الملكــة جلنــار فقــال لهــا: نعــم يــا
سيدتي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن جوهــرة بنــت الملـــك السمنـــدل قالـــت للملـــك بـــدر باســـم: هـــل
أنــت يــا سيــدي الملــك بــدر باســم ابــن الملكــة جلنــار قــال لهـــا: نعـــم يـــا سيدتـــي فقالـــت: قطـــع اللـــه
أبــي وأزال ملكـــه ولا جبـــر لـــه قلبـــاً ولا رد لـــه غربـــة إن كـــان يريـــد أحســـن منـــك وأحســـن مـــن هـــذه
الشمائـل الظريفــة واللــه إنــه قليــل العقــل والتدبيــر ثــم قالــت لــه: يــا ملــك الزمــان لا تؤاخــذ أبــي بمــا فعــل
وإن كنـت أحببتنـي شبـراً فأنـا أحببتـك ذراعـاً وهـذا وقعـت فـي شـرك هـواك وصـرت مــن جملــة فلــاك
وقــد انتقلــت المحبــة التــي كانــت عنــدك وصــارت عنــدي مــا بقــي عنــدك منهــا إلا معشــار مــا عنـــدي
ثــم إنهــا نزلــت مــن فــوق الشجــرة وقربــت منــه وأتــت إليــه واعتنقتــه وضمتــه إلـــى صدرهـــا وصـــارت
تقبلـه فلمـا رأى الملـك بـدر باسـم فعلهـا فيــه ازدادت محبتــه لهــا واشتــد غرامــه بهــا وظــن أنهــا عشقتــه
ووثـق بهـا وصـار يضمهـا ويقبلهـا ثـم إنـه قـال لهـا: يـا ملكـة واللـه لـم يصـف لـي خالـي ربـع مــا أنــت عليــه
مـن الجمـال ولا ربـع قيـراط مـن أربعـة وعشريــن قيراطــاً ثــم إن جوهــرة ضمتــه إلــى صدرهــا وتكلمــت
بكلــام لا يفهـــم وتفلـــت فـــي وجهـــه وقالـــت لـــه: اخـــرج مـــن هـــذه الصـــورة البشريـــة إلـــى صـــورة طائـــر
أحسـن الطيـور أبيـض الريـش أحمـر المنقــار والرجليــن فمــا تمــت كلامهــا حتــى انقلــب الملــك بــدر باســم
إلــى صـــورة طائـــر أحســـن نمـــا يكـــون مـــن الطيـــور وانتفـــض ووقـــف علـــى رجليـــه وصـــار ينظـــر إلـــى
جوهــرة وكــان عندهــا جاريـــة مـــن جواريهـــا تسمـــى مرسينـــة فنظـــرت إليهـــا وقالـــت: واللـــه لـــولا أنـــي
===
أخــاف مــن كــون أبــي أسيــراً عنــد خالــه لقتلتــه فــلا جــزاه اللــه خيــراً فمــا أضـــام قدومـــه علينـــا فهـــذه
الفتنـة كلهـا مــن تحــت رأســه ولكــن يــا جاريــة خذيــه واذهبــي بــه إلــى الجزيــرة المعطشــة واتركيــه هنــاك
حتـى يمـوت عطشــاً فأخذتــه الجاريــة وأوصلتــه إلــى الجزيــرة وأرادت الرجــوع مــن عنــده ثــم قالــت فــي
نفسهــا: واللــه إن صاحــب هــذا الحســن والجمـــال لا يستحـــق أن يمـــوت عطشـــاً ثـــم إنهـــا أخرجتـــه مـــن
الجزيـرة المعطشـة وأتـت بـه إلـى جزيــرة كثيــرة الأشجــار والأثمــار والأنهــار فوضعتــه فيهــا ورجعــت إلــى
سيدتها وقالت لها: وضعته في الجزيرة المعطشة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الجاريـــة رجعـــت إلـــى سيدتهـــا وقالـــت: وضعتـــه فـــي الجزيـــرة
المعطشة. هذا ما كان من أمر بدر باسم.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر صالــح خــال الملـــك بـــدر باســـم فإنـــه لمـــا احتـــوى علـــى الملـــك السمنـــدل وقتـــل
أعوانـه وخدمـه وصـار تحـت أسـره طلـب جوهـرة بنـت الملـك فلــم يجدهــا فرجــع إلــى قصــره عنــد أمــه
وقـال: يـا أمـي أيـن ابـن أختـي الملـك بـدر باسـم فقالـت: يـا ولـدي واللــه مــا لــي بــه علــم ولا أعــرف أيــن
===
فلمـا سمـع صالـح كلـام أمـه حـزن علـى ابــن أختــه وقــال: يــا أمــي واللــه إننــا قــد فرطنــا فــي الملــك بــدر
باســم وأخــاف أن يهلــك أو يقــع بـــه أحـــد مـــن جنـــود الملـــك السمنـــدل أو تقـــع بـــه ابنـــة الملـــك جوهـــرة
فيحصـل لنـا مـن أمـه خجـل ولا يحصـل لنـا منهــا خيــر لأنــي قــد أخذتــه بغيــر اذنهــا ثــم إنــه بعــث خلفــه
الأعوان والجواسيس إلـى جهـة البحـر وغيـره فلـم يقفـوا لـه علـى خبـر فرجعـوا وعلـوا صالحـاً بذلـك فـزاد
همــه وغمــه وقــد ضــاق صــدره علــى الملــك بــدر باســم. هــذا مــا كــان مــن أمــر الملـــك بـــدر باســـم
وخالــه صالــح وأمــا مــا كــان مــن أمــر أمــه الملكــة جلنـــار البحريـــة فإنهـــا لمـــا نـــزل ابنهـــا بـــدر باســـم مـــع
خالـه صالـح انتظرتـه فلـم يرجـع إليهـا وأبطـأ خبـره عنهـا فقعـدت أيامـاً عديـدة فـي انتظارهمــا ثــم قامــت
ونزلــت فــي البحــر وأتــت أمهــا فلمــا نظرتهــا أمهــا قامــت إليهـــا وقبلتهـــا واعتنقتـــا وكذلـــك بنـــات عمهـــا
ثـم إنهـا سالـت أمهـا عـن الملـك بـدر باسـم فقالــت لهــا: يــا بنتــي قــد أتــى هــو وخالــه ثــم إن خالــه قــد
أخــذ يواقيــت وجواهــر وتوجــه بهــا هــو وإيــاه إلــى الملــك السمنـــدل وخطـــب ابنتـــه فلـــم يجبـــه وشـــدد
علــى أخيــك فــي الكلــام فأرسلـــت إلـــى أخيـــك نحـــو ألـــف فـــارس ووقـــع الحـــرب بينهـــم وبيـــن الملـــك
السمنـدل فنصـر اللـه أخـاك عليــه وقتــل أعوانــه وجنــوده وأســر الملــك السمنــدل فبلــغ ذلــك الخبــر ولــدك
فكأنـه خـاف علـى نفسـه فهـرب مـن عندنـا بغيـر اختيارنـا ولـم يعـد إلينـا بعـد ذلـك ولـم نسمــع لــه خبــراً
ثــم إن جلنــار سألتهــا عــن أخيهــا صالــح فأخبرتهــا أنــه جالــس علــى كرســـي المملكـــة فـــي محـــل الملـــك
===
فلمـــا سمعـــت جلنـــار كلـــام أمهـــا حزنـــت علـــى ولدهـــا حزنـــاً شديـــداً واشتـــد غضبهــــا علــــى أخيهــــا
صالـح لكونـه أخـذ ولدهـا ونـزل بـه البحـر مـن غيـر إذنهـا ثـم إنهـا قالـت: يــا أمــي إنــي خائفــة علــى الملــك
الــذي لنــا لأنــي أتيتكــم ومـــا أعلمـــت أحـــداً مـــن أهـــل المملكـــة وأخشـــى إن أبطـــأت عليهـــم أن يفســـد
الملـك علينـا وتخـرج المملكـة مـن أيدينـا والـرأي السيديـد أنــي أرجعــو وأســوس المملكــة إلــى أن يدبــر اللــه
لنــا أمــر ولا تنســوا ولـــدي ولا تتهاونـــوا فـــي أمـــره فإنـــه أن حصـــل لـــه ضـــرر هلكـــت لا محالـــة لأنـــي لا
أرى الدنيــا إلا بــه ولا ألتـــذ إلا بحياتـــه فقالـــت: حبـــاً وكرامـــة يـــا بنتـــي لا تسألـــي عـــن مـــا عندنـــا مـــن
فراقــه وغيبتــه ثــم إن أمهــا أرسلــت مــن يفتـــش عليـــه ورجعـــت أمـــه حزينـــة القلـــب باكيـــة العيـــن إلـــى
المملكة وقد ضاقت بها الدنيا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الملكـــة جلنـــار لمـــا رجعـــت مـــن عنـــد أمهـــا إلـــى مملكتهـــا ضـــاق
صدرهـا واشتـد فكرهـا. هــذا مــا كــان مــن أمرهــا وأمــا مــا كــان مــن أمــر الملــك بــدر باســم فإنــه لمــا
سحرتــه الملكــة جوهــرة وأرسلتــه مــع جاريتهــا إلــى الجزيــرة المعطشـــة وقالـــت لهـــا: دعيـــه فيهـــا يمـــوت
===
عطشـاً لـم تضعــه الجاريــة إلا فــي جزيــرة خضــراء مثمــرة ذات أشجــار وأنهــار فصــار يأكــل مــن الثمــار
ويشــرب مــن الأنهــار ولــم يــزل كذلــك مــدة أيــام وليــال وهــو فــي صــورة طائــر لا يعـــرف أيـــن يتوجـــه ولا
كيــف يطيــر فبينمــا هــو ذات يــوم مــن الأيــام فــي تلــك الجزيــرة إذ أتــى إلــى هنــاك صيــاد مـــن الصياديـــن
ليصطـاد شيئـاً يتقـوت بــه فــرأى الملــك بــدر باســم وهــو فــي صــورة طائــر أبيــض الريــش أحمــر المنقــار
والرجليـن يسبـي الناظـر ويدهـش الخاطـر فنظـر إليــه الصيــاد فأعجبــه وقــال فــي نفســه إن هــذا الطائــر
مليح وما رأيـت طائـراً مثلـه فـي حسنـه ولا فـي شكلـه ثـم إنـه رمـى الشبكـة عليـه واصطـاده ودخـل بـه
المدينة وقال في نفسه: والله العظيم لا أبيعه ثم إن الصياد ذهب به إلى دار الملك.
فلمـــا رآه الملـــك أعجبـــه حسنـــه وجمالـــه وحمـــرة منقـــاره ورجليـــه فأرســـل إليـــه خادمــــاً ليشتريــــه منــــه
فأتـى الخـادم إلـى الصيـاد وقــال لــه: أتبيــع هــذا الطائــر قــال: لا بــل هــو للملــك هديــة منــي إليــه فأخــذه
الخــادم وتوجــه بــه إلــى الملــك وأخبــره بمــا قالــه فأخــذه الملــك وأعطــى الصيــاد عشـــرة دنانيـــر فأخذهـــا
وقبـل الـأرض وانصـرف وأتـى الخـادم بالطائـر إلــى قصــر الملــك ووضعــه فــي قفــص مليــح وعلقــه وحــط
عنــده مــا يأكــل ومــا يشــرب فلمــا نــزل الملــك قـــال للخـــادم: أيـــن الطائـــر أحضـــره حتـــى أنظـــره واللـــه إنـــه
مليـح فأتـى بـه الخـادم ووضعـه بيـن يـدي الملـك وقـد رأى الأكـل عنـده لـم يأكـل منـه شيئـاً. فقـال الملــك:
واللــه مــا أدري مــا يأكــل حتـــى أطعمـــه ثـــم أمـــر بإحضـــار الطعـــام فأحضـــرت الموائـــد بيـــن يديـــه فأكـــل
===
الملـك مـن ذلـك فلمـا نظـر الطيـر إلـى اللحـم والطعـام والحلويـات والفواكــه أكــل مــن جميــع مــا فــي السمــاط
الـذي قـدام الملـك فبهــت لــه الملــك وتعجــب مــن أكلــه وكذلــك الحاضــرون ثــم قــال الملــك لمــن حولــه مــن
الخــدام والمماليــك: عمــري مــا رأيــت طيـــراً يأكـــل مثـــل هـــذا الطيـــر ثـــم أمـــر الملـــك أن تحضـــر زوجتـــه
لتتفــرج عليــه فمضــى الخــادم ليحضرهــا فلمــا رآهــا قـــال لهـــا يـــا سيدتـــي إن الملـــك يطلبـــك لأجـــل أن
تتفرجــي علــى هــذا الطيــر الــذي اشتــراه فإننـــا لمـــا أحضرنـــا الطعـــام طـــار مـــن القفـــص وسقـــط علـــى
المائـدة وأكـل مـن جميـع مــا فيهــا فقومــي يــا سيدتــي تفرجــي عليــه فإنــه مليــح المنظــر وهــو أعجوبــة مــن
أعاجيــب الزمـــان فلمـــا سمعـــت كلـــام الخـــادم أتـــت بسرعـــة فلمـــا نظـــرت إلـــى الطيـــر وتحققتـــه غطـــت
وجههــا وولــت راجعــة فقــام الملــك وراءهــا وقــال لهــا: لــأي شــيء غطيــت وجهـــك ومـــا عنـــدك غيـــر
الجــواري والخــدم الذيــن فــي خدمتــك وزوجــك فقالــت: أيهــا الملــك إن هــذا الطيــر ليـــس بطائـــر وإنمـــا
هــو رجــل مثلــك فلمــا سمــع الملــك كلــام زوجتــه قــال لهــا: تكذبيــن مــا أكثــر مــا تمزحيـــن كيـــف يكـــون
غيـــر طائـــر فقالـــت لـــه: واللـــه مـــا مزحـــت معـــك ولا قلـــت إلا حقـــاً إن هـــذا الطيـــر هـــو الملــــك بــــدر
باسم ابن الملك شهرمان صاحب بلاد العجم وأمه الملكة جلنار البحرية.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زوجــة الملــك لمــا قالــت للملــك: إن هــذا ليـــس بطائـــر وإنمـــا هـــو
رجـل مثلـك وهـو الملـك بـدر باســم ابــن الملــك شهرمــان وأمــه جلنــار البحريــة قــال لهــا: وكيــف صــار
علــى هــذا الشكــل قالــت لــه: إنــه قــد سحرتــه الملكــة جوهــرة بنــت الملــك السمنـــدل ثـــم حدثتـــه بمـــا
جــرى لــه مــن أولــه إلــى آخــره وأنــه قــد خطــب جوهـــرة مـــن أبيهـــا فلـــم يـــرض أبوهـــا بذلـــك وأن خالـــه
صالحـاً اقتتـل هـو والملـك السمنـدل وانتصـر صالــح عليــه وأســره فلمــا سمــع كلــام زوجتــه تعجــب غايــة
العجـــب وكانـــت هـــذه الملكـــة زوجتـــه أسحـــر أهـــل زمانهـــا فقـــال الملـــك: بحياتـــي عليــــك تحليــــه مــــن
السحــر ولا تخليــه معذبــاً قطــع اللــه يــد جوهــرة مـــا أقبحهـــا ومـــا أقـــل دينهـــا وأكثـــر خداعهـــا ومكرهـــا
قالـت لـه زوجتـه: قـل لــه يــا بــدر باســم ادخــل هــذه الخزانــة فأمــره الملــك أن يدخــل الخزانــة فلمــا سمــع
كلـــام الملـــك دخـــل الخزانـــة فقامـــت زوجـــة الملـــك وستـــرت وجههـــا وأخـــذت فـــي يدهــــا طاســــة مــــاء
ودخلــت الخزانــة وتكلمــت علــى المــاء بكلــام لا يفهــم وقالــت لــه: بحـــق هـــذه الأسمـــاء العظـــام والآيـــات
الكـــرام وبحـــق اللـــه تعالـــى خالـــق السمـــاوات والـــأرض ومحيـــي الأمـــوات وقاســـم الـــأرزاق والآجـــال أن
تخـرج مـن هــذه الصــورة التــي أنــت فيهــا وترجــع إلــى الصــورة التــي خلقــك اللــه عليهــا فلــم تتــم كلامهــا
حتى انتفض نفضة ورجع إلى صورته فرآه الملك شاباً مليحاً ما على وجه الأرض أحسن منه.
ثــم إن الملــك بــدر باســم لمــا نظــر إلــى هــذه الحالــة قــال: لا إلــه إلا اللــه ومحمــد رســول اللــه صلــى اللــه
===
عليـه وسلـم سبحانـه خالـق الخلائـق ومقـدر أرزاقهـم وآجالهــم ثــم إنــه قبــل يــد الملــك ودعــا لــه بالبقــاء
وقبـل الملـك راس بــدر باســم وقــال لــه: يــا بــدر باســم حدثنــي بحديثــك مــن أولــه إلــى آخــره فحدثــه
بحديثـه ولـم يكتـم منـه شيئـاً فتعجـب الملـك مــن ذلــك ثــم قــال لــه: يــا بــدر باســم قــد خلقــك اللــه مــن
السحــر فمــا الــذي اقتضــاه رأيــك ومــا تريـــد أن تصنـــع قـــال لـــه: يـــا ملـــك الزمـــان أريـــد مـــن إحسانـــك
أن تجهــز لــي مركبــاً وجماعــة مــن خدامــك وجميــع مــا أحتـــاج إليـــه فـــإن لـــي زمانـــاً طويـــلاً وأنـــا غائـــب
وأخـاف أن تـروح المملكـة منـي ومـا أظـن أن والدتـي بالحيـاة مـن أجــل فراقــي والغالــب علــى ظنــي أنهــا
ماتـت مـن حزنهـا علـي لأنهـا لا تــدري مــا جــرى لــي ولاتعــرف هــل أنــا حــي أو ميــت وأنــا اسألــك أيهــا
الملك أن تتم إحسانك بما طلبته منك.
فلمــا نظــر الملــك إلــى حسنــه وجمالــه وفصاحتـــه أجابـــه وقـــال لـــه سمعـــاً وطاعـــة ثـــم إنـــه جهـــز مركبـــاً
ونقل فيه جميع ما يحتاج إليه وسير معه جماعة من خدامه فنزل في المركب بعد أن ودع الملك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الملـــك بـــدر باســـم ركـــب المركـــب هـــو وجماعتـــه وودع الملـــك
===
وســاروا فــي البحـــر وساعدهـــم الريـــح ولـــم يزالـــوا سائريـــن مـــدة عشـــرة أيـــام متواليـــة ولمـــا كـــان اليـــوم
الحــادي عشــر هــاج البحـــر هيجانـــاً شديـــداً وصـــار المركـــب يرتفـــع وينخفـــض ولـــم يقـــدر البحريـــة أن
يمسكـوه ولـم يزالـوا علـى هـذه الحالـة والأمـواج تلعـب بهـم حتـى قربـوا إلــى صخــرة مــن صخــرات البحــر
فوقعــت تلــك الصخــرة علــى المركــب فانكســر وغــرق جميــع مــا كـــان فيـــه إلا الملـــك بـــدر باســـم فإنـــه
ركـب علـى لـوح مـن الألـواح بعـد أن أشـرف علـى الهلـاك ولــم يــزل ذلــك اللــوح يجــري بــه فــي البحــر ولا
يـدري أيـن هـو ذاهـب وليـس لـه حيلـة فـي منـع اللـوح بـل سـار بـه مـع المــاء والريــح ولــم يــزل كذلــك مــدة
ثلاثــة أيــام وفــي اليــوم الرابــع طلــع بــه اللـــوح علـــى ساحـــل البحـــر فوجـــد هنالـــك مدينـــة بيضـــاء مثـــل
الحمامــة الشديــدة البيــاض وهــي مبنيــة فــي الجزيــرة التــي علـــى ساحـــل البحـــر لكنهـــا عاليـــة الأركـــان
مليحـة البنيـان رفيعـة الحيطـان البحـر يضـرب فـي سوارهـا فلمــا عايــن الملــك بــدر باســم تلــك الجزيــرة
التـي فيهـا هـذه المدينــة فــرح فرحــاً شديــداً وكــان قــد أشــرف علــى الهلــاك مــن الجــوع والعطــش فنــزل
مــن فــوق اللــوح وأراد أن يصعــد إلــى المدينــة فأتـــت إليـــه بغـــال وحميـــر وخيـــول عـــدد الرمـــل فصـــاروا
يضربونـه ويمنعونـه أن يطلـع مـن البحــر إلــى المدينــة ثــم إنــه عــام خلــف تلــك المدينــة وطلــع إلــى البــر فلــم
يجـد هنـاك أحـداً فتعجـب وقــال: يــا تــرى لمــن هــذه المدينــة وهــي ليــس لهــا ملــك ولا فيهــا أحــد ومــن
أيــن هــذه البغــال والحميــر والخيــول التــي منعتنــي مــن الطلــوع وصــار متفكــراً فــي أمــره وهــو مــاش ومــا
===
يـدري أيـن يذهـب ثـم بعــد ذلــك رأى شيخــاً بقــالاً فلمــا رآه الملــك بــدر باســم سلــم عليــه فــرد عليــه
السلـــام ونظـــر إليـــه الشيـــخ فـــرآه جميـــلاً فقـــال لـــه: يـــا غلـــام مـــن أيـــن أقبلـــت ومـــن أوصلـــك إلـــى هـــذه
المدينــة فحدثــه بحديثــه مــن أولــه إلــى آخــره فتعجــب منــه وقــال لــه: يـــا ولـــدي أمـــا رأيـــت أحـــداً فـــي
طريقــك فقــال لــه: يـــا والـــدي إنمـــا أتعجـــب مـــن هـــذه المدينـــة حيـــث إنهـــا خاليـــة مـــن النـــاس فقـــال لـــه
الشيـخ: يـا ولـدي اطلـع الدكـان وإلا تهلـك فطلــع بــدر باســم وقعــد فــي الدكــان فقــام الشيــخ وجــاء لــه
بشــيء مــن الطعــام وقـــال لـــه: يـــا ولـــدي ادخـــل فـــي داخـــل الدكـــان فسبحـــان مـــن سلمـــك مـــن هـــذه
الشيطانــة فخــاف الملــك بــدر باســم خوفــاً شديــداً ثــم أكــل مــن طعــام الشيـــخ حتـــى اكتفـــى وغســـل
يديــه ونظــر إلــى الشيــخ وقــال لــه: يــا سيــدي مــا سبــب هــذا الكلــام فقــد خوفتنــي مـــن هـــذه المدينـــة
ومـــن أهلهـــا فقـــال لـــه الشيـــخ: يـــا ولـــدي اعلـــم أن هـــذه المدينـــة مدينـــة السحـــرة وبهـــا ملكــــة ساحــــرة
كأنهــا شيطانــة وهــي كاهنـــة سحـــارة غـــدارة والحيوانـــات التـــي تنظرهـــا مـــن الخيـــل والبغـــال والحميـــر
هــؤلاء كلهــم مثلــك ومثلــي مــن بنــي آدم لكنهــم غربــاء لــأن كــل مـــن يدخـــل هـــذه المدينـــة وهـــو شـــاب
مثلــك تأخــذه هــذه الكافــرة الساحــرة وتقعــد معــه أربعيــن يومــاً وبعــد الأربعيــن تسحــره فيصيـــر بغـــلاً
أو فرساً أو حماراً أو شيئاً من هذه الحيوانات التي نظرتها على جانب البحر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن الشيــخ البقــال لمــا حكــى للملــك بــدر باســم وأخبــره بحالــة الملكــة
السحـارة وقـال لــه: إن كــل أهــل هــذه المدينــة قــد سحرتهــم وأنــك لمــا أردت الطلــوع مــن البحــر خافــوا
أن تسحــرك مثلهــم فقالــوا لــك بالإشــارة: لا تطلــع لئــلا تــراك الساحــرة شفقــة عليــك فربمــا تعمــل فيــك
مثــل مــا عملــت فيهــم وقــال لــه: إنهــا قــد ملكــت هــذه المدينــة مــن أهلهــا بالسحــر واسمهــا الملكــة لــاب
وتفسيره بالعربي تقويم الشمس.
فلمـــا سمـــع الملـــك بـــدر باســـم ذلـــك الكلـــام مـــن الشيـــخ خـــاف خوفــــاً شديــــداً وصــــار يرتعــــد مثــــل
القصبـة الريحيـة وقـال لـه: أنـا مـا صدقــت أنــي خلصــت مــن البــلاء الــذي كنــت فيــه مــن السحــر حتــى
ترمينـي المقاديـر فـي مكـان أقبـح منـه فصـار متفكـراً فـي حالـه ومـا جــرى لــه فلمــا نظــر إليــه الشيــخ رآه
قـد اشتـد عليـه الخـوف فقـال لـه: يــا ولــدي قــم واجلــس علــى عتبــة الدكــان وانظــر إلــى تلــك الخلائــق
وغلــى لباسهــم وألوانهــم ومــا هــم فيــه مــن السحــر ولا تخــف فــإن الملكــة وكــل مــن فــي المدينــة يحبنـــي
ويراعينـي ولا يرجفـون لـي قلبـاً ولايتعبـون لــي خاطــراً فلمــا سمــع الملــك بــدر باســم كلــام الشيــخ خــرج
وقعــد علــى بــاب الدكــان يتفــرج فجــازت عليــه النــاس فنظــر إلــى عالــم لا يحصـــى عـــدده فلمـــا نظـــره
النـاس تقدمـوا إلـى الشيـخ وقالـوا لــه: يــا شيــخ هــل هــذا أسيــرك وصيــدك فــي هــذه الأيــام فقــال لهــم:
هــذا ابــن أخــي وسمعــت أن أبــاه قــد مــات فأرسلــت خلفــه وأحضرتــه لأطفــئ نــار شوقــي بــه فقالــوا
===
لـه: هـذا شــاب مليــح ولكــن نحــن نخــاف عليــه مــن الملكــة لــاب لئــلا ترجــع عليــك بالغــدر ثــم توجهــن
وإذا بالملكــة قــد أقبلــت فــي موكــب عظيــم ومازالــت مقبلــة إلــى أن وصلــت إلــى دكــان الشيــخ فــرأت
الملـك بـدر باسـم وهـو جالـس علـى الدكـان كأنـه البــدر فــي تمامــه فلمــا رأتــه الملكــة لــاب حــارت فــي
حسنـــه وجمالـــه واندهشـــت وصـــارت ولهانـــة بـــه ثــــم أقبلــــت علــــى الدكــــان وجلســــت عنــــد الملــــك
بدرباســـم وقالـــت للشيـــخ: مـــن أيـــن لـــك هـــذا المليـــح فقــــال: هــــذا ابــــن أخــــي جاءنــــي عــــن قريــــب
فقالــت: دعــه يكــون الليلــة عنــدي لأتحــدث أنــا وإيــاه قـــال لهـــا: أتأخذينـــه منـــي ولا تسحرينـــه قالـــت:
نعــم قــال: احلفــي لـــي فحلفـــت لـــه أنهـــا لا تؤذيـــه ولا تسحـــره ثـــم أمـــرت أن يقدمـــوا لـــه فرســـاً مليحـــاً
مسرجـاً ملجمـاً بلجــام مــن ذهــب وكــل مــا عليــه ذهــب مرصــع بالجواهــر ووهبــت للشيــخ ألــف دينــار
وقالـت لــه: استعــن بهــا ثــم إن الملكــة لــاب أخــذت الملــك بــدر باسســم وراحــت بــه كأنــه البــدر فــي
ليلــة أربعــة عشــرة وســار معهــا وصــارت النــاس كلمــا نظــروا إليــه وإلــى حسنــه وجمالــه يتوجعــن عليــه
ويقولــون: واللــه إن هــذا الشــاب لا يستحــق أن تسحــره هــذه الملعونــة والملـــك بـــدر باســـم يسمـــع كلـــام
الناس ولكنه ساكت وقد سلم أمره إلى الله تعالى ولم يزالوا سائرين إلى باب القصر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن الملــك بــدر باســم لــم يــزل سائــراً هــو والملكــة لــاب وأتباعهــا إلــى
أن وصلـوا إلـى بـاب القصـر ثـم ترجـل الأمـراء والخـدم وأكابـر الدولــة وأمــرت الحجــاب أن يأمــروا أربــاب
الدولـة كلهـم بالانصـراف فقبلـوا الــأرض وانصرفــوا ودخلــت الملكــة والخــدام والجــواري فــي القصــر فلمــا
نظـر الملـك بـدر باسـم إلـى القصـر رأى قصـراً لــم يــر مثلــه قــط وحيطانــه مبنيــة بالذهــب وفــي وســط
القصـر بركـة عظيمـة غزيـرة المــاء فــي بستــان عظيــم فنظــر الملــك بــدر باســم إلــى البستــان فــرأى فيــه
طيــور تناغــي بسائــر اللغــات والأصــوات المفرحــة والمحزنــة وتلــك الطيــور مــن سائــر الأشكـــال والألـــوان
فنظـر الملـك بـدر باسـم إلـى ملـك عظيـم فقــال: سبحــان اللــه مــن كرمــه وحلمــه يــرزق مــن يعبــد غيــره
فجلسـت الملكــة فــي شبــاك يشــرف علــى البستــان وهــي علــى سريــر مــن العــاج وفــوق السريــر فــرش
عـال وجلـس الملـك بـدر باسـم إلـى جانبهـا فقبلتـه وضمتـه إلـى صدرهــا ثــم أمــرت الجــواري بإحضــار
مائــدة فحضــرت مائــدة مــن الذهــب الأحمــر مرصعــة بالــدر والجواهــر فيهــا مـــن سائـــر الأطعمـــة فأكـــلا
حتـى اكتفيــا وغســلا أيديهمــا ثــم أحضــرت الجــواري أوانــي الذهــب والفضــة والبلــور وأحضــرت أيضــاً
جميــع أجنــاس الأزهــار وأطبــاق النقــل ثــم إنهــا أمــرت بإحضــار مغنيــات فحضـــر عشـــر جـــوار كأنهـــن
الأقمــار بأيديهــن سائــر آلــات الملاهــي ثــم إن الملكــة ملــأت قدحــاً وشربتــه وملــأت آخــر وناولـــت الملـــك
بــدر باســم إيــاه فأخــذه وشربــه ولــم يــزالا كذلــك يشربــان حتــى اكتفيــا ثــم أمــرت بالجــواري أن يغنيــن
===
فغنيــن بسائــر اللحــان وتخيــل للملــك بـــدر باســـم أنـــه يرقـــص بـــه القصـــر طربـــاً فطـــاش عقلـــه وانشـــرح
صــدره ونســـي الغربـــة وقـــال: إن هـــذه الملكـــة شابـــة مليحـــة مـــا بقيـــت أروح مـــن عندهـــا أبـــداً لـــأن
ملكهـا أوسـع مـن ملكـي وهـي أحسـن مــن الملكــة جوهــرة ولــم يــزل يشــرب معهــا إلــى أن أمســى المســاء
وأوقــدوا القناديــل والشمــوع وأطلقــوا البخــور ولــم يــزالا يشربــان إلــى أن سكــرا والمغنيـــات يغنيـــن فلمـــا
سكــرت الملكــة لــاب قامــت مــن موضعهــا ونامــت علــى سريــر وأمــرت الجــواري بالانصــراف ثــم أمــرت
الملك بدر باسم النوم إلى جانبها فنام معها في أطيب عيش إلى أن أصبح الصباح.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسع بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن الملكـــة لمـــا قامـــت مـــن النـــوم دخلـــت الحمـــام الـــذي فـــي القصـــر
والملــك بــدر باســم صحبتهــا واغتســلا فلمــا خرجــا مــن الحمــام أفرغــت عليــه أجمــل القمـــاش وأمـــرت
بإحضــار آلــات الشــراب فأحضرتهــا الجــواري فشربــا ثــم إن الملكــة قامـــت وأخـــذت بيـــد الملـــك بـــدر
باســم وجلســا علــى الكرســي وأمــرت بإحضــار الطعــام فأكــلا وغســلا أيديهمــا ثـــم قدمـــت الجـــواري
لهمــا أوانــي الشــراب والفواكــه والأزهــار والنقــل ولــم يــزالا يأكلــان ويشربــان والجــواري تغنــي باختلـــاف
===
الألحان إلى المساء ولم يـزالا فـي أكـل وشـرب وطـرب مـدة أربعيـن يومـاً ثـم قالـت لـه: يـا بـدر باسـم هـل
هــذا المكــان أطيــب أو دكـــان عمـــك البقـــال قـــال لهـــا: واللـــه يـــا ملكـــة هـــذا أطيـــب وذلـــك أن عمـــي
رجـل صعلـوك يبيـع البقـول فضحكـت مـن كلامـه ثــم إنهمــا رقــدا فــي أطيــب حــال إلــى الصبــاح فانتبــه
الملـــك بـــدر باســــم مــــن نومــــه فلــــم يجــــد الملكــــة لــــاب بجانبــــه فقــــال: يــــا تــــرى أيــــن راحــــت وصــــار
مستوحشـاً مـن غيبتهـا ومتحيـراً فـي أمـره وقـد غابـت عنـه مـدة طويلـة ولـم ترجـع فقـال فـي نفســه: أيــن
ذهبـت ثـم إنـه لبـس ثيابـه وصـار يفتـش عليهـا فلـم يجدهـا فقـال فـي نفسـه: لعلهـا ذهبـت إلــى البستــان
فـرأى فيــه نهــراً جاريــاً وبجانبــه طيــرة بيضــاء وعلــى شاطــئ ذلــك النهــر شجــرة وفوقهــا طيــور مختلفــة
الألــوان فصــار ينظــر إلــى الطيــور والطيــور لا تــراه وإذا بطائــر أســود نـــزل علـــى تلـــك الطيـــرة البيضـــاء
فصــار يزقهــا زق الحمــام ثــم إن الطيــر الأســود وثــب علــى تلــك الطيــرة ثلــاث مـــرات ثـــم بعـــد ساعـــة
انقلبــت تلــك الطيــرة فــي صــورة بشــر فتأملهــا وإذا هـــي الملكـــة لـــاب فعلـــم أن الطائـــر الأســـود إنســـان
مسحـور وهـي تعشقـه وتسحـر نفسهـا طيــرة ليجامعهــا فأخذتــه الغيــرة واغتــاظ علــى الملكــة لــاب مــن
أجــل الطائــر الســود ثــم إنــه رجــع إلــى مكانــه ونــام علــى فراشــه وبعــد ساعــة رجعــت إليــه وصـــارت
الملكــة لــاب تقبلــه وتمــزح معـــه وهـــو شديـــد الغيـــظ عليهـــا فلـــم يكلمهـــا كلمـــة واحـــدة فعلمـــت مـــا بـــه
وتحققـت أنـه رآهـا حيـن صــارت طيــرة وكيــف واقعهــا ذلــك الطيــر فلــم تظهــر لــه شيئــاً بــل كتمــت مــا
===
فلمــا قضــى حاجتــه قــال لهــا: يــا ملكــة أريــد أن تأذنــي لــي فـــي الـــرواح إلـــى دكـــان عمـــي فإنـــي قـــد
تشوقــت إليــه ولــي أربعــون يومــاً مــا رأيتـــه فقالـــت لـــه: رح إليـــه ولا تبطـــئ علـــي فإنـــي مـــا أقـــدر أن
أفارقـك ولا أصبـر عنـك ساعـة واحـدة فقــال سمعــاً وطاعــة ثــم إنــه ركــب ومضــى إلــى دكــان الشيــخ
البقـال فرحـب بـه وقـام إليـه وعانقــه وقــال لــه: كيــف أنــت مــع هــذه الكافــرة فقــال لــه: كنــت طيبــاً فــي
خيـر وعافيـة إلا أنهــا كانــت فــي هــذه الليلــة نائمــة فــي جانبــي فاستيقظــت فلــم أرهــا فلبســت ثيابــي
ودرت أفتــش عليهــا إلــى أن أتيــت إلــى البستــان وأخبــره بمــا رآه مــن النهــر والطيــور التــي كانــت فـــوق
الشجــرة فلمــا سمــع الشيــخ كلامــه قــال لــه: احــذر منهــا واعلــم أن الطيــور التــي كانــت علـــى الشجـــرة
كلهــا شبــان غربـــاء عشقتهـــم وسحرتهـــم طيـــوراً وذلـــك الطائـــر الأســـود الـــذي رأيتـــه كـــان مـــن جملـــة
مماليكها وكانت تحبه محبة عظيمة فمد عينه إلى بعض الجواري فسحرته في صورة طائر أسود.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العاشرة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن بـــدر باســـم لمـــا حكـــى للشيـــخ البقـــال بجميـــع حكايـــات الملكـــة
لــاب رآه أعلمــه الشيــخ أن الطيــور التــي علــى الشجــر كلهــا شبـــان غربـــاء وسحرتهـــم وكذلـــك الطيـــر
===
الأسـود كـان مـن مماليكهـا وسحرتـه فــي صــورة طائــر اســود وكلمــا اشتاقــت إليــه تسحــر نفسهــا طيــرة
ليجامعهــا لأنهــا تحبــه محبــة عظيمـــة ولمـــا علمـــت أنـــك علمـــت بحالهـــا أضمـــرت لـــك الســـوء ولا تصفـــو
لـك ولكـن مـا عليـك بـأس منهـا مـا دمـت أراعيـك أنــا فــلا تخــف فإنــي رجــل مسلــم واسمــي عبــد اللــه
ومــا فــي زمانــي أسحــر منــي ولكنــي لا أستعمــل السحــر إلا عنــد اضطــراري إليـــه وكثيـــر مـــا أبطـــل
سحـر هـذه الملعونـة وأخلـص النـاس منهـا ولا أبالـي بهـا لأنهـا ليـس لهـا علـي سبيـل بـل هــي تخــاف منــي
خوفـاً شديـداً وكذلـك كــل مــن كــان فــي المدينــة ساحــر مثلهــا علــى هــذا الشكــل يخافــون منــي وكلهــم
علــى دينهــا يعبــدون النــار دون الملــك الجبــار فــإذا كــان الغــد تعــال عنــدي واعلمنــي بمــا تعملـــه معـــك
فإنهــا فــي هــذه الليلــة تسعــى فــي هلاكــك. وأنــا أقــول لــك علــى مــا تفعلــه معهـــا حتـــى تتخلـــص مـــن
كيدهــا ثــم إن الملــك بــدر باســم ودع الشيــخ ورجــع إليهــا فوجدهــا جالســة فـــي انتظـــاره فلمـــا رأتـــه
قامـت إليـه وأجلستـه ورحبـت بـه وجـاءت لـه بأكـل وشـرب فأكـلا حتــى اكتفيــا ثــم غســلا أيديهمــا ثــم
أمـرت بإحضـار الشـراب فحضـر وصـارا يشربـان إلـى نصـف الليـل ثــم مالــت عليــه بالأقــداح وصــارت
تعاطيـه حتـى سكـر وغـاب عـن حسـه وعقلـه فلمـا رأتـه كذلـك قالـت لــه: باللــه عليــك وبحــق معبــودك
إن سألتــك عــن شــيء هــل تخبرنــي عنـــه بالصـــدق وتجيبنـــي إلـــى قولـــي فقـــال لهـــا: وهـــو فـــي حالـــة
السكـر: نعـم يـا سيدتـي. فقالـت لـه: لمـا استيقظـت مـن نومـك ولـم ترنـي وفتشـت علـي وجئتنــي فــي
===
البستـــان ورأيـــت الطائـــر الأســـود الـــذي وثـــب علـــي فأنـــا أخبـــرك بحقيقـــة هـــذا الطائـــر إنــــه كــــان مــــن
مماليكـي وكنـت أحبـه محبـة عظيمـة فتطلـع يومـاً لجاريـة مـن الجـواري فحصلـت لــي غيــرة وسحرتــه فــي
صــورة طائــر أســود وأمــا الجاريــة فإنــي قتلتهــا وإنـــي إلـــى اليـــوم لا أصبـــر عنـــه ساعـــة واحـــدة وكلمـــا
اشتقــت إليــه أسحــر نفســي طيــره وأروح إليــه لينــط علــي ويتمكــن منــي كمــا رأيــت أمـــا أنـــت لأجـــل
هـذا مغتـاظ منـي مـع أنـي وحـق النـار والنـور والظـل والحــرور قــد زدت فيــك محبــة وجعلتــك نصيبــي
مــن الدنيــا فقــال وهــو سكـــران: إن الـــذي فهمتـــه مـــن غيظـــي بسبـــب ذلـــك صحيـــح وليـــس لغيظـــي
سبـب غيـر ذلـك فضمتـه وقبلتـه وأظهـرت لـه المحبــة ونامــت ونــام الآخــر بجانبهــا فلمــا كــان نصــف الليــل
قامــت مــن الفــراش والملــك بــدر باســم منتبــه وهـــو يظهـــر أنـــه نائـــم وصـــار يســـارق النظـــر وينظـــر مـــا
تفعـل فوجدهـا قـد أخرجـت مـن كيـس أحمـر شيئـاً أحمـر وغرستـه فــي وســط القصــر فــإذا هــو صــار
نهــارً يجــري مثــل البحــر وأخــذت كبشــة شعيــر بيدهــا وأبذرتهــا فــوق التــراب وسقتــه مــن هـــذا المـــاء
فصـار زرعـاً مسنبـلاً فأخذتــه وطحنتــه دقيقــاً ثــم وضعتــه فــي موضــع ورجعــت نامــت عنــد الملــك
بدر باسم إلى الصباح.
فلمـا أصبـح الصبـاح قـام الملـك بـدر باسـم وغسـل وجهـه ثـم استـأذن مـن الملكـة فـي الـرواح إلـى الشيـخ
فأذنــت لــه فذهــب إلــى الشيــخ وأعلمــه بمــا جــرى منهــا ومــا عايــن فلمـــا سمـــع الشيـــخ كلامـــه ضحـــك
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية عشرة بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن الشيــخ قــال لبــدر باســم: إن الساحــرة قــد مكــرت بــك ولكــن لا
تبــال بهــا أبــداً ثــم أخــرج لــه قــدر رطــل سويقــاً وقــال لــه: خــذ هــذا معــك واعلــم أنهــا إذا رأتــه تقــول
لــك: مــا هــذا ومــا تعمـــل بـــه فقـــل لهـــا: زيـــادة الخيـــر خيريـــن وكـــل منـــه فـــإذا أخرجـــت هـــي سويقهـــا
وقالــت لــك: كــل مــن هــذا السيــوق فأرهــا أنــك تأكــل منــه وكــل مــن هــذا وإيــاك أن تأكـــل مـــن سويقهـــا
شيئـاً ولـو حبـة واحـدة فـإن أكلـت منـه ولــو حبــة واحــدة فــإن سحرهــا يتمكــن منــك فتسحــرك وتقــول
لــك اخــرج مــن هــذه الصــورة البشريــة فتخــرج مــن صورتــك إلــى أي صــورة أرادت وإذا لــم تأكــل منـــه
فــإن سحرهــا يبطــل ولا يضــرك منــه شــيء فتخجـــل غايـــة الخجـــل وتقـــول لـــك: إنمـــا أنـــا أمـــزح معـــك
وتقـر لـك بالمحبـة والمـودة وكـل ذلــك نفــاق ومكــر منهــا فأظهــر لهــا أنــت المحبــة وقــل لهــا: يــا سيدتــي ويــا
نـور عينـي كلـي مـن هـذا السويـق وانظـري لذتـه فـإذا أكلـت منـه ولـو حبــة واحــدة فخــذ فــي كفــك مــاء
واضــرب بــه وجههــا وقــل لهـــا اخرجـــي مـــن هـــذه الصـــورة البشريـــة إلـــى أي صـــورة أردت ثـــم خليهـــا
وتعــال حتــى أدبــر لــك أمــراً ثــم ودعــه الملــك بــدر باســم وســار إلــى أن طلــع القصــر ودخـــل عليهـــا.
===
فلمـا رأتـه قالـت: أهـلاً وسهـلاً ومرحبـاً ثـم قامـت لـه وقبلتـه وقالـت لـه: أبطـأت علــي يــا سيــدي فقــال
لهـا: كنـت عنـد عمـي ورأى عندهـا سويقـاً فقـال لهــا وقــد أطعمنــي عمــي مــن هــذا السويــق فقالــت:
عندنـا سويقـاً أحســن منــه ثــم إنهــا حطــت سويقــه فــي صحــن وسويقهــا فــي صحــن آخــر وقالــت لــه:
كـل مـن هـذا فإنـه أطيـب مـن سويقــك فأظهــر لهــا أنــه يأكــل منــه فلمــا علمــت أنــه أكــل منــه أخــذت فــي
يدهـا مـاء ورشتـه بـه وقالـت لـه: اخـرج مـن هـذه الصـورة يـا علـق يـا لئيــم وكــن فــي صــورة بغــل أعــور
قبيــح المنظــر فلــم يتغيــر فلمــا رأتــه علــى حالــه لــم يتغيــر قامــت لــه وقبلتــه بيــن عينيــه وقالــت لــه: يـــا
محبوبـي إنمـا كنـت أمـزح معـك فـلا تتغيــر علــي بسبــب ذلــك فقــال لهــا: يــا سيدتــي مــا تغيــرت عليــك
أصـلاً بـل أعتقـد أنـك تحبيننـي فكلـي مـن سويقـي هـذا فأخــذت منــه لقمــة وأكلتهــا فلمــا استقــرت فــي
بطنهـا اضطربـت فأخـذ الملـك بـدر باسـم فـي كفـه مـاء ورشهـا بـه فـي وجههـا وقـال لهـا: اخرجـي مــن
هـــذه الصـــورة البشريـــة إلـــى صـــورة بغلـــة زرزوريـــة فمـــا نظــــرت نفسهــــا إلا وهــــي فــــي تلــــك الحالــــة
فصــارت دموعهــا تنحــدر علــى خديهــا وصــارت تمــرغ خديهــا علــى رجليـــه فقـــام يلجمهـــا فلـــم تقبـــل
اللجــام فتركهــا وذهــب إلــى الشيــخ وأعلمــه بمــا جــرى فقــام الشيــخ وأخــرج لــه لجامــاً وقــال: خــذ هــذا
اللجــام وألجمهــا بــه فأخــذه وأتــى عندهــا. فلمــا رأتــه تقدمــت إليــه وحــط اللجـــام فـــي فمهـــا وركبهـــا
وخــرج مــن القصــر وتوجــه إلــى الشيــخ عبــد اللــه فلمــا رآهــا قــام لهــا وقــال لهــا: أخــزاك اللــه تعالــى يــا
===
ملعونــة ثــم قــال لــه الشيــخ: يــا ولــدي مــا بقــي لــك فــي هــذه البلــاد إقامـــة فاركبهـــا وســـر بهـــا إلـــى أي
مكــان شئــت وإيــاك أن تسلــم اللجــام إلــى أحــد فشكــره الملــك بـــدر باســـم وودعـــه وســـار ولـــم يـــزل
سائـراً ثلاثـة أيـام ثـم أشـرف علـى مدينـة فلقيـه شيــخ مليــح الشيبــة فقــال لــه: يــا ولــدي مــن أيــن أقبلــت
قــال: مــن مدينــة هــذه الساحــرة قــال: أنــت ضيفــي فــي هــذه الليلــة فأجابــه وســـار معـــه فـــي الطريـــق
وإذا بامــرأة عجــوز فمــا نظــرت البغلــة حتــى بكــت وقالــت: لا إلــه إلا اللــه إن هــذه البغلــة تشبـــه بغلـــة
ابني التـي ماتـت وقلبـي مشـوش عليهـا فباللـه عليـك يـا سيـدي أن تبيعنـي إياهـا فقـال لهـا: واللـه يـا أمـي
مـا أقـدر أن أبيعهـا قالـت لـه: باللـه عليـك لا تـرد سؤالـي فــإن ولــدي إن لــم أشتــر هــذه البغلــة ميــت لا
محالــة ثــم إنهــا أغلظــت عليــه فــي الســؤال فقــال: مــا أبيعهــا إلا بألــف دينــار فعنــد ذلــك أخرجـــت مـــن
حزامهـا ألـف دينـار فلمـا نظـر الملـك بـدر باسـم إلـى ذلــك قــال لهــا: يــا أمــي أنــا أمــزح معــك ومــا أقــدر
أن أبيعهـــا فنظـــر إليـــه الشيـــخ وقـــال لـــه: يـــا ولـــدي إن هـــذه البلـــاد مـــا يكـــذب فيهـــا أحــــد وكــــل مــــن
يكذب في هذه البلاد قتلوه فنزل الملك بدر باسم من فوق البغلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية عشرة بعد السبعمائة
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الملــك بــدر باســم لمـــا نـــزل مـــن فـــوق البغلـــة وسلمهـــا إلـــى المـــرأة
العجــوز أخرجــت اللجــام مــن فمهــا وأخــذت فــي يدهــا مــاء ورشتهــا وقالــت: يــا بنتــي اخرجــي مـــن
هـذه الصـورة إلـى الصـورة التـي كنـت عليهـا فانقلبـت فـي الحــال وعــادت إلــى صورتهــا الأولــى وأقبلــت
كــل واحــدة منهمــا علــى الأخــرى وتعانقتــا فعلــم الملــك بــدر باســم إن هـــذه العجـــوز أمهـــا وقـــد تمـــت
الحيلــة عليـــه فـــأراد أن يهـــرب وإذا بالعجـــوز صفـــرت فتمثـــل بيـــن يديهـــا عفريـــت كأنـــه الجبـــل العظيـــم
فخـاف الملـك بـدر باسـم ووقــف فركتــب العجــوز علــى ظهــره وأردفــت بنتهــا خلفهــا وأخــذت الملــك
بـدر باسـم قدامهـا وطـار بهـم العفريـت فمـا مضـى عليهـم غيـر ساعـة حتــى وصلــوا إلــى قصــر الملكــة
لــاب فلمــا جلســت علــى كرســي المملكـــة التفتـــت إلـــى الملـــك بـــدر باســـم وقالـــت لـــه: يـــا علـــق قـــد
وصلــت إلــى هــذا المكــان ونلــت مــا تمنيــت وســوف أريــك مــا أعمــل بــك وبهــذا الشيــخ البقـــال فكـــم
أحسنــت لــه وهــو يسوءنــي وأنــت مــا وصلــت إلــى مــرادك إلا بواسطتــه ثــم أخـــذت مـــاء ورشتـــه بـــه
وقالـت لـه: اخـرج عـن هـذه الصـورة التـي أنـت فيهـا إلـى صـورة طائـر قبيــح المنظــر اقبــح مــا يكــون مــن
الطيـور فانقلـب فـي الحـال وصـار طيـراً قبيـح المنظـر فجعلتـه فـي قفـص وقطعـت عنــه الأكــل والشــرب
فنظـــرت إليـــه جاريـــة فرحمتـــه وصـــارت تطعمـــه وتسقيـــه بغيـــر علـــم الملكـــة ثـــم إن الجاريـــة وجــــدت
سيدتهـا غافلـة فـي يـوم مـن الأيـام فخرجـت وتوجهـت إلـى الشيـخ البقـال وأعلمتـه بالحديــث وقالــت لــه:
===
إن الملكـة لـاب عازمـة علـى إهلـاك ابـن أخيـك فشكرهـا الشيــخ وقــال لهــا: لابــد أن آخــذ المدينــة منهــا
وأجعلــك ملكــة عوضــاً عنهــا. ثــم صفــر صفــرة عظيمــة فخــرج عفريــت لــه أربعــة أجنحــة فقـــال لـــه:
خــذ هــذه الجاريــة وامضــر بهــا إلــى مدينــة جلنــار البحريـــة وأمهمـــا فراشـــة فإنهمـــا أسحـــر مـــن يوجـــد
علـى وجـه الـأرض وقـال للجاريـة: إذا وصلـت إلــى هنــاك فأخبريهمــا بــأن الملــك بــدر باســم فــي أســر
الملكــة لــاب فحملهـــا العفريـــت وطـــار بهـــا فلـــم يكـــن إلا ساعـــة حتـــى نـــزل بهـــا العفريـــت علـــى قصـــر
الملكـة جلنـار البحريـة فنزلـت الجاريـة مــن فــوق سطــح القصــر وقبلــت الــأرض بيــن يديهــا وأعلمتهــا بمــا
جـرى لولدهـا مـن أولـه إلــى آخــره فقامــت إليهــا جلنــار وأكرمتهــا وشكرتهــا ودقــت البشائــر فــي المدينــة
وأعلمــت أهلهــا وأكابــر دولتهــا بــأن الملــك بــدر باســم قــد وجــد ثــم إن جلنــار البحريــة وأمهــا فراشـــة
وأهاهـا صالحـاً أحضـروا جميـع قبائــل الجــان وجنــود البحــر لــأن ملــوك الجــان قــد أطاعوهــم بعــد أســر
الملـك السمنـدل ثـم إنهـم طــاروا فــي الهــواء ونزلــوا علــى مدينــة الساحــرة ونهبــوا القصــر وقتلــوا مــن فيــه
ونهبــوا المدينــة وقتلــوا جميـــع مـــا كـــان فيهـــا مـــن الكفـــرة فـــي طرفـــة عيـــن وقالـــت للجاريـــة: أيـــن ابنـــي
فأخـذت الجاريــة القفــص وأتــت بــه بيــن يديهــا وأشــارت إلــى الطائــر الــذي هــو فيــه وقالــت: هــذا هــو
ولـدك فأخرجتـه الملكــة جلنــار مــن القفــص ثــم أخــذت بيدهــا مــاء ورشتــه بــه وقالــت لــه: اخــرج مــن
هذه الصورة التي كنت عليها فلم تتم كلامها حتى انتفض وصار بشراً كما كان.
===
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن بــدر باســم لمــا رشــت أمـــه عليـــه المـــاء صـــار بشـــراً كمـــا كـــان
فلمــا رأتــه علــى صورتــه الأصليــة قامــت إليــه واعتنقتــه فبكــى بكـــاء شديـــداً وكذلـــك خالـــه صالـــح
وجدتــه فراشــة وبنــات عمــه وصـــاروا يقبلـــون يديـــه ورجليـــه ثـــم إن جلنـــار أرسلـــت خلـــف الشيـــخ
عبـد اللـه وشكرتـه علـى فعلــه الجميــل مــع ابنهــا وزوجتــه بالجاريــة التــي أرسلهــا إليهــا بأخبــار ولدهــا
ودخــل بهــا ثــم جعلتــه ملــك تلــك المدينــة وأحضــرت مــا بقــي مــن أهــل المدينــة مــن المسلميـــن وبايعتهـــم
للشيـخ عبـد اللــه وعاهدتهــم وحلفتهــم أن يكونــوا فــي طاعتــه وخدمتــه فقالــوا سمعــاً وطاعــة ثــم إنهــم
وعـدوا الشيـخ عبـد اللـه وســاروا إلــى مدينتهــم فلمــا دخلــوا قصرهــم تلقهاهــم أهــل مدينتهــم بالبشائــر
والفــرح وزينــوا المدينــة ثلاثــة أيــام لشــدة فرحهــم بملكهــم بــدر باســم وفرحــوا فرحــاً شديـــداً ثـــم بعـــد
ذلــك قــال الملــك بــدر باســم لأمــه: يــا أمــي مــا بقــي إلا أن أتــزوج ويجتمــع شملنــا ببعضنــا أجمعيــن ثـــم
أرسلـت فـي الحـال مـن يأتيهـا بالملـك السمنـدل فأحضـروه بيـن يديهـا ثــم أرسلــت إلــى بــدر باســم فلمــا
جـاء بـدر باسـم أعلمتـه بمجـيء السمنـدل فدخـل عليـه فلمـا رآه الملــك السمنــدل مقبــلاً قــام لــه وسلــم
عليــه ورحــب بــه ثــم إن الملــك بــدر باســم خطــب منــه ابنتــه جوهــرة فقــال لـــه: هـــي فـــي خدمتـــك
===
وجاريتــك وبيــن يديــك فعنــد ذلــك أحضــروا القضــاة والشهـــود وكتبـــوا كتـــاب الملـــك بـــدر باســـم ابـــن
الملكـــة جلنـــار البحريـــة علـــى الملكـــة جوهـــرة بنـــت الملـــك السمنـــدل وأهـــل المدينــــة زينوهــــا وأطلقــــوا
البشائـــر وأطلقـــوا كـــل مـــن فـــي الحبـــوس وكســـى الملـــك الأرامـــل والأيتـــام وخلـــع علـــى أربــــاب الدولــــة
والأمــراء والأكابــر ثــم أقامــوا الفــرح العظيــم وعملــوا الولائــم وأقامــوا فــي الأفــراح مســـاء وصباحـــاً مـــدة
عشــرة أيــام وأدخلوهــا علــى الملــك بــدر باســم بتســـع خلـــع ثـــم خلـــع الملـــك بـــدر باســـم علـــى الملـــك
السمنـدل ورده إلـى بلـاده وأهلـه وأقاربـه ولـم يزالـوا فـي ألـذ عيـش وأهنـأ أيـام يأكلـون ويشربـون وتنعمـون
إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وهذا آخر حكايتهم رحمة الله عليهم أجميعن.
===
حكاية سيف الملوك وبديعة الجمال
وممـا يحكـى أنـه كـان فـي قديـم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان ملــك مــن ملــوك العجــم اسمــه محمــد بــن
سبائـك وكــان يحكــم بلــاد خراســان وكــان فــي كــل عــام يغــزو بلــاد الكفارفــي الهنــد والسنــد والصيــن
والبلــاد التــي وراء النهــر وغيـــر ذلـــك مـــن العجـــم وغيرهـــا وكـــان ملكـــاً عـــادلاً شجاعـــاً كريمـــاً جـــواداً
وكــــان ذلــــك الملــــك يحــــب المنادمــــات والروايــــات والأشعــــار والأخبـــــار والحكايـــــات وأسمـــــار وسيـــــر
المتقدميـن وكـان كـل مـن يحفـظ حكايــة غريبــة ويحكيهــا لــه ينعــم عليــه وقيــل: إنــه إذا أتــاه رجــل غريــب
بسمـر غريـب وتكلـم بيـن يديـه واستحسنـه وأعجبـه كلامـه يخلـع عليـه خلعـة سنيـة ويعطيـه ألـف دينـار
ويركبـه فرسـاً مسرجـاً ملجمــاً ويكســوه مــن فــوق إلــى أسفــل ويعطيــه عطايــا عظيمــة فيأخذهــا الرجــل
وينصـرف إلـى حـال سبيلــه فاتفــق أنــه أتــاه رجــل كبيــر بسمــر غريــب فتحــدث بيــن يديــه فاستحسنــه
وأعجبـه كلامـه فأمـر لـه بجائــزة سنيــة ومــن جملتهــا ألــف دينــار خراسانيــة وفــرس بعــدة كاملــة ثــم بعــد
ذلــك شاعــت الأخبــار عــن هــذا الملــك العظيــم فــي جميــع البلــدان فسمــع بـــه رجـــل يقـــال لـــه التاجـــر
حسـن وكـان كريمـاً جـواداً عالمــاً شاعــراً فاضــلاً وكــان عنــد ذلــك الملــك وزيــراً حســوداً محضــره ســيء
لا يحـــب النـــاس جميعـــاً لا غنيـــاً ولا فقيـــراً وكـــان كلمـــا ورد علــــى ذلــــك الملــــك أحــــداً أعطــــاه شيئــــاً
===
يحســده ويقــول إن هــذا الأمــر يفنــي المــال ويخــرب الديـــار وإن الملـــك دأبـــه هـــذا الأمـــر ولـــم يكـــن ذلـــك
الكلام إلا حسداً وبغضاً من ذلك الوزير ثم إن الملك سمع بخبر التاجر فأرسل إليه وأحضره.
فلمــا حضــر بيــن يديــه قــال لــه: يــا تاجــر حســن إن الوزيـــر خالفنـــي وعـــاد أبـــي مـــن أجـــل المـــال الـــذي
أعطيـــه للشعـــراء والندمـــاء وأربـــاب الحكايـــات والأشعـــار وإنـــي إريـــد منـــك أن تحكــــي لــــي حكايــــة
مليحـة وحديثـاً غريبـاً بحيــث لــم أكــن سمعــت مثلــه قــط فــإن أعجبنــي حديثــك أعطيتــك بلــاداً كبيــرة
بقلاعهـا وأجعلهـا زيـادة علـى إقطاعـك وأجعـل مملكتـي كلهــا بيــن يديــك وأجعلــك كبيــر وزرائــي تجلــس
علـى يمينـي وتحكـم فـي رعيتـي وإن لـم تأتنـي بمـا قلـت لـك أخـذت جميــع مــا فــي يــدك وطردتــك مــن
بلـادي فقـال التاجـر حسـن سمعــاً وطاعــة لمولانــا الملــك لكــن يطلــب منــك المملــوك أن تصبــر عليــه سنــة
ثــم أحدثــك بحديــث مــا سمعــت مثلــه فــي عمــرك ولا سمــع غيـــرك بمثلـــه ولا بأحســـن منـــه قـــط فقـــال
الملــك: قــد أعطيتــك مهلــة سنــة كاملــة ثــم دعــا بخلعــة سنيــة فألبســـه إياهـــا قـــال لـــه: الـــزم بيتـــك ولا
تركــب ولا تــروح ولا تجــيء مــدة سنــة كاملــة حتــى تحضــر بمــا طلبتــه منـــك فـــإن جئـــت بذلـــك فلـــك
الإنعام الخاص وأبشر بما وعدتك به وإن لم تجئ بذلك فلا أنت منا ولا نحن منك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن الملـــك محمـــد بـــن سبائـــك قـــال للتاجـــر حســـن: إن جئتنـــي بمـــا
طلبتـه منـك فلـك الإنعـام الخـاص وأبشـر بمـا وعدتــك بــه وإن لــم تجيئنــي بذلــك فــلا أنــت منــا ولا نحــن
منــك فقبــل التاجــر حســن الــأرض بيـــن يديـــه وخـــرج ثـــم اختـــار مـــن مماليكـــه خمســـة أشخـــاص كلهـــم
يكتبــون ويقــرأون وهــم فضــلاء عقــلاء أدبــاء مـــن خـــواص مماليكـــه وأعطـــى كـــل واحـــد خمســـة آلـــاف
دينــار وقــال لهــم: أنــا مــا ربيتكــم إلا لمثــل هــذا اليــوم فأعينونــي علــى قضــاء غــرض الملــك وأنقذونـــي
مــن يــده فقالــوا لــه: ومــا الــذي تريــد أن نفعــل فأرواحنــا فــداؤك قــال لهــم: أريــد أن يسافــر كـــل واحـــد
منكـــم إلـــى إقليــــم وأن تستقصــــوا علــــى العلمــــاء والأدبــــاء والفضــــلاء وأصحــــاب الحكايــــات الغريبــــة
والأخبـار العجيبـة وابحثـوا لـي عـن قصـة سيــف الملــوك وائتونــي بهــا وإذا لقيتموهــا عنــد أحــد فرغبــوه
فــي ثمنهــا ومهمــا طلــب مــن الذهـــب والفضـــة فأعطـــوه غيـــاه ولـــو طلـــب منكـــم ألـــف دينـــار فأعطـــوه
المتيســر وعــدوه بالباقــي وائتونــي بهــا. ومــن وقــع منكــم بهــذه القصــة وأتانــي بهـــا فإنـــي أعطيـــه الخلـــع
السنيــة والنعــم الوفيــة ولا يكــون عنــدي أعــز منــه ثــم إن التاجــر حسنــاً قـــال لواحـــد منهـــم: رح أنـــت
إلـــى بلــــاد السنــــد والهنــــد وأعمالهــــا واقاليمهــــا وقــــال للآخــــر: رح أنــــت إلــــى بلــــاد العجــــم والصيــــن
وأقاليمهمــا وقــال للآخـــر: رح أنـــت إلـــى بلـــاد الغـــرب واقطارهـــا وأقاليمهـــا وأعمالهـــا وجميـــع أطرافهـــا
وقـــال للآخـــر وهـــو الخامـــس: رح أنـــت إلـــى بلـــاد الشـــام ومصـــر وأعمالهـــا وأقاليمهـــا. ثـــم إن التاجـــر
===
اختــار لهــم يومــاً سعيــداً وقــال لهــم: سافـــروا فـــي هـــذا اليـــوم واجتهـــدوا فـــي تحصيـــل حاجتـــي ولا
تتهاونـوا ولـو كـان فيهـا بـذل الـأرواح فودعـوه وسـاروا وكـل واحـد منهـم ذهـب إلـى الجهــة التــي أمــره بهــا
فمنهــم أربعــة أنفــس غابــوا أربعــة أشهــر وفشلــوا فلــم يجــدوا شيئــاً فضــاق صــدر التاجـــر حســـن لمـــا
رجـع إليــه الأربعــة مماليــك وأخبــروه أنهــم فتشــوا المدائــن والبلــاد والأقاليــم علــى مطلــوب سيدهــم فلــم
يجــدوا شيئــاً منـــه وأمـــا المملـــوك الخامـــس فإنـــه سافـــر إلـــى أن دخـــل بلـــاد الشـــام ووصـــل إلـــى مدينـــة
دمشــق فوجدهــا مدينــة طيبــة أمينــة ذات أشجــار وأنهــار وأثمــار وأطيــار تسبــح اللــه الواحـــد القهـــار
الـذي خلـق الليـل والنهــار فأقــام فيهــا أيامــاً وهــو يســأل عــن حاجــة سيــده فلــم يجبــه أحــد ثــم إنــه أراد
أن يرحــل منهــا ويسافــر إلــى غيرهــا وإذا هــو بشــاب يجــري ويتعثــر فــي أذيالــه. فقـــال لـــه المملـــوك: مـــا
بالـــك تجـــري وأنـــت مكـــروب وإلـــى أيـــن تقصـــد فقـــال لـــه: هنـــا شيـــخ فاضـــل كـــل يـــوم يجلــــس علــــى
كرسـي فــي مثــل هــذا الوقــت ويحــدث حكايــات وأخبــاراً واسمــاراً ملاحــاً لــم يسمــع أحــد مثلهــا وأنــا
أجـري حتـى أجـد لـي موضعـاً قريبـاً منـه وأخـاف أنــي لا احصــل لــي موضعــاً مــن كثــرة الخلــق فقــال لــه
المملـوك: خذنـي معـك فقــال لــه الفتــى: أســرع فــي مشيتــك فغلــق بابــه واســرع فــي السيــر معــه حتــى
وصـل إلـى الموضـع الـذي فيـه الشيـخ بيـن النــاس فــرأى لذلــك الشيــخ صبيــح الوجــه وهــو جالــس علــى
كرســي يحــدث النــاس فجلــس قريبــاً منــه وأصغــى ليسمــع حديثــه فلمــا جــاء وقـــت غـــروب الشمـــس
===
فـرغ الشيـخ مـن الحديـث وسمـع النـاس مــا تحــدث بــه وانفضــوا مــن حولــه فعنــد ذلــك تقــدم إليــه المملــوك
وسلم عليه فرد عليه السلام وزاد في التحية والإكرام.
فقــال لــه المملــوك: إنــك يــا سيــدي الشيــخ رجــل مليــح محتشــم وحديثــك مليــح وأريــد أن أسألــك عـــن
شــيء فقــال لــه: اســأل عمــا تريــد فقــال لـــه المملـــوك: هـــل عنـــدك قصـــة سمـــر سيـــف الملـــوك وبديعـــة
الجمــال فقــال لــه الشيـــخ ومـــن سمعـــت هـــذا الكلـــام ومـــن الـــذي أخبـــرك بذلـــك فقـــال المملـــوك: أنـــا مـــا
سمعــت ذلــك مــن أحــد ولكــن أنـــا مـــن بلـــاد بعيـــدة وجئـــت قاصـــداً لهـــذه القصـــة فمهمـــا طلبـــت مـــن
ثمنهـا أعطيتـك إن كانـت عنـدك وتنعـم وتتصــدق علــي بهــا وتجعلهــا مــن مكــارم أخلاقــك صدقــة عــن
نفسـك ولـو أن روحـي فـي يـدي وبذلتهـا لـك فيهـا لطـاب خاطـري بذلــك فقــال لــه الشيــخ: طــب نفســاً
وقــر عينــاً وهــي تحضــر لــك ولكــن هــذا سمــر لا يتحــدث بــه أحــد علــى قارعـــة الطريـــق ولا أعطـــي
هــذه القصــة لكــل واحــد فقــال لــه المملــوك: باللـــه يـــا سيـــدي لا تبخـــل علـــي بهـــا واطلـــب منـــي مهمـــا
أردت فقــال لــه الشيــخ: إن كنــت تريــد هــذه القصــة فأعطنـــي مائـــة دينـــار وأنـــا أعطيـــك إياهـــا ولكـــن
بخمـس شـروط فلمـا عـرف أنهـا عنـد الشيـخ وأنـه سمـح لـه بهــا فــرح فرحــاً شديــداً وقــال لــه: أعطيــك
مائة دينار ثمنها وعشرة جعالة وآخذها بالشروط التي تذكرها.
فقـال لــه الشيــخ: رح هــات الذهــب وخــذ حاجتــك فقــام المملــوك وقبــل يــدي الشيــخ وراح إلــى منزلــه
===
فرحـاً مسـروراً وأخـذ فـي يـده مائـة دينـار وعشـرة ووضعهــا فــي كيــس كــان معــه فلمــا أصبــح الصبــاح
قـام ولبـس ثيابــه وأخــذ الدنانيــر وأتــى بهــا إلــى الشيــخ فــرآه جالســاً علــى بــاب داره فسلــم عليــه فــرد
عليــه السلـــام فأعطـــاه المائـــة دينـــار وعشـــرة فأخذهـــا منـــه الشيـــخ وقـــام ودخـــل داره وأدخـــل المملـــوك
وأجلسـه فـي مكـان وقـدم لـه دواة وقلمـاً وقرطاسـاً وقــدم لــه كتابــاً وقــال لــه: اكتــب الــذي أنــت طالبــه
مـن هــذا الكتــاب مــن قصــة سمــر سيــف الملــوك فجلــس المملــوك يكتــب هــذه القصــة إلــى أن فــرغ مــن
كتابتهـا ثـم قرأهــا علــى الشيــخ وصححهــا وبعــد ذلــك قــال لــه: اعلــم يــا ولــدي أن أول شــرط أنــك لا
تقــول هــذه القصــة علـــى قارعـــة الطريـــق ولا عنـــد النســـاء والجـــواري ولا عنـــد العبيـــد والسفهـــاء ولا
عنـد الصبيـان وإنمـا تقرؤهـا عنـد الأمـراء والملــوك والــوزراء وأهــل المعرفــة مــن المفسريــن وغيرهــم فقبــل
المملوك الشروط وقبل يد الشيخ وودعه وخرج من عنده.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن مملـــوك حســـن لمـــا نقـــل القصـــة مـــن كتـــاب الشيـــخ الـــذي بالشـــام
وأخبـره بالشـروط وودعـه وخـرج مـن عنـده وسافـر فـي يومـه فرحـاً مسـروراً ولـم يــزل مجــداً فــي السيــر
===
مـن كثـرة الفـرح الـذي حصـل لــه بسبــب تحصيلــه لقصــة سمــر سيــف الملــوك حتــى وصــل إلــى بلــاده ثــم
إن التاجـــر أخـــذ القصـــة وكتبهـــا بخطـــه مفســـرة وطلـــع إلـــى الملـــك وقـــال لـــه: أيهـــا الملـــك السيعـــد إنـــي
جئت بسمر وحكايات مليحة نادرة لم يسمع مثلها أحد قط.
فلمــا سمــع الملــك كلــام التاجــر حســن أمــر فــي وقتــه وساعتــه بــأن يحضــر كــل أميـــر عاقـــل وكـــل عالـــم
فاضـل وكـل فطــن وأديــب وشاعــر ولبيــب وجلــس التاجــر حســن وقــرأ هــذه السيــرة عنــد الملــك فلمــا
سمعهــا الملــك وكــل مــن كــان حاضــراً تعجبــوا جميعــاً واستحسنوهــا وكذلــك استحسنهـــا الذيـــن كانـــوا
حاضريـن ونثـروا عليـه الذهـب والفضـة والجواهــر ثــم أمــر الملــك للتاجــر حســن بخلعــة سنيــة مــن أفخــر
ملبوسـه وأعطـاه مدينـة كبيـرة بقلاعهـا وضياعهـا وجعلـه مـن أكابـر وزرائـه وأجلســه علــى يمينــه ثــم أمــر
الكتــاب أن يكتبــوا هــذه القصـــة ويجعلوهـــا فـــي خزانتـــه الخاصـــة وصـــار المللـــك كلمـــا ضـــاق صـــدره
يحضر التاجر حسن فيقرأها.
ومضمــون هــذه القصــة أنــه كــان فــي قديـــم الزمـــان وسالـــف العصـــر والـــأوان فـــي مصـــر ملـــك يسمـــى
عاصــم بــن صفــوان وكــان ملكــاً سخيــاً جــواداً صاحــب هيبـــة ووقـــار وكانـــت لـــه بلـــاد كثيـــرة وقلـــاع
وحصـون وجيـوش وعساكـر وكــان لــه وزيــر يسمــى فــارس ابــن صالــح وكانــوا جميعــاً يعبــدون الشمــس
والنــار دون الملــك الجبــار الجليـــل القهـــار ثـــم إن هـــذا الملـــك صـــار شيخـــاً كبيـــراً قـــد أضعفـــه الكبـــر
===
والسقـم والهـرم لأنـه عـاش مائـة وثمانيـن سنـة ولـم يكـن لـه ولـد ذكـر ولا أنثـى وكـان بسبـب ذلـك فـي هـم
وغم ليلاً نهاراً.
فاتفـــق أنـــه كـــان جالســـاً يومـــاً مـــن الأيـــام علـــى سريـــر ملكـــه والأمــــراء والــــوزراء والمقدمــــون واربــــاب
الدولـة فـي خدمتـه علـى جــري عادتهــم وعلــى قــدر منازلهــم وكــل مــن دخــل عليــه مــن الأمــراء ومعــه
ولـد وولـدان يحسـده الملـك ويقـول فـي نفسـه: كـل واحـد مسـرور فرحـان بأولــاده وأنــا مــا لــي ولــد وفــي
غـد أمـوت وأتـرك ملكـي وتختـي وضياعـي وخزائنـي وأموالـي وتأخذهـا الغربـاء ومـا يذكرنـي أحــد قــط
ولا يبقى لي ذكر في الدنيـا إن الملـك عاصمـاً استغـرق فـي بحـر الفكـر فلـم يتكلـم ولـم يفتـح فـاه ولـم يرفـع
رأســه ومــا زال يبكــي ويصــوت بصــوت عــال وينـــوح نوحـــاً زائـــداً ويتـــأوه والوزيـــر صابـــر لـــه ثـــم بعـــد
ذلـك قـال الوزيـر: إن لـم تقـل لـي مـا سبـب ذلـك وإلا قتلـت نفسـي بيـن يديـك مـن ساعتــي وأنــت تنظــر
ولا أراك مهمومــاً ثــم إن الملــك عاصمــاً رفــع رأســه ومســح دموعــه وقــال: أيهــا الوزيــر الناصـــح خلنـــي
بهمـي وغمـي فالـذي فـي قلبـي مـن الأحـزان يكفينـي فقـال لـه الوزيـر: قـل لـي أيهـا الملـك مـا سبــب هــذا
البكاء لعل الله يجعل لك الفرج على يدي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر لمــا قــال للملــك عاصــم: قــل لــي مــا سبـــب هـــذا البكـــاء
لعــل اللــه يجعــل لــك الفــرج علــى يــدي قــال لــه الملــك: يــا وزيــر إن بكائــي مـــا هـــو علـــى مـــال ولا علـــى
خيـل ولا علـى شـي ولكــن أنــا بقيــت رجــلاً كبيــراً وصــار عمــري نحــو مائــة وثمانيــن سنــة ولا رزقــت
ولـداً ذكـراً ولا أنثـى فـإذا مـت يدفنونـي ثـم ينمحـي رسمـي وينقطـع اسمـي يأخـذ الغربــاء تختــي وملكــي
ولا يذكرني أحد أبداً.
فقـال الوزيـر: يـا ملـك الزمـان أنـا أكبـر منــك بمائــة سنــة ولا رزقــت بولــد قــط ولــم أزل ليــلاً ونهــاراً فــي
هــم وغــم وكيــف نفعـــل أنـــا وأنـــت ولكـــن سمعـــت بخبـــر سليمـــان بـــن داود عليـــه السلـــام وأن لـــه ربـــاً
عظيمـاً قـادراً علـى كـل شـيء فينبغـي أن أتوجـه إليـه بهديـة وأقصـده فـي أن يسـأل ربـه لعلـه يـرزق كــل
واحـد منـا بولـد ثـم إن الوزيـر تجهـز للسفـر وأخـذ هديـة فاخـرة وتوجــه بهــا إلــى سليمــان بــن داود عليــه
السلام. هذا ما كان من أمر الوزير.
وأمـا مـا كــان مــن أمــر سليمــان بــن داود عليــه السلــام فــإن اللــه سبحانــه وتعالــى أوحــى إليــه وقــال: يــا
سليمــان إن ملــك مصــر أرســل إليــك وزيــره الكبيــر بالهدايــا والتحــف وهــي كــذا وكــذا فأرســـل إليـــه
وزيـرك آصـف بـن برخيــا لاستقبالــه بالإكــرام والــزاد فــي موضــع الإقامــات فــإذا حضــر بيــن يديــك فقــل
لــه: إن الملــك أرسلــك تطلــب كــذا وكــذا وإن حاجتــك كــذا وكــذا ثــم اعــرض عليــه الإيمــان فحينئـــذ
===
أمــر سليمــان وزيــره آصــف أن يأخـــذ معـــه جماعـــة مـــن حاشيتـــه للقائهـــم بالإكـــرام والـــزاد الفاخـــر فـــي
موضــع الإقامــات فخــرج آصـــف بعـــد أن جهـــز جميـــع اللـــوازم إلـــى لقياهـــم وســـار حتـــى وصـــل إلـــى
فــارس وزيــر ملــك مصـــر فاستقبلـــه وسلـــم عليـــه وأكرمـــه هـــو ومـــن معـــه إكرامـــاً زائـــداً وصـــار يقـــدم
إليهــم الــزاد والعلوفــات فــي موضـــع الإقامـــات وقـــال لهـــم: أهـــلاً وسهـــلاً ومرحبـــاً بالضيـــوف القادميـــن
فأبشـروا بقضـاء حاجتكـم وطيبــوا نفســاً وقــروا عينــاً وانشرحــوا صــدوراص فقــال الوزيــر فــي نفســه:
مــن أخبرهــم بذلــك ثــم إنــه قــال لآصــف: إن سليمــان بــن داود عليـــه السلـــام هـــو الـــذي أخبرنـــا بهـــذا
فقــال الوزيــر فـــارس: ومـــن أخبـــر سيدنـــا سليمـــان قـــال: أخبـــره رب السمـــوات والـــأرض وإلـــه الخلـــق
أجمعيــن. فقــال لــه الوزيــر فــارس: مــا هــذا إلا إلــه عظيــم فقــال لــه آصـــف بـــن برخيـــا: وهـــل أنتـــم لا
تعبدونــه فقالفــارس وزيــر ملــك مصــر: نحـــن نعبـــد الشمـــس ونسجـــد لهـــا فقـــال لـــه آصـــف: يـــا وزيـــر
فـارس إن الشمـس كوكــب مــن جملــة الكواكــب المخلوقــة للــه سبحانــه وتعالــى وحاشــى أن تكــون ربــاً
لــأن الشمــس تظهــر أحيانــاً وتغيــب أحيانــاً وربنــا حاضـــر لا يغيـــب وهـــو علـــى كـــل شـــيء قديـــر ثـــم
إنهـم سافـروا قليـلاً حتـى وصلـوا إلـى قــرب تخــت الملــك سليمــان بــن داود عليــه السلــام فأمــر سليمــان
بــن داود عليــه السلــام جنــوده مــن الإنــس والجـــن وغيرهمـــا أن يصطفـــوا فـــي طريقهـــم صفوفـــاً فوقفـــت
وحــوش البحــر والفيلــة والنمــور والفهـــود جميعـــاً واصطفـــوا فـــي الطريـــق صفيـــن وكـــل جنـــس انحـــازت
===
أنواعـــه وحدهـــا وكذلـــك الجـــان كـــل منهـــم ظهـــر للعيـــون مـــن غيـــر خفـــاء علـــى صـــورة هائلـــة مختلفـــة
الأحــوال فوقفــوا جميعــاً صفيــن والطيـــور نشـــرت أجنحتهـــا لتظلهـــم وصـــارت الطيـــور تناغـــي بعضهـــا
بسائـر اللغـات والألحـان فلمـا وصـل أهـل مصـر إليهـم هابـوا ولـم يجسـروا علـى المشـي فقـال لهــم آصــف:
ادخلـوا بينهـم وامشـوا ولا تخافـوا منهــم فإنهــم رعايــا سليمــان ابــن داود ومــا يضركــم منهــم أحــد ثــم إن
آصـف دخـل بينهـم فدخـل وراءه الخلـق أجمعــون ومــن جملتهــم جماعــة وزيــر ملــك مصــر وهــم خائفــون
ولـــم يزالـــوا سائريـــن حتـــى وصلـــوا إلـــى المدينـــة فأنزلوهـــم فـــي دار الضيافـــة وأكرموهـــم غايــــة الإكــــرام
وأحضـروا لهـم الضيافـات الفاخـرة مـدة ثلاثـة أيـام ثــم أحضروهــم بيــن يــدي سليمــان بــن داود نبــي اللــه
عليه السلام.
فلمـــا دخلـــوا عليـــه أرادوا أن يقبلـــوا الـــأرض بيـــن يديـــه فمنعهـــم مـــن ذلـــك سليمـــان بـــن داود وقــــال لا
ينبغــي أن يسجــد إنســان علــى الــأرض إلا للـــه عـــز وجـــل خالـــق السمـــاوات والـــأرض وغيرهمـــا ومـــن
أراد منكـم أن يقـف فليقـف ولكــن لا يقــف أحــد منكــم فــي خدمتــي فامتثلــوا وجلــس الوزيــر وبعــض
خدامـه ووقـف فـي خدمتـه بعـض الأصاغـر فلمـا استقـر بهـم الجلـوس مــدوا لهــم الأسمطــة فأكــل العالــم
أجمعــون مــن الطعــام حتـــى اكتفـــوا ثـــم إن سليمـــان أمـــر وزيـــر مصـــر أن حاجتـــه ستقضـــى وقـــال لـــه:
تكلـم ولا تخـف شيئـاً ممـا جئـت بسببـه لأنـك مــا جئــت إلا لقضــاء حاجــة وأنــا أخبــرك بهــا وهــي كــذا
===
وكـــذا وإن ملـــك مصـــر الـــذي أرسلـــك اسمـــه عاصـــم وقـــد صـــار شيخـــاً كبيـــراً هرمـــاً ضعيفـــاً ولـــم
يرزقــه اللــه تعالــى بولــد ذكــر ولا أنثــى فصــار فــي الغــم والهــم والفكــر ليــلاً ونهــاراً حتــى اتفــق لـــه أنـــه
جلـــس علـــى كرســـي مملكتـــه يومـــاً مـــن الأيـــام ودخـــل عليـــه الـــوزراء وأكابـــر دولتـــه فـــرأى بعضهـــم لـــه
ولـدان وبعضهـم لـه ثلاثـة أولــاد وهــم يدخلــون ومعهــم أولادهــم ويقفــون فــي الخدمــة فتذكــر فــي نفســه
وقـال مـن فـرط حزنــه: يــا تــرى مــن يأخــذ مملكتــي بعــد موتــي وهــل يأخذهــا إلا رجــل غريــب وأصيــر
أنــا كأنــي لــم أكــن فغــرق فــي بحــر الفكــر بسبــب هــذا ولــم يـــزل متفكـــراً حزينـــاً حتـــى فاضـــت عينـــاه
بالدمــوع فغطــى وجهــه بالمنديــل وبكــى بكــاء شديــداً ثــم قــام مــن فــوق سريــره وجلــس علــى الــأرض
يبكي وينتحب ولو يعلم ما في قلبه إلا الله تعالى وهو جالس على الأرض.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة عشرة بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن نبــي اللــه سليمــان بــن داود عليــه السلــام لمــا أخبــر الوزيــر فارســاً
بمــا حصــل للملــك مــن الحــزن والبكــاء ومــا حصــل بينــه وبيــن وزيـــره فـــارس مـــن أولـــه إلـــى آخـــره قـــال
بعـد ذلـك الوزيـر فـارس: هـل هـذا الـذي قلتــه لــك يــا وزيــر صحيــح فقــال الوزيــر فــارس: يــا نبــي اللــه
===
إن الـذي قلتـه حـق وصـدق ولكـن يـا نبـي اللـه مـا كنـت أتحــدث أنــا والملــك فــي هــذه القضيــة ولــم يكــن
عندنــا أحــد قــط ولــم يشعــر بخبرنــا أحــد مــن النــاس فمــن أخبــرك بهــذه الأمــور كلهــا قــال لــه: أخبرنـــي
ربـي الـذي يعلـم خائنـة الأعيـن ومـا تخفـي الصــدور فحينئــذ قــال الوزيــر فــارس: يــا نبــي اللــه مــا هــذا
إلا رب كريـم عظيـم علـى كـل شـيء قديـر ثــم أسلــم الوزيــر فــارس هــو ومــن كــان معــه فقــال نبــي اللــه
سليمــان للوزيــر: إن معــك كــذا وكــذا مــن التحــف والهدايــا قــال الوزيــر: نعـــم فقـــال لـــه سليمـــان: قـــد
قبلـت منـك الجميـع ولكنــي وهبتهــا لــك فاستــرح أنــت ومــن معــك فــي المكــان الــذي نزلتــم فيــه حتــى
يــزول عنكــم تعــب السفــر وفــي غــد إن شــاء اللــه تقضــي حاجتــك علــى أتــم مــا يكـــون بمشيئـــة اللـــه
تعالـى رب السمـاء والــأرض وخالــق الخلــق أجمعيــن ثــم إن الوزيــر فارســاً ذهــب إلــى موضعــه وتوجــه
إلـى السيـد سليمـان ثانــي يــوم فقــال لــه نبــي اللــه سليمــان: إذا وصلــت إلــى الملــك عاصــم بــن صفــوان
واجتمعـت أنـت وإيـاه فاطلعنـا فـوق الشجـرة الفلانيـة واقعـدا ساكتيـن فـإذا كـان بيـن الصلاتيـن وقـد بـرد
حـــر القائلـــة فانـــزلا إلـــى أسفـــل الشجـــرة وانظـــرا هنـــاك تجـــدا ثعبانيـــن يخرجـــان رأس أحدهمـــا كــــراس
القــرود ورأس الآخــر كــرأس العفريــت فــإذا رأيتماهمــا فارمياهمــا بالنشـــاب واقتلاهمـــا ثـــم ارميـــا مـــن
جهـــة رؤوسهمـــا قـــدر شبـــر واحـــد مـــن جهـــة أذيالهمـــا كذلـــك فتبقـــى لحومهمـــا فاطبخاهمــــا وأتقنــــا
طبخهمـــا وأطعماهمـــا زوجتيكمـــا ونامـــا معهمـــا تلـــك الليلـــة فإنهمـــا يحملـــان بـــإذن اللـــه تعالــــى بأولــــاد
===
ثـم إن سليمـان عليـه السلـام أحضــر خاتمــاً وسيفــاً وبقجــة فيهــا قبــاآن مكللــان بالجواهــر وقــال: ياوزيــر
فــارس: إذا كبــر ولداكمــا وبلغــا مبلــغ الرجــال فأعطــوا كــل واحــد منهمــا قبـــاء مـــن هذيـــن القباءيـــن ثـــم
قــال للوزيــر فــارس: باســم اللــه تعالــى قضيــت حاجتــك ومــا بقــي لــك إلا أن تسافــر علـــى بركـــة اللـــه
تعالـى فـإن الملـك تقـدم لنبـي اللـه سليمـان بـن داود عليـه السلـام وودعـه وخــرج مــن عنــده بعــد أن قبــل
يديــه وسافــر بقيــة يومــه وهــو فرحــان بقضــاء حاجتــه وجدفــي السيــر ليـــلاً ونهـــاراً ولـــم يـــزل مسافـــراً
حتى وصل إلى قرب مصر فارسل بعض خدامه ليعلم الملك عاصماً بذلك.
فلمــا سمــع الملــك عاصــم بقدومــه وقضــاء حاجتــه فــرح فرحــاً شديــداً هــو وخواصــه وأربــاب مملكتــه
وجميـــع جنـــوده وخصوصـــاً بسلامـــة الوزيـــر فـــارس فلمـــا تلاقـــى الملـــك والوزيـــر ترجـــل الوزيــــر وقبــــل
الــأرض بيــن يديــه وبشــر الملـــك بقضـــاء حاجتـــه أتـــم الوجـــوه وعـــرض عليـــه الإيمـــان بالإسلـــام فأسلـــم
الملـــك عاصـــم وقـــال للوزيرفـــارس رح بيتـــك واستـــرح أيضـــاً جمعـــة مـــن الزمـــان داخـــل الحمـــام وبعــــد
ذلــك تعــال عنــدي حتــى أخبــرك بشــيء نتدبــر فيــه فقبــل الــأرض وانصــرف هـــو وحاشيتـــه وغلمانـــه
وخدمه إلى داره واستـراح ثمانيـة أيـام. ثـم بعـد ذلـك توجـه إلـى الملـك وحدثـه بجميـع مـا كـان بينـه وبيـن
سليمـان بــن داود عليــه السلــام ثــم إنــه قــال للملــك: قــم وحــدك وتعــال معــي فقــام هــو والوزيــر وأخــذا
قوسيـن ونشابيـن وطلعـا فـوق الشجـرة وقعـدا ساكتيـن إلـى أن مضـى وقـت القائلـة ولــم يــزالا إلــى قــرب
===
العصــر ثــم نــزلا ونظــرا فرأيــا ثعبانيــن خرجــا مــن أسفــل تلــك الشجــرة فنظرهمــا الملــك وأحبهمــا لأنهمـــا
أعجبــاه حيــن رأهمــا بالأطــواق الذهــب وقــال: يــا وزيــر إن هذيــن الثعبانيـــن مطوقـــان بالذهـــب واللـــه
إن هــــذا شــــيء عجيــــب خلنــــا نمسكهمــــا ونجعلهمــــا قفــــص ونتفــــرج عليهمــــا فقــــال الوزيـــــر: هـــــذان
خلقهمـــا اللـــه لمنفعتهمـــا فـــارم أنـــت واحــــد بنشابــــة وارم أنــــا واحــــد بنشابــــة فرمــــى الاثنــــان عليهمــــا
النشــاب فقتلاهمــا وقطعـــا مـــن جهـــة رؤوسهمـــا شبـــراً ومـــن جهـــة أذنابهمـــا شبـــراً ورميـــاه ثـــم ذهبـــا
بالباقــي إلــى بيــت الملــك وطلبــا الطبــاخ وأعطيــاه ذلــك اللحـــم وقـــالا لـــه: اطبـــخ هـــذا اللحـــم طبخـــاً
مليحـاً بالتقليـة والأباريـز واغرفـه فـي زبدتيـن وهاتهمـا وتعـال هنـا فـي الوقـت الفلانـي والساعـة الفلانيــة
ولا تبطئ.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة عشر بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الملـك والوزيـر لمــا أعطيــا الطبــاخ لحــم الثعبانيــن وقــالا لــه: اطبخــه
واغرفـه فـي زبدتيـن وهاتهمـا هنـا ولا تبطـئ فأخـذ الطبــاخ اللحــم وذهــب بــه وطبخــه وأتقــن طبخــه
بتقليـة عظيمـة ثـم غرفـه فـي زبدتيـن وأحضرهمـا بيـن يـدي الملـك والوزيـر فأخــذ الملــك زبديــة والوزيــر
===
زبديــــة وأطعماهمــــا لزوجتيهمــــا وباتــــا تلــــك الليلــــة معهمــــا فبــــإرادة اللــــه سبحانــــه وتعالــــى وقدرتــــه
ومشيئتــه حملتــا تلــك الليلــة فمكــث الملــك بعــد ذلـــك ثلاثـــة أشهـــر وهـــو متشـــوش الخاطـــر يقـــول فـــي
نفســه: يــا تــرى هــذا الأمــر صحيــح ثــم إن زوجتــه كانــت جالســة يومــاً مـــن الأيـــام فتحـــرك الولـــد فـــي
بطنهــا فعلمــت أنهـــا حامـــل فتوجعـــت وتغيـــر لونهـــا وطلبـــت واحـــداً مـــن الخـــدام الذيـــن عندهـــا وهـــو
أكبرهـم وقالـت لـه: اذهـب إلـى الملـك فـي أي موضـع يكـون وقـل لـه: يـا ملـك الزمـان أبشـرك أن سيدتنــا
ظهـر حملهـا والولـد قــد تحــرك فــي بطنهــا فخــرج الخــادم سريعــاً وهــو فرحــان فــرأى الملــك وحــده ويــده
علـى خـده وهـو متفكـر فـي ذلـك فأقبـل عليـه الخــادم وقبــل الــأرض بيــن يديــه وأخبــره بحمــل زوجتــه.
فلمـا سمـع الملـك كلـام الخـادم نهـض قائمـاً علــى قدميــه ومــن شــدة فرحــه قبــل يــد الخــادم وراســه وخلــع
مـا كـان عليـه وأعطـاه إيــاه وقــال لمــن كــان حاضــراً فــي مجلســه: مــن كــان يحبنــي فلينعــم عليــه فأعطــوه
مــن الأمــوال والجواهــر واليواقيــت والخيــل والبغــال والبساتيــن شيئــاً لا يعــد ولا يحصــى. ثــم إن الوزيـــر
دخـل علــى الملــك وقــال: يــا ملــك الزمــان أنــا فــي هــذه الساعــة كنــت قاعــداً فــي البيــت وحــدي وأنــا
مشغـول الخاطـر متفكـراً فـي شـأن الحمـل وأقـول فـي نفســي: يــا تــرى هــل هــو حــق أن خاتــون تحبــل أم
لا وإذا بالخــادم دخـــل علـــي وبشرنـــي بـــأن زوجتـــي خاتـــون حامـــل وأن الولـــد قـــد تحـــرك فـــي بطنهـــا
وتغيـر لونهـا فمـن فرحتـي خلعـت جميـع مـا كـان علـي مــن القمــاش وأعطيــت الخــادم إيــاه وأعطيتــه ألــف
===
دينــار وجعلتــه كبيــر الخــدام ثــم إن الملــك عاصمــاً قــال: يـــا وزيـــر إن اللـــه تبـــارك وتعالـــى أنعـــم علينـــا
بفضلــه وإحسانــه وجــوده وامتنانــه بالديــن القويــم وأكرمنــا بكرمــه وفضلــه. وقــد أخرجنــا مــن الظلمــات
إلــى النــور وأريــد أن أخــرج علــى النــاس وأفرحهــم فقــال الوزيــر: افعــل مــا تريـــد فقـــال: يـــا وزيـــر انـــزل
فـي هـذا الوقـت واخـرج كـل مـن كـان فـي الحبـس مـن أصحـاب الجرائـم ومـن عليهـم ديـون وكـل مــن وقــع
منــه ذنــب بعــد ذلــك تجازيــه بمــا يستحقــه ونرفــع عــن النــاس الخــراج ثلــاث سنــوات وانصــب فــي دائــرة
هــذه المدينــة مطبخــاً حــول الحيطــان وأعطــى الأمــر للطباخيـــن بـــأن يعلقـــوا عليـــه جميـــع أنـــواع القـــدور
وأن يطبخــوا سائــر أنــواع الطعــام ويديمـــوا الطبـــخ الليـــل والنهـــار وكـــل مـــن كـــان فـــي هـــذه المدينـــة ومـــا
حولهــا مــن البلــاد البعيــدة والقريبــة يأكلــون ويشربــون ويحملـــون إلـــى بيوتهـــم وأمرهـــم أن يفرحـــوا ويزينـــوا
المدينة سبعة أيام ولا يقفلوا حوانيتهم ليلاً ونهاراً.
فخــرج الوزيــر مــن وقتــه وساعتـــه وفعـــل مـــا أمـــره بـــه الملـــك عاصـــم وزينـــوا المدينـــة والقلـــاع والأبـــراج
أحسـن الزينـة ولبســوا أحســن ملبــوس وصــار النــاس فــي أكــل وشــرب ولعــب وانشــراح إلــى أن حصــل
الطلـــق لزوجـــة الملـــك بعـــد انقضـــاء أيامهـــا فوضعــــت ولــــداً ذكــــراً كالقمــــر ليلــــة تمامــــه فسمــــاه سيــــف
الملــوك. وكذلــك زوجــة الوزيــر وضعــت ولــداً كالمصبــاح فسمــاه ساعــداً فلمـــا بلغـــا رشدهمـــا صـــار
الملـك عاصـم كلمـا ينظرهمـا يفـرح بهمـا الفـرح الشديــد فلمــا صــار عمرهمــا عشريــن سنــة طلــب الملــك
===
وزيـره فارسـاً فـي خلـوة وقـال لـه: يـا وزيــر قــد خطــر ببالــي أمــر أريــد أن أفعلــه ولكــن أستشيــرك فيــه
فقـال لــه الوزيــر: مهمــا خطــر ببالــك افعلــه فــإن رأيــك مبــارك فقــال الملــك عاصــم: يــا وزيــر أنــا صــرت
رجلاً كبيراً شيخاً هرمـاً لأنـي طعنـت فـي السـن وأريـد أن أقعـد فـي زاويـة لأعبـد اللـه تعالـى وأعطـي
ملكـــي وسلطتـــي لولـــدي سيـــف الملـــوك فإنـــه صـــار شابـــاً مليحـــاً كامــــل الفروسيــــة والعقــــل والــــأدب
والحشمــة والرياســة فمــا تقــول أيهــا الوزيــر فــي هــذا الــرأي فقــال الوزيــر: نعــم الـــرأي الـــذي رأيتـــه وهـــو
راي مبــارك سعيــد فــإذا فعلــت أنــت هــذا فأنــا الآخــر أفعــل مثلــك ويكــون ولــدي ساعـــداً وزيـــراً لـــه
لأنــه شــاب مليــح ذو معرفــة ورأي ويصيـــر الاثنـــان مـــع بعضهمـــا ونحـــن ندبـــر شأنهمـــا ولا نتهـــاون فـــي
أمرهمـا بــل ندلهمــا علــى الطريــق المستقيــم ثــم قــال الملــك عاصــم لوزيــره: اكتــب الكتــب وأرسلهــا مــع
السعــاة إلــى جميــع الأقاليــم والبلــاد والحصــون والقلــاع التــي تحـــت أيدينـــا وأمـــر أكابرهـــا أن يكونـــوا فـــي
الشهـر الفلانـي حاضريـن فـي ميـدان الفيـل فخــرج الوزيــر فارســاً مــن وقتــه وساعتــه وكتــب إلــى جميــع
العمـــال وأصحـــاب القلـــاع ومـــن كـــان تحــــت حكــــم الملــــك عاصــــم أن يحضــــروا جميعهــــم فــــي الشهــــر
الفلانـي وأمـر أن يحضـروا كـل مـن فـي المدينــة مــن قــاص ودان. ثــم إن الملــك عاصمــاً بعــد مضــي تلــك
المـــدة أمـــر الفراشيـــن أن يضربـــوا القبـــاب فـــي وســـط الميـــدان وأن يزينوهـــا بأفخـــر الزينـــة وأن ينصبـــوا
التخـت الكبيـر الـذي لا يقعـد عليـه الملـك إلا فـي الأعيـاد ففعلـوا فـي الحـال جميـع مـا أمرهـم بــه ونصبــوا
===
التخـــت وخرجـــت النـــواب والحجـــاب والأمـــراء والــــوزراء وأصحــــاب الأقاليــــم والضيــــاع إلــــى ذلــــك
الميـدان ودخلــوا فــي خدمــة الملــك علــى جــري عادتهــم واستقــروا كلهــم فــي مراتبهــم فمنهــم مــن قعــد
ومنهـــم مـــن وقـــف إلـــى أن اجتمعـــت النـــاس جميعهـــم وأمـــر الملـــك أن يمـــدوا السمـــاط فمــــدوه وأكلــــوا
وشربـوا ودعـوا للملـك ثـم امـر الملــك الحجــاب أن ينــادوا فــي النــاس بعــدم الذهــاب فنــادوا وقالــوا فــي
المنــاداة: لا يذهــب منكــم أحــد حتــى يسمــع كلــام الملــك ثــم رفعــوا الستــور فقــال الملــك: مـــن أحبنـــي
فليمكــث حتــى يسمــع كلامــي فقعــد النــاس جميعهــم مطمئنــي النفــوس بعــد أن كانــوا خائفيــن ثـــم قـــام
الملــك علــى قدميــه وحلفهــم أن لا يقـــوم أحـــد مـــن مقامـــه وقـــال لهـــم: أيهـــا الأمـــراء والـــوزراء وأربـــاب
الدولــة كبيركــم وصغيركــم ومــن حضــر مــن جميــع النــاس هــل تعلمــون أن هـــذه المملكـــة لـــي وراثـــة مـــن
آبائـــي وأجـــدادي قالـــوا لـــه: نعـــم أيهـــا الملـــك كلنـــا نعلـــم ذلـــك فقـــال لهـــم: أنــــا وأنتــــم كنــــا كلنــــا نعبــــد
الشمــس والقمـــر ورزقنـــا اللـــه تعالـــى الإيمـــان وأنقذنـــا مـــن الظلمـــات إلـــى النـــور وهدانـــا اللـــه سبحانـــه
وتعالـى إلـى ديـن الإسلـام واعلمـوا أنـي الـآن صـرت رجـلاً كبيـراً شيخـاً هرمــاً عاجــزاً وأريــد أن أجلــس
فـــي زاويـــة أعبـــد اللـــه فيهــــا وأستغفــــره مــــن الذنــــوب الماضيــــة وهــــذا ولــــدي سيــــف الملــــوك حاكــــم
وتعرفــون انــه شــاب مليــح فصيــح خبيـــر بالأمـــور عاقـــل فاضـــل عـــادل فأريـــد فـــي هـــذه الساعـــة أن
أعطيـه مملكتـي وأجعلـه ملكـاً عليكـم عوضـاً عنـي وأجلسـه سلطانـاً فـي مكانـي وأتخلـى أنــا لعبــادة اللــه
===
تعالـى فـي زاويـة وابنـي سيـف الملـوك يتولـى الحكـم ويحكــم بينكــم فــأي شــيء قلتــم كلكــم بأجمعكــم
فقامــوا كلهــم وقبلــوا الــأرض بيــن يديــه وأجابــوا بالسمــع والطاعــة وقالــوا: يــا ملكنــا وحامينــا لــو أقمــت
علينــا عبــداً مــن عبيــدك لأطعنــاه وامتثلنــا أمــرك فكيــف بولــدك سيــف الملــوك فقــد قبلنـــاه ورضيانـــه
علـى العيـن والـراس فقـام الملـك عاصـم بــن صفــوان ونــزل مــن فــوق سريــره وأجلــس ولــده علــى التخــت
الكبيـر ورفـع التـاج فــوق رأس ولــده وشــد وسطــه بمنطقــة الملــك وجلــس الملــك عاصــم علــى كرســي
مملكتـــه بجانـــب ولـــده فقـــام الأمـــراء والـــوزراء وأكابـــر الدولـــة وجميـــع النـــاس وقبلـــوا الـــأرض بيـــن يديـــه
وصـاروا وقوفـاً يقولـون لبعضهـم: هـو حقيـق بالملــك وهــو أولــى بــه مــن الغيــر ونــادوا بالأمــان ودعــوا لــه
بالنصر والإقبال ونثر سيف الملوك الذهب والفضة على رؤوس الناس أجمعين.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة عشرة بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن عاصمـــاً لمـــا أجلـــس ولـــده سيـــف الملـــوك علـــى التختودعـــا لـــه
كامــل النــاس بالنصــر والإقبــال نثــر الذهــب والفضــة علــى رؤوس النــاس أجمعيــن وخلـــع الخلـــع ووهـــب
وأعطــى ثــم بعــد لحظــة قــام الوزيــر فارســاً وقبــل الــأرض وقــال: يــا أمــراء.. يــا أربـــاب الدولـــة هـــل
===
تعرفـون أنـي وزيـر ووزارتـي قديمـة قبـل أن يتولـى الملـك عاصــم بــن صفــوان وهــو الــآن قــد خلــع نفســه
مـــن الملـــك وولـــى ولـــده عوضـــاً عنـــه قالـــوا: نعـــم نعـــرف وزارتـــك أبـــاً عـــن جـــد فقـــال: والـــآن أخلـــع
نفســي وأولــي ولــدي ساعــداً هــذا فغنــه عاقــل فطــن خبيــر فــأي شــيء تقولــون بأجمعكـــم فقالـــوا: لا
يصلـــح وزيـــراً للملـــك سيـــف الملـــوك إلا ولـــدك ساعـــداً فإنهمــــا يصلحــــان لبعضهمــــا فعنــــد ذلــــك قــــام
الــوزراء قدامــه أيضــاً وقالــت الحجــاب والأمــراء: إنــه يستحــق الــوزارة فعنــد ذلــك قــام الملــك عاصـــم
والوزيـــر فـــارس وفتحـــا الخزائـــن وخلعـــا الخلـــع السنيـــة علـــى الملـــوك والأمــــراء وأكابــــر الدولــــة والنــــاس
أجمعيـن وأعطيـا النفقـة والأنعـام وكتبـا لهــم المناشيــر الجديــدة والمراسيــم بعلامــة سيــف الملــوك وعلامــة
الوزيــر ساعــد بــن الوزيــر فــارس وأقــام النــاس فــي المدينــة جمعــة وبعدهــا كــل منهــم سافــر إلـــى بلـــاده
ومكانـــه ثـــم إن الملـــك عاصمـــاً أخـــذ ولـــده سيـــف الملـــوك وساعـــداً ولـــد الوزيـــر ثـــم دخلـــوا وطلعــــوا
القصـــر وأحضـــروا الخازنـــدار وأمـــروه بإحضـــار الخواتـــم والسيـــف والبقجـــة وقـــال الملـــك عاصـــم: يـــا
أولــادي تعالــوا كــل واحـــد منكـــم يختـــار مـــن هـــذه الهديـــة شيئـــاً ويأخـــذه فـــأول مـــن مـــد يـــده سيـــف
الملــوك فأخــذ البقجــة والخاتــم ومــد ساعــد يــده فأخــذ السيـــف والمهـــر وقبـــلا يـــد الملـــك وذهبـــا إلـــى
منازلهمـا فلمـا أخـذ سيـف الملـوك البقجـة لـم يفتحـه ولـم ينظــر مــا فيهــا بــل رماهــا فــوق التخــت الــذي
ينــام عليــه بالليــل هــو وساعــد وزيــره وكــان مــن عادتهمــا أن ينامــا مــع بعضهمــا ثــم إنهمـــا فرشـــوا لهمـــا
===
فـراش النـوم ورقـدا الاثنـان مـع بعضهمـا علـى فراشهمــا والشمــوع تضــيء عليهمــا واستمــرا إلــى نصــف
الليـل ثـم انتبـه سيـف الملـوك مـن نومـه فـرأى البقجـة عنـد رأسـه فقـال فـي نفسـه: يـا تـرى أي شـيء فــي
هــذه البقجــة التــي أهداهــا لنــا الملــك مــن التحــف فأخذهـــا وأخـــذ الشمعـــة ونـــزل مـــن فـــوق التخـــت
وتـرك ساعـداً نائمـاً ودخـل الخزانـة وفتـح البقجــة فــرأى فيهــا قبــاء مــن شغــل الجــان ففتــح القبــاء وفــرده
فوجــد علــى البطانــة التــي مــن داخــل فـــي جهـــة ظهـــر القبـــاء صـــورة بنـــت منقوشـــة بالذهـــب ولكـــن
جمالها شيء عجيب.
فلمـــا رأى هـــذه الصـــورة طـــار عقلـــه مـــن رأســـه وصـــار مجنونــــاً بعشــــق تلــــك الصــــورة ووقــــع علــــى
الـأرض مغشيـاً عليــه وصــار يبكــي وينتحــب ويلطــم علــى وجهــه فلمــا رآه ساعــداً علــى هــذه الحالــة
قـال: أنــا وزيــرك وأخــوك وتربيــت أنــا وإيــاك وإن لــم تبيــن لــي أمــورك وتطلعنــي علــى ســرك فعلــى مــن
تخــرج ســرك وتطلــع عليــه ولــم يــزل ساعـــداً يتضـــرع ويقبـــل الـــأرض ساعـــة زمانيـــة وسيـــف الملـــوك لا
يلتفــت إليــه ولا يكلمــه كلمــة واحــدة بــل يبكــي فلمــا رأى ساعــداً حالــه وأعيــاه أمــره خـــرج مـــن عنـــده
وأخــذ سيفــاً ودخــل الخزانــة التــي فيهــا سيــف الملــوك وحــط ذبابــة علــى صــدر نفســه وقـــال لسيـــف
الملــوك: انتبــه يــا أخــي إن لــم تقــل لــي أي شــيء جــرى لــك قتلــت روحـــي ولا أراك فـــي هـــذه الحالـــة
فعنـد ذلـك رفــع سيــف المولــك رأســه إلــى وزيــره ساعــداً وقــال لــه: يــا أخــي أنــا استحيــت أن أقــول
===
لـك وأخبـرك بالـذي جـرى لـي. فقـال لـه ساعـداً: سألتـك باللـه رب الأربـاب ومعتـق الرقــاب ومسبــب
الأسبـاب الواحـد التـواب الكريــم الوهــاب أن تقــول لــي مــاذا جــرى لــك ولا تستحــي منــي فأنــا عبــدك
ووزيــرك ومشريــك فــي الأمــور كلهـــا فقـــال سيـــف الملـــوك: تعـــال وانظـــر إلـــى هـــذه الصـــورة فلمـــا رأى
ساعــد تلـــك الصـــورة تأمـــل فيهـــا ساعـــة زمانيـــة ورأى مكتوبـــاً علـــى رأس الصـــورة باللؤلـــؤ المنظـــوم:
هـذه الصـورة صـورة بديعـة الجمـال بنــت شمــاخ بــن شــاروخ ملــك مــن ملــوك الجــان المؤمنيــن الذيــن هــم
نازلون في مدينة بابل وساكنون في بستان أرم بن عاد الأكبر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العشرين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الملـــك سيـــف الملـــوك بـــن الملـــك عاصــــم والوزيــــر ساعــــد بــــن
الوزيــر فــارس لمــا قــرأا الكتابــة التــي علــى القبــاء ورأيــا فيهـــا صـــورة بديعـــة الجمـــال بنـــت شامـــخ بـــن
شاروخ ملك بابل مـن ملـوك الجـان المؤمنيـن النازليـن بمدينـة بابـل الساكنيـن فـي بستـان ارم بـن عـاد الأبـر
قــال الوزيــر ساعــد للملــك سيـــف: يـــا أخـــي أتعـــرف مـــن صاحبـــة هـــذه الصـــورة مـــن النســـاء حتـــى
نفتــش عليهــا فقــال سيــف الملــوك: واللـــه يـــا أخـــي مـــا أعـــرف صاحبـــة هـــذه الصـــورة فقـــال ساعـــد:
===
تعـال اقـرأ هـذه الكتابـة فتقــدم سيــف الملــوك وقــرأ الكتابــة التــي علــى التــاج وعــرف مضمونهــا فصــرخ
مــن صميــم قلبــه وقــال: آه آه آه فقــال لــه ساعــد: يـــا أخـــي إن كانـــت صاحبـــة هـــذه الصـــورة موجـــودة
واسمهـا بديعـة الجمـال وهـي فـي الدنيـا فأنـا أسـرع فـي طلبهـا مـن غيـر مهلـة حتـى تبلــغ مــرادك فباللــه يــا
أخــي أن تتــرك البكــاء لأجــل أن تدخــل أهــل الدولــة فــي خدمتــك فــإذا كــان ضحـــوة النهـــار فاطلـــب
التجـــار والفقـــراء والسواحيـــن والمساكيـــن واسألهـــم عـــن صفـــات هـــذه المدينـــة لعـــل أحـــداً ببركـــة اللــــه
سبحانه وتعالى وعونه يدلنا عليها وعلى بستان ارم.
فلمـا أصبــح الصبــاح قــام سيــف الملــوك وطلــع فــوق التخــت وهــو معانــق للقبــاء لأنــه صــار لا يقــوم ولا
يقعــد ولا يأتيــه نــوم إلا وهــو معــه فدخلــت عليــه الأمــراء والــوزراء والجنــود وأربـــاب الدولـــة فلمـــا تـــم
الديــوان وانتظــم الجمــع قــال الملــك سيــف الملــوك لوزيــره ساعــد: ابـــرز لهـــم وقـــل إن الملـــك حصـــل لـــه
تشويــش واللــه مــا بــات البارحــة إلا وهــو ضعيــف فبلــغ الوزيــر ساعــد وأخبـــر النـــاس بمـــا قالـــه الملـــك
سيـف فلمـا سمـع الملـك عاصـم ذلـك لــم يهــن عليــه ولــده فعنــد ذلــك دعــا الحكمــاء والمنجميــن ودخــل
بهـم علـى ولـده سيـف الملـوك فنظـروا إليـه ووصفـوا لـه الشـراب واستمـر فـي موضعــه مــدة ثلاثــة أشهــر
فقـال الملـك عاصـم للحكمـاء الحاضريـن وهـو مغتـاظ عليهــم: ويلكــم يــا كلــاب هــل عجزتــم كلكــم عــن
مـداواة ولـدي فـإن لـم تـداووه فـي هــذه الساعــة أقتلكــم جميعــاً فقــال رئيسهــم الكبيــر: يــا ملــك الزمــان
===
إننـا نعلـم أن هـذا ولــدك وأنــت تلعــم أننــا لا نتساهــل فــي مــداواة الغريــب فكيــف بمــداواة ولــدك ولكــن
ولــدك بــه مــرض صعــب إن شئـــت معرفتـــه نذكـــره لـــك ونحدثـــك بـــه قـــال الملـــك عاصـــم: أي شـــيء
ظهــر لكــم مــن مــرض ولــدي فقــال لــه الحكيــم الكبيــر: يــا ملــك الزمــان إن ولـــدك الـــآن عاشـــق ويحـــب
مـن لا سبيـل إلـى وصالـه فاغتـاظ الملـك عليهـم وقــال لهــم: مــن أيــن علمتــم أن ولــدي عاشــق ومــن أيــن
جــاء العشــق لولــدي فقالــوا لــه: اســأل أخــاه ووزيــره ساعـــداً فإنـــه هـــو الـــذي يعلـــم حالـــه فعنـــد ذلـــك
قـام الملـك عاصـم ودخـل فـي خزانـة وحـده ودعـا بساعـد وقـال: اصدقنـي بحقيقـة مــرض أخيــك فقــال
لــه: مــا أعلــم حقيقتــه فقــال الملــك للسيـــاف: خـــذ ساعـــداً واربـــط عينيـــه واضـــرب رقبتـــه فخـــاف
ساعــد علــى نفســه وقــال لــه: يــا ملــك الزمــان أعطنــي الأمــان فقــال لــه: قــل لــي ولــك الأمــان فقــال لــه
ساعـد: إن ولــدك عاشــق فقــال لــه الملــك: ومــن معشوقتــه فقــال ساعــد: بنــت ملــك مــن ملــوك الجــان
فإنه رأى صورتها في قباء من البقجة التي أهداها إليكم سليمان نبي الله.
فعنـد ذلـك قـام الملـك ودخـل علــى ابنــه سيــف الملــوك وقــال لــه: يــا ولــدي أي شــيء دهــاك ومــا هــذه
الصــورة التــي عشقتهــا ولــأي شــيء لــم تخبرنـــي فقـــال سيـــف الملـــوك: يـــا أبـــت كنـــت أستحـــي منـــك
ومـــا كنـــت أقـــدر أن أذكـــر لـــك ذلـــك ولا أقـــدر أن أظهـــر أحـــداً علـــى شـــيء منـــه أبــــداً والــــآن قــــد
علمـت بحالـي فانظـر كيـف تعمــل فــي مداواتــي فقــال لــه أبــوه: كيــف تكــون الحيلــة لــو كانــت هــذه مــن
===
بنـات الإنـس كنـا دبرنـا حيلـة فـي الوصـول إليهــا ولكــن هــذه مــن بنــات ملــوك الجــن ومــن يقــدر عليهــا إلا
إذا كــان سليمــان بــن داود فإنــه هــو الــذي يقــدر علـــى ذلـــك ولكـــن يـــا ولـــدي قـــم فـــي هـــذه الساعـــة
واشتغـل بالأكـل والشـرب واصـرف الهـم والغـم عـن قلبــك وأنــا أجــيء لــك بمائــة بنــت مــن بنــات الملــوك
ومــا لــك ببنــات الجــان التــي ليــس لنــا قــدرة عليهـــم ولا هـــم مـــن جنسنـــا فقـــال لـــه: أنـــا لا أتركهـــا ولا
أطلـــب غيرهـــا فقـــال لـــه الملـــك: كيـــف يكـــون العمـــل يـــا ولــــدي فقــــال لــــه ابنــــه: أحضــــر لنــــا جمعــــي
التجـار والمسافريــن والسواحيــن فــي البلــاد لنسألهــم عــن ذلــك لعــل اللــه يدلنــا علــى بستــان أرم وعلــى
مدينــة بابــل فأمــر الملــك عاصــم أن يحضــر كــل تاجــر فــي المدينــة وكــل غريــب فيهـــا وكـــل رئيـــس فـــي
البحـر فلمــا حضــروا سألهــم عــن مدينــة بابــل وعــن جزيرتهــا وعــن بستــان ارم فمــا أحــد منهــم عــرف
هــذه الصفــة ولا أخبــر عنهابخبــر وعنــد انفضــاض المجلــس قــال واحــد منهــم: يــا ملــك الزمــان إن كنــت
تريـد أن تعـرف فعليـك ببلـاد الصيـن فإنهــا مدينــة كبيــرة ولعــل أحــداً نمهــم يدلــك علــى مقصــودك ثــم إن
سيـف الملـوك قـال: يـا أبـي جهـز لـي مركبـاً للسفـر إلـى بلـاد الصيـن فقـال لــه أبــوه: يــا ولــدي اجلــس أنــت
علـى كرسـي مملكتـك واحكـم فـي الرعيـة وأنـا أسافـر إلـى بلـاد الصيـن وأمضـي إلـى هـذا الأمـر بنفســي
فقــال سيــف الملــوك: يــا أبــي إن هــذا الأمـــر يتعلـــق بـــي ومـــا يقـــدر أحـــد أن يفتـــش عليـــه مثلـــث وأي
شـيء يجـري إذا كنـت تعطينـي اذنـاً بالسفــر فاسافــر وأتغــرب مــدة مــن الزمــان فــإن وجــدت لهــا خبــراً
===
حصـل المـراد وإن لـم أجـد لهـا خبـراً يكـون فـي السفـر انشــراح صــدري ونشــاط خاطــري ويهــون أمــري
بسبب ذلك وإن عشت رجعت إليك سالماً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والعشرين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن سيــف الملــوك قــال لوالــده الملــك عاصــم: جهــز لــي مركبــاً لأسافــر
فيهـا إلـى بلـاد الصيـن حتـى أفتـش علـى مقصـودي فـإن عشــت رجعــت إليــك سالمــاً فنظــر الملــك إلــى
ابــن فلــم يــر لــه حيلــة غيــر أنــه يعمــل لــه الــذي يرضيـــه فأعطـــاه اذنـــاً بالسفـــر وجهـــز لـــه أربعيـــن مركبـــاً
وعشريـن ألـف مملـوك غيـر الاتبـاع وأعطـاه أمـوالاً وخزائـن وكـل شـيء يحتــاج إليــه مــن آلــات الحــرب وقــال
لـه: سافـر يـا ولـدي فـي خيـر وعافيـة وسلامـة وقـد استودعتـك مـن لا تضيـع عنـده الودائـع فعنـد ذلـك
ودعـه أبــوه وأمــه وشحنــت المراكــب بالمــاء والــزاد والسلــاح والعساكــر ثــم سافــروا ولــم يزالــوا مسافريــن
حتى وصلوا إلى مدينة الصين.
فلمــا سمــع أهــل الصيــن أنــه وصــل إليهــم أربعــون مركبــاً مشحونــاً بالرجـــال والعـــدد والسلـــاح والذخائـــر
اعتقــدوا أنهــم أعــداء جــاؤا إلــى قتالهــم وحصارهــم فقفلــوا أبــواب المدينــة وجهـــزوا المنجنيقـــات فلمـــا
===
سمـع الملـك سيـف الملـوك ذلـك أرســل إليهــم مملوكيــن مــن مماليكــه الخــواص وقــال لهــم: امضيــا إلــى ملــك
الصيـن وقولـوا لـه إن هـذا سيـف الملـوك بـن الملــك عاصــم جــاء إلــى مدينتــك ضيفــاً ليتفــرج فــي بلــادك
مــدة مــن الزمــان ولا يقاتــل ولا يخاصــم فــإن قبلتــه ضيفــاً ليتفــرج فــي بلــادك مــدة مـــن الزمـــان ولا يقاتـــل
ولا يخاصـم فـإن قبلتـه نـزل عنـدك وإن لــم تقبلــه رجــع ولا يشــوش عليــك ولا علــى أهــل مدينتــك فلمــا
وصــل المملوكيــن إلــى المدينــة قالــوا: نحــن رســل الملــك سيــف الملــوك ففتحــوا لهــم البــاب وذهبـــوا بهـــم
وأحضروهــم عنــد ملكهــم وكــان اسمــه قعفوشــاه وكــان بينــه وبيــن الملــك عاصــم قبـــل تاريخـــه معرفـــة
فلمـا سمـع أن الملـك القـادم عليـه سيـف الملـوك بـن الملــك عاصــم خلــع علــى الرســل وأمــر بفتــح الأبــواب
وجهــز الضيافــات وخــرج بنفســه مــع خــواص دولتــه وجــاء إلــى سيــف الملــوك وتعانقــا وقــال لـــه: أهـــلاً
وسهـلاً ومرحبـاً بمـن قـدم علينــا وأنــا مملوكــك ومملــوك أبيــك ومدينتــي بيــن يديــك وكــل مــا تطلبــه يحضــر
إليـك وقــدم لــه الضيوفــات والــزاد فــي مواضــع الإقامــات وركــب سيــف الملــوك وساعــد وزيــره ومعهــم
خـواص دولتـه وبقيــة العساكــر وســاروا فــي ساحــل البحــر إلــى أن دخلــوا المدينــة وضربــت الكاســات
ودقـت البشائــر وأقامــوا فيهــا أربعيــن يومــاً فــي ضيافــات حسنــة ثــم بعــد ذلــك قــال لــه: يــا ابــن أخــي
كيــف حالــك هــل أعجبتــك بلــادي فقــال لــه سيــف الملــوك: يــا ملــك أدام اللــه تعالــى تشريفهــا بــك أيهــا
الملــك قعفوشــاه: مــا جــاء بــك إلــى حاجــة طــرأت لــك وأي شــيء تريــده مــن بلــادي فأنـــا أقضيـــه لـــك
===
فقـال لــه الملــك سيــف: يــا ملــك إن حديثــي عجيــب وهــو أنــي عشقــت صــورة بديعــة الجمــال فبكــى
ملــك الصيــن رحمــة لــه وشفقــة عليــه وقــال: مــا تريــد الــآن يــا سيــف الملــوك فقـــال لـــه: أريـــد منـــك أن
تحضــر لــي جميــع السواحيــن والمسافريــن ومـــن لـــه عـــادة بالأسفـــار حتـــى أسألهـــم عـــن صاحبـــة هـــذه
الصـورة لعـل أحـداً منهـم يخبرنـي بهـا فأرسـل الملـك قعفوشــاه إلــى النــواب والحجــاب والأعــوان وأمرهــم
أن يحضــــروا جميــــع مــــن فــــي البلــــاد مــــن السواحيــــن والمسافريــــن فأحضروهــــم وكانــــوا جماعــــة كثيــــرة
فاجتمعـوا عنـد الملـك قعفوشـاه ثـم سألهـم الملـك سيــف الملــوك عــن مدينــة بابــل وعــن بستــان أرم فلــم
يـرد عليـه أحـداً منهـم جوابـاً فتحيـر الملـك سيـف الملـوك فـي أمـره ثـم بعـد ذلـك قـال واحـد مـن رؤســاء
البحريـــة: ايهـــا الملـــك إن أردت أن تعلـــم هـــذه المدينـــة وذاك البستـــان فعليـــك بالجزائـــر التـــي فـــي بلـــاد
الهنــد فعنــد ذلــك أمــر سيــف الملــوك أن يحضــروا المراكــب ففعلــوا ونقلــوا فيهــا المـــاء والـــزاد وجميـــع مـــا
يحتاجــون إليــه وركــب سيــف الملــوك وساعــد وزيـــره بعـــد أن ودعـــوا الملـــك قعفوشـــاه وسافـــروا فـــي
البحر مدة أربعـة أشهـر فـي ريـح طيبـة سالميـن مطمئنيـن فاتفـق أنـه خـرج عليهـم ريـح فـي يـوم مـن الأيـام
وجاءهـــم المـــوج مـــن كـــل مكـــان ونزلـــت عليهـــم الأمطـــار وتغيـــر البحـــر مـــن شـــدة الريـــح ثـــم ضربـــت
المراكــــب بعضهــــا بعضــــاً مــــن شــــدة الريــــح فانكســــرت جميعهــــا وكذلــــك الــــزوارق الصغيــــرة وغرقـــــوا
جميعهــم وبقــي سيــف الملــوك مــع جماعـــة مـــن مماليكـــه فـــي زورق صغيـــر ثـــم سكـــت الريـــح وسكـــن
===
بقـدرة اللـه تعالـى وطلعـت الشمـس ففتـح سيـف الملـوك عينيـه فلـم يــر شيئــاً مــن المراكــب ولــم يــر غيــر
السمـاء والمـاء وهــو ومــن معــه فــي الــزورق الصغيــر فقــال لمــن معــه مــن مماليكــه: أيــن المرابــك والــزوارق
الصغيـــرة وأيـــن أخـــي ساعـــد فقالـــوا لـــه: يـــا ملـــك الزمـــان لـــم يبــــق مراكــــب ولا زوارق ولا مــــن فيهــــا
فإنهـــم غرقـــوا كلهـــم وصـــاروا طعامـــاً للسمـــك فصــــرخ سيــــف الملــــوك وقــــال كلامــــة لا يخجــــل قائلهــــا
وهــي: لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم وصــار يلطــم علــى وجهـــه وأراد أن يرمـــي نفســـه فـــي
البحــر فمنعــه المماليــك وقالــوا لــه: يــا ملــك أي شــيء يفيــدك هــذا فأنــت الـــذي فعلـــت بنفســـك هـــذه
الفعــلا ولــو سمعــت كلــام أبيــك مــا كــان جــرى عليــك مـــن هـــذا شـــيء ولكـــن كـــل هـــذا مكتـــوب مـــن
القدم بإرادة باري النسم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن سيــف الملــوك لمــا أراد أن يرمــي نفســه فــي البحــر منعتــه المماليــك
وقالـــت لـــه: أي شـــيء يفيـــد هـــذا فأنـــت فعلـــت بنفســـك هـــذه الفعـــال ولكـــن هـــذا شـــيء مكتـــوب
بـإرادة بـارئ النسـم حتـى يستوفـي العبـد مـا كتــب اللــه تعالــى عليــه وقــد قــال المنجمــون لأبيــك عنــد
===
والدتـك: إن ابنـك هـذا تجـري عليـه الشدائـد كلهـا وحينئـذ ليـس عليـه إلا الصبـر حتـى يفجــر اللــه عنــا
الكـرب الـذي نحـن فيـه فقـال سيــف الملــوك: لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم لا مفــر مــن قضــاء
الله تعالى ولا مهرب.
ثـم غـرق فــي بحــر الأفكــار وجــرت دموعــه علــى خــده كالمــدرار ونــام ساعــة مــن النهــار ثــم استفــاق
وطلـب شيئـاً مـن الأكــل فأكــل حتــى اكتفــى ورفعــوا الــزاد مــن قدامــه والــزورق سائــراً بهــم ولــم يعلمــوا
إلـى أي جهـة يتوجـه بهـم مـع الأمـواج والريـاح ليــلاً ونهــاراً مــدة مديــدة مــن الزمــان حتــى فــرغ منهــم الــزاد
وذهبـوا عـن الرشـاد وصـاروا فـي أشــد مــا يكــون مــن الجــوع والعطــش والقلــق وإذا بجزيــرة قــد لاحــت
لهــم علــى بعــد فصــارت الريـــاح تسوقهـــم إلـــى أن وصلـــوا إليهـــا وأرســـوا عليهـــا وطلعـــوا مـــن الـــزورق
وتركـوا فيـه واحـداً ثـم توجهـوا إلـى تلـك الجزيـرة فـرأوا فيهـا فواكــه كثيــرة مــن سائــر الألــوان فأكلــوا حتــى
اكتفــوا وإذا هــم بشخــص جالــس علــى قطعــة لبــاد ســوداء فــوق صخــرة مــن الحجـــر وحواليـــه الزنـــوج
وهـــم جماعـــة كثيـــرة واقفـــون فـــي خدمتـــه. فجـــاء هـــؤلاء الزنـــوج وأخــــذوا سيــــف الملــــوك ومماليكــــه
وأوقفوهـم بيـن يـدي ملكهـم وقالـوا: إنـا لقينـا هـذه الطيـور بيـن الأشجـار وكـان الملــك جائعــاً فأخــذ مــن
المماليك اثنين وذبحهما وأكلهما.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الزنــوج لمــا أخــذوا الملــك سيــف الملــوك ومماليكـــه وأوقفوهـــم بيـــن
يــدي ملكهــم وقالــوا لــه: يــا ملــك إنــا لقينــا هــذه الطيــور بيــن الأشجــار أخــذ ملكهــم مملوكيـــن وذبحهمـــا
وأكلهمـــا فلمـــا رأى سيـــف الملـــوك هـــذا الأمـــر خـــاف علـــى نفســـه وبكـــى. فلمـــا سمـــع الملـــك بكــــاءه
وتعديـده قـال: إن هـؤلاء الطيـور مليحـة الصــوت والنغمــة قــد أعجبتنــي أصواتهــم فاجعلــوا كــل واحــد
منهــم فــي قفــص فحطــوا كــل واحــد منهـــم فـــي قفـــص وعلقوهـــم علـــى راس الملـــك ليسمـــع أصواتهـــم
ومماليكــه فــي الأقفــاص والزنــوج يطعمونهــم ويسقونهــم وهــم ساعــة يبكــون وساعــة يضحكــون وساعـــة
يتكلمـون وساعـة يسكتـون كـل هـذا وملـك الزنـوج يتلـذذ بأصواتهـم ولـم يزالـوا علـى تلـك الحالــة مــدة مــن
الزمــان وكــان للملــك بنــت متزوجــة فــي جزيــرة أخــرى فسمعـــت أن أباهـــا عنـــده طيـــور لهـــا أصـــوات
مليحـة فأرسلــت جماعــة إلــى أبيهــا تطلــب منــه شيئــاً مــن الطيــور فأرســل إليهــا أبوهــا سيــف الملــوك
وثلاثــة مماليــك فــي أربعــة أقفــاص مــع القاصــد الــذي جــاء فــي طلبهـــم. فلمـــا وصلـــوا إليهـــا ونظرتهـــم
أعجبوهــا فأمـــرت أن يطلعهـــم فـــي موقـــع فـــوق رأسهـــا فصـــار سيـــف الملـــوك يتعجـــب ممـــا جـــرى لـــه
ويتفكــر مــا كــان فيــه مــن العــز وصــار يبكــي علــى نفســه والمماليــك الثلاثــة يبكـــون علـــى أنفسهـــم كـــل
هـذا وبنــت الملــك تعتقــد أنهــم يغنــون وكانــت عــادة بنــت الملــك إذا وقــع عندهــا أحــد مــن بلــاد مصــر
أو مـن غيرهـا وأعجبهـا يصيـر لـه عندهــا منزلــة عظيمــة وكــان بقضــاء اللــه تعالــى وقــدره أنهــا لمــا رأت
===
سيــف الملــوك أعجبهــا حسنــه وجمالــه وقــده واعتدالـــه فأمـــرت بإكرامهـــم واتفـــق أن اختلـــت يومـــاً مـــن
الأيــام بسيفــي الملــوك وطلبــت منــه أن يجامعهــا فأبــى سيـــف الملـــوك ذلـــك وقـــال لهـــا: يـــا سيدتـــي أنـــا
رجــل غريــب وبحـــب الـــذي أهـــواه كئيـــب ومـــا أرضـــى بغيـــر وصالـــه فصـــارت بنـــت الملـــاك تلاطفـــه
وتــراوده فامتنــع منهــا ولــم تقــدر أن تدنــو منــه ولا أن تصــل إليــه بحــال مــن الأحـــوال فلمـــا أعياهـــا أمـــره
غضبــت عليــه وعلــى مماليكــه وأمرتهــم أن يخدموهــا وينقلــوا المــاء والحطــب فمكثــوا علــى هــذه الحالـــة
أربــع سنــوات فأعيــا الملــك سيــف ذلــك الحــال وأرســل يتشفــع الملكــة عســى أن تعتقهــم ويمضــوا إلـــى
حــال سبيلهــم ويستريحــوا ممــا هــم فيــه فأرسلــت أحضــرت سيــف الملـــوك وقالـــت: إن وافقتنـــي علـــى
غرضــي أعتقـــك مـــن الـــذي أنـــت فيـــه وتـــروح لبلـــادك سالمـــاً غانمـــاً ومـــا زالـــت تتضـــرع إليـــه وتأخـــذ
بخاطـره فلـم يجبهـا إلـى مقصودهـا فأعرضـت عنـه مغضبـة وسـار سيـف الملـوك والمماليــك عندهــا فــي
الجزيـرة علـى تلـك الحالـة وعـرف أهلهـا أنهـم طيـور بنــت الملــك فلــم يتجاســر أحــد مــن اهــل المدينــة أن
يضرهـم بشـيء وصـار قلـب بنـت الملــك مطمئنــاً عليهــم وتحققــت أنهــم مــا بقــي لهــم خلــاص مــن هــذه
الجزيــرة فصــاروا يغيبــون عنهـــا ليوميـــن والثلاثـــة ويـــدورون فـــي البريـــة ليجمعـــوا الحطـــب مـــن جوانـــب
الجزيــرة ويأتــوا بــه إلــى مطبــخ بنــت الملــك فمكثــوا علــى هــذه الحالــة خمــس سنــوات فاتفــق أن سيــف
الملـوك قعــد هــو ومماليكــه يومــاً مــن الأيــام علــى ساحــل البحــري يتحدثــون فيمــا جــرى فالتفــت سيــف
===
الملـوك فـرأى نفسـه فيهـذا المكـان هـو ومماليكــه فتذكــر أمــه وأبــاه وأخــاه ساعــداً وتذكــر العــز الــذي كــان
فيه فبكى وزاد في البكاء والنحيب وكذلك المماليك بكوا مثله.
ثــم قــال لــه المماليــك: يـــا ملـــك الزمـــان إلـــى متـــى تبكـــي والبكـــاء لا يفيـــد وهـــذا أمـــر مكتـــوب علـــى
جباهنــا بتقديــر اللــه عــز وجــل وقــد جــرى القلــم بمــا حكــم ومـــا ينفعنـــا إلا الصبـــر لعـــل اللـــه سبحانـــه
وتعالــى الــذي ابتلانــا بهــذه الشــدة يفرجهــا عنــا فقــال لهــم سيــف الملــوك: يــا اخوانــي كيــف نعمــل فـــي
خلاصنــا مــن هــذه الملعونــة ولا أرى لنــا خلاصــاً إلا أن يخلصنــا اللــه منهــا بفضلـــه ولكـــن خطـــر ببالـــي
أننـا نهـرب ونستريـح مــن هــذا التعــب فقالــوا لــه: يــا ملــك الزمــان أيــن نــروح مــن هــذه الجزيــرة وهــي كلهــا
غيلـــان يأكلـــون بنـــي آدم وكـــل موضـــع توجهنــــا إليــــه وجدونــــا فيــــه فإمــــا أن يأكلونــــا وإمــــا أن يأسرونــــا
ويردونـا إلـى موضعنـا وتغضـب علينــا بنــت الملــك فقــال سيــف الملــوك: أنــا أعمــل لكــم شيئــاً لعــل اللــه
تعالــى يساعدنــا بــه علــى الخلــاص ونخلــص مــن هــذه الجزيــرة فقالــوا لــه: كيــف تعمـــل فقـــال: نقطـــع مـــن
هـذه الأخشـاب الطـوال ونفتـل مـن قشرهــا حبــالاً ونربــط بعضهــا فــي بعــض ونجعلهــا فلكــاً ونرميــه فــي
البحــر ونملــؤه مــن تلــك الفاكهــة ونعمــل لــه مجاذيــف وننــزل فيــه لعــل اللــه تعالــى أن يجعــل لنــا فرجــاً فإنـــه
علـى كـل شـيء قديـر وعسـى اللـه أن يرزقنــا الريــح الطيــب الــذي يرسلنــا إلــى بلــاد الهنــد ونخلــص مــن
هــذه الملعونــة فقالــوا لــه: هـــذا رأي حســـن وفرحـــوا بـــه فرحـــاً شديـــداً وقامـــوا فـــي الوقـــت والساعـــة
===
يقطعون الأخشـاب لعمـل الفلـك ثـم فتلـوا الحبـال لربـط الأخشـاب فـي بعضهـا واستمـروا علـى ذلـك مـدة
شهــر وكــل يــوم فــي آخــر النهــار يأخـــذون شيئـــاً مـــن الحطـــب ويروحـــون بـــه إلـــى مطبـــخ بنـــت الملـــك
ويجعلون بقية لنهار لأشغالهم في صنع الفلك إلى أن أتموه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن سيــف الملــوك ومماليكــه لمــا قطعــوا الأخشــاب مــن الجزيــرة وفتلــوا
الحبـال وربطـوا الفلـك الـذي عملـوه فلمـا فرغـوا مـن عملـه رمـوه فـي البحـر وسقــوه مــن الفواكــه التــي فــي
الجزيـرة مـن تلـك الأشجـار وتجهـزوا فـي آخـر يومهـم ولـم يعلمـوا أبـداً بمـا فعلـوا ثـم ركبـوا فـي ذلـك الفلــك
وسـاروا فـي البحـر مـدة أربعـة أشهـر ولـم يعلمـوا أيـن يذهـب بهـم وفـرغ منهـم الـزاد وصــاروا فــي أشــد
مــا يكــون مــن الجــوع والعطــش وإذا بالبحــر قــد أرغــى وأزبــد وطلــع منــه أمــواج عاليـــة فأقبـــل عليهـــم
تمســاح هائــل ومــد يــده وخطـــف مملوكـــاً مـــن المماليـــك وبلعـــه فلمـــا رأى سيـــف الملـــوك ذلـــك التمســـاح
فعـل بالمملـوك ذلـك الفعـل بكـى بكـاء شديـداً وصـار فــي الفلــك هــو والمملــوك الباقــي وحدهمــا وبعــدا
عــن مكــان التمســاح وهمــا خائفــان ولــم يـــزالا كذلـــك حتـــى ظهـــر لهمـــا يومـــاً مـــن الأيـــام جبـــل عظيـــم
===
هائـل عـال شاهـق فـي الهــواء ففرحــا بــه وظهــر لهمــا بعــد هــذه الجزيــرة فجــدا فــي السيــر إليهــا وهمــا
مستبشران بدخولهما الجزيرة.
فبينمـــا همـــا علـــى تلـــك الحالـــة وإذا بالبحـــر هـــاج وعلـــت أمواجـــه وتغيـــرت حالاتــــه فرفــــع التمســــاح
رأســه ومــد يـــده فأخـــذ المملـــوك الـــذي بقـــي مـــن مماليـــك سيـــف الملـــوك وبلعـــه فصـــار سيـــف الملـــوك
وحــده حتــى وصــل إلــى الجزيــرة وصــال يعالــج إلــى أن صعــد فــدق الجبــل ونظـــر فـــرأى غابـــة فدخـــل
الغابـة ومشـى بيــن الأشجــار وصــار يأكــل مــن الفواكــه فــرأى الأشجــار وقــد طلــع فوقهــا مــا يزيــد عــن
عشريــن قــرداً راكبــاً كــل واحــد منهــم أكبــر مــن البغــل فلمــا رأى سيــف الملــوك هــذه القــرود حصــل لـــه
خــوف شيديــد ثــم نزلــت القــرود واحتاطــوا بــه مــن كــل جانـــب وبعـــد ذلـــك ســـاروا أمامـــه وأشـــاروا
إليـه أن يتبعهـم ومشـوا فمشـى سيـف الملـوك خلفهـم ومــا زالــوا سائريــن وهــو تابعهــم حتــى أقبلــوا علــى
قلعــة عاليــة البنيــان مشيــدة الأركــان فدخلــوا تلــك القلعــة ودخــل سيـــف الملـــوك وراءهـــم فـــرأى فيهـــا
مــن سائــر التحــف والجواهــر والمعـــادن مـــا يكـــل عـــن وصفـــه اللســـان ورأى فـــي تلـــك القلعـــة شابـــاً لا
نبات بعارضه لكنه طويل زائد الطول.
فلمــا رأى سيــف الملــوك ذلــك الشــاب استأنــس بــه ولــم يكــن فــي تلــك القلعــة غيــر ذلــك الشـــاب مـــن
البشــر ثــم إن الشــاب لمــا رأى سيــف الملـــوك أعجبـــه غايـــة الإعجـــاب فقـــال لـــه: مـــا اسمـــك ومـــن أي
===
البلــاد أنــت وكيــف وصلــت إلــى هنــا فأخبرنــي بحديثــك ولا تكتــم شيئــاً فقــال لــه سيــف الملـــوك: أنـــا
واللـه مـا وصلـت إلـى هنـا بخاطـري ولا كـان هـذا المكــان مقصــودي وأنــا مــا أزال أسيــر مــن مكــان إلــى
مكـان آخـر حتـى أنـال مطلوبــي أو يكــون سعيــي إلــى مكــان فيــه أجلــي فأمــوت ثــم إن الشــاب التفــت
إلـى قـرد وأشـار إليـه فغـاب القـرد ساعـة ثـم أتـى ومعــه قــرود مشــددة الوســط بالفــوط الحريــر وقدمــوا
السمــاط ووضعــت عليــه نحــو مائــة صحفــة مــن الذهــب والفضــة وفيهــا مــن سائــر الأطعمــة وصـــارت
القــرود واقفــة علــى عــادة الأتبــاع بيــن يــدي الملــوك ثــم أشــار للحجــاب بالقعــود فقعــدوا ووقــف الــذي
عاتــه الخــدم ثــم أكلــوا حتــى اكتفــوا ثــم رفعــوا السمــاط وأتــوا بطشــوت وأباريــق مــن الذهــب فغسلـــوا
أيديهـم ثـم جــاؤوا بأوانــي الشــراب نحــو أربعيــن آنيــة فيهــا أنــواع مــن الشــراب فشربــوا وتلــذذوا وطربــوا
وطــاب لهــم وقتهــم وجميــع القــرود يرقصــون ويلعبــون وقــت اشتغــال الآكليــن بالأكــل فلمـــا رأى سيـــف
الملوك ذلك تعجب منهم ونسي ما جرى له من الشدائد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن سيـــف الملـــوك لمـــا رأى فعـــل القـــرود ورقصهـــم تعجـــب منهــــم
===
ونســــي مــــا جــــرى لــــه مــــن الغربــــة وشدائدهــــا فلمــــا كــــان الليــــل أوقــــدوا الشمــــوع ووضعوهـــــا فـــــي
الشمعدانــات الذهبيــة والفضيــة ثــم أتــوا بأوانــي النقـــل والفاكهـــة فأكلـــوا ولمـــا جـــاء وقـــت النـــوم فرشـــوا
لهـم الفـرش ونامــوا فلمــا أصبــح الصبــاح قــام الشــاب علــى عادتــه ونبــه سيــف الملــوك وقــال لــه: اخــرج
رأســك مــن الشبــاك وانظــر إلــى أي شــيء هــذا الواقــف تحــت الشبــاك فنظــر فــرأى قــروداً قــد ملـــأت
الفـلا الواسـع والبريـة كلهـا ومـا يعلـم عـدد القـرود إلا اللـه تعالـى فقـال سيــف الملــوك هــؤلاء قــرود كثيــرون
قـد ملـأوا الفضـاء ولـأي شـيء اجتمعـوا فـي هـذا الوقـت فقـال لــه الشــاب: إن هــذه عادتهــم وجميــع مــا
في الجزيـرة قـد أتـى وبعضهـم جـاء مـن سفـر يوميـن أو ثلاثـة فإنهـم يأتـون فـي كـل يـوم سبـت ويقفـون هنـا
حتـى أنتبـه مـن منامـي وأخـرج رأسـي مـن هـذا الشبـاك فحيـن يبصروننـي يقبلـون الــأرض بيــن يــدي ثــم
ينصرفــون إلــى أشغالهــم. وأخــرج رأســه مــن الشبــاك حتــى راوه فلمــا نظــروه قبلــوا الــأرض بيــن يديــه
وانصرفــوا ثــم إن سيــف الملــوك قعــد عنــد الشــاب مــدة شهــر كامــل وبعــد ذلــك ودعـــه وسافـــر فأمـــر
الشــاب نفــراً مــن القــرود نحــو المائــة قــرد بالسفــر معــه فسافــروا فــي خدمــة سيفالملــوك مــدة سبعــة أيـــام
حتـى أوصلـوه إلــى آخــر جزائرهــا ثــم ودعــوه ورجعــوا إلــى أماكنهــم وسافــر سيــف الملــوك وحــده فــي
الجبـــال والتلـــال والبـــراري والقفـــار مـــدة أربعـــة أشهـــر يومـــاً يجـــوع ويومـــاً يشبـــع ويومـــاً يأكــــل الحشائــــش
ويومــاً يأكــل مــن ثمــر الأشجــار وصــار يتنـــدم علـــى مـــا فعـــل بنفســـه وعلـــى خروجـــه مـــن عنـــد ذلـــك
===
الشـاب وأراد أن يرجـع إليـه علـى أثـره فـرأى شبحـاً أسـود يلـوح علــى بعــد فقــال فــي نفســه: هــل هــذه
هي بلدة سوداء أم كيف الحال ولكن لا ارجع حتى أنظر أي شيء هذا الشبح.
فلمـا قـرب منـه رآه قصـراً عالـي البنيـان وكـان الـذي بنـاه يافــج بــن نــوح عليــه السلــام وهــو القصــر الــذي
ذكـره اللـه تعالـى فـي كتابـه العزيـز وبقولـه وبئـر معطلـة وقصـر مشيـد. ثـم إن سيـف الملــوك جلــس علــى
بـاب القصــر وقــال فــي نفســه: يــا تــرى مــا شــأن داخــل هــذا القصــر ومــن فيــه مــن الملــوك فمــن يخبرنــي
بحقيقـــة الأمـــر وهـــل سكانـــه مـــن الإنـــس أو مـــن الجـــن فقعـــد يتفكـــر ساعـــة زمانيـــة ولــــم يجــــد أحــــداً
بداخلـه ولا يخـرج منـه فقـام يمشـي وهـو متوكـل علـى اللـه تعالـى حتــى دخــل القصــر فوجــد فــي طريقــه
سبعة دهاليز فلم ير أحـد ونظـر علـى يمينـه ثلاثـة أبـواب وقدامـه بـاب عليـه ستـارة مسبولـة فتقـدم إلـى
ذلــك البــاب ورفــع الستــارة بيــده ومشــى داخــل البــاب وإذا هــو بإيــوان كبيــر مفــروش بالبســـط الحريـــر
وفــي صــدر ذلــك الإيــوان تخــت مــن الذهــب وعليــه بنــت جالســة وجههــا مثــل القمـــر وعليهـــا ملبـــوس
الملــوك وهــي كالعــروس فــي ليلــة زفافهـــا وتحـــت التخـــت اربعـــون سماطـــاً وعليهـــا صحـــاف الذهـــب
والفضــة وكلهـــا ملآنـــة بالأطعمـــة الفاخـــرة فلمـــا رآهـــا سيـــف الملـــوك أقبـــل عليهـــا وسلـــم فـــردت عليـــه
السلــام وقالــت لــه: هـــل أنـــت مـــن الإنـــس أو مـــن الجـــن فقـــال: أنـــا مـــن خيـــار الإنـــس وإنـــي ملـــك ابـــن
ملــك فقالــت لــه: وأي شــيء تريــد دونــك وهــذا الطعــام وبعــد ذلــك حدثنـــي بحديثـــك مـــن أولـــه إلـــى
===
آخــره وكيــف وصلــت إلــى هــذا الموضــع فجلــس سيــف الملـــوك علـــى السمـــاط وكشـــف المكبـــة عـــن
السفــرة وكــان جائعــاً وأكــل مــن تلــك الصحــاف حتــى شبــع وغســل يديــه وطلـــع علـــى التخـــت وقعـــد
عنـــد البنـــت فقالـــت لـــه: مـــن أنـــت ومـــا اسمـــك ومـــن أيـــن جئـــت ومـــن أوصـــك إلـــى هنـــا فقـــال لهــــا
سيــف الملــوك: أمــا أنــا فحديثــي طويــل فقالــت: قــل لــي: مــن أيــن ومــا سبـــب مجيئـــك إلـــى هنـــا ومـــا
مــرادك فقــال لهــا: أخبرينــي أنــت مــا شأنــك ومــا اسمــك ومــن جـــاء بـــك إلـــى هنـــا ولـــأي شـــيء أنـــت
قاعــدة فــي هـــذا المكـــان وحـــدك فقالـــت البنـــت: أنـــا اسمـــي دولـــة خاتـــون بنـــت ملـــك الهنـــد وأبـــي
ساكن فـي مدينـة سرنديـب ولبـي بستـان مليـح كبيـر فـي بلـاد الهنـد وأقطارهـا أحسـن منـه فيـه حـوض
كبيــر فدخلــت فــي ذلــك البستــان يومــاً مــن الأيــام مــع جــواري وتعريــت أنــا وجــواري ونزلنــا فــي ذلـــك
الحــوض وصرنــا نلعــب وننشــرح فلــم اشعــر إلا وشــيء مثــل السحـــاب نـــزل علـــي وخطفنـــي مـــن بيـــن
الجواري وطار بي بين الأرض والسماء وهو يقول: دولة خاتون لاتخافي وكوني مطمئة القلب.
ثــم طــار بــي مــدة قليلــة وبعــد ذلــك أنزلنــي فــي هــذا القصــر ثــم انقلــب مــن وقتــه وساعتــه فــإذا هــو
شــاب مليــح حســن الشبــاب نظيــف الثيــاب وقــال لـــي: أتعرفيننـــي فقلـــت: لا يـــا سيـــدي فقـــال: أنـــا
ابــن الملــك الــأزرق ملــك الجـــان وأبـــي ساكـــن فـــي قلعـــة القلـــزوم وتحـــت يـــده ستمائـــة ألـــف مـــن الجـــن
الطيــارة والغواصيــن واتفـــق لـــي أنـــي كنـــت عابـــراً فـــي طريقـــي ومتوجهـــاً إلـــى حـــال سبيلـــي فرأيتـــك
===
وعشقتــك ونزلــت عليــك وخطفتــك مــن بيـــن الجـــواري وجئـــت بـــك إلـــى هـــذا القصـــر المشيـــد وهـــو
موضعـي ومسكنـي فــلا أحــد يصــل إليــه قــط لا مــن الجــن ولا مــن الإنــس ومــن الهنــد إلــى هنــا مسيــر
مائـة وعشريـن سنـة فتحققـي أنـك لا تنظريـن بلـاد أبيـك وأمــك أبــداً فاقعــدي عنــدي فــي هــذا المكــان
مطمئنة القلب والخاطر وأنا أحضر بين يديك كل ما تطلبينه ثم بعد ذلك عانقني وقبلني.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والعشرين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن البنــت قالــت لسيــف الملــوك: ثــم إن ابــن الجــان بعــد أن أخبرنــي
عانقني وقبلني وقـال لـي: اقعـدي هنـا ولا تخافـي مـن شـيء ثـم تركنـي وغـاب عنـي ساعـة وبعـد ذلـك
أتـى ومعـه هـذا السمـاط والفــرش والبســط ولكــن لــم يجــيء إلا فــي كــل يــوم ثلاثــاء وعنــد مجيئــه يأكــل
ويشرب معي ويعانقنـي ويقبلنـي وأنـا بنـت بكـر علـى الحالـة التـي خلقنـي اللـه عليهـا ولـم يفعـل بـي شيئـاً
وأبـي اسمـه تـاج الملـوك ولـم يعلـم أنـي بخيـر ولـم يقـع لـي علـى اثـر وهـذا حديثـي فحدثنـي أنـت بحديثــك
فقـــال لهـــا سيـــف الملـــوك: إن حديثـــي طويـــل وأخـــاف أن أحدثـــك بـــه يطـــول الوقـــت علينـــا فيجـــيء
العفريــت فقالــت لــه: إنــه لــم يسافــر مــن عنــدي إلا قبــل دخولــك بساعــة ولا يأتــي إلا فــي يــوم الثلاثــاء
===
فاقعــد واطمئــن وطيــب خاطــرك وحدثنــي بمــا جــرى لــك مــن الــأول إلــى الآخـــر فقـــال سيـــف الملـــوك
سمعـاً وطاعـة ثـم ابتـدأ بحديثـه حتـى أكملـه مــن الــأول إلــى الآخــر فلمــا وصــل إلــى آخــر حكايــة بديعــة
الجمـال تغرغـرت عينــاه بالدمــوع الغــزار وقالــت: مــا هــو ظنــي فيــك يــا بديعــة الجمــال آه مــن الزمــان يــا
بديعـــة الجمـــال مـــا تذكريننـــي وتقوليـــن أيـــن راحـــت أختـــي دولـــة خاتونـــن ثـــم إنهـــا زادت فـــي البكــــاء
وصــارت تتأســف حيــث لــم تذكرهــا بديعــة الجمــال فقــال لهـــا سيـــف الملـــوك: يـــا دولـــة خاتـــون إنـــك
إنسيـة وهـي جنيـة فمــن أيــن تكــون هــذه أختــك فقالــت لــه: إنهــا أختــي مــن الرضــاع وسبــب ذلــك أن
أمــي نزلــت تتفــرج فــي البستــان فجاءهــا الطلــق فولدتنــي فــي البستــان وكانــت أم بديعــة الجمـــال فـــي
البستـان هــي وأعوانهــا فجاءهــا الطلــق فنزلــت فــي طــرف البستــان وولــدت بديعــة الجمــال وأرسلــت
بعــض جواريهــا إلــى أمــي تطلــب منهــا طعامــاً وحوائــج الولــادة فبعثــت إليهــا أمـــي مـــا طلبتـــه وعزمـــت
عليهـا فقامـت وأخـذت بديعـة الجمــال وأتــت إلــى أمــي فأرضعــت أمــي بديعــة الجمــال ثــم أقامــت أمهــا
وهـي معهـا عندنــا فــي البستــان مــدة شهريــن وبعــد ذلــك سافــرت إلــى بلادهــا وأعطــت أمــي حاجــة
وقالـت لهـا: إذا احتجـت إلـي أجيئـك فـي وسـط البستـان وكانـت تأتـي بديعـة الجمـال مـع أمهـا فـي كــل
عــام ويقيمــان عندنــا مــدة مــن الزمــان ثــم يرجعــان إلــى بلادهمــا فلـــو كنـــت أنـــا عنـــد أمـــي يـــا سيـــف
الملــوك ونظرتــك عندنــا فــي بلادنـــا ونحـــن مجتمـــع شملنـــا مثـــل العـــادة كنـــت أتحيـــل عليهـــا بحيلـــة حتـــى
===
أوصلـك إلـى مـرادك ولكـن أنـا فـي هـذا المكـان ولا يعرفـون خبـري فلــو عرفــوا خبــري وعلمــوا أنــي هنــا
كانــوا قادريــن علـــى خلاصـــي مـــن هـــذا المكـــان ولكـــن الأمـــر إلـــى اللـــه سبحانـــه وتعالـــى وأي شـــيء
أعمل
فقـال سيـف الملـوك: قومـي وتعالـي معـي نهـرب ونسيـر إلـى حيـث يريـد اللــه تعالــى فقالــت لــه: لا نقــدر
علـى ذلـك واللـه لـو هربنـا مسيـرة سنـة لجـاء هـذا الملعـون فـي سرعــة ويهلكنــا فقــال سيــف الملــوك: أنــا
أختفــي فــي موضــع وإذا جـــاز علـــي أضربـــه بالسيـــف فأقتلـــه فقالـــت لـــه: مـــا تقـــدر أن تقتلـــه إلا إن
قتلـــت روحـــه فقـــال لهــــا سيــــف الملــــوك وروحــــه فــــي أي مكــــان فقالــــت: أنــــا سألتــــه عنهــــا مــــرات
عديــدة فلــم يقــر لــي بمكانهــا فاتفــق أنــي ألححــت عليــه يومــاً مــن الأيــام فاغتـــاظ منـــي وقـــال لـــي: كـــم
تسأليننـي عـن روحـي مـا سبـب سؤالـك عـن روحـي فقلـت لـه: يـا حاتـم أنـا مــا بقــي لــي أحــد غيــرك
إلا اللــه وأنــا مادمــت بالحيــاة لــم أزل معانقــة لروحـــك وإن كنـــت أنـــا مـــا أحفـــظ لروحـــك وأحطهـــا فـــي
وســط عينــي فكيــف تكــون حياتــي بعــدك وإذا عرفــت روحــك حفظتهــا مثــل عينــي اليميــن فعنـــد
ذلــك قــال لــي: حيــن ولــدت أخبــر المنجمــون أن هلــاك روحــي يكــون علــى يــد أحــد مــن أولــاد الملــوك
الأنسيــة فأخــذت روحــي ووضعتهــا فــي حوصلــة عصفــور وحبســت العصفــور فــي حـــق ووضعـــت
الحـق فـي علبـة ووضعـت العلبـة داخـل سبـع علـب فـي سبـع صناديـق ووضعـت الصناديــق فــي طابــق
===
مـن رخـام فـي جانـب هـذا البحـر المحيـط لـأن هـذا الجانـب بعيـد عــن بلــاد الإنــس ومــا يقــدر أحــد مــن
الإنس أن يصل إليه وها أنا قلت لك ولا تقولي لأحد على هذا فإنه سر بيني وبينك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن دولـــة خاتـــون لمـــا أخبـــرت سيـــف الملـــوك بـــروح الجنــــي الــــذي
خطفهـا وبينـت لـه مـا قالـه الجنـي إلـى أن قـال لهـا: وهـذا سـر بيننـا قالـت: فقلـت لــه: ومــن أحدثــه بــه
ومـا يأتينـي أحـد غيـرك حتـى أقـول لـه ثــم قلــت لــه: واللــه إنــك جعلــت روحــك فــي حصــن عظيــم لا
يصــل إليــه أحــد فكيــف يصــل إلــى ذلــك أحــد مــن الإنــس حتــى لــو فــرض المحــال وقــدر اللــه مثـــل مـــا
قـال المنجمـون فكيـف يكـون أحـد مـن الإنـس يصـل إلـى هـذا فقـال: ربمــا كــان أحــد منهــم فــي اصبعــه
خاتـم سليمـان بـن داود عليـه السلـام ويأتـي إلـى هنـا ويضـع يـده بهـذا الخاتــم علــى وجــه المــاء ثــم يقلــو:
بحــق هــذه الأسمــاء أن تطلــع روح فلــان فيطلــع التابــوت فيكســـره والصناديـــق كذلـــك والعلـــب وخيـــرج
العصفـور مـن الحـق ويخنقـه فأمـوت أنـا فقـال سيـف الملـوك: هـو أنــا ابــن الملــك وهــذا خاتــم سليمــان بــن
داود عليـه السلـام فـي اصبعـي فقومـي بنـا إلـى شاطــئ البحــر حتــى نبصــر هــل كلامــه هــذا كــذب أم
===
صـدق فعنـد ذلــك قــام الاثنــان ومشيــا إلــى أن وصــلا إلــى البحــر ووقفــت دولــة خاتــون علــى جانــب
البحر ودخل سيف الملوك في المـاء إلـى وسطـه وقـال: بحـق مـا فـي هـذا الخاتـم مـن الأسمـاء والطلاسـم
وبحــق سليمــان عليــه الصلــاة والسلــام أن تخــرج روح فلــان ابــن الملــك الــأزرق الجنــي فعنــد ذلــك هـــاج
البحــر وطلــع التابــوت فأخــذه سيــف الملــوك وضربــه علــى الحجـــر فكســـره وكســـر الصناديـــق والعلـــب
وأخـرج العصفـور مـن الحـق وتوجهــا إلــى القصــر وطلعــا فــوق التخــت وإذا بغبــرة هائلــة وشــيء عظيــم
طائر وهو يقول: ابقني يا ابن الملك ولا تقتلني واجعلني عتيقك وأنا أبلغك مقصودك.
فقالــت لــه دولــة خاتــون: قــد جــاء الجنــي فاقتــل العصفــور لئــلا يدخــل هـــذا الملعـــون القصـــر ويأخـــذه
منـك ويقتلـك ويقتلنـي بعـدك فعنــد ذلــك خنــق العصفــور فمــات فوقــع الجنــي علــى الــأرض كــوم رمــاد
أســود فقالــت لــه دولــة خاتــون: قــد تخلصنــا مــن يــد هــذا الملعــون وكيــف نعمــل فقــال سيـــف الملـــوك:
المستعـان باللـه تعالـى الـذي بلانـا فإنـه يدبرنـا ويعيننـا علـى خلاصنـا ممـا نحـن فيــه ثــم قــام سيــف الملــوك
وقلــع مــن أبــواب القصــر نحــو عشــرة أبــواب وكانــت تلــك الأبــواب مــن الصنــدل والعــود ومساميرهــا مــن
الذهـب والفضـة ثـم أخـذا حبـالاً كانـت هنـاك مـن الحريـر والابرسيـم وربطـا الأبـواب بعضهــا فــي بعــض
وتعـاون هـو ودولـة خاتـون إلـى أن وصـلا بهـا إلـى البحـر ورمياهــا فيــه بعــد أن صــارت فلكــاً وربطــوه
علـى الشاطـئ ثــم رجعــا إلــى القصــر وحمــلا الصحــاف الذهــب والفضــة وكذلــك الجواهــر واليواقيــت
===
والمعـادن النفيسـة ونقـلا جميـع مـا فـي القصـر مـن الـذي خـف حملـه وغــلا ثمنــه وحطــاه فــي ذلــك الفلــك
وركبـا فيـه متوكليـن علـى اللـه تعالـى الـذي مـن توكــل عليــه كفــاه ولا يخيبــه وعمــلا لهمــا خشبتيــن علــى
هيئـة المجاذيـف ثـم حـلا الحبـال وتركـا الفلـك يجـري بهمـا فـي البحــر ولــم يــزالا سائريــن علــى تلــك الحالــة
مــدة أربعــة أشهــر حتــى فــرغ منهمــا الــزاد واشتــد عليهمــا الكــرب وضاقــت أنفسهمـــا فطلبـــا مـــن اللـــه
أن يرزقهمـا النجـاة ممـا همـا فيـه وكـان سيـف الملـوك فـي مـدة سيرهـم إذا نـام يجعــل دولــة خاتــون خلــف
ظهـره فـإذا انقلـب كـان السيـف بينهمـا فبينمـا همــا علــى تلــك الحالــة ليلــة مــن الليالــي فاتفــق أن سيــف
الملـوك كـان نائمــاً ودولــة خاتــون يقظانــة وإذا بالفلــك مــال إلــى طــرف البــر وجــاء إلــى المينــاء وفــي تلــك
المينــــاء مراكــــب فنظــــرت دولــــة خاتــــون المراكــــب وسمعــــت رجــــلاً يتحــــدث مــــع رئيــــس الرؤوســـــاء
وكبيرهــم. فلمــا سمعــت دولــة خاتــون صــوت الرئيــس علمـــت أن هـــذا البـــر مينـــاء مدينـــة مـــن المـــدن
وأنهمــا وصــلا إلــى العمــار ففرحــت فرحــاً شديـــداً ونبهـــت سيـــف الملـــوك مـــن النـــوم وقالـــت لـــه: قـــم
واسـأل هـذا الريــس عــن اســم هــذه المدينــة وعــن هــذا المينــاء فقــام سيــف الملــوك وهــو فرحــان وقــال
لـــه: يـــا أخـــي مـــا اســـم هـــذه المدينـــة ومـــا يقـــال لهـــذا المينـــاء ومـــا اســـم ملكهـــا فقـــال لـــه الريـــس: يــــا
صاقــع الوجــه يــا بــارد اللحيــة إذا كنــت لا تعـــرف المينـــاء ولا هـــذه المدينـــة فكيـــف جئـــت إلـــى هنـــا
فقـال سيـف الملــوك: أنــا غريــب وقــد كنــت فــي سفينــة مــن سفــن التجــار فانكســرت وغرقــت بجميــع
===
مــن فيهــا وطلعــت علــى لــوح فوصلــت إلــى هنــا فسألتــك والســؤال مــا هــو عيــب فقــال الريــس: هـــذه
مدينــة عماريــة وهـــذا المينـــاء يسمـــى مينـــاء كميـــن البحريـــن فلمـــا سمعـــت دولـــة خاتـــون هـــذا الكلـــام
فرحــت فرحــاً شديــداً وقالــت: الحمــد للــه فقــال سيــف الملــوك: مــا الخبـــر فقالـــت: يـــا سيـــف الملـــوك
أبشر بالفرج القريب فإن ملك هذه المدينة عمي أخو أبي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن دولــة خاتــون لمــا قالــت لسيــف الملــوك أبشــر بالفــرج القريــب فــإن
ملـك هـذه المدينـة عمـي أخـو أبـي واسمـه عالـي الملـوك ثـم قالـت لـه: اسألـه وقـل لـه: هــل سلطــان هــذه
المدينـة عالـي الملـوك طيـب فسألـه عـن ذلـك فقـال لـه الريـس وهــو مغتــاظ منــه: ألســت تقــول عمــري مــا
جئــت إلــى هنـــا وإنمـــا أنـــا رجـــل غريـــب فمـــن عرفـــك باســـم صاحـــب هـــذه المدينـــة ففرحـــت دولـــة
خاتــون وعرفــت الريــس وكــان اسمــه معيــن الديــن وهــو مــن رؤوســاء أبيهــا وإنمــا خـــرج ليفتـــش عليهـــا
حيـن فقـدت فلـم يجدهـا ولـم يـزل دائـراً حتـى وصـل إلـى مدينـة عمهـا ثـم قالـت لسيـف الملــوك: قــل لــه:
يــا ريــس معيــن الديــن تعــال كلــم سيدتــك فنــاداه بمـــا قالتـــه لـــه فلمـــا سمـــع الريـــس كلـــام سيـــف الملـــوك
===
اغتــاظ غيظــاً شديــداً وقــال لــه: يــا كلــب مــن أنــت وكيــف عرفتنــي ثــم قــال لبعــض البحريـــة ناولونـــي
عصـاً مـن الشـوم حتـى أروح إلـى هـذا النحـس وأكسـر رأسـه فأخـذ العصـا وتوجــه إلــى سيــف الملــوك
فـــرأى الفلـــك ورأى فيـــه شيئـــاً عجيبـــاً بهيجـــاً فاندهـــش عقلـــه ثـــم تأمـــل وحقـــق النظـــر فـــرأى دولــــة
خاتـــون وهـــي جالســـة مثـــل فلقـــة القمـــر فقـــال لـــه الريـــس: مـــا الـــذي عنـــدك فقـــال لـــه: عنـــدي بنـــت
تسمى دولة خاتون.
فلمـا سمـع الريـس هـذا الكلـام وقــع مغشيــاً عليــه حيــن سمــع باسمهــا وعــرف أنهــا سيدتــه وبنــت ملكــه
فلمـا أفـاق تـرك الفلـك ومـا فيـه وتوجـه إلـى المدينـة وطلـع قصــر الملــك فاستــأذن عليــه فدخــل الحاجــب
إلــى الملــك وقــال: إن الريــس معيــن جــاء إليــك ليبشــرك فــأذن لــه بالدخـــول فدخـــل علـــى الملـــك وقبـــل
الـأرض بيـن يديـه وقــال: يــا ملــك عنــدك البشــارة فــإن بنــت أخيــك دولــة خاتــون وصلــت إلــى المدينــة
طيبة بخير وهي في الفلك وصحبتها شاب مثل القمر ليلة تمامه.
فلمــا سمــع الملــك خبــر بنــت أخيــه فــرح وخلــع علــى الريــس خلعــة سنيــة وأمــر مـــن ساعتـــه أن يزينـــوا
المدينـــة لسلامـــة بنـــت أخيـــه وأرســـل إليهـــا وأحضرهـــا عنـــده هــــي وسيــــف الملــــوك وسلــــم عليهمــــا
وهنأهمــا بالسلامــة ثــم إنــه أرســل إلــى أخيــه ليعلمــه أن ابنتــه وجــدت وهــي عنــده ثــم إنــه لمــا وصــل
إليــه الرســول تجهــز واجتمعــت العساكــر وسافــر تــاج الملــوك أبــو دولــة خاتــون حتـــى وصـــل إلـــى أخيـــه
===
عالـي الملـوك واجتمـع ببنتـه دولـة خاتـون وفرحـوا فرحـاً شديـداً وقعـد تـاج الملـوك عنـد أخيـه جمعــة مــن
الزمــان ثــم إنــه أخــذ بنتـــه وكذلـــك سيـــف الملـــوك وسافـــروا حتـــى وصلـــوا إلـــى سراديـــب بلـــاد ابيهـــا
واجتمعــت دولــة خاتــون بأمهـــا وفرحـــوا بسلامتهـــا واقامـــوا الأفـــراح وكـــان ذلـــك يومـــاً عظيمـــاً لا يـــرى
مثلـه وأمـا الملـك فإنـه أكـرم سيـف الملـوك وقـال لـه: يــا سيــف الملــوك إنــك فعلــت معــي ومــع ابنتــي هــذا
الخيــر كلــه وأنــا لا أقــدر أن أكافئــك عليــه ومـــا يكافئـــك إلا رب العالميـــن ولكـــن أريـــد منـــك أن تقعـــد
على التخـت فـي موضعـي وتحكـم فـي بلـاد الهنـد فإنـي قـد وهبـت ملكـي وتختـي وخزانتـي وخدامـي
وجميـع ذلـك يكـون هبـة منـي لـك فعنـد ذلـك قـام سيـف الملـوك وقبـل الــأرض بيــن يــدي الملــك وشكــره
وقــال: يــا ملــك الزمــان قبلــت جميــع مــا وهبتــه لــي وهــو مــردود منــي إليــك هديــة أيضــاً وأنــا يـــا ملـــك
الزمان ما أريد مملكة ولا سلطنة وما أريد إلا أن الله تعالى يبلغني مقصودي.
فقــال لــه الملــك هــذه خزائنــي بيــن يديــك يــا سيــف الملــوك مهمــا طلبتــه منهــا خـــذه ولا تشاورنـــي فيـــه
وجزاك عني خيـراً فقـال سيـف الملـوك أعـز اللـه الملـك لا حـظ فـي الملـك ولا فـي المـال حتـى أبلـغ مـرادي
ولكـــن غرضـــي الـــآن أن أتفـــرج فـــي هـــذه المدينـــة وأنظــــر شوارعهــــا وأسواقهــــا فأمــــر تــــاج الملــــوك أن
يحضـروا لـه فرسـاً مـن جيـاد الخيـل فأحضـروا لـه فرسـاً مسرجــاً ملجمــاً مــن جيــاد الخيــل فركبهــا وطلــع
إلـى السـوق وشـق فـي شــوارع المدينــة فبينمــا هــو ينظــر يمينــاً وشمــالاً إذ رأى شابــاً ومعــه قبــاء وهــو
===
ينـادي عليـه بخمســة عشــر دينــاراً فتأملــه فوجــده يشبــه أخــاه ساعــداً وفــي نفــس الأمــر هــو بعينــه إلا
أنـه تغيـر لونـه وحالـه مـن طـول الغربـة ومشقـات السفـر ولـم يعرفـه ثــم قــال لمــن حولــه هاتــوا هــذا الشــاب
لأستخبره فأتوا به إليه.
فقــال خــذوه وأوصلــوه إلــى القصــر الــذي أنــا فيــه وخلــوه عندكــم إلــى أن أرجــع مــن الفرجــة فظنــوا أنــه
قـــال لهـــم خـــذوه وأوصلـــوه إلـــى السجـــن وقالـــوا لعـــل هــــذا مملــــوك مــــن مماليكــــه هــــرب منــــه فأخــــذوه
وأوصلــوه إلــى السجــن وقيــدوه وتركــوه قاعــداً فرجــع سيــف الملــوك مــن الفرجـــة وطلـــع القصـــر ونســـي
أخــاه ساعــداً ولــم يذكــره لــه أحــد فصــار ساعــداً فـــي السجـــن ولمـــا خرجـــوا بالأســـرى إلـــى أشغـــال
العمــارات أخــذوا ساعـــداً معهـــم وصـــار يشتغـــل مـــع الأســـرى وكثـــر عليـــه الوســـخ ومكـــث ساعـــداً
علـى هـذه الحالـة مـدة شهـر وهـو يتذكـر فـي أحوالـه ويقـول فــي نفســه مــا سبــب سجنــي وقــد اشتغــل
سيــف الملــوك بمــا هــو فيــه مــن الســرور وغيــره فاتفــق أن سيــف الملــوك جلــس يومــاً مــن الأيـــام وتذكـــر
ساعــداً فقــال المماليــك الذيــن كانــوا معــه أيــن المملــوك الــذي كـــان معكـــم فـــي اليـــوم الفلانـــي فقالـــوا أمـــا
قلــت لنــا أوصلــوه إلــى السجــن فقــال سيــف الملـــوك أنـــا مـــا قلـــت لكـــم هـــذا الكلـــام وإنمـــا قلـــت لكـــم
أوصلـوه إلـى القصـر الـذي أنـا فيـه ثـم إنهـا أرسـل الحجـاب إلـى ساعــد فأتــوا بــه وهــو مقيــد ففكــوه مــن
قيــده وأوقفــوا بيــن يــدي سيــف الملــوك فقـــال لـــه يـــا شـــاب مـــن أي بلـــاد أنـــت فقـــال لـــه أنـــا مـــن مصـــر
===
فلمـا سمــع سيــف الملــوك كلامــه نهــض مــن فــوق التخــت وألقــى نفســه عليــه وتعلــق برقبتــه ومــن فرحــه
صـار يبكـي بكـاء شديـداً وقـال يـا أخـي الحمــد للــه حيــث عشــت ورأيتــك فأنــا أخــوك سيــف الملــوك
بــن الملــك عاصــم فلمــا سمـــع أخيـــه كلامـــه وعرفـــه تعانقـــا مـــع بعضهمـــا وتباكيـــا فتعجـــب الحاضـــرون
منهمــا ثــم أمــر سيــف الملــوك أن يأخــذوا ساعــداً ويذهبــوا بــه إلــى الحمــام وعنــد خروجــه مــن الحمـــام
ألبسـوه ثيابـاً فاخـرة وأتـوا بـه إلـى مجلـس سيـف الملـوك فأجلسـه معــه علــى التخــت ولمــا علــم ذلــك تــاج
الملــوك فــرح فرحــاً شديــداً باجتمــاع سيــف الملــوك وأخيــه ساعــد وحضــر وجلـــس الثلاثـــة يتحدثـــون
فيمـا جـرى لهـم مـن الـأول إلـى الآخـر ثـم إن ساعـداً قــال يــا أخــي يــا سيــف الملــوك لمــا غرقــت المركــب
وغرقـت المماليـك طلعـت أنـا وجماعـة مـن المماليـك علـى لـوح خشـب وسـار بنــا فــي البحــر مــدة شهــر
كامــل ثــم بعــد ذلــك رمانــا الريـــح بقـــدرة اللـــه تعالـــى علـــى جزيـــرة فطلعنـــا ونحـــن جيـــاع فدخلنـــا بيـــن
الأشجــار وأكلنــا مــن الفواكــه واشتغلنــا بالأكــل فلــم نشعــر إلا وقــد خــرج علينـــا أقـــوام مثـــل العفاريـــت
فوثبـوا علينـا وركبـوا فـوق أكتافنـا وكانـوا نحــو المائتيــن فقلنــا لبعضنــا مــا يكفــي هــؤلاء أن يركبونــا حتــى
يأكلونــا أيضــاً فـــلا حـــول ولا قـــوة إلا باللـــه العلـــي العظيـــم ولكـــن نحـــن نقـــوي عليهـــم السكـــر ثـــم نقتلهـــم
ونستريــح منهــم ونخلــص مــن أيديهــم فنبهناهــم وصرنــا نمــلأ لهــم تلــك الجماجــم ونسقيهــم فيقولــون هــذا
مـر فقلنـا لهـم لـأي شـيء تقولـون هــو مــر وكــل مــن قــد قــال ذلــك إن لــم يشــرب منــه عشــر مــارت فإنــه
===
يمــوت مــن يومــه فخافــوا مـــن المـــوت وقالـــوا لنـــا اسقونـــا تمـــام العشـــر مـــرات فلمـــا شربـــوا العشـــر مـــرات
سكــروا وزاد عليهــم السكــر وهمــدت قوتهــم فجررناهــم مــن أيديهــم ثــم إننــا جمعنــا مــن حطــب تلــك
الكــروم شيئــاً كثيــراً وجعلنــا حولهــم وفوقهــم وأوقدنــا النــار فــي الحطــب ووقفنــا مــن بعيـــد ننظـــر مـــا
يكون منهم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن ساعــداً قــال لمــا أوقــدت النــار فــي الحطــب أنــا ومـــن معـــي مـــن
المماليـك وصــارت الغيلــان فــي وسطهــا وقفنــا مــن بعيــد لننظــر مــا يكــون منهــم ثــم قدمنــا إليهــم بعــد
أن خمــدت النــار فرأيناهــم صــاروا كــوم رمــاد فحمدنــا اللــه تعالــى الــذي خلصنــا منهـــم وخرجنـــا مـــن
تلـك الجزيـرة وطلبنـا ساحـل البحـر ثـم افترقنـا عـن بعضنـا فأمــا أنــا واثنــان مــن المماليــك فمشينــا حتــى
وصلنــا إلــى غابــة كثيــرة الأشجــار فاشتغلنــا بالأكــل وإذا بشخــص طويــل القامــة طويـــل اللحيـــة طويـــل
الأذنين بعينين كأنهما مشعلان وقدامه غنم كثيرة يرعاها وعنده جماعة أخرى في كيفيته.
فلمــا رآنــا استبشــر وفــرح ورحــب بنــا وقــال أهــلاً وسهــلاً تعالــوا عنــدي حتــى أذبــح لكــم شـــاة مـــن
===
هــذه الأغنــام وأشويهــا وأطعمكــم فقلنــا لــه وأيـــن موضعـــك فقـــال قريـــب ن هـــذا الجبـــل فاذهبـــوا إلـــى
هــذه الجهــة حتــى تــروا مغــرة فادخلــوا فــإن فيهــا ضيوفــاً كثيريــن مثلكــم فروحــوا واقعــدوا حتــى نجهــز
لكــم الضيافــة فاعتقدنــا أن كلامــه حــق فسرنــا إلــى تلــك الجهــة ودخلنــا تلــك المغـــارة فرأينـــا الضيـــوف
التـي فيهـا كلهـم عميانـاً فحيـن دخلنـا عليهـم قـال واحــد منهــم أنــا مريــض وقــا الآخــر أنــا ضعيــف فقلنــا
لهــم أي شــيء هــذا القــول الــذي تقولونـــه ومـــا سبـــب ضعفكـــم ومرضكـــم فقالـــوا لنـــا مـــن أنتـــم فقلنـــا
لهــم نحــن ضيــوف قالــوا لنــا مــا الــذي أوقعكــم فــي يــد هــذا الملعــون ولا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلـــي
العظيــم هــذا غــول يأكــل بنــي آدم وقــد أعمانــا ويريــد أن يأكلنــا فقلنـــا لهـــم كيـــف أعماكـــم هـــذا الغـــول
فقالـوا لنـا: فـي هـذا الوقـت يعميكـم مثلنـا فقلنـا لهــم وكيــف يعمينــا فقالــوا لنــا إنــه يأتيكمــا بأقــداح مــن
اللبـن ويقـول لكـم: أنتـم تعبتـم مـن السفـر فخـذوا هـذا اللبـن واشربـوا فحيــن تشربــوا منــه تصيــروا مثلنــا
فقلـت فـي نفســي مــا بقــي لنــا خلــاص إلا بحيلــة فحفــرت حفــرة فــي الــأرض وجلســت عليهــا ثــم بعــد
ساعــة دخــل الملعــون الغــول علينــا ومعــه أقــداح مــن اللبــن فناولنــي قدحــاً ونــاول مــن معــي كــل واحـــد
قدحـاً وقـال لنـا أنتـم جئتـم مـن البـر عطاشـاً فخـذوا هـذا اللبـن واشربـوا منـه حتـى أشـوي لكــم اللحــم
فأمـا أنـا فأخـذت القـدح وقربتـه مـن فمــي ودلقتــه فــي الحفــرة وصحــت آه قــد راحــت عينــي وعميــت
وأمسكــت عينــي بيــدي وصــرت أبكــي وأصيــح وهــو يضحــك ويقــول لا تخــف وأمــا الاثنــان رففقــاي
===
فإنهمــا شربــا اللبــن فعميــا فقــام الملعــون مــن وقتــه وساعتــه وهــو يسعــى خلفـــي فقلـــت للعميـــان الذيـــن
عنــده: كيــف العمــل مــع هــذا الملعــون فقــال واحــد منهــم يــا ساعــد انهــض واصعــد إلــى هـــذه الطاقـــة
تجــد فيهــا سيفــاً صقيــلاً فخــذه وتعــال عنـــدي حتـــى أقـــول لـــك كيـــف تعمـــل فصعـــدت إلـــى الطاقـــة
وأخــذت السيــف وأتيــت عنــد ذلــك الرجــل فقــال خــذه واضربــه فــي وسطـــه فإنـــه يمـــوت فـــي الحـــال
فقمـــت وجريـــت خلفـــه وقـــد تعـــب مـــن الجـــري فجـــاء إلـــى العميـــان ليقتلهــــم فجئــــت إليــــه وضربتــــه
بالسيــف فــي وسطــه فصــار نصفيــن فصــاح علــي وقــال لــي يــا رجــل حيــث أردت قتلــي فاضربنـــي
ضربـة ثانـة فهممـت أن أضربـه ضربـة ثانيـة فقـال الـذي دلنـي علـى السيـف لا تضربــه ضربــة ثانيــة فإنــه
لا يموت بل يعيش ويهلكنا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثلاثون بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن ساعـــداً قـــال لمـــا ضربـــت الغـــول بالسيـــف قـــال لـــي يـــا رجـــل
حيـث ضربتنـي وأردت قتلـي فاضربنــي ضربــة ثانيــة فهممــت أن اضربــه فقــال لــي الــذي دلنــي علــى
السيـــف لا تضربـــه ضربـــة ثانيـــة فإنـــه لا يمـــوت بـــل يعيـــش ويهلكنـــا فامتثلـــت أمـــر ذلــــك الرجــــل ولــــم
===
أضربـــه فمـــات الملعـــون فقـــال لـــي الرجـــل قـــم افتــــح المغــــارة ودعنــــا نخــــرج منهــــا لعــــل اللــــه يساعدنــــا
ونستريــح مــن هــذا الموضــع فقلــت لـــه مـــا بقـــي علينـــا ضـــرر ثـــم إننـــا تزودنـــا مـــن الجزيـــرة بشـــيء مـــن
الفواكــه التــي فيهــا ثــم نزلنــا المركــب وســار بنــا فــي ريــح طيبــة مـــدة ثلاثـــة أيـــام وبعـــد ذلـــك ســـارت
علينــا ريــح وازداد ظلــام الجــو فمــا كــان غيــر ساعــة واحــدة حتــى جذبــت الريــح المركـــب فـــي جبـــل
فانكسـر وتمزقـت ألواحـه فقـد اللـه العظيــم أنــي تعلقــت بلــوح منــه فركبتــه فســار بــي يوميــن وقــد أتــت
بـي ريـح طيبـة فسـرت فـوق اللـوح أقــذف برجلــي ساعــة زمانيــة حتــى أوصلنــي اللــه تعالــى إلــى البــر
بالسلامـة فطلعـت إلـى هـذه المدينـة وقـد صـرت غريبـاً فريــداً وحيــداً لا أدري مــا أصنــع وقــد أضرنــي
الجــوع وحصــل لــي الجهــد الأكبــر فأتيــت إلــى ســوق المدينــة وقــد تواريــت وقلعــت القبــاء وقلـــت فـــي
نفســي أبيعــه وآكــل بثمنــه حتــى يقضــي اللــه مــا هــو قــاض ثــم إنــي يــا أخــي أخــذت القبــاء فـــي يـــدي
والنــاس ينظرونــه ويتزايــدون فــي ثمنــه حتــى أتيــت أنـــت ونظرتنـــي وأمـــرت بـــي إلـــى القصـــر فأخذنـــي
الغلمـان وسجنونـي ثـم إنـك تذكرتنـي بعـد هـذه المـدة فأحضرتنـي عنــدك وقــد أخبرتــك بمــا جــرى لــي
والحمد لله على الاجتماع.
فلمـــا سمـــع سيـــف الملـــوك وتـــاج الملـــوك أبـــي دولـــة خاتـــون حديـــث الوزيـــر ساعـــد تعجبـــا مـــن ذلــــك
عجبــاً شديــداً وقــد أعــد تــاج الملــوك أبــو دولــة خاتــون مكانــاً مليحــاً لسيــف الملــوك وأخيــه وصـــارت
===
دولــة خاتــون تأتــي لسيــف الملــوك وتتحــدث معــه وتشكــره علــى إحسانــه فقــال الوزيـــر ساعـــد: أيتهـــا
الملكــة المــراد منــك المساعــدة علــى بلــوغ غرضــه فقالــت نعــم أسعــى فـــي مـــراده حتـــى يبلـــغ مـــراده إن
شـاء اللـه تعالـى ثـم التفـت إلـى سيـف الملـوك وقالـت لـه طـب نفسـاً وقــر عينــاً. هــذا مــا كــان مــن أمــر
سيف الملوك ووزيره ساعد.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر الملكــة بديعــة الجمــال فإنهــا وصلــت إليهــا الأخبـــار برجـــوع أختهـــا دولـــة خاتـــون
إلــى أبيهــا ومملكتهــا فقالــت لابــد مــن زيارتهــا والسلــام عليهــا فــي زينـــة بهيـــة وحلـــي وحلـــل فتوجهـــت
إليهـــا فلمـــا قربـــت مـــن مكانهـــا قابلتهـــا الملكـــة دولـــة خاتــــون وسلمــــت عليهــــا وعانقتهــــا وقبلتهــــا بيــــن
عينيهـــا وهنتهـــا الملكـــة بديعـــة الجمـــال باسلامـــة ثـــم جلستـــا تتحدثـــان فقالـــت بديعـــة الجمـــال لدولــــة
خاتـون أي شـيء جـرى لـك فـي الغربـة فقالـت دولـة خاتـون يـا أختـي لا تسألينـي جـرى لـي مــن الأمــور
يــا مــا تقاســي الخلائــق مــن الشدائـــد فقالـــت لهـــا بديعـــة الجمـــال وكيـــف ذلـــك قالـــت: يـــا أختـــي إنـــي
كنـت فـي القصـر المشيـد وقـد احتـوى علـى فيـه ابـن الملـك الـأزرق ثـم حدثنــا ببقيــة الحديــث مــن أولــه
إلـى آخـره وحديـث سيـف الملــوك ومــا جــرى لــه فــي القصــر ومــا قاســى مــن الشدائــد والأهــوال حتــى
وصــل إلــى القصــر المشيـــد وكيـــف قتـــل ابـــن الملـــك الـــأزرق وكيـــف قلـــع الأبـــواب وجعلهـــا فلكـــاً لهـــا
مجـاذف وكيـف دخـل إلـى ههنـا فتعجبـت بديعـة الجمـال ثـم قالـت: واللـه يـا أختــي إن هــذا مــن أغــرب
===
الغرائــب فقالــت دولــة خاتــون: أريــد أن أخبــرك بأصــل حكايتــه لكــن يمنعنــي الحيــاء مــن ذلــك فقالـــت
لها بديعة الجمـال: مـا سبـب الحيـاء وأنـت أختـي ورفيقتـي وبينـي وبينـك شـيء كثيـر وأنـا أعـرف أنـك
ما تطلبين إلا الخير فمن أي شيء تستحين مني فأخبرينـي بمـا عنـدك ولا تستحـي منـي ولا تخفـي عنـي
شيئـاً مـن ذلـك فقالـت لهـا دولـة خاتـون: إن صورتــك فــي القبــاء الــذي ارسلــه أبــوك إلــى سليمــان بــن
داود عليـه السلـام فلـم يفتحـه ولـم ينظـر مــا فيــه بــل أرسلــه إلــى الملــك عاصــم بــن صفــوان ملــك مصــر
فــي جملــة الهدايـــا والتحـــف التـــي أرسلهـــا إليـــه والملـــك عاصـــم أعطـــاه لولـــده سيـــف الملـــوك قبـــل أن
يفتحـــه فلمـــا أخـــذه سيـــف الملـــوك فتحـــه وأراد أن يلبســـه رأى فيـــه صورتـــك فعشقهــــا وخــــرج فــــي
طلبك وقاسى هذه الشدائد كلها من أجلك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن دولــة خاتــون أخبــرت بديعــة الجمــال بأصــل محبـــة سيـــف الملـــوك
لهـا وعشقــه إياهــا وإن سببهــا القبــاء الــذي فيــه صورتهــا وحيــن عايــن الصــورة خــرج مــن ملكــه هائمــاً
وغـاب عــن أهلــه مــن أجلهــا وقالــت لهــا: إنــه قاســى مــن الأهــوال مــا قاســاه مــن أجلــك فقالــت بديعــة
===
الجمــال وقــد احمــر وجههــا وخجلــت مــن دولــة خاتــون: إن هــذا شــيء لا يكـــون أبـــداً فـــإن الإنـــس لا
يتفقــــون مــــع الجــــان فصــــارت دولــــة خاتــــون تصــــف لهــــا سيــــف الملــــوك وحســــن صورتـــــه وسيرتـــــه
وفروسيته ولم تزل تثنـي عليـه وتذكـر لهـا حتـى قالـت: يـا أختـي لأجـل اللـه تعالـى ولأجلـي تحدثـي معـه
ولـــو كلمـــة واحـــدة فقالـــت بديعـــة الجمـــال: إن هـــذا الكلـــام الـــذي تقولينـــه لا أسمعـــه ولا أطيعـــك فيـــه
وكأنهـا لـم تسمـع منهـا شيئـاً ولـم يقـع فـي قلبهـا شـيء مـن محبـة سيــف الملــوك وحســن صورتــه وسيرتــه
وفروسيتـه ثـم إن دولـة خاتـون صـارت تتضـرع لهـا وتقبـل رجليهــا وتقــول: يــا بديعــة الجمــال بحــق اللبــن
الــذي رضعنــاه أنــا وأنــت وبحــق النقــش الــذي علــى خاتــم سليمــان عليـــه السلـــام أن تسمعـــي كلامـــي
هــذا فإنــي تكفلــت لــه فـــي القصـــر المشيـــد بأنـــي أريـــه وجهـــك فباللـــه عليـــك أن تريـــه صورتـــك مـــرة
واحـــدة لأجـــل خاطـــري وأنـــت الأخـــرى تنظرينـــه وصـــارت تبكـــي لهـــا وتتضــــرع إليهــــا وتقبــــل يديهــــا
ورجليهــا حتــى رضيــت وقالــت: لأجلـــك أريـــه وجهـــي مـــرة واحـــدة فعنـــد ذلـــك طـــاب قلـــب دولـــة
خاتـــون وقبلـــت يديهـــا ورجليهـــا وخرجـــت وجـــاءت إلـــى القصـــر الأكبـــر الـــذي فـــي البستـــان وأمـــرت
الجــواري أن يفرشنــه وينصبـــن فيـــه تختـــاً مـــن الذهـــب ويجعلـــن أوانـــي الشـــراب مصفوفـــة ثـــم إن دولـــة
خاتــون قامــت ودخلــت علــى سيــف الملـــوك وساعـــد وزيـــره وهمـــا جلســـان فـــي مكانيهمـــا وبشـــرت
سيـف الملـوك ببلـوغ اربـه وحصـول مـراده وقالـت لــه: توجــه إلــى البستــان أنــت وأخــوك وادخــلا القصــر
===
فقــام سيــف الملــوك وساعــد وتوجهــا إلــى المكــان الــذي دلتهمـــا عليـــه دولـــة خاتـــون فلمـــا دخلـــاه رأيـــا
تختـاً مـن الذهـب منصوبــاً وعليــه الوسائــد وهنــاك الطعــام والشــراب فجلســا ساعــة مــن الزمــان ثــم إن
سيــف الملــوك تذكــر معشوقتــه فضــاق صــدره وهــاج عليــه الشــوق والغــرام فقــام ومشــى حتــى خـــرج
مـن دهليـز القصـر فتبعـه أخـوه ساعـد فقـال لـه: يــا أخــي اقعــد أنــت مكانــك ولا تتبعنــي حتــى أجــيء
إليــك فقعــد ساعــد ونــزل سيــف الملــوك ودخــل البستــان وهــو سكــران مــن خمــر الغـــرام وحيـــران مـــن
فرط العشق والهيام وقد هزه الشوق وغلب عليه الوجد.
ثـم اجتمـع سيـف الملـوك وساعــد أخــوه وصــارا يتفرجــان فــي البستــان ويأكلــان مــن الفواكــه. هــذا مــا
كــان مــن امــر ساعــد وسيــف الملــوك وأمــا مــا كــان مــن أمــر دولــة خاتــون فإنهــا لمــا أتـــت هـــي وبديعـــة
الجمـال إلـى القصـر دخلتـا فيـه بعـد أن أتحفتـه الخـدام بأنـواع الزينـة وفعلـوا فيـه جميــع مــا أمرتهــم بــه دولــة
خاتــون وقــد أعـــدوا لبديـــع الجمـــال تختـــاً مـــن الذهـــب لتجلـــس عليـــه فلمـــا رأت بديعـــة الجمـــال ذلـــك
التخــت جلســت عليــه وكــان بجانبهــا طاقــة تشــرف علــى البستــان وقــدا أتـــت الخـــدام بأنـــواع الطعـــام
الفاخــرة فأكلــت بديعــة الجمــال هـــي ودولـــة خاتـــون وصـــارت دولـــة خاتـــون تلقمهـــا حتـــى اكتفـــت ثـــم
دعـــت بأنـــواع الحلويـــات فأحضرتهـــا الخـــدام وأكلتـــا منهــــا بحســــب الكفايــــة وغسلتــــا أيديهمــــا ثــــم إنهــــا
هيـــأت الشـــراب وآلـــات المـــدام وصفـــت الأباريـــق والكاســـات وصـــارت دولــــة خاتــــون تمــــلأ وتسقــــي
===
بديعـة الجمـال ثـم تمـلأ الكـأس وتشــرب هــي ثــم إن بديعــة الجمــال نظــرت مــن الطاقــة التــي بجانبهــا إلــى
ذلــك البستــان ورأت مــا فيــه مــن الأثمـــار والأغصـــان فلاحـــت منهـــا التفاتـــة إلـــى جهـــة سيـــف الملـــوك
ينشد الأشعار وهو يذري الدموع الغزار فلما نظرته نظرة أعقبتها تلك النظرة ألف حسرة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن بديعــة الجمـــال لمـــا رأت سيـــف الملـــوك وهـــو دائـــر فـــي البستـــان
نظرتـه نظـرة أعقبتهـا ألـف حسـرة فالتفتـت إلـى دولـة خاتـون وقــد لعــب الخمــر بأعطافهــا وقالــت لهــا يــا
أختـي مـن هـذا الشـاب الـذي أراه فـي البستـان وهـو حائـر ولهــان كئيــب فقالــت لهــا دولــة خاتــون هــل
تأذنيـن فــي حضــوره عندنــا حتــى نــراه قالــت لهــا إن أمكنــك أن تحضريــه فاحضريــه فعنــد ذلــك نادتــه
دولـة خاتـون وقالـت لـه يـا ابـن الملـك اصعـد إلينـا واقـدم بحسنــك وجمالــك علينــا فعــرف سيــف الملــوك
صـــوت دولـــة خاتـــون فصعـــد إلـــى القصـــر فلمـــا وقـــع نظـــره علـــى بديعــــة الجمــــال خــــر مغشيــــاً عليــــه
فرشــت عليــه دولــة خاتــون قليــلاً مــن مــاء الــورد فأفـــاق مـــن غشيتـــه ثـــم نهـــض وقبـــل الـــأرض قـــدام
بديعــة الجمــال فبهتــت مــن حسنــه وجمالــه وقالــت دولــة خاتــون: اعلمــي أيتهــا الملكــة أن هـــذا سيـــف
===
الملــوك الــذي كانــت نجاتــي بقــدرة اللــه علــى يديــه وهــو الــذي جــرى عليـــه كامـــل المشقـــات مـــن أجلـــك
وقصــدي أن تشمليــه بنظــرك فقامــت بديعــة الجمــال وقــد ضحكــت وقالـــت مـــن بقـــي بالعهـــود حتـــى
بقــي بهــا هــذا الشــاب لــأن الانــس ليــس لهــم مــودة فقــال سيــف الملــوك أيتهــا الملكــة إن عــدم الوفـــاء لا
يكون عندي أبداً وما كل الخلق سواء.
فقالــت لــه بديعــة الجمــال يــا ابــن الملــك إنــي أخــاف أن أقبــل عليـــك بالكليـــة فـــلا أجـــد منـــك ألفـــة ولا
محبـة فـإن الانـس ربمـا كـان خيرهـم قليـلاً وغدرهـم جليـلاً واعلــم أن السيــد سليمــان بــن داود عليهمــا
السلــام أخــذ بلقيــس بالمحبــة فلمــا رأى غيرهــا أحســن منهــا أعــرض عنهـــا فقـــال لهـــا سيـــف الملـــوك يـــا
عينـي ويـا روحـي مـا خلـق اللـه كـل الانـس سـواء وأنـا إن شـاء اللـه أفــي بالعهــد وأمــوت تحــت أقدامــك
وســوف تبصريــن مــا أفعــل موافقــاً لمــا أقــول واللــه علــى مــا أقــول وكيــل فقالــت لــه بديعــة الجمــال اقعـــد
واطمئـن واحلـف لـي علـى قـدر دينـك ونتعاهــد علــى أننــا لا نخــون بعضنــا ومــن خــان صاحبــه ينتقــم
اللـه تعالـى منـه فلمـا سمـع سيـف الملـوك منهـا ذلـك الكلـام قعــد ووضــع كــل منهمــا يــده فــي يــد صاحبــه
وتحالفــا أن كــلاً منهمـــا لا يختـــار علـــى احبـــه أحـــد مـــن الانـــس ولا مـــن الجـــن ثـــم إنهمـــا تعانقـــا ساعـــة
زمانية وتباكيا من شدة فرحهما.
وبعـد أن تحالفــت بديعــة الجمــال هــي وسيــف الملــوك قــام سيــف الملــوك يمشــي وقامــت بديعــة الجمــال
===
تمشــي أيضــاً ومعهــا جاريتهــا حالمـــة شيئـــاً مـــن الأكـــل وقنينـــة ملآنـــة خمـــراً ثـــم قعـــدت بديعـــة الجمـــال
ووضعـت الجاريـة بيـن يديهـا الأكـل والمـدام فلـم تمكثهـا غيـر ساعـة إلا وسيــف الملــوك قــد أقبــل فلاقتــه
بالسلام وتعانقا وقعدا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن بديعـــة الجمـــال لمـــا أحضـــرت الطعـــام والشـــراب وجـــاء سيـــف
الملـوك فلاقتــه بالسلامــة ثــم قعــدا يأكلــان ويشربــان مــدة ساعــة فقالــت بديعــة الجمــال يــا ابــن الملــك إذا
دخلــت بستــان ارم تــرى خيمــة كبيــرة منصوبــة وهـــي مـــن أطلـــس أحمـــر وبطانتهـــا مـــن حريـــر أخضـــر
فادخـل الخيمـة وقــو قلبــك فإنــك تــرى عجــوزاً جالســة علــى تخــت مــن الذهــب الأحمــر مرصــع بالــدر
والجواهـــر فـــإذا دخلـــت فسلـــم عليهـــا بـــأدب واحتشـــام وانظـــر إلـــى جهـــة التخــــت تجــــد تحتــــه نعــــالاً
منسوجــة بقضبــان الذهـــب مزركشـــة بالمعـــادن فخـــذ تلـــك النعـــل وقبلهـــا وضعهـــا علـــى رأســـك ثـــم
حطهــا تحــت إبطــك اليميــن وقــف قــدام العجــوز وأنــت ساكــت مطـــرق الـــرأس فـــإذا سألتـــك وقالـــت
لـــك مـــن أيـــن جئـــت وكيـــف وصلـــت إلــــى هنــــا ومــــن عرفــــك هــــذا المكــــان ومــــن شــــأن أي شــــيء
===
أخــذت هــذه النعــال فاسكــت أنــت حتــى تدخــل جاريتــي هــذه وتتحــدث معهــا وتستعطفهـــا عليـــك
وتسترضــي خاطرهــا بالكلــام لعــل اللــه تعالــى يعطــف قلبهــا عليـــك وتجيبـــك مـــا تريـــد ثـــم إنهـــا نـــادت
الجاريــة وكــان اسمهــا مرجانـــة وقالـــت لهـــا بحـــق محبتـــي أن تقضـــي هـــذه الحاجـــة فـــي هـــذا اليـــوم ولا
تتهاونـي فـي قضيتهـا فـي هـذا اليـوم فأنــت حــرة لوجــه اللــه تعالــى ولــك الإكــرام ولا يكــون عنــدي أعــز
منـك ولا أظهـر سـري إلا عليـك فقالـت يـا سيدتـي ونـور عينــي قولــي لــي مــا حاجتــك حتــى أقضيهــا
لـك علـى رأسـي وعينـي فقالـت لهـا أن تجعلـي هــذا الأنســي علــى أكتافــك وتوصليــه إلــى بستــان ارم
عنــد جدتــي أم أبــي وتوصليــه إلــى خيمتهــا وتحتفظـــي عليـــه وإذا دخلـــت الخيمـــة أنـــت وإيـــاه ورأيتـــه
أخــذ النعــال وخدمهــا وقالــت لــه مــن أيــن أنــت ومــن أي طريــق أتيــت ومــن أوصلــك إلـــى هـــذا المكـــان
ومـــن أي شـــيء أخـــذت هـــذه النعـــال وأي شـــيء حاجتـــك حتـــى أقضيهـــا لـــك فعنـــد ذلـــك ادخلـــي
بسرعـة وسلمـي عليهـا وقولـي لهـا يـا سيدتـي أنـا التـي جئـت بـه هنـا وهـو ابـن ملــك مصــر وهــو الــذي
راح إلــى القصــر المشيــد وقتــل ابـــن الملـــك الـــأزرق وخلـــص الملكـــة دولـــة خاتـــون وأوصلهـــا إلـــى أبيهـــا
سالمـة وقـد أوصلتـه إليـك لأجـل أن يخبــرك ويبشــرك بسلامتهــا فتنعمــي عليــه ثــم بعــد ذلــك قولــي لهــا
باللـه عليـك يـا سيدتـي أمـا هـذا الشـاب مليـح يـا سيدتـي فتقـول نعـم فعنـد ذلـك قولـي لهـا يــا سيدتــي
إ ه كامـــل العــــرض والمــــروءة والشجاعــــة وهــــو صاحــــب مصــــر وملكهــــا وقــــد حــــوى سائــــر الخصــــال
===
الحميـدة فـإذا قالـت لـك أي شـيء حاجتـه فقولـي لهـا سيدتـي تسلـم عليـك وتقــول لــك إلــى متــى هــي
قاعـدة فـي البيـت عازبـة بــلا زواج فقــد طالــت عليهــا المــدة فمــا مرادكــم بعــدم زواجهــا ولــأي شــيء
مــا تزوجينهــا فــي حياتــك وحيــاة أمهــا مثــل البنــات فــإذا قالــت لـــك وكيـــف نعمـــل فـــي زواجهـــا فـــإن
كانــت هــي تعــرف أحــداً ووقــع فــي خاطرهــا أحــد تخبرنــا عنــه ونحــن نعمــل لهــا علـــى مرادهـــا علـــى
غاية ما يمكن.
فعنــد ذلــك قولــي لهــا يــا سيدتــي إن ابنتــك تقــول لـــك إنكـــم كنتـــم تريـــدون تزويجـــي بسليمـــان عليـــه
السلـام وصورتـم لـه صورتـي فـي القبـاء فلـم يكـن لـه نصيـب فـي وقـد أرسلـه إلــى ملــك مصــر فأعطــاه
لولــده فــرأى صورتــي منقوشــة فيــه فعشقنـــي وتـــرك ملـــك أبيـــه وأمـــه وأعـــرض عـــن الدنيـــا ومـــا فيهـــا
وخرج هاجعاً في الدنيا على وجهه وقاسى أكبر الشدائد والأهوال من أجلي.
ثــم إن الجاريــة حملــت سيــف الملــوك وقالــت لــه غمــض عينيــك ففعــل فطــارت بــه إلــى الجــو ثــم بعـــد
ساعــة قالــت يــا ابــن الملــك افتــح عينيــك ففتــح فنظــر البستـــان وهـــو بستـــان ارم فقالـــت لـــه مرجانـــة
ادخـل يـا سيـف الملـوك هـذه الخيمـة فذكـر اللـه ودخـل ومــد عينيــه بالنظــر فــي البستــان فــرأى العجــوز
قاعـدة علـى التخـت وفـي خدمتهـا الجـواري فقــرب منهــا بــأدب واحتشــام وأخــذ النعــال وقبلهــا وفعــل
مــا وصفتــه لــه بديعــة الجمــال فقالــت لــه العجــوز مــن أنــت ومــن أيــن جئـــت ومـــن أيـــن أقبلـــت ومـــن أي
===
البلـاد أنـت ومـن جـاء بـك إلـى هــذا المكــان ولــأي شــيء أخــذت هــذه النعــال وقبلتهــا ومتــى قلــت لــي
حاجــة ولـــم أقضهـــا لـــك فعنـــد ذلـــك دخلـــت الجاريـــة مرجانـــة وسلمـــت عليهـــا بـــأدب واحتشـــام ثـــم
تحدثــت جاريــة بديعــة الجمـــال الـــذي قالتـــه لهـــا فلمـــا سمعـــت العجـــوز هـــذا الكلـــام صرخـــت عليهـــا
واغتاظت منها وقالت من أين يحصل بين الإنس والجن اتفاق.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن العجــوز لمـــا سمعـــت الكلـــام مـــن الجاريـــة اغتاظـــت وقالـــت مـــن
أيــن للانــس مـــع الجـــن اتفـــاق فقـــال سيـــف الملـــوك أنـــا أتفـــق معهـــا وأكـــون غلامهـــا وأمـــوت علـــى حبهـــا
وأحفــظ عهدهــا ولا أنظــر غيرهــا وســوف تنظريــن صدقــي وعــدم كذبــي وحســـن مروءتـــي معهـــا إن
شــاء اللــه تعالـــى ثـــم إن العجـــوز تفكـــرت ساعـــة زمانيـــة وهـــي مطرقـــة رأسهـــا ثـــم رفعـــت رأسهـــا
وقالـت أيهــا الشــاب هــل تحفــظ العهــد والميثــاق فقــال لهــا نعــم وحــق مــن رفــع السمــاء وبســط الــأرض
علـى المـاء إنـي أحفـظ العهــد فعنــد ذلــك قالــت العجــوز أنــا أقضــي لــك حاجتــك إن شــاء اللــه تعالــى
ولكـن رح فـي هـذه الساعـة إلـى البستـان وتفـرج فيـه وكـل مـن الفواكــه التــي لا نظيــر لهــا ولا فــي الدنيــا
===
مثلهــا حتــى أبعــث إلــى ولــدي شهيــال فيحضــر وأتحــدث معــه فــي شــأن ذلــك وأزوجــك بنتــه بديعــة
الجمــال فطــب نفســاً فإنهــا تكــون زوجــة لــك يــا سيــف الملــوك فلمــا سمـــع منهـــا ذلـــك الكلـــام شكرهـــا
وقبــل يديهــا ورجليهــا وخــرج مــن عندهــا متوجهــاً إلــى البستــان وأمــا العجــوز فإنهــا التفتــت إلــى تلــك
الجاريـة وقالـت لهـا اطلعـي فتمشـي علــى ولــدي شهيــال وانظريــه فــي أي الأقطــار والأماكــن وأحضريــه
عنــدي فراحــت الجاريــة وفتشــت علــى الملــك شهيــال فاجتمعــت بــه وأحضـــرت عنـــد أمـــه هـــذا مـــا
كان من أمرها.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر سيــف الملــوك فإنــه صــار يتفــرج فــي البستــان وإذا بخمســة مــن الجـــن وهـــم مـــن
قـوم الملـك الـأزرق قـد نظـروه فقالـوا مـن أيـن هـذا ومـن جــاء بــه إلــى هــذا المكــان ولعلــه الــذي قتــل ابــن
الملــك الــأزرق ثــم قالــوا لبعضهــم إننــا نحتــال عليــه بحيلــة ونسألــه ونستخبــر منـــه ثـــم صـــاروا يتمشـــون
قليـلاً قليـلاً إلـى أن وصلـوا إلـى سيـف الملـوك فـي طـرف البستـان وقعـدوا عنـده وقالـوا لـه أيهــا الشــاب
المليـح مـا قصــرت فــي قتــل ابــن الملــك الــأزرق وخلــاص دولــة خاتــون منــه فإنــه كلــب غــدار قــد مكــر
بهـا ولـولا أن قيضـك لهـا مـا خلصـت أبـداً وكيـف قتلتـه فنظـر إليهــم ســف الملــوك وقــال لهــم قــد قتلتــه
بهـذا الخاتـم الـذي فـي إصبعـي فثبـت عندهـم أنـه هـو الـذي قتلـه فقبـض اثنـان علـى يديـه واثنـان علـى
رجليــه والآخــر علــى فمــه حتــى لا يصيــح فيسمعــه قــوم الملــك شهيــال فينقذونــه مــن أيديهــم ثـــم إنهـــم
===
حملـوه وطـاروا بـه ولـم يزالـوا طائريـن حتــى نزلــوا عنــد ملكهــم وأوقفــوه بيــن يديــه وقالــوا يــا ملــك الزمــان
قـــد جئنـــاك بقاتـــل ولـــدك فقـــال وأيــــن هــــو قالــــوا هــــذا فقــــال لــــه الملــــك الــــأزرق هــــل قتلــــت ولــــدي
وحشاشـة كبـدي ونـور بصـري بغيـر حـق وبغيـر ذنـب فعلـه معـك فقـال لــه سيــف الملــوك نعــم أنــا قتلتــه
ولكــن لظلمــه وعدوانــه لأنــه كــان يأخــذ أولــاد الملــوك ويذهـــب بهـــم إلـــى بئـــر المعطلـــة والقصـــر المشيـــد
ويفـرق بينهـم وبيـن أهليهـم ويفسـق فيهـم وقتلتـه بهـذا الخاتـم الـذي فـي إصبعـي وعجـل اللـه بروحـه إلـى
النــار وبئــس القــرار فثبــت عنــد الملــك الـــأزرق أن هـــذا هـــو قاتـــل ولـــده بلاشـــك فعنـــد ذلـــك دعـــا
وزيـره وقـال لـه هـذا قاتـل ولـدي ولا محالـة مــن غيــر شــك فمــاذا تشيــر فــي أمــره فهــل أقتلــه اقبــح قتلــة
وأعذبـه أصعـب عــذاب أو كيــف أعمــل فقــال الوزيــر الأكبــر اقطــع منــه عضــواً وقــال آخــر اضربــه كــل
يــوم ضربــاً شديــداً وقــال آخــر اقطعــوا وسطــه وقــال آخــر اقطعـــوا أصابعـــه جميعـــاً واحرقوهـــا بالنـــار
وقـال آخـر اصلبـوه وصــار كــل واحــد منهــم يتكلــم بحســب رأيــه وكــان عبــد الملــك الــأزرق أميــر كبــي
لـه خبـرة بالأمـور ومعرفـة بأحـوال الدهـور فقـال لـه يـا ملـك الزمـان إنــي أقــول لــك كلامــاً والــرأي لــك فــي
سمـاع مـا أشيـر بـه عليـك وكـان هـو مشيـر مملكتـه ورئيـس دولتـه وكـان الملـك يسمــع كلامــه ويعمــل برأيــه
ولا يخالفــه فــي شــيء فقــام علــى قدميــه وقبــل الــأرض بيــن يديــه وقــال لــه يــا ملــك الزمــان إذا أشـــرت
عليك برأي في شأن هذا الأمر هل تتبعه وتعطيني الأمان فقال له الملك بين رأيك وعليك الأمان.
===
فقـال يـا ملـك إن أنـت قتلـت هـذا ولـم تقبـل نصحـي ولـم تعقـل كلامـي فـإن قتلــه فــي هــذا الوقــت غيــر
صـواب لأنـه تحـت يـدك وفـي حمـاك وأسيـرك ومتـى طلبتـه وجدتـه وتفعـل بــه مــا تريــد فاصبــر يــا ملــك
الزمـان فـإن هـذا قـد دخــل بستــان ارم وتــزوج بديعــة الجمــال بنــت الملــك شهيــال وصــار منهــم واحــد
وجماعتـك قبضـوا عليـه وأتـوا بـه إليـك ومـا أخفــى حلــاه منهــم ولا منــك فــإذا قتلتــه فــإن الملــك شهيــال
يطلـب ثـأره منـك ويعاديـك ويأتيــك بالعسكــر مــن أجــل بنتــه ولا مقــدرة لــك علــى عسكــره وليــس لــك
به طاقة فسمع منه ذلك وأمر بسجنه هذا ما جرى لسيف الملوك.
وأمـا مـا كــان مــن أمــر جــدة بديعــة الجمــال فإنهــا لمــا اجتمعــت بولدهــا شهيــال أرسلــت الجاريــة تفتــش
علـى سيـف الملـوك فلـم تجــده فرجعــت إلــى سيدتهــا وقالــت مــا وجدتــه فــي البستــان فأرسلــت إلــى
عمـــال البستـــان وسألتهـــم عـــن سيـــف الملـــوك فقالـــوا نحـــن رأينـــاه قاعـــداً تحــــت شجــــرة وإذا بخمســــة
أشخـاص مـن جماعـة الملـك الـأزرق نزلـوا عنـده وتحدثـوا معــه ثــم إنهــم حملــوه وســدوا فمــه وطــاروا بــه
وراحــوا فلمـــا سمعـــت دجـــدة بديعـــة الجمـــال ذلـــك الكلـــام لـــم يهـــن عليهـــا واغتاظـــت غيظـــاً شديـــداً
وقامــت علــى أقدامهــا وقالــت لابنهــا الملــك شهيــال كيــف تكــون ملكــاً وتجــيء جماعــة الملـــك الـــأزرق
إلـى بستاننـا ويأخــذون ضيفنــا ويروحــون بــه سالميــن وأنــت بالحيــاة وصــارت تحرضــه وتقــول لا ينبغــي
أن يتعــدى علينــا أحــد فــي حياتــك فقــال لهــا يــا أمــي إن هــذا الانســي قتــل ابــن الملــك الـــأزرق وهـــو
===
جنــي فرمــاه اللــه فــي يــده فكيــف أذهــب إليــه وأعاديــه مــن أجــل الانســي فقالــت لــه أمــه اذهــب إليـــه
واطلـب منـه ضيفنـا فـإن كـان بالحيـاة وسلمـه إليـك فخــذه وتعــال وإن كــان قتلــه فأمســك الملــك بالحيــاة
وأولـاده وحريمــه وكــل مــن يلــوذ بــه مــن أتباعــه وائتنــي بهــم بالحيــاة حتــى أذبحهــم بيــدي وأخــرب ديــاره
وإن لم تفعل ما أمرتك به لا أجعلك من حل من لبني والتربية التي ربيتها لك تكون حراماً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن العجــوز قالــت لابنهــا شهيــال اذهــب إلــى الملــك الـــأزرق وانظـــر
سيــف الملــوك فــإن كــان باقيــاً بالحيــاة فهاتــه وتعــال وإن كــان قتلــه فأمسكــه هــو وأولــاده وحريمـــه وكـــل
مــن يلــوذ بــه وائتنــي بهــم بالحيــاة حتــى أذبحهــم بيــدي وأخــرب ملكــه وإن لــم تذهـــب إليـــه وتفعـــل مـــا
أمرتـك بـه فـلا أجعلـك فـي حـل مــن لبنــي وتكــون تربيتــك حرامــاً فعنــد ذلــك قــام الملــك شهيــال وأمــر
عسكــره بالخــروج وتوجــه إليــه كرامـــة لأمـــه ورعايـــة لخاطرهـــا وخواطـــر أحبابهـــا ولأجـــل شـــيء كـــان
مقـدراً فـي الـأزل ثـم إن شهيـال سافــر بعسكــره ولــم يزالــوا مسافريــن حتــى وصلــوا إلــى الملــك الــأزرق
وتلاقــى العسكــران فانكســر الملــك الــأزرق هــو وعسكــره وأمسكــوا أولـــاده كبـــاراً وصغـــاراً وأربـــاب
===
دولتــه وأكابرهــا وربطوهــم وأحضروهــم بيــن يــدي الملــك شهيــال فقــال لــه يــا أزرق أيــن سيــف الملــوك
الأنسي الذي هو ضيفي.
فقــال لــه المكــل الــأزرق يــا شهيــال أنــت جنــي وأنــا جنــي وهــل لأجــل انســـي قتـــل ولـــدي تفعـــل هـــذه
الفعـال وهـو قاتـل ولــدي وحشاشــة كبــدي وكيــف عملــت هــذه الأعمــال كلهــا وأهرقــت دم كــذا وكــذا
ألــف جنــي فقــال لــه خــل عنــك هــذا الكلــام فــإن كــان هــو بالحيــاة فأحضــره وأنــا أعتقــك وأعتـــق كـــل
مــن قبضــت عليــه مــن أولــادك وإن كنــت قتلتــه فأنــا أذبحــك أنــت وأولـــادك فقـــال لـــه الملـــك الـــأزرق يـــا
ملــك هــل هــذا أعــز عليــك مــن ولــدي فقــال لـــه الملـــك شهيـــال وإن ولـــدك ظالـــم لكونـــه يخطـــف أودلا
النـاس وبنـات الملـوك ويضعهــم فــي القصــر المشيــد والبئــر المعطلــة ويفســق فيهــم فقــال لــه الملــك الــأزرق
إنه عنـدي ولكـن أصلـح بيننـا وبينـه فأصلـح بينهـم وخلـع عليهـم وكتـب بيـن الملـك الـأزرق وبيـن سيـف
الملـــوك حجـــة مـــن جهـــة قتـــال ولـــده وتسلمـــه شهيـــال وضيفهـــم ضيافـــة مليحـــة وأقـــام الملـــك الــــأزرق
عنــده هــو وعسكــره ثلاثــة أيــام ثــم أخــذ سيـــف الملـــوك وأتـــى إلـــى أمـــه ففرحـــت بـــه فرحـــاً شديـــداً
وتعجـب شهيـال مـن حسـن سيـف الملــوك وكمالــه وجمالــه وحكــى لــه سيــف الملــوك حكايتــه مــن أولهــا
إلـى آخرهـا ومـا وقـع لـه مـع بديعـة الجمـال ثـم إن الملـك شهيـال قـال يــا أمــي حيــث رضيــت أنــت وهــي
بذلـك فسمعـاً وطاعـة لكمـا أمـر فيـه رضـاك فخذيـه وروحـي بـه إلــى سردنيــب واعملــي هنــاك فرحــاً
===
عظيمــاً فإنــه شــاب مليــح قاســى الأهــوال مــن أجلهــا ثــم إنهــا سافــرت هــي وجواريهــا إلـــى أن وصلـــن
إلــى سردنيــب ودخلــن البستــان الــذي رأتــه دولــة خاتــون ونظرتــه بديعــة الجمـــال بعـــد أن مضيـــن إلـــى
الخيمـة واجتمعـن وحدثتهـن العجـوز بمـا جـرى مـن الملـك الـأزرق وكيــف كــان أشــرف علــى المــوت فــي
سجــن الملــك الــأزرق وليــس فــي الإعــادة إفــادة ثــم إن الملــك سيــف الملــوك قــال لــه يــا ملــك العفـــو أنـــا
أطلب منك حاجة وأخاف أن تردني عنها خائباً.
فقــال لــه تــاج الملــوك لــو طلبــت روحــي مــا منعتهــا عنـــك لمـــا فعلـــت مـــن الجميـــل فقـــال سيـــف الملـــوك
أريـد أن تـزوج دولـة خاتــون بأخــي ساعــد حتــى نصيــر كلنــا غلمانــك فقــال تــاج الملــوك سمعــاً وطاعــة
ثـم إنـه جمـع أكابـر دولتـه ثانـي وعقـد عقــد ابنتــه خاتــون علــى ساعــد ولمــا خلصــوا مــن كتــب الكتــاب
نثـــروا الذهـــب والفضـــة وأمـــر أن يزينـــوا المدينـــة ثـــم أقامـــوا الفـــرح ودخـــل سيـــف الملـــوك علـــى بديعــــة
الجمـال ودخـل ساعـد علـى دولـة خاتـون فـي ليلـة واحــدة ولــم يــزل سيــف الملــوك يختــل ببديعــة الجمــال
أربعيـن يومـاً فقالـت لـه فـي بعـض الأيـام يـا ابــن الملــك هــل فــي قلبــك حســرة علــى شــيء فقــال سيــف
الملـوك حاشـى للـه قـد قضيـت حاجتـي ومـا بقـي فـي قلبـي حسـرة أبـداً ولكـن قصـدي الاجتمـاع بأبــي
وأمـي بـأرض مصـر وانظـر هــل همــا طيبيــن أم لا فأمــرت جماعــة مــن خدمهــا أن يوصلــوه هــو وساعــد
إلـى أرض مصــر فوصلوهــا واجتمــع سيــف الملــوك بأبيــه وأمــه وكذلــك ساعــد وقعــدا عندهــم جمعــة
===
ثـــم إن كـــلاً منهمـــا ودع أبـــاه وأمـــه وســـارا إلـــى مدينـــة سردنيـــب وصـــارا كلمـــا اشتاقـــا إلــــى أهلهمــــا
يروحـان ويرجعـان وعـاش سيـف الملـوك هـو وبديعـة الجمـال فـي أطيـب عيـش وأهنـأه وكـذا ساعـد مــع
دولـة خاتـون إلـى أن أتاهـم هـادم اللـذات ومفـرق الجماعــات فسبحــان الحــي الــذي لا يمــوت وقــد خلــق
الخلق وقضى عليهم بالموت وهو أولا بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء.
===
حكاية حسن الصائغ البصري
وممــا يحكــى أيضــاً أنــه كــان فــي قديــم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان رجــل تاجــر مـــن التجـــار مقيـــم
بـأرض البصـرة وكـان ذلـك التاجـر لـه ولـدان ذكـران وكـان عنـده مــال كثيــر فقــدر اللــه السميــع العليــم أن
التاجـر توفـي إلـى رحمــة اللــه تعالــى وتــرك تلــك الأمــوال فأخــذ ولــداه فــي تجهيــزه ودفنــه. وبعــد ذلــك
اقتسمــا الأمــوال بينهمــا بالسويــة وأخــذ كــل واحــد منهمــا قسمــة وفتحــا لهمــا دكاكيــن أحدهمــا نحــاس
والثانـي صائـغ فبينمـا الصائـغ جالـس فــي دكانــه يومــاً مــن الأيــام إذا برجــل أعجمــي ماشــي فــي الســوق
بين النـاس إلـى أن مـر علـى دكـان الولـد الصائـغ فنظـر إلـى صنعتـه وتأملهـا بمعرفتـه فأعجبتـه وكـان اسـم
الصائــغ حسنــاً فهــز الأعجمــي رأســه وقــال واللــه إنــك صائــغ مليــح وصــار ينظـــر إلـــى صناعتـــه وهـــو
ينظـر إلـى كتـاب عتيـق كــان بيــده والنــاس مشغوليــن بحسنــه وجمالــه واعتدالــه فلمــا كــان وقــت العصــر
خلــت الدكاكيــن مــن النــاس فعنــد ذلــك أقبــل الرجــل الأعجمــي عليــه وقــال لــه يـــا ولـــدي أنـــت شـــاب
مليح وأنا مـا لـي ولـد وقـد عرفـت صنعـة مـا فـي الدنيـا أحسـن منهـا وقـد سألنـي خلـق كثيـر مـن النـاس
فــي شـــأن تعليمهـــا فمـــا رضيـــت أن أعلمهـــا أحـــداً منهـــم ولكـــن قـــد سمحـــت نفســـي أعلمـــك إياهـــا
وأجعلــك ولــدي واجلــع بينــك وبيــن الفقــر حجابــاً وتستريـــح مـــن هـــذه الصنعـــة والتعـــب فـــي المطرقـــة
===
والفحــم والنــار فقــال لــه حســن يــا سيــدي ومتــى تعلمنــي فقـــال لـــه فـــي غـــد آتيـــك وأصنـــع لـــك مـــن
النحــاس ذهبــاً خالصـــاً بحضرتـــك ففـــرح حســـن وودع الأعجمـــي وســـار إلـــى والدتـــه فدخـــل وسلـــم
عليهـا وأكــل معهــا وهــو مدهــوش بــلا وعــي ولا عقــل فقالــت أمــه مــا بالــك يــا ولــدي إحــذر أن تسمــع
كلـــام النـــاس خصوصـــاً الأعاجـــم فـــلا تطاوعهـــم فـــي شـــيء فـــإن هـــؤلاء غشاشـــون يعلمـــون صنعـــة
الكيمياء وينصبون على الناس ويأخذون أموالهم ويأكلونها بالباطل.
فقــال لهــا يــا أمــي نحــن نــاس فقــراء ومــا عندنــا شــيء يطمـــع فيـــه حتـــى ينصـــب علينـــا وقـــد جاءنـــي
رجـل أعجمـي لكنـه شيـخ صالـح عليــه أثــر الصلــاح وقــد حننــه اللــه علــي فسكتــت أمــه علــى غيــظ
وصـار ولدهـا مشغـول القلـب ولـم يأخـذه نـوم فـي تلـك الليلــة مــن شــدة فرحــه بقــول الأعجمــي لــه فلمــا
أصبــح الصبــاح وأخــذ المفاتيــح وفتــح الدكــان وإذا بالأعجمــي أقبــل عليــه فقــام وأراد حســـن أن يقبـــل
يديـه فامتنـع ولـم يـرض بذلـك وقـال يـا حســن عمــر البودقــة وركــب الكيــر ففعــل مــا أمــره بــه الأعجمــي
وأوقــد الفحــم فقــال لــه الأعجمــي يــا ولــدي هــل عنــدك نحــاس قــال عنـــدي طبـــق مكســـور فأمـــره أن
يتكــيء عليــه بالكــاز ويقطعــه قطعــاً صغـــاراً ففعـــل كمـــا قـــال لـــه وقطعـــه قطعـــاً صغـــاراً ورمـــاه فـــي
البودقــة ونفــخ عليــه بالكيــر حتــى صــار مــاء فمـــد الأعجمـــي يـــده إلـــى عمامتـــه وأخـــرج منهـــا ورقـــة
ملفوفـــة وفتحهـــا وذر منهـــا شيئـــاً فـــي البودقـــة مقـــدار نصـــف درهـــم وذلـــك الشـــيء يشبـــه الكحـــل
===
الأصفـر وأمـر حسنـاً أن ينفــخ عليــه بالكيــر ففعــل مثــل مــا أمــره حتــى صــار سبيكــة ذهــب فلمــا نظــر
حسـن إلـى ذلـك اندهـش وتحيـر عقلـه مـن الفـرح الــذي حصــل لــه وأخــذ السبيكــة وقبلهــا وأخــذ المبــرد
وحكهــا فرآهــا ذهبــاً خالصــاً مــن عــال العــال فطــار عقلــه واندهــش مــن شــدة الفــرح ثــم انحنــى علـــى
يـد الأعجمـي ليقبلهـا فقـال لـه: خــذ هــذه السبيكــة وانــزل بهــا إلــى الســوق وبعهــا واقبــض ثمنهــا سريعــاً
ولا تتكلــم فنــزل حســن وأعطــى السبيكــة إلــى الدلــال فأخذهــا منــه وحكهــا فوجدهــا ذهبــاً خالصـــاً
ففتحـوا بابهـا بعشـرة آلـاف درهـم وقـد تزايـد فيهــا التجــار فباعهــا بخمســة عشــر ألــف درهــم وقبــض
ثمنهـا ومضـى إلـى البيـت وحكـى لأمـه جميـع مــا فعــل وقــال إنــي قــد تعلمــت هــذه الصنعــة فضحكــت
عليه وقالت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن حسنــاً الصائــغ لمــا حكــى لأمــه مــا فعــل الأعجمــي وقــال لهــا إنــي
قـد تعلمـت هـذه الصنعـة قالـت لا حـول ولا قـوة إلا باللـه العلـي العظيـم وسكتــت علــى غيــظ منهــا ثــم
إن حسنـاً أخـذ مـن جهتـه هاونـاً وذهـب بـه إلـى الأعجمـي وهـو قاعـد فــي الدكــان ووضعــه بيــن يديــه
===
فقـال لـه يـا ولـدي مـا تريـد أن تصنـع بهـذا الهـون قـال ندخلــه فــي النــار ونفعلــه سبائــك ذهــب فضحــك
الأعجمـي وقـال يـا ولـدي هـل أنــت مجنــون حتــى تنــزل الســوق بسبيكتيــن فــي يــوم واحــد مــا تعلــم أن
النـاس ينكـرون علينـا وتــروح علينــا ولكــن يــا ولــدي إذا علمتــك هــذه الصنعــة لا تعملهــا فــي السنــة إلا
مــرة واحــدة فهــي تكفيــك مــن السنــة إلــى السنــة قــال صدقــت يــا سيـــدي ثـــم إنـــه قعـــد فـــي الدكـــان
وركـب فـي البودقـة ورمـى الفحـم علـى النـار فقـال لـه الأعجمـي يـا ولـدي مـاذا تريـد قــال علمنــي هــذه
الصنعـة فضحـك الأعجمـي وقـال لا حـول ولا قـوة إلا باللـه العلــي العظيــم أنــت يــا ابنــي قليــل العقــل مــا
تصلـح لهـذه الصنعـة قـط هـل أحـد فـي عمـره يتعلـم هـذه الصنعـة علـى قارعـة الطريـق أو فـي الأسـواق
فـإن اشتغلنـا بهـا فـي هـذا المكـان يقـول النــاس علينــا إن هــؤلاء يصنعــون الكيميــاء فتسمــع بنــا الحكــام
وتــروح أرواحنــا فــإذا أردت يــا ولــدي أن تتعلــم هــذه فاذهـــب معـــي إلـــى بيتـــي فقـــام حســـن وأغلـــق
الدكــان وتوجــه مــع الأعجمــي فبينمــا هــو فــي الطريــق غــذ تذكــر قــول أمــه وحســب فــي نفســه ألـــف
حســاب فوقــف وأطــرق برأســه إلــى الــأرض ساعــة زمانيــة فالتفــت الأعجمــي فـــرآه واقفـــاً فضحـــك
وقـال هـل أنـت مجنـون كيـف أضمـر لـك فـي قلبـي الخيـر وأنـت تحسـب أنــي أضــرك وقــال لــه الأعجمــي
إن كنـت خائفـاً مـن ذهابـك معـي إلـى بيتـي فأنـا أروح معـك إلـى بيتـك وأعلمــك هنــاك فقــال لــه حســن
نعـم فقـال لـه امـش قدامـي فسـار حسـن قدامـه وســار الأعجمــي خلفــه إلــى أن وصــل الأعجمــي إلــى
===
منزلــه فدخــل حســـن إلـــى داره فوجـــد والدتـــه فأعلمهـــا بحضـــور الأعجمـــي معـــه وهـــو واقـــف علـــى
الباب ففرشت لهما البيت ورتبته.
فلمــا فرغــت مــن أمرهــا راحــت ثــم إن حسنــاً أذن للأعجمــي أن يدخــل فدخــل ثــم إن حسنـــاً أخـــذ
فـي يـده طبقـاً وذهـب بـه إلـى السـوق ليجـيء فيـه بشـيء يأكلـه فخـرج وجـاء بأكــل وأحضــره بيــن يديــه
وقال له كل يا سيدي لأجل أن يصير بيننا خبز وملح والله تعالى ينتقم ممن يخون الخبز والملح.
فقــال لــه صدقــت يــا ولـــدي ثـــم تبســـم وقـــال لـــه يـــا ولـــدي مـــن يعـــرف قـــدر الخبـــز والملـــح ثـــم تقـــدم
الأعجمـي وأكـل مـع حسـن حتـى اكتفيـا ثـم قــال لــه الأعجمــي يــا ولــدي يــا حســن هــات لنــا شيئــاً مــن
الحلـوى فمضـى حسـن إلــى الســوق وأحضــر عشــر قبــاب الحلــوى وفــرح حســن بكلــام الأعجمــي فلمــا
قـدم خيــراً يــا ولــدي مثلــك مــن يصاحبــه النــاس ويظهرونــه علــى أسرارهــم ويعلمونــه مــا ينفعــه ثــم قــال
الأعجمـي يـا حســن أحضــر العــدة فلمــا سمــع هــذا الحديــث إلا وخــرج مثــل المهــر إذا انطلــق مــن الربيــع
حتـى أتـى إلـى الدكـان وأخـذ العـدة ورجـع ووضعهـا بيـن يديــه فأخــرج الأعجمــي قرطاســاً مــن الــورق
وقـال يـا حسـن وحـق الخبـز والملـح لـولا أنـت أعــز مــن ولــدي مــا أطلعتــك علــى هــذه الصنعــة ومــا بقــي
شـيء مـن الإكسيـر إلا فــي هــذا القرطــاس ولكــن تأمــل حيــن أركــب العقاقيــر وأضعهــا قدامــك واعلــم
يـا ولـدي يـا حسـن أنـك تضـع علـى كـل عشـرة أرطـال نحاسـاً نصـف درهـم مـن هــذا الــذي فــي الورقــة
===
فتصيـر العشـرة أرطـال ذهبـاً خالصـاً إبريـزاً ثـم قـال يـا ولـدي يـا حسـن إن فـي هـذه الورقـة ثلاثــة أوراق
بالـوزن المصـري وبعـد أن يفـرغ مـا فـي هـذه الورقـة اعمــل لــك غيــره فأخــذ حســن الورقــة فــرأى شيئــاً
أصفــر أنعــم مــن الــأول فقــال يـــا سيـــدي مـــا اســـم هـــذا وأيـــن يوجـــد وفـــي أي شـــيء يعمـــل فضحـــك
الأعجمــي مــن طمــع حســن وقــال لــه عــن أي شــيء تســأل وأنــت ساكــت وأخــرج طاســة مـــن البيـــت
واخــرج طاســة مــن البيــت اقطعهـــا وألقاهـــا فـــي البودقـــة ورمـــى عليهـــا قليـــل مـــن الـــذي فـــي الورقـــة
فصارت سبيكة من الذهب الخالص.
فلمـا رأى حسـن ذلـك فـرح فرحــاً شديــداً وصــار متحيــراً فــي عقلــه مشغــولاً بتلــك السبيكــة فأخــرج
صـرة مـن رأسـه بسرعـة وقطعهـا ووضعهـا فـي قطعـة مـن الحلـوى وقـال لـه يــا حســن أنــت بقيــت ولــدي
وصــرت عنــدي أعــز مــن روحــي ومالــي وعنــدي بنــت أزوجــك بهــا فقــال حســن أنــا غلامــك ومهمـــا
فعلتـه معـي كـان عنـد اللـه تعالـى فقـا الأعجمـي يـا ولــدي طــول بالــك وصبــر نفســك يحصــل لــك الخيــر
ثـم ناولـه القطعـة الحلـوى فأخذهـا وقبـل يـده ووضعهـا فـي فمـه وهـو لا يعلـم مـا قـدر لـه فــي الغيــب ثــم
بلـع قطعـة الحلـوى فسبقـت رأسـه ورجليـه وغـاب عـن الدنيــا فلمــا رآه الأعجمــي وقــد حــل بــه البــلاء
فــرح فرحــاً شديــداً وقــام علــى أقــدام وقــال وقعــت يــا علــق يــا كلــب العــرب لــي أعـــوام كثيـــرة أفتـــش
عليك حتى حصلتك يا حسن.
===
وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن حسنـاً الصائـغ لمــا أكــل قطعــة الحلــوى التــي أعطاهــا لــه الأعجمــي
ووقــع منهــا علــى الــأرض مغشيــاً عليــه فــرح الأعجمــي وقــال لــه لــي أعــوام كثيـــرة وأنـــا أفتـــش عليـــك
حتـــى حصلتـــك ثـــم إن الأعجمـــي شـــد وسطـــه وكتـــف حسنـــاً وربـــط رجليـــه علـــى يديــــه وأخــــذ
صندوقــاً وأخــرج منــه الحوائــج التــي كانــت فيــه ووضــع حسنــاً فيــه وقفلــه عليــه وفــرغ صندوقــاً آخــر
وحـط فيــه جميــع المــال الــذي عنــد حســن والسبائــك الذهــب التــي عملهــا أولاً وثانيــاً وقفلــه ثــم خــرج
يجــري إلــى الســوق وأحضــر حمــالاً حمــل الصنــدوق وتقــدم إلـــى المركـــب الراســـي وكـــان ذلـــك المركـــب
مهيـــأ للأعجمـــي وريســـه منتظـــر فلمـــا نظـــره بحريتـــه أتـــوا إليـــه وحملـــوا الصندوقيـــن ووضعوهمـــا فــــي
المركــب وصــرخ الأعجمــي علــى الريــس وعلــى جميــع البحريــة وقــال لهــم قومـــوا قـــد انقضـــت الحاجـــة
وبلغنــا المــراد فصــرخ الريــس علــى البحريــة قـــال لهـــم: أقلعـــوا المراســـي وحلـــوا القلـــوع وصـــار المركـــب
بريح طيبة هذا ما كان من أمر الأعجمي.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر أم حســن فإنهــا انتظرتــه إلـــى العشـــاء فلـــم تسمـــع لـــه صوتـــاً ولا خبـــراً فجـــاءت
إلـى البيـت فرأتـه مفتوحـاً ولـم تـر فيـه أحـداً ولــم تجــد الصناديــق ولا المــال فعرفــت أن ولدهــا قــد فقــد
===
ونفــذ فيــه القضــاء فلطمــت علــى وجههــا وشقــت أثوابهــا وصاحــت وولولـــت وصـــارت تقـــول واولـــداه
واثمرة فؤاداه.
ثـم إنهـا صـارت تبكـي وتنـوح إلــى الصبــاح فدخــل عليهــا الجيــران وسألوهــا عــن ولدهــا فأخبرتهــم بمــا
جرى له مع العجمي واعتقدت أنها لن تجده بعد ذلك.
ثـم قالـت نعـم يـا ولـدي إن الـدار قفـرة والمـزار بعيـد ثـم إن الجيـران ودعوهــا بعــد أن دعــوا لهــا بالصبــر
وجمــع الشمــل قريبــاً ولــم تــزل أم حســن تبكــي أثنــاء الليــل وأطــراف النهــار وبنــت فــي وســـط البيـــت
قبــراً وكتبــت عليــه اســم حســن وتاريــخ فقــده وكانــت لا تفــارق ذلــك القبــر ولــم يـــزل ذلـــك دأبهـــا مـــن
حين فارقها ولدها هذا ما كان من أمرها.
وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر ولدهـــا حســـن مــــع الأعجمــــي فــــإن الأعجمــــي كــــان مجوسيــــاً وكــــان يبغــــض
المسلميـن كثيـراً وكلمــا قــدر علــى أحــد مــن المسلميــن يهلكــه وهــو خبيــث لئيــم كيمــاوي كمــا قــال فيــه
الشاعر:
هو الكلب وابن الكلب والكلب جده ولا خير في كلب تناسل من كلب
وكــان اســم ذلــك الملعــون بهــرام المجوســي وكــان لــه فــي كــل سنــة واحــد مــن المسلميــن يأخــذه ويذبحـــه
علـــى مطلـــب فلمـــا تمـــت حيلتـــه علـــى حســـن الصائـــغ وســـار بـــه مـــن أول النهـــار إلــــى الليــــل رســــى
===
المركـب علـى بـر إلـى الصبـاح فلمــا طلعــت الشمــس وســار المركــب أمــر الأعجمــي عبيــده وغلمانــه أن
يحضـروا لــه الصنــدوق الــذي فيــه حســن فأحضــروه لــه ففتحــه وأخرجــه منــه ونشقــه بالخــل ونفــخ فــي
أنفــه ذرراً فعطــس وتقايــا بالبنــج وفتــح عينيــه ونظــر يمينـــاً وشمـــالاً فوجـــد نفســـه فـــي وســـط البحـــر
والمركــب سائــراً والأعجمــي قاعــداً عنــده فعلــم أنهــا حيلــة عملــت عليــه قــد عملهــا الملعــون المجوســـي
وأنـه وقـع فـي الأمـر الـذي كانـت فيـه أمـه تحـذره فقــال كلمــة لا يخجــل قائلهــا وهــي: لا حــول ولا قــوة إلا
باللـه العلـي العظيـم إنــا للــه وإنــا إليــه راجعــون اللهــم الطــف بــي فــي قضائــك وصبرنــي علــى بلائــك يــا
رب العالميــن ثــم التفــت إلــى الأعجمــي وكلمــه بكلــام رقيــق وقــال لــه يــا والــدي مـــا هـــذه الفعـــال وأيـــن
الخبـز والملـح واليميـن التـي حلفتهـا لـي فنظـر إليـه وقـال لــه يــا كلــب هــل مثلــي يعــرف خبــزاً وملحــاً وأنــا
قـد قتلـت ألـف صبـي إلا صبيـا وأنـت تمـام الألـف وصــاح عليــه فسكــت وعلــم أن سهــم القضــاء نفــذ
فيه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً لمـــا رأى نفســـه وقـــع مـــع الأعجمـــي الملعـــون كلمـــه بكلـــام
===
رقيـق فلـم يفـده بـل صـاح عليـه فسكـت وعلـم أن سهـم القضـاء نفـذ فيــه فعنــد ذلــك أمــر الملعــون بحــل
أكتافــه ثــم سقــوه قليــلاً مــن المــاء والمجوســي يضحــك ويقــول وحــق النــار والنــور والظـــل والحـــرور ومـــا
كنــت أظــن أنــك تقــع فــي شبكتــي ولكــن النــار قوتنــي عليــك وأعانتنــي علــى قبضــك حتــى أقضــي
حاجتـي وأرجــع وأجعلــك قربانــاً لهــا حتــى ترضــى عنــي فقــال حســن قــد خنــت الخبــز والملــح فرفــع
المجوسـي يـده وضربــه ضربــة فوقــع وعــض الــأرض بأسنانــه وغشــي عليــه وجــرت دموعــه علــى خــده
ثـم أمـر المجوسـي أن يوقــدوا لــه نــاراً فقــال لــه حســن مــا تصنــع بهــا فقــال لــه هــذه النــار صاحبــة النــور
والشــرور وهــي التــي أعبدهــا فــإن كنــت تعبدهــا مثلــي فأنــا أعطيــك نصــف مالــي وأزوجــك بنتـــي
فصـاح حسـن عليـه وقـال يــا ويلــك إنمــا أنــت مجوســي كافــر تعبــد النــار دون الملــك الجبــار خالــق الليــل
والنهار وما هذه إلا وصية في الأديان.
فعنـد ذلـك غضـب المجوسـي وقـال: أمـا توافقنـي يـا كلـب العـرب وتدخـل فــي دينــي فلــم يوافقــه حســن
علــى ذلــك فقــام المجوســـي الملعـــون وسجـــد للنـــار وأمـــر غلمانـــه أن يرمـــوا حسنـــاً علـــى وجهـــه فرمـــوه
وصــار المجوســي يضربــه بســوط مضفــور مــن جلـــد حتـــى شـــرح جوانبـــه وهـــو يستغيـــث فـــلا يغـــاث
ويستجيــر فــلا يجيــره أحــد فرفــع طرفــه إلــى الملــك القهــار وتوســل إليــه بالنبــي المختــار وقــد قــل منــه
الاصطبار وجرت دموعه على خديه كالأمطار.
===
ثــم إن المجوســي أمــر العبيــد أن يقعــدوا وأمــر أن يأتــوا إليـــه بشـــيء مـــن المأكـــول والمشـــروب فأحضـــروه
فلـم يـرض أن يأكـل ولا يشـرب وصـار المجوســي يعذبــه ليــلاً ونهــاراً مسافــة الطريــق وهــو صابــر يتضــرع
إلــى اللــه عــز وجــل وقــد قســى قلــب المجوســي عليــه ولــم يزالــوا سائريــن فــي البحــر مــدة ثلاثــة أشهــر
وحســن معهــم فــي العــذاب فلمــا كملــت الثلاثــة أشهــر أرســل اللــه تعالــى علــى المركــب ريحــاً فاســـود
البحـر وهـاج بالمركـب مـن كثـرة الريـح فقـال الريـس والبحريـة هـذا واللـه كلــه ذنــب هــذا الصبــي الــذي لــه
ثلاثة أشهر فـي العقوبـة مـع هـذا المجوسـي وهـذا مـا يحـل مـن اللـه تعالـى ثـم إنهـم قاومـوا المجوسـي وقتلـوا
غلمانـه وكـل مــن كــان معــه فلمــا رآهــم المجوســي قتلــوا الغلمــان أيقــن بالهلــاك وخــاف علــى نفســه وحــل
مــن أكتافــه وقلعــه مــا كــان عليــه مــن الثيــاب الرثــة وألبســه غيرهــا وصالحــه ووعـــده أن يعلمـــه الصنعـــة
ويـرده إلـى بلـده وقــال يــا ولــدي لا تؤاخذنــي بمــا فعلــت فقــال لــه حســن كيــف بقيــت أركــن إليــك فقــال
لـه يـا ولـدي لـولا الذنـب مـا كانــت المغفــرة وأنــا مــا فعلــت معــك هــذه الأفعــال إلا لأجــل أن أنظــر صبــرك
وأنــت تعلــم أن الأمــر كلــه بيــد اللــه ففرحــت البحريــة والريــس بخلاصــه فدعــا لهــم حســـن وحمـــد اللـــه
تعالــــى وشكــــره فسكتــــت الريــــاح وانكشفــــت الظلمـــــة وطـــــاب اليـــــح والسفـــــر ثـــــم إن حسنـــــاً قـــــال
للمجوسـي يـا أعجمــي إلــى أيــن تتوجــه قــال يــا ولــدي أتوجــه إلــى جبــل السحــاب الــذي فيــه الإكسيــر
الـذي نعملـه كيميـاء وحلــف المجوســي بالنــار والنــور أنــه مــا بقــي لحســن عنــده مــا يخيفــه فطــاب قلــب
===
حســـن وفـــرح بكلـــام المجوســـي وصـــار يأكــــل معــــه ويشــــرب وينــــام ويلبســــه مــــن ملبوســــه ولــــم يزالــــوا
مسافرين مدة ثلاثة أشهر أخرى.
وبعـد ذلـك رسـى المركـب علـى بــر طويــل كلــه حصــى أبيــض وأصفــر وأزرق وأســود وغيــر ذلــك مــن
جميــع الألــوان فلمــا رســى نهــض الأعجمـــي قائمـــاً وقـــال يـــا حســـن قـــوم اطلـــع فإننـــا قـــد وصلنـــا إلـــى
مطلوبنـا ومرادنـا فقــام حســن وطلــع مــع الأعجمــي وأوصــى المجوســي الريــس علــى مصالحــه ثــم مشــى
حسـن مـع المجوسـي إلـى أن بعـدا عـن المركـب وغابـا عــن الأعيــن ثــم قعــد المجوســي وأخــرج مــن جيبــه
طبـلاً نحاسيـاً وزخمـة مـن حريـر منقوشــة بالذهــب وعليهــا طلاســم وضــرب الطبــل فلمــا فــرغ ظهــرت
غبـرة مـن ظهـر البريـة فتعجـب حسـن مـن فعلـه وخــاف منــه ونــدم علــى طلوعــه معــه وتغيــر لونــه فنظــر
إليــه المجوســي وقــال لــه مــا لــك يــا ولــدي وحـــق النـــار والنـــور مـــا بقـــي عليـــك خـــوف منـــي ولـــولا أن
حاجتـي مـا تقضـى إلا علـى اسمـك مـا كنـت أطلعــك مــن المركــب فأبشــر كــل خيــر وهــذه الغبــرة غبــرة
شـيء نركبـه فيعيننـا علـى قطــع هــذه البريــة ويسهــل علينــا مشقتهــا فمــا كــان إلا قليــل حتــى انكشفــت
الغبـــرة عـــن ثلـــاث نجائـــب فركـــب الأعجمـــي واحـــدة وركـــب حســــن واحــــدة وحمــــلا زادهمــــا علــــى
الثالثـة وسـارا سبعـة أيـام ثـم انتهيـا إلـى أرض واسعـة فلمـا نـزلا فـي تلـك الـأرض نظـرا إلـى قبــة معقــودة
علــى أربعــة أعمــدة مــن الذهــب الأحمــر فنــزلا مــن فــوق النجائــب ودخــلا تحـــت القبـــة وأكـــلا وشربـــا
===
واستراحــا فلاحــت التفاتــة مــن حســن فــرأى شيئــاً عاليــاً فقـــال لـــه حســـن مـــا هـــذا يـــا عـــم فقـــال لـــه
المجوســي هــذا قصــر فقــال لــه حســن أمــا نقــوم ندخــل لنستريـــح فيـــه وتنفـــرج عليـــه فذهـــب المجوســـي
وقـال لـه لا تذكـر لـي هـذا القصـر فـإن فيـه عـدوي ووقعـت لـي معـه حكايــة ليــس هــذا وقــت إخبــارك
بهـا ثـم دق الطبـل فأقبلـت النجائـب فركبــا وســارا سبعــة أيــام فلمــا كــان اليــوم الثامــن قــال المجوســي يــا
حسن ما الذي تنظره فقال حسن أنظر سحاباً وغماماً بين المشرق والمغرب.
فقــال لــه المجوســي مــا هــذا سحــاب ولا غمــام وإنمــا هــو جبــل شاهــق ينقســم عليــه السحــاب وليــس
هنــاك سحــاب يكــون فوقــه مــن فــرط علــوه وعظـــم ارتفاعـــه وهـــذا الجبـــل هـــو المقصـــود لـــي وفوقـــه
حاجتنــا ولأجــل هــذا جئــت بــك معــي وحاجتــي تقضــى علــى يديــك فعنــد ذلـــك يئـــس حســـن مـــن
الحيـاة ثـم قـال المجوسـي بحــق معبــودك وبحــق مــا تعتقــده مــن دينــك أي شــيء الحاجــة التــي جئــت بــي
مـن أجلهـا فقـال لـه إن صنعــة الكيميــاء لا تصلــح إلا بحشيــش ينبــت فــي المحــل الــذي يمــر بــه السحــاب
وينقطـــع عليـــه وهـــو هـــذا الجبـــل والحشيـــش فوقـــه فـــإذا حصلنــــا الحشيــــش أريــــك أي شــــيء هــــذه
الصنعــة فقــال لــه حســن مــن خوفــه نعــم يـــا سيـــدي وقـــد يئـــس مـــن الحيـــاة وبكـــى لفـــراق أمـــه وأهلـــه
ووطنــه ونــدم علــى مخالفتــه أمــه ولــم يــزالا سائريــن إلــى أن وصــلا إلــى ذلــك الجبــل ووقفــا تحتــه فنظـــر
حسن فوق ذلك الجبل قصراً.
===
وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن المجوســي وحســن لمــا وصــلا إلــى الجبــل وقفــا تحتــه فنظــر حســن
فـــوق الجبـــل قصـــراً فقـــال للمجوســـي مـــا هـــذا القصـــر فقـــال المجوســـي هـــذا مسكـــن الجـــان والغيلــــان
والشياطيـــن ثـــم إن المجوســـي نـــزل مـــن فـــوق نجيبـــه وأمـــره بالنـــزول وقــــام إليــــه وقبــــل رأســــه وقــــال لا
تؤاخذنـي بمـا فعلتـه معـك فأنـا أحفظــك عنــد طلوعــك القصــر وينبغــي أنــك لا تخوننــي فــي شــيء مــن
الــذي تحضــره منــه وأكــون أنـــا وأنـــت فيـــه ســـواء فقـــال السمـــع الطاعـــة ثـــم إن الأعجمـــي فتـــح جرابـــاً
وأخـرج منـه طاحونــاً وأخــرج منــه أيضــاً مقــداراً مــن القمــح وطحنــه علــى ذلــك الطاحــون وعجــن منــه
ثلاثــة أقــراص وأوقــد النــار وخبــز الأقــراص ثـــم أخـــرج منـــه أيضـــاً الطبـــل النحـــاس والزخمـــة المنقوشـــة
ودق الطبـل فحضـرت النجائـب فاختــار منهــا نجيبــاً وذبحــه وسلــخ جلــده ثــم التفــت إلــى حســن وقــال
لـه اسمـع يـا ولـدي يـا حسـن مـا أوصيـك بـه قـال لـه نعـم قـال ادخـل فـي هــذا وأخيــط عليــك وأطرحــك
علـى الـأرض فتأتـي طيـور الـرخ فتحملـك وتطيـر بـك إلـى أعلـى الجبـل وخـذ هـذه السكيـن معـك فــإذا
فرغـت مـن طيرانهـا وعرفـت أنهـا حطتـك فـوق الجبـل فشـق بهـا الجلــد واخــرج فــإن الطيــر يخــاف منــك
ويطيـر عنـك وطـل لـي مـن فـوق الجبـل وكلمنـي حتــى أخبــرك بالــذي تعملــه ثــم هيــأ لــه الثلاثــة أقــراص
===
وركـوة فيهـا مـاء وحطهـا معـه فـي الجلـد بعـد ذلـك خيطـه عليـه ثـم بعــد عنــه فجــاء طيــر الــرخ وحملــه
وطـار بـه إلـى أعلـى الجبـل ووضعـه هنـاك فلمـا عـرف حســن أن الــرخ وضعــه علــى الجبــل شــق الجلــد
وخرج منه وكلم المجوسي.
فلمــا سمــع المجوســي كلامــه فــرح ورقــص مـــن شـــدة الفـــرح وقـــال لـــه امـــض إلـــى ورائـــك ومهمـــا رأيتـــه
فأعلمنــي بــه فمضــى حســن فــرأى رممــاً كثيــرة وعندهــم حطــب كثيــر فأخبــره بجميــع مــا رآه فقــال لـــه
هـــذا هـــو المقصـــود والمطلـــوب فخـــذ مـــن الحطـــب ســـت حـــزم وارمهـــا إلـــي فإنهـــا هـــي التـــي نعملهـــا
كيميـاء فرمـى لــه الســت حــزم فلمــا رأى المجوســي تلــك الحــزم قــد وصلــت عنــده قــال لحســن يــا علــق
قـد انقضـت الحاجـة التـي أردتهـا منـك وإن شئـت قـدم علــى هــذا الجبــل أو ألــق نفســك علــى الــأرض
حتى تهلك ثم مضى المجوسي.
فقـال حسـن لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم قــد مكــر بــي هــذا الكلــب الملعــون ثــم إنــه وقــف
علـى قدميـه والتفـت يمينـاً وشمـالاً ثـم مضـى فـوق الجبـل وأيقـن فـي نفسـه بالمـوت وصـار يتمشــى حتــى
وصـل إلـى الطـرف الآخـر مـن الجبـل فـرأى بجنـب الجبـل بحـراً أزرقـاً متلاطـم قـد أزبـد وكـل موجــة منــه
كالجبــل العظيــم فقعــد وقــرأ مـــا تيســـر مـــن القـــرآن وســـأل اللـــه تعالـــى أن يهـــون عليـــه إمـــا المـــوت وإمـــا
الخلــاص مــن هــذه الشدائــد ثــم صلـــى علـــى نفســـه صلـــاة الجنـــازة ورمـــى نفســـه فـــي البحـــر فحملتـــه
===
الأمـواج علـى سلامـة اللـه تعالـى إلـى أن طلـع مـن البحـر سالمـاً بقـدرة اللـه تعالـى ففـرح وحمـد اللـه تعالـى
وشكـره ثـم قـام يمشـي ويفتـش علــى شــيء يأكلــه فبينمــا هــو كذلــك وإذا هــو بالمكــان الــذي كــان فيــه
هــو وبهــرام المجوســي ثــم مشــى ساعــة فــإذا هــو بقصــر عظيــم شاهــق فــي الهــواء فدخلـــه فـــإذا هـــو
القصـر الـذي كـان سـأل عنـه المجوسـي وقـال لـه إن هـذا القصـر فيـه عــدوي فقــال حســن واللــه لابــد مــن
دخولــي هــذا القصــر لعــل الفــرج يحصــل لــي فلمــا رأى بابــه مفتوحـــاً دخـــل مـــن البـــاب فـــرأى مصطبـــة
مـن الدهليـز وعلـى المصطبـة بنتـان كالقمـران بيـن أيديهمــا رقعــة شطرنــج وهمــا يلعبــان فرفعــت واحــدة
منهمــا رأسهــا إليــه وصاحــت مــن فرحتهــا وقالــت واللــه إن هــذا آدمـــي وأظنـــه الـــذي جـــاء بـــه بهـــرام
المجوســي فــي هــذه السنــة فلمــا سمــع حســن كلامهمــا رمــى نفســه بيــن أيديهمــا وبكـــى بكـــاء شديـــداً
وقال يا سيدتي هو أنا ذلك المسكين.
فقالـت البنـت الصغـرى لأختهـا الكبـرى اشهـدي علـي يــا أختــي أن هــذا أخــي فــي عهــد اللــه وميثاقــه
وإنــي أمــوت لموتــه وأحيــا لحياتــه وأفــرح لفرحــه وأحــزن لحزنــه ثــم قامــت لــه وعانقتــه وقبلتــه وأخذذتــه
مـن يـده ودخلــت بــه القصــر وأختهــا معهــا وقلعتــه مــا كــان عليــه مــن الثيــاب الرثــة وأتــت لــه ببدلــة مــن
ملابــس الملــوك وألبستــه إياهــا وهيــأت لــه الطعــام مــن سائــر الألــوان وقدمتــه لــه وقعــدت هـــي وأختهـــا
وأكلتـا معـه وقالتـا لـه حدثنـا بحديثـك مـع الكلــب الفاجــر الساحــر مــن حيــن وقعــت فــي يــده إلــى حيــن
===
خلصـت منــه ونحــن نحدثــك بمــا جــرى لنــا معــه مــن أول الأمــر إلــى آخــره حتــى تصيــر علــى حــذر إذا
رأيتـه فلمــا سمــع حســن منهمــا هــذا الكلــام ورأى الإقبــال منهمــا عليــه اطمأنــت نفســه ورجــع لــه عقلــه
وصـار يحدثهمـا بمـا جـرى لـه معـه مـن الـأول إلـى الآخـر فقالتـا لـه: هـل سألتـه عـن هــذا القصــر قــال نعــم
سألتــه فقـــال لـــي لا أحـــب سيرتـــه فـــإن هـــذا القصـــر للشياطيـــن والأبالســـة فغضبـــت البنتـــان غضبـــاً
شديداً وقالتا هل جعلنا هذا الكافر شياطين وأبالسة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الأربعين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن البنتـــان قالتـــا جعلنـــا المجوســـي شياطيـــن وأبالســـة فقـــال لهمــــا
حسـن نعـم فقالـت الصغيـرة أخـت حسـن واللـه لأقتلنــه أقبــح قتلــة ولأعدمنــه نسيــم الدنيــا فقــال حســن
وكيــف تصليــن إليــه وتقتليــه قالــت هــو فــي بستــان يسمــى المشيــد ولابــد مــن قتلــه قريبــاً فقالـــت لهـــا
أختهـا صـدق حسـن وكــل مــا قالــه عــن هــذا الكلــب صحيــح ولكــن حدثيــه بحديثــه كلنــا حتــى يبقــى
فـي ذهنـه فقالـت البنـت الصغيـرة اعلـم يـا أخـي أننـا مـن بنـات ملـك مـن ملــوك الجــان العظــام الشــأن ولــه
جنـود وأعــوان وخــدم مــن المــردة ورزقــه اللــه تعالــى بسبــع بنــات مــن امــرأة واحــدة ولحقــه مــن الحماقــة
===
والغيـرة وعـزة النفـس مــا لا يزيــد عليــه حتــى إنــه لــم يزوجنــا لأحــد مــن الرجــال ثــم إنــه أحضــر وزرائــه
وأصحابـه وقـال لهـم هــل أنتــم تعرفــون لــي مكانــاً لا يطرقــه طــارق لا مــن الإنــس ولا مــن الجــن ويكــون
كثيــر الأشجــار والأثمــار والأنهــار فقالــوا لــه مــا الــذي تصنــع بــه يــا ملــك الزمـــان فقـــال أريـــد أن أجعـــل
فيه بناتي السبعة.
فقالــوا لــه يصلــح لهــن قصــر جبــل السحــاب الـــذي كـــان أنشـــأه عفريـــت مـــن الجـــن المـــردة الذيـــن تمـــردوا
علــى عهــد سلميــان عليــه السلــام فلمــا هلــك لــم يسكنــه أحــد بعــده لا مــن الجــن ولا مـــن الإنـــس لأنـــه
منقطـع لا يصـل إليـه أحـد وحولـه الأشجــار والأثمــار والأنهــار وحولــه مــاء أحلــى مــن الشهــد وأبــرد مــن
الثلــاج مــا شــرب منــه أحــد بــه بــرص أو جــذام أو غيرهمــا إلا عوفــي مـــن وقتـــه وساعتـــه فلمـــا سمـــع
والدنـا بذلـك أرسلنـا إلـى هـذا القصــر وأرســل معنــا العساكــر والجنــود وجمــع لنــا مــا نحتــاج إليــه وكــان
إذا أراد الركــوب يضــرب الطبــل فيحضــر لــه جميــع الجنــود فيختــار مــا يركبــه منهــم وينصــرف الباقـــون
فـإذا أراد والدنـا نحضـر عنـده أمــر أتباعــه مــن السحــرة بإحضارنــا فيأتوننــا ويأخذوننــا بيــن يديــه حتــى
يأتنـس بنـا ونقضــي أغراضنــا منــه ثــم يرجعوننــا إلــى مكاننــا ونحــن لنــا خمــس أخــوات ذهبــن يتصيــدن
فـي هـذه الفلـاة فـإن فيهــا مــن الوحــوش مــا لا يعــد ولا يحصــى وكــل اثنيــن منــا عليهمــا نوبــة فــي القعــود
لتسويــة الطعــام فجــاءت النوبــة علينــا أنــا وأختــي هــذه فقعـــدن لنســـوي لهـــن الطعـــام وكنـــا نســـأل اللـــه
===
سبحانـه وتعالـى أن يرزقنـا شخصــاً آدميــاً يؤانسنــا فالحمــد للــه الــذي أوصلــك إلينــا فطــب نفســاً وقــر
عينــاً مــا عليــك بــأس ففــرح حســن وقــال الحمــد للـــه الـــذي هدانـــا إلـــى طريـــق الخلـــاص وحنـــن علينـــا
القلــوب ثــم قامـــت وأخذتـــه مـــن يـــده وأدخلتـــه مقصـــورة وأخرجـــت منهـــا مـــن القمـــاش والفـــرش مـــا لا
يقــدر عليــه أحــد مــن المخلوقــات ثــم بعـــد ساعـــة حضـــر أخواتهمـــا مـــن الصيـــد والقنـــص فأخبرتاهـــن
بحديـث حسـن ففرحـن بـه ودخلـن عليـه فـي المقصـورة وسلمـن عليـه وهنينـه بالسلامـة ثـم أقـام عندهـن
فـي أطيـب عيـش وسـرور وصـار يخـرج معهــن إلــى الصيــد والقنــص ويذبــح الصيــد واستأنــس حســن
بهـن ولـم يـزل معهـن علـى هـذه الحالـة حتـى صـح جسـده وبـرأ مــن الــذي كــان بــه وقــوي جسمــه وغلــظ
وسمـن بسبـب مـا هـو فيـه مــن الكرامــة وقعــوده عندهــن فــي ذلــك الموضــع وهــو يتفــرج ويتفســح معهــن
فـي القصـر المزخـرف فـي البساتيـن والأزهـار وهـن يأخـذن بخاطـره ويؤانسنــه بالكلــام وقــد زالــت عنــه
الوحشـــة وزادت البنـــات بـــه فرحـــاً وســـروراً وكذلـــك هـــو فـــرح بهـــن أكثـــر ممـــا فرحـــن بــــه ثــــم أختــــه
الصغيــرة حدثــت أختهــا بحديــث بهــرام المجوســي وأنــه جعلهــن شياطيــن وأبالســـة وغيلـــان فحلفـــن لهـــا
أنـه لابـد مـن قتلـه فلمـا كـان العـام الثانـي حضـر الملعـون ومعـه شـاب مليــح مسلــم كأنــه القمــر وهــو مقيــد
بقيـد ومعـذب غايـة العـذاب فنـزل بـه تحــت القصــر الــذي دخــل فيــه حســن علــى البنــات وكــان حســن
جالساً على النهر تحت الأشجار فلما رآه حسن خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه.
===
وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن حسنــاً الصائــغ لمــا رأى المجوســي خفــق قلبــه وتغيــر لونــه وضــرب
بكفيـه وقـال باللــه يــا أخواتــي أعينونــي علــى قتــل هــذا الملعــون فهــا هــو حضــر وصــار فــي قبضتكــن
ومعـه شـاب مسلـم أسيـر مـن أولـاد النـاس الأكابـر وهـو يعذبــه بأنــواع العــذاب الأليــم وقصــدي أن أقتلــه
وأشفـي فـؤادي منـه وأريـح هـذا الشـاب مـن عذابـه وأكسـب الثـواب ويرجـع الشــاب المسلــم إلــى وطنــه
فيجتمــع شملــه مــع إخوانــه وأهلــه وأحبابــه ويكــون ذلــك صدقــة عنكــن وتفــزن بالأجــر مــن اللــه تعالــى
فقالــت لــه البنـــات السمـــع والطاعـــة للـــه ولـــك يـــا حســـن ثـــم إنهـــن ضربنـــا لهـــن لثامـــات ولبســـن أدوات
آلـــات الحـــرب وتقلـــدن بالسيـــوف وأحضـــرن لحســـن جـــواداً مــــن أحســــن الخيــــل وهيأنــــه بعــــدة كاملــــة
وسلحنـه سلاحـاً مليحــاً ثــم ســاروا جميعــاً فوجــدوا المجوســي قــد ذبــح جمــلاً وسلخــه وهــو يعاقــب
الشـاب ويقـول لـه ادخـل هـذا الجلـد فجـاء حسـن مـن خلفــه والمجوســي مــا عنــده علــم بــه وصــاح عليــه
فأذهلـه وخبلـه ثـم تقـدم إليـه وقـال لـه أمسـك يــدك يــا ملعــون يــا عــدو اللــه وعــدو المسلميــن يــا كلــب يــا
غــدار يــا عابــد النـــار يـــا سالـــك طريـــق الفجـــار أتعبـــد النـــار والنـــور وتقســـم بالظـــل والحـــر فالتفـــت
المجوســي فــرأى حسنــاً فقــال لــه يـــا ولـــدي كيـــف تخلصـــت ومـــن أنزلـــك إلـــى الـــأرض فقـــال لـــه حســـن
===
خلصنــي اللــه الــذي جعــل قبــض روحــك علــى يــد أعدائــك كمــا عذبتنـــي طـــول الطريـــق يـــا كافـــر يـــا
زنديـق قـد وقعـت فــي الضيــق وزغــت عــن الطــرق فــلا أم تنفعــك ولا أخ ولا صديــق ولا عهــد وثيــق
أنـك قلـت مـن يخـون العيـش والملـح ينتقـم اللـه منـه وأنـت خنـت الخبـز والملــح فأوقعــك اللــه فــي قبضتــي
وصـار خلاصـك منـي بعيـداً فقـال لـه المجوسـي واللـه يـا ولــدي أنــت أعــز مــن روحــي ومــن نــور عينــي
فتقــدم إليــه حســن وعجــل عليــه بضربــة علــى عاتقـــه فخـــرج السيـــف يلمـــع مـــن علائقـــه وعجـــل اللـــه
بروحـه إلـى النـار وبئـس القـرار ثـم إن حسنـاً أخـذ الجـراب الـذي كـان معـه وفتحــه وأخــرج الطبــل منــه
والزخمــة وضــرب بهــا علــى الطبــل فجــاءت النجائــب مثــل البــرق إلــى حســن فحــل الشــاب مــن وثاقــه
وأركبـه نجيبـاً وحمـل لـه الباقـي زاداً ومـاء وقـال لـه توجـه إلـى مقصــدك فتوجــه بعــد أن خلصــه اللــه مــن
الضيق على يد حسن.
ثـم إن البنـات لمـا رأيـن حسنــاً ضــرب رقبــة المجوســي فرحــن فرحــاً شديــداً ودرن حولــه وتعجبــن مــن
شجاعتــه ومــن شــدة بأســه وشكرنــه علــى مــا فعــل وهنأنــه بالسلامــة وقلــن لــه يــا حســن لقــد فعلــت
فعــلاً شفيــت بــه الغليــل وأرضيــت بــه الجليــل وســار هــو والبنــات إلــى القصــر وأقــام معهــن وهــو فــي
أكل وشرب ولعب وضحك وطابت له الإقامة عندهن ونسي أمه.
فبينمــا هــو معهــن فــي ألــذ عيــش إذ طلعــت عليهــم غبــرة عظيمــة مـــن صـــدر البريـــة أظلـــم لهـــا الجـــو
===
فقالـت لـه البنـات قـم يـا حسـن وادخـل مقصورتــك واختــف وإن شئــت فادخــل البستــان وتــوارى بيــن
الشجـر والكـروم فمـا عليـك بـأس ثـم إنـه قــام ودخــل واختفــى فــي مقصورتــه وأغلقهــا عليــه مــن داخــل
القصــر وبعــد ساعــة انكشــف الغبــار وبــان مــن تحتــه عسكــر جـــرار مثـــل البحـــر العجـــاج مقبـــلاً مـــن
عنــد الملــك أبــي البنــات فلمــا وصــل العسكــر أنزلتهــم أحســن منــزل وضيفتهــم ثلاثـــة أيـــام وبعـــد ذلـــك
سألهـم البنـات عـن حالهـم وعـن خبرهــم فقالــوا إننــا جئنــا مــن عنــد الملــك فــي طلبكــن فقلــن لهــم ومــا
يريــد الملــك منــا قالـــوا إن بعـــض الملـــوك يعمـــل فرحـــاً ويـــردي أن تحضـــرن ذلـــك الفـــرح ليتفرجـــن فقالـــت
لهــم البنــات: وكـــم نغيـــب عـــن موضعنـــا فقالـــوا مـــدة الـــرواح والمجـــيء وإقامـــة شهريـــن فقامـــت البنـــات
ودخلـن القصــر علــى حســن وأعلمنــه بالحــال وقلــن لــه إن هــذا الموضــع موضعــك وبيتــك وبيتنــا بيتــك
فطـب نفسـاً وقـر عينـاً ولا تخــف ولا تحــزن فإنــه لا أحــد يقــدر أن يجــيء إلينــا فــي هــذا المكــان فكــن
مطمئــن القلـــب منشـــرح الخاطـــر حتـــى نحضـــر إليـــك وهـــذه مفاتيـــح مقاصيرنـــا معـــك ولكـــن يـــا أخانـــا
نســـأل لـــك بحـــق الأخـــوة أنـــك لا تفتـــح هـــذا البـــاب فإنـــه ليـــس لـــك بفتحـــه حاجـــة ثـــم إنهــــن ودعنــــه
وانصرفـن فـي صحبــة العساكــر وقعــد حســن فــي القصــر وحــده وفــرغ صبــره وزاد كربــه واستوحــش
وحـــزن لفراقهـــن حزنـــاً عظيمـــاً وضـــاق عليـــه القصــــر مــــع اتساعــــه فلمــــا رأى نفســــه وحيــــداً منفــــرداً
تذكرهن.
===
وقالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً بعــد ذهــاب البنــات مــن عنــده قعــد فــي القصــر وحــده
فضــاق صــدره مــن فراقهــن ثــم إنــه صــار يذهــب وحــده إلــى الصيــد فــي البــراري فيأتــي بــه ويذبحــه
ويأكـل وحـده فـزادت بـه الوحشــة والقلــق مــن انفــراده فقــام ودار فــي القصــر وفتــش جميــع جهاتــه وفتــح
مقاصيــر البنــات فــرأى فيهــا مـــن الأمـــوال مـــا يذهـــب عقـــول الناظريـــن وهـــو لا يلتـــذ بشـــيء مـــن ذلـــك
بسبـب غيبتهـن والتهبـت فـي قلبـه النـار مـن البـاب الـذي أوصتـه أختـه بعـدم فتحـه وأمرتـه أنــه لا يقربــه
ولا يفتحـه أبـداً فقـال فـي نفسـه مـا أوصتنـي أختـي بعـدم فتــح هــذا البــاب إلا لكونــه فيــه شــيء تريــد
أن لا يطلــع عليــه أحــد واللــه إنــي لا أقــوم وأفتحــه وأنظــر مــا فيــه ولـــو كـــان فيـــه المنيـــة فأخـــذ المفتـــاح
وفتحــه فمــل يــر فيــه شيئــاً مــن المــال ولكنــه رأى سلمــاً فــي صــدر المكـــان معقـــود بحجـــر مـــن جـــذع
يمانـي فرقـي علــى ذلــك السلــم وصعــد إلــى أن وصــل إلــى سطــح القصــر فقــال فــي نفســه هــذا الــذي
منعتنـي أختـي عنـه ودار فوقـه فاشـرف علـى مكـان تحـت القصـر مملـوء بالمـزارع والبساتيـن والأشجـار
والأزهـــار والوحـــوش والطيـــور وهـــي تغــــرد وتسبــــح اللــــه الواحــــد القهــــار وصــــار يتأمــــل فــــي تلــــك
المتنزهـات فـرأى بحـراً عجاجـاً متلاطمـاً بالأمـواج ولـم يــزل دائــراً حــول ذلــك القصــر يمينــاً وشمــالاً حتــى
انتهــى إلــى القصــر علــى أربعــة أعمــدة فــرأى فيــه مقعــداً منقوشــاً بسائــر الأحجــار كالياقـــوت والزمـــرد
والبخلـش وأصنـاف الجواهـر وهـو مبنـي طوبـة مـن فضـة وطوبـة مـن ذهــب وطوبــة مــن ياقــوت وطوبــة
===
مــن زمــرد أخضــر وفــي تلــك القصــر بحيــرة ملآنــة بالمــاء وعليهــا مكعــب مـــن الصنـــدل وعواميـــد وهـــو
مشبـك بقضبـان الذهـب الأحمـر والزمـرد الأخضـر مزركــش بأنــواع الجواهــر واللؤلــؤ الــذي كــل حبــة منــه
قــدر بيضــة الحمامـــة وعلـــى جانـــب البحيـــرة تخـــت مـــن العـــود النـــد مرصـــع بالـــدر والجوهـــر مشبـــك
بالذهــب الأحمــر وفيــه مــن سائــر الفصــوص الملونــة والمعــادن النفيســة وهــي فــي الترصيــع يقبــل بعضهـــا
بعضـــاً وحولـــه الأطيـــار تغـــرد بلغـــات مختلفـــة وتسبـــح اللـــه تعالـــى بحســـن أصواتهــــا واختلــــاف لغاتهــــا
وهــذا القصــر لــم يملــك مثلــه كســرى ولا قيصــر فاندهــش حســن لمــا رأى ذلــك وجلــس فيــه ينظــر مـــا
حوله.
فبينمــا هــو جالــس فيــه وهــو متعجــب مــن حســن صنعتــه ومــن بهجــة مــا حـــواه مـــن الـــدر والياقـــوت
ومــا فيــه مــن سائــر الصناعــات ومتعجــب مــن تلــك المــزارع والأطيــار التــي تسبــح اللــه الواحــد القهــار
ويتأمـل فـي آثــار مــن قــدرة اللــه تعالــى علــى عمــارة هــذا القصــر العظيــم فإنــه عظيــم الشــأن وإذا هــو
بعشـر طيـور قـد أقبلـوا مــن جهــة البــر وهــم يقصــدون ذلــك القصــر وتلــك البحيــرة فعــرف حســن أنهــم
يقصــدون تلــك البحيــرة ليشربــوا مــن مائهــا فاستتــر منهــم خوفــاً أن ينظــروه فيفــروا منـــه ثـــم إنهـــم نزلـــوا
علــى شجــرة عظيمــة مليحــة وأداروا حولهــا فنظــر منهــم طيــراً عظيمــاً مليحــاً وهــو أحســن مــا فيهــم
والبقيــة محتاطــون بــه وهــم فــي خدمتــه فتعجــب حســن مــن ذلـــك وصـــار ذلـــك الطيـــر ينقـــر التسعـــة
===
بمنقــاره ويتعاظــم عليهــم وهــم يهربــون منــه وحســـن واقـــف عليهـــم مـــن بعيـــد ثـــم إنهـــم جلســـوا علـــى
السريــر وشــق كــل طيــر منهــم جلــده بمخالبــه وخــرج منــه فغــدا هــو ثــوب مـــن ريـــش وقـــد خـــرج مـــن
الثيــاب عشــر بنــات أبكــار يفضحــن بحسنهــن بهجــة الأقمـــار فلمـــا تعريـــن مـــن ثيابهـــن نزلـــن كلهـــن فـــي
البحيرة واغتسلن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والأربعين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن البنـــات لمـــا نزلـــن كلهـــن فـــي البحيـــرة واغتسلـــن وصــــرن يلعبــــن
ويتمازحـــن وصـــارت الطيـــرة الفائقـــة عليهـــن ترميهــــن وتغطسهــــن فيهربــــن منهــــا ولا يقــــدرن أن يمددنــــا
أيديهــن إليهــا فلمــا نظرهــا حســن غــاب عــن صوابــه وانسلــب عقلـــه وعـــرف أن البنـــات مـــا نهينـــه عـــن
فتـــح هـــذا البــــاب إلا لهــــذا السبــــب فشغــــف حســــن بهــــا حبــــاً لمــــا رأى حسنهــــا وجمالهــــا وقدهــــا
واعتدالهـا وهـي فـي لعـب ومـزاج ومراشـة بالمـاء وحســن واقــف ينظــر إليهــن ويتحســر حيــث لــم يكــن
معهـن وقـد حـار عقلـه مـن حسـن الجاريـة الكبيـرة وتعلـق قلبـه بمحبتهــا ووقــع فــي شــرك هواهــا والعيــن
ناظـرة وفـي القلــب نــار محرقــة والنفــس أمــارة بالســوء فبكــى حســن شوقــاً لحسنهــا وجمالهــا وانطلقــت
===
ثــم بعـــد ذلـــك طلعـــت البنـــات مـــن تلـــك البحيـــرة وحســـن واقـــف ينظـــر إليهـــن وهـــن لا ينظرنـــه وهـــو
يتعجــب مــن حسنهــن وجمالهــن ولطــف معانيهــن وظــرف شمائلهـــن فحانـــت منـــه التفاتـــة فنظـــر حســـن
إلـى الجاريـة الكبيـرة وهـي عريانـة فبـان لـه مـا بيـن فخذيهـا وهـو قبـة عظيمـة مـدورة بأربعـة اركـان كأنـه
طاسة من فضة أو بلور.
فلمــا خرجـــن مـــن المـــاء لبســـت كـــل واحـــدة ثيابهـــا وحليهـــا وأمـــا الجاريـــة الكبيـــرة فإنهـــا لبســـت حلـــة
خضــراء ففاقــت بجمالهــا ملــاح الآفـــاق وزهـــت ببهجـــة وجههـــا علـــى بـــدور الإشـــراق وفاقـــت علـــى
الغصون بحسن التثني وأذهلت العقول بوهم التمني.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً لمــا رأى البنــات قــد خرجــن مــن البحيــرة والكبيـــرة فيهـــن
أخــذت عقلــه بحسنهــا وجمالهــا ثــم إن البنــات لمــا لبســن ثيابهــن جلســن يتحدثـــن ويتضاحكـــن وحســـن
واقـف ينظـر إليهـن. وهـو غريـق فـي بحـر عشقــه وتائــه فــي وادي فكــره وهــو يقــول فــي نفســه واللــه مــا
أتعلـق بإحداهـن ثـم إنــه صــار ينظــر فــي محاســن هــذه الجاريــة وكانــت أجمــل مــا خلــق اللــه فــي وقتهــا
===
وقـد فاقـت بحسنهــا جميــع البشــر لهــا فــم كأنــه خاتــم سليمــان وشعــر أســود مــن الليــل الصــدود علــى
الكئيـــب الولهـــان وغـــرة كهلـــال رمضـــان وعيـــون تحاكــــي عيــــون الغزلــــان وأنــــف أقنــــي كثيــــر اللمعــــان
وخـــدان كأنهمـــا شقائـــق النعمـــان وشفتـــان كأنهمـــا مرجـــان وأسنــــان كأنهمــــا لؤلــــؤ منظــــوم فــــي قلائــــد
العقبــان وعنــق كسبيكــة فضــة فــوق قامــة كغصـــن البـــان وبطـــن طيـــات وأركـــان يبتهـــل فيهـــا العاشـــق
الولهـــان وســـرة تســـع أوقيـــة مســـك طيـــب الـــأردان وأفخـــاذ غلـــاظ سمـــان كأنهمـــا عواميـــد رخـــام أو
مخدتــان محشوتــان مــن ريــش النعــام وبينهمــا شــيء كأنــه أعظـــم العقبـــان وأرنـــب مقطـــوش الـــآذان ولـــه
سطــوح وأركــان هــذه الصبيــة فاقــت بحسنهــا وقدهــا علــى غصــون البـــان وعلـــى قضيـــب الخيـــزران
وهي كاملة.
ثـم إن البنـات لـم يزلـن فـي ضحـك ولعـب وهـو واقـف علـى قدميـه ينظــر إليهــن ونســي الأكــل والشــرب
إلـــى أن قـــرب العصـــر فقالـــت الصبيـــة لصواحبهـــا يـــا بنـــات الملـــوك إن الوقــــت أمســــى علينــــا وبلادنــــا
بعيــدة ونحــن قــد سئمنــا مــن المقــام هنــا فقمــن لنــروح محلنــا فقامــت كـــل واحـــدة منهـــن ولبســـت ثوبهـــا
الريــش فلمــا اندرجــن فــي ثيابهــن صــرن طيــوراً كمــا كــن أولاً وطــرن كلهــن سويـــة وتلـــك الصبيـــة فـــي
وسطهــن فيئــس حــن منهــن وأراد أن يقــوم وينــزل فلــم يقــدر أن يقــوم وصـــار دمعـــه يجـــري علـــى خـــده
ثـم إن حسـن مشـى قليـلاً وهـو لا يهتـدي إلـى الطريـق حتـى نـزل إلـى أسفـل القصـر ولـم يـزل يزحـف إلــى
===
أن وصـل إلـى بـاب المخـدع فدخـل وأغلقـه عليـه واضطجـع عليـلاً لا يأكــل ولا يشــرب وهــو غريــق فــي
بحر أفكاره فبكى وناح على نفسه إلى الصباح.
فلمــا طلعــت الشمــس فتــح بــاب المخــدع وطلــع إلــى المكــان الــذي كــان فيــه أولاً وجلـــس فـــي مكـــان
مقبــال إلــى أن أقبــل الليــل فلـــم يحضـــر أحـــد مـــن الطيـــور وهـــو جالـــس فـــي انتظارهـــم فبكـــى بكـــاء
شديــداً حتــى غشــي عليــه ووقــع علــى الــأرض مطروحــاً فلمــا أفــاق مــن غشيتـــه زحـــف ونـــزل إلـــى
أسفـل القصـر وقـد أقبـل الليــل فضاقــت عليــه الدنيــا باسرهــا ومــا زال يبكــي وينــوح علــى نفســه طــول
الليلـة إلـى أن أتــى الصبــاح وطلعــت الشمــس علــى الروابــي والبطــاح وهــو لا يأكــل ولا يشــرب ولا ينــام
ولا يقر له قرار وفي نهاره حيران وفي ليله سهران مدهوش سكران من الفكر الذي هو فيه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً الصائــغ لمــا زاد عشقــه وهــو فــي القصــر وحــده ولــم يجــد
مـن يؤانسـه فبينمـا هـو فـي شـدة ولهـه وإذا بغبـرة قـد طلعـت مــن البــر فقــام يجــري إلــى أسفــل واختفــى
وعـــرف أن أصحـــاب القصـــر أتــــوا فلــــم يكــــن غيــــر ساعــــة إلا والعسكــــر قــــد نزلــــوا وداروا بالقصــــر
===
ونزلــت السبــع بنــات ودخلــن القصــر فنزعــن سلاحهـــن ومـــا كـــان عليهـــن مـــن آلـــات الحـــرب وأم البنـــت
الصغيــرة أختــه فإنهــا لــم تنـــزع مـــا عليهـــا مـــن آلـــة الحـــرب بـــل جـــاءت إلـــى مقصـــورة حســـن فلـــم تـــراه
ففتشــت عليــه فوجدتــه فــي مخــدع مــن المخـــادع وهـــو ضعيـــف نحيـــل قـــد كـــل جسمـــه ورق عظمـــه
واصفـر لونـه وغابـت عينـاه فـي وجهـه مـن قلـة الأكـل والشـرب ومـن كثـرة الدمـوع بسبــب تعلقــه بالصبيــة
وعشقــه لهــا فلمــا رأتــه أختــه الجنيــة علــى هـــذه الحالـــة اندهشـــت وغـــاب عنهـــا عقلهـــا فسألتـــه عـــن
حالـه ومـا هـو فيـه وأي شـيء اصابـه وقالـت لـه أخبرنــي يــا أخــي حتــى أتحيــل لــك فــي كشــف ضــرك
وأكون فداءك فبكى بكاء شديداً وأنشد يقول:
محـب إذا مـا بـان عنـه حبيبــه فليــس لــه إلا الكآبـــة والضـــر
فباطنـه سقـم وظاهــره جــوى وأولــــه ذكـــــر وآخـــــره فكـــــر
فلمــا سمعــت منــه أختــه ذلــك تعجبــت مــن فصاحتــه ومـــن بلاغـــة قولـــه ومـــن حســـن لفظـــه ومجاوبتـــه
لهـا بالشعـر فقالــت لــه يــا أخــي متــى وقعــت فــي هــذا الأمــر الــذي أنــت فيــه ومتــى حصــل لــك فإنــي
أراك تتكلــم بالأشعـــار وترخـــي بالدمـــوع الغـــزار فباللـــه عليـــك يـــا أخـــي وحرمـــة الحـــب الـــذي بينـــي
وبينك أن تخبرنـي بحالـك وتطلعنـي علـى سـرك ولا تخـف منـي شيئـاً ممـا جـرى لـك فـي غيابنـا فإنـه قـد
ضـاق صـدري وتكـدر عيشـي بسببـك فتنهـد وأرخـى الدمـوع مثـل المطــر وقــال أخــاف يــا أختــي إذا
===
أخبرتــك لا تساعدينــي علــى مطلوبــي وتتركينـــي أمـــوت كمـــداً بغصتـــي فقالـــت لا واللـــه يـــا أخـــي مـــا
أتخلـى عنـك ولـو كانـت روحـي فحدثهـا بمـا جـرى لـه ومـا عاينــه حيــن فتــح البــاب وأخبرهــا أن سبــب
الضـرر والبـلاء عشـق الصبيـة التــي رآهــا وإن لــه عشــرة أيــام ولــم يستطعــم بطعــام ولا شــراب ثــم إنــه
بكى بكاء شديداً.
فبكـت أختـه لبكائـه ورقــت لحالــه ورحمــت غربتــه ثــم قالــت لــه يــا أخــي طــب نفســاً وقــر عينــاً فأنــا
أخاطــر بنفســي معــك وابــذل روحــي فــي رضــاك وأدبـــر لـــك حيلـــة ولـــو كـــان فيهـــا ذهـــاب نفائســـي
ونفسـي حتـى أقضـي غرضـك إن شـاء اللـه تعالـى ولكـن أوصيـك يـا أخـي بكتمـان الســر عــن أخواتــي
فــلا تظهــر حالــك علــى واحــدة منهــن لئــلا تــروح روحــك وإن سألتــك عــن فتــح البـــاب فقـــل لهـــن مـــا
فتحتـه أبـداً ولكـن أنــا مشغــول القلــب مــن أجــل غيابكــن عنــي ووحشتــي إليكــن وقعــودي فــي القصــر
وحــدي فقــال لهــا نعــم هــذا هــو الصــواب ثــم إنــه قبــل رأسهــا وطــاب خاطــره وانشــرح صــدره وكــان
خائفــاً مــن أختــه بسبــب فتــح البــاب فــردت إليــه روحــه بعــد أن كــان مشرفــاً علــى الهلـــاك مـــن شـــدة
الخــوف ثــم إنــه طلــب مــن أختــه شيئــاً يأكلــه فقامــت وخرجــت مــن عنــده ثـــم دخلـــت علـــى أخواتهـــا
وهـي حزينـة باكيـة عليـه فسألنهــا عــن حالهــا فأخبرتهــن أن خاطرهــا مشغــول علــى أخيهــا وأنــه مريــض
وله عشرة أيام ما نزل في بطنه زاد أبداً فسألنها عن سبب مرضه.
===
فقالـت لهـن سببـه غيابنـا لأننـا أوحشنـاه فـإن هــذه الأيــام التــي غبنــا عنــه كانــت عليــه أطــول مــن ألــف
عــام وهــو معــذور لأنــه غريــب ووحيــد ونحــن تركنــاه وحــده وليــس عنــده مــن يؤانســـه ولا مـــن يطيـــب
خاطـره وهـو شـاب صغيـر علـى كـل حـال وربمــا تذكــر أهلــه وأمــه وهــي امــرأة كبيــرة فظــن أنهــا تبكــي
عليه أثناء الليل وأطراف النهار ولم تزل حزينة عليه وكنا نسليه بصحبتنا له.
فلمـا سمـع أخواتهـا كلامهـا بكيـن مـن شـدة التأســف عليــه وقلنــا لهــا واللــه إنــه معــذور ثــم خرجــن إلــى
العسكـــر وصرفنهـــم ودخلـــن علـــى حســـن فسلمـــن عليـــه ورأينـــه قـــد تغيــــرت محاسنــــه واصفــــر لونــــه
وانتحـل جسمـه فبكيـن شفقـة عليـه وقعـدن عنـده وآنسنـه وطيبـن قلبـه بالحديـث وحكيـن لــه جميــع مــا
رأيــن مــن العجائــب والغرائــب ومــا جــرى للعريــس مــع العروســة ثــم إن البنــات أقمـــن عنـــده مـــدة شهـــر
كامـل وهــن يؤانسنــه ويلاطفنــه وهــو كــل يــوم يــزداد مرضــاً علــى مرضــه وكلمــا راينــه علــى هــذه الحالــة
يبكيـن عليـه بكـاء شديـداً وأكثرهـن بكـاء البنـت الصغيـرة ثـم بعـد الشهـر اشتاقـت البنـات إلـى الركـوب
للصيد والقنص فعزمن على ذلك وسألن أختهن الصغيرة أن تركب معهن.
فقالـــت لهـــن واللـــه يـــا أخواتـــي مـــا أقـــدر أن أخـــرج معكـــن وأخـــي علـــى هـــذه الحالـــة حتـــى يتعافــــى
ويــزول عنــه مــا هــو فيـــه مـــن الضـــرر بـــل أجلـــس عنـــده لأعللـــه فلمـــا سمعـــت كلامهـــا شكرنهـــا علـــى
مروءتهـا وقلـن لهـا كـل مـا تفعلينــه مــع هــذا الغريــب تؤجريــن عليــه ثــم تركنهــا عنــده فــي القصــر وركبــن
===
ثــم قالــت بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن البنــات لمــا ركبــن ورحـــن إلـــى الصيـــد والقنـــص تركـــن أختهـــن
الصغيـــرة قاعـــدة عنـــد حســـن فلمـــا بعـــدن عـــن القصـــر وعرفـــت أختهـــن أنهـــن قطعـــن مسافـــة بعيـــدة
أقبلت على أخيها وقالت له يا أخي قم ارني هذا الموضع الذي رأيت فيه البنات.
فقــال باســـم اللـــه علـــى الـــرأس وفـــرح بقولهـــا وايقـــن ببلـــوغ مقصـــوده ثـــم إنـــه أراد أن يقـــوم معهـــا ويريهـــا
المكـان فلــم يقــدر علــى المشــي فحملتــه فــي حضنهــا وجــاءت إلــى القصــر فوقــه أراهــا الموضــع الــذي
رأى فيه البنات وأراها المقعد وبركة الماء.
فقالـــت لـــه أختـــه صـــف لـــي يـــا أخـــي حالهـــن كيـــف جئـــن فوصـــف لهـــا مـــا رأى منهـــن وخصوصــــاً
البنـت التـي تعلـق بهـا فلمـا سمعـت وصفهـا عرفتهـا فاصفـر وجههـا وتغيـر حالهـا فقـال لهـا يــا أختــي قــد
اصفـر وجهـك وتغيـرت حالتــك فقالــت لــه يــا أخــي اعلــم أن هــذه الصبيــة بنــت ملــك مــن ملــوك الجــان
العظــام الشــأن قــد ملــك أبوهــا انســاً وجانــاً وسحــرة وكهانــاً وأرهاطــاً وأعوانــاً وأقاليمـــاً وبلدانـــاً كثيـــرة
وأمــوالاً عظامــاً وأبونــا نائــب مــن جملــة نوابــه فــلا يقــدر عليــه أحــد مــن كثـــرة عساكـــره واتســـاع مملكتـــه
وكثرة ماله.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن أختـه قالــت لــه: وأبونــا نائــب مــن جملــة نوابــه فــلا يقــدر عليــه مــن
كثـرة عساكـره واتسـاع مملكتـه وكثـرة مالــه وقــد جعــل لأولــاده البنــات اللواتــي رأيتهــن مسيــرة سنــة كاملــة
طــولاً وعرضــاً وقــد زاد علــى ذلــك القطــر نهــر عظيــم محيــط بــه فــلا يقــدر أحــد أن يصــل إلــى ذلـــك
المكــان لا مــن الانــس ولا مــن الجــان ولــه مــن البنـــات الضاربـــات بالسيـــوف الطاعنـــات بالرمـــاح خمســـة
وعشــــرون ألفــــاً واحــــدة منهــــن إذا ركبــــت جوادهــــا ولبســــت آلــــة حربهــــا تقـــــاوم ألـــــف فـــــارس مـــــن
الشجعــان ولــه سبــع نبــات فيهــن مــن الشجاعــة والفروسيــة مــا فــي أخواتهـــن وأزيـــد وقـــد ولـــى علـــى
هــذا القطــر الـــذي عرفتـــك بـــه ابنتـــه الكبـــرى وهـــي أكبـــر أخواتهـــا وفيهـــا مـــن الشجاعـــة والفروسيـــة
والخـــداع والمكـــر والسحـــر مـــا تغلـــب بـــه اهـــل مملكتهـــا وأمـــا البنـــات اللاتـــي معهـــا فهــــن أربــــا دولتهــــا
وأعوانهـا وخواصهـا مـن ملكهـا وهـذه الجلـود الريـش التـي يطـرن بهــا إنمــا هــي صنعــة سحــرة الجــان وإذا
أردت أن تملــك هــذه الصبيــة وتتــزوج بهــا فاقعــد هنــا وانتظرهــا لأنهــن يحضــرن علـــى رأس كـــل شهـــر
إلــى هــذا المكــان فــإذا رأيتهــن قــد حضــرن فاختــف وإيــاك أن تظهــر فتــروح أرواحنــا جميعــاً فاعــرف
الـذي أقولـه لـك واحفظـه فـي ذهنـك واقعـد فـي مكـان يكـون قريبـاً منهـن بحيـث إنـك تراهــن ولا يرونــك
فـإذا قلعـن ثيابهـن فألـق نظـرك علـى الثـوب الريـش الـذي هـو للكبيــرة التــي فــي مــرادك وخــذه ولا تأخــذ
شيئـاً غيــره فإنــه هــو الــذي يوصلهــا إلــى بلادهــا فإنــك إذا ملكتــه ملكتهــا وإيــاك أن تخدعــك وتقــول يــا
===
مــن ســرق ثوبــي رده علــي وهــا أنــا عنــدك وبيــن يديــك وفــي حوزتــك فإنــك إن أعطيتهــا إيــاه قتلتــك
وتخـــرب علينـــا القصـــور وتقتـــل إيانـــا فاعـــرف حالـــك كيـــف تكـــون فـــإذا رأى أخواتهـــا أن ثوبهــــا قــــد
ســرق طــرن وتركنهــا قاعــدة وحدهــا فادخــل عليهـــا وامسكهـــا مـــن شعرهـــا واجذبهـــا فـــإذا جذبتهـــا
إليـك فقـد ملكتـا وصــارت فــي حوزتــك فاحتفــظ بعــد هــذا علــى الثــوب الريــش فإنــه مــا دام عنــدك
فهـو قبضتـك وأسـرك لأنهــا لا تقــدر أن تطيــر إلــى بلادهــا إلا بــه فــإذا أخذتهــا فاحملهــا وانــزل بهــا إلــى
مقصورتك ولا تبين لها أنك أخذت الثوب.
فلمـا سمـع حسـن كلـام أختـه اطمـأن قلبـه وسكـن روعـه وزال مــا بــه مــن الألــم ثــم انتصــب قائمــاً علــى
قدميـه وقبـل رأس أختـه وبعـد ذلــك قامــا ونــزلا مــن فــوق القصــر هــو وأختــه ونامــا ليلتهمــا وهــو يعالــج
نفسه إلى أن أصبـح الصبـاح فلمـا طلعـت الشمـس قـام وفتـح البـاب وطلـع إلـى فـوق ولـم يـزل قاعـداً إلـى
العشاء فطلعت له أخته بشيء مـن الأكـل والشـرب وغيـر ثيابـه ونـام ولـم تـزل معـه علـى هـذه الحالـة فـي
كـل يـوم إلـى أن هـل الشهـر فلمـا رأى الهلـال صــار يرتقبهــن فبينمــا هــو كذلــك وإذا بهــن قــد أقبلــن عليــه
مثـل البــرق فلمــا رآهــن اختفــى فــي مكــان بحيــث يراهــن ولا يرينــه فنزلــت الطيــور وقعــدت كــل طيــرة
منهـن فـي مكـان وقلعـن ثيابهـن وكذلـك البنـت التـي يحبهـا وكــان ذلــك فــي مكــان قريــب مــن حســن ثــم
نزلت البحيرة مع أخواتها.
===
فعنـد ذلـك قــام حســن ومشــى قليــلاً وهــو مختــف وستــر اللــه عليــه فأخــذ الثــوب ولــم تنظــره واحــدة
منهــن بــل كــن يلعبــن مــع بعضهــن فلمــا فرغـــن طلعـــن ولبســـن كـــل واحـــدة منهـــن ثوبهـــا الريـــش وجـــاءت
محبوبتــه لتلبـــس ثوبهـــا فلـــم تجـــده فصاحـــت ولطمـــت علـــى وجههـــا وشقـــت ثيابهـــا فأقبلـــت أخواتهـــا
وسالنهــا عــن حالهـــا فأخبرتهـــن أن ثوبهـــا الريـــش قـــد فقـــد فبكيـــن وصرخـــن ولطمـــن علـــى وجوههـــن
وحين أمسى عليهن الليل لم يقدرن أن يقعدن عندها فتركنها فوق القصر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والأربعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً لمــا أخــذ ثــوب البنــت طلبتــه فلــم تجـــده وطـــار أخواتهـــا
وتركنهـا وحدهـا فلمـا رآهـن حسـن طـرن وغبـن عنهـا أصغــى إليهــا فسمعهــا تقــول: يــا مــن أخــذ ثوبــي
وأعرانــي سألتــك أن تــرده علــي وتستـــر عورتـــي فـــلا أذاقـــك اللـــه حسرتـــي فلمـــا سمـــع حســـن هـــذا
الكلــام منهــا سلــب عقلــه فــي عشقهــا وازدادت محبتــه لهــا ولــم يطــق أن يصبــر عنهـــا فقـــام مـــن مكانـــه
وصــار يجــري حتــى هجــم عليهـــا وأمسكهـــا ثـــم جذبهـــا إليـــه ونـــزل بهـــا إلـــى أسفـــل القصـــر وأدخلهـــا
مقصورتــه ورمــى عليهــا عباءتــه وهــي تبكــي وتعــض علــى يديهـــا فأغلـــق عليهـــا البـــاب وراح لأختـــه
===
وأعلمهــا أنــه حصلهــا وظفــر بهــا ونــزل بهــا إلــى مقصورتــه وقــال لهـــا: إنهـــا الـــآن قاعـــدة تبكـــي وتعـــض
على يديها.
فلمـا سمعـت أختـه كلامــه قامــت وتوجهــت إلــى المقصــورة ودخلــت عليهــا فرأتهــا تبكــي وهــي حزينــة
فقبلـت الــأرض بيــن يديهــا ثــم سلمــت عليهــا فقالــت لهــا الصبيــة: يــا بنــت الملــك أهكــذا تفعــل النــاس
مثلكـم هـذه الفعـال الرديئـة مــع بنــات الملــوك وأنــت تعرفيــن أن أبــي ملــك عظيــم وأن جميــع ملــوك الجــان
تفـزع منـه وتخـاف مـن سطوتـه وعنـده مـن السحــرة والحكمــاء والكهــان والشياطيــن والمــردة مــا لا طاقــة
لأحــد عليــه وتحــت يــده خلــق لا يعلــم عددهــم إلا اللــه تعالــى وكيــف يصلــح لكــم يـــا بنـــات الملـــوك أن
تأويـــن رجـــال الإنـــس عندكـــم وتطلعنهـــن علـــى أحوالنـــا وأحوالكـــن وإلا فمـــن أيـــن يصـــل هــــذا الرجــــل
إلينا.
فقالــت لهــا أخــت حســن: يــا بنــت الملــك إن هــذا الإنســـي كامـــل المـــروءة وليـــس قصـــده أمـــراً قبيحـــاً
وربمـا هـو يحبـك ومــا خلقــت النســاء إلا للرجــال ولــولا أنــه يحبــك مــا مــرض لأجلــك وكــادت روحــه أن
تزهـق فـي هـواك وحكـت لهـا جميـع مــا أخبرهــا بــه حســن مــن عشقــه لهــا وكيــف عملــت البنــات فــي
طيرانهــن واغتسالهــن وأنــه لــم يعجبــه مــن جميعهــن غيرهــا لأنهــن كلهــن جــوار لهــا وأنهــا كانــت تغطسهــن
في البحيرة وليس واحدة منهن تقدر أن تمد يدها إليها.
===
فلمــا سمعــت كلامهـــا يئســـت مـــن الخلـــاص فعنـــد ذلـــك قامـــت أخـــت حســـن وخرجـــت مـــن عندهـــا
وأحضــرت لهــا بدلــة فاخــرة فألبستهـــا إياهـــا وأحضـــرت لهـــا شيئـــاً مـــن الأكـــل والشـــرب فأكلـــت هـــي
وإياهـا وطيبـت قلبهـا وسكنـت روعهــا ولــم تــزل تلاطفهــا بليــن ورفــق وتقــول لهــا: ارحمــي مــن نظــرك
فأصبـح قتيـلاً فـي هـواك ولـم تـزل تلاطفهـا وترضيهــا وتحســن لهــا القــول والعبــارة وهــي تبكــي إلــى أن
طلـع الفجــر فطابــت نفسهــا وأمسكــت عــن بكائهــا لمــا علمــت أنهــا وقعــت ولا يمكــن خلاصهــا وقالــت
لأخـت حسـن: يـا بنـت الملـك بهـذا حكـم اللـه علـى ناصيتـي مـن غربتـي وانقطاعـي عــن بلــدي وأهلــي
وأخواتـي فصبـر جميـل علــى مــا قضــاه ربــي ثــم أن أخــت حســن أخلــت لهــا مقصــورة فــي القصــر لــم
يكـن هنـاك أحسـن منهـا ولـم تـزل عندهـا تسليهـا وتطيــب خاطرهــا حتــى رضيــت وانشــرح صدرهــا
وضحكــت وزال مــا عندهــا مــن الكــدر وضيــق الصــدر مــن فــراق الأهــل والأوطــان وفــراق أخواتهــا
وأبويها وملكها.
ثـم أن أخـت حســن خرجــت إليــه وقالــت لــه: قــم ادخــل عليهــا فــي مقصورتهــا وقبــل يديهــا ورجليهــا
فدخــل وفعــل ذلــك ثــم قبلهــا بيــن عينيهــا وقــال لهــا: يــا سيــدة الملــاح وحيــاة الــأرواح ونزهــة الناظريــن
كونـي مطمئنـة القلـب أنـا مـا أخذتـك إلا لأجـل أن أكــون عبــدك إلــى يــوم القيامــة وأختــي هــذه جاريتــك
وأنـا يـا سيدتـي مـا قصـدي إلا أن أتزوجـك بسنـة اللـه ورسولــه وأســا فــر إلــى بلــادي وأكــون أنــا وأنــت
===
فـي مدينـة بغــداد وأشتــري لــك الجــواري والعبيــد ولــي والــدة مــن خيــار النســاء تكــون فــي خدمتــك
وليــس هنــاك بلــاد أحســـن مـــن بلادنـــا وكـــل مـــا فيهـــا أحســـن ممـــا فـــي غيـــره مـــن سائـــر البلـــاد وأهلهـــا
وناسها ناس طيبون بوجوه صباح.
فبينمــا هــو يخاطبهــا ويؤانسهــا وهـــي لا تخاطبـــه بحـــرف واحـــد وإذا بـــدق يـــدق بـــاب القصـــر فخـــرج
حســـن ينظـــر مـــن بالبـــاب فـــإذا هـــن البنـــات قـــد حضـــرن مـــن الصيـــد والقنـــص ففــــرح بهــــن وتلقاهــــن
وحياهـــن فدعـــون لـــه بالسلامـــة والعافيـــة ودعـــا هـــو الآخـــر ثـــم نزلــــن عــــن خيولهــــن ودخلــــن القصــــر
ودخلـــت كـــل واحـــدة منهـــن مقصورتهـــا ونزعـــت مـــا كـــان عليهـــا مـــن الثيـــاب الرثــــة ولبســــت قماشــــاً
مليحـاً وقـد اصطـدن شيئـاً كثيـراً مــن الغزلــان وبقــر الوحــوش والأرانــب والسبــاع والضبــاع وغيــر ذلــك
وقدمـن منـه شيئـاً إلـى الذبـح وتركـن الباقـي عندهـن فـي القصـر وحسـن واقـف بينهـن مشـدود الوسـط
يذبح لهن وهن يلعبن وينشرحن وقد فرحن بذلك فرحاً شديداً.
فلمـا فرغـن مـن الذبـح قعـدن يعملـن شيئـاً ليتغــدوا بــه فتقــدم حســن إلــى البنــت الكبيــرة وقبــل رأسهــا
وصــار يقبــل رأسهــن واحــدة بعــد الأخــرى فقلــن لــه: لقــد أكثــرت التنــزل إلينـــا يـــا أخانـــا وعجبنـــا مـــن
فـرط تـوددك إلينـا وأنـت رجـل آدمـي ونحـن مـن الجـن فدمعــت عيونــه وبكــى بكــاءً شديــداً فقلــت: مــا
الخبـر ومـا يبكيـك قـد كـدرت عيشنـا ببكائـك فـي هـذا اليـوم كأنـك اشتقـت إلــى والدتــك والــى بلــادك
===
فــإن كــان الأمــر كذلــك فنأخــذك ونسافــر بـــك إلـــى وطنـــك وأحبابـــك. فقـــال لهـــن: واللـــه مـــا مـــرادي
فراقكــن فقلــن لــه: وحينئــذ مــن شــوش عليــك منــا حتــى تكــدرت فخجــل أن يقــول مــا شـــوش علـــي
إلا عشـق الصبيـة خيفـة أن ينكـرن عليــه فسكــت ولــم يعلمهــن بشــيء مــن حالــه فقامــت أختــه وقالــت
لهــن: اصطــاد طيــرة مــن الهــواء ويريــد منكــن أن تعنــه علــى تأهيلهــا فالتفتــن إليــه كلهــن وقلــن لــه: نحــن
كلنــا بيــن يديــك ومهمــا طلبتــه فعلنــاه لكــن قــص علينــا خبــرك ولا تكتــم عنــا شيئـــاً مـــن حالـــك فقـــال
لأخته: قص خبري عليهن فإني استحي منهن ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام. فقالت:
بينمــا هـــو جالـــس يومـــاً مـــن الأيـــام وإذا بعشـــر طيـــور إنـــاث أقبلـــن عليـــه قاصـــدات القصـــر ولـــم يزلـــن
سائـرات حتـى جلسـن علـى البحيـرة التــي فوقهــا المنظــرة فنظــر إلــى الطيــرة التــي هــي أحسنهــن وهــي
تنقرهـن ومـا فيهـن واحــدة تقــدر أن تمــد يدهــا إليهــا ثــم جعلــن لمخالبهــن فــي أطواقهــن فشققــن الثيــاب
الريــش وخرجــن منهــا وصــارت كــل واحــدة منهــن صبيــة مثــل البــدر ليلــة تمامــه ثـــم خلعـــن مـــا عليهـــن
وحسـن واقـف ينظــر إليهــن ونزلــن المــاء وصــرن يلعبــن والصبيــة الكبــرى تغطسهــن وليــس منهــن واحــدة
تقــدر أن تمــد يدهــا إليهــا وهــي أحسنهــن وجهــاً وأعدلهــن قــداً وأنظفهــن لباســاً ولــم يزلـــن علـــى هـــذه
الحالة إلـى أن قـرب العصـر ثـم طلعـن مـن البحيـرة ولبسـن ثيابهـن ودخلـن فـي القمـاش الريـش والتففـن فيـه
وطــرن فاشتعــل فــؤاده واشتعــل قلبــه بالنــار مــن أجــل الطيــرة الكبيــرة ونــدم لكونــه لــم يســرق قماشهـــا
===
الريــش فمــرض وأقــام فــوق القصــر ينظرهــا فامتنــع مــن الأكــل والشــرب والنــوم. ولــم يــزل كذلــك حتــى
لــاح الهلــال فبينمــا هــو قاعــد وإذا بهــن قــد أقبلــن علــى عادتهــن فقلعــن ثيابهـــن ونزلـــن البحيـــرة فســـرق
ثــوب الكبيــرة فلمــا عــرف أنهــا لا تقــدر أن تطيــر إلا بــه أخــذه وأخفــاه خيفــة أن يطلعــن عليـــه فيقتلنـــه
ثــم صبــر حتــى طــرن فقــام وقبــض عليهــا ونــزل بهـــا مـــن فـــوق القصـــر فقـــال لهـــا أخواتهـــا: وأيـــن هـــي
قالـت لهـن: هـي عنـده فـي المخـدع الفلانـي فقلـن: صفيهـا لنـا يـا أختـي فقالـت: هـي أحسـن مـن البــدر
ليلــة تمامــه ووجههــا أضــوأ مــن الشمــس وريقهــا أحلــى مــن الشــراب وقدهــا أرشــق مـــن القضيـــب ذات
طــرف أحــور ووجــه أقمــر وجبيــن أزهــر وصــدر كأنــه جوهــر ونهديــن كأنهمــا رمانتــان وخديــن كأنهمــا
تفاحتــان وبطــن مطــوي الأعكـــان وســـرة كأنهـــا حـــق عـــاج بالمســـك ملـــآن وفخذيـــن كأنهمـــا مـــن المرمـــر
عامــودان تأخــذ القلــوب بظــرف كحيــل ورقــة خصــر نحيــل وردف ثقيــل وكلـــام يشفـــي العليـــل مليحـــة
القوام حسنة الإبتسام كأنها بدر التمام.
فلمـا سمعــت البنــات هــذه الأوصــاف التفتــن إلــى حســن وقلــن لــه: أرنــا إياهــا فقــام معهــن وهــو ولهــان
إلــى أن أتــى بهــن إلــى المخــدع الــذي فيــه بنــت الملــك وفتحــه ودخــل وهــن خلفــه فلمـــا رأينهـــا وعايـــن
جمالهـا قبلـن الـأرض بيـن يديهـا وتعجبـن مـن حسـن صورتهـا وظــرف معانيهــا وسلمــن عليهــا وقلــن لهــا:
واللـه يـا بنــت الملــك الأعظــم إن هــذا شــيء عظيــم ولــو سمعــت بوصــف هــذا الإنســي عنــد النســاء
===
لكنـت تتعجبيـن منـه طـول دهـرك وهـو متعلـق بـك غايـة التعلـق إلا أنـه يـا بنـت الملـك لـم يطلـب فاحشــة
ومـا طلبـك إلا فـي الحلـال ولـو علمنـا أن البنـات تستغنــي عــن الرجــال لكنــا منعنــاه عــن مطلوبــه مــع أنــه
لم يرسل إليك رسولاً بل أتى إليك بنفسه وأخبرنا أنه أحرق الثوب الريش وإلا كنا أخذناه منه.
ثـــم أن واحـــدة مـــن البنـــات اتفقـــت هـــي وإياهـــا وتوكلـــت فـــي العقـــد وعقـــدت عقدهـــا علـــى حســـن
وصافحهــا ووضــع يــده فـــي يدهـــا وزوجنهـــا لـــه بإذنهـــا وعملـــن فـــي فرحهـــا مـــا يصلـــح لبنـــات الملـــوك
وأدخلنـــه عليهـــا فقـــام حســـن وفتـــح البـــاب وكشـــف الحجـــاب وفـــض ختمهــــا وتزايــــدت محبتــــه فيهــــا
وتعاظم وجده شغفاً بها وحيث حصل مطلوبه هنأ نفسه وأنشد هذه الأبيات:
قوامـك فتــانٌ وطرفــك أحــورٌ ووجهك من ماء الملاحة يقطر
تصورت في عيني أجل تصور فنصفك ياقـوت وثلثـك جوهـر
وخمسك من مسك وسدسك عنبر وأنت شبيه الدر بل أنت أزهر
وما ولدت حواء مثلك واحداً ولا في جنان الخلد مثلـك آخـر
فإن شئت تعذيبي فمن سنن الهوى وإن شئت أن تعفي فأنت مخير
فيا زينة الدنيا ويا غاية المنـى فمن ذا الذي عن حسنٍ وجهك يصبر
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن حسنــاً لمــا دخــل علــى بنــت الملــك وأزال بكارتهــا والتــذ بهــا لــذة
عظيمــة وزادت محبتــه لهــا ووجــده بهــا فأنشــد فيهــا الأبيـــات المذكـــورة وكانـــت البنـــات واقفـــات علـــى
البــاب فلمــا سمعــن الشعــر قلــن لهــا يــا بنــت الملــك اسمعــي قـــول هـــذا الإنســـي وكيـــف تلوميننـــا وقـــد
أنشد الشعر في هواك فلما سمعت ذلك انبسطت وانشرحت وفرحت.
ثــم إن حسنــاً أقــام معهــا أربعيــن يومــاً فــي حــظٍ وســرورٍ ولــذةٍ وحبـــور والبنـــات يجـــددن لـــه كـــل يـــوم
فرحـاً ونعمـة وهدايـا وتحفـا وهـو بينهـن فـي سـرورٍ وانشـراحٍ وطـاب لبنـت الملـك القعـود بينهــن ونسيــت
أهلهــا ثــم بعــد الأربعيــن يومــاً كــان حســن نائمــاً فــرأى والدتــه حزينــة عليــه وقـــد رق عظمهـــا وانتحـــل
جسمها واصفر لونها وتغير وكان هو في حالة حسنة.
فلمــا رأتــه علــى هــذه الحالــة قالــت لــه: يــا ولــدي يــا حســن كيــف تعيــش فــي الدنيــا منعمــاً وتنسانــي
فانظـر حالـي بعـدك وأنـا مـا أنســاك ولا لسانــي يتــرك ذكــرك حتــى أمــوت وقــد عملــت لــك قبــراً عنــدي
فـي الـدار حتـى لا أنسـاك أبـداً أتـرى أعيــش يــا ولــدي وأنظــرك عنــدي ويعــود شملنــا مجتمعــاً كمــا كــان
فانتبـه حسـن مـن نومـه وهـو يبكــي وينــوح ودموعــه تجــري علــى خديــه مثــل المطــر وصــار حزينــاً كئيبــاً
لا ترتفــع دموعــه ولــم يجئــه نــوم ولا يقــر لــه قــرار ولـــم يبـــق عنـــده اصطبـــار فلمـــا أصبـــح دخلـــن عليـــه
البنــات وصبحـــن عليـــه وانشرحـــن معـــه علـــى عادتهـــن فلـــم يلتفـــت إليهـــن فسألـــن زوجتـــه عـــن حالـــه
===
فقالــت لهــن: مــا أدري فقلــن لهــا: اسأليــه عــن حالــه فتقدمــت إليــه وقالــت لـــه: مـــا الخبـــر يـــا سيـــدي
فتنهد وتضجر وأخبرها بما رآه في منامه ثم أنشد هذين البيتين:
قـد بقيـن موسوسيـن حيــارى نطلـب القـرب مـا إليــه سبيــل
فدواهــي الهــوى تزيــد علينـــا ومقــــام الهــــوى علينــــا ثقيــــل
فأخبرتهــن زوجتــه بمــا قالــه لهــا فلمــا سمعــت البنــات الشعــر رفقــن لحالــه وقلــن لــه: تفضــل باســـم اللـــه
مــا نقــدر أن نمنعــك مــن زيارتهــا بــل نساعـــدك علـــى زيارتهـــا بكـــل مـــا نقـــدر عليـــه ولكـــن ينبغـــي أن
تزورنــا ولا تنقطــع عنــا ولــو فــي كــل سنــة مــرة واحــدة فقـــال لهـــن سمعـــاً وطاعـــةً فقامـــت البنـــات مـــن
وقتهــن وعملــن لــه الــزاد وجهــزن لــه العروســة بالحلـــي والحلـــل وكـــل شـــيء غـــال يعجـــز عنـــه الوصـــف
وهيأن له تحفاً تعجز عن حصرها الأقلام.
ثـــم إنهـــن ضربـــن الطبـــل فجـــاءت النجائـــب إليهـــن مـــن كـــل مكـــانٍ فاختـــرن منهـــا مـــا يحمـــل جميـــع مــــا
جهزتـه وأركبــن الجاريــة وحسنــاً وحملــن إليهــا خمســة وعشريــن تختــاً مــن الذهــب وخمسيــن مــن الفضــة
ثــم ســرن معهمــا ثلاثــة أيــام فقطعــن فيهــا مسافــة ثلاثــة أشهــر ثــم إنهــن ودعنهــا وأردن الرجــوع عنهمـــا
هــذا مــا كــان منهــن. وأمــا مــا كــان مــن أمــر حســن فإنــه ســار طــول الليـــل والنهـــار يقطـــع مـــع زوجتـــه
البـراري والقفـار والأوديـة والأوعـار فـي الهـوا جــر والأسحــار وكتــب اللــه تعالــى لهمــا السلامــة فسلمــا
===
ووصــلا إلــى مدينــة البصــرة ولــم يــزالا سائريــن حتــى أناخــا علــى بــاب نجائبهمــا ثـــم صـــرف النجائـــب
وتقــدم إلــى البــاب ليفتحــه فسمــع والدتــه وهــي تبكــي بصـــوت رقيـــق مـــن كبـــد ذاق عـــذاب الحريـــق
وهي تنشد هذه الأبيات:
وكيف يذوق النوم من عدم الكرى ويسهـــر ليـــلاً والأنــــام رقــــود
وقـد كـان ذا مـال وأهــل عــزة فأضحى غريب الدار وهو وحيد
لـــه جمـــر بيـــن الضلـــوع وأنــــة وشوق شديـد مـا عليـه مزيـد
تولى عليه الوجد والوجد حاكم ينــوح بمـــا يلقـــاه وهـــو جليـــد
وحالتــه فــي الحــب تخبــر أنــه حزيـن كئيـب والدمـوع شهــود
فبكـــى حســـن لمـــا سمـــع والدتـــه تبكـــي وتنـــدب ثـــم طـــرق البـــاب طرقـــة مزعجـــة فقالـــت أمـــه: مـــن
بالبــاب فقــال لهــا: افتحــي ففتحــت البــاب ونظــرت إليـــه فلمـــا عرفتـــه خـــرت مغشيـــاً عليهـــا فمـــا زال
يلاطفهــا إلــى أن فاقــت فعانقهــا وعانقتــه وقبلتــه ثــم نقــل حوائجــه ومتاعــه إلــى داخـــل الـــدار والجاريـــة
تنظــر إلــى حســـن وأمـــه ثـــم إن أم حســـن لمـــا اطمئـــن قلبهـــا وجمـــع اللـــه شملهـــا بولدهـــا أنشـــدت هـــذه
الأبيات:
رق الزمــــــــــــــان لحالتــــــــــــــي ورثــــــــى لطـــــــــول تحرقـــــــــي
===
فلأصفحــــــن عمـــــــا جنـــــــى مـــــــــن الذنـــــــــوب السبــــــــــق
حتـــــــــــى جنايتـــــــــــه بمــــــــــــا فعـــــــل المشيــــــــب بمفرقــــــــي
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن والــدة حســن قعــدت وإيــاه يتحدثــان وصـــارت تقـــول لـــه: كيـــف
حالـك يـا ولــدي مــع الأعجمــي فقــال لهــا: يــا أمــي مــا كــان أعجميــاً بــل كــان مجوسيــاً يعبــد النــار دون
الملــك الجبــار ثــم أنــه أخبرهــا بمــا فعــل بــه مــن أنــه سافــر بــه وحطــه فـــي جلـــد الجمـــل وخيطـــه عليـــه
وحملتـه الطيـور وحطتـه فـوق الجبـل وأخبرهـا بمـا رآه فـوق الجبــل مــن الخلائــق الميتيــن الذيــن كــان يحتــال
عليهـم المجوسـي ويتركهـم فـوق الجبـل بعـد أن يقضـوا حاجتـه وكيــف رمــى روحــه فــي البحــر مــن فــوق
الجبـل وسلمـه اللـه تعالـى وأوصلـه إلـى قصــر البنــات ومؤاخــات البنــت لــه وقعــوده عنــد البنــات وكيــف
أوصـل اللـه المجوسـي إلـى المكـان الـذي هـو فيــه وقتلــه إيــاه وأخبرهــا بعشــق الصبيــة وكيــف اصطادهــا
وبقصتها كلها إلى أن جمع الله شملهما ببعضهما
فلمـا سمعــت أمــه حكايتــه تعجبــت وحمــدت اللــه تعالــى علــى عافيتــه وسلامتــه ثــم قامــت إلــى تلــك
===
الحمــول فنظرتهــا وسألتــه عنهــا فأخبرهــا بمــا فيهـــا ففرحـــت فرحـــاً عظيمـــاً ثـــم تقدمـــت إلـــى الجاريـــة
تحدثهـــا وتؤانسهـــا فلمـــا وقعـــت عينهـــا عليهـــا اندهـــش عقلهـــا مـــن ملاحتهـــا وفرحـــت وتعجبـــت مــــن
حسنهــا وجمالهــا وقدهــا واعتدالهــا ثــم قالــت: يــا ولــدي الحمــد للــه علــى السلامـــة وعلـــى رجوعـــك
بالسلامـة ثـم إن أمـه قعـدت جنـب الصبيـة وآنستهـا وطيبـت خاطرهـا ثــم نزلــت فــي بكــرة النهــار إلــى
الســوق فاشتــرت عشــر بدلــاتٍ مــن أفخــر مــا فــي المدينــة مــن الثيــاب وأحضـــرت لهـــا الفـــرش العظيـــم
وألبســت الصبيــة وجملتهــا بكــل شــيء مليــح ثــم أقبلـــت علـــى ولدهـــا وقالـــت: يـــا ولـــدي نحـــن بهـــذا
المـــال لا نقـــدر أن نعيـــش فـــي هـــذه المدينـــة وأنـــت تعــــرف أننــــا نــــاس فقــــراء والنــــاس يتهموننــــا بعمــــل
الكيميـاء فقـم بنـا نسافـر إلـى مدينـة بغـداد دار السلـام لنقيــم فــي حــرم الخليفــة وتقعــد أنــت فــي دكــان
فتبيع وتشتري وتتقي الله عز وجل فيفتح عليك بهذا المال.
فلمـا سمـع حسـن كلامهـا استصوبـه وقـام مــن وقتــه وخــرج مــن عندهــا وبــاع البيــت وأحضــر النجائــب
وحمــل عليهــا جميــع أموالــه وأمتعتــه وأمــه وزوجتــه وســار ولــم يــزل سائــراً إلــى أن وصــل إلـــى الدجلـــة
فاكتـــرى مركبـــاً لبغـــداد ونقـــل فيـــه جميـــع مالـــه وحوائجـــه ووالدتـــه وزوجتـــه وكـــل مـــا كـــان عنـــده ثـــم
ركــب المركــب فســار بهــم فــي ريــح طيبــة مــدة عشــرة أيــام حتــى أشرفـــوا علـــى مدينـــة بغـــداد فلمـــا
أشرفــوا عليهــا ودخــل بهــم المركــب المدينــة طلـــع مـــن وقتـــه وساعتـــه إلـــى المدينـــة واكتـــرى مخزنـــاً فـــي
===
الخانـات ثـم نقـل حوائجــه مــن المركــب إليــه وطلــع وأقــام ليلــة فــي الخــان فلمــا أصبــح غيــر مــا عليــه مــن
الثيـــاب. فلمـــا رآه الدلـــال سألـــه عـــن حاجتـــه وعمـــا يريـــد فقـــال: أريــــد دار تكــــون مليحــــة واسعــــة
فعـرض عليـه الـدور التـي عنـده فأعجبتــه دار كانــت لبعــض الــوزراء فاشتراهــا منــه بمائــة ألــف دينــار
مــن الذهــب وأعطــاه الثمــن ثــم عــاد إلــى الخــان الــذي نــزل فيــه ونقــل جميــع مالــه وحوائجــه إلــى الـــدار
ثــم خــرج إلــى الســوق وأخــذ مــا تحتــاج إليــه الــدار مــن آنيــة وفــرش وغيــر ذلــك واشتــرى خدمــاً ومــن
جملتهـا عبـداً صغيـراً للـدار وأقـام مطمئنـاً مـع زوجتـه فـي ألــذ عيــش وســرور مــدة ثلــاث سنيــن وقــد
رزق بغلامين سمى أحدهما ناصراً والآخر منصوراً.
وبعـــد هــــذه المــــدة تذكــــر أخواتــــه البنــــات وتذكــــر إحسانهــــن إليــــه وكيــــف ساعدنــــه علــــى مقصــــوده
فاشتـاق إليهـن وخـرج إلـى أسـواق المدينـة فاشتـرى منهـا شيئـاً مــن حلــي وقمــاش نفيــس ونقــل وأشيــاء
نــادرة وغيــر موجــودة عندهــم فسألتــه أمــه عــن سبــب شــراء تلـــك التحـــف فقـــال لهـــا: إنـــي عزمـــت
علــى أن أسافــر إلــى أخواتــي اللاتــي فعلــن معــي كــل جميــل ورزقــي الــذي أنــا أنعــم فيــه مـــن خيرهـــن
وإحسانهــن فإنــي أريــد أن أسافــر إليهــن وأنظرهــن وأعــود قريبــاً إن شـــاء اللـــه تعالـــى. فقالـــت لـــه: يـــا
ولـدي لا تغـب عنـي فقـال لهـا: اعلمـي يـا أمـي كيـف تكونيــن مــع زوجتــي وهــذا ثوبهــا الريــش مدفــون
فـي الـأرض فاحرصـي عليـه لئـلا تقـع عليـه فتأخـذه وتطيـر هـي وأولادهـا ويروحـون وأبقـى لا أقــع لهــم
===
علــى خبــر فأمــوت كمــداً مــن أجلهــم واعلمــي يــا أمــي أنــي أحــذرك مــن أن تذكـــري لهـــا واعلمـــي أنهـــا
بنـت ملـك الجـان ومـا فـي ملـوك الجـان أكبـر مـن أبيهـا ولا أكثـر منـه جنــوداً ولا مــالاً واعلمــي أنهــا سيــدة
قومهــا وأعـــز مـــا عنـــد أبيهـــا فهـــي عزيـــزة النفـــس جـــداً فاخدميهـــا أنـــت بنفســـك ولا تمكنيهـــا مـــن أن
تخـرج مـن البـاب أو تطـل مــن الطاقــة أو مــن حائــط فإنــي أخــاف عليهــا مــن الهــواء إذا هــب وإذا جــرى
عليها أمر من أمور الدنيا فأنا أقتل روحي من أجلها.
فقالــت أمــه: أعــوذ باللــه مــن مخالفتــك يــا ولــدي هــل أنـــا مجنونـــة أن توصينـــي بهـــذه الوصيـــة وأخالفـــك
فيهـا سافـر يـا ولـدي وطـب نفسـاً وسـوف تحضـر فـي خيـر وتنظرهـا إن شـاء اللـه تعالـى بخيــر وتخبــرك
بما جرى لها مني ولكن يا ولدي لا تقعد غير مسافة الطريق.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن حسنـاً لمـا أراد السفـر إلـى البنــات وصــى أمــه علــى زوجتــه علــى
حسـب مـا ذكرنـا وكانـت زوجتـه بالأمـر المقــدر تسمــع كلامــه وهمــا لا يعرفــان ذلــك ثــم إن حسنــاً قــام
وخـرج إلـى خـارج المدينــة ودق الطبــل فحضــرت لــه النجائــب فحمــل عشريــن مــن تحــف العــراق وودع
===
والدتـه وزوجتـه وأولـاده وكــان عمــر واحــد مــن ولديــه سنــة والآخــر سنتيــن ثــم انــه رجــع إلــى والدتــه
وأوصاهــا ثانيــة ثــم انــه ركــب إلــى أخواتــه ولــم يــزل مسافــراً ليـــلاً ونهـــاراً فـــي أوديـــة وجبـــال وسهـــول
وأوعـار مـدة عشـرة أيـام وفـي اليـوم الحـادي عشــر وصــل إلــى القصــر ودخــل علــى أخواتــه ومعــه الــذي
أحضـره إليهـن فلمـا رأينــه فرحــن بــه وهنينــه بالسلامــة وأمــا أختــه فأنهــا زينــت القصــر ظاهــره وباطنــه
ثــم إنهــن أخــذن الهدايــا وأنزلنــه فــي مقصــورة مثــل العــادة وسألنــه عــن والدتــه وزوجتــه فأخبرهــن أنهــا
ولــدت منــه ولديــن ثــم أن أختــه الصغيــرة لمــا رأتــه طيبــاً بخيــر فرحــت فرحــاً شديـــداً وأنشـــدت هـــذا
البيت:
واسأل الريح عنكم كلما خطر وغيركم في فؤادي قط ما خطرا
ثـم أنـه أقـام عندهـن فـي الضيافـة والكرامـة مـدة ثلاثــة أشهــر وهــو فــي فــرح وســرور وغبطــة وحبــور
وصيــد وقنــص هــذا مــا كــان مــن حديثــه. وأمــا مــا كـــان مـــن حديـــث أمـــه وزوجتـــه فإنـــه لمـــا سافـــر
حسـن أقامـت زوجتـه يومـاً وثانيـاً مـع أمــه وقالــت لهــا فــي اليــوم الثالــث: سبحــان اللــه هــل أقعــد معــه
ثلـاث سنيـن مـا أدخـل الحمـام وبكـت فرقـت أمـه لحالهـا وقالـت لهـا: يـا ابنتـي نحــن غربــاء وزوجــك مــا
هـو فـي البلـد فلـو كـان حاضـراً كـان يقـوم بخدمتـك أمـا أنـا فـلا أعـرف أحـداً ولكـن يـا بنتـي اسخـن لــك
الماء واغسل رأسك في حمام البيت.
===
فقالــت لهــا: يــا سيدتــي لــو قلــت هــذا القــول لبعـــض الجـــواري كانـــت طلبـــت البيـــع فـــي الســـوق ومـــا
كنــت تقعــد عندكــم ولكــن يــا سيدتــي إن الرجــال معــذورون فــإن عندهــم غيــرة وعقولهــم تقــول لهــم
إن المـرأة إذا خرجـت مـن بيتهـا ربمـا تعمـل فاحشــة والنســاء يــا سيدتــي مــا كلهــن ســواء وأنــت تعرفيــن
أن المــرأة إذا كــان لهــا غــرض فـــي شـــيء مـــا يغلبهـــا أحـــد ولا يقـــدر أن يحـــرص عليهـــا ولا يصونهـــا ولا
يمنعهـــا مـــن الحمـــام ولا غيـــره ولا مـــن أن تعمـــل كـــل مـــا تختـــاره ثـــم إنهـــا بكـــت ودعــــت علــــى نفسهــــا
وصــارت تعــدد علــى نفسهــا وغربتهــا فرقــت لحالهـــا أم زوجهـــا وعلمـــت أن كـــل مـــا قالتـــه لابـــد منـــه
فقامت وهيأت حوائج الحمام التي يحتاجان إليها وأخذتها وراحت إلى الحمام.
فلمــا دخلتــا الحمــام قلعــت ثيابهــا فصــار النســاء جميعــاً ينظــرن ويسبحــن اللــه عــز وجــل ويتأمــل فيمـــا
خلـق مـن الصـورة البهيـة وصـار كـل مـن جـاز مـن النسـاء علـى الحمــام يدخــل ويتفــرج عليهــا وشــاع فــي
البلــد ذكرهــا وازدحـــم النســـاء عليهـــا وصـــار الحمـــام لا ينشـــق مـــن كثـــرة النســـاء اللاتـــي فيـــه فاتفـــق
بسبـب ذلـك الأمــر العجيــب أنــه حضــر إلــى الحمــام فــي ذلــك اليــوم جاريــة مــن جــواري أميــر المؤمنيــن
هــارون الرشيــد ويقــول لهــا تحفــة العــوادة فــرأت النســاء فــي زحمــة والحمــام لا ينشــق مــن كثــرة النســاء
والبنــات فسألــت عــن الخبــر فأخبرتهــا بالصبيــة فجــاءت عندهــا ونظـــرت إليهـــا وتأملـــت فيهـــا فتحيـــر
عقلهـا مـن حسنهـا وجمالهـا وسبحـت اللـه جـل جلالـه علـى مـا خلـق مـن الصــور الملــاح ولــم تدخــل ولــم
===
تغتسـل وإنمـا صـارت قاعـدة وباهتـة فـي الصبيـة إلـى أن فرغـت الصبيـة مــن الغســل وخرجــت لبســت
ثيابها فزادت حسناً على حسنها.
فلمــا خرجــت مــن الحــرارة قعــدت علــى البســاط والمسانــد وصــارت النســـاء ناظـــرات إليهـــا فالتفتـــت
إليهــن وخرجــت فقامــت تحفــة العــوادة جاريــة الخليفـــة وخرجـــت معهـــا حتـــى عرفـــت بيتهـــا وودعتهـــا
ورجعـت إلـى قصـر الخليفـة ومـا زالـت سائـرة حتـى وصلـت بيـن أيـادي السيـدة زبيــدة وقبلــت الــأرض
بيــن يديهــا فقالــت السيــدة زبيــدة يــا تحفــة مــا سبــب إبطائـــك فـــي الحمـــام فقالـــت يـــا سيدتـــي رأيـــت
أعجوبـة مـا رأيـت مثلهـا فـي الرجـال ولا فـي النسـاء وهــي التــي شغلتنــي وأدهشــت عقلــي وحيرتنــي
حتى أنني ما غسلت رأسي فقالت وما هي يا تحفة.
قالـت يـا سيدتـي رأيـت جاريــة فــي الحمــام ومعهــا ولــدان صغيــران كأنهمــا قمــران مــا رأى أحــد مثلهــا
لا قبلهــا ولا بعدهــا فــي الدنيــا بأسرهــا وحــق نعمتــك يــا سيدتــي إن عرفــت بهــا أميــر المؤمنيـــن قتـــل
زوجهــا وأخذهــا منــه لأنــه لا يوجــد مثلهــا واحـــدة مـــن النســـاء وقـــد سألـــت عـــن زوجهـــا فقيـــل بأنـــه
رجـل تاجـر اسمـه حسـن البصـري وتبعتهـا عنـد خروجهـا مـن الحمـام إلـى أن دخلــت بيتهــا فرأيتــه بيــت
الوزيـر الـذي لـه بابـان بـاب مـن جهـة البحـر وبــاب مــن جهــة البــر وأنــا أخــاف يــا سيدتــي أن يسمــع بهــا
أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها.
===
وفي الليلة الخمسين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن جاريــة أميــر المؤمنيــن لمــا رأت زوجــة حســن البصــري ووصفــت
حسنهـا للسيـدة زبيـدة وقالـت يـا سيدتـي أنــي أخــاف أن يسمــع أميــر المؤمنيــن فيخالــف الشــرع ويقتــل
زوجهـا ويتـزوج بهـا فقالـت السيـدة زبيـدة ويلــك يــا تحفــة هــل بلغــت هــذه الجاريــة مــن الحســن والجمــال
أن أميـر المؤمنيـن يبيـع دينـه بدنيـاه ويخالــف الشــرع لأجلهــا واللــه لا بــد لــي مــن النظــر إلــى هــذه الصبيــة
فـإن لـم تكـن كمـا ذكـرت أمــرت بضــرب عنقــك يــا فاجــرة إن فــي سرايــة أميــر المؤمنيــن ثلثمايــة وستيــن
جاريـة بعـدد أيـام السنـة مـا فيهـن واحــدة بالصفــات التــي تذكرينهــا فقالــت يــا سيدتــي لا واللــه ولا فــي
بغداد بأسرها مثلها بل ولا في العجم ولا في العرب ولا في خلق الله عز وجل مثلها.
فعنــد ذلــك دعــت السيــدة زبيــدة بمســرور فحضــر وقبـــل الـــأرض بيـــن يديهـــا فقالـــت لـــه يـــا مســـرور
اذهـب إلـى دار الوزيـر التـي ببابيـن بـاب علـى البحـر وبـاب علـى البـر وائـت بالصبيــة التــي هنــاك هــي
وأولادهــا والعجــوز التــي عندهــا بسرعــة ولا تبطــئ فقــال مســرور السمــع والطاعـــة فخـــرج مـــن بيـــن
يديهـا حتـى وصــل إلــى بــاب الــدار فطــرق البــاب فخرجــت لــه العجــوز أم حســن وقالــت مــن بالبــاب
فقـال لهـا مسـرور خـادم أميـر المؤمنيـن ففتحـت البـاب ودخـل فسلـم عليهــا وسلمــت عليــه وسألتــه عــن
===
حاجتـه فقـال لهـا إن السيــدة زبيــدة بنــت القاســم زوجــة أميــر المؤمنيــن هــارون الرشيــد الســادس مــن
بنــي العبــاس عــم النبــي صلــى اللــه عليــه وسلـــم تدعـــوك إليهـــا وزوجـــة ابنـــك وأولـــادك فـــأن النســـاء
أخبرنها عنها وعن حسنها.
فقالــت أم حســن: يــا مســرور نحــن نـــاس غربـــاء وزوج البنـــت ولـــدي مـــا هـــو فـــي البلـــد ولـــم يأمرنـــي
بالخــروج أنــا ولا هــي لأحــد مـــن خلـــق اللـــه تعالـــى وأنـــا أخـــاف أن يجـــري أمـــر ويحضـــر ولـــدي فيقتـــل
روحـه فمـن إحسانـك يـا مسـرور أن تكلفنـا مـا لا نطيــق فقــال مســرور: يــا سيدتــي لــو علمــت أن فــي
هــذا خــوف عليكــم مــا كلفتكــم الـــرواح وإنمـــا مـــراد السيـــدة زبيـــدة أن تنظرهـــا وترجـــع فـــلا تخالفـــي
تندمــي وكمــا آخذكمــا أردكمــا إلــى هنــا سالميــن إن شــاء اللــه تعالــى فمــا قــدرت أم حســن أن تخالفــه
فدخلـت وهيـأت الصبيـة وأخرجتهـا هــي وأولادهــا وســاروا خلــف مســرور وهــو قدامهــم إلــى قصــر
الخليفــة فطلــع بهــم حتــى أوقفهــم قــدام السيــدة زبيــدة فقبلــوا الــأرض بيــن يديهــا ودعـــوا لهـــا والصبيـــة
مستورة الوجه.
فقالــت لهــا السيــدة: أمــا تكشفيــن عــن وجهـــك لأنظـــره فقبلـــت الصبيـــة الـــأرض بيـــن يديهـــا وأسفـــرت
عـن وجـه يخجـل البــدر فــي أفــق السمــاء فلمــا نظرتهــا شخصــت إليهــا وسرحــت فيهــا النظــر وأضــاء
القصر من نور وجهها.
===
واندهشــت زبيــدة مــن حسنهــا وكذلــك كــل مــن فــي القصــر وصــار كــل مــن رآهــا مجنونـــاً لا يقـــدر أن
يكلــم أحــداً ثــم إن السيــدة زبيــدة قامــت وأوقفــت الصبيـــة وضمتهـــا إلـــى صدرهـــا وأجلستهـــا معهـــا
علــى السريــر وأمــرت أن يزينــوا القصــر ثــم أمــرت بــأن يحضــر لهــا بدلــة مــن أفخـــر الملبـــوس وعقـــداً مـــن
أنفــس الجواهــر وألبســت الصبيــة إياهمــا وقالــت لهـــا يـــا سيـــدة الملـــاح أنـــك عجبتينـــي وملـــأت عينـــي
أي شيء عندك من الذخائر.
فقالـت لهـا الصبيـة يــا سيدتــي لــي ثــوب ريــش لــو لبستــه بيــن يديــك لرأيــت أحســن مــا تتعجبيــن منــه
ويتحــدث بحسنــة كــل مــن يــراه جيــلاً بعــد جيــل فقالــت وأيــن ثوبــك هــذا قالــت هــو عنـــد أم زوجـــي
فاطلبيـه لـي منهـا فقالـت السيـدة زبيـدة يـا أمـي بحياتـي عنـدك أن تنزلـي وتأتـي لهـا بثوبهـا الريـش حتـى
تفرجنـا علـى الـذي تفعلـه وخذيـه ثانيــاً فقالــت العجــوز: يــا سيدتــي هــذه كذابــة هــل رأينــا أحــداً مــن
النســاء لــه ثــوب مــن الريــش فهـــذا لا يكـــون إلا للطيـــور فقالـــت الصبيـــة للسيـــدة: زبيـــدة وحياتـــك يـــا
سيدتي لي عندها ثوب ريش وهو في صندوق مدفون في الخزانة التي في الدار.
فقلعــت السيــدة زبيــدة مــن عنقهــا عقــد جوهــر يســـاوي خزائـــن كســـرى وقيصـــر وقالـــت لهـــا يـــا أمـــي
خــذي هـــذا العقـــد وناولتهـــا إيـــاه وقالـــت لهـــا: بحياتـــي أن تنزلـــي وتأتـــي بذلـــك الثـــوب لنتفـــرج عليـــه
وخذيــه بعــد ذلــك فحلفـــت لهـــا أنهـــا مـــا رأت هـــذا الثـــوب ولا تعـــرف لـــه طريقـــاً فصرخـــت السيـــدة
===
زبيــدة علــى العجــوز وأخــذت منهــا المفتــاح ونــادت مســروراً فقالــت لـــه: خـــذ هـــذا المفتـــاح واذهـــب
إلــى الــدار وافتحهــا وادخــل الخزانــة التــي بابهــا كــذا وكــذا وفــي وسطهــا صندوقــاً فأخرجــه واكســـره
وهات الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن السيــدة زبيــدة لمــا أخــذت المفتــاح مــن أم حســن وأعطتــه لمســرور
وقالــت لــه: خــذ هــذا المفتــاح وافتـــح الخزانـــة الفلانيـــة وأخـــرج منهـــا الصنـــدوق واكســـره وأخـــرج منـــه
الثـوب الريـش الـذي فيـه وأحضـره بيـن يـدي فقـال: سمعـاً وطاعــةً ثــم أنــه تنــاول المفتــاح مــن يــد السيــدة
زبيــدة وســار فقامــت العجــوز أم حســن وهــي باكيــة العيــن ندمانــة علــى مطاوعـــة الجاريـــة ورواحهـــا
الحمـــام معهـــا ولـــم تكـــن الصبيـــة طلبـــت الحمـــام إلا مكيـــدة ثــــم إن العجــــوز دخلــــت هــــي ومســــرور
وفتحـت بـاب الخزانـة فدخـل وأخـرج الصنـدوق وأخـرج منـه القميـص الريـش ولفـه معـه فـي فوطـة وأتـى
بـه إلـى السيـدة زبيـدة فأخذتـه وقبلتـه وتعجبــت مــن حســن صناعتــه ثــم ناولتــه لهــا وقالــت لهــا: هــل
هذا ثوبك الريش.
===
قالـت: نعــم يــا سيدتــي ومــدت الصبيــة يدهــا إليــه وأخذتــه منهــا وهــي فرحــة ثــم إن الصبيــة تفقدتــه
فرأتــه صحيحــاً كمــا كــان عليــه ولــم يقــع منــه ريشــة ففرحــت بــه وقامـــت مـــن جنـــب السيـــدة زبيـــدة
وأخـذت القميـص وفتحتـه وأخـذت أولادهــا فــي حضنهــا واندرجــت فيــه وصــارت طيــرة بقــدرة اللــه
عــز وجــل فتعجبــت السيــدة زبيــدة مــن ذلــك وكذلـــك كـــل مـــن حضـــر وصـــار الجميـــع يتعجبـــون مـــن
فعلهــا ثــم إن الصبيــة تمايلــت وتمشــت ورقصــت ولعبــت وقــد شخــص لهـــا الحاضـــرون وتعجبـــوا مـــن
فعلها ثم قالت لهم بلسان يا سادتي هل هذا مليح.
فقـال لهـا الحاضـرون نعـم يـا سيدتـي الملــاح كــل مــا فعلتــه مليــح ثــم قالــت: وهــذا الــذي أعملــه أحســن
منــه يــا سيدتــي وفتحــت أجنحتهـــا وطـــارت بأولادهـــا وصـــارت فـــوق القبـــة ووقفـــت علـــى سطـــح
القاعــة فنظــروا إليهــا بالأحــداق وقالــوا لهــا: واللــه هــذه صنعــة غريبــة مليحــة مــا رأيناهـــا قـــط ثـــم إن
الصبيــة لمــا أرادت أن تطيــر إلــى بلادهــا تذكــرت حسنــاً وقالـــت اسمعـــوا يـــا سادتـــي وأنشـــدت هـــذه
الأبيات:
يا من خلا عن ذي الديار وسار نحــو الحبائــب مسرعــاً فـــرارا
أظــن أنـــي فـــي نعيـــم بينكـــم والعيش منكم لم يكـن أكـدارا
لما أسرت وصرت في شرك الهوى جعل الهوى سجني وشط مزارا
===
قد صار يوصـي أمـه بحفاظـه في مخـدع وعـداً علـي وجـارا
فسمعت مـا قالـوه ثـم حفظتـه ورجوت خيراً زائـداً مـدرارا
فرواحـي الحمــام كــان وسيلــة حتى غدت في العقول حيارى
وتعجبت عرس الرشيد لبهجتي إذ شاهدتنـــي يمنـــة ويســــارا
ناديت يـا امـرأة الخليفـة إن لـي ثوبـاً مـن الريـش العلـي فخـارا
لو كان فوقـي تنظريـن عجائبـاً تمحــوا العنــا وتبــدد الأكــدارا
فاستفسرت عرس الخليفة أين ذا فأجبت في دار الذي قد دار
فانقض مسـرور وأحضـره لهـا وإذا بــه قـــد أشـــرق الأنـــوارا
فأخذتـــه مـــن كفـــه وفتحتــــه ورأيت منه الجيب والـأزرارا
فدخلت فيه ثـم أولـادي معـي وفردت أجنحتي وطرت فرارا
يـا أم زوجـي أخبريــه إذا أنــي إن حب وصلي فليفارق دارا
فلمـا فرغـت مـن شعرهـا قالــت لهــا السيــدة زبيــدة أمــا تنزليــن عندنــا حتــى نتملــى بحسنــك يــا سيــدة
===
الفــراق واشتهــى القــرب والتلــاق وهزتــه أريــاح المحبــة والأشـــواق فليجئنـــي إلـــى جزائـــر واق الـــواق ثـــم
طـــارت هـــي وأولادهـــا وطلبـــت بلادهـــا فلمـــا رأت أم حســـن ذلــــك بكــــت ولطمــــت وجههــــا حتــــى
غشي عليها.
فلمـا أفاقـت قالـت لهــا السيــدة زبيــدة يــا سيدتــي الحاجــة مــا كنــت أعــرف أن هــذا يجــري ولــو كنــت
أخبرتينـي بـه مـا كنـت أتعـرض لـك ومـا عرفـت أنهـا مـن الجـن الطيــارة إلا فــي هــذا الوقــت ولــو عرفــت
أنهــا علــى هــذه الصفــة مــا كنــت مكنتهــا مــن لبــس الثــوب ولا كنــت أخليهــا تأخـــذ أولادهـــا ولكـــن يـــا
سيدتي اجعليني فـي حـلٍ فقالـت العجـوز ومـا وجـدت فـي يدهـا حيلـةٌ أنـت فـي حـل ثـم خرجـت مـن
قصــر الخلافــة ولــم تــزل سائــرة حتــى دخلــت بيتهــا وصــارت تلطــم علــى وجههــا حتــى غشــي عليهــا
فلمـا أفاقـت مـن غشيتهـا استوحشـت إلـى الصبيـة والـى أولادهـا والـى رؤيـة ولدهـا ثـم قامـت وحفـرت
فـي البيـت ثلاثـة قبـورٍ وأقبلـت عليهـا بالبكــاء آنــاء الليــل وأطــراف النهــار وحيــن طالــت غيبــة ولدهــا
وزاد بها القلق والشوق والحزن أنشدت هذه الأبيات:
خيالـــك بيـــن طابقـــة الجفـــون وذكرك في الخوافـق والسكـون
وحبك قد جرى في العظم منى كجـري المـاء فـي ثمـر الغصـون
ويـوم لا أراك يضيـق صــدري وتعذرني العواذل في شجونـي
===
خف الرحمن في وكـن رحيمـاً هــواك أذاقنـــي ريـــب المنـــون
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والخمسين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن أم حســـن صـــارت تبكـــي آنـــاء الليـــل وأطــــراف النهــــار لفــــراق
ولدهـا وزوجتـه وأولادهـا هـذا مـا كـان مـن أمرهـا وأمــا مــا كــان مــن أمــر ولدهــا حســن فإنــه لمــا وصــل
إلـى البنـات حلفـن عليـه أن يقيـم عندهــن ثلاثــة أشهــرٍ ثــم بعــد ذلــك جهــزن لــه المــال وهيــأن لــه عشــرة
أحمــالٍ خمســة مــن الذهــب وخمســة مــن الفضــة وهيــأن لــه مـــن الـــزاد حمـــلاً واحـــداً وسفرنـــه وخرجـــن
معــه فحلــف عليهــن أن يرجعــن فأقبلــن علــى عناقــه مــن أجــل التوديـــع فتقدمـــت إليـــه البنـــت الصغيـــرة
وعانقته وبكت حتى غشي عليها وأنشدت هذين البيتين:
متى تنطفي نار الفراق بقربكم ويقضي بكم ربي ونبقى كما كنا
لقد راعني يوم الفراق وضر بي وقد زادني التوديع يا سادتي هنا
ثم تقدمت البنت الثانية وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
وداعـــــك مثـــــل وداع الحيـــــاة وفقـــدك يشبـــه فقـــد النديــــم
===
ثم تقدمت البنت الثالثة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
مــا تركنــا الــوداع يــوم افترقنــا عـــن ملــــال ولا لوجــــه قبيــــح
أنت روحي على الحقيقة قطعاً كيف أختـار أن أودع روحـي
ثم تقدمت البنت الرابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
هو ذلك الدرر الذي أودعتـه في مسمعي أجريته من مدمعي
لــم يبكنــي إلا حديــث فراقــه لمـــا أســـر بـــه إلــــى دموعــــي
ثم تقدمت البنت الخامسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
لا ترحلن فما لي عنكـم جلـدٌ حتـى أطيـق بـه توديــع مرتحــل
ولا من الصبر ما ألقى الفراق به ولا من الدمع ما أذري على طلل
ثم تقدمت البنت السادسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
قد قلت مذ سار السباق بهم والشـوق ينهــب مهجتــي نهبــا
لــو كــان لــي ملــك أصــول بــه لأخــذت كــل سفينـــة غصبـــا
ثم تقدمت البنت السابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:
إذا رأيـــــت الـــــوداع فاصبـــــر ولا يهولنـــــــــــــــك البعـــــــــــــــاد
===
ثم إن حسناً ودعهن وبكى إلى أن غشي عليه بسبب فراقهم وأنشد هذه الأبيات:
ولقد جرت يوم الفراق سوافحي درراً نظمت عقودها من أدمعي
وحدا بهم حادي الركاب فلم أجد جلداً ولا صبراً ولا قلبي معـي
ودعتهــم ثـــم انثنيـــت بحســـرة وتركت أنس معاهدي والأربع
فرجعت لا أدري الطريق ولم تطب نفســــي أنــــي أراك بمرجعـــــي
يا صاحبي أنصت لأخبار الهوى حاشى لقلبك أن أقول ولا يعي
يا نفس منذ فارقتهن ففارقي طيب الحياة وفي البقاء لا تطمعي
ثـم أنـه جـد فـي المسيـر ليـلاً ونهـاراً حتــى وصــل إلــى بغــداد دار السلــام وحــرم الخلافــة العباسيــة ولــم
يــدر بالــذي جــرى بعــد سفــره فدخــل الــدار علــى والدتـــه وسلـــم عليهـــا فرآهـــا قـــد انتحـــل جسمهـــا
ورق عظمهــا مــن كثــرة النــواح والسهــر والبكــاء والعويــل حتــى صــارت مثــل الخلــال ولــم تقـــدر أن تـــرد
الكلـــام فصـــرف النجائـــب وتقـــدم إليهـــا فلمـــا رآهـــا علـــى تلـــك الحالـــة قـــام فـــي الـــدار وفتـــش علــــى
زوجتــه وعلــى أولادهــا فلــم يجــد لهــم أثــراً ثـــم إنـــه نظـــر فـــي الخزانـــة فوجدهـــا مفتوحـــة والصنـــدوق
مفتوحــاً ولــم يجــد فيــه الثــوب فعنــد ذلــك عـــرف أنهـــا تمكنـــت مـــن الثـــوب الريـــش وأخذتـــه وطـــارت
وأخــذت أولادهــا معهــا فرجــع إلــى أمــه فرآهـــا قـــد أفاقـــت مـــن غشيتهـــا فسألهـــا عـــن زوجتـــه وعـــن
===
أولادهـا فبكـت وقالـت: يـا ولـدي عظــم اللــه أجــرك فيهــم وهــذه قبورهــم الثلاثــة فلمــا سمــع كلــام أمــه
صــرخ صرخــة عظيمــة وخــر مغشيــاً عليــه واستمــر كذلــك مــن أول النهــار إلـــى الظهـــر فـــازدادت أمـــه
غمـاً علـى غمهـا وقـد يئسـت مـن حياتـه فلمـا أفـاق بكـي ولطـم علــى وجهــه وشــق ثيابــه وصــار دائــراً
في الدار متحيراً ثم أنشد هذين البيتين:
شكـا ألـم الفـراق النـاس قبلـي وروع بالنــــوى حــــي وميــــت
وأما مثل ما ضمـت ضلوعـي فأنـــي لا سمعـــت ولا رأيــــت
فلمـا فـرغ مـن شعـره أخـذ سيفـه وسلـه وجـاء إلـى أمـه وقـال لهــا إن لــم تعلمينــي بحقيقــة الحــال ضربــت
عنقــك وقتلــت روحــي فقالــت لــه: يــا ولــدي لا تفعــل ذلــك وأنــا أخبــرك ثــم قالـــت لـــه أغمـــد سيفـــك
واقعــد حتــى أحدثــك بالــذي جــرى فلمــا أغمــد سيفــه وجلــس إلــى جانبهــا أعــادت عليــه القصــة مــن
أولهــا إلــى آخرهــا وقالــت لــه: يــا ولــدي لــولا أنــي رأيتهــا بكــت علــى طلــب الحمـــام وخفـــت منـــك أن
تجـيء وتشكـو إليـك فتغضـب علـى مـا كنــت ذهبــت بهــا إليــه ولــولا أن السيــدة زبيــدة غضبــت علــي
أخــذت منــي المفتــاح قهــراً مــا كنــت أخرجــت الثــوب ولــو كنــت أمــوت ويــا ولــدي أنــت تعـــرف أن يـــد
الخلافــة لا تطاولهــا يــد فلمــا أحضــروا لهــا الثــوب أخذتـــه وقبلتـــه وكانـــت تظـــن أنـــه فقـــد منـــه شـــيء
ففرحــت وأخــذت أولادهــا وشدتهــم فــي وسطهــا ولبســت الثــوب الريــش بعــد مــا قلعــت لهــا الســت
===
زبيـدة كـل مـا عليهـا إكرامـاً لهـا ولجمالهــا فلمــا لبســت الثــوب الريــش انتفضــت وصــارت طيــرة ومشــت
فـي القصـر وهـم ينظـرون إليهـا ويتعجبـون مـن حسنهـا وجمالهـا ثـم طـارت وصـارت فــوق القصــر وبعــد
ذلـك نظـرت إلـي وقالـت لـي إذا جـاء ولــدك وطالــت عليــه ليالــي الفــراق واشتهــى القــرب منــي والتلــاق
وهزتـــه ريـــاح المحبـــة والأشـــواق فليفـــارق وطنـــه ويذهـــب إلـــى جزائـــر واق الـــواق هـــذا مـــا كــــان مــــن
حديثهما في غيبتك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن حسنـــاً لمـــا سمـــع كلـــام أمـــه حيـــن حكـــت لـــه جميـــع مـــا فعلـــت
زوجتـه وقـت مـا طـارت صـرخ صرخــة عظيمــة ووقــع مغشيــاً عليــه ولــم يــزل كذلــك إلــى آخــر النهــار
فلمـا أفـاق لطـم علـى وجهــه وصــار يتقلــب علــى الــأرض مثــل الحيــة فقعــدت أمــه تبكــي عنــد رأســه
إلى نصف الليل فلما أفاق من غشيته بكى بكاء عظيماً وأنشد هذه الأبيات:
قفوا وانظروا حال الذي تهجرونه لعلكــم بعــد الجفـــاء ترحمونـــه
فــان تنظــروه تنكــروه لسقمــه كأنكــــــم واللــــــه لا تعرفونـــــــه
===
ولا تحسبـــوا أن التفـــرق هيـــن يعز على المشتاق والموت دونه
فلمـا فـرغ مــن شعــره قــام وجعــل يــدور فــي البيــت وينــوح ويبكــي وينتحــب مــدة خمســة أيــام لــم يــذق
فيهــا طعامــاً ولا شرابــاً فقامــت إليــه أمـــه وحلفتـــه وأقسمـــت عليـــه أن يسكـــت مـــن البكـــاء فمـــا قبـــل
كلامهــا ومــا زال يبكــي وينتحــب وأمــه تسليــه وهــولا يسمـــع منهـــا شيئـــاً ومـــا زال حســـن علـــى هـــذه
الحالــة يبكــي إلــى الصبــاح ثــم غفلــت عينــاه فــرأى زوجتــه حزينــة وهــي تبكـــي فقـــام مـــن نومـــه وهـــو
يصرخ وأنشد هذين البيتين:
خيالك عندي ليس يبرح ساعة جعلت له في القلب أشرف موضع
ولو رجاء الوصل ما عشت لحظة ولولا خيال الطيـف لـم أتهجـع
فلمــا أصبــح زاد نحيبــه وبكــاؤه ولــم يــزل باكــي العيــن حزيــن القلــب ساهــر الليــل قليـــل الأكـــل واستمـــر
علـى هـذه الحالـة مـدة شهـر كامـل فلمـا مضـى ذلـك الشهـر خطـر ببالــه أنــه يسافــر إلــى أخواتــه لأجــل أن
يساعدنــه علــى قصــده مــن حصولهــا فأحضــر النجائــب ثــم حمــل خمسيــن هجينـــة مـــن تحـــف العـــراق
وركــب واحــدة منهــا ثــم أوصــى والدتــه علــى البيــت وأودع جميــع حوائجــه إلا قليــلاً أبقــاه فــي الـــدار
وسـار متوجهـاً إلـى أخواتـه لعلـه أن يجـد عندهـن مساعـدة علـى اجتمـاع زوجتـه ولـم يـزل سائــراً حتــى
وصـل إلـى قصـر البنـات فـي جبـل السحـاب فلمـا دخــل عليهــن قــدم إليهــن الهدايــا ففرحــن بهــا وهنينــه
===
بالسلامــة وقلــن لــه يــا أخانــا مـــا سبـــب مجيئـــك بسرعـــة ومـــا لـــك غيـــر شهريـــن فبكـــى وأنشـــد هـــذه
الأبيات:
أرى النفس في فكر لفقد حبيبها فـــلا تتهنـــى بالحيـــاة وطيبهــــا
سقامي داء ليس يعرف طيبه وهل يبرئ الأسقام غير طيبهـا
فيا مانعي طيب المنام تركتني اسائل عنك الريح عند هبوبها
قريبة عهد من حبيبي وقد حوى محاسـن تدعـو مقلتــي لحبيبهــا
فيا أيها الشخص والملم بأرضه عسى نفحة تحيا القلوب بطيبها
فلمــا فــرغ مــن شعــره صــرخ صرخــة عظيمــة وخــر مغشيــاً عليــه وقعــدت البنـــات حولـــه يبكيـــن عليـــه
حتى أفاق من غشيته فلما أفاق أنشد هذين البيتين:
عسى وأمل الدهر يلوي عنانه ويأتيني بحبيبي والزمـان غيـور
ويسعدني دهري فتنقضي حوائجي وتحصل من بعد الأمـور أمـور
فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:
أفي العشق والتبريح دنتم كمادنا وهل ودنا منكم كما ودكم منا
ألا قاتـل اللــه الهــوى مــا أمــره فيا ليت شعري ما يريد الهوى منا
===
فقلبي مشغـول بتذكـار حبكـم ويطربني صوت الحمام إذا غنى
ألا يــــا حمامــــاً يدعــــو أليفــــه لقد زدتني شوقاً وأصحبتني حزنا
تركت جفوني لا تمل من البكا على سادة غابـوا برؤيتهـم عنـا
أحـن إليهـم كـل وقــت ساعــةٍ وأشتاق في الليل إليهم إذا جنا
فلمـــا سمعـــت كلامـــه أختـــه خرجـــت إليـــه فرأتـــه راقـــداً مغشيـــاً عليـــه فصرخـــت ولطمــــت فسمعهــــا
أخواتهـا فخرجـن إليهـا فرأيـن حسنــاً راقــداً مغشيــاً عليــه فاحتطــن بــه وبكيــن عليــه ولــم يخــف عليهــن
حيــن رأينــه مــا حــل بــه مــن الوجــد والهيــام والشــوق والغــرام فسألنــه عــن حالـــه فبكـــى وأخبرهـــن بمـــا
جـرى فـي غيابـه حيـث طـارت زوجتـه وأخـذت أولادهـا معهـا فحـزن عليهـا وسألنـه عــن الــذي قالــت
عندمــا راحــت قــال يــا أخواتــي إنهــا قالــت لوالدتــي قولــي لولــدك إذ جــاء وطالــت عليــه ليالــي الفــراق
واشتهـى القـرب منـي وهزتـه أريـاح المحبـة والأشـواق فليجـئ إلـى جزائـر واق الـواق. فلمـا سمعـن كلامــه
تغامـزن وتذاكـرن وصـارت كـل واحـدة تنظـر إلـى أختهـا وحســن ينظــر إليهــن ثــم أطرقــن رؤوسهــن إلــى
الـأرض ساعـة وبعـد ذلـك رفعنهـا وقلـن لا حـول ولا قـوة إلا باللـه العلــي العظيــم ثــم قلــن لــه امــدد يــدك
إلى السماء فان وصلت إلى السماء تصل إلى زوجتك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن البنـات لمـا قلــن لحســن امــدد يــدك إلــى السمــاء فــإذا وصلــت إليهــا
تصــل إلــى زوجتــك وأولــادك جــرت دموعــه علــى خديــه مثـــل المطـــر حتـــى بلـــت ثيابـــه وأنشـــد هـــذه
الأبيات:
قد هيجتني الخدود الحمر والحدق وفارق الصبر لمـا أقبـل الـأرق
بيض نواعم أضنت بالجفا جسدي لم يبق منه لا يصار الورى رمق
جور يميس كغزلان النقا سفرت عن بهجة لو رآها الأولياء علقوا
يمشين مثل نسيم الأرض في سحر يعشقهــن عـــراء الهـــم والقلـــق
علقـــت منهـــم آمالـــي بغانيــــة قلبي لهـا بلظـى النيـران يحتـرق
خدود ناعمة الأطراف مائسـة في وجهها الصبح وفي شعرها الغسق
قد هيجتني وكم في الحب من نطق قد هيجته جفون البيض والحدق
فلمــا فــرغ مــن شعــره بكــى وبكــت البنــات لبكائــه وأخذتهــن الشفقــة والغيــرة عليــه وصــرن بــه يصبرنـــه
ويقمــن لــه بجميــع الضمــل فأقبلــت عليــه أختــه وقالــت لــه يــا أخــي طــب نفســاً وقــر عينــاً واصبــر تبلــغ
مرادك فمن صبر نال ما تمنى والصبر مفتاح الفرج فقد قال الشاعر:
دع المقاديـر تجـري فـي أعنتهــا ولا تبيتــــن إلا خالـــــي البـــــال
===
ثــم قالــت لــه قــو قلبــك وشــدد عزمــك فــان ابــن عشــرة لا يمــوت وهــو فــي التاسعــة والبكـــاء والحـــزن
يمـرض ويسقـم واقعـد عندنـا تستريـح وأنـا أتحيــل لــك فــي الوصــول إلــى زوجتــك وأولــادك إن شــاء اللــه
تعالى وبكى بكاءً شديداً وأنشد هذين البيتين:
لئن عوفيت من مرض بجسمي فمـــا عوفيـــت بمـــرض بقلبــــي
وليـس دواء أمـراض التصابــي سوى وصل الحبيب مع المحب
ثـم جلـس إلـى جانـب أختـه وصـارت تحدثـه وتسليـه عـن الـذي كـان سببــاً فــي رواحهــا فأخبرهــا عــن
سبـب ذلـك فقالـت لـه واللـه يـا أخــي إنــي أردت أن أقــول لــك أحــرق الثــوب الريــش فإنسانــي الشيطــان
ذلك وصارت تحدثه وتلاطفه فلما طال عليه الأمر زاد به القلق وأنشد هذه الأبيات:
تمكـن مـن قلبـي حبيــب ألفتــه وليس لما قد قـدر اللـه مدفـع
من العرب قد حاز الملاحة كلها غـزال ولكـن فـي فــؤادي يرتــع
لئن عز صبري في هواه وحيلتي بكيت على أن البكا ليس ينفع
مليــح لـــه سبـــع وسبـــع كأنـــه هلالٌ له خمس وخمـس وأربـع
فلمــا نظــرت أختــه إلــى مــا فيــه مــن الوجــد والهيــام وتباريــح الهــوى والغــرام قامــت إلــى أخواتهــا وهـــي
باكيـــة العيـــن حزينـــة القلـــب وبكـــت بيـــن أيديهــــن ورمــــت نفسهــــا عليهــــن وقبلــــت أقدامهــــن وسألتهــــن
===
مساعــدة أخيهــا علــى قضــاء حاجتــه واجتماعـــه بأولـــاده وزوجتـــه وعاهدتهـــن علـــى أن يدبـــرن أمـــراً
يوصلـه إلـى جزائـر واق الـواق ومـا زالـت تبكـي بيـن يـدي أخواتهـا حتـى أبكتهـن وقلـن لهـا طيبــي قلبــك
بأننا مجتهدات في اجتماعـه بأهلـه إن شـاء اللـه تعالـى ثـم إنـه قـام عندهـن سنـة كاملـة وعينـه لـم تمسـك
عــن الدمــوع وكــان لأخواتهــا عــم أخــو والدهــن شقيقــه وكــان اسمــه عبــد القــدوس وكــان يحــب البنــت
الكبيــرة محبــة كثيــرة وكــان فــي كــل سنــة يزورهــا مـــرة واحـــدة ويقضـــي حوائجهـــا وكانـــت البنـــات قـــد
حدثتــه بحديــث حســن ومــا وقــع لــه مــع المجــوس وكيـــف قـــدر علـــى قتلـــه ففـــرح عمهـــن بذلـــك ودفـــع
للبنــت الكبيــرة صــرة فيهــا بخــور وقــال لهــا يــا بنــت أخــي إذا أهمــك أمـــراً ونالـــك مكـــروه أو عرضـــت
لـك حاجـة فألـق هــذا البخــور فــي النــار واذكرينــي فأنــا أحضــر لــك بسرعــة وأقضــي حاجتــك وكــان
هذا الكلام في أول يوم من السنة.
فقالــت البنــت لبعــض أخواتهــا إن السنــة قــد مضــت بتمامهــا وعمــي لــم يحضــر قومــي اقدحـــي الزنـــاد
وائتنـي بعلبـة البخــور فقامــت وهــي فرحانــة وأحضــرت علبــة البخــور وفتحتهــا وأخــذت منهــا شــيء
يسيـر وناولتـه لأختهـا فأخذتـه ورمتـه فـي النـار وذكـرت عمهــا فمــا فــرغ البخــور وإلا غبــرة قــد ظهــرت
مـن صـدر الـوادي ثـم بعـد ساعـة انكشـف الغبـار فبـان مـن تحتـه شيـخ راكـب علــى فيــل وهــو يصيــح
مـن تحتـه فلمـا نظرتـه البنـات صـار يشيــر إليهــن بيديــه ورجليــه ثــم بعــد ساعــة وصــل إليهــن فنــزل عــن
===
الفيــل ودخــل عليهــن فعانقنــه وقبلــن يديــه وسلمــن عليــه ثــم إنــه جلــس وصــارت البنــات يتحدثــن معـــه
ويسألنه عن غيابه.
فقـال إنـي كنـت فـي هـذا الوقـت جالسـاً أنــا وزوجــة عمكــن فشممــت البخــور فحضــرت إليكــن علــى
هــذا الفيــل فمـــا تريديـــن يـــا بنـــت أخـــي فقالـــت يـــا عـــم إننـــا اشتقنـــا إليـــك وقـــد مضـــت السنـــة ومـــا
عادتـك أن تغيــب عنــا أكثــر مــن سنــة فقــال لهــن إنــي مشغــولاً وكنــت عزمــت علــى أن أحضــر إليكــن
غداً فشكرنه ودعون له وقعدن يتحدثن معه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن البنــات قعــدن يتحدثــن مــع عمهــن قالــت البنــت الكبيــرة يــا عمــي
إننـــا كنـــا حدثنـــاك بحديـــث حســـن البصـــري الـــذي جـــاء بـــه بهـــرام المجوســـي وكيـــف قتلـــه وحدثنـــاك
بالصبيــة بنــت الملــك الأكبــر التــي أخذهــا ومــا قــاس مــن الأمـــور الصعـــاب والأهـــوال وكيـــف اصطـــاد
بنــت الملــك وتــزوج بهــا وكيــف سافــر إلــى بلـــاده قـــال نعـــم فمـــا حـــدث لـــه بعـــد هـــذا قالـــت لـــه إنهـــا
غــدرت بــه وقــد رزق منهــا بولديــن فأخذتهمــا وسافــرت بهمــا إلــى بلادهــا وهــو غائــب وقالــت لأمــه
===
إذا حضـــر ولـــدك وطالـــت عليـــه ليالـــي الفـــراق وأراد منـــي القـــرب والتلاقـــي بـــه وهزتـــه ريـــاح المحبــــة
والاشتيـاق فليجئنـي إلـى جزائـر واق الـواق فحـرك رأســه وعــض علــى إصبعــه ثــم أطــرق رأســه إلــى
الـأرض وصـار ينكـث فـي الـأرض بإصبعـه ثـم التفـت يمينـاً وشمـالاً وحـرك رأســه وحســن ينظــره وهــو
متوار عنه.
فقالـت البنـات لعمهـن رد علينـا الجــواب فقــد تفتــت منــا الأكبــاد فهــز رأســه إليهــن وقــال لهــن يــا بناتــي
لقــد أتعــب هــذا الرجــل نفســه ورمــى روحــه فــي هــول عظيــم وخطــر جسيــم فإنــه لا يقــدر أن يقبـــل
علــى جزائــر واق الــواق فعنــد ذلــك نــادت البنــات حسنــاً فخــرج إليهـــن وتقـــدم الشيـــخ عبـــد القـــدوس
وقبـل يـده وسلــم عليــه ففــرح بــه وأجلســه بجانبــه فقالــت البنــات لعمهــن يــا عــم بيــن لأخينــا حقيقــة مــا
قلتــه فقــال لــه يــا ولــدي اتــرك عنــك هــذا العــذاب الشديـــد فإنـــك لا تقـــدر أن تصـــل إلـــى جزائـــر واق
الـواق ولـو معـك الجـن الطيـارة والنجـوم السيـارة لـأن بينـك وبيـن الجزائـر سبـع أوديــة وسبــع بحــار وسبــع
جبـال عظـام وكيـف أن تصــل إلــى هــذا المكــان ومــن يصلــك إليــه باللــه عليــك أن ترجــع مــن قريــب ولا
تتعب نفسك.
فلمــا سمــع حســن كلــام الشيــخ عبــد القــدوس بكــى حتــى غشــي عليــه وقعــدت البنــات حولــه يبكيــن
لبكائـه وأمـا البنـت الصغيـرة فإنهـا شقـت ثيابهــا ولطمــت علــى وجههــا حتــى غشــي عليهــا فلمــا رآهــم
===
الشيـخ عبـد القـدوس علـى هـذه الحالـة مـن الهـم والوجــد والحــزن رق لهــم وأخذتــه الرأفــة عليهــم فقــال
اسكتـوا ثـم قـال لحسـن طيـب قلبـك وأبشـر بقضـاء حاجتـك إن شـاء اللـه تعالـى ثـم قــال يــا ولــدي قــم
وشـد حيلـك واتبعنـي فقـام حســن علــى حيلــه بعــد أن ودع البنــات وتبعــه وقــد فــرح بقضــاء حاجتــه
ثــم إن الشيــخ عبــد القــدوس استدعــى الفيــل فحضـــر فركبـــه وأردف حسنـــاً خلفـــه وســـار بـــه مـــدة
ثلاثـة أيـام بلياليهـا مثـل البـرق الخاطـف حتـى وصـل جبـل عظيـم أزرق وفــي ذلــك الجبــل مغــارة عليهــا
باب من الحديد الصيني.
فأخـذ الشيـخ بيـد حسـن وأنزلـه ثـم نـزل الشيـخ وأطلـق الفيـل ثـم تقـدم إلـى بــاب المغــارة وطرقــه فانفتــح
البــاب وخــرج إليــه عبــد أســود أحــرود كأنــه عفريــت وبيــده اليمنــى سيــف والأخــرى تــرس مــن بولـــاد
فلمـا نظـر الشيـخ عبـد القـدوس رمـى السيـف والتـرس مـن يـده وتقـدم إلــى الشيــخ عبــد القــدوس وقبــل
يــده ثــم أخــذ الشيــخ بيــد حســن ودخــل هــو وإيــاه وقفـــل العبـــد البـــاب خلفهمـــا فـــرأى حســـن المغـــارة
كبيـرة واسعـة جـداً أولهـا دهليــز معقــود ولــم يزالــوا سائريــن مقــدار ميــل ثــم انتهــى بهــم السيــر إلــى فلــاة
عظيمــة وتوجهــوا إلــى ركــن فيــه بابــان عظيمــان مسبوكــان مــن النحـــاس الأصفـــر ففتـــح الشيـــخ عبـــد
القــدوس بابــاً منهمــا ودخــل ورده وقــال لحســـن اقعـــد علـــى هـــذا البـــاب واحـــذر أن تفتحـــه وتدخـــل
حتى أدخل وأرجع إليك عاجلاً.
===
فلمـا دخـل الشيــخ غــاب مــدة ساعــة فلكيــة ثــم خــرج ومعــه حصــان ملجــم إن ســار طــار وإن طــار
لـم يلحقـه غبـار فقدمـه الشيـخ لحسـن وقـال لـه اركـب ثــم إن الشيــخ فتــح البــاب الثانــي فبــان منــه بريــة
واسعـة فركـب حسـن الحصـان وخـرج الاثنـان مـن البـاب وسـار فـي تلـك البريـة فقـال الشيــخ لحســن: يــا
ولـدي خـذ هـذا الكتـاب وسـر علـى الحصـان إلـى الموضـع الـذي يوصلـك إليــه فــإذا نظرتــه وقــف علــى
مغـارة مثــل هــذه فانــزل عــن ظهــره وأجعــل عنانــه فــي قربــوس الســرج وأطلقــه فإنــه يدخــل المغــارة فــلا
تدخـل معـه وقـف علـى بـاب المغـارة مـدة خمســة أيــام ولا تضجــر فإنــه فــي اليــوم الســادس يخــرج إليــك
شيــخ أســود عليــه لبــاس أســود وذقنــه طويلــة نازلــة إلــى سرتــه فــإذا رأيتــه فقبــل يديـــه وامســـك ذيلـــه
واجعلــه علــى رأســك وابــك بيــن يديــه حتــى يرحمـــك فإنـــه يسألـــك عـــن حاجتـــك فـــإذا قـــال لـــك مـــا
حاجتـــك فادفـــع إليـــه هـــذا الكتـــاب فإنـــه يأخـــذه منـــك ولا يكلمـــك ويدخـــل ويخليـــك فقـــف مكانــــك
خمســة أيــام أخــرى ولا تضجــر وفــي اليــوم الســادس انتظــره فإنــه يخــرج إليــك فــإن خـــرج إليـــك بنفســـه
فأعلـم أن حاجتـك تقضــى وإن خــرج إليــك أحــد مــن غلمانــه فأعلــم أن الــذي خــرج إليــك يريــد قتلــك
والسلام وأعلم يا ولدي أن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الشيـــخ عبـــد القـــدوس لمـــا أعطـــى حسنـــاً الكتـــاب أعلمـــه بمـــا
يحصـل وقـال لــه إن كــل مــن خاطــر بنفســه أهلــك نفســه فــان كنــت تخــاف علــى نفســك فــلا تلقــي بهــا
إلــــى الهلــــاك وإن كنــــت لا تخــــاف فدونــــك ومــــا تريــــد فقــــد بينــــت لــــك الأمــــور وإن شئــــت الــــرواح
لصواحبـك فهـذا الفيـل حاضـر فانـه يسيـر بـك إلـى بنـات أخـي وهـن يوصلنـك إلـى بلــادك ويرددنــك إلــى
وطنك ويرزقك الله خيراً من البنت التي تعلقت بها.
فقـال حسـن للشيـخ: وكيـف تطيـب لـي الحيـاة مــن غيــر أن أبلــغ مــرادي واللــه إنــي لا أرجــع أبــداً حتــى
أبلغ مرادي من حبيبتي أو تدركني منيتي ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:
على فقد حبي مع تزايد صبوتي وقفـت أنـادي بانكسـار وذلــة
وقبلت تراب الربع شوقاً لأجله ولم يجدنـي إلا تزايـد حسرتـي
رعى الله من باتوا وفي القلب ذكرهم فوصلت آلامي وفارقت لذتي
يقولون لي صبراً وقد رحلوا به وقد أضرموا يوم الترحل زفرتي
ومـا راعنـي إلا الــوداع وقولــه إذا غبت فاذكرني ولا تنسى صحبتي
لمن ألتجي من أرتجي بعد فقدهم وكانوا رجائي في رخائي وشدتي
فوا حسرتي لما رجعت مودعاً وسرت عداي المبغضون برجعتي
===
فإن غاب أحبابي فلا أعيش بعدهم وإن رجعوا يا فرحتي ومسرتي
فوالله لم ينفض دمعي من البكا على فقدهم بل عبرة بعد عبرة
فلمــا سمــع الشيــخ عبــد القــدوس إنشــاده وكلامــه علــم أنــه لا يرجــع عــن مــراده وأن الكلــام لا يؤثـــر فيـــه
وتيقـن أنـه لا بـد أن يخاطـر بنفسـه ولــو تلفــت مهجتــه فقــال: اعلــم يــا ولــدي أن جزائــر واق الــواق سبــع
جزائـر فيهـا عسكـر عظيـم وذلـك العسكـر كلـه بنــات أبكــار وسكــان الجزائــر الجوانيــة شياطيــن ومــردة
وسحـرة وأرهـاط مختلفــة وكــل مــن دخــل أرضهــم لا يرجــع ومــا حصــل إليهــم أحــد قــط ورجــع فباللــه
عليــك أن ترجــع إلــى أهلــك مــن قريــب وأعلــم أن البنــت التــي قصدتهــا بنــت ملــك هــذه الجزائــر كلهـــا
وكيف تقدر أن تصل إليها فاسمع مني يا ولدي ولعل الله يعوضك خيراً منها.
فقـال: واللـه يـا سيـدي لــو قطعــت فــي هواهــا إربــاً إربــاً مــا ازددت إلا حبــاً وطربــاً ولا بــد مــن رؤيــة
زوجتــي وأولــادي والدخــول فــي جزائــر واق الــواق وإن شــاء اللــه مــا أرجــع إلا بهــا وبأولــادي فقــال لــه
الشيــخ عبــد القــدوس حينئــذ: لا بــد لــك مــن السفــر فقــال نعــم وإنمــا أريــد منــك الدعــاء بالإسعـــاف
والإعانـة لعـل اللـه يجمــع شملــي بزوجتــي وأولــادي عــن قريــب ثــم بكــى مــن عظــم شوقــه وأنشــد هــذه
الأبيات:
أنتم مرادي وأنتم أحسن البشر أحلكم في محل السمـع والبصـر
===
فلا تظنوا انتقالي عـن محبتكـم فحبكم صير المسكين في حذر
غبتم فغاب سروري بعد غيبتكم وأصبح الصفو عندي غاية الكدر
تركتموني أراعي النجم من ألمٍ أبكي بدمع يحاكي هاطل المطر
يا ليل طلت على من بات في قلق من شدة الوجد يرعى طلعة القمر
إن جزت يا ريح حياً فيه قد نزلوا بلغ سلامي لهم فالعمر في قصر
وقل لهم بعض ما لاقيت من ألم إن الأحبة لا يدرن عن خبري
فلمــا فــرغ حســن مــن شعــره بكــى بكــاءً شديــداً حتــى غشــي عليــه فلمــا أفــاق قــال لــه الشيــخ عبــد
القـدوس يـا ولــدي إن لــك والــدة فــلا تذقهــا ألــم فقــدك فقــال حســن للشيــخ واللــه يــا سيــدي مــا بقيــت
أرجع إلا بزوجتي أو تدركني منيتي ثم بكى وناح وأنشد هذه الأبيات:
وحتى الهوى ما غير البعد عهدكم ومـــا أنـــا بمـــن للعهـــود يخــــون
وعندي من الأشواق ما لو شرحته إلى الناس قالوا قد عراه جنون
فوجـدٌ وحـزنٌ وانتحـاب لوعـةٍ ومن حاله هذا فكيـف يكـون
فلمـا فـرغ مـن شعـره علـم الشيــخ أنــه لا يرجــع عمــا هــو فيــه ولــو ذهبــت روحــه فناولــه الكتــاب ودعــا
===
فهـو شيخـي ومعلمـي وجميـع الإنـس والجـن يخضعـون لـه ويخافـون منـه ثـم قـال لــه توجــه علــى بركــة اللــه
تعالـى فتوجـه وقـد أرخـى عنـان الحصـان فطـار بـه أسـرع مـن البـرق ولـم يـزل حسـن مسرعــاً بالحصــان
مـدة عشـرة أيـام حتــى نظــر أمامــه شبحــاً عظيمــاً أســود مــن الليــل قــد ســد مــا بيــن المشــرق والمغــرب
فلمـا قـرب حسـن منـه صهـل الحصـان تحتـه فاجتمعـت خيـول كثيـرة مثـل المطــر لا يحصــى لهــا عــدد ولا
يعرف لها مدد وصارت تتمسح في الحصان فخاف حسن وفزع.
ولـم يـزل حسـن سائـراً والخيـول حولـه إلـى أن وصـل إلــى المغــارة التــي وصفهــا لــه الشيــخ عبــد القــدوس
فوقـف الحصـان علـى بابهـا فنــزل حســن مــن فوقــه ووضــع عنانــه فــي سرجــه فدخــل الحصــان المغــارة
ووقــف حســن علــى البــاب كمــا أمــره الشيــخ عبــد القـــدوس وصـــار متفكـــراً فـــي عاقبـــة أمـــره كيـــف
يكون حيران ولهان لا يعلم الذي يجري له.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والخمسين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن حسنــاً لمــا نــزل مــن فــوق ظهــر الحصــان وقــف علــى بــاب المغــارة
متفكـراً فـي عاقبـة أمـره كيـف يكـون لا يعلــم الــذي يجــري لــه ولــم يــزل واقفــاً علــى بــاب المغــارة خمســة
===
أيـام بلياليهـا وهــو سهــران حزنــان حيــران متفكــراً حيــث فــارق الأهــل والأوطــان والأصحــاب والخلــان
باكـي العيـن حزيـن القلـب ثـم إنـه تذكـر والدتــه وتفكــر فيمــا يجــري لــه وفــي فــراق زوجتــه وأولــاده فيمــا
أساد فأنشد هذه الأبيات:
لديكم دواء القلب والقلب ذائبٌ ومن سفح أجفاني دموع سواكب
فـراق وحـزن واشتيـاق وغربـة وبعد عن الأوطان والشوق غالب
ومـا أنـا إلا عاشـق ذو صبابـة ببعد الذي يهدى دهته المصائب
فإن كان عشقي قد رماني بنكبة فـأي كريـم لـم تصبــه النوائــب
فمـا فـرغ حسـن مــن شعــره إلا والشيــخ أبــو الريــش قــد خــرج لــه وهــو أســود وعليــه لبــاس أســود فلمــا
نظـر حسـن عرفـه بالصفـات التـي أخبـره بهـا الشيـخ عبـد القـدوس فرمـى نفسـه عليـه ومــرغ خديــه علــى
قدميـه وأمسـك ذيلـه وحطـه علـى رأسـه وبكـى قدامـه فقــال الشيــخ أبــو الريــش مــا حاجتــك يــا ولــدي
فمــد يديــه بالكتــاب وناولــه للشيــخ أبــي الريــش فأخــذه منــه ودخــل المغــارة لــم يــرد عليــه جوابــاً فقعــد
حسـن فـي موضعـه علـى البـاب مثـل مـا قالـه الشيـخ عبـد القـدوس وهــو يبكــي ومــا زال قاعــداً مكانــه
مـدة خمسـة أيـام وقـد ازداد بـه القلـق واشتـد بـه الخـوف ولازمـه الـأرق فصـار يبكــي ويتضجــر مــن ألــم
البعاد وكثرة السهاد ثم أنشد هذه الأبيات:
===
مـــن لـــم يـــذق طعـــم الهــــوى لــــم يــــدر مــــا جهــــد البــــلا
لــــو كنــــت أحبــــس عبرتـــــي لوجـــــــدت أنهــــــــار الدمــــــــا
كـــم مـــن صديـــق قـــد قســــا قلبــــــــــاً وأولــــــــــع بالشقـــــــــــا
فـــــــــإذا تعطـــــــــف لامنـــــــــي فأقــــول مــــا بــــي مـــــن بكـــــا
لكـــــــن ذهبـــــــت لأرتــــــــدي فأصابنـــــــي عيـــــــن الــــــــردى
بكــــت الوحــــوش لوحشتـــــي وكذلــــــك سكـــــــان الهـــــــوى
ولــم يــزل حســن يبكــي إلــى أن لــاح الفجــر وإذا بالشيــخ أبــو الريــش قــد خــرج إليــه وهــو لابـــس لباســـاً
أبيـض وأومـأ إليـه بيـده أن يدخـل فدخـل حســن فأخــذه الشيــخ مــن يــده ودخــل بــه المغــارة ففــرح وأيقــن
أن حاجتـه قـد قضيـت ولـم يـزل الشيــخ سائــراً وحســن معــه مقــدار نصــف نهــار ثــم وصــلا إلــى بــاب
مقنطـر عليــه بــاب مــن البولــاد ففتــح البــاب ودخــل هــو وحســن فــي دهليــز معقــود بحجــارة مــن الجــزع
المنقـوش بالذهـب ولـم يـزالا سائريـن حتـى وصـل إلــى قاعــة كبيــرة مرخمــة واسعــة فــي وسطهــا بستــان
فيــه مــن سائــر الأشجــار والأزهــار والأثمــار والأطيــار علــى الأشجــار تناغــي وتسبــح الملـــك القهـــار
وفـي القاعـة أربعـة لواويـن يقابـل بعضهـا بعضـاً وفـي كــل ليــوان مجلــس فيــه فسقيــة وعلــى كــل ركــن مــن
أركـان كـل فسقيـه صـورة سبـع مـن الذهـب وفـي كـل مجلـس كرسـي وعليـه شخـص جالــس وبيــن يديــه
===
كتـب كثيـرة جـداً وبيـن أيديهــم مجاهــر مــن ذهــب فيهــا آثــار وبخــور وكــل شيــخ منهــم بيــن يديــه طلبتــه
يقرؤون عليه الكتب.
فلمــــا دخــــلا عليهــــم قامــــوا إليهمــــا وعظموهمــــا فأقبــــل عليهــــم وأشــــار لهــــم أن يصرفـــــوا الحاضريـــــن
فصرفهــم وقــام أربعــة مشايــخ وجلســوا بيــن يــدي الشيــخ أبــو الريــش وسألــوه عـــن حـــال حســـن فعنـــد
ذلـك أشـار الشيـخ أبـو الريـش إلـى حسـن وقـال لــه حــدث الجماعــة بحديثــك وبجميــع مــا جــرى لــك مــن
أول الأمر إلى آخره فعند ذلك بكى حسن بكاءً شديداً بحديثه.
فلمـا فـرغ حســن مــن حديثــه صاحــت المشايــخ كلهــم وقالــوا هــل هــذا هــو الــذي أطلعــه المجوســي إلــى
جبـل السحـاب والنسـور وهـو فـي جلـد الجمـل فقـال لهـم حســن نعــم فأقبلــوا علــى الشيــخ أبــي الريــش
وقالـوا لـه يـا شيخنـا إن بهـرام نحيـل فـي طلوعـه علـى الجبـل وكيـف نـزل ومـا الـذي وراء فـوق الجبـل مــن
العجائـب فقـال الشيـخ أبـو الريـش يــا حســن حدثهــم كيــف نزلــت وأخبرهــم بالــذي رأيتــه مــن العجائــب
فأعـاد لهـم مـا جـرى لـه مـن أولـه إلـى آخـره وكيـف ظفـر بـه وقتلـه وكيــف غــدرت بــه زوجتــه وأخــذت
أولــاده وطــارت وبجميــع مــا قاســـاه مـــن الأهـــوال والشدائـــد فتعجـــب الحاضـــرون ممـــا جـــرى لـــه أقبلـــوا
علـــى الشيـــخ أبـــي الريـــش وقالـــوا لـــه يـــا شيـــخ الشيـــوخ واللـــه إن هـــذا الشــــاب مسكيــــن فعســــاك أن
تساعده على خلاص زوجته وأولاده.
===
وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن حسنــاً لمــا حكــى للمشايــخ قصتــه قالــوا للشيــخ أبــي الريــش هــذا
الشــاب مسكيــن فعســاك أن تساعــده علــى خلــاص زوجتــه وأولــاده فقـــال لهـــم الشيـــخ أبـــو الريـــش يـــا
أخواتـي إن هـذا أمـر عظيـم خطــر ومــا رأيــت أحــداً يكــره الحيــاة غيــر هــذا الشــاب وأنتــم تعرفــون أن
جزائــر واق الــواق صعبــة الوصــول مــا وصــل إليهــا أحـــد إلا خاطـــر بنفســـه وتعرفـــون قوتهـــم وأعوانهـــم
وأنـا حالـف أنـي مـا أدوس لهـم أرضـاً ولا أتعـرض لهــم فــي شــيء وكيــف يصــل هــذا إلــى بنــت الملــك
الأكبر ومن يقدر أن يوصله إليها أو يساعده على هذا الأمر.
فقالـــوا يـــا شيـــخ الشيـــوخ إن هـــذا الرجـــل أتلفـــه الغـــرام وقـــد خاطــــر بنفســــه وحضــــر إليــــك بكتــــاب
أخيــك الشيــخ عبــد القــدوس فحينئــذ يجــب عليــك مساعدتــه فقـــام حســـن وقبـــل قـــدم أبـــي الريـــش
ورفـع ذيلـه ووضعـه علـى رأسـه وبكـى وقــال لــه سألتــك باللــه أن تجمــع بينــي وبيــن أولــادي وزوجتــي
ولـو كـان فـي ذلـك ذهـاب روحـي ومهجتـي فبكـى الحاضـرون لبكائـه وقالـوا للشيـخ أبـي الريــش اغتنــم
أجــر هــذا المسكيــن وافعـــل معـــه جميـــل لأجـــل أخيـــك الشيـــخ عبـــد القـــدوس فقـــال إن هـــذا الشـــاب
مسكين ما يعرف الذي هو قادم عليه ولكن نساعده على قدر الطاقة.
===
ففـــرح حســـن لمـــا سمـــع كلامــــه وقبــــل يديــــه وقبــــل أيــــادي الحاضريــــن واحــــداً بعــــد واحــــداً وسألهــــم
المساعــدة فعنــد ذلــك أخــذ أبـــو الريـــش ورقـــة ودواة وكتـــب كتابـــاً وختمـــه وأعطـــاه لحســـن ودفـــع لـــه
خريطــة مــن الــآدم فيهــا بخــور وآلــات مــن نــار مــن زنـــاد وغيـــره وقـــال لـــه احتفـــظ علـــى هـــذه الخريطـــة
ومتـى وقعـت فـي شـدة فبخـر بقليـل منـه واذكرنـي فإنـي أحضـر عنــدك وأخلصــك منهــا ثــم أمــر بعــض
الحاضرين أن يحضر له عفريتاً من الجن الطيارة في ذلك الوقت فحضر.
فقـال لــه الشيــخ مــا اسمــك قــال عبــدك دهنــش ابــن فقطــش فقــال لــه أبــو الريــش: ادن منــي فدنــا منــه
فوضــع الشيــخ أبــو الريــش فــاه علـــى أذن العفريـــت وقـــال لـــه: كلامـــاً فحـــرك العفريـــت رأســـه ثـــم قـــال
الشيــخ لحســن: يــا ولــدي قـــم اركـــب علـــى كتـــف هـــذا العفريـــت دهنـــش الطيـــار فـــإذا رفعـــك إلـــى
السمـاء وسمعـت تسبيـح الملائكـة فـي الجـو فـلا تسبـح فتهلـك أنـت وهـو فقـال حسـن لا أتكلـم أبــداً ثــم
قـال لـه الشيـخ يـا حسـن إذا سـار بـك فإنـه يضعـك ثانـي يـوم فـي وقـت السحـر علـى أرض بيضـاء نقيــة
مثــل الكافــور فــإذا وضعــك هنــاك فامشــي عشــرة أيـــام وحـــدك حتـــى تصـــل إلـــى بـــاب المدينـــة فـــإذا
وصلــت إليهــا فادخــل واســأل علــى ملكهــا فـــإذا اجتمعـــت بـــه فسلـــم عليـــه وقبـــل يـــده وأعطـــه هـــذا
الكتاب ومهما أشار إليك فافهمه.
فقــال حســن سمعــاً وطاعــةً وقــام مــع العفريــت وقــام المشايـــخ ودعـــوا لـــه ووصـــوا العفريـــت عليـــه فلمـــا
===
حملــه العفريــت علــى عاتقــه ارتفــع بــه إلــى عنــان السمــاء ومشــى بـــه يومـــاً وليلـــة حتـــى سمـــع تسبيـــح
الملائكـة فـي السمـاء فلمــا كــان الصبــح وضعــه فــي أرض بيضــاء مثــل الكافــور وتركــه وانصــرف فلمــا
أدرك حسـن أنـه علــى الــأرض ولــم يكــن عنــده أحــد ســار فــي الليــل والنهــار مــدة عشــرة أيــام إلــى أن
وصــل إلــى بــاب المدينــة فدخــل وســأل عــن الملــك فدلـــوه عليـــه وقالـــوا إن اسمـــه الملـــك حســـون ملـــك
أرض الكافــور وعنــده مــن العسكــر والجنــود مــا يمــلأ الــأرض فـــي طولهـــا والعـــرض فاستـــأذن حســـن
فأذن له فلما دخل عليه وجده ملكاً عظيماً فقبل الأرض بين يديه.
فقــال لــه الملــك مــا حاجتــك فقبــل حســن الكتــاب وناولــه إيـــاه فأخـــذه وقـــرأه ثـــم حـــرك رأســـه ساعـــة
ثـم قـال لبعـض خواصـه: خـذ هــذا الشــاب وأنزلــه فــي دار الضيافــة فأخــذه وســار حتــى أنزلــه هنــاك
فأقـام بهـا مـدة ثلاثـة أيـام فـي أكـل وشـرب وليـس عنـده إلا الخـادم الـذي معـه فصـار ذلـك الخـادم يحدثــه
ويؤانســه ويسألــه عــن خبــره وكيــف وصــل إلــى هــذه الديــار فأخبــره بجميــع مــا حصــل لــه وكــل مــا هــو
فيــه. وفــي اليــوم الرابــع أخــذه الغلــام وأحضــره بيــن يــدي الملــك فقــال لــه يــا حســن أنــت قـــد حضـــرت
عنـدي تريـد أن تدخـل جزائــر واق الــواق كمــا ذكــر لنــا شيــخ الشيــوخ يــا ولــدي أنــا أرسلــك فــي هــذه
الأيــام إلا أن فــي طريقــك مهالــك كثيــرة وبــراري معطشـــة كثيـــرة المخـــاوف ولكـــن اصبـــر ولا يكـــون إلا
خيراً فلا بد أن أتحيل وأوصلك إلى ما تريد إن شاء الله تعالى.
===
واعلــم يــا ولــدي أن هنــا عسكــراً مــن الديلــم يريــدون الدخــول فــي جزائــر واق الـــواق مهيئيـــن بالسلـــاح
والخيــل والعــدد ومــا قـــدروا علـــى الدخـــول ولكـــن يـــا ولـــدي لأجـــل شيـــخ الشيـــوخ أبـــي الريـــش أبـــي
بلقيـــس بـــن معـــن مـــا أقـــدر أن أردك إليـــه إلا مقضـــي الحاجـــة وعـــن قريـــب تأتــــي إلينــــا مراكــــب مــــن
جزائــر واق الــواق ومــا بقــي لهــا إلا القليــل فــإذا حضــرت واحـــدة منهـــا أنزلتـــك فيهـــا وأوصـــي البحريـــة
عليــك ليحفظــوك ويرسلــوك إلــى جزائــر واق الــواق وكـــل مـــن سألـــك عـــن حالـــك وخبـــرك فقـــل لـــه أنـــا
صهــر الملــك حســون صاحــب الكفــور وإذا رســت المركــب علــى جزائــر واق الــواق وقـــال لـــك الريـــس
اطلع البر فاطلع ترى دكاً كثيرة في جميع جهات البر فاختر لك دكة واقعد تحتها ولا تتحرك.
فـــإذا جـــاء الليـــل ورأيـــت عسكـــر النســـاء قـــد أحـــاط بالبضائـــع فمـــد يـــدك وامســـك صاحبــــة هــــذه
الدكــة التـــي أنـــت تحتهـــا واستجـــر بهـــا واعلـــم يـــا ولـــدي إذا جارتـــك قضيـــت حاجتـــك فتصـــل إلـــى
زوجتـك وأولـادك وإن لــم تجــرك فاحــزن علــى نفســك وأيــأس مــن الحيــاة وتيقــن هلــاك نفســك واعلــم يــا
ولدي أنك مخاطر بنفسك ولا أقدر لك على شيء غير هذا والسلام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد السبعمائة
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً لمــا قـــال لـــه الملـــك حســـون هـــذا الكلـــام وأوصـــاه بالـــذي
ذكرنــاه وقــال لــه أنــا لا أقــدر لــك علــى شــيء غيــر هــذا قـــال بعـــد ذلـــك واعلـــم أنـــه لـــولا عنايـــة رب
السمــاء مــا وصلــت إلــى هنــا. فلمــا سمــع حســن كلــام الملــك حســون بكــى حتــى غشــي عليـــه فلمـــا
أفاق أنشد هذين البيتين:
لا بـــــد مـــــن مـــــدة محتومــــــة فـــإذا انقضـــت أيامهــــا مــــت
لو صارعتني الأسد في غاباتها لقهرتهـــا مــــا دام لــــي وقــــت
فلمــا فــرغ حســن مــن شعــره قبــل الــأرض بيــن يــدي الملــك وقــال لــه أيهــا الملــك العظيـــم وكـــم بقـــي مـــن
الأيــام حتــى تأتــي المراكــب قــال مــدة شهــر ويمكثــون هنــا لبيــع مــا فيهــا مــدة شهريــن ثــم يرجعــون إلـــى
بلادهـم فـلا تنتظـر سفـرك فيهـا إلا بعـد ستـة أشهـر كاملـة ثـم إن الملـك أمـر حســن أن يذهــب إلــى دار
الضيافــة وأمــر أن يحمـــل إليـــه كـــل مـــا يحتـــاج إليـــه مـــن مأكـــول ومشـــروب وملبـــوس مـــن الـــذي يناســـب
الملــوك فأقــام فــي دار الضيافــة شهــراً وبعـــد الشهـــر حضـــرت المراكـــب فخـــرج الملـــك والتجـــار وأخـــذ
حسنــاً معــه إلـــى المراكـــب فـــرأى مركـــب فيهـــا خلـــق كثيـــر مثـــل الحصـــى مـــا يعلـــم عددهـــم إلا الـــذي
خلقهــم وتلــك المركــب فــي وســـط البحـــر ولهـــا زوارق صغـــار تنقـــل مـــا فيهـــا مـــن البضائـــع إلـــى البـــر
فأقــام حســن عندهــم حتــى نــزع أهلهــا البضائــع منهــا إلــى البــر وباعـــوا واشتـــروا ومـــا بقـــي للسفـــر إلا
===
ثلاثـة أيـام فأحضـر حسنـاً بيـن يديـه وجهـز لــه مــا يحتــاج إليــه وأنعــم عليــه إنعامــاً عظيمــاً ثــم بعــد ذلــك
استدعـى رئيـس المركـب وقـال لـه خـذ هـذا الشـاب معـك فـي المركـب ولا تعلـم بـه أحـداً وأوصلـه إلـى
جزائر واق الواق واتركه هناك ولا تأت به.
فقــال الريــس سمعــاً وطاعــةً ثــم إن الملــك أوصــى حسنــاً وقــال لــه لا تعلــم أحــداً مــن الذيــن معــك فـــي
المركـب بشـيء مـن حالـك ولا تطلـع أحـداً علـى قصتــك فتهلــك قــال سمعــاً وطاعــةً ثــم ودعــه بعــد أن
دعـا لـه بطــول البقــاء والــدوام والنصــر علــى جميــع الحســاد والأعــداء وشكــره الملــك علــى ذلــك ودعــا
لــه بالسلامــة وقضــاء حاجتــه ثــم سلمــه للريــس فأخــذه وحطــه فــي صنــدوق وأنزلــه فــي قــارب ولـــم
يطلعـــه فـــي المركـــب إلا والنـــاس مشغولـــون فـــي نقـــل البضائـــع وبعـــد ذلـــك سافـــرت المركـــب ولـــم تـــزل
مسافرة مدة عشرة أيام.
فلمـا كــان اليــوم الحــادي عشــر وصلــوا إلــى البــر فطلعــه الريــس مــن المركــب فلمــا طلــع مــن المركــب إلــى
البــر ورأى فيــه دكــاً لا يعلــم عددهــا إلا اللــه فمشــى حتــى وصــل إلــى دكــة ليــس لهـــا نظيـــر واختفـــى
تحتهـا فلمـا أقبـل الليـل جـاء خلـق كثيــر مــن النســاء مثــل الجــراد المنشــور وهــن ماشيــات علــى أقدامهــن
وسيوفهـن مشهـورة فـي أيديهـن ولكنهـن غائصـات فـي الـزرد فلمـا رأت النســاء البضائــع اشتغلــن بهــا ثــم
بعــد ذلــك جلســن لأجــل الاستراحــة فجلســت واحــدة منهـــن علـــى الدكـــة التـــي تحتهـــا حســـن فأخـــذ
===
حســـن طـــرف ذيلهـــا وحطـــه فـــوق رأســـه ورمـــى نفســــه عليهــــا وصــــار يقبــــل يديهــــا وقدميهــــا وهــــو
يبكي.
فقالــت لــه يــا هــذا قــم واقفــاً قبــل أن يــراك أحــد فيقتلــك فعنـــد ذلـــك خـــرج حســـن مـــن تحـــت الدكـــة
ونهــض قائمــاً علــى قدميــه وقبــل يديهــا وقــال لهـــا يـــا سيدتـــي أنـــا فـــي جيرتـــك ثـــم بكـــى وقـــال لهـــا:
ارحمـــي مـــن فـــارق أهلــــه وزوجتــــه وأولــــاده وبــــادر إلــــى الاجتمــــاع بهــــم وخاطــــر بروحــــه ومهجتــــه
فارحمينـي وأيقنــي أنــك تؤجريــن علــى ذلــك بالجنــة وإن لــم تقبلينــي فأسألــك باللــه العظيــم الستــار أن
تستري علي.
فصــار التجــار شاخصيــن لــه وهــو يكلمهــا فلمــا سمعــت كلامــه ونظـــرت تضرعـــه رحمتـــه ورق قلبهـــا
إليـه وعلمـت أنـه مـا خاطـر بنفسـه وجــاء إلــى هــذا المكــان إلا لأمــر عظيــم فعنــد ذلــك قالــت لحســن:
يــا ولــدي طــب نفســاً وقــر عينــاً وطيــب قلبــك وخاطــرك وارجــع إلــى مكانــك واختــف تحـــت الدكـــة
كمـا كنـت أولاً إلـى الليلـة الآتيـة واللـه يفعـل مـا يريـد ثـم ودعتــه ودخــل حســن تحــت الدكــة كمــا كــان ثــم
إن العساكر بتن يوقدون الشموع الممزوجة بالعود الند والعنبر الخام إلى الصباح.
فلمــا طلــع النهــار رجعــت المراكــب إلـــى البـــر واشتغـــل التجـــار بنقـــل البضائـــع والأمتعـــة إلـــى أن أقبـــل
الليـل وحسـن مختـف تحـت الدكـة باكـي العيـن حزيـن القلـب ولـم يعلـم بالـذي قـدر لـه فــي الغيــب فبينمــا
===
هــو كذلــك إذ أقبلــت عليــه المــرأة التاجــرة التـــي كـــان استجـــار بهـــا وناولتـــه زرديـــة وسيفـــاً وحياصـــاً
مذهبـاً ورمحـاً ثـم انصرفــت عنــه خوفــاً مــن العسكــر فلمــا رأى ذلــك علــم أن التاجــرة مــا أحضــرت لــه
هــذه العــدة إلا ليلبسهـــا فقـــام حســـن ولبـــس الزرديـــة وشـــد الحياصـــة علـــى وسطـــه وتقلـــد بالسيـــف
تحـت إبطـه وأخـذ الرمـح بيـده وجلـس علـى تلـك الدكـة ولسانـه لـم يغفـل عـن ذكـر اللـه تعالــى بــل يطلــب
منه الستر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الستين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملــــك السعيــــد أن حسنــــاً لمــــا أخــــذ السلــــاح الــــذي أعطتــــه إيــــاه الصبيــــة التــــي
استجــار بهــا وقالــت لــه اجلــس تحــت الدكــة ولا تخــل أحــد يفهـــم حالـــك وتقلـــد بـــه ثـــم جلـــس فـــوق
الدكـة ولسانـه لـم يغفـل عـن ذكـر اللـه تعالـى وصـار يطلــب مــن اللــه الستــر فبينمــا هــو جالــس إذ أقبلــت
المشاعـــل والفوانيـــس والشمـــوع وأقبلـــت عساكـــر النســـاء واختلــــط بالعسكــــر وصــــار كواحــــدة منهــــن
فلمــا قــرب طلــوع الفجــر توجهـــت العساكـــر وحســـن معهـــن حتـــى وصلـــن إلـــى خيامهـــن ودخلـــت كـــل
واحـدة خيمتهـا فدخـل حسـن خيمـة واحــدة منهــن وإذا هــي خيمــة صاحبتــه التــي كــان استجــار بهــا
===
فلمـــا دخلـــت خيمتهـــا ألقـــت سلاحهـــا وقلعـــت الزرديـــة والنقـــاب وألقـــى حســـن سلاحـــه فنظـــر إلـــى
صاحبتهـا فوجدهـا زرقـاء العينيـن كبيـرة الأنـف وهـي داهيـة مـن الدواهـي أقبــح مــا يكــون فــي الخلــق
بوجــه أجــدر وحاجــب أمعــط وأسنــان مكســرة وخــدود معجــرة وشعـــر شائـــب وفـــم بالريالـــة سائـــل
وهي كما قال في مثلها الشاعر:
لها في زوايا الوجه تسع مصائب فواحــدة منهــن تبــدي جهنمــا
بوجــه بشيــع ثــم ذات قبيحـــة كصــورة خنزيــر تــراه مرمرمــا
وهــي بــذات معطــاء كحيــة رقطــاء فلمــا نظــرت العجــوز إلــى حســن تعجبــت وقالــت: كيـــف وصـــل
هـذا إلـى هـذه الـدار وفـي أي المراكـب حضــر وكيــف سلــم وصــارت تسألــه عــن حالــه وتتعجــب مــن
وصولــه فعنــد ذلــك وقــع حســن علــى قدميهــا ومــرغ وجهــه علــى رجليهــا وبكــى حتــى غشــي عليـــه
فلما أفاق أنشد هذه الأبيات:
متــى الأيــام تسمـــح بالتلاقـــي وتجمـــع شملنـــا بعــــد الفــــراق
وأحظـى بالـذي أرضـاه منهـم عتابـــاً ينقضـــي والـــود باقــــي
لو أن النيـل يجـري مثـل دمعـي لمـا خلـى علـى الدنيـا شراقـي
وفاض على الحجاز وأرض مصر كذلك الشام مع أرض العـراق
===
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره أخـــذ ذيـــل العجـــوز ووضعـــه فـــوق رأســـه وصـــار يبكـــي ويستجيـــر بهـــا فلمـــا
رأت العجــوز احتراقــه ولوعتــه وتوجعــه وكربتــه حــن قلبهـــا إليـــه وأجارتـــه وقالـــت لـــه: لا تخـــف أبـــدا
ثــم سألتــه عــن حالــه فحكــى لهــا جميــع مــا جــرى لــه مــن المبتــدأ إلــى المنتهــى فتعجبــت العجــوز مـــن
حكايتـه وقالـت لـه: طيـب قلبـك وطيـب خاطـرك مــا بقــي عليــك خــوف وقــد وصلــت إلــى مطلوبــك
وقضـاء حاجتـك إن شـاء اللـه تعالـى ففــرح حســن بذلــك فرحــاً شديــداً ثــم إن العجــوز أرسلــت إلــى
قـــواد العسكـــر أن يحضـــروا وكـــان ذلـــك آخـــر يـــوم مـــن الشهـــر فلمـــا حضـــروا بيـــن يديهـــا قالــــت لهــــم:
اخرجوا ونـادوا فـي جميـع العسكـر أن يخرجـوا فـي غـد بكـرة النهـار ولا يتخلـف أحـد منهـم فـإن تخلـف
أحــد راحــت روحــه فقالــوا سمعــاً وطاعــةً ثــم خرجــوا ونــادوا فــي جميــع العسكــر بالرحيــل فــي غـــد
بكـرة النهـار ثـم عـادوا وأخبروهـا بذلـك فعلــم حســن أنهــا رئيســة العسكــر وصاحبــة الــرأي فيــه وهــي
المقدمة عليه.
ثـم إن حسنـاً لـم يقلـع السلـاح مـن فـوق بدنـه فـي ذلـك النهـار وكـان اسـم تلـك العجـوز التـي هـو عندهـا
شواهــي وتكنــى بــأم الدواهــي فمــا فرغــت العجــوز مـــن أمرهـــا ونهيهـــا ألا وقـــد طلـــع الفجـــر فخـــرج
العسكـــر مـــن أماكنـــه ولـــم تخــــرج العجــــوز معهــــم فلمــــا ســــار العسكــــر وخلــــت منــــه الأماكــــن قالــــت
شواهـي لحسـن ادن منـي يـا ولـدي فدنـا منهـا ووقـف بيـن يديهــا فأقبلــت عليــه وقالــت لــه: مــا السبــب
===
فـي مخاطرتـك بنفسـك ودخولـك إلـى هـذه البلــاد وكيــف رضيــت نفســك بالهلــاك فأخبرنــي بالصحيــح
عــن جميــع شأنــك ولا تخبــئ عنــي منــه شيئــاً ولا تخــف فإنــك قــد صــرت فــي عهــدي وقـــد أجرتـــك
ورحمتـك ورثيــت لحالــك فــإن أخبرتنــي بالصــدق أعنتــك علــى قضــاء حاجتــك ولــو كــان فيهــا رواح
الـأرواح وهلـاك الأشبـاح وحيـث وصلـت إلـي مـا بقـي عليـك بــأس ولا أخلــي أحــداً يصــل إليــك بســوء
أبداً من كل ما في جزائر واق الواق.
فحكـى لهـا قصتـه مـن أولهـا إلـى آخرهـا وعرفهـا بشــأن زوجتــه وبالطيــور وكيــف اصطادهــا مــن بيــن
العشــرة وكيــف تــزوج بهــا ثــم أقــام معهــا حتـــى رزق منهـــا بولديـــن وكيـــف أخـــذت أولادهـــا وطـــارت
حيـن عرفـت طريـق الثـوب الريـش ولـم يخـف مـن حديثـه شيئــاً مــن أولــه إلــى يومــه الــذي هــو فيــه فلمــا
سمعـــت العجـــوز كلامـــه حركـــت رأسهـــا وقالـــت سبحـــان اللـــه الــــذي سلمــــك وأوصلــــك إلــــى هنــــا
وأوقعــك عنــدي ولــو كنــت وقعــت عنــد غيــري كانــت روحــك راحــت ولــم تقــض لــك حاجــة ولكــن
صـدق نيتـك ومحبتـك وفــرط شوقــك إلــى زوجتــك وأولــادك هــو الــذي أوصلــك إلــى حصــول بغيتــك
ولـولا أنـك لهـا محـب وبهـا ولهـان مـا كنـت خاطــرت بنفســك هــذه المخاطــرة والحمــد للــه علــى السلامــة
وحينئـذ يجـب علينـا أن نقضـي لـك حاجتـك ونساعـدك علـى مطلوبـك حتــى تنــال بغيتــك عــن قريــب
إن شــاء اللــه تعالـــى ولكـــن اعلـــم يـــا ولـــدي أن زوجتـــك فـــي الجزيـــرة السابعـــة مـــن جزائـــر واق الـــواق
===
ومسافـة مـا بيننـا وبينهـا سبعـة أشهـر ليـلاً ونهـاراً فإننـا نسيـر مــن هنــا حتــى نصــل إلــى أرض يقــال لهــا
أرض الطيور ومن شدة صياح الطيور وخفقان أجنحتها لا يسمع بعضنا كلام بعض.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والستين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن العجـوز قالـت لحسـن إن زوجتـك فــي الجزيــرة السابعــة مــن جزائــر
واق الــواق ومسافــة مــا بيننــا وبينهــا سنــة كاملــة للراكــب المجــد فــي السيــر وعلــى شاطــئ هــذا النهـــر
جبــل آخــر يسمــى جبــل واق وهــذا الاســم علــم علــى شجــرة أغصانهـــا تشبـــه رؤوس بنـــي آدم فـــإذا
طلعــت الشمــس عليهــا تصيــح تلــك الــرؤوس جميعـــاً وتقـــول فـــي صياحهـــا واق واق سبحـــان الخلـــاق
فــــإذا سمعنــــا صياحهــــا نعلــــم أن الشمــــس قــــد طلعــــت وكذلــــك إذا غربــــت الشمــــس تصيــــح تلـــــك
الــرؤوس وتقــول فــي صياحهـــا واق واق سبحـــان الملـــك الخلـــاق فنعلـــم أن الشمـــس غربـــت ولا يقـــدر
أحـد مـن الرجـال أن يقيـم عندنــا ولا يصــل إلينــا ولا يطــأ أرضنــا وبيننــا ويبــن الملكــة التــي تحكــم علــى
هـذه الـأرض مسافـة شهـر مـن هـذا البـر وجميـع الرعيـة التـي فـي ذلـك البـر تحـت يـد تلـك الملكـة وتحــت
يدهــا أيضــاً قبائــل الجــان المــردة والشياطيــن وتحــت يدهــا مـــن السحـــرة مـــا لا يعلـــم عددهـــم إلا الـــذي
===
فــإن كنــت تخــاف أرسلــت معــك مــن يوصلــك إلــى الساحــل وأجــيء بالــذي يحملــك معــه فــي مركـــب
ويوصلـك إلـى بلـادك وإن كــان يطيــب علــى قلبــك الإقامــة معنــا فــلا أمنعــك وأنــت عنــدي فــي عينــي
حتـى تقضـي حاجتـك إن شـاء اللـه تعالـى فقـال حســن: يــا سيدتــي مــا بقيــت أفارقــك حتــى اجتمــع
بزوجتي أو تذهـب روحـي. فقالـت لـه: هـذا أمـر يسيـر فطيـب قلبـك وسـوف تصـل إلـى مطلوبـك إن
شـاء اللــه تعالــى ولا بــد أن أطلــع الملكــة عليــك حتــى تكــون مساعــدة لــك علــى بلــوغ قصــدك فدعــا
لهـا حسـن وقبــل يديهــا ورأسهــا وشكرهــا علــى فعلهــا وفــرط مروءتهــا وســار معهــا وهــو متفكــر فــي
عاقبة أمره وأهوال غربته فصار يبكي وينتحب وجعل ينشد هذه الأبيات:
مــن كــان الحــب هــب نسيـــم فتراني من فرط وجـدي أهيـم
إن ليل الوصال صبـح مضـيء ونهـــــار الفـــــراق ليـــــل بهيـــــم
ووداع الحبيب صعـب شديـد وفراق الأنيس خطـب جسيـم
لســت أشكــو جفــاه إلا إليـــه لم يكن في الورى صديق حميم
وسلـــوى عنكـــم محـــال فإنـــي ليس يسلي قلبي عـذول ذميـم
يا وحيد الجمال عشقي وحيد يــا عديــم المثــال قلبــي عديــم
كــل مــن يدعــي المحبــة فيكــم ويهـــــاب الملـــــام فهـــــو ملــــــوم
===
ثـــم إن العجـــوز أمـــرت بـــدق طبـــل الرحيـــل وســـار العسكـــر وســــار حســــن صحبــــة العجــــوز وهــــو
غرقـان فـي بحـر الأفكـار يتضجـر وينشـد الأشعـار والعجـوز تصبـره وتسليـه وهــو لا يفيــق ولا يعــي لمــا
تقـول إليـه ولـم يزالــوا سائريــن إلــى أن وصلــوا إلــى جزيــرة مــن الجزائــر السبعــة وهــي جزيــرة الطيــور فلمــا
دخلوهــا ظــن حســن أن الدنيــا قــد انقلبــت مــن شــدة الصيــاح وأوجعتــه رأســه وطـــاش عقلـــه وعمـــي
بصـــره وانســـدت أذنـــاه وخـــاف خوفـــاً شديـــداً وأيقـــن بالمـــوت وقـــال فـــي نفســـه إذا كانـــت هـــذه أرض
الطيــور فكيــف أرض الوحــوش فلمـــا رأتـــه العجـــوز المسمـــاة بشواهـــي علـــى هـــذه الحالـــة ضحكـــت
عليـه وقالـت يــا ولــدي إذا كــان هــذا حالــك مــن أول جزيــرة فكيــف بــك إذا وصلــت إلــى بقيــة الجزائــر
فســأل اللــه وتضــرع إليــه وطلــب منــه أن يعينــه علــى مــا بلــاه وأن يبلغــه منــاه ولــم يزالـــوا سائريـــن حتـــى
قطعوا أرض الطيور وخرجوا منها ودخلوا في أرض الجان.
فلمـا رآهــا حســن خــاف ونــدم علــى دخولــه فيهــا معهــم ثــم استعــان باللــه تعالــى وســار معهــم فعنــد
ذلـك خلصــوا مــن أرض الجــان ووصلــوا إلــى النهــر فنزلــوا تحــت جبــل عظيــم شاهــق ونصبــوا خيامهــم
علــى شاطــئ النهــر ووضعــت العجــوز لحســـن دكـــة مـــن المرمـــر مرصعـــة بالـــدرر والجواهـــر وسبائـــك
الذهــب الأحمــر فــي جنــب النهــر فجلــس عليهـــا وتقدمـــت العساكـــر فعرضتهـــم عليـــه ثـــم بعـــد ذلـــك
نصبـوا خيامهـم حولـه واستراحـوا ساعـة ثـم أكلــوا وشربــوا ونامــوا مطمئنيــن لأنهــم وصلــوا إلــى بلادهــم
===
وكـان حسـن واضعـاً علـى وجهـه لثامـاً بحيــث لا يظهــر منــه غيــر عينــه وإذا بجماعــة مــن البنــات مشيــن
إلـى قـرب النهـر ثـم قلعـن ثيابهـن ونزلـن فـي النهـر فصـار حســن ينظــر إليهــن وهــن يغتسلــن فصــرن يلعبــن
وينشرحن ولا يعلمن أنه ناظر إليهن لأنهن ظنن أنه من بنات الملوك.
فاشتـــد علـــى حســـن وتـــره حيـــث كـــان ينظـــر إليهـــن وهـــن مجـــردات مــــن ثيابهــــن وقــــد رأى مــــا بيــــن
أفخاذهـن أنـواع مختلفـة مـا بيــن ناعــم ومقبقــب وسميــن مربــرب وغليــظ المشافــر وكامــل وبسيــط ووافــر
ووجوههــن كالأقمــار وشعورهــن كليــل علــى نهــار لأنهــن مـــن بنـــات الملـــوك ثـــم إن العجـــوز نصبـــت لـــه
سريـراً وأجلستــه فوقــه فلمــا خلصــن طلعــن مــن النهــر وهــن متجــردات كالقمــر ليلــة البــدر وقــد اجتمــع
جميـع العسكـر قـدام حسـن لـأن العجــوز أمــرت أن ينــادي فــي جميــع العسكــر أن يجتمعــن قــدام خيمتــه
ويتجــردن مــن ثيابهــن وينزلــن فــي النهــر ويغتسلــن فيــه لعــل زوجتــه أن تكــون فيهــن فيعرفهـــا وصـــارت
العجــوز تسألــه عنهــن طائفــة بعــد طائفــة فيقـــول مـــا هـــي فـــي هـــؤلاء يـــا سيدتـــي. وأدرك شهـــرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والستين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن العجــوز كانــت تســأل حســن عــن البنــات طائفــة بعــد طائفــة لعلــه
===
يعــرف زوجتــه بينهــن وكلمــا سألتــه عــن طائفــة يقــول مــا هــي فــي هــؤلاء يـــا سيدتـــي ثـــم بعـــد ذلـــك
تقدمـت جاريـة فـي آخــر النــاس وفــي خدمتهــا ثلاثــون خادمــة كلهــن نهــداً بكــار فنزعــن عنهــن ثيابهــن
ونزلـن معهـا فـي النهـر فصـارت تتدلـل عليهـن وترميهـن فـي البحـر وتغطسهــن ولــم تــزل معهــن علــى هــذا
الحـال ساعـةً زمانيــةً ثــم طلعــن مــن النهــر وقعــدن فقدمــن إليهــا مناشــف مــن حريــرٍ مزركشــة بالذهــب
فأخذتهـا وتنشفـت بهـا ثـم قدمـوا إليهــا ثيابــاً وحلــلاً وحليــاً مــن عمــل الجــن فأخذتهــا ولبستهــا وقامــت
تخطـر بيـن العسكـر هـي وجواريهـا فلمـا رآهـا حسـن طـار قلبــه وقــال هــذه أشبــه النــاس بالطيــرة التــي
رأيتها في البحيرة في قصر أخواتي البنات وكانت تتدلل على أتباعها مثلها.
فقالـــت العجـــوز: يـــا حســـن هـــذه زوجتـــك فقـــال: لا وحياتـــك يــــا سيدتــــي مــــا هــــذه زوجتــــي ولا
مثـل قدهـا واعتدالهــا وحسنهــا وجمالهــا. فقالــت: صفهــا لــي وعرفنــي بجميــع أوصافهــا حتــى تكــون
في ذهنـي فإنـي أعـرف كـل بنـت فـي جزيـرة واق الـواق لأنـي نقيبـة عسكـر البنـات والحاكمـة عليهـن وإن
وصفتها لـي عرفتهـا وتحيلـت لـك فـي أخذهـا. فقـال لهـا حسـن: إن زوجتـي صاحبـة وجـه مليـح وقـد
رجيـح أسيلـة الخـد قائمـة النهـد دعجـاء العينيـن ضخمـة الساقيـن بيضـاء الأسنـان حلـوة اللسـان ظريفـة
الشمائــل كأنهــا غصــن مائــل بديعــة الصفــة حمــراء الشفــة بعيـــون كحـــال وشفايـــف رقـــاق علـــى خدهـــا
الأيمــن شامــة وعلــى بطنهــا مــن تحــت سرتهــا علامــة ووجههــا منيـــر كالقمـــر مستديـــر وخصرهـــا نحيـــل
===
فقالـت العجـوز: زدنـي فـي أوصافهــا بيانــاً زادك اللــه تعالــى فيهــا افتتانــاً فقــال لهــا حســن إن زوجتــي
ذات وجـه جميـل وعنـق طويـل وطـرف كحيـل وخـدود كالشقائــق وفــم كخاتــم عقيــق وثغــر لامــع البريــق
يغنـي عـن الكـأس والإبريـق فـي هيكـل اللطافـة وبيـن فخذيهـا تخـت الخلافـة مـا مثـل حومـة بيـن المشاعــر
كما قال في حقه الشاعر:
اسم الذي حيرني حروفه مشتهره أربعة في خمسةٍ وستةٍ في عشرة
ثم بكى حسن وغنى بهذا الموال:
وجدي بكم وجد هندي ضيع القصعة أو وجد ساعي وفي رجله اليمين قصعه
أو وجد مضني عليل بجروح متسعه أو وجد من حرر السبعة على العشرين
ولعنة الله على من يتبع التسعه
أطرقــت العجــوز برأسهـــا إلـــى الـــأرض ساعـــة مـــن الزمـــان ثـــم رفعـــت رأسهـــا إلـــى حســـن وقالـــت:
سبحــان اللــه العظيــم الشــأن إنــي بليــت بــك يــا حســن فيــا ليتنــي مــا كنـــت عرفتـــك لـــأن المـــرأة التـــي
وصفتهـا لـي علـى أنهـا زوجتـك فإنـي قـد عرفتهـا بصفتهـا وهـي بنـت الملـك الأكبـر الكبيـره التــي تحكــم
علـــى جزائـــر واق الـــواق بأسرهـــا فافتـــح عينـــك ودبـــر أمـــرك وإن كنـــت نائمـــاً فانتبـــه فإنـــه لا يمكنـــك
الوصــول إليهــا أبــداً وإن وصلــت إليهــا لا تقــدر علــى تحصيلهــا لــأن بينــك وبينهــا مثــل مــا بيــن السمـــاء
===
والـأرض فارجـع يــا ولــدي مــن قريــب ولا تــرم نفســك فــي الهلــاك وترمينــي معــك فإنــي أظــن أنــه ليــس
لك فيها نصيب وارجع من حيث أتيت لئلا تروح أرواحنا وخافت على نفسها وعليه.
فلمــا سمــع حســن كلــام العجــوز بكــى بكـــاءً شديـــداً حتـــى غشـــي عليـــه فمـــا زالـــت العجـــوز تـــرش
علـى وجهـه المــاء حتــى أفــاق مــن غشيتــه وصــار يبكــي حتــى بــل ثيابــه بالدمــوع مــن عظــم مــا لحقــه
مــن الهــم والغــم مــن كلــام العجــوز وقــد يئــس مــن الحيــاة ثــم قــال للعجــوز: يــا سيدتــي وكيـــف أرجـــع
بعــد أن وصلــت إلــى هنــا ومــا كنــت أظــن فــي نفســي أنــك تعجزيــن عــن تحصيــل غرضــي خصوصــاً
وأنــت نقيبــة عسكــر للبنــات والحاكمــة عليهـــن قالـــت: باللـــه يـــا ولـــدي أن تختـــار لـــك بنتـــاً مـــن هـــؤلاء
البنـات وأنـا أعطيـك إياهـا عوضـاً عـن زوجتــك لئــلا تقــع فــي يــد الملــوك فــلا يبقــى لــي فــي خلاصــك
حيلـة فباللـه عليـك أن تسمـع منـي وتختـار لـك واحـدة مـن هـؤلاء البنــات غيــر تلــك البنــت وترجــع إلــى
بلـــادك مـــن قريـــب سالمـــاً ولا تجرعنـــي غصتـــك واللـــه لقـــد رميـــت نفســـك فـــي بـــلاء عظيـــم وخطـــر
جسيـــم لا يقـــدر أحـــد أن يخلصـــك منـــه فعنـــد ذلــــك أطــــرق حســــن رأســــه وبكــــى بكــــاءً شديــــداً
وأنشد هذه الأبيات:
فقلـــت لعذالــــي لا تعذلونــــي لغير الدمع مـا خلقـت جفونـي
مدامع مقلتي طفحت ففاضت علـى خـدي وأحبابـي جفونـي
===
ويا أحبـاب قـد زاد اشتياقـي إليكــــم مالكــــم لا ترحمونـــــي
جفوتـم بعـد ميثاقـي وعهــدي وخنتــم صحبتــي وتركتمونــي
ويوم البين لما قد رحلتم سقيت مـــن الصـــدود شـــراب هـــون
فيـا قلبــي عليهــم ذاب غرامــاً وجــودي بالمدامــع يــا عيونـــي
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والستين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن العجـــوز لمـــا قالـــت لحســــن باللــــه عليــــك يــــا ولــــدي أن تسمــــع
كلامــي وتختــار لــك واحــدة مـــن هـــؤلاء البنـــات غيـــر زوجتـــك وترجـــع إلـــى بلـــادك مـــن قريـــب سالمـــاً
فأطـــرق رأســـه وبكـــي بكـــاءً شديـــداً فأنشـــد الأبيـــات المذكـــورة فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره بكـــي حتـــى
غشــي عليــه فمــا زالــت العجــوز تــرش علــى وجهــه المــاء حتــى أفـــاق مـــن غشيتـــه ثـــم أقبلـــت عليـــه
وقالـت لـه يـا سيـدي ارجـع إلـى بلـادك فإنـي متـى سافــرت بــك إلــى المدينــة راحــت روحــك وروحــي
لـأن الملكـة إذا علمـت بذلـك تلومنـي علـى دخولـي بـك إلـى بلادهـا وجزائرهـا التـي لـم يصلهــا أحــد مــن
بني آدم وتقتلنـي حيـث حملتـك معـي وأطلعتـك علـى هـؤلاء الأبكـار التـي رأيتهـن فـي البحـر مـع أنـه لـم
===
يمسهـن فحـل ولـم يقربهــن بعــل فحلــف حســن أنــه مــا نظــر إليهــن نظــرة ســوء قــط فقالــت لــه: يــا ولــدي
ارجـع إلـى بلـادك وأنـا أعطيـك مـن المـال والذخائــر والتحــف مــا تستغنــي بــه عــن جميــع النســاء فاسمــع
كلامــي وارجــع مــن قريــب ولا تخاطــر بنفســك فقــد نصحتــك فلمـــا سمـــع كلامهـــا بكـــى ومـــرغ خديـــه
على أقدامها وقال: يـا سيدتـي ومولاتـي وقـرة عينـي كيـف أرجـع بعدمـا وصلـت إلـى هـذا المكـان ولـم
أنظـــر مـــن أريـــد وقـــد قربـــت مـــن دار الحبيـــب وترجيـــت اللقـــاء عـــن قريـــب لعلـــه أن يكـــون لـــي فـــي
الاجتماع نصيب ثم أنشد هذه الأبيات:
يـا ملـوك الجمـال رفقـاً بأسـري لجفــون تملكــت ملــك كســـرى
قد غلبتم روائح المسـك طيبـاً وبهرتــم محاســن الــورد زهــرا
ونسيــم النعيــم حيــث حللتـــم فالصبا مـن هنـاك تعبـق نشـرا
عاذلي كف عن ملامي ونصحي إنمــا جئــت بالنصيحـــة نكـــرا
ما على صبوتي من العذل واللوم إذا لــــم تحــــط بذلــــك خبــــرا
أسرتنـي العيـون وهـي مــراض ورمتني في الحـب عنفـاً وقهـرا
أنثرا الدمع حين أنظـم شعـري هاك مني الحديث نظماً وشعرا
حمـرة الخـد قـد أذابـت فـؤادي فتلظــت منــي الجــوارح جمــرا
===
طول عمري أهوى الحسان ولكن يحــدث اللــه بعــد ذلـــك أمـــرا
فلمــا فــرغ حســن مــن شعــره رقــت لــه العجـــوز ورحمتـــه وأقبلـــت عليـــه وطيبـــت خاطـــره وقالـــت لـــه
طــب نفســاً وقــر عينــاً واخــل فكــرك مــن الهــم واللــه لأخطــرن معــك بروحــي حتــى تبلـــغ مقصـــودك أو
تدركنــي منيتــي فطــاب قلــب حســن وانشــرح صــدره وجلــس يتحــدث مــع العجــوز إلــى آخــر النهــار
فلمـا أقبـل الليـل تفرقـت البنـات كلهـن فمنهـن مـن دخلـت قصرهـا فـي البلـد ومنهـن مــن باتــت فــي الخيــام
ثـم إن العجـوز أخــذت حسنــاً معهــا ودخلــت بــه إلــى البلــد فأخلــت لــه مكانــاً وحــده لئــلا يطلــع عليــه
أحــد فيعلــم الملكــة فتقتلــه وتقتــل مــن أتــى بــه ثــم صــارت تخدمــه بنفسهـــا وتخوفـــه مـــن سطـــوة الملـــك
الأكبـر أبـا زوجتـه وهـو يبكـي بيـن يديهـا ويقـول يــا سيدتــي قــد اختــرت المــوت لنفســي وكرهــت الدنيــا
إن لم أجتمع بزوجتي وأولادي فأنا أخاطر بروحي إما أن أبلغ مرادي وإما أن أموت.
فصــارت العجــوز تتفكــر فــي كيفيــة وصولــه واجتماعــه بزوجتــه وكيــف تكــون الحيلــة فــي أمـــر هـــذا
المسكيـن الــذي رمــى روحــه فــي الهلــاك ولــم ينزجــر عــن قصــده بخــوف ولا غيــره وقــد ســلا جسمــه
وصاحـب المثـل يقـول العاشــق لا يسمــع كلــام خلــى وكانــت تلــك البنــت ملكــة الجزيــرة التــي هــم نازلــون
فيهـا وكـان اسمهـا نـور الهـدى وكـان لهـذه الملكــة سبــع أخــوات بنــات أبكــار مقيمــات عنــد أبيهــن الملــك
الأكبــر الــذي هــو حاكــم علــى السبــع جزائــر وأقطــار واق الــواق وكانــت تخــت ذلــك الملــك فــي المدينــة
===
التـي هـي أكبـر مـدن ذلـك البـر وكانـت بنتـه الكبيـرة وهـي نــور الهــدى هــي الحاكمــة علــى تلــك المدينــة
التـي فيهـا حسـن وعلـى سائـر أقطارهـا ثـم إن العجـوز لمـا رأت حسنـاً محترقـاً علــى الاجتمــاع بزوجتــه
وأولــاده قامــت وتوجهــت إلـــى قصـــر الملكـــة نـــور الهـــدى فدخلـــت عليهـــا وقبلـــت الـــأرض بيـــن يديهـــا
وكـان للعجـوز فضـل عليهــا لأنهــا ربــت بنــات الملــك جميعهــن ولهــا علــى الجميــع سلطنــة وهــي مكرمــة
عندهم عزيزة عند الملك.
فلمــا دخلــت العجــوز علــى الملكــة نــور الهــدى قامـــت لهـــا وعانقتهـــا وأجلستهـــا جنبهـــا وسألتهـــا عـــن
سفرتهــا فقالــت لهــا واللــه يــا سيدتــي إنهــا كانــت سفـــرة مباركـــة وقـــد استصحبـــت لـــك معـــي هديـــة
سأحضرهـا بيـن يديـك ثـم قالـت لهـا يـا ابنتـي يـا ملكـة العصـر والزمـان إنـي أتيـت معـي بشـيء عجيـب
وأريــد أن أطلعــك عليـــه لأجـــل أن تساعدينـــي علـــى قضـــاء حاجتـــه فقالـــت لهـــا ومـــا هـــو فأخبرتهـــا
بحكايـة حســن مــن أولهــا إلــى آخرهــا وهــي ترتعــد كالقصبــة فــي مهــب الريــح العاصــف حتــى وقعــت
بيــن يــدي الملــك وقالــت لهــا يــا سيدتــي قــد استجــار بــي شخــص علــى الساحــل كــان مختفيــاً تحــت
الدكـة فأجرتـه وأتيـت بـه معـي بيـن عسكـر البنـات وهـو حامــل السلــاح بحيــث لا يعرفــه أحــد وأدخلتــه
البلـد وقـد خوفتـه مـن سطوتـك وعرفتـه ببأسـك وقوتـك وكلمــا أخوفــه يبكــي وينشــد الأشعــار ويقــول
لا بـد لـي مـن رؤيـة زوجتـي وأولــادي أو أمــوت ولا أرجــع إلــى بلــادي مــن غيرهــم وقــد خاطــر بنفســه
===
وجـاء إلـى جزائـر واق الـواق ولـم أر عمــري آدميــاً أقــوى قلبــاً منــه ولا أشــد بأســاً منــه لــأن الهــوى قــد
تمكن منه غاية التمكن وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والستين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن العجـــوز لمـــا حكـــت للملكـــة نـــور الهـــدى حكايـــة حســـن قالـــت
لهــا ومــا رأيــت أقــوى قلبــاً منــه لــأن الهــوى قــد تمكــن منــه غايـــة التمكـــن فلمـــا سمعـــت الملكـــة كلامهـــا
وفهمــت قصـــة حســـن غضبـــت غضبـــاً شديـــداً وأطرقـــت برأسهـــا إلـــى الـــأرض ساعـــة ثـــم رفعـــت
رأسهـا ونظـرت إلـى العجــوز وقالــت لهــا يــا عجــوز النحــس هــل بلــغ مــن خبثــك أنــك تحمليــن الذكــور
وتأتيـن بهـم معـك إلـى جزائـر واق الـواق وتدخليـن بهـم علـي ولا تخافـي مـن سطوتــي وحــق رأس الملــك
لـولا مـا لـك علـي مـن التربيـة لقتلتـك أنـت وإيـاه فـي هـذه الساعـة أقبـح قتلـة حتـى يعتبـر المسافــرون بــك
يــا ملعونــة لئــلا يفعــل أحــد مثــل مــا فعلــت مــن هــذه الفعلــة العظيمــة التــي لا يقــدر أحـــد عليهـــا ولكـــن
اخرجي واحضريه في هذه الساعة حتى أنظره.
فخرجــت العجــوز مــن بيــن يديهــا وهـــي مدهوشـــة لا تـــدري أيـــن تذهـــب وتقـــول كـــل هـــذه المصيبـــة
ساقهـا اللــه لــي مــن هــذه الملكــة علــى يــد حســن ومضــت إلــى أن دخلــت علــى حســن فقالــت لــه قــم
===
كلـم الملكـة يـا مـن آخـر عمـره قـد دنـا فقـام معهـا ولسانـه لا يفتــر عــن ذكــر اللــه تعالــى ويقــول اللهــم الطــف
بـي فــي قضائــك وخلصنــي مــن بلائــك فســارت حتــى أوقفتــه بيــن يــدي الملكــة نــور الهــدى وأوصتــه
العجــوز فــي الطريــق بمــا يتكلــم بــه معهــا فلمــا تمثــل بيــن يــدي نــور الهـــدى رآهـــا ضاربـــة لثامـــاً فقبـــل
الأرض بين يديها وسلم عليها وأنشد هذين البيتين:
أدام اللـــه عـــزك فـــي ســـرورٍ وخولــــك الإلــــه بمـــــا حبـــــاك
وزادك ربنـــــا عـــــزاً ومجــــــداً وأيـــدك القديـــر علـــى عـــداك
فلمـــا فـــرغ مـــن شعــــره أشــــارت الملكــــة إلــــى العجــــوز أن تخاطبــــه قدامهــــا لتسمــــع فجاوبتــــه فقالــــت
العجــوز إن الملكــة تــرد عليــك السلــام وتقــول لــك مــا اسمــك ومــن أي البلــاد أتيــت ومــا اســم زوجتــك
وأولــادك الذيــن جئــت مــن أجلهــم ومــا اســم بلــادك فقــال لهــا وقــد ثبــت جنانـــه وساعدتـــه المقاديـــر يـــا
ملكــة العصــر والــأوان ووحيــدة الدهــر والزمــان أمــا أنــا فاسمـــي حســـن الكثيـــر الحـــزن وبلـــدي البصـــرة
وأمــا زوجتــي فــلا أعــرف لهــا اسمــاً وأمــا أولــادي فواحــد اسمــه ناصــر والآخــر منصــور فلمــا سمعــت
الملكـة كلامـه وحديثـه قالــت فمــن أيــن أخــذت أولادهــا فقــال لهــا يــا ملكــة مــن مدينــة بغــداد مــن قصــر
الخلافة فقالت وهل قالت لكم شيئاً عندما طارت
قــال: إنهــا قالــت لوالدتــي إذا جــاء ولــدك وطالــت عليــه أيـــام الفـــراق واشتهـــى القـــرب منـــي والتلاقـــي
===
وهزتـه ريـاح المحبـة والاشتيـاق فليجئنـي إلـى جزائـر واق الـواق فحركـت الملكــة نــور الهــدى رأسهــا ثــم
قالـــت لـــه: لـــو كانـــت مـــا تريـــدك مـــا قالـــت لأمـــك هـــذا الكلـــام وتشتهـــي قربـــك مــــا كانــــت أعلمتــــك
بمكانهــا ولا طلبتــك إلــى بلادهــا فقــال حســن: يــا سيــدة الملــوك والحاكمــة علــى كــل ملــك وصعلــوك إن
الــذي جــرى أخبرتــك بــه ولا أخفيــت منــه شيئــاً وأنــا أستجيــر باللــه وبــك أن لا تظلمينــي فارحمينــي
وأريحــي أجــري وثوابــي وساعدينــي علــى الاجتمـــاع بزوجتـــي وأولـــادي وردي لهفتـــي وقـــري عينـــي
بأولادي وأسعفيني برؤيتهم ثم بكى وحن واشتكى وأنشد هذين البيتين:
لأشكرنـك مـا ناحـت مطوقــة جهدي وإن كنت لا أقضي الذي وجبا
فما تقلبـت فـي نعمـاء سابغـة إلا وجدتك فيها الأصل والسببا
فأطرقــت الملكــة نــور الهــدى رأسهــا إلــى الــأرض وحركتهــا زمانــاً طويــلاً ثــم رفعتهــا وقالــت لــه: قـــد
رحمتك ورثيت لـك وقـد عزمـت علـى أن أعـرض عليـك كـل بنـت فـي المدينـة وفـي بلـاد جزيرتـي فـإن
عرفــت زوجتــك سلمتهــا إليــك وإن لــم تعرفهــا قتلتـــك وصلبتـــك علـــى بـــاب دار العجـــوز فقـــال لهـــا
حسن: قبلت تلك منك يا ملكة الزمان ثم أنشد هذه الأبيات:
أقمتم غرامي في الهوى وقعدتم وأسهرتـم جفنـي القريـح ونمتـم
وعاهدتمونـي أنكـم لـن تماطلـوا فلمـا أخذتــم بالقيــاد غدرتــم
===
أما تتقون الله في قتـل عاشـقٍ يبيت يراعي النجم والناس نوم
فبالله يا قومي إذا مت فاكتبوا على لـوح قبـري إن هـذا متيـم
لعل فتى مثلي أضر بـه الهـوى إذا مـا رأى قبـري علـي يسلـم
فلمـــا فـــرغ مـــن شعـــره قـــال: رضيــــت بالشــــرط الــــذي اشترطيــــه ولا حــــول ولا قــــوة إلا باللــــه العلــــي
العظيــم فعنــد ذلــك أمــرت الملكـــة نـــور الهـــدى أن لا تبقـــى بنـــت فـــي المدينـــة إلا وتطلـــع القصـــر وتمـــر
أمامـه ثـم إن الملكـة أمـرت العجـوز شواهـي أن تنـزل بنفسهـا إلــى المدينــة وتحضــر كــل بنــت فــي المدينــة
إلـى الملكـة فـي قصرهـا وصـارت الملكـة تدخـل البنـات علـى حســن مائــة بعــد مائــة حتــى لــم يبــق فــي
المدينــة بنــت إلا وعرضتهــا علــى حســن فلــم يــر زوجتــه فيهــن فسألتــه الملكــة وقالــت لــه: هــل رأيتهـــا
فـــي أولئـــك فقـــال لهـــا: وحياتـــك يـــا ملكــــة مــــا هــــي بينهــــن فاشتــــد غضــــب الملكــــة عليــــه وقالــــت
للعجوز: ادخلي وأخرجي كل من في القصر واعرضيه عليه.
فلمـا عرضـت عليـه كـل مـن فـي القصـر ولـم يـر زوجتــه فيهــن قــال للملكــة: وحيــاة رأســك يــا ملكــة مــا
هـي فيهـن فغضبـت وصرخـت علــى مــن حولهــا وقالــت: خــذوه واسحبــوه علــى وجهــه فــوق الــأرض
واضربـوا عنقـه لئـلا يخطـر بنفسـه أحـد بعـده ويطلـع علـى حالنـا ويجـوز علينـا فـي بلادنــا ويطــأ أرضنــا
وجزائرنـا فسحبـوه علـى وجهـه ورفعـوا ذيلـه وغمضــوا عينيــه ووقفــوا بالسيــوف علــى رأســه ينتظــرون
===
الــإذن فعنــد ذلــك تقدمــت شواهــي إلــى الملكــة وقبلــت الــأرض بيــن يديهـــا وأمسكـــت ذيلهـــا ورفعتـــه
فـوق رأسهـا وقالـت لهـا: يـا ملكـة لا تعجلــي عليــه خصوصــاً وأنــت تعرفيــن أن هــذا المسكيــن غريــب
قـد خاطـر بنفسـه وقاسـى أمـوراً مـا قاساهــا أحــد قبلــه ونجــاه اللــه تعالــى عــز وجــل مــن المــوت لطــول
عمـره. لقـد سمـع بعدلـك فدخــل بلــادك وحمــاك فــإن قتلتيــه تنشــر الأخبــار عنــك مــع المسافريــن بأنــك
تبغضيـن الأغـراب وتقتلينهـم وهـو علـى كـل حـال تحـت قهـرك ومقتـول سيفـك إن لــم تظهــر زوجتــه فــي
بلــدك وأي وقــت تشتهيــن حضــوره فأنــا قــادرة علــى رده إليــك وأيضــاً فأنــا مـــا أجرتـــه إلا طمعـــاً فـــي
كرمــك بسبــب مــا لــي عليــك مــن التربيــة حتـــى ضمنـــت لـــه أنـــك توصليـــه إلـــى بغيتـــه لعلـــي بعدلـــك
وشفقتـك ولـولا أنـي أعلـم منـك هـذا مـا كنـت أدخلتــه بلــدك وقلــت فــي نفســي إن الملكــة تتفــرج عليــه
وعلـــى مـــا يقـــول مـــن الأشعـــار والكلـــام المليـــح الفصيـــح الـــذي يشبـــه الـــدر المظلـــوم وهـــذا قـــد دخــــل
بلادنا وأكل زادنا فوجب إكرامه علينا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والستين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الملكـــة نـــور الهـــدى لمـــا أمـــرت غلمانهـــا بأخـــذ حســـن وضـــرب
===
عنقـه صــارت العجــوز تتعطــف بخاطرهــا وتقــول لهــا إنــه دخــل بلادنــا وأكــل مــن زادنــا فوجــب علينــا
إكرامــه خصوصــاً وقــد وعدتــه بالاجتمــاع بــك وأنـــت تعرفيـــن أن الفـــراق صعـــب وتعرفيـــن أن الفـــراق
قتــال خصوصــاً فــراق الأولــاد ومــا بقــي علينــا مــن النســـاء واحـــدة إلا أنـــت فأريـــه وجهـــك فتبسمـــت
الملكـــة وقالـــت: مـــن أيـــن لـــه أن يكـــون زوجـــي وخلـــف منـــي أولــــاد حتــــى أريــــه وجهــــي ثــــم أمــــرت
بحضــوره فأدخلــوه عليهــا وأوقفــوه بيــن يديهــا فكشفــت عــن وجههــا فلمــا رآهـــا حســـن صـــرخ صرخـــة
عظيمة وخر مغشياً عليه فلم تزل العجوز تلاطفه حتى أفاق من غشيته وأنشد هذه الأبيات:
يا نسيماً هب من أرض العراق في زوايـا أرض مـن قـال واق
بلــــغ الأحبــــاب عنـــــي أننـــــي مت من طعم الهوى مر المذاق
يـا أهيـل الحـب منـوا واعطفـوا ذاب قلبـي مـن تباريـح الفـراق
فلمــا فــرغ مــن شعــره قــام ونظــر الملكــة وصــاح صيحــة عظيمــة كــاد منهــا القصــر أن يسقــط علـــى مـــن
فيـه ثـم وقـع مغشيـاً عليــه فمــا زالــت العجــوز تلاطفــه حتــى أفــاق وسألتــه عــن حالــه فقــال: إن هــذه
الملكة إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن العجـــوز لمـــا سألتـــه عـــن حالـــه قـــال لهـــا: إن هـــذه الملكـــة إمـــا
زوجتـي وإمـا أشبـه النـاس بزوجتـي: فقالـت الملكـة للعجـوز: ويلــك يــا دايــة إن هــذا الغريــب مجنــون أو
مختـل لأنـه ينظـر إلـى وجهـي ويحملـق إلـي فقالــت لهــا العجــوز: يــا ملكــة إن هــذا معــذور فــلا تؤاخذيــه
فإنـه قيـل فـي المثـل: مريـض الهـوى مـا لـه دواء وهــو والمجنــون ســواء ثــم إن حسنــاً بكــى بكــاءً شديــداً
وأنشد هذين البيتين:
أرى آثارهــم فـــأذوب شوقـــاً وأسكب في مواطنهم دموعـي
وأســـأل مـــن بفرقتهـــم بلانــــي يمــــن علــــي منهـــــم بالرجـــــوع
ثــم إن حسنــاً قــال للملكــة: واللــه مــا أنــت زوجتــي ولكنــك أشبــه النــاس بهــا فضحكـــت الملكـــة نـــور
الهــدى حتــى استلقــت علــى قفاهــا ومالــت علــى جنبهــا ثــم قالــت: يـــا حبيبـــي تمهـــل علـــى روحـــك
وميزنــي وجاوبنــي عــن الــذي أسألــك عنــه ودع عنــك الجنــون والحيــرة والذهـــول فإنـــه قـــد قـــرب لـــك
الفــرج فقــال حســن: يــا سيــدة الملــوك وملجــأ كــل غنــي وصعلــوك إنــي حيــن نظرتــك جننــت لأنــك إمـــا
تكونين زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي فاسأليني الآن عما تريدين.
فقالـت: أي شـيء فــي زوجتــك يشبهنــي فقــال جميــع مــا فيــك مــن الحســن والجمــال والظــرف والدلــال
كاعتــدال قوامـــك وعذوبـــة كلامـــك وحمـــرة خـــدودك وبـــروز نهـــودك وغيـــر ذلـــك ممـــا يشبههـــا. ثـــم إن
===
الملكــة التفتــت إلــى شواهــي أم الدواهــي وقالــت لهــا: يــا أمــي أرجعيــه إلــى موضعــه الــذي كـــان فيـــه
عنـــدك واخدميـــه أنـــت بنفســـك حتـــى أتفحـــص عـــن أمـــره فـــإن كـــان هـــذا الرجــــل صاحــــب مــــروءة
بحيــث أنــه يحفــظ الصحبــة والــود وجــب علينــا مساعدتــه علــى قضــاء حاجتـــه خصوصـــاً وقـــد نـــزل
أرضنـــا وأكـــل طعامنـــا مـــع مــــا تحملــــه مــــن مشقــــات الأسفــــار ومكابــــدة أهــــوال الأخطــــار ولكــــن إذا
أوصلتيه إلى بنتك فأوصي عليه أتباعك وارجعي إلي بسرعة وإن شاء الله لا يكون إلا خيراً.
فعنـــد ذلـــك خرجـــت العجـــوز وأخـــذت حسنـــاً ومضـــت بـــه إلـــى منزلهـــا وأمـــرت جواريهـــا وخدمهـــا
وحشمهــا بخدمتــه وأمرتهــم أن يحضــروا لــه جميــع مــا يحتــاج إليــه وأن لا يقصــروا فـــي حقـــه ثـــم عـــادت
إلــى الملكــة بسرعـــة فأمرتهـــا أن تحمـــل سلاحهـــا وتأخـــذ معهـــا ألـــف فـــارس مـــن الشجعـــان فامتثلـــت
العجــوز شواهــي أمرهــا ولبســت درعهــا وأحضــرت الألــف فــارس ولمـــا وقفـــت بيـــن يديهـــا وأخبرتهـــا
بإحضـار الألــف فــارس أمرتهــا أن تسيــر إلــى مدينــة الملــك الأكبــر أبيهــا وتنــزل عنــد بنتــه منــار السنــا
أختهـــا وتقـــول لهـــا البســـي ولديـــك الدرعيـــن اللذيـــن عملتيهمـــا لهمـــا وأرسليهمــــا إلــــى خالتهمــــا فإنهــــا
مشتاقة إليهما.
وقالـــت لهـــا: أوصيـــك يـــا أمـــي بكتمـــان أمـــر حســــن فــــإذا أخذتيهمــــا منهــــا فقولــــي لهــــا: إن أختــــك
تستدعيــك إلــى زيارتهــا فــإذا أعطتــك ولديهـــا وخرجـــت بهمـــا قاصـــدة الزيـــارة بهمـــا سريعـــاً وخليهـــا
===
تحضــر علــى مهلهــا وتعالــي مــن طريــق غيــر الطريــق التــي تجــيء هــي منهــا ويكــون سفــرك ليــلاً ونهــاراً
واحــذري أن يطلــع علــى هـــذا الأمـــر أحـــد أبـــداً ثـــم إنـــي أحلـــف بجميـــع الأقســـام إن طلعـــت أختـــي
زوجتــه وظهــر أن ولديهــا همــا ولــداه فلـــن أمنعـــه مـــن أخذهـــا ولا مـــن السفـــر معـــه بأولادهـــا. وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والستين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الملكــة قالــت: إنــي أحلــف باللــه وأقســم بجميــع الأقســـام أنهـــا إن
طلعـت أختـي زوجتـه لا أمنعـه مـن أخذهـا بــل أساعــده علــى أخذهــا وعلــى سفرهــا معــه إلــى بلــاده
فوثقـت العجـوز بكلامهـا ولـم تعلـم بمـا أضمرتـه فـي نفسهـا وقـد أضمـرت العاهـرة فـي نفسهـا أنهــا إن لــم
تكــن زوجتــه ولا أولادهــا يشبهونـــه تقتلـــه ثـــم إن الملكـــة قالـــت للعجـــوز: يـــا أمـــي إن صـــدق حـــزري
تكــون زوجتــه أختــي منــار السنــا واللـــه أعلـــم فـــإن هـــذه الصفـــات صفاتهـــا وجميـــع الأوصـــاف التـــي
ذكرهـا مـن الجمــال البــارع والحســن البــارع لا يوجــد فــي أحــد غيــر أخوتــي خصوصــاً الصغيــرة ثــم إن
العجـوز قبلـت يدهـا ورجعـت إلــى حســن وأعلمتــه بمــا قالتــه الملكــة فطــار عقلــه مــن الفــرح وقــام إلــى
العجــوز وقبــل رأسهــا فقالــت لــه: يــا ولــدي لا تقبــل رأســـي وقبلنـــي فـــي فمـــي واجعـــل هـــذه القبلـــة
===
حلــاوة السلامــة وطــب نفســاً وقــر عينـــاً ولا يكـــن صـــدرك إلا منشرحـــاً ولا تستكـــره أن تقبلنـــي فـــي
فمـي فإنـي أنـا السبـب فـي اجتماعــك بهــا فطيــب قلبــك وخاطــرك ولا تكــن إلا منشــرح الصــدر قريــر
العين مطمئن النفس ثم ودعته وانصرفت فأنشد حسن هذين البيتين:
لـي فـي محبتكــم شهــود أربــع وشهــــود كــــل قضيــــة اثنــــان
خفقان قلبي واضطراب جوارحي ونحول جسمي وانعقاد لسانـي
ثم أنشد أيضاً هذين البيتين:
شيئان لو بكت الدماء عليهما عينــاي حتــى تؤذنــا بذهابــي
لم يقضيا المعشار مـن حقيهمـا شرخ الشباب وفرقة الأحبـاب
ثـــم إن العجـــوز حملـــت سلاحهـــا وأخـــذت معهـــا ألـــف فـــارس حامليـــن السلـــاح وتوجهـــت إلـــى تلــــك
الجزيـرة التـي فيهـا أخـت الملكـة وسـارت إلـى أن وصلـت إلـى أخـت الملكـة وكـان بيـن مدينـة نـور الهـدى
وبيــن مدينــة أختهــا ثلاثــة أيــام فلمــا وصلــت شواهــي إلـــى المدينـــة وطلعـــت إلـــى أخـــت الملكـــة منـــار
السنــا سلمــت عليهــا وبلغتهــا السلــام مــن أختهــا نــور الهــدى وأخبرتهــا باشتياقهـــا إليهـــا وإلـــى أولادهـــا
وعرفتهــا أن الملكــة نـــور الهـــدى تعتـــب عليهـــا بسبـــب عـــدم زيارتهـــا إياهـــا فقالـــت لهـــا الملكـــة منـــار
السنــا إن الحــق علــى أختــي وأنــا مقصــرة بعــدم زيارتــي لهـــا ولكـــن أزورهـــا الـــآن ثـــم أمـــرت بإخـــراج
===
خيامهــا إلــى خــارج المدينــة وأخــذت لأختهــا معهــا مــا يصلـــح لهـــا مـــن الهدايـــا والتحـــف ثـــم إن الملـــك
أباهـا نظـر مــن شبــاك القصــر فــرأى الخيــام منصوبــة فســأل عــن ذلــك فقالــوا لــه: إن الملكــة منــار السنــا
نصبــت خيامهــا بتلــك الطريــق لأنهــا تريــد زيــارة أختهــا نــور الهــدى فلمــا سمــع الملـــك بذلـــك جهـــز لهـــا
عسكـــراً يوصلهـــا إلـــى أختهـــا وأخـــرج مـــن خزائنـــه مـــن الأمـــوال ومـــن المأكـــل والمشـــرب ومــــن التحــــف
والجواهــر مــا يعجــز عنــه الوصــف وكانــت بنــات الملــك السبعــة أشقـــاء مـــن أب واحـــد وأم واحـــدة إلا
الصغيـــرة وكـــان اســـم الكبيـــرة نـــور الهـــدى والثانيـــة نجـــم الصبـــاح والثالثـــة شمــــس الضحــــى والرابعــــة
شجـرة الـدر والخامسـة قـوت القلــوب والسادســة شــرف البنــات والسابعــة منــار السنــا وهــي الصغيــرة
فيهــن وهــي زوجــة حســن وكانــت أختهــن مـــن أبيهـــن فقـــط ثـــم إن العجـــوز تقدمـــت وقبلـــت الـــأرض
بيــن يــدي منــار السنــا فقالــت لهــا منــار السنــا: هــل لــك حاجــة يــا أمـــي فقالـــت لهـــا: إن الملكـــة نـــور
الهـدى أختـك تأمـرك أن تغيــر لولديــك وتلبسيهمــا الدرعيــن الذيــن فصلتيهمــا لهمــا وأن ترسليهمــا معــي
إليهـــا فآخذهمـــا وأسبقــــك بهمــــا وأكــــون المبشــــرة بقدومــــك عليهــــا فلمــــا سمعــــت منــــار السنــــا كلــــام
العجــوز أطرقــت رأسهــا إلــى الــأرض وتغيــر لونهــا ولــم تــزل مطرقــة زمانــاً طويــلاً ثــم حركـــت رأسهـــا
ورفعتــه إلــى العجــوز وقالــت لهــا: يــا أمــي قــد ارتجــف فــؤادي وخفــق قلبـــي عندمـــا ذكـــرت أولـــادي
فإنهـم مـن حيـن ولادتهـم لـم ينظـر أحـداً وجوههـم مـن الجـن والبشــر ولا أنثــى ولا ذكــر وأنــا أغــار عليهــم
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والستين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن العجــوز لمــا قالــت للسيــدة منــار السنــا أي شــيء هــذا الكلــام يــا
سيدتــي أتخافيــن عليهـــم مـــن أختـــك سلامـــة عقلـــك وإن خالفـــت الملكـــة فـــي هـــذا الأمـــر لا يمكنـــك
المخالفــة فإنهــا تعتــب عليـــك ولكـــن يـــا سيدتـــي أولـــادك صغـــار وأنـــت معـــذورة فـــي الخـــوف عليهـــم
والمحب مولع بسوء الظـن ولكـن يـا بنتـي أنـت تعلميـن شفقتـي ومحبتـي لـك ولأولـادك وقـد ربيتكـم قبلهـم
وأنـا أتسلمهـم وآخذهـم وأفـرش لهـم حـدي وافتــح قلبــي وأجعلهــم فــي داخلــه ولا أحتــاج إلــى الوصيــة
عليهــم فــي هــذا الأمــر فطيبــي نفســاً وقــري عينــاً وارسليهــم لهــا وأكثــر مــا أسبقــك بـــه يومـــاً واحـــداً
ويومـان ولـم تـزل تلــح عليهــا حتــى لــان جانبهــا وخافــت مــن غيــظ أختهــا ولــم تــدر مــا هــو مخبــوء لهــا
فــي عالــم الغيــب فسمحــت بإرسالهــم مــع العجــوز ثـــم أنهـــا دعـــت بهـــم وأدخلتهـــم الحمـــام وهيأتهـــم
وغيرت لهم وألبستهم الدرعين وسلمتهم للعجوز.
فســـارت بهـــم مثـــل الطيـــر علـــى غيـــر الطريـــق التـــي تسيـــر فيهـــا أمهـــم مثـــل مـــا أوصتهـــا الملكـــة نــــور
الهـدى ولـم تـزل تجـد فـي السيـر وهـي خائفـة عليهـم إلـى أن وصلـت بهـم إلـى مدينـة الملكــة نــور الهــدى
===
خالتهـــم فعـــدت بهـــم البحـــر ودخلـــت المدينـــة وتوجهـــت بهـــم إلـــى الملكـــة نـــور الهــــدى خالتهــــم فلمــــا
رأتهـم فرحـت بهـم وعانقتهـم وضمتهــم إلــى صدرهــا وأجلســت واحــداً علــى فخذهــا الأيمــن والثانــي
علــى فخذهــا الأيســر ثــم التفتــت إلــى العجــوز وقالــت لهــا: احضــري الــآن حسنــا فأنـــا قـــد أعطيتـــه
ذمامـــي وأجرتـــه مـــن حسامـــي وقــــد تحصــــن بــــداري ونــــزل فــــي جــــواري بعــــد أن قاســــى الأهــــوال
والشدائـد وتعـدى أسبـاب المـوت التـي همهـا متزايـد مـع أنـه إلـى الـآن لـم يسلـم مــن شــرب كأســه وقطــع
أنفاسه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والستين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد إن الملكـــة نـــور الهـــدى لمـــا أمـــرت العجـــوز بإحضـــار حســـن قالـــت
لهـا: إنـه قاسـى الأهـوال والشدائـد وتعـدى أسبـاب المـوت التـي همهـا متزايـد مـع أنـه إلــى الــآن لــم يسلــم
مــن شــرب كأســه وقطــع أنفاســه وأنــا أقســم بخالــق السمــاء وبانيهــا وساطــح الــأرض وداحيهــا وخالــق
الخلــق ومحصيهــا إن لــم يكونــوا أولــاده لأقتلنــه وأنــا الــذي أضــرب عنقــه بيــدي ثــم أنهــا صرخـــت علـــى
العجــوز فوقعــت مــن الخــوف وأغــرت عليهــا الحاجــب وعشريــن مملوكــاً وقالــت لهــم: امضـــوا مـــع هـــذه
العجوز وائتوني بالصبي الذي عندها في بيتها بسرعة.
===
فخرجـــت العجـــوز مـــع الحاجـــب والمماليـــك وقـــد اصفـــر لونهـــا وارتعـــدت فرائصهـــا ثـــم ســـارت إلـــى
منزلهــا ودخلــت علــى حســن فلمــا دخلــت عليــه قــام إليهــا وقبــل يديهــا وسلــم عليهــا فلــم تسلــم عليــه
وقالـت لـه: قـم كلــم الملكــة أمــا قلــت لــك ارجــع إلــى بلــادك ونهيتــك عــن هــذا كلــه فمــا سمعــت قولــي
وقلـت لـك أعطيـك شيئـاً لا يقـدر عليـه أحـد وارجـع إلــى بلــادك مــن قريــب فمــا أطعتنــي ولا سمعــت
منــي بــل خالفتنــي واختــرت الهلــاك لــي ولــك فدونــك ومــا اختـــرت فـــإن المـــوت قريـــب قـــم كلـــم هـــذه
الفاجــرة العاهــرة الظالمــة الغاشمــة فقـــام حســـن وهـــو مكســـور الخاطـــر حزيـــن القلـــب خائـــف ويقـــول يـــا
سلـام سلـم اللهـم الطـف بـي فيمـا قدرتـه علـي مـن بلائـك واسترنـي يــا أرحــم الراحميــن وقــد يئــس مــن
الحيـــاة وتوجـــه مـــع العشريـــن مملوكـــاً والحاجـــب والعجـــوز فدخلـــوا علـــى الملكـــة بحســـن فوجــــد ولديــــه
ناصــراً ومنصــوراً جالسيــن فــي حجرهــا وهــي تلاعبهمــا وتؤانسهمــا فلمــا وقــع نظـــره عليهمـــا عرفهمـــا
وصــرخ صرخــة عظيمــة ووقــع علــى الــأرض مغشيـــاً عليـــه لشـــدة الفـــرح بولديـــه. فلمـــا أفـــاق عـــرف
ولديــه وعرفــاه فحركتهمــا المحبــة الغريزيــة فتخلصــا مــن حجــر الملكــة ووقفــا عنــد حســن وانطقهمــا اللـــه
عــز وجــل بقولهمــا: يــا أبانــا فبكــت العجــوز والحاضــرون رحمــة لهمــا وشفقــة عليهمـــا وقالـــوا: الحمـــد
للــه الــذي جمــع شملكمــا بأبيكمــا فلمــا أفــاق حســن مــن غشيتــه عانــق أولــاده ثــم بكـــى حتـــى غشـــي
عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:
===
يقول لي طيفكم إن اللقاء غـداً وهل أعيش على رغم العداة غدا
وحقكم سادتي من يوم فرقتكم ما لذ لي طيب عيش بعدكم أبدا
وإن قضى الله نحبي في محبتكم أموت في حبكم من أعظم الشهدا
وظبية في زوايا القلب مرتعهـا وشخصها كالكرى عن مقلتي شردا
وإن أنكرت في مجال الشرع سفك دمي فإنـه فـوق خديهـا لقـد شهــدا
فلمــا تحققــت الملكــة أن الصغــار أولــاد حســن وأن أختهــا السيــدة منــار السنــا زوجتــه التــي جــاء فـــي
طلبهــا غضبــت غضبــاً شديــداً مــا عليــه مــن مزيــد. وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت عـــن الكلـــام
المباح.
وفي الليلة السبعين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الملكـــة نـــور الهـــدى لمـــا تحققـــت إن الصغـــار أولـــاد حســــن وإن
أختهــا منــار السنــا زوجتــه التــي جــاء فــي طلبهــا غضبــت عليهــا غضبــاً شديــداً مــا عليــه مــن مزيــد
وصرخت في وجه حسن فغشي عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:
بعدتم وأنتم أقرب الناس في الحشا وغبتم وأنتم في الفؤاد حضـور
فـو اللـه مـا مـال الفـؤاد لغيركـم وإني على جور الزمان صبور
===
وكنت فتى لا أرتضي البعد ساعة فكيف وقد مرت علي شهور
أغار إذا ذهبت عليكم نسيمة وإني علـى الغيـد الملـاح غيـور
فلمــا فــرغ حســن مــن شعــره خــر مغشيــا عليــه فلمــا أفــاق رآهــم قــد أخرجــوه مسحوبـــا علـــى وجهـــه
فقـام يمشـي ويتعثـر فـي أذيالـه وهـو لا يصـدق بالنجـاة ممـا قاسـاه منهــا فعــز علــى العجــوز شواهــي ولــم
تقــدر أن تخاطــب الملكــة فــي شأنــه مــن قــوة غضبهــا فلمــا خــرج حســن مــن القصـــر صـــار متحيـــراً لا
يعــرف أيــن يــروح ولا يجــيء ولا أيــن يذهــب وضاقــت عليــه الــأرض بمــا رحبــت ولــم يجــد مــن يحدثـــه
ويؤانســـه ولا مـــن يسليـــه ولا يستشيـــره ولا مـــن يقصـــده ويلجـــأ إليـــه فأيقـــن بالهلـــاك لأنـــه لا يقـــدر علـــى
السفـــر ولا يعـــرف مـــن يسافـــر معـــه ولا يعـــرف الطريـــق ولا يقـــدر أن يجـــوز علـــى وادي الجــــان وأرض
الوحـوش وجزائـر الطيـور فيئـس مـن الحيــاة ثــم بكــى علــى نفســه حتــى غشــي عليــه فلمــا أفــاق تفكــر
أولـاده وزوجتـه وقدومهـا علـى أختهـا وتفكـر فيمــا يجــري لهــا مــع الملكــة أختهــا ثــم نــدم علــى حضــوره
في هذه الديار وعلى كونه لم يسمع كلام أحد فأنشد هذه الأبيات:
دعوا مقلتي تبكي على فقد من أهوى فقد عز سلواني وزادت بي البلوى
وكأس صروف البين صرفاً شربتها فمن ذا على فقد الأحبة قد يقوى
بسطتهم بساط العتب بيني وبينكم ألا يا بساط العتب عني متى تطوى
===
إلا أن قلبـــي مولـــعٌ بوصالكـــم وأنتم أطبائي حفظتم من الأدوا
ألم تنظروا ما حل بي من صدودكم ذللت لمن يسوى ومن لم يكن يسوى
كتمـت هواكـم والغــرام يذيعــه وقلبي بنيران الهوى أبداً يكـوى
فرقـوا لحالـي وارحمونـي لأننـي حافظت على الميثاق في السر والنجوى
فيا هل ترى الأيام تجمعني بكم فأنتم مني قلبي وروحي لكم تهوى
فـؤادي جريـح بالفـراق فليتكـم تفيدوننا عن حبكم خبراً يروى
ثـم أنـه لمــا فــرغ مــن شعــره ولــم يــزل ذاهبــاً إلــى أن خــرج إلــى ظاهــر المدينــة فوجــد النهــر فســار علــى
جانبــه وهــو لا يعلــم أيــن يتوجــه هــذا مــا كــان مــن أمــر حســن. وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر زوجتـــه منـــار
السنــا فإنهــا أرادت الرحيــل فــي اليــوم الثانــي الـــذي رحلـــت فيـــه العجـــوز فبينمـــا هـــي عازمـــة علـــى
الرحيل إذ دخل عليهما حاجب الملك أبيها وقبل الأرض بين يديها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة الواحدة والسبعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن منـــار السنـــا بينمـــا هـــي عازمـــة علـــى الرحيـــل إذ دخـــل عليهـــا
===
حاجــب الملــك أبيهــا وقبــل الــأرض بيــن يديهــا وقــال لهــا: يــا ملكــة إن أبــاك الملــك الأكبــر يسلـــم عليـــك
ويدعـوك إليـه فنهضــت متوجهــة مــع الحاجــب إلــى أبيهــا تنظــر حاجتــه فلمــا رآهــا أبوهــا أجلسهــا إلــى
جانبـه فـوق السريـر وقـال لهـا: يـا ابنتـي اعلمـي إنـي رأيـت فـي هـذه الليلـة رؤيـا وأنـا خائـفٌ عليـك منهــا
وخائـفٌ أن يصــل لــك مــن سفــرك هــذا هــمٌ طويــل فقالــت لــه: لــأي شــيء يــا أبتــي وأي شــيء رأيــت
فـي المنـام قـال: رأيـت كأنـي دخلـت كنـزاً فرأيـت فيـه أمـوالاً عظيمــة وجواهــر ويواقيــت كثيــرة وكأنــه لــم
يعجبنـي مـن ذلـك الكنـز ولا مـن تلـك الجواهـر جميعهـا إلا سبــع حبــاتٍ وهــي أحســن مــا فيــه فاختــرت
مــن السبــع جواهـــر واحـــدة وهـــي أصغرهـــا وأحسنهـــا وأعظمهـــا نـــورا وكأنـــي أخذتهـــا فـــي كفـــي لمـــا
أعجبنـي حسنهـا وخرجــت بهــا مــن الكنــز فلمــا خرجــت مــن بابــه فتحــت يــدي وأنــا فرحــان وقبلــت
الجوهــرة وإذا بطائــر غريــب قــد أقبــل مـــن بلـــاد بعيـــدة ليـــس مـــن طيـــور بلادنـــا قـــد انقـــض علـــي مـــن
السمـاء وخطـف الجوهـرة مـن يـدي ورجـع بهـا إلـى المكــان الــذي أتيــت بهــا منــه فلحقنــي الهــم والحــزن
والضيــق وفزعــت فزعــاً عظيمــاً أيقظنــي مــن المنــام فانتبهــت وأنــا حزيــن متأســف علــى تلــك الجوهـــرة
فلمــا انتبهـــت مـــن النـــوم دعـــوت بالمعبريـــن والمفسريـــن وقصصـــت عليهـــم منامـــي فقالـــوا إن ذلـــك سبـــع
بنــات تفقــد الصغيــرة منهــن وتؤخــذ منــك قهــراً بغيــر رضــاك وأنــت يـــا ابنتـــي أصغـــر بناتـــي وأعزهـــن
عنــدي وأكرههــن علــي وهــا أنــت مسافــرة إلــى أختــك ولا أعلــم مــا يجـــري عليـــك منهـــا فـــلا تروحـــي
===
فلمـــا سمعـــت منـــار السنـــا كلـــام أبيهـــا خفـــق قلبهـــا وخافـــت علـــى أولادهــــا وأطرقــــت برأسهــــا إلــــى
الــأرض ساعــة ثــم رفعتــه إلــى أبيهــا وقالــت لــه: يــا أيهــا الملــك إن الملكــة نــور الهـــدى قـــد هيـــأت لـــي
ضيافـة وهـي فـي انتظـار قدومـي عليهـا ساعـة بعــد ساعــة ولهــا أربــع سنيــن مــا رأتنــي وإن قعــدت
عــن زيارتهـــا تغضـــب علـــي ومعظـــم قعـــودي عندهـــا شهـــر زمـــان وأحضـــر عنـــدك مـــن هـــذا الـــذي
يطـرق بلادنــا ويصــل إلــى جزائــر واق الــواق ومــن يقــدر أن يصــل إلــى الــأرض البيضــاء والجبــل الأســود
ويصــل إلــى جزيــرة الكافــور وقلعـــة الطيـــور وكيـــف يقطـــع وادي الطيـــور ثـــم وادي الوحـــوش ثـــم وادي
الجـان ثـم يدخـل جزائرنـا ولـو دخــل إليهــا غريــب لغــرق فــي بحــار الهلكــات فطــب نفســاً وقــر عينــاً مــن
شـأن سفـري فإنـه لا قـدرة لأحـد علـى أن يـدوس أرضنـا ولـم تـزل تستعطفـه حتــى أنعــم عليهــا بالــأذن
في المسير.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والسبعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أنهـا لـم تـزل تستعطفـه حتـى أنعـم عليهـا بالـأذن فـي المسيـر ثـم أنـه أمــر
ألـف فــارس أن يسافــروا معهــا ليوصلوهــا إلــى النهــر ثــم يقيمــوا مكانهــم حتــى تصــل إلــى مدينــة أختهــا
===
وتدخــل قصرهــا وأمرهــم أن يقيمــوا عندهــا حتــى يأخذوهــا ويحضروهــا إلــى أبيهــا وأوصاهـــا أبوهـــا
أن تقعـد عنـد أختهـا يوميـن ثـم تعـود بسرعــة فقالــت سمعــاً وطاعــةً ثــم أنهــا نهضــت وخرجــت وخــرج
معهـا أبوهـا وودعهـا وقــد أثــر كلــام أبيهــا فــي قلبهــا فخافــت علــى أولادهــا ولا ينفــع التحصــن بالحــذر
مــن هجــوم القــدر فجــدت فــي المسيــر ثلاثــة أيــام بلياليهــا حتــى وصلــت إلــى النهــر وضربــت خيامهـــا
علــى ساحلــه ثــم عــدت النهــر ومعهـــا بعـــض غلمانهـــا وحاشيتهـــا ووزرائهـــا ولمـــا وصلـــت إلـــى مدينـــة
الملكــة نــور الهــدى طلعــت القصــر ودخلــت عليهــا فــرأت أولادهــا يبكــون عندهــا ويصيحــون: يــا بابــا
فجـرت الدمـوع مــن عينيهــا وبكــت ثــم ضمــت أولادهــا إلــى صدرهــا وقالــت لهــم: هــل رأيتــم أباكــم
فـلا كانـت الساعـة التـي فارقتـه ولـو عرفـت أنـه فـي دار الدنيـا لكنــت وصلتكــم إليــه ثــم ناحــت علــى
نفسها وعلى زوجها وعلى بكاء أولادها وأنشدت هذه الأبيات:
أأحبابنا إني على البعد والجفا أحن إليكم حيث كنتم وأعطف
وطرفي إلـى أوطانكـم متلفـت وقلبــي علــى أيامكــم متلهــف
وكم ليلـةٍ بتنـا علـى غيـر ريبـةٍ محبيـن يهنينــا الوفــا والتلطــف
فلمــا رأتهــا قــد ضمــت أولادهــا وقالــت: أنــا التــي فعلــت بنفســي وبأولــادي هكــذا وأخرجــت بيتـــي
فلـم تسلـم عليهــا أختهــا نــور الهــدى بــل قالــت لهــا: يــا عاهــرة مــن أيــن لــك هــذه الأولــاد هــل تزوجــت
===
بغيـر علـم أبيـك أو زنيـت فـإن كنـت زنيـت وجـب تنكيلــك وإن كنــت تزوجــت مــن غيــر علمنــا فلــأي
شيء فارقت زوجك وأخذت أولادك وفرقت بينهم وبين أبيهم وجئت بلادنا
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الملكــــة نــــور الهــــدى قالــــت لأختهــــا منــــار السنــــا: وإن كنــــت
تزوجــت مــن غيــر علمنــا فلــأي شــيء فارقــت زوجــك وأخــذت أولــادك وفرقـــت بينهـــم وبيـــن أبيهـــم
وجئـت بلادنــا وقــد أخفيــت أولــادك عنــا أتظنيــن أننــا لا نــدري بذلــك واللــه تعالــى علــام الغيــوب قــد
أظهـر لنـا أمـرك وكشـف حالـك وبيـن عوراتـك ثــم بعــد ذلــك أمــرت أعوانهــا أن يمسكــوا فقبضــوا عليهــا
فكتفتهــا وقيدتهــا بالقيـــود الحديـــد وضربتهـــا ضربـــاً وجيعـــاً حتـــى شرحـــت جسدهـــا وصلبتهـــا مـــن
شعرهـا ووضعتهـا فـي السجـن وكتبـت كتابـاً إلـى الملـك الأكبـر أبيهـا تخبــره بخبرهــا وتقــول لــه: إنــه ظهــر
بلادنـا رجـل مـن الإنـس وأختـي منـار السنـا تدعـي أنهـا تزوجتـه فــي الحلــال وجــاءت منــه بولديــن وقــد
أخفتهمــا عنــا وعنــك ولــم تظهــر عــن نفسهــا شيئــاً إلــى أن أتانـــا ذلـــك الرجـــل الـــذي مـــن الأنـــس وهـــو
يسمـى حسنـاً وأخبرنـا أنـه تـزوج بهـا وقعــدت عنــده مــدة طويلــة مــن الزمــان ثــم أخــذت أولادهــا وأتــت
===
مــن غيــر علمــه وأخبـــرت والدتـــه عنـــد مجيئهـــا وقالـــت لهـــا: قولـــي لولـــدك إذا حصـــل لـــه اشتيـــاق أن
يجيئنـــي إلـــى جزائـــر واق الواقـــي فقبضنـــا علـــى ذلـــك الرجـــل عندنـــا وأرسلـــت إليهـــا العجـــوز شـــواه
تحضرهــا عنــدي هــي وأولادهــا فجهــزت نفسهــا وحضــرت وقــد كنــت أمــرت العجـــوز أن تحضـــر لـــي
أولادهــا فتسبــق بهــم إلــي قبـــل حضورهـــا فجـــاءت العجـــوز بأولادهـــا فأرسلـــت إلـــي الرجـــل الـــذي
أدعــى أنهــا زوجتــه فلمــا دخــل علــي ورأى الأولــاد عرفهــم فتحققــت أن الأولـــاد أولـــاده وأنهـــا زوجتـــه
وعلمــت أن كلــام الرجــل صحيــح وليــس عنــده عيــب ورأيــت أن القبــح والعيــب عنــد أختــي فخفــت
مــن هتــك عرضنــا عنــد أهــل جزائرنــا فأدخلــت علــى هــذه الفاجــرة الخائنــة غضبــت عليهــا وضربتهــا
ضربـاً وجيعـاً وسلبتهــا مــن شعرهــا وقــد أعلمتــك بخبرهــا والأمــر أمــرك فالــذي تأمرنــا بــه نفعلــه وأنــت
تعلـم أن هـذا الأمـر فيـه هتيكـة لنـا وعيـب فـي حقنـا وحقـك وربمـا تسمــع أهــل الجزيــرة بذلــك فنصيــر
بينهـم مثـلاً فينبغـي لنـا جوابــاً سريعــاً. ثــم أعطــت المكتــوب للرســول فســار بــه إلــى الملــك فلمــا قــرأه
الملـك الأعظـم اغتـاظ غيظـاً شديـداً علـى ابنتـه منـار السنـا وكتـب إلـى ابنتـه نـور الهـدى مكتوبـاً يقــول
لهـــا فيـــه: أنـــا فوضـــت أمرهـــا إليـــك وحكمـــت فـــي دمهـــا فـــإن كـــان الأمـــر كمـــا ذكــــرت فأقتليهــــا ولا
تشاورينـي فـي أمرهـا فلمـا وصـل إليهــا كتــاب أبيهــا وقرأتــه أرسلــت إلــى منــار السنــا وأحضرتهــا بيــن
يديهـا وهـي غريقـة فــي دمهــا مكتفــة بشعرهــا مقيــدة بقيــدٍ ثقيــلٍ مــن حديــد وعليهــا اللبــاس الشعــر ثــم
===
أوقفوهــا بيــن يــدي الملكــة فوقفــت حقيــرة ذليلــة فلمـــا رأت نفسهـــا فـــي هـــذه المذلـــة العظيمـــة والهـــوان
الشديد تفكرت ما كانت فيه من العز وبكت بكاءً شديداً وأنشدت هذين البيتين:
يا رب إن العدا يسعون في تلفي ويزعمون بأني لسـت بالناحـي
وقد رجوتك في أبطال ما صنعوا يا رب أنت ملاذ الخائف الراجي
ثم بكت بكاءً شديداً حتى وقعت مغشياً عليها فلما أفاقت أنشدت هذين البيتين:
ألف الحوادث مهجتـي وألفتهـا بعــد التنافـــر والكريـــم ألـــوف
ليس الهموم علي صنفاً واحداً عنـدي بحمـد اللــه مــن ألــوف
ثم أنشدت هذين البيتين:
ولرب نازلـة يضيـق لهـا الفتـى درعاً وعند الله منهـا المخـرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنـت أظنهـا لا تفـرج
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن الملكــة نــور الهــدى لمــا أمــرت بإحضــار أختهــا الملكــة منــار السنــا
===
أوقفوهــا بيــن يديهــا وهــي مكتفــة فأنشــدت الأشعــار السابقــة ثــم أن أختهـــا أحضـــرت لهـــا سلمـــاً مـــن
خشـب ومدتهـا عليـه وأمـرت أن يربطوهــا علــى ظهرهــا فــوق السلــم ومــدت سواعدهــا وربطتهــا فــي
الحبــال ثــم كتــف رأسهــا ولفــت شعرهــا علــى السلــم الخشــب وقــد انتزعــت الشفقــة عليهــا مــن قلبهــا
فلمــا رأت منــار السنــا نفسهــا فــي هــذه الحالــة مـــن الـــذل والهـــوان صاحـــت وبكـــت فلـــم يغثهـــا أحـــد
فقالـــت لهـــا أ يـــا أختـــي كيـــف قســـا قلبـــك علـــي فـــلا ترحمينـــي ولا ترحمـــي الأطفـــال الصغـــار فلمــــا
سمعــت هــذا الكلــام ازدادت قسوتهــا وشتمتهــا وقالــت لهــا: يــا عاشقـــة يـــا عاهـــرة لا رحـــم اللـــه مـــن
يرحمــك كيــف أشفــق عليــك يــا خائنــة: فقالــت لهــا منـــار السنـــا وهـــي مشبوحـــة: احتسبـــت عليـــك
بـرب السمـاء فيمـا تنسبيننـي بـه وأنـا بريئـة منـه واللــه مــا زنيــت وإنمــا تزوجتــه فــي الحلــال وربــي يعلــم
هـل قولـي صحيـح أم لا وقلبـي قـد غضـب عليـك مـن شـدة قســوة قلبــك علــي فكيــف ترمينــي بالزنــا
مـن غيـر علـم ولكـن ربـي يخلصنـي منــك وأن كــان الــذي قذفتينــي بــه مــن الزنــا حقــا فسيعاقبنــي اللــه
عليـه فتفكـرت أختهـا فـي نفسهـا حيـن سمعـت كلامهــا وقالــت لهــا: كيــف تخاطبيننــي بهــذا الكلــام ثــم
قامـــت لهـــا وضربتهـــا حتـــى غشـــي عليهـــا فرشـــوا علـــى وجههـــا المـــاء حتــــى أفاقــــت وقــــد تغيــــرت
محاسنهـا مـن شــدة الضــرب ومــن قــوة الربــاط ومــن فــرط مــا حصــل لهــا مــن الإهانــة ثــم أنشــدت هــذا
البيت:
===
فلمــا سمعــت شعرهــا نــور الهــدى غضبــت غضبــاً شديــداً وقالــت لهــا: أتتكلميــن يــا عاهــرة قدامـــي
بالشعــر وتستعذريــن مــن الــذي فعلتيــه مــن الكبائــر وكــان مــرادي أن ترجعـــي لزوجـــك حتـــى أشاهـــد
فجــورك وقــوة عينــك لأنــك تفتخريــن الــذي وقــع منــك مــن الفجــور والفحــش والكبائــر ثـــم أنهـــا أمـــرت
الغلمـان أن يحضـروا لهــا الجريــد فاحضــروه وشمــرت عــن ساعديهــا ونزلــت عليهــا بالضــرب مــن رأسهــا
إلــى قدميهــا ثــم دعــت بســوط مضفــور ولــو ضربــت بــه الفيــل لهــرول مسرعــا فنزلــت بذلــك الســـوط
على ظهرها وبطنها وجميع أعضائها حتى غشي عليها.
فلمــا رأت العجــوز شواهــي ذلــك مـــن الملكـــة خرجـــت هاربـــة مـــن بيـــن يديهـــا وهـــي تبكـــي وتدعـــو
عليهــا فصاحــت علــى الخــدم وقالــت لهــم: أئتونــي بهــا فتجــاروا عليهــا ومسكوهــا وأحضروهــا علــى
وجهها وأخرجوها فسحبوها وأخرجوها من بين يديها هذا ما كان من أمر هؤلاء.
وأمـا مـا كـان مـن أمـر حسـن فإنـه قــام متجلــداً ومشــى فــي شاطــئ النهــر واستقبــل البريــة وهــو حيــران
مهمـــوم وقـــد يئـــس مـــن الحيـــاة وصـــار مدهوشـــاً لا يعـــرف الليـــل مـــن النهـــار ولشـــدة مـــا أصابـــه ومــــا
زال يمشــي إلــى أن قــرب مــن شجــرة فوجــد عليهــا ورقــة معلقــة فتناولهــا حســـن بيـــده ونظرهـــا فـــإذا
مكتوب فيها هذه الأبيات:
دبــــــــرت أمـــــــــرك عندهـــــــــا كنــــت الجنيــــن ببطــــن أمــــك
===
أنــــــــــا لكافـــــــــــوك الـــــــــــذي يأتـــــــي بهمــــــــك أو بغمــــــــك
فاضــــــــرع إلينــــــــا ناهضــــــــاً نأخـــذ بكفــــك فــــي مهمــــك
فلمــا فــرغ مــن قــراءة الورقــة أيقــن بالنجــاة مــن الشــدة والظفــر بجمــع الشمــل ثــم مشــى خطوتيــن فوجـــد
نفسـه وحيـداً فـي موضـع قفـر خطــر لا يجــد فيــه أحــدا يستأنــس بــه فطــار قلبــه مــن الوحــدة والخــوف
وارتعدت فرائصه من هذا المكان المخوف.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنـــاً لمـــا قـــرأ الورقـــة أيقـــن بالنجـــاة مـــن الشـــدة وتحقـــق الظفـــر
بجمـع الشمـل ثـم قـام ومشـى خطوتيـن فوجـد نفسـه وحيـداً فــي موضــع خطــر ومــا عنــده أحــد يؤانســه
فبكـى بكـاءً شديـداً. وأنشــد الأشعــار التــي ذكرناهــا ثــم مشــى علــى جانــب النهــر خطوتيــن فوجــد
ولديــن صغيريــن مــن أولـــاد السحـــرة والكهـــان وبيـــن أيديهمـــا قضيـــب مـــن النحـــاس منقـــوش بالطلاســـم
وبجانـــب القضيـــب طاقيـــة مـــن الـــآدم بثلاثـــة تـــروك منقـــوش عليهـــا بالبولـــاد أسمـــاء وخواتـــم القضيــــب
والطاقيـــة مرميـــان علـــى الـــأرض والولـــدان يختصمـــان ويتضاربـــان عليهمـــا حتــــى ســــال الــــدم بينهمــــا
===
وهــذا يقــول: مــا يأخــذ القضيــب إلا أنــا وآخــر يقــول: مــا يأخــذ القضيــب إلا أنــا فدخــل حســـن بينهمـــا
وخلصهمــا مــن بعضهمــا وقــال لهمــا: مــا سبــب هــذه المخاصمــة فقــالا لــه: يــا عـــم أحكـــم بيننـــا فـــإن
اللـه تعالـى ساقـك إلينــا بالحــق فقــال لهمــا: قصــا علــي حكايتكمــا وأنــا أحكــم بينكمــا فقــالا لــه: نحــن
الاثنـان أخـوان شقيقـان وكـان أبونـا مـن السحـرة الكبـار وكـان مقيمـاً فـي مغـارة فـي هـذا الجبـل ثـم مـات
وخلــف لنــا هــذه الطاقيـــة وهـــذا القضيـــب وأخـــي يقـــول: مـــا يأخـــذ القضيـــب إلا أنـــا وأنـــا أقـــول: مـــا
يأخـذه إلا أنـا فاحكـم بيننــا وخلصنــا مــن بعضنــا فلمــا سمــع حســن كلامهمــا قــال لهمــا: مــا الفــرق بيــن
القضيـــب والطاقيـــة ومـــا مقدارهمـــا فـــإن القضيـــب بحســـب الظاهـــر يســــاوي ستــــة جــــدد والطاقيــــة
تسـاوي ثلاثـة جـدد فقـالا لـه: أنـت مـا تعـرف فضلهمـا فقـال لهمـا: أي شـيء فضلهمـا فقــالا لــه فــي كــل
منهمــا ســر عجيــب وهــو أن القضيــب يســـاوي خـــراج جزائـــر واق الـــواق بأقطارهـــا والطاقيـــة كذلـــك
فقـال لهمـا حسـن: يـا ولـدي باللـه اكشفـا لـي عـن سرهمــا فقــالا لــه: يــا عــم أن سرهمــا عظيــم لــن أبانــا
عـاش مائـة وخمسـاً وثلاثيـن سنـة يعالـج تدبيرهمــا حتــى أحكمهمــا غايــة الأحكــام وركــب فيهمــا الســر
المكنـــون واستخدمهمـــا الاستخدامـــات الغريبـــة ونقشهمـــا علـــى مثـــل الفلـــك الدائـــر وحـــل بهمـــا جميــــع
الطلاســم وعندمــا فــرغ مــن تدبيرهمــا أدركــه المــوت الــذي لا بــد لكـــل أحـــد منـــه فأمـــا الطاقيـــة فـــإن
سرهــا أن كــل مــن وضعهــا علــى رأســه اختفــى عــن أعيــن النــاس جميعــاً فــلا ينظــره أحــد مـــا دامـــت
===
علـى رأســه وأمــا القضيــب فــإن ســره أن كــل مــن ملكــه يحكــم علــى سبــع طوائــف مــن الجــن والجميــع
يخدمــون ذلــك القضيــب فكلهــم تحــت أمــره وحكمــه وكـــل مـــن ملكـــه وصـــار فـــي يـــده إذا ضـــرب بـــه
الأرض خضعت له ملوكها وتكون جميع الجن في خدمته.
فلمـا سمـع حسـن هـذا الكلـام أطـرق برأسـه إلـى الـأرض ساعـة ثـم قـال فـي نفسـه: واللــه أننــي لمنصــور
بهــذا القضيــب وبهــذه الطاقيــة أن شــاء اللــه تعالــى فإنــي أحــق بهمــا منهمــا ففــي هـــذه الساعـــة أتحيـــل
علـــى أخذهمـــا منهمـــا لاستعيـــن بهمـــا علـــى خلاصـــي وخلـــاص زوجتـــي وأولـــادي مـــن هـــذه الملكـــة
الظالمــة ونسافــر مــن هــذا المكــان المظلــم الــذي مــا لأحـــد مـــن الإنـــس خلـــاص منـــه ولا مفـــر ولعـــل اللـــه
ما ساقني لهذين الغلامين إلا لاستخلاص منهما القضيب والطاقية.
ثـم رفـع رأسـه إلـى الغلاميـن وقــال لهمــا: إن شئتمــا فصــل القضيــة فأنــا امتحنكمــا فمــن غلــب رفيقــه
يأخــذ القضيــب ومــن عجــز يأخــذ الطاقيــة فــإن امتحنتكمــا وميــزت بينكمــا عرفــت مــا يستحقــه كـــل
منكمـــا فقـــالا لـــه: يـــا عـــم وكلنـــاك فـــي امتحاننـــا وأحكـــم بيننـــا بمـــا تختـــار فقـــال لهمـــا حســـن: هــــل
تسمعــان منــي وترجعــا إلــى قولــي فقــالا لــه: نعــم فقـــال لهمـــا حســـن: أنـــا آخـــذ حجـــراً وأرميـــه فمـــن
سبـق منكـم إليـه وأخـذه قبـل رفيقـه يأخـذ القضيـب ومـن تأخـر ولـم يلحقـه يأخــذ الطاقيــة فقــالا: قبلنــا
منك هذا الكلام ورضينا به.
===
ثــم أن حسنــاً أخــذ حجــراً ورمــاه بعزمــه فغــاب عــن العيــون فتســارع الغلمـــان نحـــوه فلمـــا بعـــد أخـــذ
حسـن الطاقيـة ولبسهــا وأخــذ القضيــب فــي يــده وانتقــل مــن موضعــه لينظــر صحــة قولهمــا فــي شــأن
سـر أبيهمـا فسبـق الولـد الصغيـر إلـى الحجـر وأخـذه ورجـع بـه إلـى المكـان الـذي فيــه حســن فلــم يــر لــه
أثــر فصــاح علــى أخيــه وقــال لــه: أيــن الرجــل الحاكــم بيننـــا فقـــال: لا أراه ولـــم أعـــرف هـــل طلـــع إلـــى
السمــاء أو نــزل إلـــى الـــأرض السفلـــى ثـــم أنهمـــا فتشـــا عليـــه فلـــم ينظـــراه وحســـن واقـــف فـــي مكانـــه
فشتمــا بعضهمــا وقــالا: قــد راح القضيــب والطاقيــة لا لــي ولا لــك وكـــان أبونـــا قـــال لنـــا هـــذا الكلـــام
بعينــه ولسنــا نسينــا مــا أخبرنــا بــه ثــم أنهمــا رجعــا علــى أعقابهمــا ودخــل حســن المدينــة وهـــو لابـــس
الطاقيــة وفــي يــده القضيــب فلــم يــره أحــد مــن النــاس ثــم دخــل القصــر وطلــع إلــى الموضــع الـــذي فيـــه
شواهــي ذات الدواهــي فدخــل عليهــا وهــو لابــس الطاقيــة فلــم تـــره ومشـــى حتـــى اقتـــرب مـــن رف
كــان فــوق رأسهــا وعليــه زجــاج وصينـــي فحركـــه بيـــده فوقـــع الـــذي فوقـــه علـــى الـــأرض فصاحـــت
شواهـي ذات الدواهـي ولطمـت علـى وجههـا ثـم قامـت وأرجعــت الــذي وقــع إلــى مكانــه وقالــت فــي
نفسهــا: واللــه مــا أظــن إلا أن الملكــة نــور الهــدى أرسلــت إلــي شيطانــاً فعمــل معـــي هـــذه العملـــة فأنـــا
اســأل اللــه أن يخلصنــي منهــا ويسلمنــي مــن غضبهــا فيــا رب إذا كــان هــذا فعلهــا القبيــح مــن الضـــرب
والصلـــب مـــع أختهـــا وهـــي عزيـــزة عنـــد أبيهـــا فكيـــف يكـــون فعلهـــا مـــع الغريـــب مثلـــي إذا غضبــــت
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والسبعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن العجـــوز شواهـــي ذات الدواهـــي لمـــا قالـــت: إذا كانـــت الملكـــة
نــور الهــدى تفعــل هـــذه الفعـــال مـــع أختهـــا فكيـــف يكـــون حـــال الغريـــب معهـــا إذا غضبـــت عليـــه ثـــم
قالــت: أقسمــت عليــك أيهــا الشيطـــان بالحنـــان المنـــان العظيـــم الشـــأن القـــوي السلطـــان خالـــق الأنـــس
والجـــان وبالنقـــش الـــذي علـــى خاتـــم سليمـــان بـــن داود عليـــه السلـــام أن تكلمنـــي وتجيبنـــي فأجابهـــا
حســن الولهــان الهائــم الحيــران ثــم قلــع الطاقيــة مــن فــوق رأســه فظهــر للعجـــوز وعرفتـــه واختلـــت بـــه
وقالــت لــه: أي شــيء حصــل لــك فــي عقلــك حتــى عبــرت إلــى هنــا رح اختــف فــإن هـــذه الفاجـــرة
صنعت بزوجتك ما صنعت من العذاب وهي أختها فكيف إذا وقعت بك
ثــم حكــت لــه جميــع مــا وقــع لزوجتــه ومــا هــي فيــه مــن الضيــق والعقوبــة والعـــذاب وكذلـــك مـــا وقـــع
لهــا مــن العــذاب ثــم قالــت أن الملكـــة ندمـــت حيـــث أطلقتـــك وقـــد أرسلـــت إليـــك مـــن يحضـــرك لهـــا
وتعطيـه مـن الذهـب قنطـاراً وتجعلـه فـي رتبتـي عندهــا وحلفــت أن رجعــوك قتلتــك وتقتــل زوجتــك
وأولــادك ثــم أن العجـــوز بكـــت وأظهـــرت لحســـن مـــا فعلتـــه الملكـــة بهـــا فبكـــى حســـن وقـــال لهـــا: يـــا
===
سيدتــي كيــف الخلــاص مــن هــذه الديــار ومــن هــذه الملكــة الظالمــة ومــا الحيلــة التــي توصلنـــي إلـــى أن
أخلـص زوجتـي وأولـادي ثـم أرجـع بهـم إلـى بلــادي فقالــت لــه العجــوز ويلــك انــج بنفســك فقــال لا بــد
مــن خلاصهــا وخلــاص أولــادي منهــا قهـــراً عنهـــا فقالـــت لـــه العجـــوز وكيـــف تخلصهـــم قهـــراً عنهـــا رح
وأختف يا ولدي حتى يأذن الله تعالى ثم أن حسناً أراها القضيب النحاس والطاقية.
فلمــا رأتهمــا العجــوز فرحــت بهمــا فرحــاً شديــداً وقالــت لــه سبحــان مــن يحيــي العظــام وهــي رميــم
واللــه مــا كنــت أنــت وزوجتــك إلا مــن الهالكيــن والــآن يــا ولــدي قـــد نجـــوت أنـــت وزوجتـــك وأولـــادك
لأنـي أعـرف القضيـب وأعـرف صاحبـه فإنـه كـان شيخـي الـذي علمنـي السحـر وكـان ساحــراً عظيمــاً
مكــث مائــة وخمســاً وثلاثيــن سنــة حتـــى كـــان أتقـــن هـــذا القضيـــب وهـــذه الطاقيـــة فلمـــا انتهـــى مـــن
إتقانهمــا أدركــه المــوت الــذي لا بــد منــه وسمعتــه يقــول لولديــه يــا ولــدي هــذان مـــا همـــا مـــن نصيبكمـــا
وإنمــا يأتــي شخــص غريــب الديــار يأخذهمــا منكمــا قهــراً ولا تعرفــان كيــف يأخذهمــا: فقــالا يــا أبانــا
عرفنـــا كيـــف يصـــل إلـــى أخذهمـــا فقـــال لا أعـــرف ذلـــك فكيـــف وصلـــت يـــا ولـــدي لأخذهمـــا مــــن
الولدين فحكى لها كيف أخذهما من الولدين.
فلمــا حكــى لهــا فرحــت بذلــك وقالــت لــه: يــا ولــدي كمــا ملكــت زوجتـــك وأولـــادك أسمـــع منـــي مـــا
أقـول لـك عليـه أنـا مــا بقــي لــي عنــد هــذه الفاجــرة إقامــة بعدمــا تجاســرت علــي ونكلتنــي وأنــا راحلــة
===
مــن عندهــا إلــى مغــارة السحــرة لأقيــم عندهــم وأعيــش معهــم إلــى أن أمــوت وأنــت يـــا ولـــدي البـــس
الطاقيـة وخـذ القضيـب فـي يـدك وأدخـل علـى زوجتـك وأولـادك فــي المكــان الــذي هــم فيــه وأضــرب
الــأرض بالقضيــب وقــل يــا خــدام هــذه الأسمــاء تطلــع إليــك خدامــه فـــإن طلـــع لـــك أحـــد مـــن رؤوس
القبائــل فأمــره بمــا تريــد وتختـــار ثـــم أنـــه ودعهـــا وخـــرج ولبـــس الطاقيـــة وأخـــذ القضيـــب معـــه ودخـــل
المكــان الــذي فيــه زوجتــه فرآهــا فــي حالــة العــدم مصلوبــة علــى السلــم وشعرهــا مربــوط فيــه وهــي
باكيــة العيــن حزينــة القلــب فــي أســوأ حــال لا تــدري طريقــة لخلاصهــا وأولادهــا تحـــت السلـــم يلعبـــون
وهــي تنظرهــم وتبكــي عليهــم وعلـــى نفسهـــا بسبـــب مـــا جـــرى لهـــا ممـــا أصابهـــا وهـــي تقاســـي مـــن
العذاب والضرب المؤلم أشد النكال فلما رآها في أسوأ الحالات سمعها تنشد هذه الأبيات:
لــــم يبــــق إلا نفــــسٌ هافـــــت ومقلـــــــة إنسانهــــــــا باهــــــــت
ومغــــــرمٌ تضـــــــرم أحشـــــــاؤه بالنـــــــار إلا أنـــــــه ساكــــــــت
يرثــي لـــه الشامـــات ممـــا رأى يـا ويـح مـن يرثـي لـه الشامـت
ثـم أن حسنـا لمـا رآهـا بمـا هـي مـن العـذاب والـذل والهـوان بكــى حتــى غشــى عليــه فلمــا أفــاق ورأى
أولـاده وهـم يلعبـون وقـد غشـي علـى أمهـم مـن كثـرة التألـم كشـف الطاقيـة عـن رأســه فصاحــوا يــا أبانــا
فغطى رأسه واستفاقت أمهم على صياحهم فلم تنظر زوجها.
===
وفي الليلة السابعة والسبعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيـــد أن زوجـــة حســـن لمـــا أفاقـــت مـــن غشيتهـــا علـــى صيـــاح أولادهـــا
وهمـا يقولـان: يـا أبانـا وقـد التفتــت يمينــاً وشمــالاً لتــرى سبــب صيــاح أولادهــا وندائهــم لأبيهــم فلــم تــر
أحـداً تعجبــت مــن ذكــر أولادهــا لأبيهــم فــي هــذا المكــان هــذا مــا كــان مــن أمرهــم وأمــا مــا كــان مــن
أمـر حسـن لمـا رآهـا هكـذا بكـى حتـى غشـي عليــه وخــرت دموعــه علــى خديــه مثــل المطــر ودنــا مــن
الأولـــاد وكشـــف الطاقيـــة فلمـــا راوه عرفـــوه وصاحـــوا بقولهـــم يـــا أبانـــا فبكــــت أمهــــم حيــــن سمعتهــــم
يذكـرون أباهـم وقالـت: لا حيلـة فـي قـدرة اللـه وقالـت فـي نفسهـا يـا للعجـب مـا سبـب ذكرهــم لأبيهــم
فـي هـذا الوقـت وندائهـم لـه فلـم يطـق حسـن الصبـر حتـى كشـف الطاقيـة عــن رأســه فنظرتــه زوجتــه
فلمـا عرفتـه زعقـت زعقـة أزعجـت جميـع مـن فـي القصـر ثـم قالــت لــه: كيــف وصلــت إلــى هنــا هــل
من السماء نزلت أو من الأرض طلعت ثم تغرغرت عيونها بالدموع فبكى حسن.
فقالــت لــه يــا رجــل مــا هــذا وقــت بكــاء ولا وقــت عتـــاب قـــد نفـــذ الفضـــاء وعمـــي البصـــر وجـــرى
القلـم بمـا حكـم اللــه فــي القــدم فباللــه عليــك مــن أي مكــان جئــت اذهــب وأختفــي لئــلا بنظــرك أحــد
فتعلــم أختــي بذلــك فتذبحنــي وتذبحــك فقــال لهــا: حســن يــا سيدتــي سيــدة كــل ملكــة أنــا خاطــرت
===
بروحــي وجئــت إلــى هنــا فأمــا أن أمــوت وأمـــا أن أخلصـــك مـــن الـــذي أنـــت فيـــه وأسافـــر أنـــا وأنـــت
وأولــادي إلــى بلــادي علــى رغــم أنــف هــذه الفاجــرة أختــك فلمــا سمعــت كلامــه تبسمــت وضحكــت
وصــارت تحــرك رأسهــا فتــرة طويلــة وقالــت لــه: هيهــات يـــا روحـــي أن يخلصنـــي ممـــا أنـــا فيـــه إلا اللـــه
تعالــى ففــز بنفســك وأرحـــل ولا تـــرم روحـــك فـــي الهلـــاك فمـــا حـــل بـــي هـــذا إلا لكونـــي عاصيتـــك
وخالفت أمرك وخرجت من غير إذنك فبالله عليك يا رجل لا تؤاخذني بذنبي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن زوجـــة حســـن اعتـــذرت إليـــه وقالـــت لـــه لا تؤاخذنـــي بذنبـــي
وأعلـــم أن المـــرأة مـــا تعـــرف قيمـــة الرجـــل حتـــى تفارقـــه وأنـــا أذنبـــت وأخطـــأت ولكــــن استغفــــر اللــــه
العظيـم ممــا وقــع منــي وأن جمــع اللــه شملنــا لا أعصــي لــك أمــراً بعــد ذلــك أبــداً فقــال لهــا حســن وقــد
أوجعــه قلبــه عليهــا: أنــت مــا أخطــأت ومــا أخطــأ إلا أنــا لأنــي سافــرت وخليتــك عنـــد مـــن لا يعـــرف
قــدرك ولا يعــرف لــك قيمــة ولا مقــدار وأعلمــي يــا حبيبـــة قلبـــي وثمـــرة فـــؤادي ونـــور عينـــي أن اللـــه
سبحانـه وتعالــى قدرنــي علــى تخليصــك فهــل تحبيــن أن أوصلــك إلــى دار أبيــك وتستوفــي عنــده مــا
===
قـدر اللـه عليـك أو تسافريـن إلـى بلادنــا عــن قريــب حيــث حصــل لــك الفــرج. فقالــت لــه: ومــن يقــدر
علــى تخليصــي إلا رب السمـــاء فـــرح إلـــى بلـــادك وخـــل عنـــك الطمـــع فإنـــك لا تعـــرف أخطـــار هـــذه
الديار وأن لم تطعني سوف تنظر ثم أنها أنشدت هذه الأبيات:
علي وعندي ما تريد من الرضا فما لك غضباناً علي ومعرضا
وما قد جرى حاشى الذي كان بيننا من الود أن ينسى قديماً وينقضا
ومـا بـرح الواشـي لنـا متجنبــاً فلما رأى الأعراض منا تعرضا
فأني بحسـن الظـن منـك لواثـق وأن جهل الواشي وقال وحرصا
فنكتـــم ســـراً بيننـــا ونصونــــه ولو كان سيف العذل باللوم منتضى
أظـــل نهــــاري كلــــه متشوقــــاً لعل بشيراً منـك يبقـى بالرضـا
ثـــم بكـــت هـــي وأولادهـــا فسمـــع الجـــواري بكاءهـــم فدخلـــن عليهـــم فوجــــدت الملكــــة منــــار السنــــا
تبكـي هـي وأولادهـا ولـم ينظـرن حسنـا عندهـم فبكـى الجـواري رحمـة لهـم ودعـون علــى الملكــة نــور
الهـدى فصبـر حسـن إلـى أن أقبـل الليـل وذهـب الحـراس الموكلـون بهــا إلــى مراقدهــم ثــم بعــد ذلــك قــام
وشـد وسطـه وجـاء إلـى زوجتــه وحلهــا وقبــل رأسهــا وضمهــا إلــى صــدره وقبلهــا بيــن عينيهــا وقــال
لها: ما أطول شوقنا إلـى ديارنـا واجتمـاع شملنـا هنـاك فهـل اجتماعنـا هـذا فـي المنـام أو فـي اليقظـة ثـم
===
أنــه حمــل ولــده الكبيـــر وحملـــت هـــي الولـــد الصغيـــر وخرجـــا مـــن القصـــر وأسبـــل اللـــه عليهمـــا الستـــر
وسـارا فلمــا وصــلا إلــى خــارج القصــر وقفــا عنــد البــاب الــذي يقفــل علــى سرايــة الملكــة فلمــا صــار
هنـاك رأيـاه مقفــولا فقــال حســن لا حــول ولا قــوة إلا باللــه العلــي العظيــم أنــا اللــه وأنــا إليــه راجعــون ثــم
أنهما يئسا من الخلاص.
فقــال حســن يــا مفــرج الكــروب ودق يــد علــى يــد وقــال: كــل شــيء حسبتــه ونظــرت فــي عاقبتـــه إلا
هـذا فإنـه إذا طلـع علينـا النهـار يأخذوننــا وكيــف تكــون الحيلــة فــي هــذا الأمــر فقالــت زوجتــه: واللــه
مـا لنـا فــرج إلا أن نقتــل أرواحنــا ونستريــح مــن هــذا التعــب العظيــم ولا نصبــح نقاســي العــذاب الأليــم
فبينمـا همـا فـي الكلــام وإذا بقائــل يقــول مــن خــارج البــاب واللــه مــا أفتــح لــك يــا سيدتــي منــار السنــا
وزوجـــك حســـن إلا أن تطاوعانــــي فيمــــا أقولــــه لكمــــا فلمــــا سمعــــا هــــذا الكلــــام منــــه سكتــــا وأراد
الرجــوع إلــى المكــان الــذي كانــا فيــه وإذا بقائــل يقــول مـــا لكمـــا سكتـــا ولـــم تـــرد علـــى الجـــواب فعرفـــا
صاحب القول وهي العجوز شواهي ذات الدواهي.
فقــالا لهــا: بمــا تأمرينــا بــه نعملــه ولكــن افتحــي البـــاب فـــإن هـــذا الوقـــت مـــا هـــو وقـــت كلـــام فقالـــت
لهمــا: واللــه مــا أفتــح لكمــا حتــى تحلفــا لــي أنكمــا تأخذانــي معكمـــا ولا تتركانـــي عنـــد هـــذه العاهـــرة
ومهمــا أصابكمــا أصابنــي وأن سلمتمـــا سلمـــت وأن عطبتمـــا عطبـــت فـــإن هـــذه الفاجـــرة المساحقـــة
===
تحتكرنـي وفـي كـل ساعـة تنكلنـي مـن أجلكمـا وأنـت يـا ابنتـي تعرفيـن مقـداري. فلمـا عرفاهـا اطمأنــا
لهـا وحلفـا لهـا بمـا تثـق ففتحـت لهمـا البـاب وخرجـا فلمــا خــرج وجداهــا راكبــة علــى زيــر رومــي مــن
فخار أحمر وفي حلق الزير حبل من ليف وهو يتقلب من تحتها ويجري جري المهر النجدي.
فتقدمــت قدامهمــا وقالــت لهمــا اتبعانــي ولا تفزعــا مــن شــيء فإنــي أحفــظ أربعيــن بابـــا مـــن السحـــر
أقـل بـاب منهـا أجعـل بـه هـذه المدينـة بحـراً عجاجـاً متلاطمــا بالأمــواج وأسحــر كــل بنــت فيهــا فتصيــر
سمكـة وكـل ذلـك أعملـه قبـل الصبــح ولكنــي كنــت لا أقــدر أن أفعــل شيئــاً مــن ذلــك الشــر خوفــاً مــن
الملـك أبيهـا ورعايـة لأخوتهـا لأنهـم مستعـزون بكثــرة الأعــوان والأرهــاط والخــدم ولكــن ســوف أريكمــا
عجائـب سحـري فسيـروا بنـا علـى بركـة اللـه تعالـى وعونـه فعنـد ذلـك فـرح حسـن هـو وزوجتـه وأيقنــا
بالخلاص.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن حسنــاً وزوجتــه والعجــوز شواهــي لمــا طلعــوا مــن القصــر وأيقنــوا
بالخلــاص خرجــوا إلــى ظاهــر المدينــة فأخــذ حســن القضيــب بيــده وضــرب بــه الــأرض وقـــوي جنانـــه
===
وقـــال يـــا خـــدام هـــذه الأسمـــاء احضـــروا إلـــي وأطلعونـــي علـــى إخوانكـــم وإذا بالـــأرض قـــد انشقــــت
وخـرج منهـا عشـر عفاريـت كـل عفريــت منهــم رجــلاً فــي تخــوم الــأرض ورأســه فــي السحــاب فقلبــوا
الـأرض بيـن يــدي حســن ثلــاث مــرات وقالــوا كلهــم بلســان واحــد لبيــك يــا سيدنــا والحاكــم علينــا بــأي
شــيء تأمرنــا فنحــن لأمــرك سامعــون ومطيعــون أن شئــت نيبــس لــك البحـــار وننقـــل لـــك الجبـــال مـــن
أماكنها.
ففــرح حســن بكلامهــم وبسرعــة جوابهــم وشجــع قلبــه وقــوى جنانــه وعزمــه وقــال لهــم مـــن أنتـــم ومـــا
أسمكــم ولمــن تنسبــون مــن القبائــل ومــن أي طائفــة أنتــم ومــن أي قبيلــة ومـــن أي رهـــط فقبلـــوا الـــأرض
ثانيـا وقالـوا بلسـان واحـد: نحـن سبـع ملـوك كـل ملـك منـا يحكـم علـى سبـع قبائــل مــن الجــن والشياطيــن
والمـــردة والأرهـــاط والأعـــوان الطيـــارة والغواصـــة وسكـــان الجبـــل والبـــراري والقفـــار وعمـــار البحـــار
فأمرنــا بمــا تريــد فنحــن لــك خــدام وعبيــد ولــك مــن ملــك هــذا القضيــب ملــك رقابنــا جميعــاً ونصيـــر
تحت طاعته.
فلمـــا سمـــع حســـن كلامهـــم فـــرح فرحـــاً عظيمـــاً وكذلـــك زوجتـــه والعجـــوز فعنـــد ذلـــك قـــال حســــن
للجـان: أريـد منكـم أن تطلعونـي علــى أرهاطكــم وجنودكــم وأعوانهــم فقالــوا: يــا سيدنــا إذا أطلعنــاك
علـــى رهطنـــا نخـــاف عليـــك وعلـــى مـــن معـــك لأنهـــم جنـــود كثيـــرة مختلفـــة الصـــور والخلــــق والألــــوان
===
والوجـوه والأبـدان فمنـا روسـي بـلا أبـدان ومنــا أبــدان بــلا روســي ومنــا مــن هــو علــى صفــة السبــاع
ولكــن أن شئــت ذلــك فــلا بــد لنــا مــن أن نعــرض عليــك أولا مــن هــو علــى صفــة الوحـــوش ولكـــن يـــا
سيدي ما تريد منا في هذا الوقت.
فقـال لهـم حسـن: أريــد منكــم أن تحملونــي أنــا وزوجتــي وهــذه المــرأة الصالحــة فــي هــذه الساعــة إلــى
مدينـة بغـداد فلمـا سمعـوا كلامـه أطرقـوا برؤوسهـم فقـال لهـم حسـن لـم لا تجيبونـي فقالـوا بلسـان واحــد
أيهــا السيــد الحاكــم علينــا أننــا مــن عهــد السيــد سليمــان بــن داود عليهمــا السلــام وكـــان حلفنـــا أننـــا لا
نحمــل أحــد مــن بنــي آدم علــى ظهورنــا فنحــن مـــن ذلـــك الوقـــت مـــا حملنـــا أحـــد مـــن بنـــي آدم علـــى
أكتافنــا ولا علــى ظهورنــا ولكــن فــي هــذه الساعــة نشــد لــك مــن خيــول الجــن مــا يبلغــك مـــرادك أنـــت
ومن معك فقال لهم حسن وكم بيننا وبين بغداد فقالوا له مسافة سبع سنين للفارس المجد
فتعجــب حســن مــن ذلــك وقــال لهــم كيــف جئــت أنــا إلــى هنــا فيمــا دون السنــة فقالــوا لـــه أنـــت قـــد
حنــن اللــه عليــك قلــوب عبــاده الصالحيــن ولــولا ذلــك مـــا كنـــت تصـــل هـــذه الديـــار والبلـــاد ولا تراهـــا
بعينك أبدا لـأن الشيـخ عبـد القـدوس الـذي أركبـك الفيـل وأركبـك الجـواد الميمـون قطـع بـك فـي الثلاثـة
أيـام ثلـاث سنيـن للفـارس المجـد فـي السيـر وأمـا الشيـخ أبـو الريـش الـذي أعطـاك لدهنـش فإنـه قطــع بــك
فــي اليــوم والليلــة مسافــة ثلــاث سنيــن وهــذا مــن بركــة اللــه العظيــم لــأن الشيــخ أبـــو الريـــش مـــن ذريـــة
===
آصـف بـن برخيـا وهـو يحفـظ اسـم اللـه الأعظـم ومـن بغـداد إلـى قصــر البنــات سنــة فهــذه هــي السبــع
سنين.
فلمــا سمــع حســن كلامــه تعجــب تعجبــاً عظيمـــاً وقـــال سبحانـــه اللـــه مهـــون العسيـــر وجابـــر الكسيـــر
ومقـرب البعيـد ومـذل كـل جبـار عنيـد الـذي هــون علــى كــل أمــر وأوصلنــي إلــى هــذه الديــار وسخــر
لـي هـؤلاء العالــم وجمــع شملــي بزوجتــي وأولــادي فمــا أدري هــل أنــا نائــم أو يقظــان وهــل أنــا صــاح أم
سكــران ثــم التفــت إليهــم وقــال لهــم إذا أركبتمونــي خيولكــم فــي كــم يــوم توصلنــا إلــى بغــداد فقالــوا:
تصـــل بـــك فيمـــا دون السنـــة بعـــد أن تقاســـي الأمـــور الصعــــاب والشدائــــد والأهــــوال وتقطــــع أوديــــة
معطشة وقفاراً موحشة وبراري ومهالك كثيرة ولا نأمن عليك يا سيدي من أهل هذه الجزائر.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثمانين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن الجـــان قالـــوا لحســـن لا نأمـــن عليـــك يـــا سيـــدي مـــن أهـــل هـــذه
الجزائــر ولا مــن شــر الملــك الأكبــر ولا مــن هــذه السحــرة والكهنــة فربمــا يقهرونــا ويأخذوكــم منــا ونبتلـــي
بهــم وكــل مــن بلغــه الخبــر بعــد ذلــك يقــول لنــا أنتــم الظالمــون كيــف قدمتــم علــى الملــك الأكبــر وحملتـــم
===
أيضــا ابنتــه معكــم ولــو كنــت معنــا وحــدك لهــان علينــا الأمــر ولكــن الــذي أوصلــك إلــى هـــذه الجزائـــر
قـادر أن يوصلـك إلـى بلـادك ويجمــع شملــك بأمــك قريبــا غيــر بعيــد فاعــزم وتوكــل علــى اللــه ولا تخــف
فنحن بيـن يديـك حتـى نوصلـك إلـى بلـادك فشكرهـم حسـن علـى ذلـك وقـال لهـم جزاكـم اللـه خيـرا ثـم
قال لهم عجلوا بالخيل.
فقالـوا سمعـاً وطاعــةً ثــم دقــوا الــأرض بأرجلهــم فغابــوا فيهــا ساعــة ثــم حضــروا وإذا بهــم قــد طلعــوا
ومعهـم ثلاثـة أفـراس مسرجـة ملجمـة وفـي مقــدم كــل ســرج خــرج فــي إحــدى عينيــه ركــوة ملآنــة مــاء
والعيـن الأخـرى ملآنـة زادا ثـم قدمـوا الخيـل فركـب حسـن جــواده وأخــذ ولــدا قدامــه وركبــت زوجتــه
الجـواد الثانـي وأخـذت ولـد قدامهــا ثــم نزلــت العجــوز مــن فــوق الزيــر وركبــت الجــواد الثالــث وســاروا
ولـم يزالـوا سائريـن طـوال الليـل حتـى أصبـح الصبـاح فخرجـوا عـن الطريــق وقصــدوا الجبــل وألسنتهــم لا
تفتر عن ذكر الله وساروا النهار كله تحت الجبل.
فبينمــا هــم سائــرون وإذ نظــر حســن إلــى جبــل قدامــه مثــل العمــود وهــو طويـــل كالدخـــان المتصاعـــد
إلـى السمـاء فقــرأ شيئــاً مــن القــرآن وتعــوذ باللــه مــن الشيطــان الرجيــم فصــار ذلــك الســواد يظهــر كلمــا
تقربـــوا منـــه فلمــــا دنــــوا منــــه وجــــدوه عفريتــــا رأســــه كالقبــــة العظيمــــة وأنيابــــه كالكلاليــــب ومنخــــراه
كالإبريــــق وأذنــــاه كالــــأدراق وفمــــه كالمغــــارة وأسنانــــه كعواميـــــد الحجـــــارة ويـــــداه كالمـــــداري ورجلـــــاه
===
فلمــا نظــر حســن إلــى العفريــت انحنــى وقبــل الــأرض بيــن يديــه فقــال لــه: يــا حســن لا تخـــف منـــي أنـــا
رئيــــس عمــــار ذلــــك الــــأرض وهــــذه أول جزيــــرة مــــن جزائــــر واق الـــــواق وأنـــــا مسلـــــم موحـــــد باللـــــه
وسمعــت بكــم وعرفــت قدومكــم ولمــا أطلعــت علــى حالكــم اشتهيـــت أن أرحـــل مـــن بلـــاد السحـــرة
إلــى أرض غيرهــا تكــون خاليــة مــن السكــان بعيــدة عــن الأنــس والجــان أعيــش فيهـــا منفـــردا وحـــدي
وأعبـد اللـه حتـى يدركنـي أجلـي فـأردت أن أرافقكــم وأكــون دليلكــم حتــى تخرجــوا مــن هــذه الجزائــر
وأنا ما أظهر إلا بالليل فطيبوا قلوبكم من جهتي فإنني مسلم مثل ما أنتم مسلمون.
فلمـا سمـع حسـن كلــام العفريــت فــرح فرحــاً شديــداً وأيقــن بالنجــاة ثــم التفــت إليــه وقــال لــه جــزاك اللــه
خيــراً فســر معنــا علــى بركــة اللــه فســار العفريــت قدامهــم وســـاروا يتحدثـــون ويلعبـــون وقـــد طابـــت
قلوبهـم وانشرحـت صدورهـم وصـار حسـن يحكـي لزوجتــه جميــع مــا قاســاه ولــم يزالــوا سائريــن طــول
الليل وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أنهـم لــم يزالــوا سائريــن طــول الليــل إلــى الصبــاح والخيــل تسيــر كالبــرق
الخاطـف فلمـا طلـع النهـار مـد كـل واحـد يـده فـي خرجـه وأخـرج منـه شيئـاً وأكلـه وأخـرج مــاء وشربــه
===
ثـم جـدوا السيـر ولـم يزالـوا سائريـن والعفريـت أمامهـم وقـد عـرج بهـم عـن الطريـق إلـى طريـق أخـرى غيـر
مسلوكـة علــى شاطــئ البحــر ومــا زالــوا يقطعــون الأوديــة والقفــار مــدة شهــر كامــل وفــي اليــوم الحــادي
والثلاثيـن طلعـت عليهـم غبـرة سـدت الأقطـار وأظلـم منهــا النهــار فلمــا نظرهــا حســن لحقــه الاصفــرار
وقـد سمعـوا ضجـات مزعجـة فالتفتـت العجـوز إلــى حســن وقالــت يــا ولــدي هــذه عساكــر واق الــواق
قد لحقونا وفي هذه الساعة يأخذوننا قبضا باليد.
فقــال لهــا حســن مــا أصنــع يـــا أمـــي فقالـــت لـــه أضـــرب الـــأرض بالقضيـــب ففعـــل فطلـــع إليـــه السبعـــة
ملـوك وسلمـوا عليـه وقبلـوا الـأرض بيـن يديـه وقالــوا لــه لا تخــف ولا تحــزن ففــرح حســن بكلامهــم وقــال
أحسنتـم يــا ســادة الجــن والعفاريــت هــذا وقتكــم فقالــوا لــه أطلــع أنــت وزوجتــك وأولــادك ومــن معــك
فـوق الجبــل وخلونــا نحــن وإياهــم لأننــا نعــرف أنكــم علــى الحــق وهــم علــى الباطــل وينصرنــا اللــه عليــه
فنــزل حســن هــو وزوجتــه وأولــاده والعجــوز عــن ظهــور الخيــل وطلعــوا علـــى طـــرف الجبـــل. وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والثمانين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن حسنـا صعـد هــو وزوجتــه وأولــاده والعجــوز علــى طــرف الجبــل
===
بعـد أن صرفـوا الخيـل ثـم بعـد ذلـك أقبلــت الملكــة نــور الهــدى بعساكــر ميمنــة وميســرة ودارت عليهــم
النقبـاء وصفوهـم جملـة وقـد التقـى العسكــران وتصــادم الجمعــان والتهبــت النيــران وأقدمــت الشجعــان
وفــر الجبــان ورمــت الجــن مــن أفواههــا لهيــب الشــرر إلــى أن أقبــل الليــل بالإعتكــار فافتـــرق الجمعـــان
وانفصــل الفريقــان ولمــا نزلــوا عــن خيولهــم واستقــروا علــى الــأرض أشعلــوا النيــران وطلــع السبعــة ملــوك
إلـى حسـن وقبلـوا الـأرض بيـن يديـه فأقبـل عليهـم وشكرهـم ودعـا لهـم بالنصـر وسألهـم عـن حالهـم مـع
عسكر الملكة نور الهدى.
فقالـوا لـه أنهـم لا يثبتـون معنــا غيــر أيــام فنحــن كنــا اليــوم ظافريــن بهــم وقــد قبضنــا منهــم مقــدار ألفيــن
وقتلنـا منهـم خلقـاً كثيــراً لا يحصــى عددهــم فطــب نفســاً وانشــرح صــدراً ثــم أنهــم ودعــوه ونزلــوا إلــى
عسكرهــم يحرسونــه ومــا زالـــوا يشعلـــون النيـــران إلـــى أن طلـــع الصبـــاح وأضـــاء بنـــوره ولـــاح فركبـــت
الفرسـان الخيـل القـراح وتضاربـوا بمرهقــات الصفــاح وتطاعنــوا بسمــر الرمــاح وباتــوا علــى ظهــور الخيــل
وهم يلتطمون التطام البحار واستعر بينهم فـي الحـرب لهيـب النـار ولـم يزالـوا فـي نضـال وسبـاق حتـى
انهزمـــت عساكـــر واق الـــواق وانكســـرت شوكتهـــم وانحطــــت همتهــــم وزلــــت أقدامهــــم وأينمــــا هربــــوا
فالهزيمــة قدامهــم فولــوا الأدبــار وركنــوا إلـــى الفـــرار وقتـــل أكثرهـــم وأســـرت الملكـــة نـــور الهـــدى هـــي
وكبار مملكتها وخواصها.
===
فلمــا أصبــح الصبــاح حضــر الملــوك السبعــة بيـــن يـــدي حســـن ونصبـــوا لـــه سريـــراً مـــن المرمـــر مصفحـــاً
بالــدر والجوهــر فجلــس فوقــه ونصبــوا عنــده سريــراً آخــر للسيــدة منــار السنــا زوجتــه وذلــك السريـــر
مــن العــاج المصفــح بالذهــب الوهـــاج ونصبـــوا سريـــراً آخـــر للعجـــوز شواهـــي ذات الدواهـــي ثـــم أنهـــم
قدمـوا الأسـاري بيـن يـدي حسـن ومـن جملتهـم الملكـة نــور الهــدى وهــي مكتفــة اليديــن مقيــدة الرجليــن
فلمــا رأتهــا العجــوز قالــت لهــا مــا جــزاؤك يــا فاجــرة يــا ظالمــة إلا أن يجـــوع كلبتـــان ويربطـــا معـــك فـــي
أذنــاب الخيــل ويساقــان إلــى البحــر حتــى يتمــزق جلــدك وبعــد ذلــك يقطــع مـــن لحمـــك وتطعميـــن منـــه
كيــف فعلــت بأختــك هــذه الفعــال يــا فاجــرة مــع إنهــا تزوجــت فــي الحلــال بسنــة اللــه ورسولـــه لأنـــه لا
رهبانية في الإسلام والزواج من سنن المرسلين عليهم السلام وما خلقت النساء إلا للرجال.
فعنــد ذلــك أمــر حســن بقتــل الأســاري جميعهــم فصاحــت العجـــوز وقالـــت اقتلوهـــم ولا تبقـــوا منهـــم
أحـداً فلمـا رأت الملكـة منـار السنـا أختهـا فـي هــذه الحالــة وهــي مقيــدة مأســورة بكــت عليهــا وقالــت
لهـا: يـا أختــي مــن هــذا الــذي أسرنــا فــي بلادنــا وغلبنــا فقالــت لهــا هــذا أمــر عظيــم أن هــذا الرجــل
الـذي اسمــه حســن قــد ملكنــا وحكمــه اللــه فينــا وفــي سائــر ملكنــا وتغلــب علينــا وعلــى ملــوك الجــن
فقالت لها أختها ما نصره الله عليكم ولا قهرهم ولا أسركم إلا بهذه الطاقية والقضيب.
فتحققــت أختهــا ذلــك وعرفــت أنــه خلصهــا بهــذا السبــب ثــم أن السيــدة منــار السنــا حكــت لأختهــا
===
جميـع مـا جـرى لهـا مـع زوجهـا حسـن وجميـع مــا جــرى لــه ومــا قاســاه مــن أجلهــا وقالــت لهــا يــا أختــي
مـن كانـت هــذه الفعــال فعالــة وهــذه القــوة قوتــه وقــد أيــده اللــه تعالــى بشــدة النــاس حتــى دخــل بلادنــا
وأخــذك وأســرك وهــزم عسكــرك وقهــر أبــاك الملــك الأكبــر الــذي يحكــم علـــى ملـــوك الجـــن يجـــب أن لا
يفــرط حقــه فقالــت لهــا أختهــا واللــه يــا أختــي لقــد صدقــت فيمـــا أخبرتينـــي بـــه مـــن العجائـــب التـــي
قاساها هذا الرجل وهل كل هذا من أجلك يا أختي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن السيــدة منــار السنــا لمــا أخبــرت أختهــا بأوصــاف حســـن قالـــت
لهــا واللــه أن هــذا الرجــل مــا يفــرط فيــه خصوصــاً بسبــب مروأتــه وهــل كــل هــذا مـــن أجلـــك فقالـــت
نعــم ثــم أنهــم باتــوا يتحدثــون إلــى الصبــاح فلمــا طلعــت الشمــس أرادوا الرجـــل فـــودع بعضهـــم بعضـــاً
وودعــت منــار السنــا والعجــوز بعدمــا أصلحــت بينهــا وبيــن أختهــا نــور الهـــدى فبعـــد ذلـــك ضـــرب
حسـن الـأرض بالقضيـب فطلـع لـه خدامـه وسلمـوا عليـه وقالـوا لــه الحمــد للــه علــى هــدو ســرك فأمرنــا
بما تريد حتى نعمله في أسرع من لمح البصر.
===
فشكرهــم علــى قولهــم وقــال لهــم جزاكــم اللــه خيــراً ثــم أنــه قــال لهــم شــدوا لنــا جواديــن مـــن أحســـن
الخيـل ففعلـوا مـا أمرهـم بـه فـي الوقـت وقدمـوا لـه جواديـن مسرجيـن فركـب حسـن جـواداً منهمــا وأخــذ
ولــده الكبيــر قدامــه وركبـــت زوجتـــه الجـــواد وأخـــذت ولدهـــا الصغيـــر قدامهـــا وركبـــت الملكـــة نـــور
الهـدى هــي والعجــوز وتوجــه الجميــع إلــى بلادهــم فســار حســن هــو وزوجتــه يمينــاً وســارت الملكــة
نـور الهـدى هـي والعجــوز شمــالاً ولــم يــزل حســن سائــراً هــو وزوجتــه وأولــاده مــدة شهــر كامــل وبعــد
الشهر أشرفوا على المدينة فوجدوا حولها أثماراً وأنهاراً.
فلمـا وصلـوا إلـى تلــك الأشجــار نزلــوا عــن ظهــور الخيــل وأراد الراحــة ثــم جلســوا يتحدثــون وإذا هــم
بخيـول كثيـرة قـد أقبلــت عليهــم فلمــا رآهــم حســن قــام علــى رجليــه وتلقاهــم وإذا هــم الملــك حســون
صاحــب أرض الكافــور وقلعــة الطيــور فعنــد ذلــك تقــدم حســن إلــى الملــك وقبــل يديـــه وسلـــم عليـــه
ولمــا رآه الملــك ترجــل عــن ظهـــر جـــواده وجلـــس هـــو وحســـن علـــى الفـــرش تحـــت الأشجـــار بعـــد أن
سلـم علـى حسـن وهنـأه بالسلامــة وفــرح بــه فرحــاً شديــداً وقــال لــه يــا حســن أخبرنــي بمــا جــرى لــك
مـن أولـه إلـى آخـره فأخبـره حسـن بجميــع ذلــك فتعجــب منــه الملــك حســون وقــال: يــا ولــدي مــا وصــل
أحـــد إلـــى جزائـــر واق الـــواق ورجـــع منهــــا أبــــداً إلا أنــــت فأمــــرك عجيــــب ولكــــن الحمــــد للــــه علــــى
السلامة.
===
ثــم بعــد ذلــك قــام الملــك وركــب وأمــر حسنــاً أن يركــب ويسيــر معــه ففعــل ولــم يزالــوا سائريــن إلــى أن
أتــوا إلــى المدينــة فدخــل دار الملــك فنــزل الملــك حســـون ونـــزل حســـن هـــو وزوجتـــه وأولـــاده فـــي دار
الضيافـة وأقامـوا عنـده ثلاثـة أيـام فـي أكـل وشـرب ولعـب وطـرب ثـم بعــد ذلــك استــأذن حســن الملــك
حســون فــي السفــر إلــى بلــاده فــأذن لـــه فركـــب هـــو وزوجتـــه وأولـــاده وركـــب الملـــك معهـــم وســـاروا
عشرة أيامٍ.
فلمـــا أراد الملـــك الرجـــوع ودع حسنـــاً وســـار حســـن هـــو وزوجتـــه وأولـــاده ولـــم يزالـــوا سائريــــن مــــدة
شهـــر كامـــل فلمـــا كـــان بعـــد الشهـــر أشرفـــوا علـــى مغـــارة كبيـــرة أرضهـــا مـــن النحـــاس الأصفـــر فقـــال
حسـن لزوجتـه وأولـاده انظــري هــذه المغــارة هــل تعرفينهــا قالــت نعــم قــال إن فيهــا شيخــاً يسمــى أبــي
الريـش ولـه فضـل علـي كبيـر لأنـه هـو الـذي كـان سبــب فــي المعرفــة بينــي وبيــن الملــك حســون وصــار
يحدث زوجته يخبر أبي الريش وإذا بالشيخ أبي الريش خارج من المغارة.
فلمـا رآه حسـن نــزل عــن جــواده وقبــل يديــه فسلــم عليــه الشيــخ أبــو الريــش وهنــأه بالسلامــة وفــرح بــه
وأخـذه ودخـل بـه المغـارة وجلـس وإيــاه وصــار يحــدث الشيــخ أبــا الريــش بمــا جــرى لــه فــي جزائــر واق
الــواق فتعجــب الشيــخ أبــو الريــش غايــة العجــب وقــال: يــا حســن كيـــف خلصـــت زوجتـــك وأولـــادك
فحكى له حكاية القضيب والطاقية.
===
فلمــا سمــع الشيــخ أبــو الريــش تلــك الحكايـــة تعجـــب وقـــال: يـــا حســـن يـــا ولـــدي لـــولا هـــذا القضيـــب
وهذه الطاقية ما كنت خلصت زوجتك وأولادك فقال له حسن نعم يا سيدي.
وبينمـا همـا فـي الكلـام وإذا بطـارق يطـرق بـاب المغـارة فخـرج الشيــخ أبــو الريــش وفتــح البــاب فوجــد
الشيـخ عبـد القـدوس قـد أتـى وهـو راكـب فـوق الفيـل فتقــدم الشيــخ أبــو الريــش وسلــم عليــه وأعتنقــه
وفـرح بـه فرحـاً عظيمـاً وهنـأه بالسلامـة وبعـد ذلـك قــال الشيــخ أبــو الريــش لحســن أحــك للشيــخ عبــد
القـدوس جميــع مــا جــرى لــك يــا حســن فشــرع حســن يحكــي للشيــخ جميــع مــا جــرى لــه مــن أولــه إلــى
آخره إلى أن وصل إلى حكاية القضيب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حسنــاً شــرع يحكــي للشيــخ عبــد القــدوس والشيــخ أبــي الريــش
وهـم فـي المغـارة يتحدثـون جميـع مـا جـرى لـه مــن أولــه إلــى آخــره إلــى أن وصــل إلــى حكايــة القضيــب
والطاقيـة فقـال الشيـخ عبـد القــدوس لحســن: يــا ولــدي أمــا أنــت فقــد خلصــت زوجتــك وأولــادك ولــم
يبــق لــك حاجــة بهــم وأمــا نحــن فإننــا كنــا السبــب فــي وصولـــك إلـــى جزائـــر واق الـــواق وقـــد عملـــت
===
معــك الجميــل لأجــل بنــات أخــي وأنــا أسألــك مــن فضلـــك وإحسانـــك أن تعطينـــي القضيـــب وتعطـــي
الشيخ أبا الريش الطاقية.
فلمـــا سمـــع حســـن كلـــام الشيـــخ عبـــد القـــدوس أطـــرق رأســــه إلــــى الــــأرض واستحــــى أن يقــــول مــــا
أعطيهمـا لكمــا ثــم قــال فــي نفســه: إن هذيــن الشيخيــن فعــلا معــي جميــلاً عظيمــاً وهمــا اللــذان كانــا
السبــب فـــي وصولـــي إلـــى جزائـــر واق الـــواق ولولاهمـــا مـــا وصلـــت إلـــى هـــذه الأماكـــن ولا خلصـــت
زوجتـــي وأولـــادي ولا حصلـــت علـــى هــــذا القضيــــب وهــــذه الطاقيــــة ثــــم رفــــع رأســــه وقــــال نعــــم
أعطيهمـا لكمـا ولكــن يــا سادتــي أنــي أخــاف مــن الملــك الأكبــر والــد زوجتــي أن يأتينــي بعساكــر إلــى
بلادنا فيقاتلونني ولا أقدر على دفعهم إلا بالقضيب والطاقية.
فقـال الشيــخ عبــد القــدوس لحســن: يــا ولــدي لا تخــف فنحــن لــك جواسيــس فــي هــذا الموضــع وكــل
مــن أتــى إليــك مــن عنــد والــد زوجتــك ندفعــه عنــك ولا تخـــف مـــن شـــيء فطـــب نفســـاً وقـــر عينـــاً
وانشـرح صـدراً مــا عليــك بــأس فلمــا سمــع حســن كلــام الشيــخ أخــذه الحيــاء وأعطــى الطاقيــة للشيــخ
أبـي الريـش وقـال للشيـخ عبــد القــدوس أصحبنــي إلــى بلــادي وأنــا أعطيــك القضيــب ففــرح الشيخــان
بذلــك فرحــاً شديــداً وجهــزا لحســن مــن الأمــوال والذخائــر مــا يعجــز عنــه الوصــف ثــم أقــام عندهمـــا
ثلاثة أيام.
===
وبعـــد ذلـــك طلـــب السفـــر فتجهـــز الشيـــخ عبـــد القـــدوس للسفـــر معـــه فركـــب حســـن دابــــة وأركــــب
زوجتـه دابـة فصفـر الشيـخ عبـد القـدوس وإذا بفيـل عظيـم قـد أقبـل يهــرول بيديــه ورجليــه مــن صــدر
البريــة فأخــذه الشيــخ عبــد القــدوس وركبــه وســار هــو وحســن وزوجتـــه وأولـــاده وأمـــا الشيـــخ عبـــد
الريــش فإنــه دخــل المغــارة ومــا زال حســن وزوجتــه وأولــاده والشيـــخ عبـــد القـــدوس سائريـــن يقطعـــون
الــأرض بالطــول والعــرض والشيــخ عبــد القــدوس يدلهــم علـــى الطريـــق السهلـــة والمنافـــذ القريبـــة حتـــى
قربــوا مــن الديــار وفــرح حســـن بقربـــه مـــن ديـــار والدتـــه ورجـــوع زوجتـــه وأولـــاده إليـــه وحيـــن وصـــل
حسن إلى تلك الديار بعد هذه الأهوال الصعبة حمد الله تعالى على ذلك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حســن حمــد اللــه تعالــى علــى نجاتـــه مـــن تلـــك الأهـــوال الصعبـــة
وشكـــره علـــى نعمتـــه وفضلـــه ونظـــروا إذا هـــم قـــد لاحـــت لهــــم القبــــة الخضــــراء والفسقيــــة والقصــــر
الأخضـر ولـاح لهـم جبـل السحـاب مـن بعيـد فقـال الشيــخ عبــد القــدوس يــا حســن أبشــر بالخيــر فأنــت
الليلـة ضيـف عنـد بنـات أخـي ففـرح حسـن بذلـك فرحـاً شديـداً وكذلـك زوجتــه ثــم نزلــوا عنــد القبــة
===
واستراحـوا وأكلـوا وشربـوا ثـم ركبـوا وسـاروا حتـى قربـوا مـن القصـر فلمـا أشرفــوا عليــه خرجــت لهــم
بنـات أخ الشيـخ عبـد القـدوس وتلقيتهـم وسلمـن عليهـم وعلـى عمهـم وسلـم عليهـم عمهـم وقــال لهــم يــا
بنات أخي ها أنا قد قضيت حاجة أخيكم حسن وساعدته على خلاص زوجته وأولاده.
فتقدمــن إليــه البنــات وعانقنــه وفرحــن بــه وهنينـــه بالسلامـــة والعافيـــة وجمـــع الشمـــل بزوجتـــه وأولـــاده
وكــان عندهــن يــوم عيــد ثــم تقدمــت أخــت حســن الصغيــرة وعانقتــه وبكــت بكـــاءً شديـــداً وكذلـــك
حســن بكــى معهــا علــى طــول الوحشــة ثــم شكــت لــه مــا تجـــده مـــن ألـــم الفـــراق وتعـــب سرهـــا ومـــا
قاسته من فراقه وأنشدت هذين البيتين:
وما نظرت من بعد بعدك مقلتي إلى أحـد إلا وشخصـك مائـل
وما غمضت إلا رأيتك في الكرى كأنك بيـن الجفـن والعيـن نـازل
فلمــا فرغــت مــن شعرهــا فرحــت فرحــاً شديــداً فقــال لهــا حســن يــا أختــي أنــا مــا أشكــر أحــد فـــي
هــذا الأمــر إلا أنــت مــن دون سائــر الأخــوات فاللــه تعالــى يكـــون لـــك بالعـــون والعنايـــة ثـــم أنـــه حدثهـــا
بجميـع مـا جـرى لـه فــي سفــره مــن أولــه إلــى آخــره ومــا قاســاه ومــا اتفــق لــه مــع أخــت زوجتــه وكيــف
خلـــص زوجتـــه وأولـــاده وحدثهـــا بمـــا رآه مـــن العجائـــب والأهــــوال الصعــــاب حتــــى أن أختهــــا كانــــت
أرادت أن تذبحــه وتذبحهــا وتذبــح أولادهـــا ومـــا سلمهـــم منهـــا إلا اللـــه تعالـــى ثـــم حكـــى لهـــا حكايـــة
===
القضيــب والطاقيــة وإن الشيــخ أبــا الريـــش والشيـــخ عبـــد القـــدوس طلباهمـــا منـــه وأنـــه مـــا أعطاهمـــا
لهما إلا من شأنها فشكرته على ذلك ودعت له بطول البقاء.
فقــال واللــه مــا أنســى كـــل مـــا فعلتيـــه معـــي مـــن الخيـــر مـــن أول الأمـــر إلـــى آخـــره فالتفتـــت أختـــه إلـــى
زوجتـه منـار السنـا وعانقتهـا وضمـت أولادهـا إلـى صدرهـا ثـم قالــت لهــا: يــا بنــت الملــك الأكبــر أمــا
فـي قلبـك رحمـة حتـى فرقـت بينـه وبيـن أولـاده وأحرقـت قلبـه عليهـم فهـل كنـت تريديـن بهـذا الفعــل أن
تموتيـه فسكتـت وقالـت: بهـذا حكـم اللـه سبحانـه وتعالـى ومـن خــادع النــاس خدعــه اللــه ثــم أنــه أقــام
عندهـم عشـرة أيـام فـي أكـل وشــرب وفــرح وســرور ثــم بعــد العشــرة أيــام تجهــز حســن للسفــر فقامــت
أختــه وجهــزت لــه مــن المــال والتحــف مــا يعجــز عنــه الوصــف ثــم ضمتــه إلــى صدرهــا لأجــل الــوداع
وعانقته
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثمانين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أخــت حســـن لمـــا ضمتـــه إلـــى صدرهـــا ثـــم أن حسنـــاً أعطـــى
الشيــخ عبــد القــدوس القضيــب ففــرح بــه فرحــاً شديــداً وشكـــر حســـن علـــى ذلـــك وبعـــد أن أخـــذه
===
منــه ركــب ورجــع إلــى محلــه ثــم ركــب حســن هــو وزوجتــه وأولــاده مــن قصــر البنــات فخرجـــوا معـــه
يودعونـه وبعـد ذلـك رجعـوا ثـم توجـه حسـن إلـى بلـاده فسـار فـي البـر الأقفـر مــدة شهريــن وعشــرة أيــام
حتــى وصــل إلــى مدينـــة بغـــداد دار السلـــام فجـــاء إلـــى داره مـــن بـــاب الســـر الـــذي يفتـــح إلـــى جهـــة
الصحــراء والبريــة وطــرق البــاب وكانـــت والدتـــه مـــن طـــول غيبتـــه قـــد هجـــرت المنـــام ولزمـــت الحـــزن
والبكـاء والعويـل حتــى مرضــت وصــارت لا تأكــل طعامــاً ولا تلتــذ بمنــام بــل تبكــي فــي الليــل والنهــار
ولا تفتــر عــن ذكـــر ولدهـــا وقـــد يئســـت مـــن رجوعـــه إليهـــا فلمـــا وقـــف علـــى بـــاب وسمعهـــا تبكـــي
وتنشد هذه الأبيات:
بالله يا سادتي طيبوا مريضكم فجسمه ناحل والقلب مكسور
فإن سمحتم بوصل منكم كرماً فالصب من نعم الأحباب مغمور
لا بأس من قربكم فالله مقتدر فبينما العسر إذ دارت مياسير
فلمــا فرغــت مــن شعرهــا سمعــت ولدهــا حســن ينـــادي علـــى البـــاب يـــا أمـــاه أن الأيـــام قـــد سمحـــت
بجمــع الشمــل فلمــا سمعــت كلامــه عرفتــه فجــاءت إلــى البــاب وهــي مــا بيـــن مصدقـــة ومكذبـــة فلمـــا
فتحـت البــاب رأت ولدهــا واقفــاً هــو وزوجتــه وأولــاده معــه فصاحــت مــن شــدة الفــرح ووقعــت فــي
الــأرض مغشيــاً عليهــا فمــا زال حســن يلاطفهــا حتــى أفاقـــت وعانقتـــه ثـــم بكـــت وبعـــد ذلـــك نـــادت
===
غلمانـه وعبيـده وأمرتهـم أن يدخلــوا جميــع مــا معــه فــي الــدار فأدخلــوا الأحمــال فــي الــدار ثــم دخلــت
زوجتـه وأولـاده فقامــت لهــا أمــه وعانقتهــا وقبلــت رأسهــا وقبلــت قدميهــا وقالــت لهــا: يــا بنــت الملــك
الأكبـر أن كنـت أخطـأت فـي حقــك فهــا أنــا استغفــر اللــه العظيــم ثــم التفتــت إلــى ابنهــا وقالــت لــه: يــا
ولدي ما سبب هذه الغيبة الطويلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والثمانين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن أم حسنــاً لمــا قالــت لــه مــا هــذه الغيبــة فأخبرهــا بجميــع مــا جــرى
لــه مــن أولــه إلــى آخــره فلمــا سمعــت كلامــه صرخــت صرخـــة عظيمـــة ووقعـــت فـــي الـــأرض مغشيـــاً
عليهـا مـن ذكـر مـا جـرى لولدهـا فلـم يـزل يلاطفهـا حتـى أفاقــت وقالــت لــه يــا ولــدي واللــه لقــد فرطــت
فـي القضيـب والطاقيـة فلـو كنـت احتفظـت عليهمــا وأبقيتهمــا لكنــت ملكــت الــأرض بطولهــا والعــرض
ولكن الحمد لله يا ولدي على سلامتك أنت وزوجتك وأولادك وباتوا في أهنا ليلة وأطيبها.
فلمـا أصبـح الصبـاح غيـر مــا عليــه مــن الثيــاب ولبــس بدلــة مــن أحســن القمــاش ثــم خــرج إلــى الســوق
وصـار يشتــري العبيــد والجــواري والقمــاش والشــيء النفيــس مــن الحلــي والحلــل والفــراش ومــن الأوانــي
===
المثمنـة التـي لا يوجـد مثلهـا إلا عنـد الملـوك ثـم اشتــرى الــدور والبساتيــن والعقــارات وغيــر ذلــك وأقــام
هـو وأولـاده وزوجتـه ووالدتـه فـي أكـل وشـرب ولـذة ولـم يزالـوا فــي أرغــد عيــش وأهنــاه حتــى أتاهــم
هازم اللذات ومفراق الجماعات فسبحان ذي الملك والملكوت وهو الحي الباقي الذي لا يموت.
===
حكاية مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف
وممـا يحكـى أنـه كـان فـي قديـم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان رجــل تاجــر اسمــه مســرور وكــان ذلــك
الرجـل مـن أحسـن أهـل زمانـه كثيـر المــال مرفــه الحــال ولكنــه كــان يحــب النزهــة فــي الريــاض والبساتيــن
ويتلهـى بهـوى النسـاء الملـاح فاتفـق إنـه كـان نائمـاً فـي ليلـة مـن الليالـي فـرأى فـي نومـه أنـه فــي روضــة مــن
أحســن الريـــاض وفيهـــا أربـــع طيـــور مـــن جملتهمـــا حمامـــة بيضـــاء مثـــل الفضـــة المجليـــة فأعجبتـــه تلـــك
الحمامـة وصـار فـي قلبـه منهـا وجـد عظيـم وبعــد ذلــك رأى أنــه نــزل عليــه طائــر عظيــم خطــف تلــك
الحمامــة مــن يــده فعظـــم ذلـــك عليـــه ثـــم بعـــد ذلـــك انتبـــه مـــن نومـــه فلـــم يجـــد الحمامـــة فصـــار يعالـــج
أشواقه إلى الصباح فقال في نفسه لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذه المنام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملـــك السعيـــد أن مســـرور التاجـــر لمـــا انتبـــه مـــن نومـــه صـــار يعالـــج أشواقـــه إلـــى
الصبـاح وقـال لا بـد أن أروح اليــوم إلــى مــن يفســر لــي هــذا المنــام فقــام يمشــي إلــى أن بعــد عــن منزلــه
فلـم يجـد مـن يفسـر لـه هــذا المنــام ثــم بعــد ذلــك طلــب الرجــوع إلــى منزلــه فبينمــا هــو فــي الطريــق إذا
===
خطــر ببالــه أن يمــر علــى دار مــن دور التجــار وكانــت تلــك الــدار لبعــض الأغنيـــاء فلمـــا وصـــل إليهـــا
وإذا به يسمع بها صوت أنين من كبد حزين وهو ينشد هذه الأبيات:
نسيم الصبا هبت لنا من رسومها معطـرة يشفـي العليـل شميمهــا
وقفـت بأطلـال دوارس سائـلاً وليس يجيب الدمع إلا رميمها
فقلت نسيم الريح باللـه خبـري هل الدار هذي قد يعود نعيمها
وأحظى بظبي مال بي لين قده وأجفانه الوسنا ضناني سقيمها
فلمـا سمـع مسـرور ذلـك الصـوت نظـر فـي داخـل البيــت فــرأى روضــة مــن أحســن الريــاض فــي باطنهــا
ستــر مــن ديبــاج أحمــر مكلــل بالــدر والجوهــر وعليــه مــن وراء الستـــر أربـــع جـــوار بينهـــن صبيـــة دون
الخماسيـة وفـوق الرباعيـة كأنهـا البـدر المنيــر والقمــر المستديــر بعينيــن كحيلتيــن وحاجبيــن مقرنيــن وفــم
كأنـه خاتـم سليمـان وشفتيـن وأسنــان كالــدر والمرجــان وهــي تسلــب العقــول بحسنهــا وجمالهــا وقدهــا
واعتدالهـا فلمـا رآهـا مسـرور دخـل الـدار وبالـغ فـي الدخـول حتـى وصــل إلــى الستــر فرفعــت رأسهــا
إليه ونظرته فعند ذلك سلم عليها فردت عليه السلام بعذوبة الكلام.
فلمـــا نظرهـــا وتأملهـــا طـــاش عقلـــه وذهـــب قلبـــه ونظـــر إلـــى الروضـــة وكانــــت مــــن الياسميــــن المنثــــور
والبنفســـج والـــورد والنارنـــج وجميـــع مـــا يكـــون فيهـــا مـــن المشمـــوم وقــــد توشحــــت جميــــع الأشجــــار
===
بالأثمــار وفــي تلــك الروضــة طيــور مــن قمــري وحمــام وبلبــل ويمـــام وكـــل طيـــر يغـــرد بصوتـــه والصبيـــة
تتمايـل فـي حسنهـا وجمالهـا وقدهـا واعتدالهـا يفتتـن بهـا كــل مــن رآهــا ثــم قالــت أيهــا الرجــل مــا الــذي
أقدمــك علــى دار غيــر دارك وعلـــى جـــوار غيـــر جـــوارك مـــن غيـــر إجـــازة أصحابهـــا فقـــال لهـــا: يـــا
سيدتــــي رأيــــت هــــذه الروضــــة فأعجبنــــي حســــن اخضرارهــــا وفيــــح أزهارهــــا وترنــــم أطيارهــــا
فدخلتهـا لأتفـرج فيهـا ساعـة مـن الزمـان وأروح إلــى حــال سبيلــي فقالــت لــه حبــاً وكرامــة. فلمــا سمــع
مســرور التاجـــر كلامهـــا ونظـــر إلـــى ظرفهـــا ورشاقـــة قدهـــا تحيـــر مـــن حسنهـــا وجمالهـــا ومـــن لطافـــة
الروضة والطير فطار عقله من ذلك وصار متحيراً في أمره وأنشد هذه الأبيات:
قمري تبدي فـي بديـع محاسـن بيــن الربـــا والـــرواح والريحـــان
والــآس والنسريــن ثــم بنفســـج فاحت روائحه مـن الأغصـان
يا روضة كملت بحسن صفاتها وحـوت جميـع الزهــر والأفنــان
فالبدر يجلي تحت ظل غصونها والطيـر تنشـد أطيـب الألحــان
قمريهـــــا وهزارهـــــا ويمامهـــــا وكذا البلابل هيجت أشجاني
وقـف الغـرام بمهجتـي متحيــراً فـي حسنهـا كتحيـر السكــران
فلمـا سمعـت زيـن المواصــف شعــر مســرور نظــرت إليــه نظــرة أعقبتهــا ألــف حســرة وسلبــت بهــا عقلــه
===
لا ترتجـى وصـل التــي علقتهــا وأقطـع مطامعـك التـي أماتهــا
وذر الذي ترجوه أنك لم تطـق صد التي في الغانيات عشقتها
تجنى على العشاق الحاظي ولم تعظـم علــى مقالــة قــد قلتهــا
فلمـا سمـع مسـرور كلامهـا تجلـد وكتـم أمرهـا فـي سـره وتنكــر وقــال فــي نفســه مــا للبليــة إلا الصبــر ثــم
دامــوا علــى ذلــك إلــى أن هجــم الليــل فأمــرت بحضــور المائــدة فحضــرت بيــن أيديهمــا وفيهــا مــن سائـــر
الألـوان مــن السمانــي وأفــراخ الحمــام ولحــوم الضــأن فأكــلا حتــى اكتفيــا ثــم أمــرت برفــع الموائــد فرفعــت
وحضــرت آلــات الغســل فغســلا أيديهمـــا ثـــم أمـــرت بوضـــع الشمعدانـــات فوضعـــت وجعـــل فيهـــا شمـــع
الكافــور ثــم بعــد ذلــك قالــت زيــن المواصــف واللــه أن صــدري ضيــق فــي هــذه الليلـــة لأنـــي محمومـــة
فقــال لهــا مســرور شــرح اللــه صــدرك وكشــف غمــك فقالــت يــا مســرور أنـــا معـــودة بلعـــب الشطرنـــج
فهـل تعـرف فيــه شيئــاً قــال أنــا عــارف بــه. فقدمتــه بيــن أيديهمــا وإذا هــو مــن الآبنــوس مقطــع بالعــاج
له رقعة مرقوقة بالذهب الوهاج وحجارته من درٍ وياقوت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد السبعمائة
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنهــا لمــا أمــرت بإحضـــار الشطرنـــج أحضـــروه بيـــن أيديهمـــا فلمـــا رآه
مســرور حــار فكــره فالتفتــت إليــه زيــن المواصــف وقالـــت لـــه: هـــل تريـــد الحمـــر أم البيـــض فقـــال: يـــا
سيـدة الملـاح وزيـن الصبــاح خــذي أنــت الحمــر لأنهــم ملــاح ولمثلــك أملــح ودعــي لــي الحجــارة البيــض.
فقالــت: رضيــت بذلــك. فأخــذت الحمــر وصفتهــا مقابــل البيــض ومــدت يديهــا إلــى القطــع تنقـــل فـــي
الميـــدان فنظـــر إلـــى أناملهـــا فرآهـــا كأنهـــا مـــن عجيـــن فاندهـــش مســــرور مــــن حســــن أناملهــــا ولطــــف
شمائلهـا فالتفتـت إليــه وقالــت: يــا مســرور لا تندهــش وأصبــر وأثبــت فقــال لهــا يــا ذات الحســن الــذي
فضح الأقمار إذا نظرك المحب كيف يكون له اصطبار.
فبينمــا هــو كذلــك وإذا هــي تقـــول لـــه: الشـــاه مـــات فغلبتـــه عنـــد ذلـــك وعلمـــت زيـــن المواصـــف أنـــه
بحبهــا مجنــون فقالــت لــه يــا مســرور لا ألعــب معــك إلا برهــن معلــوم وقـــدر مفهـــوم. فقـــال لهـــا: سمعـــاً
وطاعــةً. فقالــت لــه أحلــف لــي وأحلــف لــك أن كــلا منــا لا يغــدر صاحبــه. فحلفــا معــاً علــى ذلــك
فقالـت لـه: يـا مسـرور إن غلبتـك أخـذت منـك عشـرة دنانيــر وأن غلبتنــي فأعمــل معــي مــا تريــد فظــن
أنه يغلبها. فقال لها: يا سيدتي لا تخشي في يمينك فإني أراك أقوى مني في اللعب.
فقالــت لــه: رضيــت بذلــك وصـــار يلعبـــان ويتسابقـــان بالبيـــادق وألحقهـــم بالإفـــراز وصفتهـــم وقرتهـــم
بالرخـــاخ وسمحـــت النفـــس بتقديـــم الأفـــراس وكـــان علـــى رأس زيـــن المواصـــف وشــــاح مــــن الديبــــاج
===
الــأزرق فرفعتــه عـــن رأسهـــا وشمـــرت عـــن معصـــم كأنـــه عمـــود مـــن نـــور ومـــرت بكفهـــا علـــى القطـــع
الحمـــر وقالـــت لـــه خـــذ حـــذرك فاندهـــش مســـرور وطـــار عقلـــه وذهـــب لبـــه ونظـــر إلــــى رشاقتهــــا
ومعانيهــا فاحتــار وأخــذه الأنبهــار فمــد يــده إلــى البيــض فراحــت إلــى الحمــر فقالــت: يـــا مســـرور أيـــن
عقلك الحمر لي والبيض لك فقال لها: إن من ينظر إليك يشرد عقله.
فلمـا نظـرت زيــن المواصــف إلــى حالــه أخــذت منــه البيــض وأعطتــه الحمــر فلعــب بهــا فغلبتــه ولــم يــزل
يلعـب معهـا وهـي تغلبـه ويدفـع لهـا فـي كـل مــرة عشــرة دنانيــر فلمــا عرفــت زيــن المواصــف أنــه مشغــول
بهواهـا قالـت لـه: يــا مســرور مــا بقيــت تنــال مــرادك إلا إذا كنــت تغلبنــي كمــا هــو شرطــك ولا بقيــت
ألعــب معــك فــي كــل مــرة إلا بمائــة دينـــار. فقـــال لهـــا حبـــاً وكرامـــة فصـــارت تلاعبـــه وتغلبـــه وتكـــرر
ذلـك وهـو فـي كـل مـرة يدفـع لهـا المائـة دينـار ودامـا إلـى الصبـاح وهـو لـم يغلبهـا أبــدا فنهــض قائمــاً علــى
أقدامـه فقالـت لـه مـا الـذي تريــد يــا مســرور قــال لهــا: أمضــي إلــى منزلــي وآتــي بمالــي لعلــي أنــل منــك
آمالي فقالت له: أفعل ما تريد مما بدا لك فمضى إلى منزله وأتاها بالمال جميعه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التسعين بعد السبعمائة
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيـــد أن مســـرور لمـــا مضـــى إلـــى منزلـــه وأتـــى لهـــا بالمـــال جميعـــه صـــار
يلعــب معهــا وهــي تغلبــه ولــم يقــدر أن يغلبهــا دوراً واحــداً ولــم يــزالا كذلــك ثلاثــة أيــامٍ حتــى أخـــذت
منـــه جميـــع مالـــه فلمـــا نفـــد مالـــه قالـــت لـــه: يـــا مســـرور مــــا الــــذي تريــــد قــــال ألاعبــــك علــــى دكــــان
العطــارة قالــت لــه كــم يســاوي تلــك الدكــان قــال خمسمائــة دينــار فنلعــب بهــا خمســـة أشـــواط فغلبتـــه
ثـم لعـب معهـا بهـا علـى الجــواري والعقــارات والبساتيــن والعمــارات فأخــذت منــه ذلــك كلــه وجميــع مــا
يملكه وبعد ذلك التفتت إليه وقالت له: هل بقي معك شيء من المال تلعب به.
فقـال لهــا: وحــق مــن أوقعنــي معــك فــي شــرك المحبــة مــا بقيــت يــدي تملــك شــيء مــن المــال وغيــره لا
قليــلاً ولا كثيــراً. فقالــت لــه: كــل شــيء يكــون أولــه رضـــاً لا يكـــون آخـــره ندامـــة فـــإن كنـــت ندمـــت
فخـذ مالـك واذهـب عنـا إلــى حــال سبيلــك وأنــا أجعلــك فــي حــل مــن قبلــي قــال مســرور وحــق مــن
قضـى علينــا بهــذه الأمــور لــو أردت أخــذ روحــي لكانــت قليلــة فــي رضــاك فمــا عشــق قلبــي أحــداً
ســـواك فقالـــت: يـــا مســـرور حينئـــذ اذهـــب وأحضـــر القاضـــي والشهـــود واكتـــب لـــي جميــــع الأملــــاك
والعقارات.
فقـــال: حبـــاً وكرامـــة ثـــم نهـــض قائمــــاً فــــي الوقــــت والساعــــة وأتــــى بالقاضــــي والشهــــود وأحضرهــــم
عندهـــا فلمـــا رآهـــا القاضـــي طـــار عقلـــه وذهـــب لبـــه وتبلبـــل خاطـــره مـــن حســـن أناملهـــا وقـــال: يـــا
===
سيدتـــي لا أكتـــب الحجـــة إلا بشـــروط أن تشتـــر العقـــارات والجـــواري والأملـــاك وتصيــــر كلهــــا تحــــت
تصرفـــك وفـــي حيازتـــك. فقالـــت: قـــد اتفقنـــا علـــى ذلـــك فاكتـــب لـــي حجـــة بــــأن ملــــك مســــرور
وجواريــه ومــا تملكـــه يـــده ينقـــل إلـــى ملـــك زيـــن المواصـــف بثمـــن جملتـــه كـــذا وكـــذا فكتـــب القاضـــي
ووضع الشهود خطوطهم على ذلك وأخذت الحجة زين المواصف.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن زيــن المواصــف لمــا أخــذت الحجــة مــن القاضــي مشتملــة علــى أن
جميـع مـا كـان ملكـاً لمسـرور صـار ملكـاً لهـا قالـت لــه: يــا مســرور اذهــب إلــى حــال سبيلــك فالتفتــت
جاريتها هبوب وقالت له أنشد شيئاً من الأشعار فأنشد في شأن لعب الشطرنج هذه الأبيات:
أشكر الزمان وما قد حل بي وجرى واشتكي الخسر والشطرنج والنظرا
في حب جاريةٍ غيـداء ناعمـةٍ ما مثلها في الورى أنثى ولا ذكرا
قد فرقت لي سهاماً من لواحظها وقدمت لي جيوشاً تغلب البشرا
حمراً وبيضاً وفرساناً مصادمةٍ فبادرتني وقالت لي خذ الحذرا
===
لم أستطع لخلاص البيض أنقلهـا والوجد صير مني الدمع منهمرا
بيـــادق ورخـــوخ مـــع فرازنـــة كرت فأدبر جيش البيض منكسرا
خيرتنــــــي بيــــــن العسكريــــــن فاخترت تلك الجيوش البيض مقتمرا
وقلت لهم هذه الجيوش البيض تصلح لي هم المراد وأما أنت فالحمرا
ولاعبتني على رهنٍ رضيت به ولم أكن عن رضاها أبلغ الوطرا
يا لهف قلبي ويا شوقي ويا حزني على وصـال فتـاة تشبـه القمـرا
ما القلب في حرقٍ كلا ولا أسف على عقاري ولكن يألف النظرا
وصرت حيران مبهوتاً على وجل أعاتب الدهر فيما تم لي وجرى
قالت فما لك مبهوتاً فقلت لها هل شارب الخمر يصحو عندما سكرا
أنسيـة سلبــت عقلــي بقامتهــا أن لان منها فؤاد يشبه الحجـرا
أطبعت نفسي وقلت اليوم أملكها على الرهان ولا خوفاً ولا حذرا
لا زال يطمع قلبي في تواصلهـا حتى بقيت على الحالين مفتقرا
===
فلمــا سمعــت زيــن المواصــف هــذه الأبيــات تعجبــت مـــن فصاحـــة لسانـــه وقالـــت لـــه: يـــا مســـرور دع
عنـك هـذا الجنـون وارجـع إلـى عقلـك وأمـض إلـى حـال سبيلـك فقـد أفنيـت مالـك وعقــارك فــي لعــب
الشطرنـج ولـم تحصــل غرضــك وليــس لــك جهــة مــن الجهــات توصلــك إليــه فالتفتــت مســرور إلــى زيــن
المواصـف وقـال لهـا يـا سيدتـي اطلبـي أي شـيءٍ ولـك كـل مـا تطلبينـه فإنـي أجــيء بــه إليــك وأحضــره
بيـن يديـك. فقالـت: يـا مسـرور مـا بقـي معـك شـيء مـن المـال فقــال لهــا: يــا منتهــى الآمــال إذا لــم يكــن
عنــدي شــيء مــن المــال تساعدنــي الرجــال فقالــت لــه: هــل الــذي يعطــي يصيــر مستطيعــاً فقــال لهـــا:
إن لي أقارب وأصحاباً ومهما طلبته يعطوني إياه.
فقالـــت لـــه أريـــد منـــك أربـــع نوافـــج مـــن المســـك الأذفـــر وأربـــع أواق مـــن الغاليـــة وأربعـــة أرطـــال مـــن
العنبـر وأربعـة آلـاف دينـار وأربـع مائـة حلـة مــن الديبــاج الملوكــي المزركــش فــإن كنــت يــا مســرور تأتــي
بذلـك الأمـر أبحـث لـك الوصـال. فقـال: هــذا علــي هيــن يــا مخجلــة الأقمــار ثــم أن مســرور أخــرج مــن
عندهــا ليأتيهــا بالــذي طلبتــه منــه فأرسلــت خلفــه هبـــوب الجاريـــة حتـــى تنظـــر قـــدره عنـــد النـــاس
الـذي ذكرهـم لهـا فبينمـا هـو يمشـي فـي شـوارع المدينـة إذ لاحـت منـه التفاتـة فـرأى هبــوب علــى بعــد
فوقف إلى أن لحقته.
فقــال لهــا: يــا هبــوب إلــى أيــن أنـــت ذاهبـــة فقالـــت لـــه أن سيدتـــي أرسلتنـــي خلفـــك مـــن أجـــل كـــذا
===
وكـذا. وأخبرتـه بمـا قالتـه لهـا زيـن المواصـف مــن أولــه إلــى آخــره. فقــال لهــا: واللــه يــا هبــوب أن يــدي
لا تملــك شيئــاً مــن المــال. قالــت لــه: فلــأي شــيء وعدتهــا فقــال: كــم مـــن وعـــد لا يفـــي بـــه صاحبـــه
والمطـل بالحـب لا بـد منـه. فلمـا سمعـت هبـوب ذلـك منـه قالـت لــه يــا مســرور طــب نفســاً وقــر عينــاً
واللــه لأكونــن سببــاً فــي اتصالــك بهــا ثــم أنهــا تركتــه ومشــت ومــا زالــت ماشيــة إلــى أن وصلـــت إلـــى
سيدتهــا فبكــت بكــاءً شديــداً وقالــت لهــا: يــا سيدتــي واللــه أنــه رجــل كبيـــر المقـــدار ومحتـــرم عنـــد
الناس.
فقالـت لهـا سيدتهـا: لا حيلـة فـي قضـاء اللـه تعالـى أن هـذا الرجـل مـا وجــد عندنــا قلبــاً رحيمــاً لأننــا
أخذنـا مالـه ولـم يجـد عندنـا مـودة ولا شفقـة فـي الوصـال وأن وصلنـه إلـى مــراده أخــاف أن يشيــع الأمــر
فقالـت لهــا هبــوب: يــا سيدتــي مــا سهــل علينــا حالــه وأخــذ مالــه ولكــن مــا عنــدك إلا أنــا وجاريتــك
سكـوب فمـن يقـدر أن يتكلـم منـا فيـك ونحـن جواريـك فعنـد ذلـك أطرقــت برأسهــا إلــى الــأرض فقــال
لهــا الجــواري يــا سيدتــي الــرأي عندنــا أن ترسلــي خلفــه وتنعمــي عليـــه ولا تدعيـــه يســـأل أحـــداً مـــن
اللئام فما أمر السؤال فقبلت كلام الجواري ودعت بدواةٍ وقرطاساً وكتبت هذه الأبيات:
دنا الوصل يا مسرور فأبشر بلا مطل إذا أسود جنح الليل فاتأت بالفعل
ولا تسأل الأنذال في المال يا فتى فقد كنت في سكرٍ وقد رد لي عقلي
===
لأنـك ذو صبــرٍ وفيــك حلــاوةً على جور محبوبٍ جفاك بلا عدل
فبادر لتحظى بالمنى ولك الهنا ولا تعط أهمالاً فيدري بنا أهلي
هلم إلينـا مسرعـاً غيـر مبطـئ وكل من ثمار الوصل في غيبة البعل
ثــم أنهــا طــوت الكتــاب وأعطتــه لجاريتهــا هبــوب ومضــت إلــى مســرور فوجدتــه يبكــي وينشــد قـــول
الشاعر:
وهب على قلبي نسيم من الجوى ففتت الأكباد من فرط لوعتي
لقـد زاد وجـدي بعـد أحبتـي وفاضت جفوني في تزايد عبرتي
وعندي من الأوهام ما أن أبح به لصنم الحصى والصخر لانت بسرعة
ألا ليت شعري هل أرى ما يسرني وأحظى بما أرجوه من نيل بغيتي
وتطوى ليالي الصد من بعد نشرها وأبرأ مما دخل القلب حلت صبوتي
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والتسعين بعد السبعمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن مسـروراً لمــا زاد بــه الهيــام صــار ينشــد الأشعــار وهــو فــي غايــة
===
الشـوق فبينمـا هـو يترنـم بتلـك الأبيـات ويرددهـا إذ سمعتـه هبـوب فطرقـت عليـه البـاب فقـام وفتــح لهــا
فدخلــت وناولتــه الكتــاب فأخــذه وقــرأه وقــال لهــا يــا هبــوب مـــا وراءك مـــن أخبـــار سيدتـــك فقالـــت
لــه يــا سيــدي أن فــي هــذا الكتــاب مــا يغنــي عــن رد الجــواب وأنــت مــن ذي الألبــاب ففـــرح مســـرور
فرحاً شديداً وأنشد هذين البيتين:
ورد الكتـاب فسرنـا مضمونــة وردت أني فـي الفـؤاد أصونـه
وازدادت شوقـاً عندمـا قبلتـه فكأنمــــا در الهــــوى مكنونـــــه
ثـم أنـه كتــب كتابــاً لهــا وأعطــاه لهبــوب فأخذتــه وأتــت بــه إلــى زيــن المواصــف فلمــا وصلــت إليهــا بــه
صــارت تشــرح لهــا محاسنــه وتذكــر أوصافــه وكرمــه وصــارت مساعــدة لـــه علـــى جمـــع شملـــه فقالـــت
لهـا زيـن المواصـف: يـا هبـوب أنـه أبطـأ عـن الوصـول إلينــا فقالــت لهــا هبــوب: إنــه سيأتــي سريعــاً فلــم
تستتــم كلامهــا وإذا بــه قــد أقبــل وطــرق البــاب ففتحــت لـــه وأخذتـــه وأجلستـــه عنـــد سيدتهـــا زيـــن
المواصـف فسلمـت عليـه ورجعـت بـه وأجلستـه إلـى جانبهـا ثـم قالـت لجاريتهـا هبـوب: هــات لــه بدلــة
مــن أحســن مــا يكــون فقامــت هبــوب وأتــت ببدلــةٍ مذهبــةٍ فأخذتهــا وأفرغتهــا عليـــه وأفرغـــت علـــى
سيدتهــا بدلــة أيضــاً مــن أفخــر الملابــس ووضعــت علــى رأسهــا سبيكــة مــن اللؤلــؤ الرطــب وربطـــت
علــى السبيكــة عصابــة مــن الديبـــاج مكللـــة بالـــدر والجوهـــر واليواقيـــت وأرخـــت مـــن تحـــت العصبـــة
===
سالفتيـن ووضعـت فـي كـل سالفـة ياقوتـة حمـراء مرقومـة بالذهـب الوهــاج وأرخــت شعرهــا كأنــه الليــل
الـداج وتبخـرت بالعـود وتعطـرت بالمسـك والعنبـر فقالــت لهــا جاريتهــا هبــوب: اللــه يحفظــك مــن العيــن
فصارت تمشي وتتبختر في خطواتها وتنعطف فأنشدت الجارية من بديع شعرها هذه الأبيات:
خجلت غصون البان من خطواتها وسطت على العشاق من لحظاتها
قمر تبدي في غياهب شعرها كالشمس تشرق في دجى وفراتها
طوبى لمـن باتـت تتيـه بحسنهـا ويمــوت فيهـــا حالفـــاً بحياتهـــا
فشكرتهــا زيــن المواصــف ثــم أنهــا أقبلــت علــى مســرور وهــي كالبـــدر المشهـــور فلمـــا رآهـــا مســـرور
نهـض قائمـاً علـى قدميـه وقـال: إن صـدق قلبـي فمـا هــي إنسيــة وإنمــا هــي مــن عرائــس الجنــة ثــم أنهــا
دعــت بالمائـــدة فحضـــرت ثـــم أنهـــم أكلـــوا وشربـــوا وتلـــذذوا وطربـــوا ورفعـــت سفـــرة الطعـــام وقدمـــوا
سفــرة المــدام ودار بينهــم الكــأس والطــاس وطابــت لهــم الأنفــاس ومــلأ الكــأس مســرور وقـــال: يـــا مـــن
أنـا عبدهـا وهـي سيدتـي فقالـت: يـا مسـرور كـل مـن تمســك بدينــه وأكــل خبزنــا وملحنــا وجــب حقــه
علينــا فخــل عنــك هــذه الأمــور وأنــا أرد عليــك أملاكــك وجميــع مــا أخذنــا منـــك فقـــال: يـــا سيدتـــي
أنـت فـي حـل ممـا تذكرينـه وأن كنـت غـدرت فـي اليميـن الـذي بينــي وبينــك فأنــا أروح وأصيــر مسلمــاً
فقالــت جاريتهــا هبــوب: يــا سيدتــي أنــت صغيــرة الســن وتعرفيــن كثيـــراً وأنـــا استشفـــع عنـــدك باللـــه
===
العظيـم فـإن لـم تطيعينـي وتجبــري خاطــري لا أنــام عنــدك فــي الــدار فقالــت لهــا: يــا هبــوب لا يكــون
إلا مــا تريدينــه قومــي جــددي لنــا مجلســاً فنهضــت الجاريــة هبــوب وجــددت مجلســـاً وزينتـــه وعطرتـــه
بأحســـن العطـــر كمـــا تحـــب وتختـــار وجهـــزت الطعـــام وأحضـــرت المـــدام ودار بينهـــم الكـــأس والطـــاس
طابت لهم الأنفاس وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد السبعمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن زيـــن المواصـــف لمـــا أمـــرت جاريتهــــا هبــــوب بتجديــــد مجلــــس
الأنــس قامـــت وجـــددت الطعـــام والمـــدام ودار بينهـــم الكـــأس والطـــاس وطابـــت لهـــم الأنفـــاس فقالـــت
زيــن المواصــف: يــا مســرور قــد آن أوان اللقــاء والتدانــي فــإن كنــت لحبنــا تعانـــي فأنشـــيء لنـــا شعـــر
بديع المعاني فأنشد مسرور هذه القصيدة:
أسرت وفي قلبي لهيبٌ تضرما بحبل وصالٍ في الفراق تصرمـا
وحـب فتـاةٍ كـان قلبــي حبهــا وقد سلبت عقلي بخـدٍ تنعمـا
لها الحاجب المقرون والطرف أحور وثغرٍ يحاكي البرق حين تبسمـا
لها من سنين العمر عشر وأربع ودمعي حكى في حب هاتيك عندما
===
وقفت لها شبـه الأسيـر مهابـةً وقلت سلام الله يا ساكن الحمى
فردت سلامي عند ذلك رغبة بلطف حديث مثل در تنظما
وحين رأت قولي لديها تحققت مرامي وصار القلب منها مصمما
وقالت أما هذا الكلـام جهالـة فقلت لها كفي عن الصب ألوما
فإن تقبليني اليوم فالخطب هين فمثلـك معشوقـاً ومثلـى متيمـا
فلما رأت مني المـرام تبسمـت وقالت ورب خالق الأرض والسما
يهوديـــة أقســـى النهـــود ديتهـــا وما أنت إلا للنصارى ملازما
فكيف ترى وصلي ولست بملتي فإن تبع هذا الفعل تصبح نادما
وتلعب بالدينين هل حل في الهوى ويصبــح مثلــي بالملــام مكلمـــا
وتهوى به الأديان في كل وجهةٍ وتبقى على ديني ودينك محرما
وتحلــف بالإنجيــل قــولاً محققــاً لتحفظ سري في هواك وتكتما
وأحلف بالتوراة إيمـان صـادقٍ بأني على العهد الذي قد تقدما
===
وعاينت من تحت اللثام جمالها فصرت كئيب القلب والحال مغرما
فما زلت تحت الستر أخضع شاكياً كثيـر غـرام فـي الفـؤاد تحكمــا
فلما رأت حالي وفـرط تولهـي أمالت لي وجهاً ضاحكاً متبسما
وهبت لنا ريح الوصال وعرت نوافج عطر المسك جيداً ومعصما
وقد عبقت منها الأماكن كلهـا وقبلت من فيها رحيقاً ومبسما
ومالت كغصن البان تحت غلائل وحللت وصلا كان قبل محرما
وبتنا بجمع الشمل والشمل جامع بضم ولثم وارتشاف من اللمى
وما زينة الدنيا سوى من تحبه يكون قريباً منك كي تتحكمـا
فلما تجلى الصبح قامت وودعت بوجـه جميـل فائـق قمـر السمــا
وقد أنشدت عند الوداع ودمعها على الخد منثوراً وبعضها منظما
فلم أنس عهد الله ما عشت في الورى وحسن الليالي واليمين المعظمـا
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مســروراً لمــا أنشــد القصيــدة المذكــورة وسمعتهـــا زيـــن المواصـــف
أطربـــت وقالـــت لـــه: يـــا مســـرور مـــا أحســـن معانيـــك ولا عـــاش مـــن يعاديـــك ثــــم دخلــــت المقصــــورة
ودعـت بمسـرور فدخـل عندهـا واحتضنهـا وعانقهـا وقبلهــا وبلــغ منهــا مــا ظــن أنــه محــال وفــرح بمــا نــال
مــن طيــب الوصــال فعنــد ذلـــك قالـــت زيـــن المواصـــف لـــه: يـــا مســـرور أن مالـــك حـــرام علينـــا حلـــال
لـك لأننـا قــد صرنــا أحبابــاً ثــم أنهــا ردت إليــه كــل مــا أخذتــه مــن الأمــوال وقالــت لــه: يــا مســرور هــل
لك من روضة نأتي إليها ونتفرج عليها قال: نعم لي روضة ليس لها نظير.
ثـــم مضـــى إلـــى منزلـــه وأمـــر جواريـــه أن يصنعـــن طعامـــاً فاخـــراً وأن يهيئـــن مجلســــاً حسنــــاً وصحبــــة
عظيمــة ثــم أنــه دعاهــا إلــى منزلــه فحضـــرت هـــي وجواريهـــا فأكلـــوا وشربـــوا وتلـــذذوا وطربـــوا ودار
بينهــم الكــأس والطــاس وطابــت لهــم الأنفـــاس وخـــلا كـــل حبيـــب بحبيبـــه فقالـــت: يـــا مســـرور خطـــر
ببالــي شعــر رقيــق أريــد أن أقولـــه علـــى العـــود فقـــال لهـــا: قوليـــه فأخـــذت العـــود بيدهـــا وأصلحـــت
شأنه وحركت أوتاره وحسنت النغمات وأنشدت تقول هذه الأبيات:
قد مال بي طربٌ مـن الأوتـار وصفا الصبوح لنا لدى الأسحار
والحب يكشف عن فؤادٍ متيم فبــدا الهــوى بهتـــك الأستـــار
مع خمرة رقت بحسن صفاتها كالشمس تجلى في يد الأقمـار
===
فلمـــا فرغـــت مـــن شعرهـــا قالـــت: يـــا مســـرور أنشدنـــا شيئـــاً مـــن أشعــــارك ومتعنــــا بفواكــــه أثمــــارك
فأنشد هذين البيتين:
طربنـا علـى بـدرٍ يديـر مدامـةً ونغمة عود في ريـاض مقامنـا
وغنت قماريها ومالت غصونها سخيراً وفي أنحائها غاية المنـى
فلمــا فـــرغ مـــن شعـــره قالـــت لـــه زيـــن المواصـــف: أنشـــد لنـــا شعـــر فيمـــا رقـــع لنـــا أن كنـــت مشغـــولاً
بحبنا فقال حباً وكرامة وأنشد هذه القصيدة:
قــف واستمــع مــا جــرى لــي فــــي حـــــب هـــــذا الغزالـــــي
ريـــــــــــم رمانـــــــــــي بنبـــــــــــل ولحظــــــــــه قــــــــــد غزالــــــــــي
فتنـــــــــت عشقـــــــــاً وأنــــــــــي فـــي الحـــب ضـــاق احتيالـــي
هويـــــــــــــــت ذات دلــــــــــــــــالٍ محجوبــــــــــــــــة بالنصـــــــــــــــــال
أبصرتهـــــــــا وســــــــــط روضٍ وقدهــــــــــــــا ذو اعتــــــــــــــدال
سلمـــــــت قالـــــــت سلامـــــــاً لمـــــــــا صنعــــــــــت لمقالــــــــــي
سألــــت مــــا الاســــم قالــــت اسمــــــــي وفـــــــــاق جمالـــــــــي
===
قالــــت فـــــإن كنـــــت تهـــــوى وطامعـــــــاً فــــــــي وصالــــــــي
أريــــــــــد مـــــــــــالاً جزيـــــــــــلاً يفـــــــــــــوق كـــــــــــــل نـــــــــــــوال
أريـــــــــــد منــــــــــــك ثيابــــــــــــاً مــــــــــن الحريــــــــــر الغوالــــــــــي
وربــــــــع قنطـــــــــار مســـــــــكٍ برســـــــــم ليـــــــــل وصالــــــــــي
ولؤلــــــــــــــــــــؤ وعقيقـــــــــــــــــــــاً مـــــــــن النفيـــــــــس الغالــــــــــي
وفضــــــــــــــــــة ونضـــــــــــــــــــار مــــــــــن الحلــــــــــي الحوالـــــــــــي
أظهـــــــرت صبــــــــراً جميــــــــلاً علـــــــى عظيـــــــم اشتغالــــــــي
فأنعمـــــــــت لـــــــــي بوصـــــــــلٍ فيـــــــا لــــــــه مــــــــن وصــــــــال
أن لامنــــــــي الغيــــــــر فيهـــــــــا أقــــــــــــول يــــــــــــا للرجـــــــــــــال
لهــــــــــا شعـــــــــــور طـــــــــــوالٍ والــــــــــــوزن وزن الليالــــــــــــي
وخدهـــــــــــــــا فيـــــــــــــــه وردٌ مثــــل اللظــــى فــــي اشتعـــــال
وجفنهـــــــــا فيـــــــــه سيـــــــــفٌ ولحظهـــــــــــــــــا كالمنبـــــــــــــــــال
===
وصدرهــــــــــــــا كرخـــــــــــــــامٍ ونهدهـــــــــــــــــا كالقلــــــــــــــــــال
وبطنهـــــــــــا فيـــــــــــه طــــــــــــي معطــــــــــــــــــر بالغوالـــــــــــــــــــي
وتحـــــــــت ذلـــــــــك شــــــــــيءٌ لـــــــــــه انتهــــــــــــت آمالــــــــــــي
مربــــــــــــــــــوب وسميـــــــــــــــــــنٌ مكلثـــــــــــم يــــــــــــا موالــــــــــــي
كأنـــــــــــه تخــــــــــــت ملــــــــــــكٍ عليــــــــك أعــــــــرض حالــــــــي
بيـــــــــن العموديـــــــــن تلقــــــــــى مصاطبـــــــــــــــــاً بتعالـــــــــــــــــي
لكنــــــــــه فيــــــــــه وصـــــــــــفٌ يدهــــــــي عقــــــــول الرجــــــــال
لــــــــــــه شفـــــــــــــاه كبـــــــــــــارٍ ونفــــــــــــــــــــرةٌ كالبغــــــــــــــــــــال
يبـــــــــــدو بحمـــــــــــرة عيـــــــــــنٍ ومشفـــــــــــــــــرٌ كالجمـــــــــــــــــال
إذا أتيــــــــــــــــــــت إليــــــــــــــــــــه بهمـــــــــــةٍ فــــــــــــي الفعــــــــــــال
تلقــــــــــاه حـــــــــــر الملاقـــــــــــي بقــــــــــــــــــــوةٍ واحتفـــــــــــــــــــــال
يــــــــــــرد كــــــــــــل شجــــــــــــاعٍ محلــــــــــول عـــــــــــزمٍ القتـــــــــــال
===
أتيــــــــــــت ليــــــــــــلاً إليهــــــــــــا ونلــــــــت شيئـــــــــاً حلالـــــــــي
وليلــــــــــــةً بــــــــــــت معهــــــــــــا فاقــــــــت جميـــــــــع الليالـــــــــي
لمـــــا أتـــــى الصبـــــح قامــــــت ووجههـــــــــــــــــا كالهلـــــــــــــــــال
تهــــــــــــز منهــــــــــــا قوامـــــــــــــاً هـــــــــز الرمــــــــــاح الغوالــــــــــي
وودعتنـــــــــــــــي وقالــــــــــــــــت متــــــــــى تعــــــــــود الليالـــــــــــي
فقلــــــت يــــــا نـــــــور عينـــــــي إذا أردت تعالــــــــــــــــــــــــــــــــي
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والتسعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مســرور لمــا انتهــى مــن إنشــاده القصيــدة طربـــت زيـــن المواصـــف
طربــاً عظيمــاً وحصــل لهــا غايــة الإنشــراح وقالــت: يــا مســـرور قـــد دنـــا الصبـــاح ولـــم يبـــق إلا الـــرواح
خوفـاً مـن الإفتضـاح فقــال: حبــاً وكرامــة ثــم نهــض علــى قدميــه وأتــى بهــا إلــى أن أوصلهــا إلــى منزلهــا
ومضـى إلـى محلـه وبـات يفكـر فـي محاسنهـا. فلمــا أصبــح الصبــاح وأضــاء بنــوره ولــاح هيــأ لهــا هديــةً
فاخرةً وأتى بها إليها وجلس عندها وأقام على ذلك مدة أياماً وهما في أرغد عيش وأهنأه.
===
ثـم أنـه ورد عليهـا فـي بعـض الأيـام كتـاب مـن عنــد زوجهــا مضمونــه أنــه يصــل إليهــا عــن قريــب فقالــت
فــي نفسهــا لا سلمــه اللــه ولا حيــاه لأنــه إن وصــل إلينــا تكــدر علينــا عيشنــا يــا ليتنـــي كنـــت يئســـت
منـه فلمـا أتـى إليهــا مســرور جلــس يتحــدث معهــا علــى العــادة فقالــت لــه: يــا مســرور قــد ورد علينــا
كتابـاً مـن عنـد زوجـي مضمونـه أنـه يصــل إلينــا مــن سفــره عــن قريــبٍ فكيــف يكــون العمــل ومــا لأحــدٍ
منــا عــن صاحبــه صبـــر فقـــال لهـــا: لســـت أدري مـــا يكـــون بـــل أنـــت أخبـــر وأدرى بأخلـــاق زوجـــك
ولا سيمـا أنـت مـن أعقـل النســاء صاحبــة الحيــل التــي تحتــال بشــيءٍ تعجــز عــن مثلــه الرجــال فقالــت:
إنـه رجـلٌ صعــبٌ ولــه غيــرةٌ علــى أهــل بيتــه ولكــن إذا قــدم مــن سفــره وسمعــت بقدومــه فأقــدم عليــه
وسلــم واجلــس إلــى جانبــه وقــل لــه: يــا أخــي أنــا رجــلٌ عطــارٌ واشتــر منــه شيئــاً مــن أنــواع العطـــارة
وتــردد عليــه مــراراً وأطـــل معـــه الكلـــام ومهمـــا أمـــرك بـــه فـــلا تخالفـــه فيـــه فلعـــل مـــا احتـــال بـــه يكـــون
مصادفــا فقــال لهــا: سمعــاً وطاعــةً وخــرج مســرور مــن عندهــا وقـــد اشتعلـــت فـــي قلبـــه نـــار المحبـــة
فلمـا وصـل زوجهـا إلــى الــدار فرحــت بوصولــه ورحبــت بــه وسلمــت عليــه فنظــر فــي وجههــا فــرأى
فيــه لــون الاصفــرار وكانــت غسلــت وجههــا بالزعفــران وعملــت فيــه بعـــض حيـــل النســـاء فســـأل عـــن
حالهــا فذكــرت لــه أنهــا مريضــة مــن وقــت مــا سافــرت هــي والجــواري وقالــت لـــه: إن قلوبنـــا مشغولـــةٌ
عليــك لطــول غيابــك وصــارت تشكــو إليــه مشقـــة الفـــراق وتبكـــي بدمـــعٍ مهـــراق وتقـــول لـــه: لـــو كـــان
===
معــك رفيــق مــا أحمــل قلبــي هــذا الهــم كلــه فباللــه عليــك يــا سيــدي مــا بقيــت تسافـــر إلا برفيـــقٍ ولا
تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والتسعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زيــن المواصــف لمــا قالــت لزوجهــا لا تسافــر إلا برفيــق ولا تقطـــع
عنــي أخبــارك لأجــل أن أكــون مطمئنــة القلــب والخاطــر عليــك قــال لهــا: حبــاً وكرامـــة واللـــه أن أمـــرك
رشيـدٌ ورأيـك سديـدٌ وحياتـك علـى قلبـي مـا يكـون إلا مـا تريدينـه ثـم أنــه خــرج بشــيء مــن بضاعتــه
إلــى دكانــه وفتحهــا وجلــس يبيــع فــي الســوق فبينمــا هــو فــي دكانــه وإذا بمســرور أقبـــل وسلـــم عليـــه
وجلــس إلــى جانبــه وصــار يحييــه ومكــث يتحــدث معــه ساعــةً ثــم أخــرج كيســاً وحلـــه وأخـــرج منـــه
ذهبـاً ودفعـه إلـى زوج زيـن المواصـف وقـال لـه: أعطنـي بهـذه الدنانيـر شــيءٌ مــن أنــواع العطــارة لأبيعــه
فــي دكانــي فقــال لــه سمعــاً وطاعــةً ثــم أعطــاه الــذي طلبــه وصــار مســرور يتــردد عليــه أيامــاً فالتفــت
إليـه زوج زيـن المواصــف وقــال لــه: أنــا مــرادي رجــلٌ أشاركــه فــي المتجــر فقــال لــه مســرور أنــا الأخــر
مرادي رجـل أشاركـه فـي المتجـر لـأن أبـي كـان تاجـراً فـي اليمـن وخلـف مـالاً عظيمـاً وأنـا خائـفٌ علـى
===
ذهابــه فالتفــت إليــه زوج زيــن المواصــف وقــال لــه: هــل لــك أن تكــون رفيقــاً لـــي وصاحبـــاً وصديقـــاً
فــي السفــر والحضــر وأعلمــك البيــع والشــراء والأخــذ والعطــاء فقــال لــه مســرور: حبــاً وكرامــة ثــم أنــه
أخـذه وأتــى بــه إلــى منزلــه وأجلســه فــي الدهليــز ودخــل إلــى زوجتــه زيــن المواصــف وقــال لهــا: أنــي
رافقـت رفيقـاً ودعوتـه إلـى الضيافـة فجهـزي لنـا ضيافـةً حسنــةً ففرحــت زيــن المواصــف وعرفــت أنــه
مسرور حين تم تدبير حياتها.
فلمــا حضــر مســرور فــي دار زوج زيــن المواصــف قــال لهــا: اخرجـــي إليـــه ورحبـــي بـــه وقولـــي لـــه:
آنستنـا فغضبـت زيـن المواصـف وقالـت: تحضرنـي قـدام رجـلٍ غريـب أجنبـي أعـوذ باللـه ولــو قطعتنــي
قطعـاً مـا أحضـر قدامـه فقـال لهـا زوجهـا: لـأي شــيءٍ تستحيــن منــه وهــو نصرانــي ونحــن يهــود ونصيــر
أصحابــاً فقالــت: أنــا مــا أشتهــي أن أحضــر قــدام الرجـــل الأجنبـــي الـــذي مـــا نظرتـــه عينـــي قـــط ولا
أعرفــه فظــن زوجهــا أنهــا صادقــةٌ فــي قولهــا ولــم يــزل يعالجهــا حتــى قامــت وتلفلفــت وأخــذت الطعــام
وخرجـت إلـى مسـرور ورحبـت بـه فأطـرق رأسـه إلـى الـأرض كأنـه مستــحٍ فنظــر إلــى إطراقــه وقــال:
لا شــك إن هــذا زاهــدٌ فأكلــوا كفايتهـــم ثـــم رفعـــوا الطعـــام وقدمـــوا المـــدام فجلســـت زيـــن المواصـــف
قبـال مســرور وصــارت تنظــره وينظرهــا إلــى أن مضــى النهــار فانصــرف مســرور إلــى منزلــه والتهبــت
في قلبه النار وأما زوج زين المواصف فإنه صار مفتكر في لطف صاحبه وفي حسنه.
===
فلمـا أقبـل الليـل قدمـت إليـه زوجتــه طعامــاً ليتعشــى كعادتــه وكــان عنــده فــي الــدار طيــراً هــزاراً إذا
جلــس يأكــل يأتــي ذلــك الطيــر ويأكــل معــه ويرفــرف علــى رأســه وكــان ذلــك يطيــر قــد ألــف مســـروراً
فصـار يرفــرف عليــه كلمــا جلــس علــى الطعــام فحيــن غــاب مســرور وحضــر صاحبــه لــم يعرفــه ولــم
يقـرب منـه فصـار مفتكـراً فـي أمـر ذلــك الطيــر وفــي بعــده عنــه وأمــا زيــن المواصــف فإنهــا لــم تنــم بــل
صـار قلبهـا مشغـولاً بمسـرور واستمـر ذلـك الأمـر إلـى ثانـي ليلـةٍ وثالـث ليلـةٍ ففهــم اليهــودي أمرهــا ونقــد
عليهـا وهــي مشغولــة البــال فأنكــر عليهــا وفــي رابــع ليلــةٍ انتبــه مــن منامــه نصــف الليــل فسمــع زوجتــه
تلهــج فــي منامهــا بذكــر مســرور وهــي نائمــةٌ فــي حضنــه فأنكــر ذلــك عليهــا وكتـــم أمـــره فلمـــا أصبـــح
الصبــاح ذهــب إلــى دكانــه وجلــس فيهــا فبينمــا هــو جالــسٌ وإذا بمســرور قــد أقبــل وسلــم عليــه فــرد
عليه السلام وقال: مرحباً يا أخي ثم قال: إني مشتاقٌ إليك وجلس يتحدث معه ساعةً زمانيةً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مســرور جلــس مــع اليهــودي ساعــةً ثــم قــال لــه اليهــودي: قــم يــا
أخـــي إلـــى منزلـــي حتـــى نعقـــد المؤاخـــاة فقـــال مســـرور: حبـــاً وكرامـــة فلمـــا وصـــل إلـــى المنـــزل تقـــدم
===
اليهــودي وأخبــر زوجتــه بقــدوم مســرور وأنــه يريــد أن يتجــر هــو وإيــاه ويؤاخيــه وقــال لهــا: هيئـــي لنـــا
مجلسـاً حسنـاً ولا بــد أنــك تحضريــن معنــا وتنظريــن المؤاخــاة فقالــت لــه: باللــه عليــك لا تحضرنــي قــدام
هــذا الرجــل الغريــب فمــا لــي غــرض أحضــر قدامــه فسكــت عنهـــا وأمـــر الجـــواري أن يقدمـــن الطعـــام
والشراب ثم إنه استدعى بالطير الهزار فنزل في حجر مسرور ولم يعرف صاحبه.
فعنــد ذلــك قــال لــه: يــا سيــدي مــا اسمـــك قـــال: مســـرور والحـــال أن زوجتـــه طـــول الليـــل تلهـــج فـــي
منامهــا بهــذا الاســم ثــم رفــع رأســه فنظرهــا وهــي تشيــر إليــه وتغمــزه بحاجبهــا فعــرف أن الليلــة قـــد
تمـت إليـه فقـال: يـا سيـدي أمهلنـي حتـى أجـيء بأولـاد عمـي يحضـروه المؤاخـاة فقـال لــه مســرور: أفعــل
ما بدا لك فقام زوج زين المواصف وخرج من المجلس.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد السبعمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زوج زيــن المواصــف قــال لمســرور: أمهلنــي حتــى أجــيء بأولــاد
عمـي ليحضـروا وأعقـد المؤاخـاة بينـي وبينــك ثــم مشــى وجــاء مــن وراء المجلــس ووقــف وكــان هنــاك
طاقــةٌ تشــرف عليهمــا فجــاء إليهــا وصــار ينظرهمــا منهــا وهمــا لايذكرانــه وإذا بزيــن المواصـــف قالـــت
===
لجاريتهــــا هبــــوب: أيــــن راح سيــــدك قالــــت: خــــارج الــــدار فقالـــــت لهـــــا: أغلقـــــي البـــــاب ومكنيـــــه
بالحديــد ولا تفتحــي لــه حتــى يــدق البـــاب بعـــد أن تخبرينـــي قالـــت الجاريـــة: وهـــو كذلـــك كـــل ذلـــك
وزجهــا يعايـــن حالهـــم ثـــم أن زيـــن المواصـــف أخـــذت الكـــأس وطيبتـــه بمـــاء الـــورد وسحيـــق المســـك
وجـاءت إلـى مسـرور فقــام لهــا وتلقــاه وقــال لهــا: واللــه أن ريقــك أحلــى مــن الشــراب وصــارت تسقيــه
ويسقيهــا وبعــد ذلــك رشتــه بمــاء الــورد مــن فوقــه إلــى قدمــه حتــى فاحــت رائحتــه فــي المجلـــس كـــل
ذلــك وزوجهــا ينظــر إليهمــا ويتعجــب مــن شــدة الحــب الــذي بينهمــا وقــد امتـــلأ قلبـــه غيظـــاً ممـــا قـــد
رآه ولحقـه الغضـب وغـار غيــرةً عظيمــةً فأتــى إلــى البــاب فوجــده مغلقــاً فطرقــه طرقــاً قويــاً مــن شــدة
غيظـه فقالـت الجاريـة: يـا سيدتـي قـد جـاء سيــدي فقالــت: افتحــي لــه البــاب فــلا رده اللــه بسلامــةٍ
فمضـت هبـوب إلـى البـاب وفتحتـه فقـال لهـا: مالـك تغلقيـن البـاب قالــت: هكــذا فــي غيابــك لــم يــزل
مغلقـــاً ولا يفتـــح ليـــلاً ولانهـــاراً فقـــال: أحسنـــت فإنـــه يعجبنـــي ذلـــك ثـــم دخـــل علــــى مســــرور وهــــو
يضحـك ولكنـه كتـم أمـره وقـال لــه: يــا مســرور دعنــا مــن المؤاخــاة فــي هــذا اليــوم فقــال سمعــاً وطاعــةً
أفعـل مـا تريـد فعنـد ذلــك مضــى مســرور إلــى منزلــه وصــار زوج زيــن المواصــف مفتكــراً فــي أمــره لا
يــدري مــا يصنــع وصــار خاطــره فــي غايــة التكديــر فقــال فــي نفســه حتــى الهــزار أنكرنـــي والجـــواري
أغلقت الأبواب في وجهي وولين إلى غيري ثم أنه صار من شدة قهره يردد إنشاد هذه الأبيات:
===
تعاندنــي الأيـــام فيمـــن أحبـــه وقلبــي بنيـــران يزيـــد تضرمـــا
صفا لك دهرٌ بالمليحة قد مضى ولا زلت في ذاك الجمال مهيما
لقد عاينت عيني حسن جمالها فأصبح قلبي في هواهـا متيمـا
لقد طالما أرشفتني مع الرضـا بعذبٍ ثناياها رحيقاً على ظما
فما لك يا طير الهزار تركتنـي وصرت لغيري في الغرام مسلما
وقد أبصرت عيني أموراً عجيبةً تنبـــه أجفانـــي إذا كـــن نومــــا
رأيت حبيبي قد أضاع مودتي وطير هزاري لم يكن لي محومـا
وحــق إلــه العالميــن الـــذي إذا أراد قضـاءً فـي الخليفـة أبرمــا
لأفعل ما يستوجب الظالم الذي بجهل دنـا مـن وصلهـا وتقدمـا
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مســـرور لمـــا أنشـــد الأبيـــات المذكـــورة وسمعـــت زيـــن المواصـــف
===
شعــره ارتعــدت فرائصهــا واصفــر لونهــا وقالــت لجاريتهــا: هـــل سمعـــت هـــذا الشعـــر فقالـــت الجاريـــة:
مـا سمعتـه فـي عمـري صحيـحٌ صـار يبيـع فــي كــل مــا تملكــه يــده وقــال فــي نفســه: إن لــم أغربهــا عــن
أوطانهـا لـم يرجعـا عمـا همـا فيـه أبـداً فلمـا بـاع جميـع أملاكـه كتـب كتابـاً مـزوراً ثــم قــرأه عليهــا وادعــى
أن هــذا الكتــاب جــاء مــن عنــد أولــاد عمــه يتضمــن طلــب زيارتــه لهـــم هـــو وزوجتـــه فقالـــت: وكـــم
نقيــم عندهــم قــال: اثنــي عشــر يومــاً فأجابتــه إلــى ذلــك وقالــت لــه: هــل آخــذ معــي بعــض الجــواري
قــال: خــذي منهــن هبــوب وسكــوب ودعــي هنــا خطــوب ثــم هيــأ لهــن هودجــاً مليحـــاً وعـــزم علـــى
الرحيــل بهــن فأرسلــت زيــن المواصــف إلــى مســرور أن فــات الميعــاد الــذي بيننــا ولــم نــأت فأعلــم أنـــه
قـد عمـل علينـا حيلـةً ودبـر لنـا مكيـدةً وأبعدنـا عـن بعضنـا فـلا تنـس العهـود والمواثيـق التـي بيننـا فإنــي
أخــاف مــن حيلــه ومكــره ثــم إن زوجهــا جهــز حالــه للسفــر وأمــا زيــن المواصــف فإنهــا صــارت تبكـــي
وتنتحب ولا يقر لها قرار في ليل ولا نهار فلما رأى زوجها ذلك لم ينكر عليها.
فلمـــا رأت زيـــن المواصـــف أن زوجهـــا لا بـــد لـــه مـــن السفـــر لمـــت قماشهـــا ومتاعهـــا وأودعـــت جميـــع
ذلــك عنــد أختهــا وأخبرتهــا بمــا جــرى لهــا وودعتهــا وخرجــت مــن عندهــا وهــي تبكــي ثــم رجعــت
إلـى بيتهـا فـرأت زوجهـا قــد أحضــر الجمــال وصــار يضــع عليهــا الأحمــال وهيــأ لزيــن المواصــف أحســن
الجمـــال فلمـــا رأت زيـــن المواصـــف أنـــه لا بـــد مـــن فراقهـــا لمســــرور تحيــــرت فاتفــــق أن زوجهــــا خــــرج
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن زيـــن المواصـــف لمـــا رأت زوجهـــا أحضـــر لهـــا الجمـــال وعلمـــت
بالسفـــر تحيـــرت فاتفـــق أن زوجهـــا خـــرج لبعـــض أشغالـــه فخرجـــت إلـــى البـــاب الـــأول وكتبـــت هــــذه
الأبيات:
ألا يا حمام الـدار بلـغ سلامنـا من الصب للمحبوب عند فراقنا
وبلغــــه أنـــــي لا أزال حزينـــــةً وندماً على ما كان من طيب وقتنا
كمــا أن حبــي لا يــزال متيمـــاً حزيناً على ما قد مضى من سرورنا
قضينـا زمانــاً بالمســرة والهنــا وفزنـــا بوصـــل ليلنـــا ونهارنـــا
فلم نستفق إلا والصبح صائحاً علينا غراب البين ينعـي فراقنـا
رحلنا وخلينا الديار بـلا قعـاً فيا ليتنا لم نخـل تلـك المساكنـا
أتت الباب الثاني وكتبت عليه هذه الأبيات:
أيـا واصـلاً للبـاب باللــه انظــرا جمال نصيبي في الدياجي وأخبرا
===
جرى فإن لم تجد صبراً على ما أصابنا فضع فوق رأسك من ترابٍ وغبرا
وسافر إلى شرق البلاد وغربها وعش صابراً فالله للأمر قدرا
ثم أتت إلى الباب الثالث وبكت بكاءً شديداً وكتبت عليه هذه الأبيات:
رويدك يا مسرور أن زرت دارها فمر على الأبواب واقرأ سطورها
ولا تنس عهد الود أن كنت صادقاً فكم طعمت حلو الليالي ومرها
فبالله يا مسرور لا تنس قربها فقد تركت فيك الهنا وسرورها
إلا فابك أيـام الوصـال وطيبهـا وأنت متى ما جئت أرخت ستورها
فسافر قصيبـات البلـاد لأجلنـا وخض بحارها واستقص عنا برورها
لقد ذهبت عنا ليالي وصالنـا وفرط ظلام الهجر أطفأ نورها
رعي الله أياماً مضت ما أسرها بروضٍ الأماني إذا قطفنا زهورها
فهلا استمرت مثل ما كنت أرتجي أبى الله إلا وردها وصدروها
فهـل ترجـع الأيـام تجمـع شملنــا وأوفى إذا وافت لربي نذورها
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زيــن المواصــف لمــا كتبــت علــى البــاب الثالــث الأبيــات المذكــورة
حضــرت بيــن يــدي زوجهــا فحملهــا علــى الهــودج الــذي صنعــه لهــا فلمـــا صـــارت علـــى ظهـــر البعيـــر
أنشدت هذه الأبيات:
عليك سلام الله يا منزلاً خـلا وقد طالمـا زدنـا هنـاك تجمـلا
فليت زماني في ذراك تصرمت لباليه حتى فـي الصبابـة أقتـلا
جزعت على بعدي وشوقي لموطنٍ شغفت به ولم أدر ما قد تحصلا
فيا ليت شعري هل أرى فيه عودةً تروق كما راقـت لنـا فيـه أولا
فقــال لهــا زوجهــا: يــا زيــن المواصــف لا تحزنــي علــى فــراق منزلــك فإنـــك ستعوديـــن إليـــه عمـــا قريـــب
وصــار يطيــب خاطرهــا ويلاطفهـــا ثـــم ســـاروا حتـــى خرجـــوا إلـــى ظاهـــر البلـــد واستقبلـــوا الطريـــق
وعلمـت بـأن الفـراق قـد تحقـق فعظـم ذلـك عليهـا كـل هـذا ومسـرور قاعـد فــي منزلــه متفكــرٌ فــي أمــره
وأمـر محبوبتــه فأحــس قلبــه بالفــراق فنهــض قائمــاً علــى قدميــه مــن وقتــه وساعتــه وســار حتــى جــاء
إلـى منزلهـا فـرأى البــاب مقفــولاً ورأى الأبيــات التــي كتبتهــا زيــن المواصــف فقــرأ مــا علــى البــاب الــأول
فلمـا قـرأه وقـع علـى الـأرض مغشيـاً عليــه ثــم أفــاق مــن غشيتــه وفتــح البــاب الــأول ودخــل إلــى البــاب
الثانـي فـرأى مـا كتبتـه وكذلـك البـاب الثالـث فلمـا قـرأ علـى جميــع هــذه الكتابــة زاد بــه الغــرام والشــوق
===
والهيـام فخـرج فـي أثرهـا يسـرع فــي خطــاه حتــى لحــق بالركــب فرآهــا فــي آخرهــا وزوجهــا فــي أولــه
لأجل حوائجه فلما رآها تعلق بالهودج باكياً حزيناً من ألم الفراق وأنشد هذه الأبيات:
ليت شعري بـأي ذنـب رمينـا بسهـامٍ الصـدود طـول السنينـا
يا منى القلب جئت للدار يوماً عندما زدت في هواك شجونا
فرأيـــت الديـــار قفــــراً ببــــاب فشكــوت النــوى وزدت أنينــا
وسألت الجدار عن كل قصدي أين راحوا وصار قلبي رهينـا
قال ساروا عن المنـازل حتـى صيروا الوجد في الفـؤاد كمينـا
كتبت لي على الجدار سطوراً فعـل أهـل الوفـى مـن العالمينــا
فلما سمعت زين المواصف هذا الشعر علمت أنه مسرور.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملــــك السعيــــد أن زيــــن المواصــــف لمــــا سمعــــت منــــه هــــذا الشعــــر علمــــت أنــــه
مســرور فبكـــت هـــي وجواريهـــا ثـــم قالـــت لـــه: يـــا مســـرور سألتـــك باللـــه أن ترجـــع عنـــا لئـــلا يـــراك
===
نادى الرحيل سحيراً في الدجى الهادى قبل الصباح وهبت نسمة البادي
شدوا المطايا وجدوا في ترحلهم وأسرع الركب لما زمزم الحادي
وعطروا أرضهم في كل ناحيةٍ وعجلوا سيرهم في ذلك الوادي
تملكوا مهجتي عشقاً وقد رحلوا وغادروني على آثارهم غادي
يا جيرة مقصدي أن لا أفارقهم حتى بللت الثرى من دمعي الغادي
يا ويح قلبي بعد البعد ما صنعت يد الفراق على رغمي بأكبادي
ومــا زال مســرور ملازمــاً للركــب وهــو يبكــي وينتحــب وهــي تستعطفــه فـــي أن يرجـــع قبـــل الصبـــاح
خشيــةً مــن الإفتضــاح فتقــدم إلــى الهــودج وودعهــا ثانــي مــرة وغشــي عليــه ساعــةً زمانيــةً فلمــا أفــاق
وجدهـم سائريـن فعنـد ذلـك رجــع مســرور إلــى دار زيــن المواصــف وهــو فــي غايــة الإشتيــاق فرآهــا
خاليــة مــن الأضــاب موحشــةً مــن الأحبــاب فبكــى حتــى بــل الثيــاب وغشــي عليــه وكــادت أن تخـــرج
روحــه مــن جســده وقــد غشــي عليــه ساعــةً مــن الزمــان فلمـــا أفـــاق قـــام وتوجـــه إلـــى منزلـــه وصـــار
متحيـراً مــن أجــل ذلــك باكــي العيــن ولــم يــزل علــى هــذا الحــال مــدة عشــرة أيــامٍ هــذا مــا كــان مــن أمــر
مسرور.
وأمــا مــا كــان مــن أمـــر زيـــن المواصـــف فإنهـــا عرفـــت أن الحيلـــة قـــد تمـــت عليهـــا فـــأن زوجهـــا مـــازال
===
سائـراً بهـا مــدة عشــرة أيــامٍ ثــم أنزلهــا فــي بعــض المــدن فكتبــت زيــن المواصــف كتابــاً لمســرور وناولتــه
لجاريتهــا هبــوب وقالــت لهــا: أرسلــي هــذا الكتــاب إلــى مســرور ليعـــرف كيـــف تمـــت الحيلـــة علينـــا
وكيــف غــدر بنــا اليهــودي فأخــذت الجاريـــة منهـــا الكتـــاب وأرسلتـــه إلـــى مســـرور فلمـــا وصـــل إليـــه
عظـم عليـه هـذا الخطـاب فبكـى حتـى بـل التــراب وكتــب كتابــاً وأرسلــه إلــى زيــن المواصــف وختمــه
بهذين البيتين:
كيف الطريق إلى أبواب سلوان وكيف يسلوا الذي في حر نيران
ما كان أطيب أوقاتاً لهم سلفت فليت منها لدينا بعـض أحيـان
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن مســرور كتــب الكتــاب وأرسلــه إلــى زيــن المواصــف فلمــا وصــل
إليهـا أخذتـه وقرأتـه وأعطتــه لجاريتهــا هبــوب وقالــت لهــا: اكتمــي خبــره فعلــم زوجهــا أنهمــا يتراسلــان
فأخـذ زيـن المواصـف وجواريهـا وسافـر بهـن مسافـة عشريـن يومـاً. ثـم نـزل بهــن فــي بعــض المــدن هــذا
ما كان من أمر زين المواصف.
===
وأمــا مــا كــان مــن أمــر مســرور فإنــه صــار لا يهنــأ لــه نــوم ولا يقــر لــه قــرار ولــم يكــن لــه اصطبــار ولـــم
يـزل كذلـك إذ هجعـت عينـاه فـي بعـض الليالـي فـرأى فـي منامـه أن زيـن المواصـف قـد جـاءت إليـه فـي
الروضــة وصــارت تعانقــه فانتبــه مــن نومــه فلــم يرهــا فطــار عقلــه وذهــل لبـــه وهملـــت عينـــاه بالدمـــوع
وقد أصبح قلبه في غاية الولوع فأنشد هذه الأبيات:
سلامٌ على من زار في النوم طيفها فهيــج أشواقــي وزاد هيامـــي
وقد قمت من ذاك المنام مولعاً برؤيــة طيــف زارنــي بمنامــي
فهل تصدق الأحلام فيمن أحبه وتشفي غليلي في الهوى وسقامي
فطوراً تعاطيني وطوراً تهملني وطوراً تواسيني بطيب كلامي
ولمـا انقضـى فـي المنـام عتابنـاً وصارت عيوني بالدموع دوامي
رضبت رضاباً من لماها كأنه رحيقٌ أرى رياه مسك ختـام
عجبت لما قد كان في النوم بيننا وقد نلت منها منيتي ومـرادي
وقد قمت من ذاك المنام ولم أجد من الطيف إلا لوعتي وغرامـي
فأصبحت كالمجنون حين رأيتها وأمسيـت سكرانـاً بغيـر مـدام
===
همــا عليــه مــن العشــق والغــرام والوجــد والهيــام فقالــت لـــه: باللـــه عليـــك يـــا مســـرور كـــف عـــن هـــذا
المنـزل لئـلا يشعـر أحـد فيظـن أنـك تأتـي مـن أجلـي لأنـك رحلـت أختـي وتريــد أن ترحلنــي أنــا الأخــرى
وأنت تعرف لولا أنت ما خلت الدار من سكانها فتسل عنها واتركها فقد مضى ما مضى.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أخـــت زيـــن المواصـــف قالـــت لهـــا: قلـــت سأمضـــي فلمـــا سمـــع
مســرور ذلــك مــن أختهــا بكــى بكــاءً شديــداً وقــال لهــا: يـــا نسيـــم لـــو قـــدرت أن أطيـــر شوقـــاً إليهـــا
فكيـف أتسلـى عنهـا فقالــت: مــا لــك حيلــةً إلا الصبــر فقــال لهــا: سألتــك باللــه أن تكتبــي لهــا كــل مــا
عنـدك وتـردي لنـا جوابـاً ليطيـب خاطــري وتنطفــئ النــار التــي فــي ضمائــري فقالــت حبــاً وكرامــةً ثــم
أعطنـي دواةً وقرطاسـاً وصـار مسـرور يصـف لهـا شـدة شوقـه ومـا يكابــده مــن ألــم الفــراق ويقــول: إن
هـذا الشـوق عـن لسـان الهائـم الحزيـن المفـارق المسكيـن الـذي لا يقـر لــه قــرار فــي ليــل ولا فــي نهــار بــل
يبكــي بدمــوعٍ غــزار قـــد قرحـــت الدمـــوع أجفانـــه وأضرمـــت فـــي كبـــده أحزانـــه وطـــال تأسفـــه وكثـــر
تلهفـه مثـل طيـر نقــد ألفــه وعجــل تلفــه فيــا أسفــي مــن مفارقتــك ويــا لهفــي علــى معاشرتــك لقــد ضــر
===
جسمـي النحـول ودمعـي صـار فـي خمـول وضاقـت علـي الجبـال والسهـول فأمسيــت مــن فــرط وجــدي
أقول:
وجدي على تلك المنازل باقي زادت إلـى سكانهــا أشواقــي
وبعثت نحوكم حديث صبابتي وبكأس حبكم سقاني الساقي
وعلى رحيلكم وبعـد دياركـم جـرت الجفـون بدمعــة المهــراق
يا حادي الأظعان عرج بالحمى فالقلـب منــي زائــد الإحــراق
واقرأ سلامي للحبيب وقل له ما أن له غير اللمى مـن راقـي
أودى الزمان بـه فشتـت شملـه ورمى حشاشتـه بسهـم فـراق
بلغ لهم وجدي وشـدة لوعتـي من بعد فرقتهـم ومـا أنـا لاقـي
قسمــــاً بحبكــــم يمينــــاً أننـــــي أوفــي لكــم بالعهـــد والميثـــاق
ما ملت قطٌ ولا سلوت هواكم كيـف السلـو لعاشــق مشتــاق
فغلبكـــم منـــي السلـــام تحيــــة ممزوجـةً بالمسـك فـي الــأوراق
فتعجبـــت أختهـــا نسيـــم مـــن فصاحــــة لسانــــه وحســــن معانيــــه ورقــــة أشعــــاره فرقــــت لــــه وختمــــت
===
إلا لأختـي أو جاريتهـا هبـوب فقــال حبــاً وكرامــة فلمــا وصــل الكتــاب إلــى زيــن المواصــف عرفــت أنــه
مـن إمــلاء مســرور وعرفــت نفســه فيــه بلطــف معانيــه فقبلتــه ووضعتــه علــى عينيهــا وأجــرت الدمــوع
مـن جفنيهـا ولـم تـزل تبكـي حتـى غشـي عليهـا فلمـا أفاقـت دعـت بـدواةٍ وقرطـاسٍ وكتبـت لـه الجــواب
ووصفـت شوقهـا وغرامهـا ووجدهـا ومـا هـي فيـه مـن الحنيــن إلــى الأحبــاب وشكــت حالهــا إليــه ومــا
نالها من الوجد عليه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زيــن المواصــف لمــا كتبــت جــواب الكتــاب لمســرور وقالـــت لـــه:
إن هــذا كتــاب إلــى سيــدي ومالــك رقــي ومولــاي وصاحــب ســـري ونجوانـــي أمـــا بعـــد فقـــد أقلقنـــي
السهــر وزاد بــي الفكــر ومــا لــي علــى بعــدك مصطبــر يــا مـــن حسنـــه يفـــوق الشمـــس والقمـــر فالشـــوق
أقلقنـي والوجـد أهلكنـي وكيـف لا أكـون كذلـك وأنـا مـع الهالكيـن فيـا بهجــة الدنيــا وزينــة الأحيــاء هــل
لمن انقطعت أنفاسه أن يطيب كأسه لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات ثم أنشدت هذه الأبيات:
كتابك يا مسرور قد هيج البلوى فو الله مالي عنك صبر ولا سلوى
===
ولو كنت طيراً طرت في جنح ليلةٍ فلم أدر طعم المن بعدك والسلوى
حرامٌ علي العيش من بعد بعدكم فإني على حر التفرق لا أقـوى
ثـم قربـت الكتـاب بسحيـق المسـك والعنبـر وختمتـه وأرسلتـه مـع بعــض التجــار وقالــت لــه: لا تسلمــه
إلا لأختـي نسيـم فلمـا وصـل إلـى أختهـا نسيـم أوصلتـه إلـى مسـرور فقبلــه ووضعــه علــى يمينــه وبكــى
حتى غشي عليه.
هـــذا مـــا كـــان مـــن أمرهمـــا وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر زوج زيــــن المواصــــف فإنــــه لمــــا علــــم بالمراسلــــات
بينهمـا صـار يرحـل بهـا وبجاريتهـا مــن محــل إلــى محــل فقالــت لــه زيــن المواصــف: سبحــان اللــه إلــى أيــن
تسيــر بنــا وتبعدنــا عــن الأوطــان قــال: إلــى أن أقطــع بكــم سنــة حتــى لا يصــل إليكــن مراسلـــات مـــن
مســرور انظــري كيــف أخذتــن جميــع مالــي وأعطيتـــه لمســـرور فكـــل شـــيء ضـــاع إلـــى أخـــذه منكـــن
وانظـري هـل يتمكـن مسـرور ويقـدر علـى خلاصكــن مــن يــدي ثــم أنــه مضــى إلــى الحــداد وصنــع لهــن
ثلاثــة قيــود مــن الحديــد وأتــى بهــا إليهــن ونــزع مــا كــان عليهـــن مـــن الثيـــاب الحريـــر وألبسهـــن ثيابـــاً مـــن
الشعـر وصـار يبخرهـن بالكبريـت ثـم جـاء إليهـن بالحـداد وقـال لـه: ضـع هـذه القيـود فــي أرجــل أولئــك
الجـواري فـأول مـا قـدم زيـن المواصـف فلمـا رآهـا الحـداد غـاب عــن صوابــه وعــض علــى أناملــه وطــار
عقلــه مــن رأســه وزاد غرامــه وقــال لليهــودي: مــا ذنــب أولئــك الجــواري فقــال: إنهــن جـــواري وسرقـــن
===
مالـي وهربـن منـي فقـال لـه الحـداد: خيـب اللـه ظنـك واللـه لـو كانـت هـذه الجاريـة عنــد قاضــي القضــاة
وأذنبــت كــل يــوم ألــف ذنــبٍ لا يؤاخذهــا وأيضــاً لا يظهــر عليهــا علامــة السرقــة ولا يقــدر علـــى وضـــع
الحديــد فــي رجليهــا ثــم سألــه أن لا يقيدهــا وصــار يستشفــع عنــده فــي عــدم تقييدهــا فلمـــا نظـــرت
الحـــداد وهـــو يستشفـــع لهـــا عنـــده قالــــت لليهــــودي: سألتــــك باللــــه إلا تخرجنــــي قــــدام هــــذا الرجــــل
الغريب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زيــن المواصــف قالــت لليهــودي سألتــك باللـــه ألا تخرجنـــي قـــدام
هـــذا الرجـــل الغريـــب فقـــال لهـــا: وكيـــف خرجـــت قـــدام مســـرور فلـــم تـــرد جوابـــاً ثـــم قبـــل شفاعـــة
الحـداد ووضـع فـي رجليهــا قيــداً صغيــراً وقيــد الجــواري بالقيــود الثقيلــة وكــان لزيــن المواصــف جســمٌ
ناعــمٌ لا يتحمــل الخشونــة فلــم تــزل لابســةً ثيــاب الشعــر هــي وجواريهـــا ليـــلاً ونهـــاراً إلـــى أن انتحلـــت
أجسامهـن وتغيـر ألوانهـن وأمـا الحـداد فإنـه وقـع فـي قلبـه لزيـن المواصـف عشـقٌ عظيـمٌ فسـار إلــى منزلــه
وهو بأشد الحسرات وجعل ينشد هذه الأبيات:
===
قيـــدت أقـــدام مولـــاةٍ منعمــــةٍ أنيسةٍ خلقت من أعجب العجب
لو كنت تنصف ما كانت خلاخلها من الحديد وقد كانت من الذهب
ولو رأى حسنها قاضي القضاة رثى لها وأجلسها تياً أعلـى الرتـب
وكـــان قاضـــي القضـــاة مـــاراً علـــى دار الحـــداد وهـــو يترنـــم بإنشـــاد هـــذه الأبيـــات فأرســـل إليـــه فلمـــا
حضـر قـال: يــا حــداد مــن هــذه التــي تلهــج بذكرهــا وقلبــك مشغــول بحبهــا فنهــض الحــداد قائمــاً علــى
قدميــه بيــن يــدي القاضــي وقبـــل يـــده وقـــال: أدام اللـــه أيـــام مولانـــا القاضـــي وفســـح فـــي عمـــره. إنهـــا
جاريـــة صفتهـــا كـــذا وكـــذا وصـــار يصـــف لـــه الجاريـــة ومــــا هــــي فيــــه مــــن الحســــن والجمــــال والقــــد
والاعتـدال والظـرف والكمـال وأنهـا بوجـهٍ جميـلٍ وخصـرٍ نحيـلٍ وردفٍ ثقيـلٍ ثـم أخبــره بمــا هــي فيــه مــن
الـذل والحبـس والقيـود وقلـة الـزاد فقـال القاضـي: يـا حــداد دلهــا علينــا وأوصلهــا إلينــا حتــى نأخــذ لهــا
حقهـــا لـــأن هـــذه الجاريـــة صـــارت معلقـــةً برقبتـــك وأن كنـــت لا تدلهـــا علينـــا فـــإن اللـــه يجازيــــك يــــوم
القيامــة فقــال الحــداد: سمعــاً وطاعــةً ثــم توجــه مــن وقتــه وساعتــه إلــى ديـــار زيـــن المواصـــف فوجـــد
البـاب مغلوقـاً وسمـع كلامـاً رخيمـاً مــن كبــدٍ حزيــنٍ لــأن زيــن المواصــف كانــت فــي ذلــك الوقــت تنشــد
هذه الأبيات:
قد كنت في وطني والشمل مجتمعٌ والحب يملأ لي بالصفو أقداحا
===
لقد قضينا زماناً كان ينعشنـا كأساً وعـوداً وقانونـاً وأفراحـا
ففرق الدهر والتصريف ألفتنـا والحب ولى ووقت الصفو قد راحا
قلبت عنا غراب البين منزجـرٍ وليت فجر وصالي في الهوى لاحا
فلمــا سمــع الحــداد هــذا الشعــر والنظــام بكــى بدمــعٍ كدمــع الغمــام ثــم طــرق البــاب عليهــن فقلـــن: مـــن
بالبـــاب فقـــال لهـــن: أنـــا الحـــداد ثـــم أخبرهـــن بمـــا قالـــه القاضـــي وأنـــه يريـــد حضورهــــن لديــــه وإقامــــة
الدعوى بين يديه حتى يخلص لهن حقهن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الحـــداد لمــــا أخبــــر زيــــن المواصــــف كلــــام القاضــــي وأنــــه يريــــد
حضورهــن لديــه وإقامــة الدعــوى بيــن يديــه ويقتــص لهــن مــن غريمهــن حتــى يخلـــص لهـــن حقهـــن قالـــت
للحــداد: كيــف نــروح إليــه والبــاب مغلــوقٌ علينــا والقيــود فــي أرجلنــا والمفاتيــح مــع اليهــودي قــال لهـــن
الحـداد: أنــا أعمــل للأقفــال مفاتيــح وأفتــح بهــا البــاب والقيــود قالــت: فمــن يعرفنــا بيــت القاضــي فقــال
الحــداد: أنــا أصفــه لكــن فقالــت زيــن المواصــف: وكيــف نمضــي عنــد القاضــي ونحــن لابســـاتٍ ثيـــاب
===
الشعـر المبخـرة بالكبريـت فقـال الحـداد: إن القاضـي لا يعيبكـن وأنتــن فــي هــذه الحالــة ثــم نهــض الحــداد
مــن وقتــه وساعتــه وصنــع مفاتيــح أقفــالٍ ثــم فتــح البــاب وفتــح القيــود وحلهــا مــن أرجلهــن وأخرجهـــن
ودلهن على بيت القاضي.
ثــم أن جاريتهــا هبــوب نزعــت مــا كــان علـــى سيدتهـــا مـــن الثيـــاب الشعـــر وذهبـــت بهـــا إلـــى الحمـــام
وغسلتهـا وألبستهـا ثيـاب الحريــر فرجــع لونهــا إليهــا ومــن تمــام السعــادة أن زوجهــا كــان فــي وليمــةٍ عنــد
بعـــض التجـــار فتزينـــت زيـــن المواصـــف بأحســـن زينـــةٍ ومضـــت إلـــى بيـــت القاضـــي فلمــــا نظــــر لهــــا
القاضــي وقــف قائمــاً علــى قدميــه فسلمــت عليــه بعذوبــة كلــامٍ وحلـــاوة ألفـــاظٍ ورشقتـــه فـــي ضمـــن
ذلـك بسهـام الإلحـاظ وقالــت لــه: أدام اللــه مولانــا القاضــي ثــم أخبرتــه بأمــر الحــداد ومــا فعــل معهــا مــن
فعــل الأجــواد وبمــا صنــع بهــا زوجهــا مــن العــذاب الـــذي يدهـــش الألبـــاب وأخبرتـــه أنـــه قـــد زاد بهـــن
الهلــــاك ولــــم يجــــدن لهــــن مــــن فكــــاك فقــــال القاضــــي: يــــا جاريــــة مــــا اسمـــــك قالـــــت: اسمـــــي زيـــــن
المواصــف وجاريتــي هــذه اسمهــا هبــوب فقــال لهــا القاضـــي: إن اسمـــك وافـــق مسمـــاه وطابـــق لفظـــه
معنــاه. فتبسمــت ولفــت وجههــا فقــال لهـــا القاضـــي: زيـــن المواصـــف ألـــك بعـــل أم لا قالـــت: مـــا لـــي
بعـــل قـــال: ومـــا دينـــك قالـــت: دينـــي الإسلـــام وملـــة خيـــر الأنـــام فقــــال لهــــا: أقسمــــي بالشريعــــة ذات
الآيــات والعبــر أنــك علــى ملــة خيــر البشــر فأقسمــت لــه وتشهــدت فقــال لهــا القاضــي: كيـــف انقضـــى
===
شبابــك مــع هــذا اليهــودي فقالــت لـــه: أعلـــم أيهـــا القاضـــي أدام اللـــه أيامـــك بالتراضـــي وبلغـــك آمالـــك
وختـم بالصالحـات أعمالـك أن أبـي خلـف لـي بعـد وفاتــه خمســة عشــر ألــف دينــارٍ وجعلهــا بيــن يــدي
هـذا اليهـودي يتجـر فيهـا والكســب بيننــا وبينــه ورأس المــال ثابــتٌ بالبينــة الشريعــة فعندمــا مــات أبــي
طمــع اليهــودي فــي وطلبنــي مــن أمــي ليتــزوج بــي فقالــت لــه أمــي: كيــف أخرجهــا مــن دينهــا وجعلهـــا
يهوديــة فــو اللــه لأعرفــن الدولــة بــك فخــاف ذلــك اليهــودي مــن كلامهــا وأخــذ المــال وقــرب إلـــى مدينـــة
عدن وعند ما سمعنا به أنه في مدينـة عـدن جئنـا فـي طلبـه فلمـا اجتمعنـا عليـه فـي تلـك المدينـة ذكـر
لنـا أنـه يتاجــر فــي البضائــع ويشتــري بضاعــةً بعــد بضاعــةٍ فصدقنــاه ولــم يــزل يخادعنــا حتــى حبسنــا
وقيدنــا وعذبنــا أشــد العــذاب ونحــن غربــاء ومــا لنــا معيــن إلا اللــه تعالــى ومولانــا القاضــي فلمــا سمــع
القاضـي هــذه الحكايــة قــال لجاريتهــا هبــوب: هــل هــذه سيدتــك وأنتــن غربــاء وليــس لهــا بعــل قالــت
نعـم قـال: زوجنـي بـه وأنـا يلزمنـي العتـق والصيـام والحـج والصدقـة إن لـم أخلـص لكـن حقكـن مــن هــذا
الكلـب بعـد أن أجازيـه بمــا فعــل فقالــت هبــوب: لــك السمــع والطاعــة فقــال القاضــي: روحــي طيبــي
قلبـك وقلـب سيدتـك وفـي غـد إن شـاء اللـه تعالـى أرسـل إلـى هـذا الكافـر وأخلـص لكـن حقكـن منـه
وتنظريـن العجـب فـي عذابــه فدعــت الجاريــة وانصرفــت مــن عنــده وخلتــه فــي كــربٍ وهيــامٍ وشــوقٍ
وغــرامٍ وبعــد أن انصرفــت مــن عنــده هــي وسيدتهــا سألتــا عــن دار القاضـــي الثانـــي فدلوهمـــا عليـــه
===
فلمــا حضرتــا لديــه أعلمتــاه بذلــك وكذلــك الثالــث والرابــع حتـــى رفعـــت أمرهـــا إلـــى القضـــاة الأربعـــة
وكــل واحــد يسألهــا أن تتــزوج بــه فتقــول لــه: نعــم ولــم يعــرف بعضهــم خبــر بعــضٍ فصـــار كـــل واحـــدٍ
يطمـع فيهـا ولـم يعلـم اليهـودي بشــيءٍ مــن ذلــك لأنــه كــان فــي دار الوليمــة فلمــا أصبــح الصبــاح نهضــت
جاريتهــا وأفرغـــت عليهـــا حلـــةً مـــن أفخـــر الملابـــس ودخلـــت بهـــا علـــى القضـــاة الأربعـــة فـــي مجلـــس
الحكـــم فلمـــا رأت القضـــاة حاضريـــن أسفـــرت عـــن وجههـــا ورفعـــت قناعهـــا وسلمـــت عليهــــم فــــردوا
عليهـــا السلـــام وعرفهـــا كـــل واحـــد منهـــم وكـــان بعضهـــم يكتـــب فوقـــع القلـــم مـــن يــــده وبعضهــــم كــــان
يتحــدث فتلجلــج لسانــه وبعضهــم كــان يحســب فغلــط فــي حسابــه فعنــد ذلــك قالـــوا لهـــا: يـــا ظريفـــة
الخصــال وبديعــة الجمـــال لا يكـــن قلبـــك إلا طيبـــاً فـــلا بـــد مـــن أن نخلـــص لـــك حقـــك ونبلغـــك مـــرادك
فدعت له ثم ودعتهم وانصرفت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن القضــاة قالــوا لزيــن المواصــف: يــا ظريفــة الخصــال وبديعــة الجمــال
لا يكــن قلبــك إلا طيبــاً بقضــاء غرضــك وبلـــوغ مـــرادك فـــدع لهـــم ثـــم ودعتهـــم وانصرفـــت هـــذا كلـــه
===
واليهـودي مقيـمٌ عنـد أصحابـه فـي الوليمــة وليــس لــه علــمٌ بذلــك وصــارت زيــن المواصــف تدعــو ولــاة
الأحكام وأرباب الأقلام لينصروها على هذا الكافر الموئاب ويخلصوها من أليم العذاب.
ثـــم أنهـــا كتبـــت كتابـــاً يتضمـــن جميـــع مـــا عملـــه معهـــا اليهـــودي مـــن الـــأول إلـــى الأخـــر وسطــــرت فيــــه
الأشعـار ثـم طـوت الكتــاب وناولتــه لجاريتهــا هبــوب وقالــت لهــا: احفظــي هــذا الكتــاب فــي جيبــك
حتــى نرسلــه إلـــى مســـرور فبينمـــا هـــي كذلـــك وإذا باليهـــودي قـــد دخـــل عليهمـــا فرآهمـــا فرحانتيـــن
فقـــال: مـــا لـــي أراكمـــا فرحانتيـــن هـــل أتاكمـــا كتـــاب مـــن عنـــد صديقكمـــا مســـرور فقالــــت لــــه زيــــن
المواصـف: نحـن مـا لنـا عليـك إلا سبحانـه وتعالـى فإنـه هـو الـذي يخلصنـا مـن جـورك وإن لـم تردنــا إلــى
بلادنــا وأوطاننــا فنحــن فــي غــد نترافــع وإيــاك إلــى حاكــم هــذه المدينــة وقاضيهــا فقــال اليهــودي: ومــن
خلـــص القيـــود مـــن أرجلكمـــا ولكـــن لا بـــد أن أضـــع كـــل واحـــدةٍ منكـــن قيــــداً قــــدر عشــــرة أرطــــالٍ
وأطــوف بكــن حــول المدينــة فقالــت لــه هبــوب جميــع مــا نويتــه لنــا تقــع فيــه أن شــاء اللــه كمــا أبعدتنـــا
عن أوطاننا وفي غد نقف وإياك قدام حاكم المدينة واستمروا على ذلك حتى الصباح.
ثـــم نهـــض اليهـــودي وأتـــى إلـــى الحـــداد ليصنـــع قيـــوداً لهـــن فعنـــد ذلـــك قامـــت زيــــن المواصــــف هــــي
وجواريهـــا وأتـــت إلـــى دار الحكـــم ودخلتهـــا فـــرأت القضـــاة فسلمـــت عليهـــم فـــرد عليهــــا كــــل القضــــاة
السلـــام ثـــم قـــال قاضـــي القضــــاة لمــــن حولــــه: إن الجاريــــة زهراويــــة وكــــل مــــن رآهــــا أحبهــــا وخضــــع
===
لحسنهــا وجمالهــا ثــم أن القاضــي أرســل معهــا مــن الرســل أربعــةً وكانــوا أشرفـــاً وقـــال: لهـــم أحضـــروا
غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العاشرة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن القاضــي أرســل مــع زيــن المواصــف أربعـــةً وقـــال لهـــم أحضـــروا
غريمهـا فـي أسـوأ حـال. هـذا مـا كـان مـن أمرهــا. وأمــا مــا كــان مــن أمــر اليهــودي فأنهــن لمــا صنــع لهــن
القيـود عـاد إلـى المنـزل فلـم يجدهـن فيـه فاحتـار فـي أمـره فبينمـا هـو كذلـك وإذا بالرسـل قـد تعلقــوا بــه
وضربــوه ضربــاً شديــداً وجــروه سحبــاً علــى وجهـــه حتـــى أتـــوا بـــه إلـــى القاضـــي فلمـــا رآه القاضـــي
صـرخ فـي وجـه وقـال: يـا عـدو اللــه هــل وصــل أمــرك مــن أنــك فعلــت مــا فعلــت وأبعــدت هــؤلاء عــن
أوطانهــن وسرقــت مــا لهــن وتريــد أن تجعلهــن يهــوداً فكيــف تريــد تكفيـــر المسلميـــن فقـــال اليهـــودي: يـــا
مولـــاي إن هـــذه زوجتـــي فلمـــا سمـــع القضـــاة منـــه هــــذا الكلــــام صاحــــوا كلهــــم وقالــــوا: ارمــــوا هــــذا
الكلـب علـى الــأرض وأنزلــوا علــى وجهــه بنعالكــم واضربــوه ضربــاً وجيعــاً فــإن ذنبــه لا يغتفــر فنزعــوا
عنـه ثيابـه الحريريـة وألبسـوه ثيابــاً مــن الشعــر وألقــوه علــى الــأرض ونتفــوا لحيتــه وضربــوه ضربــاً وجيعــاً
===
علـى وجهـه بالنعـال ثـم أركبـوه علــى حمــاره وجعلــوا وجهــه علــى كفلــه وأمسكــوه ذيــل الحمــار فــي يــده
وطافـوا بـه حـول البلـد حتـى جرسـوه فـي سائـر البلـد ثـم عـادوا بــه إلــى القاضــي وهــو فــي ذلٍ عظيــمٍ
فحكم عليه القضاة الأربعة بأن تقطع يداه ورجلاه وبعد ذلك يصلب.
فاندهـش المعلــون مــن هــذا القــول وغــاب عقلــه وقــال: يــا سادتــي القضــاة مــا تريــدون منــي فقالــوا لــه:
قــل أن هــذه الجاريــة مــا هــي زوجتــي وأن المــال مالهــا وأنــا تعديــت عليهــا وشتتهــا عــن أوطانهــا فأقــر
بذلـــك وكتبـــوا بإقـــراره حجـــةً وأخــــذوا منــــه المــــال ودفعــــوه إلــــى زيــــن المواصــــف وأعطوهــــا الحجــــة
وخرجــت فصــار كــل مــن رأى حسنهــا وجمالهــا متحيــراً فــي عقلــه وظــن كـــل واحـــد مـــن القضـــاة أنـــه
يؤول أمرها إليه.
فلمـــا وصلـــت إلـــى منزلهـــا جهـــزت أمرهـــا مـــن جميـــع مـــا تحتــــاج إليــــه وصبــــرت إلــــى أن دخــــل الليــــل
فأخـذت مـا خــف حملــه وغــلا ثمنــه وســارت هــي وجواريهــا فــي ظلــام الليــل ولــم تــزل سائــرة مسافــة
ثلاثــة أيــامٍ بلياليهــا. هــذا مــا كــان مــن أمــر زيــن المواصــف وأمــا مـــا كـــان مـــن أمـــر القضـــاة فأنهـــم بعـــد
ذهابها أمروا بحبس اليهودي زوجها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن القضــاة أمــروا بحبــس اليهــودي زوج زيــن المواصــف فلمـــا أصبـــح
الصبــاح صــار القضــاة والشهــود ينتظــرون أن تحضــر عندهــم زيــن المواصـــف فلـــم تحضـــر عنـــد أحـــد
منهـم ثـم أن القاضــي الــذي ذهبــت إليــه أولا قــال: أنــا أريــد اليــوم أن أتفــرج علــى خــارج المدينــة لأنــي
لـي حاجــة هنــاك ثــم ركــب بغلتــه وأخــذ غلمانــه وصــار يطــوف أزقــة المدينــة طــولاً وعرضــاً ويفتــش
علــى زيــن المواصــف فلــم يقــع لهــا علــى خبــر فبينمــا هــو كذلــك إذ وجـــد باقـــي القضـــاة دائريـــن وكـــل
واحــدٍ منهــم يظــن أنــه ليــس بينهــا وبيــن غيــره معيــاد فسألهــم مــا سبــب ركوبهــم ودورانهــم فــي أزقــة
المدينــة فأخبــروه بشأنهــم فــرأى حالهـــم كحالـــه وسؤالهـــم كسؤالـــه فصـــار الجميـــع يفتشـــون عليهـــا فلـــم
يقعـوا لهـا علـى خبـر فانصـرف كـل واحـدٍ منهـم إلــى منزلــه مريضــاً ورقــدوا علــى فــراش الضنــى ثــم أن
قاضـي القضـاة تذكـر الحـداد فأرسـل إليــه فلمــا حضــر بيــن يديــه قــال لــه: يــا حــداد هــل تعــرف شيئــاً
مــن خبــر التــي دللتهــا علينــا فــو اللــه إن لــم تطلعنــي عليهــا ضربتــك بالسيــاط فلمــا سمــع الحــداد كلــام
القاضي أنشد هذه الأبيات:
أن التي ملكتني في الهوى ملكت مجامع الحسن حتى لم تدع حسناً
رنت غزالاً وفاحت عنبراً وبدت شمساً وماجت غديراً وأنثنت غصناً
ثــم أن الحــداد قــال: واللــه يــا مولــاي مــن حيــن انصرفــت مــن الحضــرة الشريفـــة مـــا نظرتهـــا عينـــي أبـــداً
===
وقـد ملكـت لبـي وعقلـي وصـار فيهـا حديثـي وشغلـي وقـد مضيــت إلــى منزلهــا فلــم أجدهــا ولــم أر
أحــداً يخبرنــي عـــن شأنهـــا فكأنهـــا غطســـت فـــي قـــرار المـــاء أو عـــرج بهـــا إلـــى السمـــاء. فلمـــا سمـــع
القاضــي كلامــه شهــق شهقــةً كــادت روحــه أن تخــرج منــه ثــم قــال: واللــه مــا كـــان لنـــا حاجـــة برؤيتهـــا
فانصــرف الحــداد ووقــع القاضــي علــى فراشــه وصـــار مـــن أجلهـــا فـــي ضنـــى وكـــذا الشهـــود وباقـــي
القضـاة الأربعـة وصـارت الحكمـاء تتـردد عليهـم ومـا بهــم مــن مــرض يحتــاج إلــى طبيــب ثــم أن وجهــاء
النـاس دخلـوا علــى القاضــي الــأول فسلمــوا عليــه واستخبــروه عــن حالــه فتنهــد وبــاح بمــا فــي ضميــره
وبكــى بكــاءً شديــداً ثــم أنــه شهــق شهقــةً ففارقـــت روحـــه جســـده فلمـــا رأوا ذلـــك غسلـــوه وكفنـــوه
وصلوا عليه ودفنوه وكتبوا على قبره هذه الأبيات:
كملت صفات العاشقين لمن غدا في القبر مقتول الحبيب وصـده
قــد كــان هــذا للبريــة قاضيــاً ويراعـه سجـن الحسـام بغمــده
فقضى عليه الحب لـم نـر قبلـه مولـى تذلـل فـي الأنــام لعبــده
ثــم أنهــم ترحمــوا عليــه وانصرفــوا إلــى القاضــي الثانــي ومعهــم الطبيـــب فلـــم يجـــدوا بـــه ضـــرراً ولا مـــا
يحتـاج إلـى طبيـب فسألـوه عـن حالـه وشغـل بالـه فعرفهـم بقضيتـه فلامــوه وعنفــوه علــى تلــك الحالــة ثــم
أنــه شهــق شهقــةً فارقــت روحـــه جســـده فجهـــزوه ودفنـــوه وترحمـــوا عليـــه ثـــم توجهـــوا إلـــى القاضـــي
===
الثالـث فوجـدوا الجميــع مرضــى بحبهــا ووجــدوا الشهــود أيضــاً مرضــى بحبهــا فــإن كــل مــن رآهــا مــات
بحبها وأن لم يمت يكابد لوعة الغرام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية عشرة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أهــل المدينــة وجــدوا جميــع القضــاة والشهــود مرضــى بحبهــا فـــإن
كــل مــن رآهــا مــات بعشقهــا وأن لــم يعــش يكابــد لوعــة الغــرام مــن شــدة حبهــا رحمهــم اللــه أجمعيـــن.
هذا ما كان من أمرهم.
وأمـا مـا كـان مــن أمــر زيــن المواصــف فإنهــا وجــدت فــي السيــر مــدة أيــامٍ حتــى قطعــت مسافــةً بعيــدةٍ
فاتفـق أنهـا خرجـت هـي وجواريهـا فمـرت علـى ديـرٍ فـي الطريـق وفيـه راهــب كبيــر اسمــه دانــس وكــان
عنـــده أربعـــون بطريقـــاً فلمـــا رأى جمـــال زيـــن المواصـــف نـــزل إليهـــا وعـــزم عليهـــا وقـــال لهـــا استريحـــوا
عندنـا عشـرة أيـامٍ ثـم سافـروا فنزلـت عنــده هــي وجواريهــا فــي ذلــك الديــر فلمــا نزلــت ورأى حسنهــا
وجمالهــا أفســدت عقيدتــه وأفتتــن بهــا وصــار يرســل إليهــا مــع البطارقــة واحــد بعــد واحــد لأجــل أن
يؤلفهـا فصـار كـل مـن أرسلـه إليهـا يقـع فـي حبهـا ويراودهـا عـن نفسهــا لــه وهــي تعتــذر وتمتنــع ولــم يــزل
===
دانـــس يرســـل إليهـــا الأربعيـــن بطريقـــا وكـــل واحـــدٍ حيـــن يراهـــا يتعلـــق بعشقهـــا ويكثـــر مـــن ملاطفتهـــا
ويراودهــا عــن نفسهــا ولا يذكــر لهــا اســم دانــس فتمتنــع مــن ذلــك وتجاوبهــم بأغلــظ جــواب فلمــا فـــرغ
صبـر دانـس وأشتـد غرامـه قـال فـي نفسـه: إن صاحـب المثـل يقـول: مـا حـك جسمــي غيــر ظفــري ولا
سعى في مرامي مثل أقدامي.
ثـــم نهـــض قائمـــاً علـــى قدميـــه وصنـــع طعامـــاً مفتخـــراً وحملـــه ووضعـــه بيـــن يديهـــا وكـــان ذلـــك اليــــوم
التاسـع مـن العشـرة أيـام التــي أتفــق معهــا علــى إقامتهــا عنــده لأجــل الاستراحــة فلمــا وضعــه بيــن يديهــا
قـال: تفضلـي باسـم اللـه خيـر الـزاد مـا حصـل فمـدت يديهــا وقالــت: بســم اللــه الرحمــن الرحيــم وأكلــت
هـــي وجوارهـــا فلمـــا فرغـــت مـــن الأكـــل قـــال لهـــا: يـــا سيدتـــي أريـــد أن أنشـــدك أبياتـــاً مــــن الشعــــر
فقالت له: قل فأنشد هذه الأبيات:
ملكت قلبي بالحـاظ ووجنـات وفي هـواك غـد نثـري وأبياتـي
أتتركنـــي محبـــاً مغرمــــاً دنفــــاً أعالج العشق حتى في المنامات
لا تتركينـي صريعـاً ولهـاً فلقـد تركت أشغال ديري بعد لذاتي
يا غادة جوزت في الحب سفك دمي رفقاً بحالي وعطفاً في شكاياتي
فلما سمع زين المواصف شعره أجابته عن شعره بهذين البيتين:
===
لا تطمع النفس فيما لست تملكه أن المطامـع مقـرون بهـا الأجــل
فلما سمع شعرهـا رجـع إلـى صومعتـه وهـو مفتكـر فـي نفسـه ولـم يـدر كيـف يصنـع فـي أمرهـا ثـم بـات
تلـك الليلـة فـي أسـوأ حـال فلمــا جــن الليــل قامــت زيــن المواصــف وقالــت لجواريهــا: قومــوا بنــا فأننــا لا
نقــدر علــى أربعيــن رجــلاً رهبانــاً وكــل واحــدٍ يراودنــي عــن نفســي فقــال لهــا الجــواري: حبــاً وكرامــة
ثم أنهن ركبن دوابهن وخرجن من باب الدير ليلاً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن زيــن المواصــف لمــا خرجــت هـــي وجواريهـــا مـــن الديـــر ليـــلاً لـــم
يزلـــن سائـــرات وإذا هـــن بقافلـــةٍ فاختلطـــن بهـــا وإذا بالقافلـــة مـــن مدينـــة عـــدن التـــي كانـــت فيهـــا زيـــن
المواصـف فسمعــت أهــل القافلــة يتحدثــون بخبــر زيــن المواصــف ويذكــرون القضــاة والشهــود ماتــوا فــي
حبها وولى أهل المدينة قضاةً وشهوداً غيرهم وأطلقوا زوج زين المواصف من الحبس.
فلمـا سمعــت زيــن المواصــف هــذا الكلــام التفتــت إلــى جواريهــا وقالــت لجاريتهــا هبــوب: ألا تسمعيــن
هــذا الكلــام فقالــت لهــا جاريتهـــا: إذا كـــان الرهبـــان الذيـــن عقيدتهـــم أن الترهـــب عـــن النســـاء عبـــادة
===
قـد افتتنـوا فـي هـواك فكيـف حـال القضـاة الذيـن عقيدتهـم أنـه لا رهبانيـة فـي الإسلـام ولكـن أمـض بنــا
إلـى أوطاننـا مـا دام أمرنـا مكتومـاً ثـم أنهـن سـرن وبالغـن فـي السيـر وهـن قاصـدات مدينـة عـدن إلــى أن
وصلــت زيــن المواصــف إلــى منزلهــا وفتحــت الأبــواب ودخلــت الــدار ثــم أرسلــت إلــى أختهــا نسيــم
فلمــا سمعــت أختهــا بذلـــك فرحـــت فرحـــاً شديـــداً وأحضـــرت لهـــا الفـــراش ونفيـــس القمـــاش ثـــم أنهـــا
فرشـت لهــا وألبستهــا وأرخــت الستــور علــى الأبــواب وأطلقــت العــود والبــد والعنبــر والمســك الأذفــر
حتــى عبــق المكــان مــن تلــك الرائحــة وصــار أعظـــم مـــا يكـــون ثـــم أن زيـــن المواصـــف لبســـت أفخـــر
قماشهــا وتزينــت أحســن زينــة كــل ذلــك جــرى ومســرور لــم يعلــم بقدومهــا بــل كــان فـــي هـــمٍ شديـــد
وحزنٍ ما عليه مزيد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن زيـــن المواصـــف لمـــا دخلـــت دارهـــا أتـــت لهـــا أختهـــا بالفـــراش
وفرشـت لهـا وألبستهـا أفخـر الثيـاب كـل ذلـك جـرى ومسـرور لـم يعلـم بقدومهـا بـل كـل فـي هـمٍ شديـد
وحــزن مــا عليـــه مزيـــد ثـــم جلســـت زيـــن المواصـــف تتحـــدث مـــع جواريهـــا الذيـــن تخلفـــن عـــن السفـــر
===
معهـا وذكـرت لهـن جميـع مـا وقـع لهـا مـن الـأول إلـى الأخـر ثـم أنهــا التفتــت إلــى هبــوب وأعطتهــا دراهــم
وأمرتهــا أن تذهــب وتأتــي لهــا بشــيء تأكلــه هــي وجواريهــا فذهبــت وأتــت بالــذي طلبتــه مــن الأكـــل
والشـرب فلمـا انتهـى أكلهـن وشربهـن أمـرت هبـوب أن تمضـي إلـى مسـرور وتنظــر أيــن هــو وتشاهــد مــا
هـو فيـه مـن الأحـوال وكـان مسـرور لا يقـر لــه قــرار ولا يمكنــه اصطبــار فلمــا زاد عليــه الوجــد والغــرام
قـــام ومشـــى إلـــى زقـــاق زيـــن المواصـــف فشـــم منـــه الروائـــح الزكيـــة فهـــاج لبـــه وفـــاق صــــدره وقلبــــه
وتضــرر غرامــه وزاد هيامــه وإذا بهبــوب متوجهــةٌ إلــى قضــاء حاجــة فرآهــا وهـــي مقبلـــة مـــن صـــدر
الزقــاق فلمــا رآهــا فــرح فرحــاً شديــداً فلمــا رأتـــه هبـــوب أتـــت إليـــه وسملـــت عليـــه وبشرتـــه بقـــدوم
سيدتهـا زيـن المواصـف وقالـت لهـا: أنهـا أرسلتنـي فـي طلبـك إليهـا ففــرح فرحــاً شديــداً مــا عليــه مــن
مزيــد ثــم أخذتــه ورجعــت بــه إليهــا فلمـــا رأتـــه زيـــن المواصـــف نزلـــت لـــه مـــن فـــوق سريرهـــا وقبلتـــه
وعانقتـه وعانقهـا ولـم يـزل يقبلـان بعضهمـا ويتعانقــان حتــى غشــي عليهمــا زمنــاً طويــلاً مــن شــدة المحبــة
والفراق.
فلمــا أفاقــا مــن غشيتهمــا أمــرت جاريتهــا هبــوب بإحضــار قلــة مملــوءة مــن شــراب السكــر وقلــة مملـــوءة
مـن شـراب الليمـون فأحضـرت لهـا الجاريـة جميـع مـا طلبتــه ثــم أكلــوا وشربــوا ومــا زالــوا كذلــك إلــى أن
أقبــل الليــل فصــاروا يذكــرون الــذي جــرى لهــم مـــن أولـــه إلـــى أخـــره ثـــم أنهـــا أخبرتـــه بإسلامهـــا ففـــرح
===
وأسلـــم هـــو أيضـــاً وكذلـــك جواريهـــا وتابـــوا إلـــى اللـــه تعالـــى فلمـــا أصبــــح الصبــــاح أمــــرت بإحضــــار
القاضــي والشهــود وأخبرتهــم أنهــا عازبــة وقــد وفـــت العـــدة ومرادهـــا الـــزواج بمســـرور فكتبـــوا كتابهـــا
وصاروا في ألذ عيش هذا ما كان من أمر زين المواصف.
وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر زوجهـــا اليهـــودي فإنـــه حيــــن أطلقــــه أهــــل المدينــــة مــــن السجــــن سافــــر منهــــا
متوجهـاً إلـى بلـاده ولـم يـزل مسافـراً حتـى صـار بينـه وبيـن المدينـة التــي فيهــا زيــن المواصــف ثلاثــة أيــامٍ
فأخبـــرت بذلـــك زيـــن المواصـــف فدعـــت بجارتيهـــا هبـــوب وقالـــت لهـــا: امـــض إلـــى مقبــــرة اليهــــودي
واحفـري قبـراً وضعـي عليـه الرياحيـن ورشـي عليـه المـاء وأن جـاء اليهـودي وسألـك عنـي فقولـي لــه أن
سيدتـي ماتـت مـن قهرهـا عليـك ومضـى لموتهـا مـدة عشريــن يومــا فــأن قــال أرينــي قبرهــا فخذيــه إلــى
القبــر وتحيلــي دفنــه فيــه بالحيــاة فقالـــت سمعـــاً وطاعـــةً ثـــم أنهـــم رفعـــوا الفـــراش وأدخلـــوه فـــي مخـــدع
ومضـت إلـى بيـت مسـرور فقعـدوا فـي أكـل وشــرب ولــم يــزالا كذلــك حتــى مضــت الثلاثــة أيــامٍ هــذا
ما كان من أمرهم.
وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر زوجهـــا فإنـــه لمـــا أقبـــل مــــن السفــــر دق البــــاب فقالــــت هبــــوب: مــــن بالبــــاب
فقـــال: سيـــدك ففتحـــت لـــه البـــاب فـــرأى دموعهـــا تجـــري علـــى خديهـــا فقـــال لهـــا: مـــا يبكيـــك وأيــــن
سيدتـك فقالـت لــه: إن سيدتــي ماتــت بسبــب قهرهــا عليــك فلمــا سمــع منهــا ذلــك الكلــام تحيــر فــي
===
أمـره وبكـى بكـاءً شديـداً حتـى خـر مغشيـاً عليــه فلمــا غشــي عليــه أسرعــت هبــوب بجــره ووضعتــه
فـي القبـر وهـو بالحيـاة ولكنـه مدهــوش ثــم ســدت عليــه ورجعــت إلــى سيدتهــا وأعلمتهــا بهــذا الخبــر
ففرحت بذلك فرحاً شديداً وأنشدت هذين البيتين:
الدهر أقسـم لا يـزال مكـدري حنثت يمينـك يـا زمـان فكفـر
مات العزول ومن هويت مواصلي فانهض إلى داعي السرور وشمر
ثــم أنهــا أقامــوا مــع بعضهــم علــى الأكــل والشــرب واللهــو واللعــب إلــى أن أتاهــم هـــازم اللـــذات ومفـــرق
الجماعات ومميت البنين والبنات.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

===
حكاية علي نور الدين مع مريم الزنارية
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد الثمانمائة
قالـت: وممـا يحكـى أيهـا الملـك السعيـد أنـه كــان فــي قديــم الزمــان وسالــف العصــر والــأوان رجــلٌ تاجــرٌ
بالديــار المصريــة يسمــى تــاج الديــن وكــان مــن أكابــر التجـــار ومـــن الأمنـــاء الأحـــرار إلا أنـــه كـــان مولعـــاً
بالسفـر إلـى جميـع الأقطـار ويحـب السيـر فـي البـراري والقفــار والسهــول والأوعــار وجزائــر البحــار فــي
طلـب الدرهـم والدينـار وكـان لـه عبيـد ومماليــك وخــدم وجــوار وطالمــا ركــب الأخطــار وقاســى فــي
السفـر مـا يشيـب الأطفـال الصغـار وكـان أكثـر التجـار فــي ذلــك الزمــان مــالاً وأحسنهــم مقــالاً صاحــب
خيـــولٍ وبغـــالٍ وبخاتـــي وجمـــالٍ وغرائـــزٍ وأدغـــالٍ وبضائـــعٍ وأمـــوالٍ وأقمشـــةٍ عديمـــة المثــــال مــــن شــــدودٍ
حمصيــــةٍ وثيــــابٍ بعلبكيــــةٍ ومقاطــــعٍ سندسيــــةٍ وثيــــابٍ مرزيــــةٍ وتفاصيـــــلٍ هنديـــــةٍ وأزرارٍ بغداديـــــةٍ
وبرانــسٍ مغربيــةٍ ومماليــكٍ تركيــةٍ وخــدمٍ حبشيــةٍ وجــوارٍ روميــةٍ وغلمــانٍ مصريــةٍ وكانــت غرائــر أحمالـــه
مـن الحريـر لأنـه كـان كثيــر الأمــوال بديــع الجمــال مائــس الأعطــاف شهــي الانعطــاف وكــان لذلــك التاجــر
ولـدٌ ذكـر يسمـى علـى نـور الديـن كأنــه البــدر إذا بــدر ليلــة أربعــة عشــر بديــع الحســن والجمــال ظريــف
القـد والاعتـدال فجلـس ذلـك الصبـي يومـاً مـن الأيـام فـي دكـان والـده علــى جــري عادتــه للبيــع والشــراء
===
والأخــذ والعطــاء وقــد دارت حولــه أولــاده التجــار فصــار هـــو بينهـــم كأنـــه القمـــر بيـــن النجـــوم بجبيـــن
أزهرٍ وخدٍ أحمرٍ وعذارٍ أخضرٍ وجسمٍ كالمرمر كما قال فيه الشاعر:
قلــــــــت قــــــــولاً باختصــــــــار كـــــــل مــــــــا فيــــــــك مليــــــــح
ومليـــــــــح قــــــــــال صفنــــــــــي أنـــت فـــي الوصـــف فصيــــح
فعزمـه أولـاد التجـار وقالـوا لـه: يـا سيـدي نـور الديـن نشتهـي فـي هـذا اليــوم أننــا نتفــرج نحــن وإيــاك فــي
البستـان الفلانـي فقـال لهـم: حتـى أشـاور والـدي فإنـي لا أقــدر أن أروح إلا بإجازتــه فبينمــا هــم فــي
الكلـام وإذا بوالــده تــاج الديــن قــد أتــى فنظــر إليــه وقــال: يــا أبــي إن أولــاد التجــار قــد عزمونــي لأجــل
أن أتفـرج أنـا وإياهـم فـي البستـان الفلانـي فهـل تـأذن لـي فـي ذلـك فقـال لـه: نعـم يـا ولـدي ثـم أنــه أعطــاه
شيئـاً مـن المـال وقـال: توجـه معهــم فركــب أولــاد التجــار حميــراً وبغــالاً وركــب نــور الديــن بغلــة وســار
معهـم إلـى بستـان فيـه بجميــع مــا تشتهــي الأنفــس وتلــذ الأعيــن وهــو مشيــد الأركــان رفيــع البنيــان لــه
بـابٌ مقنطـرٌ كأنـه إيـوان وبـابٌ سمــاويٌ يشبــه أبــواب الجنــان وبوابــه اسمــه رضــوان وفوقــه مائــة مكعــبٍ
عنـبٍ مـن سائـر الألـوان الأحمـر كأنـه مرجـان والأســود كأنــه أنــوف الســودان والأبيــض كأنــه بيــض الحمــام
وفيـــه الخـــوخ والرمـــان والكمثـــري والبرقـــوق والتفـــاح كـــل هـــذه الأنـــواع مختلفــــة الألــــوان صنــــوان وغيــــر
صنوان.
===
وفي الليلة السادسة عشرة بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن أولـاد التجــار لمــا دخلــوا البستــان رأوا فيــه كــل مــا تشتهــي الشفــة
واللسان ووجد العنب مختلف الألوان صنواناً وغير صنوان كما قال فيه الشاعر:
عنـبٌ طعمـه كطعــم الشــراب حللـــك لونــــه كلــــون الغــــراب
بيـــــن أوراقـــــه زهـــــا فتـــــراه كبنــان النســاء بيـــن الخطـــاب
ثـم انتهـوا إلـى عريشـة البستـان فــرأوا رضــوان بــواب البستــان جالســاً فــي تلــك العريشــة كأنــه رضــوان
خازن الجنان ورأوا مكتوباً على باب العريشة هذان البيتان:
سقي الله بستاناً تدلت قطوفه فمالت بها الأغصان من شدة الشرب
إذا رقصت أغصانه بيد الصبا تنقطهـا الأنـواء باللؤلـؤ الرطـب
وفـــي ذلـــك البستـــان فواتـــه ذات أفنـــانٍ وأطيـــارٍ مـــن جميـــع الأصنـــاف والألـــوان مثــــل فاخــــت وبلبــــل
وكيــروان وقمــاري وحمــامٍ يغــرد علــى الأغصــان وأنهــار بهـــا المـــاء الجـــاري وقـــد راقـــت تلـــك المجـــاري
بأزهارها وأثمار ذات لذات كما قال فيها الشاعر هذين البيتين:
سرت النسيم على الغصون فشابهت حسناء تعثر فـي جميـل ثيابهـا
===
وفي ذلك البستان تفاح سكري ومسكي يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:
تفاحة قد جمعت لونين قد حكيا خدي حبيبٍ ومحبوبٍ قد اجتمعا
لاحا على الغصن كالضدين من عجبٍ فـذاك أسـودٌ والثانــي بــه لمعــا
تعانقــــا فبــــدا وش فراعهمـــــا فاحمر ذا خجلاً وأصفر ذا ولعا
وتوفي ذلك البستان مشمش لوزي وكافور وجيلاني وعنابي كما قال فيه الشاعر:
والمشمش اللوزي يحكي عاشقاً جــاء الحبيــب لــه فيحـــر لبـــه
وكفـاه مـن صفـة المتيـم مـا بــه يصفــر ظاهــره ويكســـر قلبـــه
وفـي ذلـك البستـان برقـوق وقراصيـاً وعنـاب تشفـي السقيـم مـن الأوصـاب والتيــن فــوق أغصانــه أحمــرٌ
وأخضرٌ يحير العقول والنواظر كما قال فيه الشاعر:
كأنمـا التيـن يبــدو منــه أبيضــه مع أخضر بين أوراق من الشجر
أبناهن على أعلى القصور وقد جن الظلام بهم باتوا على حذر
وفــي ذلــك البستــان مــن الكمثــري الطــوري والحلبــي والرومــي مــا هـــو مختلـــف الألـــوان صنـــوان وغيـــر
صنوان.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أولــاد التجــار لمــا نزلــوا البستــان رأوه فيــه مــن الفواكـــه مـــا ذكرنـــاه
ووجـدوا فيـه مـن الكمثـري الطـوري والحلبـي والرومـي مـا هـو مختلـف الألـوان صنـوان وغيـر صنــوان مــا
بين أصفر وأحمر يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:
يهنيـــك كمثــــري غــــدا لونهــــا لــــون محــــبٍ زائــــد الصفـــــرة
شبيهــة بالبكــر فــي خدرهــا والوجــه منهــا مسبـــل الستـــرة
وفي ذلك البستان الخوخ السلطاني ما هو مختلف الألوان من أصفر وأحمر كما قال فيه الشاعر:
كأنمـــا الخــــوخ لــــدى روضــــةٍ وقـد كسـى مـن حمــرة العنــدم
بنــــادق مــــن ذهــــبٍ أصفـــــر قد خضبت في وجههـا بالـدم
وفــي ذلــك البستــان مــن المــوز الأخضــر مــا هــو شديــد الحلـــاوة يشبـــه الجمـــار ولبـــه مـــن داخـــل ثلاثـــة
أثواب من صنعة الملك الوهاب كما قال فيه الشاعر:
ثلاثة أثوابٍ على جسدٍ رطبٍ مخالفة الأشكال من صنعة الرب
يريــه الــردى فــي ليلــه ونهــاره وأن يكن المسجون فيها بلا ذنب
وفي ذلك البستان النارنج كأنه خولنجانٌ كما قال فيها الشاعر الولهان:
وحمراء ملء الكف تزهو بحسنها فظاهرهــا نــارٌ وباطنهــا ثلـــج
===
وفـي ذلـك البستـان الكبـاد متدليـاً فـي أغصانـه كنهـود أبكـارٍ تشبـه الغزلـان وهـو علــى غايــة المــراد كمــا
قال فيه الشاعر وأجاد:
وكبــادةٌ بيــن الريـــاض نظرتهـــا على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد
إذا ميلتهـا الريـح مالـت كأكــرةٍ بدت ذهباً في صولجانٍ زبرجد
وفــي ذلــك البستــان الليمــون زكــي الرائحـــة يشبـــه بيـــض الدجـــاج ولكـــن صفرتـــه زينـــةً مجانيـــةً وريحـــةً
يزهو لجانبه كما قال فيه بعض واصفيه:
أمــا تـــرى الليمـــون لمـــا بـــدى يأخـــذ مـــن أشراقـــه بالعيـــان
كأنــــه بيــــض الدجــــاج وقــــد لطخــــه الخمســـــة بالزعفـــــران
وفـــي ذلـــك البستـــان مـــن سائـــر الفواكـــه والرياحيـــن الخضـــروات والمشمومـــات مــــن الياسميــــن والفاغيــــة
والفلفـــل والسنبـــل العنبــــري والــــورد بسائــــر أنواعــــه ولســــان الحمــــل والــــأس وكامــــل الرياحيــــن مــــن كــــل
الأصنـاف. وذلـك البستـان مـن غيــر تشبيــهٍ كأنــه قطعــةٌ مــن الجنــان لرائيــه إذا دخلــه العليــل خــرج منــه
كالأســد الغضبــان ولا يقــدر علــى وصفــه اللســان لمــا فيــه مــن العجائـــب والغرائـــب التـــي لا توجـــد إلا
في الجنـان كيـف لا واسـم بوابـه رضـوان ولكـن بيـن المقاميـن شتـان. فلمـا تفـرج أولـاد التجـار فـي ذلـك
البستان قعدوا بعد التفرج والتنزه على ليوان من لواوينه وأجلسوا نور الدين في وسط الليوان.
===
وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أولــاد التجــار لمــا جلســـوا فـــي الليـــوان أجلســـوا نـــور الديـــن فـــي
وســطٍ علــى نطــعٍ مـــن الأديـــم المزركـــش متكئـــاً علـــى مخـــدةٍ محشـــوةٍ بريـــش النعـــام وضهارتهـــا مـــدورةٌ
سنجابيةً ثم ناوله مروحةً من ريش النعام مكتوباً عليها هذان البيتان:
ومروحـــــةٍ معطــــــرة النسيــــــم تذكــر طيـــب أوقـــات النعيـــم
وتهـدي طيبهـا فـي كـل وقــتٍ إلـى وجـه الفتـى الحــر الكريــم
ثــم أن هــؤلاء الشبــان خلعـــوا مـــا كـــان عليهـــم مـــن العمائـــم وقعـــدوا يتحدثـــون ويتنادمـــون ويتجاذبـــون
أطـراف الكلـام بينهـم وكـل منهـم يتأمـل فـي نـور الديـن وينظـر إلـى حســن صورتــه وبعــد أن اطمــأن بهــم
الجلــوس ساعــةً مــن الزمــان أقبـــل عليهـــم عبـــد وعلـــى رأســـه سفـــرة طعـــامٍ فيهـــا أوانـــي مـــن الصينـــي
والبلـور لـأن بعـض أولـاد التجـار كـان وصـى أهـل بيتـه قبـل خروجـه إلـى البستـان وكـان فـي تلـك السفـر
كثيــرٌ مــا درج وطــار وسبــح فــي البحــار كالقطــار والسمانــي وأفــراخ الحمـــام وشيـــاه الضـــأن والطـــف
السمــك فلمــا وضعــت تلــك السفــرة بينهــم تقدمــوا وأكلــوا بحســب الكفايــة ولمــا فرغــوا مــن الأكــل قامــوا
عــن الطعــام وغسلــوا أيديهـــم بالمـــاء الصافـــي والصابـــون الممســـك وبعـــد ذلـــك نشفـــوا أيديهـــم بالمناديـــل
===
المنسوجــة بالحريـــر والقصـــب وقدمـــوا لنـــور الديـــن منديـــلاً مطـــرزاً بالذهـــب الأحمـــر فمســـح بـــه يديـــه
وجــاءت القهــوة كــل منهــم مطلوبـــه ثـــم جلســـوا للحديـــث وإذا بخولـــي البستـــان قـــد جـــاء ومعـــه سفـــرة
المدام فوضع بينهم صينيةً مزركشةً بالذهب الأحمر وأنشد يقول هذين البيتين:
هتف الفجر بالسنى فاسق خمراً عانســاً تجعــل الحليـــم سفيهـــا
لست أدري من لطفها وصفاها أبكـأسٍ تــرى أم الكــأس فيهــا
ثـم أن خولـي البستــان مــلأ وشــرب ودار الــدور إلــى أن وصــل إلــى نــور الديــن ابــن التاجــر تــاج الديــن
فمـلأ خولـي البستـان كأســاً وناولــه إيــاه فقــال لــه نــور الديــن: أنــت تعــرف أن هــذا شــيءٌ لا أعرفــه ولا
شربته قط لـأن فيـه إثمـاً كبيـراً وقـد حرمـه فـي كتابـه الـرب القديـر فقـال البستانـي: يـا سيـدي نـور الديـن
إن كنـت مـا تركـت شربـه إلا مـن أجـل الإثـم فـإن اللــه سبحانــه وتعالــى كريــمٌ حليــمٌ غفــورٌ رحيــمٌ يغفــر
الذنب العظيم ورحمته وسعت كل شيءٍ ورحمة الله على بعض الشعراء حيث قال:
كن كيف شئت فإن الله ذو كرمٍ وما عليك إذا أذنبت من بأس
إلا اثنتيــن فـــلا تقربهمـــا أبـــداً الشـرك باللـه والأضـرار للنـاس
ثـم قـال واحـدٌ مـن أولـاد التجــار: بحياتــي عليــك يــا سيــدي نــور الديــن أن تشــرب هــذا القــدح وتقــدم
شــابٌ آخــر وحلــف عليــه بالطلــاق وآخــر وقــف بيــن يديــه علــى أقدامــه فاستحــى نــور الديــن وأخــذ
===
القــدح مــن خولــي البستــان وشــرب منــه جرعــةً ثــم بصقهــا وقــال: هــذا مــرٌ فقــال خولــي البستــان: يــا
سيـدي نـور الديــن لــولا أنــه مــرٌ مــا كانــت فيــه هــذه المنافــع ألــم تعلــم أن كــل حلــوٍ إذا أكــل علــى سبيــل
التـــداوي يجـــده الآكـــل مـــراً وإن هـــذه الخمـــر منافعهـــا كثيـــرةٌ فمــــن جملــــة منافعهــــا أنهــــا تهضــــم الطعــــام
وتصـرف الهـم والغـم وتزيـل الأريـاح وتـروق الـدم وتصفـي اللــون وتنعــش البــدن وتشجــع الجبــان وتقــوي
همة الرجل على الجماع ولو ذكرنا منافعها كلها لطال علينا شرح ذلك وقد قال بعض الشعراء:
شربنا وعفو الله من كل جانبٍ وداويت أسقامي بمرتشف الكأس
وما غرنـي فيهـا وأعـرف إثمهـا سـوى قولـه فيهـا منافـع للنـاس
ثــم إن خلــوي البستــان نهــض قائمــاً علــى أقدامــه مـــن وقتـــه وساعتـــه وفتـــح مخدعـــاً مـــن مخـــادع ذلـــك
الإيـوان وأخـرج منـه قمـع سكـر مكـرر وكسـر منـه قطعـةً كبيــرةً ووضعهــا لنــور الديــن فــي القــدح وقــال:
يا سيدي إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الخولـــي قـــال لنـــور الديـــن: إن كنـــت هبـــت شـــرب الخمـــر مـــن
===
مرارتـه فاشـرب الـآن فقـد حـلا فعنـد ذلـك أخـذ نـور الديــن القــدح وشربــه ثــم مــلأ الكــأس واحــدً مــن
أولـاد التجـار قـال: يـا سيـدي نـور الديـن أنـا عبـدك وكـذا الآخــر قــال: خادمــك وقــام الآخــر وقــال: مــن
أجــل خاطــري وقــام الآخــر وقــال: باللــه عليــك يــا سيــدي نــور الديــن اجبــر بخاطــري ولــم يــزل العشــرة
أولـاد التجـار بنـور الديـن إلـى أن أسقـوه العشـرة أقـداحٍ كــل واحــدٍ قدحــاً وكــان نــور الديــن باطنــه بكــر
عمـره مـا شـرب خمـراً قـط إلا فــي تلــك الساعــة فــدار الخمــر فــي دماغــه وقــوي عليــه السكــر فوقــف
علـــى حيلـــه وقـــد ثقـــل لسانـــه واستعجـــم كلامـــه وقـــال: يـــا جماعـــة اللـــه أنتـــم ملـــاح وكلامكــــم مليــــح
ومكانكـم مليـح إلا أنـه يحتـاج إلـى سمـاع طيـبٍ فـإن الشـراب بـلا سمــاعٍ عدمــه أولــى مــن وجودهــا كمــا
قال فيه الشاعر هذين البيتين:
أدرهـــــا بالكبيـــــر والصغيـــــر وحدهـا مـن يــد القمــر المنيــر
ولا تشــرب بــلا طـــربٍ فإنـــي رأيـت الخيـل تشـرب بالصفيــر
فعنــد ذلــك نهــض الشــاب صاحــب البستــان وركـــب بغلـــةً مـــن بغـــال أولـــاد التجـــار وغـــاب ثـــم عـــاد
ومعـه صبيـةً مصريـةً كأنهـا ليـةٌ طريـةٌ أو فضـةٌ نقيـةٌ أو دينـارٌ فـي صينيـةٌ أو غـزالٌ فـي بريــةٍ بوجــهٍ يخجــل
الشمــــس المضيــــة وعيــــونٍ بابليــــةٍ وحواجــــبٍ كأنهــــا قســــى محنيــــةٍ وخــــدودٍ ورديـــــةٍ وأسنـــــانٍ لؤلؤيـــــةٍ
ومراشـــفٍ سكريـــةٍ وعيـــونٍ مرخيـــةٍ ونهـــودٍ عاجيـــةٍ وبطـــنٍ حماسيـــةٍ وأعكـــانٍ مطويـــةٍ وأردافٍ كأنهــــن
===
مخـداتٍ محشيـةٍ وفخذيـن كالجـداول الشاميـة وبينهمـا شـيءٌ كأنــه صــرةٌ فــي بقجــةٍ مطويــةٍ كمــا قيــل فيــه
هذه الأبيات:
ولـو أنهـا للمشركيــن تعرضــت رأوا وجهها من دون أصنامهم رباً
ولو أنها في الشرق لاحت لراهبٍ لخلى سبيل الشرق وأتبع الغرباً
ولو تفلت في البحر والبحر مالحٌ لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً
وتلــك الصبيــة كأنهــا البــدر إذا بــدر فــي ليلــة أربعــة عشــر وعليهـــا بدلـــةٌ زرقـــاءٌ بقنـــاعٍ أخضـــرٍ فـــوق
جبينٍ أزهرٍ تدهش العقول وتحير أرباب المعقول.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن خولـي البستـان جاءهـم بالصبيـة التـي ذكرنـا أنهـا فـي غايــة الحســن
والجمال ورشاقة القد والاعتدال كأنها المرأة المراد بقول الشاعر:
أقبلـــت فـــي غلالــــةٍ زرقــــاءٍ لازوديـــــــةٍ كلـــــــون السمـــــــاء
فتحققــت فـــي الغلالـــة منهـــا قمر الصيف في ليالـي الشتـاء
===
ثــم إن الشــاب خولــي البستــان قــال لتلــك الصبيــة: اعلمــي يــا سيــدة الملــاح وكـــل كوكـــبٍ لـــاح أننـــا مـــا
قصدنـا بحضـورك فـي هـذا المكـان إلا أن تنادمـي هـذا الشـاب المليــح الشمائــل سيــدي نــور الديــن فإنــه
لم يـأت محلنـا فـي هـذا اليـوم فقالـت لـه الصبيـة: ليتـك كنـت أخبرتنـي لأجـل أن أجـيء بالـذي كـان معـي
فقــال لهــا: سيدتــي أنــا أروح وأجــيء بــه إليــك فقالــت: أفعــل مــا بــدا لــك فقــال لهــا: أعطينــي أمــارةً
فأعطتــه منديــلاً فعنــد ذلــك خــرج سريعــاً وغــاب ساعـــةً زمانيـــةً ثـــم عـــاد ومعـــه كيـــسٌ أخضـــرٌ مـــن
الحريــر أطلــسٌ بشكليــن مــن الذهــب فأخذتــه منــه الصبيــة وحلتــه ونفضتــه فنــزل منــه اثنتــان وثلاثــون
قطعةً خشـبٍ ثـم ركبـت الخشـب فـي بعضـه علـى صـورة ذكـر فـي أنثـى وأنثـى فـي ذكـر وكشفـت عـن
معاصمهــا وأقامتــه فصــار عــوداً محكوكــاً مجــروداً صنعــة الهنــود ثــم انحنــت عليــه تلــك الصبيــة انحنـــاء
الوالــدة علــى ولدهــا وزعزعتــه بأنامــل يدهـــا فعنـــد ذلـــك أن العـــود ورن ولأماكنـــه القديمـــة حـــن وقـــد
تذكــر الميــاه التــي قــد سقتــه والـــأرض التـــي نبـــت منهـــا وتربـــى فيهـــا وتذكـــر النجاريـــن الذيـــن قطعـــوه
والدهانيـن الذيـن دهنـوه والتجـار الذيـن جلبـوه والمراكــب التــي حملتــه فصــرخ وصــاح عــدد ونــاح وكأنهــا
سألته عن ذلك كله فأجابها بلسان الحال منشداً هذه الأبيات:
لقد كنـت عـودا للبلابـل منـزلا أميل بها وجداً وفرعي أخضر
ينوحون من فوقي فعلمت نوحهم ومن أجل ذاك النوح سرى مجهر
===
ولكــن ضربــي بالأنامــل مخبـــرٌ بأنـي قتيــلٌ فــي الأنــام مصبــر
فمن أجل هذا صار كل منادمٍ إذا ما رأى نوحي يهيم ويسكر
وقد حنـن المولـى علـى قلوبهـم وقد صرت في أعلى الصدور أصدر
تعانق قدي كل من فاق حسنها وكل غزالٍ ناحل الطرف أحور
ثـم سكتـت الصبيـة ساعـة وبعـد ذلـك أخـذت ذلـك العــود فــي حجرهــا وانحنــت عليــه انحنــاء الوالــدة
على ولدها وضربت عليه طرقاً عديدةً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن الصبيـة ضربـت علـى العـود طرقـاً عديـدة ثـم عــادت إلــى طريقتهــا
الأولى وأنشدت هذه الأبيات:
لو أنهم جنحـوا للصـب أوزارٍ لحط عنه مـن الأشـواق أوزار
وعندليبٍ على غصنٍ يشاطره كأنه عاشقٌ شطـت بـه الـدار
قم وانتبه فليالي الوصـل مقمـرةٌ كأنها باجتماع الشمل أسحـار
===
أما ترى أربعاً للهو قد جمعت آسٌ ووردٌ ومنثــــــورٌ وأنــــــوار
واليوم قد جمعت للحظ أربعةٌ صبٍ وخلٍ ومشروبٍ ودينـار
فأظفر بحظك وفي الدنيا فلذتها تغني وتبقـى روايـاتٍ وأخبـار
فلمــا سمــع نــور الديــن مــن الصبيــة هــذه الأبيــات نظــر إليهــا بعيــن المحبــة حتــى كـــاد لا يملـــك نفســـه مـــن
شــدة الميــل إليهــا وهــي الأخــرى كذلــك لأنهــا نظــرت إلــى الجماعــة الحاضريـــن مـــن أولـــاد التجـــار كلهـــم
وإلـــى نـــور الديـــن فرأتـــه بينهـــم كالقمــــر بيــــن النجــــوم لأنــــه كــــان رخيــــم اللفــــظ ذا دلــــالٍ كامــــل القــــدر
والاعتدال والبهاء والجمال ألطف وأرق النسيم كما قيل فيه هذه الأبيات:
قسمــاً بوجنتيــه وباســم ثغـــره وباسهم قد راشها من سحره
وبليـــن معطفـــه ونبـــل لحاظـــه وبيــاض غرتــه وأســود شعــره
وبحاجبٍ حجب الكرى عن ناظري وسطـــا علـــى بنهيـــه وبأمــــره
وعقاربٍ قد أرسلت من صدغه وسعت لقتل العاشقين بهجـره
وبــــورد خديــــه آس عـــــذاره وعقيـــق مبسمـــه ولؤلـــؤ ثغـــره
وبغصن قامته الـذي هـو مثمـرٌ رمانــه يزهـــو جنـــاه بصـــدره
===
إن الشـــذا قـــد مـــن أنفاســــه والريح تروي طيبهـا عـن نشـره
وكذلـك الشمـس المنيـرة دونــه وكـذا الهلـال قلامـةً مـن ظفــره
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن لمــا سمــع كلــام تلــك الصبيــة وشعرهــا أعجبــه نظامهـــا
وكان قد مال من السكر فجعل يمدحها ويقول:
عـــــــــــوادةٌ مالـــــــــــت لنــــــــــــا فـــــــــــي نشـــــــــــوة المنتبـــــــــــذ
قالـــــــــت لنــــــــــا أوتارهــــــــــا أنطقنـــــــــــا اللـــــــــــه الـــــــــــذي
فلمــا تكلــم نــور الديــن بهــذا الكلــام وأنشــد هــذا الشعــر والنظــام نظـــرت لـــه تلـــك الصبيـــة بعيـــن المحبـــة
وزادت فيــه عشقــاً وغرامــاً وقــد صاحــت متعجبــةً مــن حسنــه وجمالــه ورشاقــة قــده واعتدالـــه فلـــم
تتمالك نفسها بل احتضنت العود ثانياً وأنشدت هذه الأبيات:
يعاتبنـــي علــــى نظــــري إليــــه ويهجرنـي وروحـي فــي يديــه
ويبعدنـــي ويعلـــم مــــا بقلبــــي كـــأن اللـــه قـــد أوحــــى إليــــه
===
فــلا عينــي تـــرى منـــه بديـــلاً ولا قلبــــــي يصيرنــــــي لديـــــــه
فيـا قلبـي نزعتـك مــن فــؤادي فقلبــــــي لــــــم يمــــــل إلا إليــــــه
فلمــا أنشــدت الصبيــة تلــك الأبيــات تعجــب نــور الديــن مــن حســن شعرهـــا وبلاغـــة كلامهـــا وعذوبـــة
لفظهـــا وفصاحـــة لسانهـــا فطـــار عقلـــه مـــن شـــدة الغـــرام والوجـــد والهيـــام ولـــم يقـــدر أن يصبــــر عنهــــا
ساعـةً مـن الزمــان بــل مــال إليهــا وضمهــا إلــى صــدره فانطبقــت الأخــرى عليــه وصــارت بكليتهــا لديــه
وقبلتـه بيـن عينيـه وقبـل هـو فاههـا بعـد ضـم القـوام ولعــب معهــا فــي التقبيــل كــزق الحمــام فالتفتــت لــه
وفعلــت معــه مثــل مــا فعــل معهــا فهــام الحاضــرون وقامــوا علــى أقدامهــم فاستحـــى نـــور الديـــن ورفـــع
يــده عنهـــا ثـــم أنهـــا أخـــذت عودهـــا وضربـــت عليـــه طرائـــق عديـــدةً ثـــم عـــادت إلـــى الطريقـــة الأولـــى
وأنشدت هذه الأبيات:
قمرٌ يسل من الجفون إذا انثنـى غضبـاً ويهــزأ بالغــزال إذا رنــا
ملـك محاسنــه البديعــة جنــده ولدى الطعان قوامه يحكي القنا
لـو أن رقــة خصــره فــي قلبــه ما جار قطٌ على المحب ولا جنى
يا قلبه القاسـي ورقـة خصـره هـلا نقلـت إلـى هنـا مـن هنــا
يا عاذلي في حبـه كـن عـاذري فلـك البقـاء بحسنـه ولـي الفنـا
===
فلمـا سمـع نـور الديـن حسـن كلامهــا وبديــع نظامهــا مــال إليهــا مــن الطــرب ولــم يملــك عقلــه مــن التعجــب
ثم أنشد هذه الأبيات:
لقد خلتها شمس الضحى فتخيلت ولكن لهيب الحر منها بمهجتي
وماذا عليها لو أشارت فسلمت علينا بأطـراف البنـان وأومـت
رأى وجهها اللاحي فقال وتاه في محاسنها اللاتي عن الحسن جلت
أهذي التي همت شوقاً بحبهـا فإنك معذورٌ فقلت هي التـي
رمتني بسهم اللحظ عمداً وما رثت لحالي وذلي وانكساري وغربتي
فأصبحت مسلوب الفؤاد متيماً أنوح وأبكي طول يومي وليلتي
فلمــا فــرغ نــور الديــن مــن شعــره تعجبــت الصبيــة مــن فصاحتـــه ولطافتـــه وأخـــذت عودهـــا وضربـــت
عليه بأحسن حركاتها وأعادت جميع النغمات ثم أنشدت هذه الأبيات:
وحياة وجهك يا حياة الأنفـس لا حلت عنك يئست أم لا أيأس
فلئن جفوت فإن طيفك واصلٌ أو غبت عن عيني فذكرك مؤنسي
يا موحشاً طرفـي وتعلـم أننـي أبـداً بغيـر هـواك لــم أستأنــس
===
وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن الصبيــة بعدمــا فرغــت مــن شعرهــا طــرب نــور الديــن مــن إنشــاد
تلك الصبية غاية الطرب وتعجب منها غاية العجب ثم أجابها عن شعرها بهذه الأبيات:
ما أسفرت عن محيا الشمس في الغسق إلا تحجب بدر التم في الأفـق
ولا بدت لعيون الصبـح طرتهـا إلا وعـوذت ذاك الفـرق بالفلـق
خذ عن مجاري دموعها في تسلسلها وأرو حديث الهوى من أقرب الطرق
ورب راميـةٍ بالنبـل قلـت لهــا مهلاً بنبلك أن القلب في فـرق
إن كان دمعي لبحر النيل نسبته فـإن ودك منســوبٌ إلــى الملــق
قالت فهات جمع المال قلت خذي قالت ونومك أيضاً قلت من حدقي
فلمـــا سمعـــت الصبيـــة كلـــام نـــور الديـــن وحســـن فصاحتـــه طـــار قلبهـــا واندهـــش لبهـــا وقـــد احتمــــى
علــى مجامــع قلبهــا فضمتــه إلــى صدرهــا وصـــارت تقبلـــه تقبيـــلاً كـــزق الحمـــام وكذلـــك الآخـــر قابلهـــا
بتقبيــلٍ متلاحــقٍ ولكــن الفضـــل للسابـــق وبعـــد أن فرغـــت مـــن التقبيـــل أخـــذت العـــود وأنشـــدت هـــذه
الأبيات:
===
يا هاجري ما كنت أحسب أنني ألقى الإهانة في هواك وأنت لي
عنفت أرباب الصبابة بالجـوى وأبحـث فيـك لعاذليـك تذللــي
بالأمس كنت ألوم أرباب الهوى واليوم أعذر كل صب مبتلـي
وإن اعترتني مـن فراقـك شـدةً أصبحت أدعو الله باسمك يا علي
فلما فرغت تلك الصبية من شعرها أيضاً أنشدت هذين البيتين:
قد قالت العشاق إن لم يسقنـا من ريقه ورحيق فيه السلسل
ندعــــو إلــــه العالميــــن يجيبنــــا ويقـول فيــه الكــل منايــا علــي
فلمــا سمـــع نـــور الديـــن مـــن تلـــك الصبيـــة هـــذا الكلـــام والشعـــر والنظـــام تعجـــب مـــن فصاحـــة لسانهـــا
وشكرهــا علــى ظرافــة افتتانهــا فلمــا سمعــت تلــك الصبيــة ثنــاء نـــور الديـــن عليهـــا قامـــت مـــن وقتهـــا
وساعتهــا علــى قدميهــا وخلعــت جميــع مــا كــان عليهــا مــن ثيــابٍ ومصــاغٍ وتجــردت مــن ذلــك كلـــه ثـــم
جلست على ركبتيها وقبلته بين عينيه وعلى شامتي خديه ووهبت له جميع ذلك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن الصبيــة وهبــت كــل مــا كــان عليهــا لنــور الديــن وقالــت لــه: أعلــم
يـا حبيـب قلبـي أن الهديــة علــى مقــدار مهديهــا فقبــل ذلــك منهــا نــور الديــن ثــم رده عليهــا وقبلهــا فــي
فمهــا وخديهــا وعينيهــا فلمــا انقضــى ذلــك ولــم يــدم إلا الحــي القيــوم رازق الطـــاووس والبـــوم قـــام نـــور
الديـن مـن ذلـك المجلــس ووقــف علــى قدميــه فقالــت لــه الصبيــة: إلــى أيــن يــا سيــدي فقــال: إلــى بيــت
والـدي فحلـف عليـه أولــاد التجــار أن ينــام عندهــم فأبــى وركــب بغلتــه ولــم يــزل سائــرا حتــى وصــل
إلــى منــزل والــده فقامــت لــه أمــه وقالــت لــه: يــا ولــدي مــا سبــب غيابــك إلــى هــذا الوقــت واللــه إنــك
قـد شوشــت علــي وعلــى والــدك لغيابــك عنــا وقــد اشتغــل خاطرنــا عليــك ثــم إن أمــه تقدمــت إليــه
لتقبلـه فـي فمـه فشمـت منـه رائحـة الخمـر فقالـت: يـا ولـدي كيـف بعـد الصلــاة والعبــادة صــرت تشــرب
الخمــر وتعصــي مــن لــه الخلــق والأمــر فبينمــا همــا فــي الكلــام وإذا بوالــده قــد أقبـــل ثـــم إن نـــور الديـــن
ارتمــى فــي الفــراش ونــام فقــال أبــوه: مــا لنــور الديــن هكــذا قالــت أمــه: كــان رأســه أوجعــه مــن هـــواء
البستـان فعنـد ذلـك تقـدم والــده ليسألــه عــن وجعــه ويسلــم عليــه فشــم منــه رائحــة الخمــر وكــان ذلــك
التاجـر المسمـى تـاج الديـن لا يحـب مـن يشـرب الخمـر فقـال لـه: ويلـك يــا ولــدي هــل بلــغ بــك السفــه إلــى
هــذا الحــد حتــى تشــرب الخمــر فلمــا سمــع نــور الديــن كلـــام والـــده رفـــع يـــده فـــي سكـــره ولطمـــه بهـــا
فجــاءت اللطمــة بالأمــر المقــدر علـــى عيـــن والـــده اليمنـــى فسالـــت علـــى خديهـــا فوقـــع علـــى الـــأرض
===
مغشيــاً عليــه واستمــر فــي غشيتــه ساعــةً فرشــوا عليــه مــاء الـــورد فلمـــا أفـــاق مـــن غشيتـــه أراد أن
يضربه فحلف بالطلاق من أمه أنه إذا أصبح الصباح لا بد من قطع يده اليمنى.
فلمــا سمعــت أمــه كلــام والــده ضــاق صدرهــا وخافــت علــى ولدهــا ولــم تــزل تـــداري والـــده وتأخـــذ
بخاطـره إلـى أن غلـب عليـه النـوم فصبـرت إلـى أن طلـع القمـر وأتــت إلــى ولدهــا وقــد زال عنــه السكــر
فقالــت لــه: يــا نــور الديــن مــا هــذا الفعــل القبيــح الــذي فعلتــه مــع والـــدك فقـــال: ومـــا الـــذي فعلتـــه مـــع
والــدي فقالــت: إنــك لطمتــه بيــدك علــى عينــه اليمنــى فسالــت علــى خــده وقــد حلـــف بالطلـــاق أنـــه
إذا أصبــح الصبــاح لا بــد أن يقطــع يــدك اليمنــى فنــدم نــور الديــن علــى مـــا وقـــع منـــه حيـــث لا ينفعـــه
الندم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن نـور الديــن لمــا نــدم علــى مــا وقــع منــه قالــت لــه أمــه: يــا ولــدي إن
هــذا النـــدم لا ينفعـــك وإنمـــا ينبغـــي لـــك أن تقـــوم فـــي هـــذا الوقـــت وتهـــرب وتطلـــب النجـــاة لنفســـك
وتختفـي عنــد خروجــك حتــى تصــل إلــى أحــد أصحابــك وانتظــر مــا يفعــل اللــه فإنــه يغيــر حــالاً بعــد
===
ثــم إن أمــه فتحــت صنــدوق المــال وأخرجــت منــه كيســاً فيــه مائــة دينــارٍ وقالــت لــه: يـــا ولـــدي خـــذ
هــذه الدنانيــر واستعــن بهــا علــى مصالــح حالــك فــإذا فرغــت منــك يــا ولــدي فأرســل أعلمنــي حتـــى
أرسـل إليـك غيرهــا وإذا راسلتنــي فأرســل إلــي أخبــارك ســراً لعــل اللــه يقــدر لــك فرجــاً وتعــود إلــى
منزلــك ثــم أنهــا ودعتـــه وبكـــت بكـــاءً شديـــداً مـــا عليـــه مزيـــد فعنـــد ذلـــك تنـــاول نـــور الديـــن كيـــس
الدنانيـر مـن أمـه وأراد أن يذهـب فـرأى كيسـاً كبيـراً قــد نسيتــه أمــه بجنــب الصنــدوق فيــه ألــف دينــارٍ
فأخذه نور الدين ثم ربط الاثنين في وسطه ومشى من الزقاق وتوجه إلى جهة بولاق قبل الفجر.
فلمـــا أصبـــح الصبـــاح وقامـــت الخلائـــق توحـــد الملـــك الفتـــاح وذهـــب كـــل واحـــدٍ منهـــم إلـــى مقصــــده
ليحصـل مـا قسـم اللـه لـه كــان نــور الديــن وصــل إلــى بولــاق فصــار يتمشــى علــى ساحــل البحــر فــرأى
مركبــاً سقالتــه ممــدودةٌ والنــاس تطلــع فيــه وتنــزل منــه ومراسيــه أربــعٌ مدقوقــةٌ فـــي البـــر ورأى البحريـــة
واقفيـن فقـال نـور الديــن لهــم: إلــى أيــن أنتــم مسافــرون فقالــوا: إلــى مدينــة الإسكندريــة فقــال لهــم نــور
الدين: خذوني معكم فقالوا له: أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا شاب يا مليح.
فعنـــد ذلـــك نهـــض نـــور الديـــن مـــن وقتـــه وساعتـــه ومضـــى إلـــى الســـوق واشتـــرى مـــا يلزمـــه مـــن زادٍ
وفــرشٍ وغطــاءٍ ثــم عــاد إلــى المركــب وكــان ذلــك المركــب قــد تجهــز للسفـــر فلمـــا نـــزل نـــور الديـــن فـــي
المركـب لـم يمكـث إلا قليـلاً حيـن ســار مــن وقتــه وساعتــه ولــم يــزل ذلــك المركــب سائــراً حتــى وصــل
===
إلــى مدينــة الرشيــد فلمــا وصلــوا إلــى هنــاك رأى نــور الديــن مركبــاً صغيـــراً سائـــراً إلـــى الإسكندريـــة
فنـزل فيـه وعـدى الخليـج ولـم يـزل سائــراً إلــى أن وصــل إلــى قنطــرة الجامــي فطلــع نــور الديــن مــن ذلــك
الـزورق ودخـل مـن بـاب السـدرة وقـد ستـر اللـه عليـه فلـم ينظـره أحـدٌ مـن الواقفيــن فــي البــاب فمشــى
نور الدين حتى دخل مدينة الإسكندرية.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد إن نــور الديــن لمــا دخــل مدينــة الإسكندريــة رآهـــا مدينـــةً حصينـــة
الأسـوار حسنـة المتنزهـات تلـذ لسكانهـا وترغـب فـي استيطانهـا وقـد ولـى عنهـا فصـل الشتــاء ببــرودة
وأقبـل عليهـا فصــل الربيــع بــورده وأزهــرت أزهارهــا وأورقــت أشجارهــا وأينعــت أثمارهــا وتدفقــت
أنهارهــا وهــي مدينــةٌ مليحــةٌ الهندســة والقيـــاس وأهلهـــا مـــن خيـــار النـــاس إذا أغلقـــت أبوابهـــا أمنـــت
أصحابها وهي كما قيل فيها هذه الأبيات:
قـــــــد قلـــــــت يومـــــــاً لخــــــــلٍ لــــــــــــه مقــــــــــــالٌ فصيــــــــــــح
إسكندريــــــــــــــة صفهـــــــــــــــا فقــــــــــــال ثغـــــــــــــرٌ مليـــــــــــــح
===
فمشـى نـور الديـن فـي تلـك المدينـة ولـم يـزل ماشيـاً فيهـا إلـى سـوق النجاريــن ثــم إلــى ســوق الصرافيــن
ثـم إلـى سـوق النقليـة ثـم إلـى سـوق الفكهانيـة ثــم إلــى ســوق العطاريــن وهــو يتعجــب مــن تلــك المدينــة
لأن وصفها قد شاكل اسمها.
فبينمـا هـو يمشـي فـي سـوق العطاريـن إذا برجـلٍ كبيـر السـن نـزل مـن دكانــه وسلــم عليــه ثــم تنــاول يــده
ومضـى بـه إلـى منزلـه فـرأى نـور الديـن زقاقـاً مليحـاً مكنسـاً مرشوشـاً قــد هــب عليــه النسيــم وظللتــه
أوراق الشجـر وفـي ذلـك الزقـاق ثلـاث دور وفـي صــدر ذلــك الزقــاق داراً أساسهــا راســخٌ فــي المــاء
وجدرانهــا شاهقــةٌ إلـــى عنـــان السمـــاء وقـــد كنســـوا الساحـــة التـــي قدامهـــا ورشوهـــا ويشـــم روائـــح
الأزهـــار قاصدوهـــا يقابلهـــا النسيـــم كأنـــه مـــن جنـــات النعيـــم فـــأول ذلـــك الزقـــاق مكنـــوسٌ مرشــــوشٌ
وآخره بالرخام مفروشٌ.
فدخــل الشيــخ ونــور الديــن إلــى تلــك الــدار وقـــدم لـــه شيئـــاً مـــن المأكـــول فأكـــلا معـــا فلمـــا فرغـــا مـــن
الأكــل معــاً قــال لــه الشيــخ: متــى كــان القــدوم مــن مدينــة مصــر إلــى هــذه المدينــة فقــال لـــه: يـــا والـــدي
فــي هــذه الليلــة قــال لــه: مــا اسمــك قــال لــه: علــي نــور الديــن فقــال لــه الشيــخ: يــا نــور الديـــن يلزمنـــي
الطلـاق ثلاثـاً أنـك مــا دمــت مقيمــاً فــي هــذه المدينــة لا تفارقنــي وأنــا أخلــي لــك موضعــاً تسكــن فيهــا
فقـال لـه نـور الديـن: يـا سيـدي الشيـخ زدنــي بــك معرفــةً فقــال لهــا: يــا ولــدي أعلــم أنــي دخلــت مصــر
===
فـي بعـض السنيـن بتجـارةٍ فبعتهـا فيهـا واشتريـت متجـراً آخـر فاحتجـت إلـى ألـف دينـارٍ فوزنهــا عنــي
والدك تـاج الديـن مـن غيـر معرفـةٍ لـه بـي ولـم يكتـب علـي بهـا منشـوراً وصبـر علـي بهـا إلـى أن رجعـت
إلـى هـذه المدينـة وأرسلتهــا إليــه مــع بعــض غلمانــي ومعهــا هديــةً وقــد رأيتــك وأنــت صغيــر وإن شــاء
الله تعالى أجازيك ببعض ما فعل والدك معي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشيــخ قــال لنــور الديــن: إن شــاء اللــه أجازيــك ببعــض مــا فعــل
والــدك معــي فلمـــا سمـــع نـــور الديـــن هـــذا الكلـــام أظهـــر الفـــرح والإبتســـام وتنـــاول الكيـــس الـــذي فيـــه
ألــف دينــار وأعطــاه لذلــك الشيــخ وقــال لــه: خــذ هـــذا وديعـــةً عنـــدك حتـــى اشتـــري بـــه شيئـــاً مـــن
البضائع لأتجر فيه.
ثـم إن نـور الديـن أقـام فـي مدينـة الإسكندريــة مــدة أيــامٍ وهــو يتنــزه كــل يــوم فــي شــارعٍ مــن شوارعهــا
ويأكــل ويشــرب ويلتــذ ويطــرب إلــى أن فرغــت المائــة دينــار التــي كانــت معــه برســم النفقـــة فأتـــى إلـــى
الشيــخ العطــار ليأخــذ شيئــاً منــه مــن الألــف دينــار وينفقــه فلــم يجــده فــي الدكــان فجلــس فــي دكانــه
===
ينتظــره إلــى أن يعــود وصــار ينظــر علــى التجــار ويتأمــل ذات اليميــن وذات الشمــال فبينمــا هــو كذلــك
إذا بأعجمـي قـد أقبـل علـى السـوق وهـو راكـبٌ علـى بغلـةٍ وخلفـه جاريـةٌ كأنهـا فضـةٌ نقيـةٌ وبلطيـةٌ فــي
فسقيـةٍ أو غزالـةٍ فـي بريـةٍ بوجــهٍ يخجــل الشمــس المضيئــة وعيــونٍ بابليــةٍ ونهــودٍ عاجيــةٍ وأسنــانٍ لؤلؤيــةٍ
وبطـــنٍ حماصيـــةٍ وأعطـــافٍ مطويـــةٍ وسيقــــانٍ كأطــــراف ليــــةٍ كاملــــة الحســــن والجمــــال ورشيقــــة القــــد
الاعتدال كما قال فيها بعض وأصفيها:
كأنها مثل ما تهواه قد خلقـت في رونق الحسن لا طولٌ ولا قصر
الورد من خدها يحمر من خجلٍ والغصن من قدها يزهو به الثمر
البدر طلعتها والمسك نكهتهـا والغصن من قامتها ما مثلها بشر
كأنهـا أفرغـت مــن مــاء لؤلــؤةٍ في كل جارحةٍ من حسنها قمر
ثــم إن الأعجمــي نــزل عــن بغلتــه وأنــزل الصبيــة وصــاح علــى الدلــال فحضــر بيــن يديــه فقــال لــه: خــذ
هـذه الجاريـة ونـاد عليهـا فـي الســوق فأخذهــا الدلــال ونــزل بهــا إلــى وســط الســوق وغــاب ساعــةً ثــم
عـاد ومعـه كرســي مــن الأبنــوس مزركــشٌ بالعــاج الأبيــض فوضعــه الدلــال علــى الــأرض وأجلــس عليــه
تلــك الصبيــة ثــم كشــف القنــاع عــن وجههــا فبــان مــن تحتــه وجــه كأنــه ترســي ديلمـــي أو كوكـــب دري
وهي كأنها البدر في ليلة أربعة عشر بغاية الجمال الباهر كما قال فيها الشاعر:
===
وسرحة البان أن قيست بقامتها تبت يداً من غدت حمالة الحطب
وما أحسن قول الشاعر:
قل للمليحة في الخمار المذهب مــاذا فعلــت بعابـــدٍ مترهـــب
نور الخمار ونور وجهك تحتـه هزما بضوئهـا جيـوش الغيهـب
وإذا أتـى طرفـي ليسـرق نظـرةً في الخد حراسٌ رمته بكوكـب
فعنــد ذلــك قــال الدلــال للتجــار: دفعتــم فــي درة الغــواص وفتنــة القنــاص فقــال لــه تاجــر مــن التجـــار:
علي بمائة دينار وقال آخـر: بمائتيـن وقـال آخـر: بثلثمائـة ولـم يـزل التجـار يتزايـدون فـي تلـك الجاريـة إلـى
أن وصلوا ثمنها إلى تسعمائة وخمسين ديناراً وتوقف البيع على الإيجاب والقبول.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد إن التجـار يتزايـدون فـي الجاريـة إلـى أن بلــغ ثمنهــا تسعمائــة وخمسيــن
دينــاراً فعنــد ذلــك أقبــل الدلــال علــى الأعجمــي سيدهــا وقـــال لـــه: إن جاريتـــك بلـــغ ثمنهـــا تسعمائـــة
وخمسيــن دينــاراً فهــل نبيــع ونقبــض لــك الثمــن فقــال الأعجمــي: هــل هــي راضيــةٌ بذلــك فإنــي أحــب
===
مراعـاة خاطرهـا لأنـي ضعفـت فـي هـذه السفـرة وخدمتنـي هـذه الجاريـة غايـة الخدمــة فحلفــت أنــي لا
أبيعهـا إلا لمـن تشتهـي وتريـد وجعلـت بيعهــا بيدهــا فأشاورهــا فــإن قالــت رضيــت فبعهــا لمــن أرادتــه
وأن قالـت لا فــلا تبيعهــا فعنــد ذلــك تقــدم الدلــال إليهــا وقــال لهــا: يــا سيــدة الملــاح أعلمــي أن سيــدك
قــد جعــل بيعــك بيــدك وقــد بلــغ ثمنــك تسعمائــة وخمسيــن دينــاراً فتأذنيــن أن أبيعــك فقالـــت الجاريـــة
للدلــال: أرنــي الــذي يريــد أن يشترينــي قبــل انعقــاد البيــع فعنــد ذلــك جـــاء الدلـــال بهـــا إلـــى رجـــلٍ مـــن
التجــار وهــو شيــخٌ كبيــرٌ هــرمٌ فنظــرت إليــه الجاريــة ساعـــةً زمانيـــةً وبعـــد ذلـــك التفتـــت إلـــى الدلـــال
وقالــت لــه: يــا دلــال هــل أنــت مجنــون أو مصــاب فــي عقلــك فقــال لهــا الدلـــال: لـــأي شـــيءٍ يـــا سيـــدة
الملـاح تقوليـن لــي هــذا الكلــام فقالــت لــه الجاريــة: أيحــق لــك مــن اللــه أن تبيــع مثلــي لهــذا الشيــخ الهــرم
الذي قال في شأن زوجته هذه الأبيات:
تقول لي وهي غضبى من تدللها وقد دعتني إلى شيءٍ فما كانا
إن لم تنكني نيك المرء زوجتـه فـلا تلمنـي إذا أصبحـت قرنـا
كـأن أيـرك شمــعٌ مــن رخاوتــه فكلمــا عركتـــه راحتـــي لأنـــا
فلمــا سمــع شيــخ التجــار مــن تلــك الصبيــة هــذا الهجــو القبيــح اغتـــاظ غيظـــاً شديـــداً مـــا عليـــه مـــن
مزيــد وقــال للدلــال: يــا أنحــس الدلاليــن مــا جئــت لنــا فــي الســوق إلا بجاريــةٍ مشؤومــةٍ تتحـــارى علـــي
===
وتهجونــي بيــن التجــار فعنــد ذلــك أخذهــا الدلــال وانصــرف عنـــه وقـــال لهـــا: يـــا سيدتـــي لا تكونـــي
قليلــة الــأدب أن هــذا الشيــخ الــذي هجوتــه هــو شيـــخ الســـوق ومحتسبـــه وصاحـــب مشـــورة التجـــار
فضحكت وأنشدت هذين البيتين:
يصلــح للحكــام فـــي عصرنـــا وذاك للحكــــــام ممــــــا يجــــــب
السنــــق للوالــــي علـــــى بابـــــه والضــرب بالــذرة للمحتســب
ثـم إن الجاريـة قالـت للدلـال: واللـه يـا سيـدي أنـا لا أبـاع لهـذا الشيـخ فبعنـي إلـى غيـره لأنــه ربمــا خجــل
منـي فيبيعنـي إلـى آخـر فاصبــر ممتهنــة ولا ينبغــي لــي أن أدنــس نفســي بالإمتهــان وقــد علمــت إن أمــر
بيعي مفوض إلي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد إن الجاريــة قالــت للدلــال: لا ينبغــي أن أدنــس نفســي بالإمتهــان وقــد
علمـت أن أمـر بيعـي مفـوض إلـي فقـال لهـا الدلـال: سمعـاً وطاعـةً ثــم توجــه بهــا إلــى رجــلٍ مــن التجــار
الكبـار فلمـا وصـل بهـا إلـى ذلـك الرجــل قــال لهــا: يــا سيدتــي هــل أبيعــك إلــى سيــدي شريــف الديــن
===
هــذا بتسعمائــة وخمسيــن دينــاراً فنظــرت إليـــه الجاريـــة فرأتـــه شيخـــاً ولكـــن لحيتـــه مصبوغـــةً فقالـــت
للدلـال: هـل أنـت مجنـون أو مصـاب بعقلـك حتـى تبيعنـي إلــى هــذا الشيــخ الفانــي فهــل أنــا مــن كتكــت
المشــاق أو مــن مهلهــل الأخلــاق حتــى تطــوف بــي علــى شيــخٍ بعــد شيــخٍ وكلاهمــا كجــدارٍ آيـــلٍ إلـــى
السقوط أو عفريتٍ محقة النجم بالهبوط أما الأول فإنه ناطقٌ فيه لسان الحال يقول بقول من قال:
طلبـت قبلتهـا فـي الثغـر قائلــةً لا والذي أوجد الأشياء من عدم
ما كان لي في بياض الشيب من أربٍ أفي الحياة يكون القطن حشو فمي
وأمــا الآخــر فإنــه ذو عيــبٍ وريــبٍ ومســود وجــه الشيــب قــد أتــى فــي خضـــاب شيبـــه بأقبـــح عيـــنٍ
وأنشد لسان حاله هذين البيتين:
قالت أراك خضبت الشيب قلت لها كتمت عنك يا سمعي ويا بصري
فقهقهت ثم قالت إني ذا عجب تكاثر الغش حتى صار في الشعر
فلمـا سمـع الشيـخ الـذي صبـغ لحيتـه مـن تلـك الجاريــة هــذا الكلــام اغتــاظ غيظــاً شديــداً مــا عليــه مــن
مزيـدٍ وقـال للدلـال: يــا أنحــس الدلاليــن مــا جئــت فــي هــذا اليــوم إلــى سوقنــا إلا بجاريــةٍ سفيهــةٍ تسفــه
علـى كـل مـن فـي السـوق واحـداً بعـد واحـدٍ وتهجوهـم بالأشعــار والكلــام الفشــار ثــم إن ذلــك التاجــر
نـزل مـن دكانـه وضـرب الدلـال علـى وجهــه فأخذهــا الدلــال ورجــع بهــا وهــو غضبــان وقــال: واللــه إنــي
===
مـا رأيـت عمـري جاريـة أقـل حيـاء منـك وقـد قطعـت رزقـي ورزقـك فـي هـذا النهـار وقــد أبغضنــي
مـن أجلـك جميـع التجـار فرآهـا فـي الطريـق رجـلٌ مـن التجـار فـزاد فـي ثمنهــا عشــرة دنانيــرٍ وكــان اســم
ذلــك التاجــر شهــاب الديــن فاستــأذن الدلــال الجاريـــة فـــي البيـــع فقالـــت: أرنـــي إيـــاه حتـــى أنظـــر إليـــه
واسألـه عـن حاجـةٍ فـإن كانـت تلـك الحاجــة فــي بيتــه فأنــا أبــاع لــه وإلا فــلا فخلاهــا الدلــال واقفــةً ثــم
تقـدم إليـه وقـال لـه: يـا سيـدي شهـاب الديـن أعلـم إن هــذه الجاريــة قالــت لــي أنهــا تسألــك عــن حاجــةٍ
فإن كانت عندك فإنها تباع لك وها أنت وقد سمعت ما قالته لأصحابك من التجار.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثلاثين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الدلــال قــال للتاجــر: إنــك سمعــت مـــا قالتـــه هـــذه الجاريـــة لأنـــك
أنصـح التجــار واللــه خائــفٌ أن أجــيء بهــا إليــك فتعمــل معــك مثــل مــا عملــت مــع جيرانــك وأبقــى أنــا
معـك مفضوحـاً فـأي ذنـبٍ لـي فـي المجـيء بهـا فقـال: ائتنـي بهــا فقــال الدلــال: سمعــاً وطاعــةً ثــم ذهــب
الدلـــال وأتـــى بالجاريـــة إليـــه فنظرتـــه الجاريـــة وقالـــت لـــه: يـــا سيـــدي شهـــاب الديـــن هـــل فـــي بيتـــك
مــدوراتٍ محشــوةٍ بقطاعــة فــرو السنجــاب فقــال لهــا: نعــم يــا سيــدة الملــاح عنــدي فــي البيـــت عشـــرة
===
مـــدوراتٍ محشـــوةٍ بقطاعـــة فـــرو السنجـــاب فباللــــه عليــــك مــــاذا تصنعيــــن بهــــذه المــــدورات فقالــــت:
اصبـر عليـك حتـى ترقـد وأجعلهـا علـى فمــك وأنفــك حتــى تمــوت ثــم أنهــا التفتــت إلــى الدلــال وقالــت
لـه: يـا أنحـس الدلاليـن كأنـك مجنـون حتـى تعرضنـي منـذ ساعـةٍ علـى اثنيـن مـن الشيـوخ فـي كـل واحــد
منهمـا عيبــان وبعــد ذلــك تعرضنــي علــى سيــدي شهــاب الديــن وفيــه ثلاثــة عيــوب الــأول أنــه قصيــر
والثاني أنه كبير والثالث أن لحيته طويلةٌ وقد قال فيه بعض الشعراء:
مـا رأينـا ولا سمعنـا بشخــصٍ مثـل هــذا بيــن الخلائــق أجمــع
فلـــه لحيـــةٌ طـــول ذراعٍ وأنفـــه طـول شبـر وقامـةٌ طـول إصبـع
فلمــا سمــع التاجــر شهــاب الديــن مــن الجاريــة ذلــك الكلــام نــزل مــن الدكــان وأخــذ بطـــرق الدلـــال وقـــال
لـه: يـا أنحـس الدلاليـن كيـف تأتـي إلينــا بجاريــةٍ توبخنــا وتهجونــا واحــداً بعــد واحــدٍ بالأشعــار والكلــام
الفشـار فعنـد ذلـك أخذهـا الدلـال وذهــب مــن بيــن يديــه وقــال لهــا: واللــه طــول عمــري وأنــا فــي هــذه
المهنـة مـا رأيـت جاريـةً أقـل أدبـاً منـك ولا أنحـس علـي مـن نجمـك لأنـك قطعـت رزقــي فــي هــذا اليــوم
ولا ربحــت منــك إلا الصفــح علــى القفــا والأخــذ بالطــوق ثــم أن الدلــال وقــف بتلــك الجاريــة ليصاعـــد
على تاجرٍ صاحب عبيدٍ وغلمانٍ وقال لها: أتباعين لهذا التاجر سيدي علاء الدين
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الدلـــال قـــال للجاريـــة: أتباعيـــن لسيـــدي عـــلاء الديـــن فنظرتـــه
فوجدته أحدب فقالت: أن هذا أحدب وقد قال فيه الشاعر:
قصــرت مناكبــه وطـــال قفـــاه فحكاه شيطانٌ يصادف كوكباً
وكــــــان قــــــد ذاق أول مـــــــرةٍ وأحــس ثانيــة فصـــار محدبـــاً
فعنــد ذلــك أســرع الدلــال إليهــا وأخذهــا وأتــى بهــا إلــى تاجــر آخــر وقــال لهــا: أتباعيــن لهــذا فنظــرت
إليه فوجدته أعمش فقالت: أن هذا أعمش كيف تبيعني له وقد قال فيه بعض الشعراء:
رمـــــــــــــــــــدٌ أمراضــــــــــــــــــــه هــــــــــدت قـــــــــــواه لحينـــــــــــه
يـــــا قـــــوم قومــــــوا فانظــــــروا هـــــذا القـــــذى فــــــي عينــــــه
فعنــد ذلــك أخذهــا الدلــال وأتــى بهـــا إلـــى تاجـــر آخـــر وقـــال لهـــا أتباعيـــن لهـــذا فنظـــرت إليـــه فـــرأت
لحيتــه كبيــرة فقالــت للدلــال: ويلــك هــذا الرجــل كبــشٌ ولكــن طلــع ذيلــه فــي حلقــه كيــف تبعنــي لــه يــا
أنحـس الدلاليـن أمـا سمعـت إن كـل طويـل الذقـن قليـل العقـل وعلـى قـدر طـول اللحيـة يكـون نقصـانٌ فــي
العقل وهذا الأمر مشهورٌ بين العقلاء كما قال فيه بعض الشعراء:
مـــا رجـــلٌ طالـــت لـــه لحيـــةٌ فـــزادت اللحيـــة فــــي هيبتــــه
إلا ومــــا ينقــــص مــــن عقلـــــه يكــون طـــولاً زاد فـــي لحيتـــه
===
فعنـــد ذلـــك أخذهـــا الدلـــال ورجـــع بهـــا فقالـــت لـــه: أيـــن تتوجـــه فقـــال لهـــا: إلـــى سيـــدك الأعجمـــي
وكفانـا مـا جـرى لنـا بسببـك فـي هـذا النهـار وقـد تسببـت فــي منــع رزقــي ورزقــه بقلــة أدبــك ثــم أن
الجاريـة نظـرت فـي السـوق والتفتـت يمينـاً وشمـالاً وخلفـاً وأمـا مـا فوقـع نظرهــا بالأمــر المقــدر علــى نــور
الديــن علــي المصــري فرأتــه شابــاً مليحــاً نقــي الخــدر رشيــق القــد وهــو ابــن أربــع عشـــرة سنـــةً بديـــع
الحســن والجمــال والدلــال كأنــه البــدر إذا بــدر فــي ليلــة أربعــة عشــرٍ بجبيــن أزهــرٍ وخــدٍ أحمــرٍ وعنـــقٍ
كالمرمر وأسنانٍ كالجوهر وريقٍ أحلى من السكر كما قال فيه بعض واصفيه:
بـدت لتحاكـي حسنـه وجمالـه بدورٌ وغزلانٌ فقلت لهـا قفـي
رويـدك يـا غزلـان لا تتشيهــي بهــذا ويـــا أقمـــار لا تتكلفـــي
وما أحسن قول بعض الشعراء:
ومهفهـفٌ مـن شعــره وجبينــه تغــدو الــورى ظلمــةٌ وضيـــاء
لا تنكروا الخال الذي في خـده كمــا الشقيــق بنقطـــةٍ ســـوداء
فلمــا نظــرت تلــك الجاريــة إلــى نــور الديــن حــال بينهــا وبيــن عقلهــا ووقــع فــي خاطرهــا موقعــاً عظيمـــاً
وتعلق قلبها بمحبته.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الجاريــة لمــا رأت عليــاً نــور الديـــن تعلـــق قلبهـــا بمحبتـــه فالتفتـــت
إلـى الدلـال وقالـت لـه: هـل هـذا الشــاب التاجــر الــذي هــو جالــس بيــن التجــار وعليــه الفرجيــة الجــوخ
العـود مـا راد فـي تمنـي شيئــاً فقــال لهــا الدلــال: يــا سيــدة الملــاح إن هــذا شــابٌ غريــبٌ مصــريٌ والــده
مـن أكابـر التجـار بمصـر ولـه الفضـل علـى جميـع تجارهـا وأكابرهـا ولـه مـدةٌ يسيـرةٌ فـي هـذه المدينــة وهــو
مقيمٌ عند رجلٍ من أصحاب أبيه ولم يتكلم فيك بزيادة لا نقصان.
فلمــا سمعــت الجاريـــة كلـــام الدلـــال نزعـــت مـــن إصبعهـــا خاتـــم ياقـــوتٌ وقالـــت: أوصلنـــي عنـــد هـــذا
الشـاب المليـح فـإن اشترانـي كـان هــذا الخاتــم لــك فــي نظيــر تعبــك فــي هــذا اليــوم معنــا ففــرح الدلــال
وتوجـه إلـى نـور الديــن فلمــا صــارت عنــده تأملتــه فرأتــه كأنــه بــدر التمــام لأنــه ظريــف الجمــال رشيــق
القــد والإعتــدال فقالــت لــه: يــا سيــدي باللــه عليــك مــا أنــا مليحـــةٌ فقـــال لهـــا: يـــا سيـــدة الملـــاح وهـــل
فـي الدنيــا أحســن منــك فقالــت لــه الجاريــة: ولــأي شــيءٍ رأيــت التجــار كلهــم زادوا فــي ثمنــي وأنــت
ساكـتٌ مـا تكلمـت بشـيء ولـازدت فـي ثمنـي دينـاراً واحـداً كأننـي مـا عجبتــك يــا سيــدي فقــال لهــا:
يـا سيدتـي لـو كنـت فـي بلـدي كنـت اشتريتـك بجميـع مـا تملكـه يـدي مـن المـال فقالــت لــه يــا سيــدي أنــا
مـا قلـت لـك اشترنـي علـى غيـر مـرادك ولكـن لـو زدت فـي ثمنـي بشــيءٍ لجبــرت خاطــري ولــو كنــت لا
تشترينـي لأجـل أن تقـول التجــار: لــولا أن هــذه الجاريــة مليحــةً مــا زاد فيهــا هــذا التاجــر المصــري لــأن
===
أهـل مصـر لهـم خبـرةٌ بالجــواري فعنــد ذلــك استحــى نــور الديــن مــن كلــام الجاريــة الــذي ذكرتــه وأحمــر
وجهـه وقــال للدلــال: كــم بلــغ ثمــن هــذه الجاريــة قــال: بلــغ ثمنهــا تسعمائــةٍ وخمسيــن دينــاراً غيــر الدلالــة
وأمــا قانــون السلطــان فإنــه علــى البائــع فقــال نــور الديــن للدلــال: خلهــا علــي بالألــف دينــارٍ دلالــةً وثمنـــاً
فبــادرت الجاريــة وتركــت الدلــال وقالــت بعــت نفســي لهــذا الشــاب المليــح بألــف دينــار فسكــت نـــور
الديــن فقــال واحــدٌ: بعنــاه وقــال آخــر يستاهــل وقـــال آخـــر: ملعـــون ابـــن ملعـــون مـــن يـــزود ولا يشتـــري
وقــال آخــر: واللــه أنهمــا يصلحــان لبعضهمــا فلــم يشعــر نــور الديــن إلا والدلــال أحضــر القضـــاة والشهـــود
وكتبوا عقد البيع والشراء في ورقةٍ وناولها لنور الدين.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن الدلــال نــاول ورقــة الشــراء لنــور الديــن وقــال لــه: تسلــم جاريتــك
اللـــه يجعلهـــا مباركـــةٌ عليـــك فهـــي مـــا تصلـــح إلا لـــك ولا تصلــــح أنــــت إلا لهــــا وأنشــــد الدلــــال هذيــــن
البيتين:
أتتــــــــه السعـــــــــادة منقـــــــــادةٌ إليـــــــــه تجرجـــــــــر أذيالهــــــــــا
===
فعنــد ذلــك استحــى نــور الديــن مــن التجــار وقــام مــن وقتــه وساعتــه ووزن الألــف دينــار التـــي كـــان
وضعهــا وديعــةً عنــد العطــار صاحــب أبيــه وأخــذ الجاريــة وأتــى بهــا إلــى البيــت الـــذي أسكنـــه فيـــه
العطـار فلمـا دخلــت الجاريــة البيــت رأت فيــه بســاط خلــق ونطعــاً عتيقــاً فقالــت لــه: يــا سيــدي هــل
أنـا مـا لـي منزلـةٌ عنـدك ولا استحـق أن توصلنـي إلــى بيتــك الأصلــي علــى الــذي فيــه مصالحــك ولــأي
شـيء مـا دخلـت بـي عنـد أبيـك فقـال لهــا نــور الديــن: واللــه يــا سيــدة الملــاح مــا هــذا بيتــي الــذي أنــا
فيـه ولكنـه ملـك الشيـخ عطــار مــن أهــل هــذه المدينــة وقــد أخلــاه لــي وأسكننــي فيــه وقــد قلــت لــك
أننـي غريـبٌ وأننـي فـي أولـاد مدينـة مصـر فقالـت لـه الجاريـة: يـا سيــدي أقــل البيــوت يكفــي إلــى بلــدك
ولكــن يــا سيــدي باللــه عليــك أن تقــوم وتأتــي لنــا بشــيءٍ مــن اللحــم المشـــوي والمـــدام والنقـــل والفاكهـــة
فقـال لهـا نـور الديـن: واللـه يـا سيـدة الملـاح مـا كـان عنـدي مـن المـال غيـر الألــف دينــار الــذي وزنتــه فــي
ثمنك ولا أملك غير تلك الدنانير شيئاً من المال وكان معي بعض دراهم صرفتها بالأمس.
فقالـت لـه: أمـا لـك فـي هـذه المدينـة صديـق تقتـرض منـه خمسيـن درهمـاً وتأتينـي بهــا حتــى أقــول لــك
أي شـيء تفعـل بهـا فقـال لهـا: مـا لــي صديــق ســوى العطــار ثــم ذهــب مــن وقتــه وتوجــه إلــى العطــار
وقــال لــه: السلــام عليــك يــا عــم فــرد عليــه السلــام وقــال: يــا ولــدي أي شــيء اشتريــت بالألــف دينــار
فــي هــذا اليــوم فقــال لــه: اشتريــت بهــا جاريــةً. فقــال لــه: يــا ولــدي هــل أنـــت مجنـــون حتـــى تشتـــري
===
جاريـــةً واحـــدةً بألـــف دينـــارٍ مـــا جنـــس هـــذه الجاريـــة فقــــال نــــور الديــــن: يــــا عــــم أنهــــا جاريــــة مــــن
أولاد الفرنج.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد إن نــور الديــن قــال للشيــخ العطــار إنهــا جاريـــةٌ مـــن أولـــاد الإفرنـــج.
فقــال لــه الشيــخ: أعلــم يــا ولــدي أن خيــار أولــاد الإفرنــج عندنــا فــي هــذه المدينـــة ثمنـــه مائتـــي دينـــارٍ
ولكـن واللـه يـا ولـدي قـد عملـت عليـك حيلـةً فــي هــذه الجاريــة فــإن كنــت أحبتهــا فبــت عندهــا فــي
هـذه الليلــة واقــض غرضــك منهــا وأصبــح أنــزل بهــا الســوق وبعهــا ولــو كنــت تخســر فيهــا مائتــي دينــار
وقدر أنها غرفت في البحر أو طلع عليك اللصوص في الطريق.
فقـال نـور الديـن: كلامـك صحيـحٌ ولكـن يـا عـم أنـت تعــرف أنــه مــا كــان معــي غيــر الألــف دينــارٍ التــي
اشتريـــت بهـــا الجاريـــة ولـــم يبـــق معـــي شـــيءٌ أنفقــــه ولا درهــــمٌ واحــــدٌ وإنــــي أريــــد مــــن فضلــــك أن
تقرضنـي خمسيـن درهمـاً أنفقهـا إلـى غـدٍ فأبيـع الجاريـة وأردهـا لـك مـن ثمنهــا. فقــال الشيــخ: أعطيــك
يـا ولـدي علـى الـرأس والعيـن ثـم وزن لـه خمسيـن درهمـاً وقـال لـه: يــا ولــدي أنــت شــابٌ صغيــرٌ الســن
===
وهـذه الجاريــة مليحــةٌ وربمــا تعلــق بهــا قلبــك فمــا يهــون عليــك أن تبيعهــا وأنــت مــا تملــك شيئــاً تنفقــه
فتفـرغ منـك هـذه الخمسيـن درهمـاً فتأتينـي فأقرضـك أول مـرةٍ وثانـي مـرةٍ وثالـث مـرةٍ إلــى عشــر مــراتٍ
فإذا أتيتني بعد ذلك فلا أرد عليك السلام الشرعي وتضييع محبتنا مع والدك.
ثــم ناولــه الشيــخ خمسيــن درهمــاً فأخذهــا نــور الديــن وأتــى بهــا إلــى الجاريــة فقالـــت لـــه: يـــا سيـــدي
رح السـوق فـي هـذه الساعـة وهـات لنـا بعشريـن درهمـاً حريـراً ملونـاً خمسـة ألـوانٍ وهــات لنــا بالثلاثيــن
الأخرى لحماً وخبزاً وفاكهةً وشراباً ومشموماً.
فعنـد ذلـك ذهـب نـور الديـن إلـى السـوق واشتــرى منــه كــل مــا طلبتــه تلــك الجاريــة فقامــت مــن وقتهــا
وساعتهــا وشمــرت عـــن يديهـــا وطبخـــت طعامـــاً وأتقنتـــه غايـــة الإتقـــان ثـــم قدمـــت لـــه الطعـــام فأكـــل
وأكلـت معـه حتـى اكتفيـا ثـم قدمـت المـدام وشربـت هـي وإيـاه ولـم تـزل تسقيــه وتؤانســه إلــى أن سكــر
ونــام فقامــت الجاريــة مــن وقتهــا وساعتهــا وأخرجــت مــن بقجتهــا جرابــاً مــن أديـــم طائفـــي وأخرجـــت
منـه مسماريـن وقعـدت وعملـت شغلهـا إلـى أن فـرغ فصـار زنـاراً مليحــاً فلفتــه فــي خرقــةٍ بعــد صقلــه
وتنظيفه ووضعته تحت المخدة.
ثــم قامــت وتعـــرت ونامـــت بجانـــب نـــور الديـــن وكبستـــه فانتبـــه مـــن نومـــه فوجـــد بجانبـــه صبيـــةً كأنهـــا
فضـةٌ نقيـةٌ أنعــم مــن الحريــر وأطــرى مــن الليلــة وهــي أشهــر مــن علــمٍ وأحســن مــن حمــر النعــم خماسيــة
===
القـــد قاعـــدة النهـــد بحواجـــب كأنهـــا أقســـى مـــن السهـــام وعيـــونٍ كأنهـــا عيــــون غزلــــان وخــــدودٍ كأنهــــا
شقائــق النعمــان وبطــنٍ خمصيــة الأعكــان وســرةٍ تســع أوقيــة مــن دهــن البــان وفخــذان كأنهمــا مخدتــان
محشوتان من ريش النعام وبينهما شيءٌ يكل عن وصفه اللسان وتنسكب عند ذكره العبرات.
فعنـد ذلـك التفـت نـور الديـن مـن وقتــه وساعتــه إلــى تلــك الجاريــة وضمهــا إلــى صــدره ومــص شفتهــا
الفوقانيـة بعـد أن مـص التحتانيـة ثـم لـزق اللسـان بيـن الشفتيــن وقــام إليهــا مصوبــاً مدفعــه فوجدهــا درةً
مـا ثقبـت ومطيـةً لغيـره مـا ركبـت فـأزال عنهــا بكارتهــا ونــال منهــا الوصــال وانعقــدت بينهمــا المحبــة بــلا
انفكـاكٍ ولا انفصــال وتابــع فــي خدهــا تقبيــلاً كوقــع الحصــى فــي المــاء ورهــزاً كعــن الرمــاح فــي مغــارة
الشعــواء وضــم الخصــور وعــض الخــدود وركــوب النهـــود مـــع حركـــاتٍ مصريـــةٍ وغنـــجٍ يمانيـــةٍ وشهيـــقٍ
حبشيــــةٍ وفتــــورٍ هنديــــةٍ وغلمــــةٍ نوبيــــةٍ وتضجــــر ريفيــــةٍ وأنيــــن دمياطيــــةٍ وحــــرارة صعيديــــةٍ وفتـــــرة
اسكندرانيــةٍ وكانــت هــذه الجاريــة جامعــةٌ لهــذه الخصــال مــع فــرط الجمــال والدلــال ثــم نــام نــور الديـــن
هو وتلك الجارية إلى الصباح في لذةٍ وانشراح.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الثمانمائة
===
قالـت: بلغنـي أيهـا الملــك السعيــد أن نــور الديــن نــام هــو وتلــك الجاريــة إلــى الصبــاح فــي لــذةٍ وانشــراح
لابسيـن حلـل العنلـق محكمـة الـأزرار آمنيـن طــوارق الليــل والنهــار فــي الوصــال كثــرة القيــل والقــال وقــد
باتـا علــى أحســن حــال ولــم يخشيــا أحــد. فلمــا أصبــح الصبــاح وأضــاء بنــوره ولــاح انتبــه نــور الديــن
مـن نومـه فرآهـا أحضـرت المـاء فاغتســل هــو وإياهــا وأدى مــا عليــه مــن الصلــاة لربــه ثــم أتتــه بمــا تيســر
مـن المأكـول والمشـروب فأكــل وشــرب ثــم أدخلــت الجاريــة يدهــا تحــت المخــدة وأخرجــت الزنــار الــذي
صنعتـه بالليــل وناولتــه إيــاه وقالــت: يــا سيــدي خــذ هــذا الزنــار فقــال لهــا مــن أيــن هــذا الزنــار فقالــت
لـه: يـا سيـدي هـو الحريـر الـذي اشتريتـه البارحـة بالعشريـن درهمـاً فقـم واذهـب بــه إلــى ســوق العجــم
وأعطه للدلال لينادي عليه ولا تبعه إلا بعشرين ديناراً سالمةً.
فقـال لهـا نـور الديـن: يــا سيــدة الملــاح هــل شــيءٌ بعشريــن درهمــا يبــاع بعشريــن دينــاراً يعمــل فــي ليلــةً
واحــدةٌ قالــت لــه الجاريــة: يــا سيــدي أنــت مــا تعــرف قيمـــة هـــذا ولكـــن اذهـــب بـــه الســـوق وأعطـــه
للدلــال فــإذا نــادى عليــه الدلــال ظهــرت لــك قيمتــه. فعنــد ذلـــك أخـــذ نـــور الديـــن الزنـــار مـــن الجاريـــة
وأتــى بــه إلــى الســوق الأعاجــم وأعطــى الزنــار للدلــال وأمــره أن ينــادي عليـــه وقعـــد نـــور الديـــن علـــى
مصطبـة دكـان فغـاب الدلـال عنـه ساعـةً ثـم أتـى إليـه وقـال لـه: يـا سيــدي قــم اقبــض ثمــن زنــارك فقــد
بلغ عشرين ديناراً سالمة ليدك.
===
فلمــا سمــع نــور الديــن كلـــام الدلـــال تعجـــب غايـــة العجـــب واهتـــز مـــن الطـــرب وقـــام ليقبـــض العشريـــن
دينـاراً وهــو مــا بيــن مصــدقٍ ومكــذبٍ فلمــا قبضهــا ذهــب مــن ساعتــه واشتــرى بهــا كلهــا حريــراً مــن
سائر الألوان لتعمله الجارية كله زنانير ثم رجع إلى البيت وأعطاها الحرير.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن لمـــا اشتـــرى بالعشريـــن دينـــار حريـــراً أعطـــاه للجاريـــة
وقــال لهــا اعمليــه كلــه زنانيــر وعلمينــي أيضــاً حتــى أعمــل معــك فأنــي طــول عمــري مــا رأيــت صنعــةً
أحســـن مـــن هـــذه الصنعـــة ولا أكثـــر مكسبـــاً منهـــا قـــط وأنهـــا واللـــه أحســـن مـــن التجـــارة بألــــف مــــرةٍ
فضحكـت الجاريـة مـن كلامـه وقالـت لـه: يـا سيـدي نــور الديــن امــض إلــى صاحبــك العطــار واقتــرض
منه ثلاثين درهماً وفي غد أدفعها له ثمن الزنار هي والخمسين درهماً التي اقترضتها منه قبلها.
فقـام نـور الديـن وأتـى إلـى صاحبـه العطـار وقـال لـه يـا عـم اقرضنـي ثلاثيـن درهمـاً جملـة وفــي غــد أن
شـاء اللـه تعالـى أجـيء لـك بالثمانيـن درهمـاً جملــةً واحــدةً فعنــد ذلــك وزن لــه الشيــخ العطــار ثلاثيــن
درهمـاً فأخذهـا نـور الديــن وأتــى بهــا إلــى الســوق واشتــرى بهــا لحمــاً وخبــزاً ونقــلاً وفاكهــةً ومشمومــاً
===
كمــا فعــل بالأمــس وأتــى بهــا إلــى الجاريــة وكــان اســم تلــك الجاريــة مريــم الزناريــة فلمــا أخــذت اللحـــم
قامــت مــن وقتهــا وساعتهــا وهيــأت طعامــاً فاخــراً ووضعتــه قــدام سيدهــا نــور الديــن ثــم بعــد ذلــك
هيــأت سفــرت المــدام وتقدمــت تشــرب هــي وإيــاه وصــارت تمــلأ وتسقيــه ويمــلأ ويسقيهـــا فلمـــا لعـــب
المدام بعقلهما أعجبها حسن لطافته ورقة معانيه فأنشدت هذين البيتين:
أقـــول لاهيـــف حيــــاً بكــــأس لهـا مــن مســك نكهتــه ختــام
أمـن خديـك تعصــر قــال كــلا متى عصرت من الورد المـدام
ولـــم تـــزل تلـــك الجاريـــة تنـــادم نـــور الديـــن وينادمهـــا وتعطيــــه الكــــأس والطــــاس وتطلــــب أن يمــــلأ لهــــا
ويسقهــا مــا تطيــب بــه الأنفــاس وإذا وضـــع يـــده عليهـــا تتمنـــع منـــه دلـــالاً وقـــد زادهـــا السكـــر حسنـــاً
وجمالاً فأنشد هذين البيتين:
وهيفاء تهوى الراح قالت لصبها بمجلس أنسٍ وهو يخشى ملالها
إذا لم تدر كأس المدام وتسقني أبيتك مهجـور فخـاف ملالهـا
ولـم يــر إلا كذلــك إلــى أن غلــب عليــه السكــر ونــام فقامــت هــي مــن وقتهــا وساعتهــا وعملــت شغلهــا
فـي الزنـار علـى جـري عادتهـا ولمـا فرغـت أصلحتــه ولفتــه فــي ورقــة ثــم نزعــت ثيابهــا ونامــت بجانبــه
إلى الصباح.
===
وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مريــم الزناريــة لمــا فرغــت مــن شغــل الزنـــار أصلحتـــه ولفتـــه فـــي
ورقـة ونزعـت ثيابهــا ونامــت بجانبــه إلــى الصبــاح وكــان بينهمــا مــا كــان مــن الوصــل ثــم قــام نــور الديــن
وقضــى شغلــه وناولتــه الزنــار وقالــت لـــه امـــض إلـــى الســـوق وبعـــه بعشريـــن دينـــاراً كمـــا بعـــت نظيـــره
بالأمـس فعنـد ذلـك أخـذه ومضـى بــه إلــى الســوق وباعــه بعشريــن دينــاراً وأتــى إلــى العطــار ودفــع لــه
الثمانيـن درهمـاً وشكـر فضلـه ودعـا لـه فقـال يــا ولــدي هــل أنــت بعــت الجاريــة فقــال نــور الديــن كيــف
أبيـع روحـي مـن جســدي ثــم أنــه حكــى لــه الحكايــة مــن المبتــدأ إلــى المنتهــى وأخبــره بجميــع مــا جــرى
له.
ففــرح الشيـــخ العطـــار بذلـــك فرحـــاً شديـــداً مـــا عليـــه مـــن مزيـــد وقـــال لـــه واللـــه يـــا ولـــدي أنـــك قـــد
أفرحتنـي وأن شـاء اللـه أنـت بخيـر دائمـاً فأنـي أود لـك الخيـر لمحبتـي لوالـدك وبقـاء صحبتـي معـه ثــم أن
نـــور الديـــن فـــارق الشيـــخ العطـــار وراح مـــن وقتـــه وساعتـــه إلـــى الســـوق واشتــــرى اللحــــم والفاكهــــة
والشـراب وجميـع مـا يحتـاج إليـه علـى جـري العــادة وأتــى بــه إلــى تلــك الجاريــة ولــم يــزل نــور الديــن هــو
والجاريــة فــي أكــلٍ وشــربٍ ولعــبٍ وانشــراحٍ وودٍ ومنادمــةٍ مــدة سنــةٍ كاملــةٍ وهــي تعمــل فــي كـــل ليلـــةٍ
===
زنـاراً ويصبـح يبيعـه بعشريـن دينـاراً ينفـق منهــا مــا يحتــاج إليــه والباقــي يعطيــه لهــا تحفظــه عندهــا إلــى
وقت الحاجة إليه.
وبعــد السنــة قالــت لــه الجاريــة يــا سيــدي نــور الديــن إذا بعــت الزنـــار فـــي غـــد فخـــذ لـــي مـــن حقـــه
حريـراً ملونـاً ستـة ألـوانٍ فإنـه قـد خطـر ببالـي أن أصنـع لـك منديـلاً تجعلـه علـى كتفــك مــا فرحــت بمثلــه
أولــاد التجــار ولا أولــاد الملــوك فعنــد ذلــك خــرج نــور الديــن إلــى الســوق وبــاع الزنـــار واشتـــرى الحريـــر
الملــون كمــا ذكــرت لــه الجاريــة وجــاء بــه إليهــا فقعــدت مريــم الزناريـــة تصنـــع فـــي المنديـــل جمعـــةٍ كاملـــةٍ
لأنهـا كانـت كلمـا فرغـت مـن زنـار فـي ليلـةٍ تعمـل فـي المنديـل شيئـاً إلـى أن خلصتـه وناولتــه لنــور الديــن
فجعلــه علــى كتفــه وصــار يمشــي بــه فــي الســوق فصــار التجــار والنـــاس وأكابـــر البلـــد يقفـــون عنـــده
صفوفــاً ليتفرجــوا علــى حسنــه وعلــى ذلــك المنديــل وحســن صنعتــه فاتفـــق أن نـــور الديـــن كـــان نائمـــاً
ذات ليلة من الليالي فانتبه من منامه فوجد جاريته تبكي بكاءً شديداً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن نـــور الديـــن لمـــا انتبـــه مـــن منامـــه وجـــد جاريتـــه تبكــــي بكــــاءً
===
دنـــا فـــراق الحبيــــب واقتربــــا وأحربــــــا للفـــــــراق وأحربـــــــا
تفتـــت مهجتـــي فـــوا أسفـــي علــى ليــالٍ مضــت لنــا طربــا
لا بــد أن ينظـــر الحســـود لنـــا بعيــــن ســـــوءٍ ويبلـــــغ الأربـــــا
فمــا علينــا أضــر مــن حســدٍ ومـــن عيـــون الوشـــاة والرقبـــا
فقـال لهـا نـور الديـن يـا سيدتــي مريــم مالــك تبكــي فقالــت لــه أبكــي مــن ألــم الفــراق فقــد أحــس قلبــي
بـه فقـال لهـا يـا سيـدة الملـاح ومـن الـذي يفــرق بيننــا وأنــا الــآن أحــب الخلــق إليــك وأعشقهــم لــك فقالــت
لــه إن عنــدي أضعــاف مــا عنــدك ولكــن حســن الظــن بالليالــي يوقــع النـــاس فـــي الأســـف فـــإذا كنـــت
تحـرص علـى عـدم الفـراق فخـذ حـذرك مـن رجـل إفرنجــي أعــور العيــن اليمنــى وأعــرج الرجــل الشمــال
وهـو شيـخ أغبـر الوجــه مكلثــم اللحيــة لأنــه هــو الــذي يكــون سببــاً لفراقنــا وقــد رأيتــه أتــى فــي تلــك
المدينـة وأظـن أنـه مـا جـاء إلا فـي طلبـي فقـال لهـا نـور الديـن يـا سيـدة الملـاح أن وقـع بصـري عليـه قتلتــه
ومثلـــت بـــه فقالـــت لـــه مريـــم يـــا سيــــدي لا تقتلــــه ولا تكلمــــه ولا تبايعــــه ولا تشــــاوره ولا تعاملــــه ولا
تجالسه ولا تماشه ولا تتحدث معه بكلامٍ قط وادع الله أن يكفينا شره ومكره.
فلمــا أصبــح الصبــاح أخــذ نــور الديـــن الزنـــار وذهـــب بـــه إلـــى الســـوق وجلـــس علـــى مصطبـــة دكـــان
يتحـدث هـو وأولـاد التجــار فأخذتــه سنــة مــن النــوم فنــام علــى مصطبــة الدكــان فبينمــا هــو نائــم وإذا
===
بذلـك الإفرنجـي مـر علـى ذلـك السـوق فـي تلـك الساعـة ومعـه سبعـةٌ مـن الإفرنـج فـرأى نـور الديــن نائمــاً
علــى مصطبــة الدكــان ووجهــه ملفــوفٌ بذلــك المنديــل وطرفــه فــي يــده فقعــد الإفرنجــي عنـــده وأخـــذ
طـرف المنديـل وقلبـه فـي يـده واستمـر يقلـب فيـه ساعــةً فأحــس بــه نــور الديــن فأفــاق مــن النــوم فــرأى
الإفرنجــي الــذي وصفتــه الجاريــة بعينــه جالســاً عنــد رأســه فصــرخ عليــه نــور الديــن صرخــةً عظيمــةً
أرعبتـه فقــال لــه الإفرنجــي لــأي شــيء تصــرخ علينــا هــل نحــن أخذنــا منــك شيئــاً فقــال لــه نــور الديــن
واللـه يـا ملعـون لـو كنـت أخـذت شيئـاً لكنـت ذهبـت بـك إلـى الوالــي فقــال لــه الإفرنجــي يــا مسلــم بحــق
دينك وما تعتقده أن تخبرني من أين هذا المنديل فقال له نور الدين هو شغل والدتي.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الإفرنجــي لمــا ســأل نــور الديــن عــن الـــذي عمـــل المنديـــل قـــال لـــه
إن هذا المنديل شغـل والدتـي عملتـه لـي بيدهـا فقـال لـه الإفرنجـي أتبيعـه لـي وتأخـذ ثمنـه منـي فقـال لـه
نـور الديـن واللـه يـا ملعـون لا أبيعـه لـك ولا لغيـرك فإنهـا مـا عملتـه إلا علــى اسمــي ولــم تعمــل غيــره فقــال
لــه بعــه لــي وأنــا أعطيــك ثمنــه فــي هــذه الساعــة خمسمائــة دينــارٍ ودع الــذي عملتـــه تعمـــل لـــك غيـــره
===
أحسـن منـه فقـال لـه نـور الديـن: أنـا مـا أبيعـه أبـداً لأنـه لا نظيـر لـه فـي هـذه المدنيـة فقـال لـه الإفرنجــي يــا
سيـدي وهـل تبيعـه بستمائـة دينـار مـن الذهــب الخالــص ولــم يــزل يزيــده مائــةً بعــد مائــةٍ إلــى أن أوصلــه
إلى تسعمائة دينار.
فقــال لــه نــور الديــن يفتــح اللــه علــي بغيــر بيعــةٍ أنــا مــا أبيعــه ولا بألفــي دينــارٍ ولا بأكثــر أبــداً ولـــم يـــزل
ذلــك الإفرنجــي يرغــب نــور الديــن بالمــال فــي ذلــك المنديــل إلـــى أن أوصلـــه إلـــى ألـــف دينـــارٍ فقـــال لـــه
جماعــةٌ مــن التجــار الحاضريــن نحــن بعنــاك هــذا المنديــل فادفــع ثمنــه فقــال لــه نــور الديـــن أنـــا مـــا أبيعـــه
واللــه فقــال لـــه تاجـــر مـــن التجـــار أعلـــم يـــا ولـــدي أن هـــذا المنديـــل قيمتـــه مائـــة دينـــارٍ أن كثـــرت وأن
وجـد لـه راغـب وأن هـذا الإفرنجـي دفـع فيـه ألـف دينـار جملـة فربحــه تسعمائــة دينــارٍ فــأي ربــح تريــد
أكثـر مـن هــذا الربــح فالــرأي عنــدي أنــك تبيــع هــذا المنديــل وتأخــذ الألــف دينــار وتقــول للــذي عملتــه
لـك تعمـل لـك غيـره أو أحسـن منــه واربــح أنــت الألــف دينــارٍ مــن هــذا الإفرنجــي المنديــل بألــف دينــارٍ
ودفـع لـه الثمـن فـي الحضـرة وأراد نـور الديـن أن ينصـرف ويمضــي إلــى جاريتــه مريــم ليبشرهــا بمــا كــان
من أمر الإفرنجي.
فقـال الإفرنجـي يـا جماعـة التجـار احجـزوا نـور الديـن فإنكـم وإيـاه ضيوفـي فـي هــذه الليلــة فــإن عنــدي
خابيـة خمـر رومـي مـن معتـق الخمـر وخروفـاً سمينـاً وفاكهــةً ونقــلاً ومشمومــاً فأنتــم تؤانسوننــا فــي هــذه
===
الليلـة ولا يتأخـر أحـدٌ منكـم فقـال التاجـر يــا سيــدي نــور الديــن نشتهــي أن تكــون معنــا فــي مثــل هــذه
الليلـــة لنتحـــدث وإيـــاك فمـــن فضلـــك وإحسانـــك أن تكـــون معنـــا فنحـــن وإيــــاك ضيــــوفٌ عنــــد هــــذا
الإفرنجـي لأنـه رجـلٌ كريـمٌ ثـم أنهـم حلفـوا عليـه بالطلـاق ومنعـوه بالإكــراه عــن الــرواح إلــى بيتــه ثــم قامــوا
مــن وقتهــم وساعتهــم وقفلــوا الدكاكيـــن وأخـــذوا نـــور الديـــن معهـــم وراحـــوا مـــع الإفرنجـــي إلـــى قاعـــةٍ
مطيبـةٍ رحيبـةٍ بلوانيـن فأجلسهـم فيهـا ووضـع بيـن أيديهـم سفـرة غريبـة الصنـع بديعـة العمــل فيهــا صــورة
كاســرٌ ومكســور وعاشــقٌ ومعشــوق وسائــلٌ ومســؤول ثــم وضــع الإفرنجــي علــى تلــك السفــرة الأوانــي
النفيسة من الصيني والبلور وكلها مملوءة بنفائس النقل والفاكهة والمشموم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الإفرنجــي لمــا وضــع السفــرة وعليهــا أوانـــي صينـــي وبلـــور مملـــوءة
بنفائــس النقــل والفاكهــة والمشمــوم ثـــم قـــدم لهـــم الإفرنجـــي خابيـــة ملآنـــة بالخمـــر الرومـــي المعتـــق وأمـــر
بذبــح خــروف سميــن ثــم أن الإفرنجـــي أوقـــد النـــار وصـــار يشـــوي مـــن ذلـــك اللحـــم ويطعـــم التجـــار
ويسقيهـم مـن ذلـك الخمـر ويغمزهــم علــى نــور الديــن أن ينزلــوا عليــه بالشــراب فلــم يزالــوا يسقونــه حتــى
===
سكـر وغـاب عـن وجـوده فلمــا رآه الإفرنجــي مستغرقــاً فــي السكــر قــال آنســت يــا سيــدي نــور الديــن
فـي هـذه الليلـة فمرحبـا بـك وصــار الإفرنجــي يؤانســه بالسلــام ثــم تقــرب منــه وجلــس بجانبــه وسارقــه
في الحديث ساعةً زمانيةً.
ثــم قــال لــه يــا سيــدي نــور الديــن هــل تبيعنــي جاريتــك التــي اشتريتهــا بحضــرة هــؤلاء التجـــار بألـــف
دينـارٍ مـن مـدة سنــةٍ وأنــا أعطيــك فــي ثمنهــا الــآن خمســة آلــاف دينــارٍ فأبــى نــور الديــن ولــم يــزل ذلــك
الإفرنجــي يطعمــه ويسقيــه ويرغبــه فــي المــال حتــى أوصــل الجاريــة إلــى عشــرة آلــاف دينــارٍ فقـــال نـــور
الديــن وهــو فــي سكــره قــدام التجــار بيعتــك إياهــا هــات عشــرة آلــاف دينــار ففــرح الإفرنجـــي بذلـــك
القــول فرحــاً شديــداً وأشهــد عليــه التجــار وباتــوا فــي أكــلٍ وشــربٍ وانشــراحٍ إلــى الصبــاح ثـــم صـــاح
الإفرنجـي علـى غلمانـه وقـال لهـم ائتونـي بالمـال فأحضــروا لــه المــال فعــد نــور الديــن العشــرة آلــاف دينــار
نقـداً وقـال لـه يـا سيـدي نـور الديـن تسلـم هـذا المـال ثمـن جاريتـك التـي بعتهـا فـي الليلـة الماضيـة بحضــرة
هؤلاء التجار المسلمين.
فقــال نــور الديــن يــا ملعــون أنــا مـــا بعتـــك شيئـــاً وأنـــت تكـــذب علـــي وليـــس عنـــدي جـــوار فقـــال لـــه
الإفرنجـي لقـد بعتنـي جاريتـك وهـؤلاء التجــار يشهــدون عليــك بالبيــع فقــال التجــار كلهــم نعــم يــا نــور
الديــن أنــت بعتــه جاريتــك قدامنــا ونحــن نشهــد عليــك أنــك بعتـــه إياهـــا بعشـــرة آلـــاف دينـــار ثـــم قـــم
===
اقبـض الثمــن وسلــم إليــه الجاريــة واللــه يعوضــك خيــراً منهــا أتكــره يــا نــور الديــن أنــك اشتريــت جاريــة
بألـف دينـار ولـك سنـة ونصـف تتمتـع بحسنهـا وجمالهـا وتتلـذذ فـي كــل ليلــةٍ بمنادمتهــا ووصالهــا وبعــد
ذلـك ربحـت مــن هــذه الجاريــة تسعــة آلــاف دينــار فــوق ثمنهــا الأصلــي وفــي كــل يــوم تعمــل لــك زنــاراً
تبيعه بعشرين ديناراً.
وبعـد ذلـك كلـه تنكـر البيــع وتستقــل الربــح أي ربــح أكثــر مــن هــذا الربــح وأي مكســبٍ أكثــر مــن هــذا
المكسـب فـإن كنـت تحبهـا فهـا أنــت قــد شبعــت منهــا فــي هــذه المــدة فاقبــض الثمــن واشتــري غيرهــا
أحســن منهــا أو نزوجــك بنتــاً مــن بناتنــا بمهــر أقــل مــن نصــف هــذا الثمـــن وتكـــون البنـــت أجمـــل منهـــا
ويصيــر معـــك باقـــي المـــال رأس مـــال فـــي يـــدك ولـــم يـــزل التجـــار يتكلمـــون مـــع نـــور الديـــن بالملاطفـــة
والمخادعـــة إلـــى أن قبـــض العشـــرة آلـــاف دينـــار ثمـــن الجاريـــة وأحضـــر الإفرنجـــي مـــن وقتـــه وساعتـــه
القضـاة والشهـود فكتبـوا لــه حجــة باشتــراء الجاريــة التــي اسمهــا مريــم الزناريــة مــن نــور الديــن هــذا مــا
كان من أمر نور الدين.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر مريــم الزناريــة فإنهــا قعــدت تنتظــر سيدهــا جميــع ذلــك اليــوم إلــى المغـــرب ومـــن
المغــرب إلــى نصــف الليــل فلــم يعــد إليهــا سيدهــا فحزنـــت وصـــارت تبكـــي بكـــاءً شديـــداً فسمعهـــا
الشيــخ العطـــار وهـــي تبكـــي فأرســـل إليهـــا زوجتـــه فدخلـــت عليهـــا فرأتهـــا تبكـــي فقالـــت لهـــا: يـــا
===
سيدتــي مــا لــك تبكيــن فقالــت لهــا: يــا أمــي إنــي قعــدت انتظــر مجــيء سيــدي نــور الديــن فمـــا جـــاء
إلــى هــذا الوقــت وأنــا خائفــةٌ أن يكــون أحــدٌ عمــل عليــه حيلــةً مــن أجلــي لأجــل أن يبيعنــي فدخلـــت
عليه بالحيلة وباعني.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مريــم الزناريــة قالــت لزوجــة العطــار: أنـــا خائفـــةٌ أن يكـــون أحـــدٌ
عمـل علـى سيـدي حيلـة مـن شأنـي لأجـل أن يبيعنـي فدخلـت عليـه الحيلـة وباعنـي فقالـت لهـا زوجــة
العطــار: يــا سيدتــي مريــم لــو أعطــوا سيــدك فيــك مــلء هــذه القاعــة ذهبــاً لــم يبعــك لمـــا أعرفـــه مـــن
محبتـه لـك ولكـن يـا سيدتـي مريـم ربمـا يكـون جماعـةً أتـوا مـن مدينــة مصــر مــن عنــد والديــه فعمــل لهــم
عزومـه فــي المحــل الــذي هــم نازلــون فيــه واستحــى أن يأتــي بهــم إلــى هــذا المحــل لأنــه لا يسعهــم ولــأن
مرتبتهـم أقـل مـن أن يجـيء بهـم إلـى البيـت أو أحـب أن يخفـي أمــرك عنهــم فبــات عندهــم إلــى الصبــاح
ويأتي إن شـاء اللـه تعالـى إليـك فـي الغـد بخيـر فـلا تحمـل نفسـك همـاً ولا غمـاً يـا سيدتـي فهـذا سبـب
غيابه عنك في هـذه الليلـة وهـا أنـا أبيـت عنـدك فـي هـذه الليلـة وأسليـك إلـى أن يأتـي إليـك سيـدك ثـم
===
فلمــا أصبــح الصبــاح نظــرت مريــم سيدهــا نــور الديــن وهــو داخــل مــن الزقــاق وذلـــك الإفرنجـــي وراءه
وجماعـــة التجـــار حواليـــه فلمـــا رأتهـــم مريـــم ارتعـــدت فرائصهـــا واصفـــر لونهـــا وصـــارت ترتعـــد كأنهـــا
سفينـةٌ فـي وسـط بحـرٍ مــع شــدة الريــح فلمــا رأتهــا امــرأة العطــار قالــت لهــا: يــا سيدتــي مريــم مــا لــي
أراك قــد تغيــر حالــك واصفــر لونـــك وازداد بـــك الذهـــول فقالـــت لهـــا الجاريـــة: يـــا سيدتـــي واللـــه أن
قلبــي قــد أحــس بالفــراق وبعــد التلــاق ثــم إن مريــم الزناريــة بكــت بكــاءً شديــداً مــا عليـــه مـــن مزيـــد
وتيقنـت الفــراق وقالــت لزوجــة العطــار: يــا سيدتــي أمــا قلــت لــك أن سيــدي نــور الديــن قــد عملــت
عليه حيلةٌ من أجل بيعـي فمـا أشـك أنـه باعنـي فـي هـذه الليلـة لهـذا الإفرنجـي وقـد كنـت حذرتـه منـه
ولكـن لا ينفـع حـذر مـن قـدر فقـد بـان لـك صـدق قولـي فبينمـا هــي وزوجــة العطــار فــي الكلــام وإذا
بسيدهـا نـور الديـن دخـل عليهـا فـي تلـك الساعـة فنظـرت إليـه الجاريـة فرأتــه قــد تغيــر لونــه وارتعــدت
فرائصـه ويلـوح علـى وجهـه أثـر الحــزن والندامــة فقالــت لــه: يــا سيــدي نــور الديــن كأنــك بعتنــي فبكــى
بكاءً شديداً وتاه وتنفس الصعداء وأنشد هذه الأبيات:
هي المقادير فمـا يغنـي الحـذر إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
إذا أراد اللـــــه أمـــــراً بأمـــــرئ وكــان ذا عقــلٍ وسمــعٍ وبصـــر
أصـــم أذنيــــه وأعمــــى عينــــه وسـل منـه عقلــه ســل الشعــر
===
فلا تقل فيما جرى كيف جرى فكــل شـــيءٍ بقضـــاء وقـــدر
ثـم أن نـور الديـن اعتـذر إلـى الجاريـة وقـال لهـا: واللــه يــا سيدتــي مريــم أنــه قــد جــرى القلــم بمــا حكــم
اللـه والنـاس قـد عملـوا علــي حيلــةً مــن أجــل بيعــك فدخلــت علــي الحيلــة فبعتــك وقــد فرطــت فيــك
أعظــم تفريــطٍ ولكــن عســى مــن حكـــم بالفـــراق أن يمـــن بالتلـــاق فقالـــت لـــه: قـــد حذرتـــك مـــن هـــذا
وكان في وهمي ثم ضمته إلى صدرها وقبلته ما بين عينيه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الجاريــة لمــا ضمــت نـــور الديـــن وقبلتـــه مـــا بيـــن عينيـــه أنشـــدت
هذه الأبيات:
وحق سواكم ما سلوت ودادكم ولو تلفت روحي هوىً وتشوقا
أنــوح وأبكــي كـــل يـــومٍ وليلـــةٍ كما ناح قمري على شجر النقا
تنغص عيشي بعدكم يا أحبتي متى غبتم عني فما لي ملتقـى
فبينمــا هـــي علـــى هـــذه الحالـــة وإذا بالإفرنجـــي قـــد طلـــع عليهمـــا وتقـــدم ليقبـــل أيـــادي السيـــدة مريـــم
===
فلطمتـه بكفهـا علـى خـده وقالـت لـه: ابعـد يـا ملعـون فمـا زلــت ورائــي حتــى خدعــت سيــدي ولكــن
يـــا ملعـــون إن شـــاء اللـــه تعالـــى لا يكـــون الأخيـــر فضحـــك الإفرنجـــي مـــن قولهـــا وتعجـــب مـــن فعلهــــا
واعتـذر إليهـا وقـال لهـا: يـا سيدتـي مريـم أي شـيءٍ ذنبـي أنـا وإنمــا سيــدك نــور الديــن هــذا هــو الــذي
باعــك برضــا نفســه وطيــب خاطــره وأنــه وحــق المسيــح لــو كــان يحبــك مــا فــرط فيــك ولــولا أنــه فــرغ
غرضه منك ما باعك.
وكانـــت هـــذه الجاريـــة بنـــت ملــــك إفرنجــــة وهــــي مدينــــةٌ واسعــــة الجهــــات كثيــــرة الصنائــــع والغرائــــب
والبنـات تشبـه مدينـة القسطنطينيـة وقـد كـان لنـزوح تلــك الجاريــة مــن عنــد أبيهــا وأمهــا سببــاً عجيبــا
وأمـــراً غريبـــاً وذلـــك أنهـــا تربـــت عنـــد أبيهـــا وأمهــــا فــــي العــــز والدلــــال وتعلمــــت الفصاحــــة والكتابــــة
والفروسيـــة والشجاعـــة وتعلمـــت جميـــع الصنائـــع مثـــل الزركشـــة والخياطــــة والحياكــــة وصنعــــة الزنــــار
والعقــادة ورمــي الذهــب علــى الفضــة والفضــة علــى الذهــب وتعلمــت جميــع صنائــع الرجـــال والنســـاء
حتـــى صـــارت فريـــدة زمانهـــا ووحيــــدة عصرهــــا وأوانهــــا وقــــد أعطاهــــا اللــــه مــــن الحســــن والجمــــال
والظـرف والكمـال مــا فاقــت بــه علــى جميــع أهــل عصرهــا فخطبهــا ملــوك الجزائــر مــن أبيهــا وكــان كــل
مـــن خطبهـــا منـــه يأبـــى أن يزوجهـــا لـــه لأنـــه كـــان يحبهـــا حبـــاً عظيمـــاً ولا يقـــدر علـــى فراقهـــا ساعــــةً
واحـدةً ولـم يكـن عنـده بنـتٌ غيرهـا وكـان لـه مـن الأولـاد الذكـور كثيــر ولكنــه كــان مشغوفــاً بحبهــا أكثــر
===
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن مريـــم مرضـــت مرضـــاً شديـــداً حتــــى أشرفــــت علــــى الهلــــاك
فنـذرت علـى نفسهـا أنهــا إذا عوفيــت مــن هــذا المــرض تــزور الديــر الفلانــي فــي الجزيــرة الفلانيــة وكــان
ذلـــك الديـــر معظمـــاً عندهـــم وينـــذرون لـــه النـــذور ويتبركــــون بــــه فلمــــا عوفيــــت مريــــم مــــن مرضهــــا
أرادت أن توفــي نذرهــا الــذي نذرتــه علــى نفسهــا لذلــك الديــر فأرسلهــا والدهـــا ملـــك الإفرنجـــة إلـــى
تلــك الديـــر فـــي مركـــبٍ صغيـــرٍ وأرســـل معهـــا بعـــضٌ مـــن بنـــات أكابـــر المدينـــة ومـــن البطارقـــة لأجـــل
خدمتها.
فلمـا قربـت مـن الديـر استقلـت مركبـاً مــن مراكــب المسلميــن والمجاهديــن فــي سبيــل اللــه فأخــذوا جميــع
مــا فـــي المركـــب مـــن البطارقـــة والبنـــات والأمـــوال والتحـــف فباعـــوا مـــا أخـــذوه فـــي مدينـــة القيـــروان
فوقعــت مريــم فــي يــد رجــلٍ أعجمــي تاجــرٍ مـــن التجـــار وقـــد كـــان ذلـــك الأعجمـــي عنينـــاً لا يأتـــي
النساء ولم تنكشف له عورةٌ على امرأة فجعلها للخدمة.
ثــم أن ذلــك الأعجمــي مــرض مرضــاً شديـــداً حتـــى أشـــرف علـــى الهلـــاك وطـــال عليـــه المـــرض مـــدة
===
شهـورٍ فخدمتـه مريـم وبالغـت فـي خدمتـه إلـى أن عافـاه اللــه مــن مرضــه فتذكــر ذلــك الأعجمــي منهــا
الشفقــة والحنيــة عليــه والقيــام بخدمتــه فــأراد أن يكافئهــا علــى مــا فعلتــه معـــه مـــن الجميـــل فقـــال لهـــا:
تمنـي يـا مريـم فقالـت: يـا سيـدي تمنيـت عليـك أن لا تبيعنــي إلا لمــن أريــده وأحبــه فقــال لهــا: نعــم لــك
علـى ذلـك يـا مريـم مـا أبيعـك إلا لمـن تريدينــه وقــد جعلــت بيعــك بيــدك ففرحــت فرحــاً شديــداً وكــان
الأعجمــي قــد عــرض عليهــا الإسلــام فأسلمــت وعلمهــا العبــادات فتعلمــت مـــن ذلـــك الأعجمـــي فـــي
تلــك المــدة أمـــر دينهـــا ومـــا وجـــب عليهـــا وحفظهـــا القـــرآن ومـــا تيســـر مـــن العلـــوم الفقهيـــة والأحاديـــث
النبويــة فلمــا دخــل بهــا مدينــة إسكندريــة باعهــا لمــن أرادتــه وجعــل بيعهــا بيدهــا كمــا ذكرنــا فأخذهــا
علي نور الدين كما أخبرنا هذا سبب خروجها من بلادها.
وأمــا مـــا كـــان مـــن أمـــر أبيهـــا ملـــك إفرنجـــة فإنـــه لمـــا بلغـــه أمـــر ابنتـــه ومـــن معهـــا قامـــت عليـــه القيامـــة
وأرســل خلفهــا المراكــب وصحبتهــم البطارقــة والفرســان والرجــال الأبطــال فلــم يقعـــوا لهـــا علـــى خبـــر
بعد التفتيش في جزائر المسلمين ورجعوا إلى أبيها بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد الثمانمائة
===
قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن مريــم لمــا فقــدت أرســل أبيهــا خلفهــا الرجــال والأبطــال فلــم يقعــوا
لهـا علـى خبـر بعـد التفتيـش عليهـا فحــزن أبوهــا حزنــاً شديــداً فأرســل وراءهــا ذلــك الأعــور اليميــن
والأعـــرج الشمـــال لأنـــه كـــان أعظـــم وزرائـــه وكـــان جبـــاراً عنيـــداً ذو حيـــلٍ وخـــداعٍ وأمـــره أن يفتـــش
عليهـا فـي جميـع بلـاد المسلميـن ويشتريهـا ولـو بمـلء مركــبٍ ذهبــاً ففتــش عليهــا ذلــك الملعــون فــي جزائــر
البحـار وسائـر المـدن فلـم يقـع لهـا علـى خبــر إلــى أن وصــل إلــى مدينــة إسكندريــة وســأل عنهــا فوقــع
علـى خبرهـا عنـد نـور الديـن المصـري فجـرى لـه مـا جـرى وعمــل عليــه حيلــةً حتــى اشتراهــا منــه كمــا
ذكرنا بعد الاستدلال عليها بالمنديل الذي لا يحسن صنعته غيرها.
وكـــان قـــد وصـــى التجـــار واتفـــق علـــى خلاصهـــا بالحيلـــة فلمـــا صـــارت عنـــده مكثــــت فــــي بكــــاءٍ
وعويـلٍ فقــال لهــا: يــا سيدتــي مريــم خلــي عنــك هــذا الحــزن والبكــاء وقومــي معــي إلــى مدينــة أبيــك
ومحـل مملكتـك ومنــزل عــزك ووطنــك لتكونــي بيــن خدمــك وغلمانــك واتركــي هــذا الــذل وهــذه الغربــة
ويكفـي مـا حصـل لـي مـن التعـب والسفــر مــن أجلــك وصــرف أمــوالٍ فــإن لــي فــي التعــب والسفــر نحــو
سنـة ونصـف وقـد أمرنــي والــدك أن أشتريــك ولــو بمــلء مركــب ذهبــاً ثــم إن وزيــر ملــك إفرنجــة صــار
يقبـل قدميهـا ويتخضـع لهـا ولــم يــزل يكــرر تقبيــل يديهــا وقدميهــا ويــزداد غضبهــا عليــه كلمــا فعــل ذلــك
أدباً معها وقالت له: يا ملعون إن شاء الله تعالى لا يبلغك ما في مرادك.
===
ثــم قــدم إليهــا الغلمــان فــي تلــك الساعــة بغلــةً بســرجٍ مزركــشٍ وأركبوهــا عليــه ورفعــوا فـــوق رأسهـــا
سحابـة مـن حريـرٍ بعواميـدٍ مـن ذهـب وفضـة وصـار الإفرنـج يمشـون حولهـا حتــى طلعــوا بهــا مــن بــاب
البحـر وأنزلوهـا فيهــا فعنــد ذلــك نهــض الوزيــر الأعــور وقــال لبحريــة المركــب: ارفعــوا الصــاري فرفعــوه
مــن وقتهــم وساعتهـــم ونشـــروا القلـــوع والأعلـــام ونشـــروا القطـــن والكتـــان وعملـــوا المقاذيـــف وسافـــرت
بهــم تلــك المركــب هــذا كلــه ومريــم تنظــر إلــى ناحيــة إسكندريــة حتـــى غابـــت عـــن عينهـــا فصـــارت
تبكي في سرها بكاءً شديداً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن مريـــم الزناريـــة صـــارت تنظـــر إلــــى ناحيــــة إسكندريــــة حتــــى
غابت عن عينيها فبكت وانتحبت وسكبت العبرات وأنشدت هذه الأبيات:
أيا منزل الأحباب هل لك عودةٌ إلينا وما حلمي بما اللـه صانـع
فسارت بنا سفن الفراق وأسرعت وطرف قريح قد محتـه المدامـع
لفرقة خلٍ كان غايـة مقصـدي به يشتفي سقمي وتمحى المواجع
===
ولــم تـــزل كلمـــا تذكرتـــه تبكـــي وتنـــوح فأقبـــل عليهـــا البطارقـــة يلاطفونهـــا فلـــم تقبـــل منهـــم كلامـــاً بـــل
شغلها داعي الوجد والغرام ثم أنها بكت وأنّت واشتكت وأنشدت هذه الأبيات:
لسان الهوى في مهجتي لك ناطقٌ يخبـر عنـي أننــي لــك عاشــقٌ
ولي كبد جمر الهوى قد أذابهـا وقلبي جريحٌ من فراقك خافـق
وكم أكتم الحب الذي قد أذابني فجفني قريـح والدمـوع سوابـق
ولــم تــزل مريــم علــى هــذه الحالــة لا يقــر لهــا قــرار ولا يطاوعهــا اصطبــار مـــدة سفرهـــا هـــذا مـــا كـــان
من أمرها هي والوزير الأعور.
وأمـا مـا كــان مــن أمــر نــور الديــن علــي المصــري ابــن تــاج الديــن فإنــه بعــد نــزول مريــم المركــب وسفرهــا
ضاقـت عليـه الدنيـا وصـار لا يقـر لـه قـراراً ولا يطاوعـه اصطبـار فتوجــه إلــى القاعــة التــي كــان مقيمــاً
بهـا هــو ومريــم فــرآه فــي وجهــه ســوداء مظلمــة ورأى العــدة التــي كانــت تشتغــل عليهــا الزنانيــر وثيابهــا
التي كانت على جسدها فضمها إلى صدره وبكى وفاضت من جفنه العبرات
وأنشد هذه الأبيات
ترى هل يعود الشمل بعد تشتتي وبعـد توالـي حسرتـي وتلفتــي
فهيهات ما قد كان ليس براجعٍ فيا هل ترى أحظى بوصل حبيبتي
===
ويحفظ ودي من بجهلي أضعته ويرعى عهودي ثم سالف صحبتي
فمـا أنـا إلا ميـت بعـد بعدهـم وهل ترتضي الأحباب يوماً منيتي
فيا أسفي إن كان يجد تأسفي لقد ذبت وجداً من تزايد حسراتي
وضاع زمانٌ كان فيه تواصلي فيا هل ترى دهري يجود بمنيتي
فيا قلب زد وجداً ويا عين اهملي دموعاً ولا تبقى الدموع بمقلتي
ويا بعد أحبابي وفقد تصبري وقد قل أنصاري وزادت بليتي
سألت الله رب العالمين يجود لي بعود حبيبي والوصال كعادتـي
ثــم أن نـــور الديـــن بكـــى بكـــاءً شديـــداً مـــا عليـــه مـــن مزيـــد ونظـــر إلـــى زوايـــا القاعـــة وأنشـــد هذيـــن
البيتين:
أرى آثارهــم فـــأذوب شوقـــاً وأجري فـي مواطنهـم دموعـي
وأسأل من قضى بالبعد عنهم يمــــن علـــــي يومـــــاً بالرجـــــوع
ثــم أن نــور الديــن نهــض مــن وقتــه وساعتــه وقفــل بــاب الــدار وخــرج يجــري إلــى البحــر وصــار يتأمـــل
في موضع المركب التي سافرت بمريم.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن لمــا خــرج يجــري إلــى البحــر صــار يتأمــل فـــي موضـــع
المركب التي سافرت بمريم ثم بكى وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات:
سلامٌ عليك ليس لي عنكم غنى وإني على الحالين في القرب والبعد
أحن إليكم كل وقـتٍ وساعـةٍ واشتاقكم شوق العطاش إلى الورد
وعندكم سمعي ولبي وناظـري وتذكاركم عندي ألذ من الشهد
فيا أسفي لما استقلت ركابكم وحادت بكم تلك السفينة عن قصد
ثـم أن نـور الديـن نـاح وبكـى وأن واشتكـى ونـادى: يــا مريــم يــا مريــم هــل كانــت رؤيتــي لــك فــي المنــام
أم أضغـاث أحلـام فبينمــا نــور الديــن علــى هــذه الحالــة يبكــي ويقــول: يــا مريــم يــا مريــم وإذا بشيــخٍ قــد
طلع من مركبٍ وأقبل عليه فرآه يبكي وينشد هذين البيتين:
يا مريم الحسن عودي أن لي مقلا سحائب المزن تجري من سواكبها
واستخبري عذلي دون الآنام تري أجفان عيني غرقى في كواكبها
فقـال الشيـخ: يـا ولـدي كأنـك تبكـي علـى الجاريـة التـي سافــرت البارحــة مــع الإفرنجــي فلمــا سمــع نــور
الديـن كلـام الشيـخ خـر مغشيـاً عليــه ساعــةً زمانيــةً ثــم أفــاق وبكــى بكــاءً شديــداً مــا عليــه مــن مزيــد
وأنشد هذه الأبيات:
===
فـإن فـي قلبـي لوعــةً وصبابــةً ويزعجني قبل الوشاة وقال لها
أقيـــم نهـــاري باهتـــاً متحيـــراً وفي الليل أرجو أن يزور خيالها
فو الله لا أسلو عن العشق ساعةً وكيف ونفسي في الوشاة ملالها
منعمة الأطراف مهضومة الحشا لها مقلةٌ في القلب منـي نبالهـا
يحاكي قضيب البان في الروض قدها ويخجل ضوء الشمس حسناً جمالها
ولـولا أخـاف اللـه جـل جلالــه لقلت لذات الحسن جل جلالها
فلمــا نظــر ذلــك الشيــخ إلــى نــور الديــن ورأى جمالــه وقــده واعتدالــه وفصاحـــة لسانـــه ولطـــف اقتنائـــه
حـزن قلبـه عليـه ورق لحالـه وكـان ذلــك الشيــخ رئيــس مركــب مسافــرة إلــى مدينــة تلــك الجاريــة وفيهــا
مائــة تاجــرٍ مــن تجــار المسلميــن المؤمنيــن فقــال لــه: اصبــر ولا يكــون إلا خيــراً فــإن شـــاء اللـــه سبحانـــه
وتعالى أوصلك إليها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشيــخ الريــس لمــا قــال لنــور الديـــن: أنـــا أوصلـــك إليهـــا إن شـــاء
===
اللـه تعالـى قـال لـه نـور الديـن: متـى السفـر قـال الريـس: بعـد ثلاثــة أيــامٍ تسافــر فــي خيــر وسلامــةٍ فلمــا
سمــع نــور الديــن كلــام الريــس فــرح فرحــاً شديــداً وشكــر فضلــه وإحسانــه ثــم إن نــور الديــن طلـــع مـــن
وقتــه وساعتــه وتوجــه إلــى الســوق وأخــذ منــه جميــع مــا يحتــاج إليــه مـــن الـــزاد وأدوات السفـــر وأقبـــل
على ذلك الريس.
فلمــا رآه قــال: يــا ولــدي مــا هــذا الــذي معــك قـــال: زوادتـــي ومـــا أحتـــاج إليـــه فـــي السفـــر فضحـــك
الريــس مــن كلامــه وقــال لــه: يــا ولــدي هــل أنــت رائــحٌ تتفــرج علـــى عمـــود السوارتـــي إن بينـــك وبيـــن
مقصــدك مسيــرة شهريــن إذا طــاب الريــح وصفــت الأوقــات ثــم أن ذلـــك الشيـــخ أخـــذ مـــن نـــور الديـــن
شيئـاً مـن الدراهـم وطلـع إلـى السـوق واشتــرى لــه جميــع مــا يحتــاج إليــه فــي السفــر علــى قــدر كفايتــه
ومــلأ لــه خابيــة مــاء حلــوٍ ثــم أقــام نــور الديـــن فـــي المركـــب ثلاثـــة أيـــام إلـــى أن تجهـــز التجـــار وقضـــوا
مصالحهم ونزلوا في المركب ثم حل الريس قلوعها وساروا مدة إحدى وخمسين يوماً.
وبعـد ذلـك خـرج عليهـم القرصـان قطـاع الطريـق فنهبـوا المركـب وأســروا جميــع مــن فيهــا وأتــوا بهــم إلــى
مدينــة إفرنجــة وعرضوهــم علــى الملــك وكــان نــور الديــن مــن جملتهــم فأمــر الملــك بحبسهــم وفــي وقــت
نزولهــم مــن عنــد الملــك إلــى الحبــس وصــل الغــراب الــذي فيــه الملكــة مريــم الزناريــة مــع الوزيــر الأعــور
فلمـا وصـل الغـراب إلـى المدينـة طلـع الوزيـر إلـى الملـك وبشـره بوصـول ابنتــه مريــم الزناريــة سالمــةً فدقــوا
===
البشائــر وزينــوا المدينــة بأحســن زينــةٍ وركــب الملــك فــي جميــع عسكــره وأربــاب دولتــه وتوجهــوا إلـــى
البحـر ليقابلوهــا فلمــا وصلــت المركــب طلعــت ابنتــه مريــم فعانقهــا وسلــم عليهــا وسلمــت عليــه وقــدم
لهــا جــواداً فركبتــه فلمــا وصلــت إلــى القصـــر قابلتهـــا أمهـــا وعانقتهـــا وسلمـــت عليهـــا وسلمـــت عليهـــا
وسألتها عن حالها وهل هي بكر مثل ما كانت عندهم سابقاً أم صارت امرأةً ثيباً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن أم مريــم لمــا سألتهــا عــن حالهـــا وهـــل هـــي ثيبـــاً أم بكـــر فقالـــت
لهـا مريـم: يـا أمــي بعــد أن يبــاع الإنســان فــي بلــاد المسلميــن مــن تاجــرٍ إلــى تاجــرٍ يصيــر محكومــاً عليــه
كيـف يبقـى بنتـاً بكـراً إن التاجــر الــذي اشترانــي هددنــي بالضــرب واكرهنــي وأزال بكارتــي وباعنــي
لآخـر وآخـر باعنـي لآخـر. فلمـا سمعــت أمهــا منهــا ذلــك الكلــام صــار الضيــاء فــي وجههــا ظلامــاً ثــم
أعـادت علـى أبيهـا هـذا الكلـام فصعـب ذلــك عليــه وعظــم أمــر حالــه بــه وعــرض حالهــا علــى أربــاب
دولتـه وبطارقتـه فقالـوا لــه: أيهــا الملــك إنهــا تنجســت مــن المسلميــن ومــا يطهرهــا إلا ضــرب مائــة رقبــةٍ
من المسلمين.
===
وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الرهبــان قالــوا: مــا يطهرهــا إلا ضــرب مائــة رقبـــةٍ مـــن المسلميـــن
فعنـد ذلـك أمـر بإحضـار الأسـارى الذيـن فـي الحبـس فأحضروهـم جميعــاً بيــن يديــه ومــن جملتهــم نــور
الديــن فأمــر الملــك بضــرب رقابهــم فــأول مــن ضربــوا رقبتــه ريــس المركــب ثــم ضربــوا رقــاب التجـــار
واحـداً بعـد واحـدٍ حتـى لـم يبـق إلا نـور الديــن فشرطــوا ذيلــه وعصبــوا عينيــه وقدمــوه إلــى نطــع الــدم
وأرادوا أن يضربــوا رقبتــه وإذا بامــرأةٍ عجــوزٍ أقبلـــت علـــى الملـــك فـــي تلـــك الساعـــة وقالـــت لـــه: يـــا
مولـاي أنــت كنــت نــذرت لكــل كنيســةٍ خمســة أســارى مــن المسلميــن إن رد اللــه بنتــك مريــم لأجــل أن
تساعــدوا فــي خدمتهــا والــآن قــد وصلــت إليــك ابنتـــك السيـــدة مريـــم فـــأوف بنـــذرك الـــذي نذرتـــه
فقـال لهـا الملـك: يـا أمـي وحـق المسيـح والديـن الصحيـح لـم يبـق عنـدي مـن الأسـارى غيـر هـذا الأسيــر
الـــذي يريـــدون قتلـــه فخذيـــه معـــك يساعـــدك فـــي خدمـــة الكنيســـة إلـــى أن يأتـــي إلينـــا أســـارى مـــن
المسلميـــن فأرســـل إليـــك أربعـــةً أخـــر ولـــو كنـــت سبقـــت قبـــل أن يضربـــوا رقــــاب هــــؤلاء الأســــارى
لأعطينــاك كــل مــا تريدينــه فشكــرت العجــوز صنيــع الملــك ودعــت لــه بــدوام العــز والبقــاء والنعـــم ثـــم
تقدمت العجوز من وقتها وساعتها إلى نور الدين وأخرجته من نطع الدم ونظرت إليه فرأته
===
شابـاً لطيفـاً ظريفـاً رقيـق البشـرة ووجهـه كأنـه البــدر إذا بــدر فــي ليلــة أربعــة عشــر فأخذتــه ومضــت
به إلى الكنيسة وقالت له: يا ولدي أقلع ثيابك التي عليك فأنها لا تصلح إلا لخدمة السلطان.
ثــم أن العجــوز جــاءت لنــور الديــن بجبــةٍ مــن صــوفٍ أســودٍ ومئــزرٍ مــن صــوفٍ أســودٍ وسيــرٍ عريـــضٍ
فألبستــه تلــك الجبــة وعممتــه بالمئــزر وشــدت وسطــه بالسيــر وأمرتــه أن يخــدم الكنيســة مـــدة سبعـــة
أيــامٍ فبينمــا هــو كذلــك وإذا بتلــك العجــوز قــد أقبلــت عليــه وقالــت لــه: يــا معلــم خــذ ثيابـــك الحريـــر
وألبسهــا وخــذ هــذه العشــرة دراهــم وأخــرج فــي هــذه الساعــة تفــرج فــي هـــذا اليـــوم ولا تقـــف هنـــا
ساعـةً واحـدةً لئـلا تــروح روحــك فقــال لهــا نــور الديــن: يــا أمــي أي شــيءٍ الخبــر فقالــت لــه العجــوز:
اعلـم يـا ولـدي إن بنـت الملــك السيــدة مريــم الزناريــة تريــد أن تدخــل الكنيســة فــي هــذا الوقــت لأجــل
أن تزورهـا وتتبـرك بهــا وتقــرب لهــا قربانــاً حلــاوة السلامــة بسبــب خلاصهــا مــن المسلميــن وتوفــي لهــا
النــذور التــي نذرتهــا أن نجاهــا المسيــح ومعهــا أربعمائــة بنــت مــا واحــدة منهــن إلا كاملـــة فـــي الحســـن
والجمـال ومـن جملتهـن بنـت الوزيــر وبنــات الأمــراء وأربــاب الدولــة وفــي هــذه الساعــة يحضــرون وربمــا
يقـع نظرهـن عليـك فــي هــذه الكنيســة فيقطعنــك بالسيــوف فعنــد ذلــك أخــذ نــور الديــن مــن العجــوز
العشـرة دراهـم بعـد أن لبـس ثيابـه وخـرج إلـى السـوق وصـار يتفـرج فــي شــوارع المدينــة حتــى عــرف
جهاتها وأبوابها.
===
وفي الليلة الخمسين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن لمــا لبــس ثيابــه أخــذ العشــرة دراهــم مــن العجــوز ثــم
خــرج إلــى الســوق وغــاب ساعــة حتــى عـــرف جهـــات المدينـــة ثـــم رجـــع إلـــى الكنيســـة فـــرأى مريـــم
الزناريـة بنـت ملـك إفرنجـة قـد أقبلـت علـى الكنيســة ومعهــا أربعمائــة بنــتٍ نهــداً أبكــارٌ كأنهــن الأقمــار
ومـن جملتهـن بنــت الوزيــر الأعــور وبنــات الأمــراء وأربــاب الدولــة وهــي تمشــي بينهــن كأنهــا القمــر بيــن
النجـوم فلمـا وقـع نظـر نـور الديـن عليهـا لـم يتمالــك نفســه بــل صــرخ مــن صميــم قلبــه وقــال: يــا مريــم يــا
مريم.
فلمــا سمعــن البنــات صيــاح نــور الديــن وهــو ينــادي يــا مريــم هجمــن عليــه وجــردن بيــض الصفــاح مثــل
الصواعــق وأردن قتلـــه فـــي تلـــك الساعـــة فالتفتـــت إليـــه مريـــم وتأملتـــه فعرفتـــه غايـــة المعرفـــة فقالـــت
للبنـات: اتركـن هـذا الشـاب فإنـه مجنـون بـلا شـك لـأن علامـة الجنـون لائحـةٌ علـى وجهـه فلمـا سمـع نــور
الديـن مـن السيـدة مريـم هـذا الكلـام كشـف رأسـه وحملــق عينيــه وأشــاح بيديــه وعــوج رجليــه وأخــرج
الزبـد مـن فيـه وشدقيـه فقالـت لهـن السيــدة مريــم: أمــا قلــت لكّــن إن هــذا مجنــون أحضــرن بــه ابعــدن
عنــه حتــى أسمــع مــا يقــول فإنــي أعــرف كلــام العــرب وأنظــر حالــه وهــل داء جنونــه يقبــل المـــداواة أم لا
===
فعند ذلـك حملنـه البنـات وجئـن بـه بيـن يديهـا ثـم بعـدن عنـه فقالـت لـه: هـل جئـت إلـى هنـا مـن أجلـي
وخاطـــرت بنفســــك وعملــــت نفســــك مجنونــــاً فقــــال لهــــا نــــور الديــــن يــــا سيدتــــي أمــــا سمعــــت قــــول
الشاعر:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم مــا لــذة العيــش إلا للمجانيــن
هاتوا جنوني وهاتوا من جننت به فـإن وفـي بجنونــي لا تلومونــي
فقالــت لــه مريــم: واللــه يــا نــور الديــن أنــك الجانــي علــى نفســك فإنــي حذرتــك مــن هــذا قبـــل وقوعـــه
فلـم تقبـل قولـي وتبعـت هـوى نفسـك وأنــا مــا أخبرتــك لا مــن بــاب الكشــف ولا مــن بــاب الفراســة ولا
مـن بـاب الرؤيـة فـي المنـام وإنمـا هـو مـن بـاب المشاهـدة والعيـان لأنــي رأيــت الوزيــر الأعــور فعرفــت أنــه
ما دخل فـي هـذه البلـدة إلا فـي طلبـي فقـال لهـا نـور الديـن: يـا سيدتـي مريـم نعـوذ باللـه مـن إزالـة العقـل
ثم تزايد بنور الدين الحال فأنشد هذا القول:
هب لي بجناية من أزلت به القدم قد يشمل العبد من ساداته كرم
حسب المسيء بذنبٍ من جنايته فرط الندامـة إذ لا ينفـع النـدم
فعلت ما يقتضي التأديب معترفاً فأين ما يقتضيـه العفـو والكـرم
ولـم يـزل نـور الديــن هــو والسيــدة مريــم الزناريــة فــي عتــابٍ يطــول شرحــه وكــل منهمــا يحكــي لصاحبــه
===
مـا جـرى لــه وينشــدان الأشعــار ودموعهمــا تجــري علــى خدودهمــا شبــه البحــار ويشكــوان لبعضهمــا
شدة الهوى وأليم الوحدة والجوى ولم يبق لأحدهما قوةً على الكلام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن والسيــدة مريــم شكــا لبعضهمــا مــا جـــرى لهمـــا عنـــد
فراقهمـا ومـا همـا عليــه مــن شــدة الهــوى إلــى أن لــم يبــق لأحدهمــا قــوةٌ علــى الكلــام وكــان النهــار قــد
ولــى وأقبــل الظلــام وكــان علــى السيــدة مريــم حلــةً خضــراء مزركشــةٌ بالذهــب الأحمــر مرصعــةٌ بالــدر
والجوهـر فـزاد حسنهـا وجمالهـا وظـرف معانيهــا فعنــد ذلــك أقبلــت السيــدة مريــم علــى البنــات وقالــت
لهــن: هــل أغلقتــن البــاب فقلــن لهــا: قــد أغلقنــاه فعنــد ذلــك أخــذت السيــدة مريــم البنــات وأتــت بهـــن
إلـــى مكـــان يقـــال لـــه مكـــان السيـــدة مريـــم العــــذراء أم النــــور لــــأن النصــــارى يزعمــــون أن روحانيتهــــا
وسرها في ذلك المكان فصار البنات يتبركن به ويطفن في الكنيسة كلها.
ولمــا فرغــن مــن زيارتهــا التفتــت السيــدة مريــم إليهـــن وقالـــت لهـــن: إنـــي أريـــد أن أدخـــل وحـــدي فـــي
هذه الكنيسة وأتبرك بها فإنه حصل لي اشتيـاقٌ إليهـا بسبـب طـول غيبتـي فـي بلـاد المسلميـن وأمـا أنتـن
===
فحيـث فرغتـن مـن الزيـارة فنمـن حيـث شئتـن فقلـن لهـا: حبـاً وكرامــةً افعلــي أنــت مــا تريدينــه ثــم أنهــن
تفرقـن عنهـا فـي الكنيسـة ونمـن فعنـد ذلـك استغفلتهـن مريـم وقامـت تفتـش علـى نــور الديــن فرأتــه فــي
ناحيــةٍ جالســاً علــى مقالــي الجمــر وهــو فــي انتظارهــا فلمــا أقبلــت عليــه قــام لهــا علــى قدميــه وقبـــل
يديهــا فجلســت وأجلستــه فــي جانبهــا ثــم نزعــت مــا كـــان عليهـــا مـــن الحلـــي والحلـــل ونفيـــس القمـــاش
وضمـت نـور الديـن إلـى صدرهـا وجعلتـه فـي حضنهـا ولـم تــزل هــي وإيــاه فــي بــوس وعنــاق ونغمــات
خاق باق وهما يقولان ما قصر ليل التلاقي وما أطول يوم الفراق وينشدان قول الشاعر:
يـا ليــل الوصــل وبكــر الدهــر لانـــــت غـــــرة الليالـــــي الغـــــر
فجاءتني بالصبح وقت العصر هل كنت كحلاً في عيون الفجر
وقول آخر:
أو كنت نوماً في عيونـي رمـد يــا لليلــة الهجــر ومــا أطولهـــا
آخرهـــــــا مواصـــــــلٌ أولهــــــــا كحلقـــةٍ مفرغــــةٍ مــــا أن لهــــا
وقول آخر:
من طرف والحشر أيضـاً قبلهـا فالصب بعد البعث ميت الصد
فبينمــا همــا فــي هــذه اللــذة العظيمــة والفرحــة العميمــة وإذا بغلــامٍ مــن الغلمـــان النفيســـة يضـــرب فـــوق
===
رأيته يضرب الناقوس قلت لـه من علم الظبي ضرباً بالنواقيس
وقلت للنفس أي الضرب أحسن هل ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن مريـم الزناريـة مـا زالــت هــي ونــور الديــن فــي لــذةٍ وطــربٍ إلــى أن
طلـع الغلــام النواقيســي فــوق سطــح الكنيســة وضــرب الناقــوس فقامــت مــن وقتهــا وساعتهــا ولبســت
ثيابهــا وحليهـــا فشـــق ذلـــك علـــى نـــور الديـــن وتكـــدر وقتـــه فبكـــى وسكـــب العبـــرات وأنشـــد هـــذه
الأبيات:
لا زلـت ألثـم ورد خـذ غـضٍ وأعض ذاك مبالغـاً فـي العـض
حتــى إذا طبنــا ونــام رقيبنـــا وعيونـه مالــت لنحــو الغمــض
ضربــت نواقيــسٌ تنبــه أهلهـــا كمــؤذن يدعــو صلــاة الفـــرض
قامت على عجلٍ للبس ثيابها من خوف نجمٍ رقيبنا المنقـض
وتقول يا سؤلي ويـا كـل المنـى جـاء الصبــاح بوجهــه المبيــض
===
لهدمت أركان الكنائـس كلهـا وقتلت كل مقسسٍ في الأرض
ثـم أن السيـدة مريـم ضمـت نـور الديــن إلــى صدرهــا وقبلــت خــده وقالــت لــه: يــا نــور الديــن كــم يومــاً
لــك فــي هــذه المدينــة فقــال: سبعــة أيــامٍ فقالـــت لـــه: هـــل ســـرت فـــي هـــذه المدينـــة وعرفـــت طرقهـــا
ومخارزهـا وأبوابهـا التــي مــن ناحيــة البــر والبحــر قــال نعــم فقــال: وهــل تعــرف طريــق صنــدوق النــذر
الـذي فـي الكنيســة قــال نعــم قالــت لــه: حيــث تعــرف ذلــك كلــه إذا كانــت الليلــة القابلــة ومضــى ثلــث
الليـل الـأول فاذهـب فـي تلـك الساعــة إلــى صنــدوق النــذر وخــذ منــه مــا تريــد وتشتهــي وافتــح بــاب
الكنيسة الـذي فيـه الخوخـة التـي توصـل إلـى البحـر فإنـك تجـد سفينـةً صغيـرة فيهـا عشـرة رجـال بحريـة
فمتــى رآك الريــس يمــد يديــه إليــك فناولــه يــدك فإنــه يطلعــك فــي السفينــة فاقعــد عنــده حتــى أجــيء
إليك والحذر ثم الحذر من أن يلحقك النوم في تلك المدينة فتندم حيث لا ينفعك الندم.
ثـــم أن السيـــدة مريـــم ودعـــت نـــور الديـــن وخرجـــت مـــن عنـــده فـــي تلـــك الساعــــة ونبهــــت جواريهــــا
وسائــر البنــات مــن نومهــن وأخذتهــن وأتــت إلــى بــاب الكنيســة ودقتـــه ففتحـــت العجـــوز البـــاب فلمـــا
أطلـــت منـــه رأت الخـــدام والبطارقـــة وقوفـــاً فقدمـــوا لهـــا بغلـــةً فركبتهـــا وأرخـــوا عليهـــا ناموسيـــةً مـــن
الحريـــر وأخـــذ البطارقـــة بزمـــام البغلـــة ووراءهـــا البنـــات واحتـــاط بهـــا الجاويشيـــة وبأيديهـــم السيـــوف
مسلولةً وساروا بها إلى أن وصلوا إلى قصر أبيها.
===
هــذا مــا كـــان مـــن أمـــر مريـــم الزناريـــة. وأمـــا مـــا كـــان مـــن أمـــر نـــور الديـــن فإنـــه لـــم يـــزل مختفيـــاً وراء
الستــارة التــي كــان مستتــرا خلفهــا هــو ومريــم إلــى أن طلــع النهــار وانفتــح بــاب الكنيســة وكثــر النـــاس
فيهـا فاختلـط بالنـاس وجـاء إلـى تلــك العجــوز قيمــة الكنيســة فقالــت لــه: أيــن كنــت راقــداً فــي هــذه
الليلـة قـال: فـي محــل داخــل المدينــة كمــا أمرتينــي فقالــت العجــوز: إنــك فعلــت الصــواب يــا ولــدي ولــو
كنت بت الليلة في الكنيسة كانت قتلتك أقبح قتلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن العجــوز قالــت لنــور الديــن: لــو كنــت بـــت الليلـــة فـــي الكنيســـة
كانــت قتلتــك أقبــح قتلــه فقــال لهــا نــور الديــن: الحمــد للــه الــذي نجانــي شــر مــن هــذه الليلـــة ولـــم يـــزل
نـور الديـن يقضـي شغلـة فـي الكنيسـة إلـى أن مضــى النهــار وأقبــل الليــل بدياجــي الإعتكــار فقــام نــور
الديــن وفتــح صنــدوق النــذر فتنــاول منــه مــا خــف حملــه وغــلا ثمنــه مـــن الجواهـــر ثـــم صبـــر إلـــى أن
مضـى ثلـث الليـل الـأول وقـام ومشـى إلـى بـاب الخوخـة التـي توصـل إلــى البحــر وهــو يطلــب الستــر مــن
الله.
===
ولـم يـزل يمشـي إلـى أن وصـل إلـى البــاب وفتحــه وخــرج مــن تلــك الخوخــة إلــى البحــر فوجــد السفينــة
رأسيـةً علـى شاطـئ البحـر بجـوار البـاب ووجـد الريـس شيخـاً كبيـراً طريفـاً لحيتـه طويلـةٌ وهــو واقــفٌ
فــي وسطهــا علـــى رجليـــه والعشـــرة رجـــالٍ واقفـــون قدامـــه فناولـــه نـــور الديـــن يـــده كمـــا أمرتـــه مريـــم
فأخذه من يده وجذبه فصار في وسطه السفينة.
فعنـد ذلـك صـاح الشيـخ الريـس علـى البحريـة وقــال لهــم: أقلعــوا مرســاة السفينــة مــن البــر وعومــوا بنــا
قبــل أن يطلــع النهــار فقــال واحــدٌ مــن العشــرة البحريــة: يــا سيــدي كيــف نعــوم والملــك أخبرنــا أنـــه فـــي
غــد يركــب السفينــة فــي هــذا البحــر ليطلــع علــى مــا فيــه لأنــه خائـــفٌ علـــى ابنتـــه مريـــم مـــن ســـراق
المسلميــن فصــاح عليهــم الريـــس وقـــال لهـــم: ويلكـــم يـــا ملاعيـــن هـــل بلـــغ مـــن أمركـــم أنكـــم تخالفوننـــي
وتــردون كلامــي ثــم أن الريــس ســل سيفــه مــن غمــده وضـــرب بـــه ذلـــك المتكلـــم علـــى عنقـــه فخـــرج
السيــف يلمــع مــن رقبتــه فقــال واحــدٌ: وأي شــيءٍ عمــل صاحبنــا مــن الذنــوب حتــى تضـــرب رقبتـــه
فمــد يــده إلــى السيــف وضــرب بــه عنــق هــذا المتكلــم ولــم يــزل ذلــك الريــس يضــرب أعنــاق البحريـــة
واحـداً بعـد واحـدٍ حتـى قتـل العشـرة ورماهـم علـى شاطـئ البحـر ثــم التفــت إلــى نــور الديــن وصــاح
عليـه صيحـةً عظيمـةً أرعبتـه وقـال لـه: انـزل أقلـع الوتـد فخـاف نــور الديــن مــن ضــرب السيــف ونهــض
قائمـاً ووثـب إلـى البـر وقلـع الوتـد ثـم طلـع فـي السفينـة أسـرع مـن البـرق الخاطـف وصــار الريــس يقــول:
===
افعـل كـذا وكـذا ودور كـذا وكـذا وانظـر فـي النجـوم ونــور الديــن يفعــل جميــع مــا يأمــره بــه الريــس وقلبــه
خائفٌ مرعوبٌ ثم رفع شراع المركب وسار به في البحر العجاج المتلاطم الأمواج.
وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الشيــخ الريــس لمــا رفــع شــراع المركــب توجــه بالمركــب هــو ونــور
الديـن فـي البحـر العجـاج وقـد طـاب لهمـا الريـح كـل ذلـك ونـور الديــن ماســكٌ بيــده الراجــع وهــو غريــقٌ
فـي بحـر الأفكـار ولـم يـزل مستغرقـاً فـي الفكـر ولـم يعلـم بمـا هــو مخبــوء لــه فــي الغيــب وكلمــا نظــر إلــى
الريس بل صار مشغولاً في فكرٍ ووسواسٍ إلى أن أضحى النهار.
فعنــد ذلــك نظـــر نـــور الديـــن إلـــى الريـــس فـــرآه قـــد أخـــذ لحيتـــه الطويلـــة بيـــده وجذبهـــا فطلعـــت مـــن
موضعهـا فـي يـده وتأملهـا نــور الديــن فوجدهــا لحيــةً كانــت ملصقــةً زوراً ثــم تأمــل نــور الديــن فــي ذات
الريـس ودقـق فــي نظــره فرآهــا السيــدة مريــم معشوقتــه ومحبوبــة قلبــه وكانــت قــد تحيلــت بتلــك الحيلــة
حتى قتلت الريس وسلخت وجهه بلحيته وأخذت جلده وركبته على وجهها.
فتعجــب نـــور الديـــن مـــن فعلهـــا وشجاعتهـــا ومـــن قـــوة قلبهـــا وطـــار قلبـــه مـــن الفـــرح واتســـع صـــدره
وانشـرح وقـال لهـا: مرحبــاً يــا منيتــي وسؤلــي وغايــة مطلبــي وكانــت السيــدة مريــم قويــة القلــب تعــرف
===
بأحـوال سيـر المراكـب فـي البحــر المالــح وتعــرف الأهــواء واختلافهــا وتعــرف جميــع طــرق البحــر فقــال
لهـا نـور الديـن: واللـه يـا سيدتـي لـو أطلـت علـي هـذا الأمــر لمــت مــن شــدة الخــوف والفــزع وخصوصــاً
مــن نــور الوجــد والإشتيــاق وأليــم عــذاب الفــراق فضحكــت مــن كلامــه وقامــت مــن وقتهــا وساعتهــا
وأحضرت شيئاً من المأكول والمشروب فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا.
وبعـــد ذلـــك أحضـــرت مـــن اليواقيـــت والجواهـــر وأصنـــاف المعـــادن والذخائـــر الغاليـــة وأنـــواع الذهــــب
والفضــة مــا خــف حملــه وغــلا ثمنــه مــن الــذي جــاءت بــه وجلبتــه مــن قصــر أبيهــا وخزائنــه وعرضــت
ذلـك علـى نـور الديـن ففــرح بــه غايــة الفــرح كــل ذلــك والريــح معتــدلٌ والمركــب سائــرٌ ولــم يزالــوا سائريــن
حتـــى أشرفـــوا علـــى مدينــــة إسكندريــــة وشاهــــدوا أعلامهــــا القديمــــة والجديــــدة وشاهــــدوا عمــــود
السـواري فلمـا وصلـوا إلـى المينـاء طلـع نـور الديـن مــن وقتــه وساعتــه علــى تلــك السفينــة وربطهــا فــي
حجــر مــن أحجــار القصاريــن وجلــب معــه شيئــاً مــن الذخائـــر التـــي جـــاءت بهـــا الجاريـــة معهـــا وقـــال
للسيدة مريم: اقعـدي يـا سيدتـي فـي السفينـة حتـى أطلـع لـك إلـى إسكندريـة مثـل مـا أحـب وأشتهـي
فقالـت لـه: ولكـن ينبغـي أن يكـون ذلـك بسرعـةٍ لـأن التراخــي فــي الأمــور يــورث الندامــة فقــال لهــا: مــا
عنـدي تـراخٍ فقعـدت مريــم فــي السفينــة وتوجــه نــور الديــن إلــى بيــت العطــار صاحــب أبيــه ليستعيــر
لهــا مــن زوجتــه نقابــاً وخبــرة وخفــاً وأزراراً كعــادة نســاء إسكندريــة ولــم يعلـــم بمـــا لـــم يكـــن لـــه فـــي
===
حســابٍ مــن تصرفــات الدهــر صاحــب العجــب العجــاب. هــذا مــا كــان مـــن أمـــر نـــور الديـــن ومريـــم
الزنارية.
وأمـا مـن كـان مــن أمــر أبيهــا ملــك إفرنجــة فأنــه لمــا أصبــح الصبــاح تفقــد ابنتــه مريــم فلــم يجدهــا فســأل
عنهــا عنــد جواريهــا وخدمهــا فقالــوا لــه: يــا مولانــا إنهــا رحلــت بالليــل وراحـــت إلـــى الكنيســـة وبعـــد
ذلـــك لـــم نعـــرف عنهـــا شيئـــاً فبينمـــا الملـــك يتحـــدث مـــع الجــــواري والخــــدم فــــي تلــــك الساعــــة وإذا
بصرختيــن عظيمتيــن تحــت القصــر دوى لهمــا المكــان فقــال الملــك: مــا الخبــر فقالــوا لــه: أيهــا الملــك أنـــه
وجـد عشـرة رجـالٍ مقتوليـن علـى ساحـل البحـر وسفينـة الملـك قـد فقــدت ورأينــا بــاب الخوخــة الــذي
فـي الكنيسـة مـن جهـة البحـر مفتوحـاً والأسيـر الـذي كـان فـي الكنيسـة يخدمهــا قــد فقــد فقــال الملــك:
إن كانت سفينتي التي في البحر فقدت فبنتي مريم فيها بلا شكٍ ولا ريبٍ.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن ملــك الفرنجــة لمــا فقــدت ابنتــه مريــم جــاؤوا لــه بالخبــر وقالــوا لــه:
أن سفينتــك فقــدت فقــال: إن كانــت سفينتــي قــد فقـــدت فابنتـــي فيهـــا بـــلا شـــكٍ ولا ريـــبٍ ثـــم أن
===
الملــك دعــا مــن وقتــه وساعتــه بريــس المينــاء وقــال لــه: وحــق المسيــح والديــن الصحيــح إن لـــم تلحـــق
سفينتي في هـذه الساعـة بعسكـرٍ وتأتينـي بهـا وبمـن فيهـا لأقتلنـك أشنـع قتلـةٍ وأمثـل بـك أشنـع مثلـة ثـم
صـرخ عليـه الملـك فذهـب مـن بيـن يديـه وهـو يرتعـد وطلـب العجـوز مـن الكنيسـة وقــال لهــا: مــا كنــت
تسمعيـن مـن الأسيـر الـذي كــان عنــدك فــي شــأن بلــاده ومــن أي البلــاد هــو فقالــت لــه: كــان يقــول: أنــا
من مدينة الإسكندرية.
فلمــا سمــع الريــس كلــام العجــوز عــاد مــن وقتــه وساعتــه إلــى المينــة وصــاح علــى البحريــة وقــال لهــم:
تجهــزوا وحلــوا القلــوع ففعلــوا مــا أمرهــم بــه وسافــروا ولــم يزالــوا مسافريـــن ليـــلاً ونهـــاراً حتـــى أشرفـــوا
علـى مدينـة الإسكندريـة فـي الساعـة التـي طلـع فيهـا نـور الديـن مــن السفينــة وتــرك فيهــا السيــدة مريــم
وكــان مــن جملــة الإفرنـــج الوزيـــر الأعـــور الأعـــرج الـــذي كـــان اشتراهـــا مـــن نـــور الديـــن فـــرأوا السفينـــة
مربوطـة فعرفوهـا فربطــوا مركبهــم بعيــداً عنهــا وأتــوا إليهــا فــي مركــبٍ صغيــرٍ مــن مراكبهــم يعــوم علــى
ذراعيـن مـن المـاء وفـي ذلـك المركــب مائــة مقاتــلٍ ومــن جملتهــم الوزيــر الأعــور الأعــرج لأنــه كــان جبــاراً
عنيداً وشيطاناً مريداً ولصاً محتالاً لا يقدر أحد على احتياله يشبه أبا محمد البطال.
ولـم يزالــوا سائريــن إلــى أن وصلــوا إلــى فلــك السفينــة فهجمــوا عليهــا وحملــوا حملــةً واحــدةً فلــم يجــدوا
فيهـا أحـداً إلا السيــدة مريــم فأخذوهــا هــي والسفينــة التــي هــي فيهــا بعــد أن طلعــوا علــى الشاطــئ
===
وأقامـوا زمنـاً طويـلاً ثـم عـادوا مـن وقتهـم وساعتهــم إلــى مراكبهــم وقــد فــازوا ببغيتهــم مــن غيــر قتــال
ولا شهــر سلــاحٍ ورجعــوا قاصديــن بلــاد الــروم وسافــروا وقــد طـــاب لهـــم الريـــح ولـــم يزالـــوا مسافريـــن
على حمايةٍ إلى أن وصلوا إلى مدينة إفرنجة وطلعوا بالسيدة مريم إلى أبيها وهو في تخت مملكته.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الإفرنــج لمـــا طلعـــوا بالسيـــدة مريـــم إلـــى أبيهـــا وهـــو علـــى تخـــت
مملكتـه نظـر إليهـا وقـال لهـا: ويلــك يــا خائنــة كيــف تركــت ديــن الأبــاء والأجــداد وحصــن المسيــح الــذي
عليــه الإعتمــاد وأتبعــت ديــن الإسلــام الــذي قــام بالسيــف علــى رغــم الصليـــب والأصنـــام فقالـــت لـــه
مريـم: أنـا مـا لـي ذنـبٌ لأنـي خرجـت فـي الليـل إلـى الكنيسـة لـأزور السيـدة مريـم العـذراء وأتبــرك فيهــا
فبينما أنـا فـي غفلـةٍ وإذا بسراقـي المسلميـن قـد هجمـوا علـي وسـدوا فمـي وشـدوا وثاقـي ووضعونـي
في السفينـة وسافـروا بـي إلـى بلادهـم فخادعتهـم وتكلمـت معهـم فـي دينهـم إلـى أن فكـوا وثاقـي ومـا
صدقــت أن رجالــك أدركونــي وخلصونــي وأنــا وحــق المسيــح والديــن الصحيــح وحـــق الصليـــب ومـــن
صلــب عليــه وقــد فرحــت بفكاكــي مــن أيديهــم غايــة الفــرح واتســع صــدري وانشــرح حيــث خلصــت
===
فقـال لهـا أبوهـا: كذبـت يـا فاجـرة يـا عاهــرة وحــق مــا فــي محكــم الإنجيــل مــن منــزل التحريــم والتحليــل
لا بــد لــي مــن أن أقتلــك أقبــح قتلــة وأمثــل بــك أشنــع مثلــة أمــا كفــاك الــذي فعلتيــه فــي الــأول ودخـــل
علينـا محالـك حتـى رجعـت إلــى بهتانــك. ثــم أن الملــك أمــر بقتلهــا وصلبهــا علــى بــاب القصــر فدخــل
عليـه الوزيـر الأعـور فـي تلـك الساعـة وكـان مغرمـاً بحبهـا قديمـاً وقـال لـه: أيهـا الملــك لا تقتلهــا وزوجنــي
بهـا وأنـا أحـرص عليهـا غايـة الحـرص ومـا أدخـل عليهـا حتـى أبنـي لهـا قصـراً مـن الحجـر الجلمــود وأعلــي
بنيانـه حتـى لا يستطيـع أحـدٌ مـن السارقيـن الصعـود إلـى سطحـه وإذا فرغــت مــن بنيانــه ذبحــت علــى
بابـــه ثلاثيـــن مـــن المسلميـــن وأجعلهـــم قربانـــاً المسيـــح عنـــي وعنهـــا فأنعـــم عليـــه الملـــك بزواجهــــا وأذن
للقسيسيــن والرهبــان والبطارقــة أن يزوجوهــا لــه فزوجوهــا للوزيــر الأعـــور وأذن أن يشرعـــوا لهـــا فـــي
بنيـان قصـر عظيـم يليـق بهـا فشـرع العمـال فـي العمـل. هـذا مـا كـان مـن أمـر الملكـة مريـم وأبيهـا والوزيــر
الأعور.
وأما ما كان من أمر نور الدين والشيخ العطار فإن نور الدين لما توجه إلى العطار صاحب أبيه
استعـار مـن زوجتـه أزراراً وخفــاً وثيابــاً كثيــاب نســاء الإسكندريــة ورجعــه بهــا إلــى البحــر وقصــد
السفينة التي فيها السيدة مريم فوجد الجو قفراً والمزار بعيداً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
===
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن نــور الديــن لمــا رجــع إلــى البحــر وجــد الجــو قفـــراً والمـــزار بعيـــد
صار قلبه حزيناً فبكى بدموعٍ متواترةٍ وأنشد قول الشاعر:
سرى طيف سعدي طارقاً فاستفزني سحيراً وصحبي في الفلاة رقود
فلما انتبهنا للخيال الذي سرى أرى الجـو قفــراً والمــزار بعيــد
فمشـى نـور الديـن علـى شاطـئ البحـر يتلفـت يمينـاً وشمـالاً فــرأى ناســاً مجتمعيــن علــى الشاطــئ وهــم
يقولــون: يــا مسلميــن مــا بقــي لمدينــة الإسكندريــة حرمــةٌ حتــى صــار الإفرنــج يدخلونهــا ويخطفــون مــن
فيهـــا ويعـــودون إلـــى بلادهـــم علـــى هينـــةٍ ولا يخـــرج وراءهـــم أحـــدٌ مــــن المسلميــــن ولا مــــن العساكــــر
المغازيـــن فقـــال لهـــم نـــور الديـــن: مـــا الخبـــر فقالـــوا لـــه: يـــا ولـــدي أن مركبـــاً مـــن مراكـــب الإفرنــــج فيــــه
عساكر هجموا في تلك الساعة على تلك المدينة وأخذوا سفينةً كانت راسيةً هنا
بمن فيها وراحوا على حماية إلى بلادهم.
فلمــا سمــع نــور الديــن كلامهــم وقــع مغشيــاً عليــه فلمــا أفــاق سألــوه عـــن قضيتـــه فأخبرهـــم بخبـــره مـــن
الــأول إلــى الأخــر فلمــا فهمــوا خبــره صــار كــل منهــم يشتمــه ويسبــه ويقــول لــه: لــأي شــيءٍ مــا تخرجهــا
إلا بـأزرارٍ ونقـاب وصـار كـل واحـدٍ مـن النـاس يقـول لــه كلامــاً مؤلمــاً ومنهــم مــن يقــول: خليــه فــي حالــه
يكفيه ما جرى له وصار كل واحدٍ يوجعه بالكلام ويرميه بسهام الملام حتى وقع مغشياً عليه.
===
فبينمـــا النـــاس مـــع نـــور الديـــن علـــى تلـــك الحالـــة وإذا بالشيـــخ العطـــار مقبـــلاً فـــرأى النـــاس مجتمعيــــن
فتوجـه إليهـم ليعـرف الخبـر فـرأى نـور الديـن راقـداً بينهـم وهــو مغشــيٌ عليــه فقعــد عنــد رأســه ونبهــه
فلمـا أفـاق قــال لــه: يــا ولــدي مــا هــذا الحــال الــذي أنــت فيــه فقــال لــه: يــا عــم إن الجاريــة التــي كانــت
راحـت منـي قـد جئـت بهـا مــن مدينــة أبيهــا فــي مركــبٍ وقاسيــت مــا قاسيــت فــي المجــيء بهــا فلمــا
وصلــت بهــا إلــى هــذه المدينــة ربطــت السفينــة فــي البــر وتركــت الجاريــة فيهـــا وذهبـــت إلـــى منزلـــك
وأخـــذت مـــن زوجتـــك مصالـــح للجاريـــة لأطلعهـــا بهـــا إلـــى المدينـــة فجـــاء الإفرنـــج وأخـــذوا السفينـــة
والجاريــة فيهــا وراحــوا علــى حمايــةٍ حتــى وصلـــوا إلـــى مراكبهـــم فلمـــا سمـــع الشيـــخ العطـــار مـــن نـــور
الدين هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلام وتأسف على نور الدين تأسفاً عظيماً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن العطـار لمـا تأســف علــى مــا جــرى لنــور الديــن قــال لــه: يــا ولــدي
لــأي شــيءٍ مــا أخرجتهــا مـــن السفينـــة إلـــى المدينـــة مـــن غيـــر أزرار ولكـــن فـــي هـــذا الوقـــت لا ينفـــع
الكلـام قـم يـا ولـدي وأطلــع معــي إلــى المدينــة لعــل اللــه يزرقــك بجاريــة أحســن منهــا فتتسلــى بهــا عنهــا
===
والحمـد للـه مـا خسـرت فيهـا شيئـاً بــل حصــل لــك الربــح فيهــا وأعلــم يــا ولــدي أن الإتصــال والإنفصــال
بيـد اللـه المتعـال فقـال لـه نــور الديــن: واللــه يــا عــم إنــي مــا أقــدر أن أسلوهــا أبــداً ولا أتــرك طلبهــا ولــو
سقيــت مــن أجلهــا كــأس الــردى فقــال لــه العطــار: يــا ولــدي وأي شـــيء فـــي ضميـــرك تريـــد أن تفعلـــه
فقـال لـه: نويـت أن أرجـع إلـى بلـاد الـروم وأدخــل إلــى مدينــة إفرنجــة وأخاطــر بنفســي فإمــا عليهــا وأمــا
لهـا فقـال لـه: يـا ولـدي إن فـي الأمثـال السائـرة: مـا كـل مـرة تسلـم الجـرة وإن كانـوا مـا فعلـوا بــك فــي المــرة
الأولى شيئاً ربما يقتلوك في هذه المرة لا سيما وقد عرفوك حق المعرفة.
فقـال نـور الديـن: يــا عــم دعنــي أسافــر وأقتــل فــي هواهــا صريعــاً ولا أمــوت بتركهــا صبــراً وتحسيــراً.
وكـان بمصادفـة القـدر مركبـاً راسيـاً فــي المينــاء مجهــزاً للسفــر وركابــه قــد قضــوا جميــع أشغالهــم وفــي
تلـك الساعـة قلعـوا أوتـاده وفنـزل فيــه نــور الديــن وسافــر ذلــك المركــب مــدة أيــامٍ وطــاب لركابــه الوقــت
والريح.
فبينمـــا هـــم سائـــرون وإذا بمركـــب مـــن مراكـــب الإفرنـــج دائـــر فـــي البحـــر العجـــاج لا يــــرون مركبــــاً إلا
ويأسرونـه خوفـاً علـى ابنـة الملــك مــن ســراق المسلميــن وإذا أخــذوا مركبــاً يوصلــون جميــع مــن فيــه إلــى
ملـك إفرنجـة فيذبحهـم ويوفـي بهـم نــذره الــذي كــان قــد نــذره مــن أجــل ابنتــه فــرأوا المركــب الــذي فيــه
نــور الديــن فأســروه وأخــذوا كــل مــن كــان فيــه وأتــوا بهــم إلــى الملــك أبــي مريــم فلمــا أوقفــوه بيـــن يديـــه
===
وجدهـم مائـة رجــل مــن المسلميــن فأمــر بذبحهــم فــي تلــك الساعــة ومــن جملتهــم نــور الديــن فذبحوهــم
كلهــم ولــم يبــق منهــم غيــر نــور الديــن وكــان الجلــاد قــد عفــا عنــه شفقـــةً عليـــه لصغـــر سنـــه ورشاقـــة
قده.
فلمـا رآه الملـك عرفـه حـق المعرفـة فقـال: أمـا أنـت نـور الديـن الـذي كنــت عندنــا فــي المــرة الأولــى وقبــل
هــذه المــرة فقــال لــه: مــا كنــت وليـــس اسمـــي نـــور الديـــن وإنمـــا اسمـــي إبراهيـــم فقـــال لـــه الملـــك: إنـــك
تكــذب بــل أنــت نــور الديـــن الـــذي وهبتـــك العجـــوز القيمـــة علـــى الكنيســـة لتساعدهـــا فـــي خدمـــة
الكنيســة فقــال نــور الديــن: يــا مولــاي أنــا اسمــي إبراهيــم فقــال لـــه الملـــك: إن العجـــوز قيمـــة الكنيســـة
إذا حضرت ونظرتك تعرف هل أنت نور الدين أو غيره.
فبينمـا هـم فـي الكلـام وإذا بالوزيـر الأعـرج الأعـور الـذي تـزوج ابنـة الملـك قـد حضـر فـي تلــك الساعــة
وقبــل الــأرض بيــن يــدي الملــك وقــال لــه: أعلــم أن القصــر قـــد فـــرغ بنيانـــه وأنـــت تعـــرف أنـــي نـــذرت
للمسيح إذا اكتمـل بنيانـه أن أذبـح علـى بابـه ثلاثيـن مسلمـاً وقـد أتيتـك لآخـذ مـن عنـدك ثلاثيـن مسلمـاً
فأذبحهــم وأوفــي بهــم نــذر المسيــح ويكونــوا فــي ذمتـــي علـــى سبيـــل القـــرض ومتـــى جاءنـــي أســـارى
أعطيك بدلهم.
فقـال الملـك: وحـق المسيـح والديـن الصحيـح مـا بقـي عنـدي غيــر هــذا الأسيــر وأشــار إلــى نــور الديــن
===
وقـال لـه: خـذه وأذبحـه فـي هــذه الساعــة حتــى أرســل إليــك البقيــة إذا جاءنــي أســارى مــن المسلميــن
فعنـد ذلـك قـام الوزيـر الأعـور وأخـذ نـور الديــن ومضــى بــه إلــى القصــر ليذبحــه علــى عتبــة بابــه فقــال
لـه الدهانـون: يـا مولانـا مـا بقـي علينـا مـن الدهـان شغـل يوميــن فاصبــر علينــا وأخــر ذبــح هــذا الأسيــر
حتـى نفـرغ مـن الدهـان عسـى أن يأتـي إليـك بقيـة الثلاثيـن فتذبـح الجميـع دفعـة واحـدة وتوفــي بنــذرك
في يوم واحد فعند ذلك أمر الوزير بحبس نور الدين.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر لمــا أمــر بحبــس نــور الديــن أخــذوه مقيــداً جائعــاً عطشانـــاً
يتحســـر علـــى نفســـه وقـــد نظـــر المـــوت بعينـــه وكـــان بالأمـــر المقـــدر والقضـــاء المبـــرم للملـــك حصانيــــن
أخـــوان شقيقـــان أحدهمـــا اسمـــه سابـــق والأخـــر لاحـــق وكانـــت بحســـرة تحصيـــل واحـــد منهمـــا لملـــك
الأكاسـرة وكـان أحدهمـا أشهـب نقيــاً والآخــر أدهــم كالليــل الحالــك وكــان ملــوك الجزائــر جميعــاً يقولــون:
كــل مــن ســرق لنــا حصانــاً مــن هذيــن الحصانيـــن نعطيـــه جميـــع مـــا يطلبـــه مـــن الذهـــب الأحمـــر والـــدر
والجواهـر فلـم يقـدر أحـد علـى سرقـة واحـدٍ مـن هذيـن الحصانيـن فحصـل لأحدهمـا مــرض فــي عينــه
فأحضــر الملــك جميــع البياطــرة لدوائــه فعجـــزوا عنـــه كلهـــم فدخـــل علـــى الملـــك الوزيـــر الأعـــور الـــذي
===
تـزوج ابنتـه فـرآه مهمومـاً مـن قبـل الحصـان فـأراد أن يزيـل همــه فقــال: أيهــا الملــك أعطنــي هــذا الحصــان
وأنــا أداويــه فأعطــاه لــه فنقلــه فــي الإصطبــل الــذي فيــه نــور الديـــن فلمـــا فـــارق الحصـــان أخـــاه صـــاح
صيحــةً عظيمـــةً وصهـــل حتـــى أزعـــج النـــاس مـــن الصيـــاح فعـــرف الوزيـــر أنـــه مـــا حصـــل منـــه هـــذا
الصيــاح إلا لفراقــه مــن أخيــه فــراح وأعلــم الملــك فلمــا تحقــق الملــك مــن كلــام الوزيــر قــال: إذا كــان ذلــك
حيوانــاً ولــم يصبــر علــى فــراق أخيــه فكيــف بــذوي العقــول ثــم أمــر الغلمـــان أن ينقلـــوا الحصـــان عنـــد
أخيــه بـــدار الوزيـــر زوج مريـــم وقـــال لهـــم: قولـــوا للوزيـــر أن الملـــك يقـــول لـــك أن الحصانيـــن أنعـــام منـــه
عليك لأجل خاطر ابنته مريم.
فبينمـا نـور الديـن نائـمٌ فـي الإصطبـل وهـو مقيـد مكبـل إذ نظـر الحصانيـن فوجـد علــى عينــي أحدهمــا
غشــاوةٌ وكــان عنــده بعــض معرفــة بأحــوال الخيــل وممارســة دوائهــا فقــال فــي نفســه: هــذا واللــه وقـــت
فرحـة فأقـوم وأكـذب علــى الوزيــر وأقــول لــه: أنــا أداوي هــذا الحصــان وأعمــل لــه شــيءً يتلــف عينيــه
فيقتلنـي واستريـح مـن هـذه الحيـاة الذميمـة ثـم أن نـور الديـن انتظـر الوزيـر إلـى أن دخــل الإصطبــل ينظــر
الحصانيـن فلمـا دخـل قـال لـه نـور الديـن: يـا مولـاي أي شــيءٍ يكــون لــي عليــك إذا أنــا داويــت لــك هــذا
الحصـــان وأعمـــل لـــك شيئـــاً يطيـــب عينيـــه فقـــال لـــه الوزيـــر: وحيـــاة رأســـي إن داويتـــه أعتقـــك مــــن
الذبح وأخليك تتمنى علي.
===
وفي الليلة الستين بعد الثمانمائة
قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر قـــال لنـــور الديـــن: إن داويـــت الحصـــان أعتقـــك وأخليـــك
تتمنـى علـي فقـال: يــا مولــاي مــر بفــك قيــدي فأمــر الوزيــر بإطلاقــه فنهــض نــور الديــن وأخــذ زجاجــاً
بكــراً وسحقــه وأخــذا جيــراً بــلا طــفء وخلطــه بمــاء البصــل ثــم وضــع الجميــع فــي عينـــي الحصـــان
وربطهمـا وقـال فـي نفسـه: الـآن تغــور عينــاه فيقتلونــي وأستريــح مــن هــذه العيشــة الذميمــة ثــم أن نــور
الديـن نـام تلـك الليلـة بقلـبٍ خـالٍ مـن وسـواس الهـم وتضـرع إلـى اللـه تعالـى وقـال: يـا رب فـي علمـك مــا
يغنــي عــن الســؤال فلمــا أصبــح الصبــاح وأشرقــت الشمــس علــى الروابـــي والبطـــاح جـــاء الوزيـــر إلـــى
الإصطبــل وفــك الربــاط عــن عيـــن الحصـــان ونظـــر إليهمـــا فرآهمـــا أحســـن عيـــون ملـــاح بقـــدرة الملـــك
الفتــاح فقــال لـــه الوزيـــر: يـــا مسلـــم مـــا رأيـــت فـــي الدنيـــا مثلـــك فـــي حســـن معرفتـــك وحـــق المسيـــح
والديـن الصحيـح أنــك أعجبتنــي غايــة الإعجــاب فإنــه عجــز عــن دواء هــذا الحصــار كــل بيطــار فــي
بلادنـا ثـم تقـدم إلـى نـور الديـن وحـل قيـده بيـده ثـم ألبسـه حلـةً سنيـةً وجعلـه ناظـراً علـى خيلـه ورتــب
لـه مرتبـات وجرايـات وأسكنـه فـي طبقـة علـى الإصطبـل وكــان فــي القصــر الجديــد الــذي بنــاه للسيــدة
مريم شباكً مطلٍ على بيت الوزير وعلى الطبقة التي فيه نور الدين.
===
فقعــد نــور الديــن مــدة أيــام يأكــل ويشــرب ويتلــذذ ويطــرب ويأمــر وينهــي علــى خدمـــة الخيـــل وكـــل مـــن
غاب منهم ولـم يعلـق علـى الخيـل المربوطـة علـى الطـوال التـي فيهـا خدمتـه يرميـه ويضربـه شربـاً شديـدا
ويضـع فـي رجليـه القيـد الحديـد وفـرح الوزيـر بنـور الديـن غايـة الفـرح واتسـع صــدره وانشــرح ولــم يــدر
مـا يـؤول أمـره إليـه وكــان نــور الديــن كــل يــومٍ ينــزل إلــى الحصانيــن ويمسحهمــا بيــده لمــا يعلــم مــن معزتهمــا
عنـد الوزيـر ومحبتـه لهمـا وكـان للوزيـر الأعـور بنـت بكـر فـي غايـة الجمـال كأنهــا غــزال شــاردٌ أو غصــنٌ
مائـدٌ فاتفـق أنهـا كانـت جالسـة ذات يــوم مــن الأيــام فــي الشبــاك المطــل علــى بيــت الوزيــر وعلــى المكــان
الذي فيه نور الدين إذ سمعت نور الدين يغني ويسلي نفسه على المشقات.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والستين بعد الثمانمائة
قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن بنـــت الوزيـــر الأعـــور سمعـــت نـــور الديـــن يسلـــي نفســــه علــــى
المشقات بإنشاد هذه الأبيات:
يــا عـــاذلاً أصبـــح فـــي ذاتـــه منعمـــــــــاً يزهــــــــــو بلذاتــــــــــه
لـــو عضــــدك الدهــــر بآفاتــــه لقلــــــت مــــــن ذوق مرارتــــــه
===
لكن سلمـت اليـوم مـن غـدره ومــــن تناهيــــه ومــــن جــــوره
فـلا تسلـم مـن حـار فـي أمـره وقــــال مــــن فــــرط صباباتـــــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
كن عاذر العشاق فـي حالهـم وتكـــن عوبـــاً علــــى عذلهــــم
إيـــاك أن تشتـــد فـــي حبلهـــم مجرعـــــاً مــــــن مــــــر لوعاتــــــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
قــد كنــت قبلــك بيــن العبـــاد كمثــل مــن بــات خلــي الفــؤاد
لم أعرف العشق وطعم السهاد حتـــــــى دعانـــــــي لمقاماتــــــــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
لـــم يـــدر العشـــق ومـــا ذلــــه إلا الـــــــذي أقسمـــــــه طولـــــــه
رضـاع منـه فـي الهــوى عقلــه وشربــــه مــــن مـــــر جرعاتـــــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
===
كم في الورى من مغرمٍ مستهامٍ سهـران مـن وجـدٍ بعيـد المنـام
ألبسـه ثــوب الضنــى والسقــام مــن قـــد نفـــى عنـــه مناماتـــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
كـم قـل صبـري وبـري عظمـي وســال دمعــي منـــه كالعنـــدم
مهفهـــفٌ مــــر مــــن مطعمــــي مــا كــان حلــواً فـــي مذاقاتـــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
مسكينٌ من في الناس مثلي عشق وبـات فـي جنــح الليالــي أرق
أن عام في بحر التجافـي غـرقٌ يشكــوا مــن العشــق وزفراتــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
مـن ذا الـذي بالعشـق لـم يبتـل ومــن نجــا مــن كيــده الأسهــل
ومـن بـه يعيــش عيــش الخلــى وأيـــــن مـــــن فـــــاز براحاتــــــه
آهٍ مـــــن العشــــــق وحرارتــــــه أحــــــــرق قلبــــــــي بحرارتــــــــه
===
فلمـا استتـم نـور الديــن أقصــى كلامــه وفــرغ مــن شعــره ونظامــه قالــت فــي نفسهــا بنــت الوزيــر: وحــق
المسيـــح والديـــن الصحيـــح أن هـــذا المسلـــم شـــابٌ مليـــحٌ ولكنـــه لا شـــك عاشــــقٌ مفــــارقٌ فيــــا تــــرى
معشـوق هـذا الشــاب مليــح مثلــه وهــل عنــده مثــل مــا عنــده أم لا فــإن كــان معشوقــه مليــح مثلــه يحــق
لـه إسالـة العبـرات وشكـوى الصبابـات وإن كـان غيـر مليـحٍ فقـد ضيـع عمـره فـي الحسـرات وحــرم طعــم
اللذات.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والستين بعد الثمانمائة
قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن بنـت الوزيـر قالـت فـي نفسهــا: فــإن كــان معشوقــه مليحــاً يحــق لــه
إسالـة العبـرات وإن كـان غيـر مليـح فقـد ضيـع عمـره فـي الحسـرات وكانــت مريــم الزناريــة زوجــة الوزيــر
قـد نقلـت إلـى القصـر مسـاء ذلــك اليــوم وعلمــت منهــا بنــت الوزيــر ضيــق الصــدر فعزمــت أن تذهــب
إليهــا وتحدثهــا بخبــر هــذا الغلــام ومــا سمعــت منــه مــن النظـــام فمـــا استتمـــت الفكـــر فـــي هـــذا الكلـــام
حتــى أرسلــت خلفهــا السيــدة مريــم زوجـــة أبيهـــا لأجـــل أن تؤانسهـــا بالحديـــث فذهبـــت إليهـــا فـــرأت
صدرهـــا ضيقـــاً ودموعهـــا جاريـــةٌ علـــى خديهـــا وهـــي تبكــــي بكــــاءً شديــــداً مــــا عليــــه مــــن مزيــــد
===
فقالــت لهــا بنــت الوزيــر: أيتهــا الملكــة لا تضيقــي صــدراً وقومــي معــي فــي هــذه الساعــة إلــى شبــاك
القصـر فـإن عندنـا فـي الإصطبــل شابــاً مليحــاً رشيــق القــوام حلــو الكلــام كأنــه عاشــقٌ مفــارق فقالــت
لهـــا السيـــدة مريـــم: بـــأي علامـــةٍ عرفـــت أنـــه عاشـــقٌ مفـــارق فقالـــت لهـــا بنـــت الوزيـــر: أيتهـــا الملكـــة
عرفـت ذلـك بإنشـاد القصائــد والأشعــار أثنــاء الليــل وأطــراف النهــر فقالــت السيــدة مريــم فــي نفسهــا:
إن كــان قــول بنــت الوزيــر بيقيــن فهــذه صفــات الكئيــب المسكيــن علــي نــور الديــن فيــا هـــل تـــرى هـــو
ذلــك الشــاب الــذي ذكرتــه بنــت الوزيــر ثــم أن السيــدة مريــم زاد بهــا العشــق والهيـــام والوجـــد والغـــرام
فقامـــت مـــن وقتهـــا وساعتهـــا ومشـــت مــــع بنــــت الوزيــــر إلــــى الشبــــاك ونظــــرت منــــه فرأتــــه محبوبهــــا