Advertisement

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية


الكتاب: عنوان الدّراية فيمن عُرف من العلماء في المائة السَّابعة ببجايَة
المؤلف: أحمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو العباس الغِبْرِيني (المتوفى: 714هـ)
حققه وعلق عليه: عادل نويهض
الناشر: منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت
الطبعة: الثانية، 1979 م
عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة التراجم] ذخائر التراث العربي
عنوان الدراية
فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
تأليف
أبو العباس الغبريني
أحمد بن أحمد عبد الله
(644هـ - 714هـ)
حققه وعلق عليه
عادل نويهض
ليسانس ودبلوم صحافة
رئيس مصلحة الصحافة والنشر (سابقا) في الجزائر
منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت
(/)

الطبعة الثانية
نيسان - (أبريل) 1979
(1/3)

كلمتنا
كتاب "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" للعلامة المؤرخ المحقق الشيخ أبي العباس الغبريني، من أهم المصادر التاريخية في المكتبة العربية عن الحياة العلمية في القرن السابع الهجري في بجاية، بالمغرب الأوسط، وسجل حافل بتراجم عشرات العلماء والمؤرخين والأدباء والشعراء وغيرهم ممن عرفتهم المدينة من مشاهير أعلام الجزائر وتونس والمغرب والأندلس.
وقد نشر هذا الكتاب لأول مرة في مدينة الجزائر سنة 1910 بعناية الأستاذ محمد بن أبي شنب.
و"دار الآفاق الجديدة" التي قدمت للعالمين، العربي والإسلامي، أنفس ما في تراثنا من مؤلفات، يسرها اليوم، أن تقدم هذا الكتاب في طبعة جديدة، أشرف على تحقيقها والتعليق على أصولها تعليقات وافية، الأستاذ عادل نويهض، فجاءت ضعف الكتاب الأصلي.
وفقنا الله، وأخذ بيدنا لما فيه خير العرب والمسلمين.
الناشر
(1/5)

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
بجاية مدينة مشهورة بالمغرب الأوسط، تقع شرقي الجزائر على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، اختطها سنة 460 هـ الناصر بن علناس أشهر ملوك الدولة الحمادية وأعظمهم شأنا، ثم اتخذها عاصمة ملكه وسماها الناصرية باسمه.
بلغت بجاية- في عهد الحماديية- درجة كبيرة من التقدم والعمران، واحتلت مكانة مرموقة بين حواضر العلم في المغرب والمشرق، فأمها الكثير من علماء مصر والشام والأندلس، فانتعشت الثقافة العربية وازدهرت الحركة العلمية، حين قيل إن عدد المفتين فيها بلغ تسعين مفتيا في زمن واحد.
وبنهاية دولة بني حماد (547هـ) على أيدي الموحدين، ودخول المغرب الأوسط تحت نظام الحكم الجديد، أخذت بجاية تفتح صفحة جديدة من صفحات تاريخها الثقافي والسياسي والعمراني والعلمي. ففي هذا العصر، أصبحت معقلا من أهم معاقل الحركة العقلية التي عرفها الشمال الافريقي، ينتقل إليه عشاق الأدب وطلاب العلم والمعرفة من مختلف المدن والقرى ... وقبلة تهوى إليها أفئدة المسلمين من بلاد الأندلس غربا إلى أصفهان في بلاد العجم شرقا، فاستهوت ألباب عدد غير قليل من مشاهير العلماء ومدرسي العلوم وأهل الفتوى والقضاء الأندلسيين والتونسيين والليبيين، كعبد الحق الاشبيلي وابن سيد الناس اليعمري وأحمد بن خالد المالقي وغيرهم، فزاروها وأقاموا بها واتخذوها وطنا. كما نبغ في هذا العصر عدد من العلماء والشعراء والكتاب الجزائريين الذين نشأوا في المدينة أو أخذوا عن شيوخها.
(1/7)

دام حكم الموحدين للمغرب الأوسط ما يقرب من قرن (539 - 633هـ)، ثم تلاهم الحفصيون، وكانت مدينة بجاية هي عاصمة الجزائر الحفصية في هذا العهد.
وكتاب "عوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" الذي صنفه فقيهها وقاضيها ومؤرخها أبو العباس الغبريني، وترجم فيه لأكثر من مائة وأربعين من رجال القرن السابع الهجري- وأكثرهم عاصر العهدين، الموحدي والحفصي- يعد أحفل سجل عن هذه الحقبة الذهبية التي عرفتها المدينة الإسلامية العربية، ففيه يتبين للقارىء ما كان لهذه المدينة من الصلات الوثيقة مع مراكز الحركات الثقافية في العالم الإسلامي، ومدى أثرها في الانتاج الأدبي من نثر وشعر وتاريخ ... وفي العلوم الدينية من فقه وأصول وتصوف. الخ.
ولما كانت المكتبة العربية- وما تزال- في حاجة إلى بعث مثل هذا التراث النفيس الذي يبين عن أمجادنا في مختلف المجالات العلمية، وقع اختياري عليه ليكون أول كتاب أقوم بنشره من سلسلة كتب التراث الجزائري التي عقدت العزم على تحقيقها وطبعها.
واليوم إذ أقدم هذا الكتاب للقارئين العرب في أبهى حلة، بعد أن حققت أصوله وعلقت عليها حيث وجب التعليق، وترجمت لأعلامه المذكورين في متنه، أرجو أن يرضي رغبات المثقفين من أبناء هذه الأمة، ويقع موقع الرضى والقبول من الباحثين والدارسين والمؤرخين. كما أرجو أن أكون بعملي المتواضع هذا، قد أسديت للمكتبة الجزائرية بخاصة، والمكتبة العربية بعامة، يدا تذكر بالخير كلما ذكر العاملون في سبيل إحياء تراثنا. وقد بدأت عملي بتقديم المؤلف والكتاب إلى القراء ليكونوا على بينة من الرجل وكتابه قبل أن يقرأوه من بابه إلى محرابه.
(1/8)

المؤلف
عقد غير واحد من المؤرخين المغاربة ترجمة للغبريني. أما في المؤلفات المشرقية فذكره لم يرد إلا في معاجم المؤلفين والمطبوعات. والذي بلغنا من خبره مما كتب عنه، ما ملخصه:

إسمه ونشأته:
هو أحمد بن أحمد (1) بن عبد الله بن محمد بن علي الغبريني، وكنيته أبو العباس، وقد غلبت عليه شهرته الغبريني، نسبة إلى " بني غبري" بطن من قبائل الأمازيغ "البربر" في المغرب الأوسط. وكان ميلاده في اواسط المائة السابعة سنة 644 - 1246م.
أما نشأته الأولى فقد كانت في موطن عشيرته الكائن في ضواحي أعزازقه في أعلى وادي سباو بالقرب من مدينة بحاية.- وقيل في بجاية بالذات-.

تعليمه:
انطلق منذ صغره نحو العلم فانكب على حفظ القرآن، وعلوم الفقه والتفسير والحديث والعربية والمنطق وغير ذلك من فنون العلم التي كانت سائدة في عصره، حتى بلغ عدد شيوخه الذين أخذ عنهم نحو السبعين شيخا. ومن خلال نظرة عجلى نلقيها على أسماء الكتب والفنون التي قرأها على هؤلاء الاعلام
__________
(1) كذا ورد اسمه في مقدمة الطبعة الأولى التي كتبها الاستاذ محمد بن أبي شنب وفي خاتمة الكتاب، وفى أكثر كتب التراجم والسير. أما في "الوفيات" لابن قنفذ القسنطيني ص: 35، ولقط الفرائد - خ- لابن القاضي المكناسي فهو فيهما أحمد بن محمد.
(1/9)

من شيوخ المغرب الاوسط " الجزائر" والأندلس، وافريقية "تونس" المذكورة في " برنامجه " الملحق في نهاية هذا الكتاب، ندرك كم بذل الرجل من جهد من أجل الحصول على المعرفة من مصادرها المختلفة.

في الحياة العامة:
اتفق المؤرخون وكتاب السيرة المغاربة على أن الغبريني ولي القضاء بمواضع عدة، آخرها مدينة بجاية، "فكان في حكمه شديدا، مهيبا ذا معرفة بأصول الفقه، وحفظ لفروعه، وقيام على النوازل، وتحقيق للمسائل (1).
ولكن ليس لدينا في كتب التاريخ والسير سند يركن إليه عن حياة الغبريني قبل ولايته لخطة القضاء، غير أن النباهي أورد جملة في ترجمته الوجيزة له، تعيننا عل الكشف عن تلك المرحلة من حياته.
يقول النباهي: "ولما ولي خطة القضاء، ترك حضور الولائم، ودخول الحمام، وسلك طريق اليأس من مداخلة الناس" (2).
وبناء على ما تقدم، ترانا محمولين للقول، أن الغبريني قد عاش في غمرة الاحداث التي مرت ببجاية بخاصة، وعلى المغرب الأوسط بعامة، فكان على اتصال بالمسؤولين وغيرهم من رجال الدولة، يجالس الكبراء، ويناقش الحكام، ويدلي برأيه في المسائل الهامة. ولا يبعد أن يكون قد لعب دورا في سياسة بلده، فقد كانت السياسة من مستلزمات من هم في منزلة الغبريني وجاهة وعلما ودراية.
أما كلام النباهي حول زهد الغبريني بعد ولايته للقضاء، فتؤيده شواهد كثيرة من كلام الغبريني نفسه في ثنايا هذا الكتاب. فبالرغم عما اشتهر به
__________
(1) قضاة الاندلس لأبي الحسن النباهي ص: 132.
(2) قضاة الاندلس ص: 132.
(1/10)

الرجل من إحاطة واسعة بثفافة وعلوم عصره، إلا أنه قد تأثر إلى حد كبير بسلوك فئة قليل من شيوخه من الزهاد والمتصوفين، المؤمنين بقدرة قيام بعض الناس بعمل المعجزات والخوارق، فآمن مثلهم وسلك سبيلهم، ثم عمد إلى تسجيل ما سمع منهم من قصص لا يقبلها عقل، ضمن إطار من التهليل والتكبير، بالاضافة إلى توبيخ المعرضين عنها والمنكرين لها وانذارهم بسوء العاقبة والمصير في الحياة الدنيا والآخرة.
وإذا علمنا أن الغبريني ألف معظم كتابه في السنوات الأخيرة من حياته، وبعد أن، سلك طريق اليأس من مداخلة الناس، أدركنا مدى أثر بعض هؤلاء الشيوخ في نفسه وعلى تفكيره وحياته .. ولعل قوله- بعد ان سرد قصة من هذه القصص- "وقد يقع في هذا انكار من ملحد لا علم له، وحقه الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، وإن زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه، كما جمع الله له الخزي في أولاه وآخراه" (1). لعل هذا القول أصدق برهان على صحة ما ذكرناه.
وهذه اللوحة البسيطة التي رسمناها لفترة من حياة الغبريني، تنطبق على غيره أيضا، فالرجل لم يكن أول المؤلفين في هذا الميدان. إنما سبقه بعض من ترجم لشيوخه وأتى على ذكر مثل هذه القصص والدعوة إلى تصديقها والايمان بها. ثم جاء بعده آخرون وساروا على نفس الطريق. ولا أكون مغاليا إذا قلت: أن في العالم الإسلامي وفي يوم الناس هذا، يوجد من يكتب مثل هذه القصص في مؤلفاته، إلا أننا نؤمن، أن هؤلاء المعاصرين الذين يقومون بهذا العمل، لا يقومون به عن إيمان خالص أو لوجه الله والوطن، إنما عن قصد سيء ونية خبيثة، ولوجه غير وجه الله والوطن. وهم يعلمون أن الإنسان العربي في هذا العصر، مهما كان مذهبه أو دينه الذي ينضوي تحت لوائه، يفحص ويحلل ويقارن دون أن تتغلب عليه رهبة التقديس، وأنه لا يستطيع تصديق مثل هذه القصص أو قبول نظرتها للحياة والفكر والوجود. ولذلك نجدهم يزرعون
__________
(1) راجع الترجمة رقم 5
(1/11)

هذه الأشواك في الأماكن البعيدة عن التقدم والعمران، ويبتعدون عن مواطن العلم ومراكز التثقيف.
أما شيخنا الغبريني، الذي وقع تحت رهبة التقديس، شأنه شأن الكثيرين من رجالات الدين القدماء في العالم الإسلامي، الذين جنت عليهم شطحاتهم إلى حد الاغراق والمبالغه، التي يحانبها الإبداع الفكري، فإنه لم يكتف بسرد وتسجيل القصص التي اعتقد أنها حدثت في عصره، إنما عاد إلى الكتب القديمة المحشوة بمثا هذه القصص، ونقل مجموعة منها ثم جعل واحدة ذيلا لقصة من قصص بعض شيوخه، كأنه يقول لقارئه- وقد رأى عليه ملامح الشك- إن لم تصدق الحاضر فدونك حكايات من الماضي، أو بمعنى آخر، أراد- وهو الخبير بشؤون القضاء- أن يكثر من الأدلة والبينات التي تؤيد وجهة نظره، ويجعل منها حجة قوية في يده ضد خصمه الذي لا يؤمن بصحة مثل هذه القصص والحكايات ولا يصدقها؛ فسجلها في كتابه.

أسلوبه:
لا نعتقد أن الغبريني ترك من المؤلفات غير "عنوان الدراية" فلا هو نفسه ولا الذين ترجموا له أو أرخوا لعصره، ذكروا غير هذا الكتاب. ولذا نستطيع أن نحكم على أسلوبه النثري من خلال مضمون كتابه الوحيد.
تأثر الغبريني تأثرا قويا بالسجع، فلازمه في كتابه من عنوان الكتاب نفسه إلى آخر سطر من سطور صفحاته. كما أنه أغرم بالجمل القصيرة والتزيينات اللفظية. فعمد في كل ترجماته إلى صيغ وعبارات تكاد تكون واحدة في الأسلوب. فعبارة " الفقيه المجتهد المحصل المتقن" مثلا، وكذلك عبارة "الفقيه الصالح الزاهد الورع" نجدها وصفا أطلقه المؤلف على المترجم لهم دون تمييز أو تفريق بين أديب وشاعر ومحدث ومؤرخ، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، إذ من غير المعقول، أن يكون جميع الأشخاص على مستوى واحد في المعلومات
(1/12)

أو على درجة واحدة من الذكاء والاجتهاد والشاعرية و ... الخ.
إن هذه الكلمات والنعوت والأوصاف العامة كثيرة في كتاب الغبريني، وما أبرز ما يلفت النظر فيه .. وقد يكون التزام المؤلف وتقيده بها معقولا، فيما لو اعتمد على وضع كل وصف أو نعت في مكانه اللائق به أو اللازم له. ولكنه لم يفعل.

نظمه:
من خلال محاولة نقوم بها لجمع التراث الجزائري، علمنا أن للغريني بعض القصائد والأبيات الشعرية لا تزال مخطوطة في مكتبات المغرب الأقصى، وحيث أنها لم تصل إلينا بعد لنتحقق منها، لا يمكننا الجزم بأنها له، فقد تكون نسبت إليه. ولم نجد له في المصادر التي أهتمت بحياته ووضعته في عداد المؤرخين سوى بيتين من الشعر ذكرهما النباهي هما:
لا تنكحن سرك المكنون خاطبه ... واجعل لميته بين الحشا جدثا
ولا تقل نفثة المصدور راحته ... كم نافث روحه من صدره نفثا
ونفهم مما ذكره هو نفسه من خلال ترجمته لأبي زكريا يحيى بن محجوبة السطيفي المتوفي سنة 677 هـ، أنه قال الشعر في شبابه. فهو يقول: "وكنت في زمن الشباب نظمت القصيدة الصوفية الهمزية التي مطلعها:
واحيرة العشاق بالرقباء ... حرموا الوصول لطيبة الوسعاء
وهي نحو أربعين بيتا، فحملتها إليه (إلى السطيفي) وأنشدتها بين يديه، ففرح بها غاية الفرح وجعل يدعو ويقول: بصرك الله لمعانيها واطلعك الله على ما فيها، لأن الحال كان حال شبيبة، فاعتقد الشيخ رحمه الله أن ما أتيت به فيها إنما هو على سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهود. والله يؤتي الفضل من يشاء .. " فهل تكون هذه القصيدة من ضمن القصائد المخطوطة والموجودة
(1/13)

في المغرب؟ سيبقى السؤال دون جواب، لأن الخبر اليقين يكمن في المخطوطات. وهذه لا سبيل إليها الآن، ويوم يقدر لها أن ترى النور، نتحقق من شعره ونضعه في كفة الميزان.

وفاته:
أجمع أكثر المؤرخي على أن الغبريني قد توفي بمدينة بجاية سنة 714هـ، 1315 م. نتيجة لإصابته بالطاعون. غير أن إبن قنفذ القسنطيني في كتابه "الوفيات" وابن القاضي في كتابه "لقط الفرائد" الذي وضعه ذيلا لكتاب ابن قنفذ، والنباها في "المرقبة العليا" ذكروا أن وفاته كانت سنة 704هـ. ونحن استنادا لما ذكره الاستاذ محمد بن أبي شنب في الطبعة الأولى، ولما ذكره المؤرخون المغاربة عن سيرة الرجل، نقلا عن مخطوطات قديمة، نؤكد أن التاريخ الأول هو الصحيح.

هذا الكتاب وقيمته التاريخية:
ترك كثير من مشاهير الجزائريين مصنفات أسماها بعضهم بـ "الثبت" وأسماها البعض الآخربـ"البرنامج" أو " المشيخة"، ذكروا فيها أسماء العلوم التي أخذوها عن معاصريهم من علماء الفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب والتاريخ وغيرها، كما ترجموا فيها لهؤلاء العلماء الأعلام. وهذه الكتب أو المصنفات وإن كانت لا تدخل في عداد كتب التراجم والسير بمفهومهما العلمي، إلا أنها حفظت لنا صفحات مجيدة عن حياة مشاهير المغرب الأوسط ابتداء من القرن الثالث الهجري، وأعطتنا صورة واضحة المعالم عن الحياة العقلية في عصر كل مؤلف من هؤلاء المؤلفين، يضاف إليها تلك المؤلفات التي وضعها الجزائريون خارج حدود وطنم وذكروا فيها أسماء من أخذوا عنهم أو سمعوا منهم من أعلام المشرق العربي وبعض الأقطار الإسلامية، والتي تبين لنا مدى إهتمام الجزائريين الأوائل بالعلم والحج إليه حيث كان .. ككتاب "نظم اللآلي في سلوك الأمالي" للمقري الجد، و" ثبت الندرومي" لمحمد بن محمد
(1/14)

بن يحيى الندرومي. وهذا الكتاب الأخير وصل إليا مخطوطا ... ذكر فيه مؤلفه من أخذ عنهم من علماء الحديث في بيت المقدس ودمشق ومكة المكرمة والقاهرة المعزية، أمثال صلاح الدين العلائي الدمشقي ومحمد بن محمد الربيعي المتوفي ببيت المقدس، وسليمان بن سالم الغزي والإمام اسماعيل بن عمر بن كثير وغيرهم.
إنما ميزة كتاب "عنوان الدراية" عن غيره من كتب التراجم والسير، هي الشمول في التعريف بغير شيوخ المؤلف، وتسجيله لبعض الأحداث التاريخية، وإثباته لبعض النماذج الشعرية والنثرية المنسوبة للمترجم لهم ... زد على ذلك، أنه حفظ لنا صورة صادقة عن الحياة العقلية في مدينة بجاية في مدة قرن كامل، عكست لنا ما كان لهذه المدينة الخالدة من أثر يذكر في تنمية وإنتاج مختلف العلوم الإسلامية، ومدى صلاتها الوثيقة التي كانت تربطها مع مراكز النهضة العلمية الإسلامية في المغرب والمشرق. ولولا هذا الكتاب لظلت أكثر هذه الصفحات من تاريخ الحركة العلمية الجزائرية مجهولة.
ولكن لا بد من القول، أن الطريق التي اتبعها الغبريني في كتابته لتراجم أعلام المائة السابعة، كانت غير ذاتية في معظمها، فهو لم يعتمد على إنتاجهم من حيث قيمته الفنية، ولا على الحياة الشخصية أو العوامل التي ألهمتهم هذا الأدب أو هذا الإنتاج، مع أنه كان واسع الإلمام بكل ما كتبوه، متتبعا مراحل حياتهم مرحلة مرحلة، ولذلك لم يعكس- في بعض تراجمه- صورا واضحة على ضوء فن كتابة السير والتراجم، مما كان يساعدنا في يومنا هذا على معرفة ما كانت تنطوي عليه أحاسيسهم ونزواتهم، ومقام كل واحد من هؤلاء في عالم الدين والأدب والتاريخ .. الخ.
ومدى تجاوبهم مع مجتمعهم ومع المجتمعات الأخرى المجاورة لهم.
تبقى كلمة أخيرة، وهي أن هذا الكتاب- بشادة كبار العلماء- هو أصدق وأشمل سجل طبع عن الحياة العقلية في المائة السابعة للهجرة لا في بجاية وحدها إنما في المغرب الأوسط أيضا.
بيروت- لبنان
عادل نويهض
(1/15)

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله وحده
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [أما بعد] فإن الكتاب المسمى "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" للعلامة المحقق، والفهامة المدقق، الجامع بين الدراية والرواية، قاضي القضاة ببجاية، الشيخ أبي العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله الغبريني رحمه الله ورضي عنه كتاب تلوح أنوار الحقائق من سبل عباراته، ويعبق شذا عرف المعارف من بيان إشاراته، أورد فيه مؤلفه من تراجم علماء عصره، وأخبار أحبار مصره، ما يحتاجه المتشوق إلى فرائد الفوائد، والمتشوق إلى أوابد العوالد، مع ذكره وفياتهم ومؤلفاتهم، وسيرهم في مذاهبهم وعاداتهم، واستطراد الأحاديث الشريفة، والآثار الصالحة المنيفة، والمباحث الفقهية، والفتاوي الشرعية، وغير ذلك مما لا يحصى، ولا من غيره يستقصى، وقد اعتمدنا في التصحيح على أربع نسخ (الأولى) للمكتبة الدولية الجزائرية محفوظة تحت عدد 1734 (والثانية) للفقيه النبيه سيدي عبد الرزاق الأشرف قاضي (باتنه) الحالي (والثالثة) للعالم العلامة سيدي علي بن الحاج موسى، الإمام بمسجد ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي بالجزائر (والرابعة) للفقيه النجيب والوجيه الأديب الشيخ سيدي أبي القاسم محمد الحفناوي المدرس بالمسجد الأعظم بالجزائر.
هذا وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيح التحريف. وتصويب التصحيف.
وما العصمة والكمال، إلا للكبير المتعال.
محمد بن أبي شنب
المدرس بالمدرسة الثعالبية الدولية
وكلية الآداب العليا بالجزائر
(1/16)

عنوان الدراية
فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
(1/17)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حفظ الذكر بحفظ أهله، وشرفهم بوراثة أنبيائه ورسله، وجعل تفاوتهم في علي الدرجات بحسب تفاوتهم في حمله، وأسبغ عليهم سوابغ نعمه ووعدهم بالمزيد من فضله، وصلواته على سيدنا محمد نبيه المخصوص بما لم يختص به نبي من قبله، وعلى آله وصحبه المقتفين سننه القويم والمعتصمين بحبله، صلاة نرجو بها الفوز يوم يبين للمرء ما هو المقبول والمردود من قوله وفعله.
(أما بعد) فإنه لما كان طلب العلم اللدني فرضا على الكفاية حينا ومتعينا في الحال، ولم يكن بد في تحصيله من تلقيه عن الرجال، وكان التلقي أما بمباشرة أو عن سند ذي اتصال، وكان المباشر تكفي معرفته، والمسند عنه لا بد أن تعرف صفته، فلذلك اهتم العلماء بذكر الرجال، واستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال ليوضحوا سبيل التحمل، ويبينوا وسيلة التوصل، وقد اختلفت في ذلك مصادرهم ومواردهم، وان اتفقت في بعض الوجوه مقاصدهم، فمنهم من ذكر التجريح والتعديل في المحدثين، ومنهم من ذكر من يعرف بالحفظ والإتقان من المتقدمين، ومنهم من اقتصر على ذكر العلماء المجتهدين، ومنهم من ذكر المؤلفين والمصنفين، ومنهم من ذكر الصلحاء والمتعبدين، ومنهم من ذكر علماء وقته، ومنهم من اقتصر على ذكر مشيخته، وكل ذلك يحصل الإفادة، ويسهل للطالب مراده، وإنما ينبغي أن يعرض في هذا على سبيل المكاثرة، وطريق المباهلة والمفاخرة، كما قصده بعض من قصرت معرفته، ولم ترف إلى درجة أولي النهي درجته، وان يكون القصد في هذا إنما هو ما يتعلق بالأمور الدينية، ويوصل إلى سبيل المرضية، والله تعالى متولي صلاح النية والطوية، وذلك بحيث يعلم طالب العلم الأئمة الذين بهم يقتدى، وبسلوك
(1/19)

سننهم السوي يهتدى، واني قد رأيت أن أذكر في هذا التقييد من عرف من العلماء "ببجاية" في هذه المائة السابعة التي نحن في بقية العشر الذي هو خاتمتها ختمها الله بالخيرات، وجعل ما بعدها مبدءاَ للمسرات، أذكر منهم من اشتهر ذكره، ونبل قدره، وظهرت جلالته، وعرفت مرتبته في العلم ومكانته، وقد رأيت أن أصل بذكر علماء هذه المائة، ذكر الشيخ أبي مدين (1) والشيخ أبي علي المسيلي (2) والفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي (3) رحمهم الله ورضي عنهم، لقرب عهدهم بهذه المائة، لانهم كانوا في أعقاب المائة السادسة للتبرك بذكرهم، ولانتشار فخرهم .. وأبدأ بهم رضي الله عنهم، ثم أتلوهم بذكر مشيختي، وأعلام إفادتي، ثم أتلوهم بمن سواهم إلى أن يقع الإتيان على جميعهم رحمهم الله. وسميت هذا المجموع (عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية) والله تعالى يجعل السعي في هذا كله موصلا إلى الزلفي لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولنأخذ في ذلك على الله متوكلين، وبه مستعينين.
__________
(1) انظر ترجمته رقم 1.
(2) انظر ترجمته رقم 2.
(3) انظر ترجمته رقم 3.
(1/20)

ذكر الأشياخ الثلاثة
ومن يستطرده ذكرهم معهم رضي الله عنهم
(1/21)

1 - أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي
594هـ - 1198م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ الفقيه المحقق، الواصل القطب، شيخ مشائخ الإسلام في عصره، إمام العباد والزهاد وخاصة الخلصاء من فضلاء العباد، سيدي أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي من ناحية اشبيلية، ومن حصين يقال له "منتوجب" فتح الله عليه بمواهب قلبية، وأسرار ربانية، استفادها بالتوجه والعمل، وارتقى إلى غاية ما يؤمل؛ كان الشيخ أبو يعزى رحمه الله تعالى، يثني
(1/22)

عليه ويشكره ويقول بلسانه: "إيشار أفان أندلسي" وكان الشيخ أبو يعزى ممن يتبرك بثنائه لعظم خطره، وجلالة قدره. رأيت من كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه، إنه قال: طالعت أخبار الأولياء من عهد أويس القرني إلى زمننا، فما رأيت مثل الشيخ أبي يعزى، وطالعت كتب التذكير فما رأيت مثل كتاب الإحياء. قال الشيخ العارف محي الدين أبو بكر بن العربي الحاتمي الطائي المعروف بابن سراقة، أن الشيخ أبا مدين رحمه الله لم يمت حتى تقطب قبل أن يغر غر بثلاث ساعات، والقطبية للعارف هي منتهى مناله، وغاية آماله. قلت بلغ من ورعه رضي الله عنه، إنه كان لا يأكل البقلة المسماة ببقلة الروم لذكر اسم الروم عليها وإضافتها إليهم،
(1/23)

وهذا تقدم كبير في باب التقوى، ومثل ما ذكر، ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، إنه كان لا يأكل البطيخ، لأنه لم يبلغه كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكله بقشره أو بغير قشره، وهل تناوله رضا أو قطعا أو بالفم، ومثل ذلك ما يحكى عن المحاسبي الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فما أخذ منها شيئا وقال: أن أبي كان يقول بالقدر. وقال صلى الله عليه وسلم، لا يتوارث أهل ملتين. وكابن القاسم الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فأبى أن يأخذها وقال أن أبي كان تاجرا وكان لا يحسن العلم، فربما دخل عليه الربى وهو لا يشعر، وهو الذي اكترى دابة فسافر عليها فجاءه إنسان برسالة وقال له، تحمل هذه معك لفلان، فقال ما اشترطت على رب الدابة حمل هذا. وهذا كله من باب الورع رضي الله عنهم. سمعت عنه
(1/24)

رضي الله عنه، إنه قرأ حتى انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، فظهرت له معالم العلى، وتحلى من مواهب الله بأحسن الحلي، فكانت تلك السورة سدرة منتهاه، وغاية مرماه.
أخبرني بعض المشيخة رضي الله عنهم، أن الشيخين القاضيين، أبا علي المسيلي وأبا محمد عبد الحق الاشبيلي رضي الله عنهما، سمعا عنه إنه يأتي من العلم بفنون، وإنه اطلع من أمر الله على سره المكنون، مع إنه لم ينته بالقراءة إلا إلى السورة المذكورة فكانا يتعجبان، ويكادان يحيلان ما عنه يسمعان، فاتفق رأيهما على الاجتماع معه، والاطلاع على ما عنده، فسارا إليه إلى أحد مسجديه الذين كان يجلس فيهما مع بعض خواص أصحابه، فدخلا فألفياه يفيض في أمور، ويستخرج الدرر من قيعان البحور، فجلسا إلى أن فرغ من كلامه، ورجع إلى ما يخصه من مرامه، فسلما عليه وسلم عليهما ولم يكن لهما رؤية قبل فقال لهما أما هذا فالفقيه أبو محمد عبد الحق، وأما هذا فالفقيه أبو علي المسيلي، فقالا نعم، وكان هذا من جملة كراماته، وإن صح أن يقال في هذا إنه مما تقرر عنده من رسم الصفة، فأحق أن ينسب ذلك إلى طريق الكرامة، فسألاه حيث انتهى بدراسته، وعن مبلغ قراءته، وذكرا له أنهما سمعا عنه إنه انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، وإنه لم يزد عليها، فأجابهما رضي الله عنه وقال لهما نعم كانت سورتي، فوجدتها سدرتي، ولو تعديتها لأحرقتني سبحات الوجه الكريم، ثم التفت إليهما مخاطبا بنزعة صوفية مشيرا عن يمينه ويساره وهو يقول "بي قل وعلي دل فأنا الكل" فانفصلا عنه وقد تأكد العلم
(1/25)

عندهما بأن لله مواهب لا تسعها المكاسب وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وأخبرني بعض الأصحاب أن بعض الطلبة وقع بينهم نزاع في بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة: فتردد الكلام بينهم في أن مؤمنين إذا ماتا استحقا الجنة وبقي الناس أجمع دون شيء، فساروا إلى مجلس الشيخ أبي مدين رضي الله عنه ليطلعوا على ما عنده في المسألة، فلما استقر بهم الجلوس في مجلسه وكان حديثه في ذلك المجلس على رسالة القشيري رحمه الله، ترك كلامه الذي كان يتحدث فيه وقال نزيل عن أصحابنا الإشكال، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة، أراد صلى الله عليه وسلم نصف جنته، وإذا كان بعد الحشر يعطى النصف الثاني من جنته، فبعد البعث تكمل له جنته، وفي القبر يعطى نصف جنته، وبين إنه يكشف له في القبر عن مقعده من الجنة وإنه يتنعم برؤيته، وإن أرواح المؤمنين تسرح في الجنة وفي يوم القيامة تتصل الأرواح بالأجساد ويجتمع الجميع في الجنة، وفي هذا من العلم ما لا ينتهي إلى حقيقته إلا أهل الصفاء وخاصة الأولياء، جعلنا الله منهم، وهذه إحدى كراماته رضي الله تعالى عنه حيث أخبرهم بما أتوا إليه قبل أن يخبروه.
وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الحق بن ربيع عن أبيه الفقيه أبي الزهر ربيع رحمه الله، أن والده أبا الزهر كان كتب لبعض الولاة ببجاية واكتسب معه مالا ثم رأى رؤيا مهولة وهي أن القيامة قد قامت وإنه يساق ليقذف به في النار
(1/26)

وانه سأل عن السبب فقيل بسبب ما اكتسبت من المال، فسأل واستغاث، فخلي عنه فتاب إلى الله تعالى ونزع نفسه عن الكتابة واشتغل بملازمة العبادة ولزوم القراءة، واستعمل حرفة الخياطة للمعيشة فلم يكفه ما ينتجه من ذلك فضاقت حاله وساءت، فسار يوما إلى والدته فأخبرها بضيق حاله وما انتهى إليه أمره ورغب أن يجد عندها فرجا فقالت له: يا بني، والله ما عندي شيء ولا أعلم لك نفعا سوى هذا الرسم، وهو رسم دار كانت لها، واغتصبها الموارقة حين دخولهم بجاية واستمر الغصب عليها، فخذه واطلب الدار وهي لك. فأخذت ذلك الرسم ومشيت به إلى الفقهاء استفتيهم فيه، فاستفتيتهم فأفتوني بجواز الطلب وإن الحق لمستحقه وجب، فقلت قد استفتيت فقهاء الدنيا ولا بد أن استفتي فقهاء الآخرة، قال فسرت إلى الشيخ أبي مدين رضي الله عنه بالمسجد المعروف الآن بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه بحومة اللؤلؤة فقصصت عليه القصة وسألته الفتيا فيها، فقال لي رضي الله عنه استفت ربك يفتك، فقلت له يا سيدي وهل بلغت أن يفتيني ربي؟ فقال لي استفت ربك يفتك، قال وكان هذا وهو ينتظر صلاة الصبح، فأقام المؤذن الصلاة وتعلقت نفسي بالفتيا، فلما كنت في الركعة الثانية من الصلاة عرض علي
(1/27)

شبه سنة فرأيت مرجا مريعا مخضر الجناب، رائق الجلباب، وفي وسطه بركة ماء كأنها اللجين، وفي ذلك المرج طاووس لا يرى في طواويس الدنيا مثله، وإذا به يخاطبني بلسان فصيح، ونطق بين صريح، يقول لي اطلب حقا واجبا اطلب حقا واجبا، فأتممت الصلاة وجلست بمجلسه المبارك لاستماع الذكر، وبعد فراغه وانصراف الناس عنه أقبل علي وقال لي أفتاك ربك، فقلت له أفتاني يا سيدي. قلت وفي هذا له -رضي الله عنه- كرامات أحدها أحالته على فتيا ربه، والثانية صدور الفتيا له، والثالثة إخباره له بأن ربه أفتاه وأطلعه على ذلك. وكراماته رضي الله عنه وأحواله المباركة الصادرة عنه مما لا يحصى وصفه، ولا يسع نظمه ووصفه.
ولما اشتهر أمره ببجاية سعي به عند خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، فأمر بطلوعه إلى مراكش وكتب لوالي بجاية في ذلك وأمر أن يحمله خير محمل، فلما وصل إليه الأمر، اجتمع عليه أكابر أصحابه وعز عليهم فراقه وتألموا من حاله وانفوا عليه، فقال رضي الله عنه لا عليكم، شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي، منيته قدرت بغير هذه البلدة ولا بد من الوصول إلى محل منيته. فقيض الله له من يحمله برفق ويسوقه إلى مرام المقادير أحسن سوق، والقوم لا أراهم ولا يرونني، فطابت بذلك نفوسهم وذهب ضيرهم وبؤسهم، وارتحل رضي الله عنه إلى أن وصل تلمسان ونزل بها بالموضع المسمى بالعباد وهنالك قال لأصحابه رضي الله عنه: لا بأس بالنوم بهذا المكان، فوافته هناك منيته، وشرفت تلك البقاع تربته، وهذه من جملة كراماته رضي الله عنه وقبره هناك معمر مشهود، وحوض مورود، والدعاء عنده مستجاب، وهو
(1/28)

أحد المعالم التي عرف بالتجربة استجابة الدعاء عندها، وكذلك قبر الشيخ أبي زكريا يحيى الزواوي رضي الله عنه ببجاية، وقبر الشيخ أبي مروان اليحصبي ببونة وقبر معروف الكرخي ببغداد، نفعنا الله بخالص النيات، وأعاننا على الاعمال الصالحات.
ورأيت في فهرسة أبي عبد الله محمد بن عبد الحق التلمساني بعد ذكره لفضل الشيخ أبي مدين وبعد وصفه إياه ببعض أوصافه الجليلة، إنه قال ظهر فيه صدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت المرء على ما عاش عليه، إذ كان من قوله عند آخر الرمق الله الحي. قلت هذه الخاتمة حسنا ومرتبة عليا، رحمه الله ورضي عنه. وتوفي في نحو التسعين وخمسمائة.
وذكر بعض العلماء قال: رأيت ذا القرنين في المنام فسألته عن قوله تعالى {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} ما هذه العين التي تغرب فيها الشمس والشمس أكبر من الدنيا نيفا وستين مرة، وقال لي أين
(1/29)

تغيب السماوات والنجوم والقمر حين يعدم الخلق؟ فقلت لا أدري، فقال لي في عظمة الله وقدرته، والعين هي العظمة والقدرة، فقلت ما عندي غير هذا، فقال ولا عند جبريل، ثم قال لي، قل للشيخ أبي مدين أنت قطب والدراري دائرة بك، وأنت ستر لبجاية الناجية فبثك العلم في بجاية رحمة لهم وعناية، وكان سبب هذا إنه وقع ذكر في هذه العين التي تغرب فيها الشمس، فقال الشيخ أبو مدين لصاحب الرؤيا أن رأيت أحدا من الأنبياء فاسأله عن هذه العين، وقال بعضهم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه أبو مدين وأبو حامد رضي الله عنهما، فسأل أبو حامد الشيخ أبا مدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له، ما روح الروح؟ فقال له أبو مدين المعرفة، فقال له فما روح المعرفة؟ قال اللذة، قال فما روح اللذة؟ قال نظرة إليه، فغشيهم نور عظيم فأخذتهم الملائكة وصعدت بهم حتى غابوا في الهواء.
وهنا أنا أثبت من كلامه المبارك ما يدل على علو مقامه، وبديع قصده ومرامه، ولولا الإطالة لألحقت كل كلمة منها بمعالمها، وبينت وجه ارتباطها بما هو من مراسلها، وفي حفظها أن شاء الله والعمل بها ما يرقى إلى منازل الأبرار، ويوصل إلى عالم المقربين الأخيار قال رضي الله عنه: الحق تعالى، مطلع على السرائر والضمائر في كل نفس، وقال: فأيما قلب رآه مؤثرا له حفظه من الطوراق والمحن ومتعاظلات الفتن. وقال: إياك أن تميل إلى غير الله فيسلبك لذة مناجاته. وقال: من رأيته يدعى مع الله حالا لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذره. وقال: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم. وقال: من عرف الله استفاد منه في اليقظة والنوم. وقال:
(1/30)

لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن جمعت له أربعة، الزهد والعلم والتوكل واليقين. وقال: اجعل الصبر زادك، والرضى مطيتك، والحق مقصدك ووجهتك. وقال: من تعلق بدعوى الأماني لم يفارق التوانى. وقال: من اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل. وقال: جعل الله تعالى قلوب أهل الدنيا محلا للغفلة والوسواس وقلوب العارفين محلا للذكر والاستيناس: وقال: لا ينفع مع الكبر عمل ولا يضر مع التواضع بطالة. وقال: الفترة الاشتغال بالخلق عن الخالق. وقال: أهل الصدق قليل في أهل الصلاح. وقال من لم يجد في قلبه زاجرا فهو خراب. وقال: توكل على الله حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلق لم يغنوا عنك شيئا. وقال: بالمحاسبة يصل العبد إلى درجة المراقبة. وقال: من أهمل الفرائض فقد ضيع نفسه. وقال: من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه. وقال: الدعوى من رعونة النفس وقال: أبناء الدنيا يخدمهم العبيد والإماء وأبناء الآخرة يخدمهم الأحرار والكرماء. وقال: من خدم الصالحين ارتفع بخدمته. وقال: من حرم احترام الأولياء ابتلاه الله بالمقت من خلقه. وقال: ثمرة التصوف تسليم كلك وقال من ترك التدبير والاختيار طاب عيشه. وقال: مروءتك إعطاؤك عن تقصير غيرك. وقال: الغيبة عن الحق خيبة. وقال: التعظيم امتلاء القلب بإجلال الرب. وقال: المهمل في الأحوال لا يصلح لبساط الحق. وقال: كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورسمه فليست بحقيقة. وقال: ما عرف الحق من لم يؤثره وما أطاعه من لم
(1/31)

يشكره. وقال المروءة موافقة الإخوان فيما لم يحظره العلم عليك. وقال: قوة العارف معروفة وقوة الغير فمعتادة مألوفة. وقال: من أراد الصفاء فليلزم الوفاء. وقال: أساس هذا الشأن على الزهد والاجتهاد. وقال: التدارك بالبلاء تحقيق بالرضى. وقال: الفقر أمارة على التوحيد ودلالة على التفريد [وحقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه]. وقال: الزهد فريضة وفضيلة وقربة، فالفرض في الحرام، والفضل في التشابه، والقربة في الحلال. وقال: من قطع موصولا بربه قطع به. وقال: من شغل مشغولا بربه أدركه المقت [في الوقت] (يا نفس هذه موعظة لك أن اتعظت). وقال: من استكن إلى غير الله بسره نزع الله الرحمة من قلوبهم عليه وأليسه لباس الطمع فيهم. وقال: علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق. وقال: احذر محبة المبتدعين فهو أبقى على دينك واحذر محبة النساء فهو أبقى على قلبك.
هذه كلمات طيبات ونبذ متخيرات من كلامه رضي الله عنه، وكل قضية منها لو اقتصر عليها المقتصر، وتمسك بمجردها الفطن اللبيب المختصر، لأغنته وحصلت له المراد وكفته، فإنها تضمنت من جوامع المعاني ما يطول فيه التفصيل، وتعظم به الإفادة لذوي التحصيل، والله موفقنا ومرشدنا بمنه.
(1/32)

2 - أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي
... نحو 580هـ
... 1185م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ الفقيه الفاضل، العلم العامل العابد، المحقق المتقن المحصل المجتهد، الإمام أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي كان يسمى أبا حامد الصغير، جمع بين العلم والعمل والورع، وبين علمي الظاهر والباطن، له المصنفات الحسنة والقصص العجيبة المستحسنة، له "التذكرة في أصول علم الدين" وهو كتاب حسن طالعته وكررت النظر فيه فرأيته من أجل الموضوعات في هذا الفن، وله "النبراس في الرد على منكر القياس" وهو كتاب مليح على ما أخبرت عنه، ولم أره، وأنا شديد الحرص عليه، ولقد اخبرني بعض الطلبة المتمسكين بالظاهر وهو من أنبلهم إنه رأى هذا الكتاب وإنه ما رأى في الكتب الموضوعة في هذا الشأن مثله، فأنشدته:
ومليحة شهدت لها أعداؤها … والحسن ما شهدت له الأعداء
فأعجبه ذلك. وله كتاب في علم التذكير سماه كتاب "التفكير فيما يشتمل عليه السور والآيات من المباد والغايات" وهو كتاب جليل سلك فيه مسلك أبي حامد في كتاب "الإحياء" وبه سمي أبا حامد الصغير، وكلامه
(1/33)

فيه أحسن من كلام أبي حامد وأسلم، ودل كلامه فيه على إحاطته بعلم المعقول والمنقول وعلم الظاهر والباطن، ومن تأمل كلامه أدرك ذلك بالعلم اليقين، ولم يفتقر فيه إلى تبيين، وهو كثير الوجود بين أيدي الناس، وكثرة وجود الكتاب دليل على اعتناء الناس به وإيثارهم له. ولقد رأيت على نسخة من نسخه ما قصه "اعلم وفقك الله أن هذا الكتاب حسن في معناه، مخترع في الترتيب ومبناه، قل فيه ما ينتقد، وكثر ما يعتقد، وعليه يعتمد، سلك مؤلفه فيه مسالك المهتدين، وترك مهالك الضالين المعتدين، فهو فيه على صراط مستقيم، ومقصد قويم، طرزه بمعاني الكتاب العزيز، فجاء كالذهب الإبريز، وسلم فيه من غلو الغالين، وتحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، نفعه الله به آمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع الملائكة والنبيين وسلم، والحمد لله رب العالمين" انتهى الكلام.
قلت وهذا الكلام واضح السبيل، بارع الغرر والتحجيل، واعتقادي فيه رضي الله عنه أكثر مما ذكر، وأظهر مما ظهر، وكان من النسك والدين حيث كانت الجن تقرأ عليه. أخبرنا شيخنا أبو محمد عبد الحق رحمه الله عمن أخبره، أن الشيخ أبا علي المسيلي كان يأتي إلى الجامع العظم في الثلث الأخير من الليل للتهجد وكان بعض من يتجسس عليه فسمع تجويد القرآن عليه، فقيل أنهم مؤمنو الجن، وهذا كثير الاشتهار عنه رحمه الله.
ولي قضاء بجاية ودخل عليه الموارقة وهو قاض والجئوه إلى بيعتهم واكرهوه وغيره عليها، وكانوا يتلثمون ولا يبدون وجوههم فامتنع من البيعة وقال: لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة؛ فكشف له الميورقي عن وجهه. وهذا هو منتهى ما بلغ توقفه وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة
(1/34)

لولا علو منصب الفقيه أبي علي رضي الله عنه ما ساعده عليه.
وتأخر عن القضاء وولي بعده بنو الخطيب، فبقي على دراسة العلم والاشتغال بسلوك أولي النهى والفهم، وأحاج إليه الناس في أمور دينهم فمالوا إليه وعولوا عليه، وكان واليا بالبلد بعض سادات بني عبد المؤمن، فتحدث معه القاضي ابن الخطيب في أن يوجه إلى الفقيه أبي علي رحمه الله من يحدثه في أن يشتغل بشأنه ويقتصر على خاص أمره، فوصله رسوله وهو جالس بالجامع الأعظم بمحل تدريسه منه، فأخبره عن حديث السيد وكان من جملة القراء بين يديه حفيد له، فقال له: أقرأ عليه، ولم يأمره بما يقرأه، فاستفتح متعوذا فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمواتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم أن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} فانفصل الرسول وقد انتقع لونه وهو ترتعد فرائضه، ولما حصل في أثناء الطريق وصله رسول السيد يسترجعه ويقول له لا تحدث الشيخ عن شيء، وسبب ذلك أن ساعة انفصال الرسول عنه أصاب السيد وجع كاد أن يقضي عليه، ولما وصله الرسول اخبره بما شاهد من حال الفقيه، وبما كان من قوله وكيف انفصل عنه وهو لا يعرف كيف انفصل، فعرفه السيد بما أصابه بعد انفصاله عنه ورده إليه ليعتذر له ووجه معه بصلة، ولما وصل إليه الرسول وألقى إليه ما ألقى قبل عذره ورد الصلة واستمر على ما كان عليه رحمه الله، واستحسن نبل الحفيد المأمور بالقراءة حيث وافق من غير أن يشعر به، ولقد يعد هذا من كرامات الشيخ رضي الله عنه.
وقبره بباب امسيون بالمقبرة التي تقابل الخارج من الباب، والدعاء عنده مستجاب، وهو مجهول في قبور هنالك ثلاثة أو أربعة لا يعلم أيها هو من بينها،
(1/35)

لكن المتبرك يتبرك بجميعها ليوافق المقصود منها.
وسمعت عنه رضي الله عنه إنه قال: أدركت ببجاية تسعين مفتيا ما منهم من يعرف الحسن بن علي المسيلي من يكون، كان يقول هذا حين يشار إليه بالتفرد في العلم، والتوحد في الفهم، وهذا من فضله رضي الله عنه.
وكان له رحمه الله وللفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وللفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عمر القرشي المعروف بابن قريشة مجلس أظنه يجلسون فيه للحديث. وكثيرا ما كانوا يجلسون بالحانوت الذي هو بطرف حارة المقدسي وهو المقابل للطالع للحارة المذكورة، وكان الحانوت المذكور يسمى مدينة العلم لاجتماع هؤلاء الثلاثة فيه، الفقيه أبو علي المسيلي، والفقيه أبو محمد عبد الحق، والفقيه أبو عبد الله القرشي.
ولم يصلني من أخبار أبي عبد الله القرشي إلا خبر يسير، سمعت الفقيه أبا محمد عبد الحق رحمه الله يصفه بأنه كان من أهل العلم، وكان أكثر حاله النظر في المعقولات، وكان له نظر جليل في التعليم، ومن ولده هم الذين يسمون الآن بني قريشة، وسمعت أن الفقيه أبا زكرياء الزواوي رضي الله عنه كان في نفسه منه شيء، فدخل عليه داخل يوما فسأله من أين أتى، فقال جئت من عند أبي عبد الله القرشي. فقال له: ذلك الزنديق؟ فقال لا تفعل يا سيدي، والله ما دخلت عليه الآن وهو لا يشعر وهو يقرأ المصحف ويبكي، فلما أحس بي غطى المصحف بحيث لا أراه ومسح عينيه وخاض في الحديث معي، وكان ما
(1/36)

عنده من المر الأول خبر. قال: فجعل الشيخ يضرب في رأسه وينتف شعره ويقول عن نفسه إنه هو المغتاب ووجه إلى أبي عبد الله القرشي يسأله في المغفرة. ولا اعرف من أخبار أبي عبد الله غير هذا وهو من جملة الفضلاء وأكابر العلماء رحمهم الله.
وذكر لي أن الفقيه أبا علي المسيلي رحمه الله عرض له في مدة ولايته مرض، اقتضى أن يستنيب من ينوب عنه في الأحكام الشرعية فاستناب حفيده، وكان له نبل، فتحاكمت عنده يوما امرأتان ادعت إحداهما على الأخرى إنها أعرتها حليا وإنها لم تعده إليها، وأجابتها الأخرى بالإنكار، فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت وأعادت الحلي.
وكان من سيرته إنه إذا انفصل عن مجلس الحكم، يدخل لجده الفقيه أبي علي ويعرض عليه ما يليق عرضه من المسائل، فدخل عليه فرحا وعرض عليه هذه المسألة، فاشتد نكير الفقيه رحمه الله عليه وجعل يعتب على نفسه تقديمه وقال له: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولم يقل صلى الله عليه وسلم الإبهام والتخويف على من أنكر. واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره، وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع رحمه الله. وعلى هذا يجب أن يكون العمل وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي
(1/37)

تجويز مثل هذا، فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر، فبأي وجه وصل إليه حصل المقصود، ولأجل هذا يجوزون قضاء الحاكم بعلمه والحق خلافه لقوله صلى الله عليه وسلم فإنما أقضي له على نحو ما أسمع والله الموفق.
ويناسب هذا من وجه ما حكي أن واليا كان بالإسكندرية يسمى قراجة وكان بها إذ ذاك الفقيه أبو عبد الله ابن جارة وكان عالما رفيع القدر قد ألبسه العلم والإعراض عن أبناء الدنيا لباس الهيبة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، واتفق أن عامل رجل يوما بياعا ودفع له درهما جعله البياع في قبضته ثم لم تتم بينهما المعاملة فقال له الرجل: اصرف علي درهمي، فقال البياع لا أعرفه في الدراهم ولكن هذا درهم مكانه فحلف الرجل بطلاق زوجته أن لا يأخذ إلا درهمه بعينه، وكثرت بينهما المراجعة في ذلك إلى أن تداعيا إلى الوالي هذا الرجل المسمى قراجة، فوصفا له القصة فأطرق ساعة ثم قال للبياع ادفع للرجل جميع ما في قبضتك من الدراهم ويدفع لك مكانها دراهم من عنده فيتحلل بذلك من يمينه؛ وكانت فتوى حسنة مرضية صحبها ذكاء، فنهى المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، فنهي المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، ثم خاف أن يحمله العجب على أن يفتي في غيرها من المسائل بغير علم ولا موافقة شرعية فوجه إلى الوالي حتى وصل إلى باب داره فقال له، أنت المفتي بين الرجلين في أمر كذا؟ فقال نعم، فقال له ومن أباح التسور على فتاوى المسلمين والدخول في أحكام الشرع وإنما أنت صاحب شرطة؟ فلا تتعرض لما لم تؤهل له. فقال له يا فقيه أنا تائب من ذلك، فقال له: أما إذا تبت فانصرف واشتغل بالجد فيما كلفت ولا تتعرض لما ليس من شأنك، أو كما قال.
(1/38)

وحكي أن رجلا من العباد أضاف الشيخ رحمه الله فبات عنده، فلما حان وقت الصلاة أخذ أناء مملوءا بالماء ليتوضأ به فانهرق ثم ملأه ثانية وثالثة فانهرق، فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيمقل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} فسمع هاتفا يقول ما أذن لنا ولا افترينا ولكنا قوم من الجن المؤمن ورد علينا قوم من الجن الكافر فلمسوا الإناء فخفنا أن يلحق بنجاسة فغسلناه خاصة.
وحكي أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كان جالسا بإزاء قبر الشيخ أبي علي رحمه الله متبركا به، قال فإذا بفارس وهو يتفصد عرقا، فقال لي أين قبر الشيخ أبي علي؟ قلت هذا، فنزل عن دابته وتضرع وبكى ثم نظر إلي فقال: أنا من موحدي افريقية كان لي صاحب ببجاية وكان واليها توفي، فرأيته على حالة لا تسرني فعز علي ذلك، ثم رأيته بعد مدة طويلة على حالة حسنة فسرني ذلك وسألته عن السبب الموجب لذلك، فقال لي: توفي أبو علي المسيلي ببجاية ودفن بباب امسيون وكان الرجل دفن بجبل الخليفة، قال فغفر الله لما بين ضفتي المدينة فكبت في إحدى الضفتين فغفر لي.
ويتصل سندنا بالقاضي أبي علي المسيلي عن الشيخ الخطيب أبي عبد الله الكناني عن أبي محمد بن برطلة عن الشيخ أبي عبد الله ابن حماد عن القاضي أبي علي المسيلي قراءة عليه وألقاه إليه.
(1/39)

3 - أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الازدي الاشبيلي
510 - 581هـ
1116 - 1185م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الإمام الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي الخطيب أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الأشبيلي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا وكمل بها خبرة، فألف التآليف وصنف الدواوين وولى الخطبة وصلاة الجماعة بجامعها الأعظم، وجلس للوثيقة والشهادة وولي قضاء بجاية مدة قليلة، ولم يشتهر ذلك من أمره ولا أطلعت على ذلك إلا من رسوم وجدتها مسجلا عليه فيها وكان
(1/41)

ذلك في مدة ابن غانية المعروف بالميورقي اللمتوني، سمعت إنه رحمه الله كان يقسم ليله أثلاثا، ثلثا للقراءة، وثلثا للعبادة، وثلثا للنوم. وكان مع ذلك متقللا من الدنيا، مقتصرا على أقل الكافي منها، وكان مصاحبا ومواليا للفقيه أبي علي المسيلي رحمه الله.
ومن نقل من أثق بنقله، ما نفله من كلام محيى الدين أبي بكر محمد بن علي ابن العربي الحاتمي الطائي وقد ذكر الشيخ أبا مدين رضي الله عنه فقال: كان الشيخ جمال الحافظ، زين العلماء، عماد الرواة، رأس المحدثين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي الخطيب المحدث قد وأخاه في بجاية وأقر له بالسبق في طريق الحق، وكان إذا دخل سيدنا أبي مدين ويرى ما أيده الله تعالى به ظاهرا وباطنا، كان يجد في نفسه حالة سنية لم يكن يجدها قبل حضوره مجلسه، فيقول عند ذلك: هذا وارث على الحقيقة. انتهى. قلت: كمال حصل في الجانبين وجمال التقى من الطرفين.
وله رضي الله عنه تآليف جليلة نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحا وتبينا. له "الأحكام الكبرى" في الحديث "والأحكام الصغرى" فيه، وله كتاب "العاقبة في علم التذكير" وله كتاب "التهجد" وله "اختصار الرشاطي" وهو أحسن من الأصل. وسمعت من شيخنا الفقيه أبي محمد ابن عبادة رحمه الله إنه ألف كتابا كبيرا في الأحكام
(1/42)

في الحديث وهو أضعاف الأحكام الكبرى، سمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره، وسمعت من بعض الطلبة إنه ألف كتابا في اللغة سماه "بالحاوي" وهو في ثمانية عشر مجلدا ورأيت كتابا مجموعا من شعره كله في الزهد وفي أمور الآخرة رضي الله عنه. والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هو الاحكامان الكبرى والصغرى والعاقبة.
وقد كتب أبو عبد الله ابن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على الأحكام الصغرى نكتا واستلحاقا، وكتب غيره عليها ردا وإصلاحا، وقد اشتهرت كتبه بالمشرق ووقع النقل منها، ونقل عنه صاحب الجواهر الثمينة في آخر كتاب الزكاة من كتابه فصلا نقله أبو محمد عبد الحق في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام ونصه: قال المؤلف، وقال عبد الحق البجائي، وفي بعض نسخ ابن شاس وقال عبد الحق اليماني وهو غلط، وإنما نسبه إلى بجاية لاستيطانه بها وظهور حاله وتصانيفه فيها.
وكانت له أخلاق حسنة فاضلة، سمعت شيخنا الفقيه أبا محمد عبد الحق، يقول، كان الفقيه أبو محمد عبد الحق الاشبيلي متخليا عن الدنيا وكان كثيرا ما يجلس مع الفقيه أبي علي المسيلي رحمهما الله، فربما أتته الوصيفة من داره لقضاء
(1/43)

بعض مآرب منزله، فإذا أتته تطلب منه ما يقضي بالشيء اليسير يخرج لها، قال: أضعاف ذلك، وكان ذلك في مدة "البلكيني" فربما قال له بعض الحاضرين هذا أكثر من المطلوب أو من المحتاج إليه، فيقول لا أجمع على أهل المنزل ثلاث شينات، شيخ واشبيلي وشحيح، يكفي ثنتان، وهذا من لوذعته وطيب طينته مع ما هو عليه من جلال العلم وكمال الفهم رضي الله عنه. ولد في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية بعد الخمسين وخمسمائة، وتوفي بها في أواخر ربيع الثاني من عام اثنين وثمانين وخمسمائة وكان تاريخ وفاته مكتوبا في رخامه عند قبره.
وحكي أن بعض النصارى أخذ هذه الرخامة وسافر بها إلى بلاده ثم أعادها إلى مكانها لأنه تشاءم بها ثم سرقت بعد ولم تعد.
وقبره خارج باب المرسى وهو من القبور المزورة المتبرك بها، وكثيرا ما رأيت الطلبة يقرؤون تآليفه عند قبره رضي الله عنه، وأما الشيخ المبارك أبو علي الاركشي فاني ختمت قراءة العاقبة بين يديه على قبره رحمهما الله، ويتصل سندنا بالفقيه أبي محمد عبد الحق المذكور من طريق الفقيه المقرئ أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن الصدفي عن الفقيه أبي زكرياء بن عصفور عن أبي الحسن علي عن صاحب الصلاة عنه.
(1/44)

4 - أبو طاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني
... بعد 585هـ
... = 1189 م
ـــــــــــــــــــــــــــ
وممن يجب أن يذكر مع هؤلاء الفضلاء الفقيه أبو الطاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، لعلمه وشرفه، هو عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني هكذا وجدته من خط يده رحمه الله، يكني أبا الطاهر، له علم وأدب وفضل ونبل، قضى في بعض النواحي ببجاية. كان متقدما في علم العربية والأدب، وله تأليف في علم الفرائض منظوم، وتواشيحه في نهاية الحسن وبها يضرب المثل، وكثيرا ما يقول الناس عندما يشطط الإنسان على الإنسان في الطلب فيجاوبه وأغني لك موشحا لعمارة.
وقد ذكر لي أن شعره قد جمع في ديوان، ولكني ما اطلعت عليه وقد رأيت بعض قطع مستحسنة من شعره وانا اذكرها واذكر سببها قبلها، وذلك أن بجاية كانت بلدة غزاة، وكان غزاة قطعها يدخلون إلى دواخل الجزر الرومانية وغيرها ويسوقون السبي الكثير منها. وينزل الناس لشرائه بحومة المذبح من جهة ربضها وهناك يخمس ويقع الفصل فيه، ولم يزل الحال على ذلك، وبلغ الحال من كثرة سبي الآدميين أن يباع بيضاوان من الروم بسوداء من الوخش، وكانت أجفان إسحاق بن غانية تصل أيضا من ميورقة كما تصل به أجفان
(1/45)

بجاية، وكان إسحاق ابن غانية بجزيرة ميورقة وهو بقية اللمتونيين، فوجه له من مراكش من قبل خليفتها من يطلبه بالبيعة والدخول تحت الطاعة، فامتنع من ذلك، وكان بين يديه ولداه علي ويحيى فقال للرسول أنا لا أراهم ولا يرونني، ولكن قل للموحدين يهيئون ما ينفقون على رأس هذين، وأشار إلى رأس ولديه، فانفصل الرسول عنه وتجهز الولدان بعد كبرهما في طرائد فيها بعض الفرسان ووصلا إلى شاطئ بجاية بمحل بيع السبي منها. وكانت البلدة شاغرة من الجيش، فتلقاهم الناس على عادة تلقيهم لأجل السبي، فنزلت الخيل معدة ولما وصلت له مستعدة، والناس ما عندهم من شأنهم خبر، فطلعوا على جبل الخليفة ودخلوا من باب "اللوز" إلى قصبة البلد وتملكوا البلد، ولم يكن فوق باب اللوز سور في ذلك الزمان، وطلبوا الناس بالبيعة فبايعوهم، وكان الشريف أبو الطاهر عمارة رحمه الله ممن امتدحهم وأنشد بين أيديهم وربما تعرض في بعض مقاله جريا على عادة الشعراء أمثاله، ثم أن الموحدين تجهزوا برا وبحرا من فورهم ليستأصلوا من البغاة شأفة أمرهم فانفصل علي بن غانية عن الحال وتبع الموحدون الناس بما ظهر منهم من مقال أو فعال، وكان من جملة الأمر إنه لما خطب لهم قال الخطيب في خطبته، والحمد لله الذي أعاد الأمر إلى نصابه، وأزاله من أيدي غصابه، فاشتدت وطأتهم على أهل العلم واعتقلوا أناسا منهم وكان من جملة من اعتقل الشريف أبو طاهر عمارة، ولما وصل الموحدون خرج إلى الجهة التي كان بها قاضيا فوجه إليه وجيء به مصفدا في الحديد، فبقي معتقلا مع أصحابه مدة من الزمان وهو يروم أن يقول فلا يجد للقول
(1/46)

سبيلا، إلى أن سمع منشدا ينشد سحرا لعلي بن الجهم.
عيون المها بين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فترك بلباله، وزال عن لسانه عقاله، فكتب بالقصيدة التي منها هذه القطعة للوالي فتلقاها بالقبول، وشفع فيه وفي أصحابه جده النبي الأمي خير شفيع وأكرم رسول، وهي هذه:
سلام كعرف المندل الرطب في الجمر … وإلا كما هب النسيم على الزهر
فلله در مقلتين بعبرة … تعبر فوق الخد عن كامن السر
وقد راعني ايماض برق بذي الغضا … كما ابتسم الزنجي عن بهج الثغر
بدا لي أن الليل أروى زناده … ولا نار إلا نور برق له يسري
ونار بأكبادي أكابد حرها … وقلب سليم قلب في لظى جمر
وما طائر فوق الغصون مسرح … كمن بات مقصوص الجناحين في وكر
فلم أنس توديع البنين مصفدا … وأصغرهم يجري وأدمعه تجري
أبا زيد إني بالحسين وسيلتي … وجدي شفيع الناس في موقف الحشر
وكانت له رحمه الله ابنة تسمى عائشة كانت أديبة أريبة، فصيحة لبيبة، وكان لها خط حسن، رأيت كتاب الثعالبي بخطها في ثمانية عشر جزءا، وفي خاتمة كل سفر منه قطعة من الشعر من نظم والدها رحمه الله، إذا ختم السفر وتم التأريخ يكتب بخط يده، وقال عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، وتكتب ابنته القطعة بخطها، وهي نسخة عتيقة ما رأيت أحسن
(1/47)

منها ولا أصح، ولقد رأيت منه نسخا كثيرة منتقدة إلا هذه النسخة، ولقد يجب أن تكون هذه النسخة أصلا لهذا الكتاب حيث كان، ويقع التصحيح منها، وهذه النسخة من جملة الخزانة السلطانية ببجاية أبقاها الله وحفظها، ومن الغريب أني رأيت هذا الكتاب في سفر واحد، رأيته بحاضرة قسنطينة عند أمام جامع قصبتها المحروسة وهو المعروف بابن الغازي، وأكثر ما رأيته في ثمانية عشر سفرا وأقل ما رأيته في سفر، وهو بخط بين لا بأس به. ومن شعر الشريفة عائشة رحمها الله:
أخذوا قلبي وساروا … واشتياقي أودعوني
لا عدا أن لم يعودوا … فاعذروني أو دعوني
ويقال أنها بعثت بهما إلى ابن الفكون شاعر وقته، وقالت عارضهما أو زد عليهما، فكتب لها معتذرا عن الجواب، أن الاقتصار عليهما هو الصواب. ولها أيضا.
صدني عن حلاوة التشييع … اجتنابي مرارة التوديع
لم يقم خير ذا بوحشة هذا … فرأيت الصواب ترك الجميع
ولها في معنى المداعبة -وقد خطبها رجل من الأشراف كان أصلع- فلم تجبه إلى مراده، وقالت هذه الأبيات تداعب صاحبتها من الفتيات:
عذيري من عاشق أصلع … قبيح الإشارة والمنزع
يروم الزواج بما لو أتى … يروم به الصفع لم يصفع
برأس حويج إلى كية … ووجه فقير إلى برقع
ولها رحمها الله ظرائف أخبار، ومستحسنات أشعار، لكن هذا الموضع لم يقصد به هذا المعنى فيقع منه الإكثار، وإنما المقصود منه صورة التعريف بالرجال، وذكر بعض شواهد الحال.
(1/48)

5 - أبو عبد الله العربي رضي الله عنه
-أوائل القرن السادس الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ المبارك الصالح الفاضل الواصل، أبو عبد الله العربي رضي الله عنه. كان من أولياء الله المقربين، ومن عباد الله الذين هم لمعالم العلي أخص الوارثين. قال أبو بكر ابن العربي الطائي الحاتمي: وهو من الأميين كشيبان الراعي، وكان رضي الله عنه مخفيا لأمره، مستترا بصورة البله مدة دهره، كان يحج من بجاية في بعض العشر من ذي الحجة ويرجع من غير أن يعلم بذلك سوى من هو على السرائر والخفيات مطلع.
وكان رضي الله عنه كثيرا ما يركب قصبة كما يفعل الصبيان سترا منه لحاله، ولقد وصل في بعض الأحيان من ناحية الشام جفن في شهر ذي الحجة عهد ثمانية أيام، فبينما الشيخ بحومة باب البحر إذ رآه النصراني صاحب الجفن وقال له: يا سيدي خذ مزودك الذي دفعته لي بالشام، فركب قصبته وانفصل عنه، فحلف النصراني وقال: والله ما دفع لي هذا الشيخ المزود إلا بالشام منذ ثمانية أيام والله ما هو إلا ولي الله.
ولما كان في عام الاركش احتزم في يوم من الأيام وركب قصبة ومسك قصبة أخرى في يده عوضا عن مزراق، وجعل يكر ويفر وهو يتفصد عرقا إلى أن رمى بالقصبة من يده ضاربا بها في جهة عدوه وقائلا عند رميها: في سبيل الله، وسقط إلى الأرض من شدة جهده، ومبلغ كده، فأرخ ذلك الوقت من اليوم، فكان هو اليوم الذي هزم فيه النصارى في عام الاركش وهو يوم
(1/49)

الأربعاء التاسع لشعبان الحرام عام واحد وتسعين وخمسمائة، فكان رضي الله عنه في جملة المجاهدين ذلك اليوم، وممن أعان الله به المسلمين وأوقع الهزيمة على يده، وقد يقع في هذا إنكار من ملحد لا علم له وحقه لإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، وإن زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه، كما جمع الله له الخزي في أولاه وأخراه.
ومن كراماته رضي الله عنه، أن رجلين كانا متصاحبين وكان احدهما على حالة لا ترضى، وكان صاحبه لا يزال يراه في منامه على حالة تسوءه ولا تسره، فعز عليه ذلك من أمره، فلما كان في بعض الليالي رآه صاحبه على حالة وصورة حسنة، فقال له: ما هذا الحال؟ قال: غفر الله لي، قال: وبماذا؟ قال: أن سيدي أبا عبد الله العربي خطر بهذه الحومة، فعثر فدميت إصبعه، فقال "اللهم ما وهبت لي من اجر فاني قد وهبته لجماعة الموتى" فغفر الله لجميع من بهذه الناحية وأنا في جملتهم.
ووقفت على مثل هذا المعنى في ملخص من "المنتخب المقرب في ذكر بعض صلحاء المغرب" قال: حدثني أحمد بن حسن قال: حدثني يعيش بن شعيب السقطي قال: أتيت من باب إيلان، فلما قربت من باب الدباغين نطرت في المقابر فرأيت قبرا حديث عهد بالدفن فيه، فوقفت وأنا أقول يا صاحب هذا القبر هل أنت ذكر أم أنثى حر أم عبد؟ ثم وقفت عليه ساعة وانصرفت، فلما كان بالليل رأيت في المنام امرأة فقلت لها يا هذه من أنت؟ قالت لي أنا صاحبة القبر الذي وقفت عليه تعتبر ولي إليك حاجة، فقلت لها ما هي؟ فقالت لي أن زوجي رجل قطان اسمه فلان، بن فلان، فاذهب إليه واسأله أن يغفر لي، فلما أصبحت سألت عن الرجل وأعلمته أن زوجته سألته أن يغفر لها، فأبى
(1/50)

أن يغفر لها، فانصرفت عنه مغموما فلما كان بالليل رأيتها في المنام، فقالت لي عسى أن تذهب إلى عمه فلان اللحام لعله يشفعه أن يغفر لي، قال: فلما أصبحت سألت عن الرجل اللحام وأعلمته، فقال لي نعم، فذهبت معه إلى الرجل زوج المرأة فرغبناه أن يغفر لزوجته حقه قبلها فأبى من ذلك، فانصرفنا عنه مغمومين من أجل تلك المرأة، فأقمت مدة ثم رأيتها في النوم على أحسن حالة فقلت لها ما هذا؟ فقالت أتيت لأبشرك بأن الله تعالى قد غفر لي، فقلت لها بماذا غفر الله لك؟ فقالت: دفن بجوارنا رجل صالح فشفعه الله تعالى في كل من يجاور قبره من جهاته الأربع مسافة أربعين ذراعا، فكنت فيمن حاز قبري الأربعون ذراعا، فغفر الله تعالى لي.
وقبره رضي الله تعالى عنه عند مسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، بخارج باب المرسى. وعليه وضع الفقيه أبو زكرياء رباطه ملتمسا بركته، ومجاورا ضريحه النير وتربته، ولم يتصل بي من حديثه رضي الله عنه سوى ما ذكرته ولا أعلم له وقت ولادة ولا وفاة ولا نسبا سوى شهرة اسمه، وما عرف من رسمه، رحمه الله ورضي عنه.
(1/51)

6 - أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي
حوالي 540 - 598هـ
= 1135 - 1202م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ الفقيه الجليل، العالم الصدر النبيل، النبيه الذكي السني القدر، الكاتب البارع أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي من أهل بجاية، واصله قد اشتهر ويعرف بابن محشرة، يكنى أبا الفضل وأبا العلى، كان أبوه قاضيا ببجاية. له علم متسع المدى، وتخصص ووقار بما سبيله فيما يقتدى. كان متمكن المعرفة، حسن الشارة والصفة، له الهمة السنية، والأخلاق المرضية، وكان وجيها مكرما، ومشرفا معظما. استدعاه الخليفة ابن عبد المؤمن إلى حضرتهم بمراكش فارتحل من بجاية وهو كاره لارتحاله، مع علمه إنه استدعاه لمنصب يسمو به على أمثاله، ولكن عزة العلم أغنته عن الناس، وحصبت له من المزية في الأنفس أزيد مما يقاس.
أخبرنا شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع أن سبب استدعائه أن كاتب سر الخليفة في ذلك الزمان توفى، واهتم أمير المؤمنين لذلك غاية الاهتمام،
(1/53)

وكان مسعود بن سلطان الرياحي المعروف بمسعود البلطي، وفد على أمير المؤمنين من هذه البلاد، وكانت له عنده مزية، وكان يحضر معه أكثر الأوقات في الخلوات. قال: فدخلت عليه يوما فوجدته مغتما وقد ظهر التغير في وجهه، فقلت له يا سيدي يا أمير المؤمنين ما الذي أهمكم لا أهمكم الله؟ فقال لي أن كاتب سرنا فلانا قد مات، وقد احتجنا إلى من نقيمه مقامه وما وجدنا، لأنه يحتاج في كاتب السر أن يكون على صفة كذا وعلى نعت كذا. فقلت له بشراك يا سيدنا يا أمير المؤمنين، هذا الرجل ببجاية أبو الفضل ابن محشرة، ووصف له من صفاته ما وقع منه موقع القبول، فكتب إليه أمير المؤمنين من حينه، وأمر والي بجاية أن يحتفى به ويحمله خير محمل، فلم يمكنه بعد وصول الأمر إلا طاعة أمير المؤمنين ولم يمكنه التخلف، ولما وصل إلى حضرة مراكش ومثل بين يدي الخليفة رأى من حسن سيمته وروائه ووقاره، ما أغناه عن اختباره، فأكرم نزله، ورفع منزلته ومحله، ولما وقع الاطلاع على ما عنده من فنون العلم علم أن الكتابة التي وقع الاستدعاء بسببها إنما هي بعض صفاته، وإحدى آلاته وأدواته. وكان عادته إنه إذا وجه إليه أمير المؤمنين ليأتي محله، يتأنى ويتربص، ويأتي على التؤدة والتأني والوقار وإصلاح الهيئة واستكمال الزينة، ولم يزل ذلك دأبه إلى أن وشى به عند الملك من غص منه، فقال إنه لا يأتي إلا على قعود عن الخليفة، وقال ما شاء الله أن يقول. فوقع في نفس الملك من ذلك شيء، فاستدعاه واعجله، فتأنى وجرى على عادته، ولما حضر بين يديه عاتبه وقال له: يا فقيه كثيرا ما تبطئ علينا إذا استدعيناك فما هذا منك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت إمام المسلمين، وما أحسب أن محل الإمامة إلا كمحل الصلاة، فكما آتي إلى الصلاة آتي إلى هذا المحل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها تمشون وعليكم السكينة، فما
(1/54)

أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وزاد في تقريبه، وتركه على حاله، وحاجة الخليفة كانت إليه أكثر من حاجته. وله رواية عن أبي القاسم السهيلي رضي الله عنه وأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي وسمع منه. قال أنشدني أبو محمد عبد الحق لنفسه:
قالوا صف الموت يا هذا وشدته … فقلت وامتد مني عندها الصوت
يكفيكم منه أن الناس لو وصفوا … أمرا يروعهم قالوا هو الموت
توفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وولد سنة أربعين وخمسمائة أو قبلها بيسير. فهؤلاء الفضلاء هم الذين رأيت أن ألحقهم بعلماء هذه المائة السابعة لأنهم كانوا في أواخر المائة السادسة، وقد بقي خلق كثير من أهل المائة السادسة ممن لهم جلال وكمال، ولكن شرط الكتاب منع من ذكرهم، وقد مضى من قول الشيخ أبي علي المسيلي رضي الله عنه إنه قال: أدركت ببجاية ما ينيف على تسعين مفتيا ما منهم من يعرف أبا علي الحسن بن علي المسيلي من يكون، وإذا كان من المفتين تسعون فكم يكون من المحدثين ومن النحاة والأدباء وغيرهم ممن تقدم عصرهم ممن لم يدركه، كان الناس على اجتهاد، وكان الأمراء لأهل العلم على ما يليق ويراد، وها أنا أذكر مشيختي وأعلام إفادتي رضي الله عنهم.
(1/55)

7 - أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري
... 675هـ.
... 1285م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
فمنهم شيخنا الفقيه، الإمام العالم المحصل، المحقق المجيد، الصوفي المجتهد، أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري. أصله من "أبدة" وجده عمر هو الواصل إلى بجاية مستوطنا.
ولد ببجاية وقرأ بها ولقي مشائخ، وكان رحمه الله روح بلده ومصره، وواسطة نظام أهل زمانه وعصره، كان يحمل فنونا من العلم، الفقه والأصلان، أصول الدين وأصول الفقه والمنطق والتصوف، والكتابتان الشرعية والأدبية، والفرائض والحساب، وكان ابن مقلة زمانه، له خطوط جملة وهو في كل واحد منها ابن مقلة زمانه، كان يكتب الشرقي والغربي على فنون من ريحاني وتحساني وديواني وغير ذلك من أنواعه، ومن أبدع حاله في خطة إذا بدأ بنوع حكم عليه إلى آخره حتى لا يوجد فيه حرف واحد من غيره، ولقد رأيت كثيرا ممن يشارك بين خطين فيختلط كتبه.
وكانت له -رحمه الله- أخلاق حسان لم تكن لغيره، وكانت فيه دعابة مستحسنة مستطرفة، وكان من أملح الناس نادرة على طريقة أمثاله من
(1/57)

فضلاء أهل العلم والتخلق، وكان إذا اثني عليه بحسن الخلق يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن" ومن لم يكن عنده أول ما يوضع في الميزان لم يكن عنده غيره، لأن هذا إنما يجري مجرى الأساس.
تخطط في بلده بالعدالة، وكانت له صفة، وناب عن القضاة في الأحكام مطلقا، وكان هو المشاور عندهم والمعول على ما عنده، وهو كان القاضي على القضاة بالحقيقة لأن مرجع أمرهم إنما كان إليه. وكان له باطن سليم، سمعته رحمه الله يقول "والله ما بت قط وفي نفسي شر لمسلم" فجزاه الله عن نيته، وعامله بالحسنى عن طويته. وكان مسمتا مفوها، حسن العبارة مليح الإشارة، أربى في وثيقته على من تقدم، لو رآه أبو الحسن علي بن يحيى القاسم لأتبعه، ولقد رأيت الشيخ أبا محمد عبد الحق بن سبعين رحمه الله أثنى عليه في بعض كتبه ثناء حسنا، وذكر حاله في الوثيقة، وذكر بعض كتبه في وثيقة ابتياع سفينة فقال: إنه كتب فيها، فقال: "اشترى فلان من فلان السفينة الفلانية بجميع ما يحتاج إليه جارية وراسية: وأعجبه هذا من كتبه، وهذه واحدة من آحاد، وفرد من جملة أفراد" والوثيقة مع هذا إنما هي صفة من صفاته، وإحدى من حاجاته، ولما كانت معرفته باللسان وبمواقع المعاني مجملة ومفصلة، وبالأحكام كلية وجزئية على حال إحاطة، تقدمت وثيقته الوثائق وأماطت الشبه والعلائق.
وسمعت عن الفقيه أبي المطرف ابن عميرة إنه قال: أما الكتابة الأدبية
(1/58)

فنحن فيها وإياه على نسق، وأما الشرعية فقد انفرد بها الناس "ولولا الإطالة لذكرت من كتابته الأدبية والشرعية ومن ظرائف أخباره وملح آثاره مما رأيت وشاهدت، ما تصغي له الآذان ويسعد به الفؤاد والجنان".
ولقد أجيبت فيه دعوة أبيه، سمعت إنه لما حج دعا له حيث يجب، فقال يا عبد الحق رزقك الله لفظا وخطا، فكان كذلك. وقد نظم في مدة قراءته على الشيخ أبي الحسن الحرالي القصيدة الصوفية، وكانت من نحو خمسمائة بيت، فلخصها له الشيخ رحمه الله لهذه الأبيات انتقاها منها وترك ما عداها وهي:
سفرت على وجه الجميل فأسفرا … وبدا هلال الحسن منها مقمرا
ودنت فكاشفت القلوب بسرها … وسقت شراب الأنس منها كوثرا
ورأيتها في كل شيء أبصرت … عيناي حتى عدت كلي مبصرا
وسمعت نطق الناطقين فكلهم … بالحمد والتسبيح عنها أخبرا
وبها ركبت زواخرا من حبها … ولبست سر السر ثوبا أحمرا
وبها فنيت عن الفناء وغصت في … ماء الحياة مسرمدا ومدهرا
في الماء يظهر كل شيء كائن … وبه يرى مثل الوجود مصورا
وأنا أرى في كل ماء ماءه … ورأى وراء الماء ماء آخرا
فإذا وصلت به إليه فراجعن … تلك المنازل نقله متنكرا
فمتى أردت إبانة عن بعض ما … في القلب من سر مصون عبرا
فارفع به ظلم الحجاب فرفعها … تجنيك من غرس المنى ما أثمرا
فتراه حين تراك ذاتا رافعا … للبس حتى لا ترى إلا العرا
فهناك يفتح بابه ولطالما … قد كان دونك مبهما متعذرا
إفصاح قولي لا يفي بمواجدي … وبيانه لا يستقل بما جرى
لو كان سر الله يكشف لم يكن … سرا ولكن لم يكن ليذكرا
(1/59)

قلت وهذه قصيدة حسنة المعنى، قدسية المبنى، ولقد وقع الحديث معه في حديث مقتضياتها، ونظم مفرداتها بمزدوجاتها.
وكان أكثر الناس إنصافا في المذاكرة عرض عليه قضاء بجاية فامتنع منه، ووصل إليه كتاب المستنصر من حاضرة افريقية بقضاء قسنطينة حرسها الله فاعتذر وتلطف في الاستعفاء عنه، وسمعت كثيرا من أهل العلم يثنون عليه ويقولون إنه لم يكن في وقته بمغربنا الأوسط مثله. توفى رحمه الله في الثامن والعشرين لربيع الأول من عام خمسة وسبعين وستمائة ودفن بخارج باب المرسى، وكان له مشهد لا يكون إلا لمثله، وتاريخ وفاته في رخامة وضعت لحدا على قبره وكتب فيها بيتان هما من نظم الأديب الفاضل أبي نصر الجيني
بكيتك عبد الحق حقا لأنني … بكيت بك الدنيا وما في جميعها
من الدين والأفضال والعلم والحجا … وان كنت زين الدين يا ابن ربيعها
وكان رحمه أعلى الناس همة وارفعهم منزلة. وكان إذا أولى المعروف لا يذكره، وربما من فعل معه لا يعلم إنه هو الفاعل له، وإنما قصده وصول النفع علم الموصول إليه ذلك أو لم يعلمه، ومن ذلك ما هو مشهور عند أصحابنا، وهو أن القاضي أبا إسحاق ابن عباس رحمه الله أيام كان ببجاية ساعيا في نيل الخطة وعاملا على تحصيل الحضوة، سعى في شأنه عند القاضي الجليل أبي محمد ابن الطيران يرسمه برسم العدالة ويقدمه للشهادة، فطلبه أن يكتب فيه رسما بتأهله لذلك تحوطا منه، فكتب رسما وشهد فيه وشهد معه شاهد آخر
(1/60)

استكتمه الفقيه في ذلك، وأعطى الرسم للقاضي، فأذن له في الشهادة وبقي القاضي مدة بقائه بها، وانفصل إلى افريقية وانتقل أيضا أبو إسحاق ابن عباس إلى حاضرة تونس واستوطنها وكان أحد عدولها المنتصبين للوثيقة بها، وتوفى القاضي أبو محمد ابن الطيران بعد مدة بتونس ووقع الحضور لتركته وحضر لها شهيدان، لا نعلم هل القاضي أبو إسحاق أحدهما أو ابن عباس، فوجد الرسم في تركته وأطلع عليه القاضي ابن عباس، فتعجب كل العجب وأثنى عليه الشيخ رحمه الله بم وجب. وقال: والله ما شعرت بهذا قط ولا عرفته.
ودخلت عليه رحمه الله في مرضه الذي توفى فيه فألمت لألمه وذرفت عيناي لما اعتراه من سقمه، فقال لي يا فلان والله ما بي موتي، وإنما بي ما قاله أفلاطون لأصحابه لما حضرته الوفاة وحضروا عنده، قال: والله ما بي أن أموت وإنما بي أن أموت، ولم أرق بأصحابي إلى مراقيهم التي اقتضتها صفاتهم واستحقتها ذواتهم. فشكرته على ذلك وعلقت الأمل بالحياة وطول البقاء إلى أن يوفي لأصحابه بما جبلت عليه نفسه الكريمة من الوفاء رضي الله عنه.
(1/61)

8 - أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف
602 - 686هـ.
1205 - 1287 م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الجليل الفقيه، القاضي العالم المتقن المحدث، أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، خزانة مالك رضي الله عنه. فصيح اللسان والعبارة، حسن الإشارة، له عكوف على التدريس دءوب عليه، كان له درس بالغداة، ودرس بين الصلاتين، ودرس بين العشاءين، وكلها دروس مشهورة وأوقات باستفادة العلم مقصودة، دأب على هذا مدة طويلة من عمره، واقتصر بعده على تدريس درسين، أحدهما في مسجده بالغداة بين الجزيري والآخر بالجامع الأعظم بين الصلاتين، وكان مبارك التعليم ميمون النقية في التفهيم، درس عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به، وكان أكثر الناس أصحابا، وألينهم جنابا، وكان سليم الصدر، لا يعرف شيئا من الشر.
أسند إليه قضاء الانكحة ببجاية عن بعض قضاتها، وولي القضاء مستقلا: بعد ذلك بمدينة بسكرة ثم بمدينة قسنطينة ثم بالجزائر، تكرر إليها مرتين، ومات بها في ثانيتها رحمه الله.
وكان مشاورا وعلى فتواه العمل، كانت قراءته ببجاية. لقي بها جملة من الفضلاء كالشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه وأبي بكر بن محرز وأبي
(1/63)

العباس الملياني وأبي زيد اليزناسني وأبي الحسن بن أبي نصر وغيرهم رحمهم الله. جد واجتهد وحصل.
قرأت عليه رحمه الله وحضرت دروسه وسمعت منه كثيرا، قرأت عليه "الجلاب" وقرأت بعده "الموطأ" بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره.
ولد بتلمسان يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الآخرة من عام اثنين وستمائة، وتوفي بالجزائر في اليوم الثاني عشر لجمادى الآخرة عام ستة وثمانين وستمائة.
وكان يحكى في مجلس الدرس إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، قال: فقلت له يا رسول الله كيف رجعت في قضية ذي اليدين هل جالسا أو قائما؟ قال، فالتفت إلي متبسما بعد أن جذبته من ثوبه فقال لي، بل قائما. وقيد الطلبة عنه كثيرا واستكملوا التقييد على "الجلاب" كل إنسان بحسب قوته، ومنهم من قيد على "الموطأ" ورغب في التأليف فامتنع منه، ولو ألف لجرى على طريق القرويين ولم يخرج عن قانون الفضلاء والمحدقين، رأى فيما ألفه أهل المذهب كفاية، رحمه الله.
(1/64)

9 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي
... 669هـ.
... 1071م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه المحصل، العدل الرضي التاريخي المحدث، أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي من قلعة بني حماد أدركته يدرس بالجامع الأعظم بالغداة بمجلس القضاة منه، وكان حافظا للخلاف العالي والمذهب المالكي، حسن النظر والتوجيه وحافظا للتأريخ وذاكرا لجسد صالح من الحديث، وكان مشاورا شاهدا بالديون، وانتهت الرياسة إليه، وتأخر عنه في التأخر. سمعته رحمه الله يقول في مجلس التدريس: أن لي منذ انتزعت من الديوان ستة أعوام، وان من هو هناك في خطته يقدر إنه اكتسب في هذه المدة ستة آلاف دينار، وإني قد اكتسبت فيها ستة آلاف حديث وحديث بدينار أشرف من دينار.
(1/65)

وكانت قراءته رحمه الله ببجاية، لقي بها مشائخ كالشيخ أبي زكرياء اللفنتي وأبي زيد اليزناسني وأبي العباس الملياني وغيرهم.
وكان من أسباب التوفيق له إنه أخذ أسيرا فوافق في الأسر بعض الفقهاء، فشرع في القراءة عليه ثم خلص الله كليهما، فجد بعد خروجه واجتهد إلى أن حصل ما حصل، وقادة زمام التوفيق إلى ما إليه وصل.
قرأت عليه رحمه الله وسمعت منه وأخذت عنه، وهو أول من بدأت قراءة الفقه عليه، وكان يبدأ في مجلسه بالرقائق وبعد ذلك بقراءة الفقه والحديث والرواية، وكان محبا في العلم وأهله، ومات على انقطاع الدنيا وتخل عنها واشتغال بنفسه، وكانت وفاته عام تسعة وستين وستمائة، وكانت له ببجاية وجاهة ونباهة، وكانت جموح الأمراء في الأمور المجتمع لها لا تنعقد إلا بوجوده هو، وكان لسان الناس فيها.
(1/66)

10 - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن ميمون التميمي القلعي
... 673 هـ.
... 1274م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل التاريخي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن ميمون التميمي القلعي من قلعة بني حماد، كان جده ميمون قاضيا بها، نشأ بالجزائر وقرأ بها وانتقل إلى بجاية مستوطنا، وبها قرأ وبرع، لقي بها مشائخ منهم الشيخ أبو الحسن الحرالي، والفقيه أبو الحسن ابن أبي نصر، والفقيه أبو بكر ابن محرز، والفقيه أبو المطرف ابن عميرة، وأبو زيد ابن السطاح وغيرهم. وقرأ بالجزائر على أبي عبد الله ابن منداس وغيره.
كان في علم العربية بارعا مقدما محكما لفنونها الثلاثة، النحو واللغة والأدب، وكان له درس يحضره من الطلبة فضلاؤهم ونبهاؤهم، وتجري فيه المذكرات المختلفة في التفسير والحديث، وأبيات الغريب وغيرها، وتمضى في ذلك من المعاني المنقحة ما لا يكاد أن يوجد مثله في نوادر الكتب. وكان رحمه الله قويا في علم التصريف ومحبا في التعليل، وكان جاريا فيه على سنن أبي الفتح ابن
(1/67)

جني وكان كثير التلامذة والأصحاب، وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية ويقوم على جميعها أحسن قيام، وهو أفضل من لقيت في علم العربية، لزمت عليه القراءة ما ينيف على عشرة أعوام واستمتعت به كثيرا واستفدت منه كبيرا، قرأت عليه الإيضاح من فاتحته إلى خاتمته، وقرأت عليه قدر النصف من كتاب سيبويه وقرأت عثيه قانون أبي موسى الجزولي وقرأت
(1/68)

عليه جملة من "الأمالي" ومن "زهر الأدب" ومن "المقامات" وقصائد متخيرات من شعر حبيب ومن شعر المتنبي وحضرت قراءة "المفصل" ومضى في الميعاد في مدة قراءتي عليه أضعاف أضعاف ما قرأته بلفظي عليه.
(1/69)

له كتاب سماه "بالموضح في علم النحو" وله "حدق العيون في تنقيح القانون" وله "نشر الخفي في مشكلات أبي علي" هو على الإيضاح، وكان يؤثر كتاب الإيضاح على غيره من الكتب.
وكان فيه فضل سخاء ومروءة وانتخاء، وكانت يده ويد الطلبة في كتبه سواء لا مزية له عليهم فيها، وكان في ذلك على نحو قول الأول:
كتبي لأهل العلم مبذولة … يدي مثل أيديهم فيها
أعارنا أشياخنا كتبهم … وسنة الأشياخ نمضيها
وكان سخي الدمع سريع العبرة، سمعته يقول إنه رأى رب العزة جل جلاله في المنام، فقال له يا محمد قد غفرت لك. فقال يا رب وبماذا؟ قال بكثرة دموعك. وكان بارع الخط حسن الشعر، ومن نظمه رحمه الله في الزهد ومدح النبي صلى الله عليه وسلم [قوله]
أمن أجل أن بانوا فؤادك مغرم … وقلبك خفاق ودمعك يسجم
وما ذاك إلا أن جسمك منجد … وقلبك مع من سار في الركب متهم
ومن قائل في نظمه متعجبا … وجسم بلا قلب فكيف رأيتم
ولا عجب أن فارق الجسم قلبه … فحيث ثوى المحبوب يثوى المتيم
وما ضرهم لو ودعوا أودعوا … فؤادي بتذكار الصبابة يضرم
عساكم كما أبدوا صدودا وجفوة … يعودون للوصل الذي كنت أعلم
وأني لأدعو الله دعوة مذنب … عسى انظر البيت العتيق والثم
فيا طول شوقي للنبي وصحبه … ويا شد ما يلقى الفؤاد ويكتم
توهمت من طول الحساب وهوله … وكثرة ذنبي كيف لا أتوهم
وقد قلت حقا فاستمع لمقالتي … فهل تائب مثلي يصيح ويفهم
(1/70)

وذلك في القرآن أوضح حجة … وما ثم إلا جنة أو جنهم
إليك رسول الله أرفع حاجتي … فأنت شفيع الخلق والخلق هيم
فقد سارت الركبان واغتنموا المنى … واني من دون الخلائق محرم
فيا سامع الشكوى أقلني عثرتي … فانك يا مولاي تعفو وترحم
ويا سامعين استوهبوا لي دعوة … عسى عطفة من فضله تنسم
وهبني عصيت الله جهلا وصبوة … فمن يقبل الشكوى ومن يرحم
وقد أثقلت ظهري ذنوب عظيمة … ولكن عفو الله أعلى وأعظم
وأختم نظمي بالصلاة مرددا … على خير خلق الله ثم أسلم
ومن شعره أيضا في هذا المعنى:
الخبر أصدق في المرأى من الخبر … فمهد العذر ليس العين كالأثر
واعمل لأخرى ولا تبخل بمكرمة … فكل شيء على حد إلى قدر
وخل عن زمن تخشى عواقبه … أن الزمان إذا فكرت ذو غير
وكل حي وان طالت سلامته … يغتاله الموت بين الورد والصدر
هو الحمام فلا تبعد زيارته … ولا تقل ليتني منه على حذر
يا ويح من غره دهر فسر به … لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر
انظر لمن باد تنظر آية عجبا … وعبرة لأولي الألباب والعبر
أين الألى جنبوا خيلا مسومة … وشيدوا إرما خوفا من القدر
لم تغنهم خيلهم يوما وان كثرت … ولم تفد إرم للحادث النكر
بادوا فعادوا حديثا أن ذا عجب … ما أوضح الرشد لولا سيئ النظر
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا … أن المقام بها كاللمح بالبصر
أودى بدارا وأودى بابن ذي يزن … وفل غرب هرقل إنه لحر
(1/71)

ولم يفد سبأ مال ولا ولد … ومزقته يد التشتيت في الأثر
ولتفتكر في ملوك العرب من يمن … ولتعتبر بملوك الصين من مضر
أفناهم الدهر أولاهم وآخرهم … لم يبق منهم سوى الأسماء والسير
وكان يسلك في شعره على طريق حبيب بن أوس، وكان صاحبه أبو عبد الله الجزائري يسلك في شعره سلوك المتنبي، وكانا يتراسلان الأشعار يجاوب كل واحد منهما الآخر على طريقته، فكان الأستاذ رحمه الله ينحو نحو حبيب والأديب أبو عبد الله الجزائري ينحو نحو المتنبي، ولولا الإطالة لأتيت من شعر كل واحد منهما ما يستظرف معناه ويروق محياه.
وشهرته بالأديب سماه بذلك الشيخ أبو الحسن الحرالي، وذكر أن سبب هذه التسمية إنه جرى بين يدي الشيخ رضي الله عنه ذكر ما قاله الرجل "واترك الريحان برحمة الرحمن للعاشقين" وتكلم في معناه فقال بعض من حضر أشار إلى العذار لأن ولوع القائل كان به، قال فقلت إنما أشار إلى دوام العهد لأن الأزهار كلها تنقضي أزمانها والريحان يدوم عهده، فاستحسن ذلك الشيخ رحمه الله وقال أنت أديب، فجرى عليه اسم الأديب. وهو أكثر الناس شعرا، وقد شرع في تدوين شعره في عام ثلاثين وستمائة، وهو في كل عام يقول منه ما يكتب في ديوان، وعاش بعد شروعه في تدوين شعره ثلاثا وأربعين سنة، ولو تم له تدوينه لكان في مجلدات كثيرة، ولكن بأيدي الناس منه كثير، وتواشيحه حسنة جدا، وتوفي رحمه الله ببجاية عام ثلاثة وسبعين وستمائة رضي الله عنه.
(1/72)

11 - أبو العباس أحمد بن خالد من أهل مالقة
نحو سنة 660هـ.
1262م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الأصولي المشارك المحصل أبو العباس، أحمد بن خالد من أهل مالقة، قرأ بالأندلس وقرأ بمراكش، ولقي جملة أفاضل ولازم الفقيه الإمام أبا عبد الله المومناني ملازمة كثيرة، سمعته يقول إنه لازمه مدة عشرين سنة، وكان يقول أن مثل هذه المدة لازم أرسطو لأفلاطون. كان متحملا لأصول الفقه ولأصول الدين على طريقة الأئمة المتقدمين، وكان لا يرى بطريقة فخر الدين ويرى فيها تخليطا في إدخاله طرفا من المنطق في الأصلين، وكانت له شركة في الطب، وله مشاركة في الحكمة في الطبيعيات والإلهيات، وكان قليل الكلام كثير الملكة في إمساك نفسه في البحث.
جلس للإقراء ببجاية وكان يقرأ عليه في منزله. قرأت عليه جملة من "الإرشاد"، وجملة من "المستصفى"، وقرأت عليه في بدء أمري بعض "معيار العلم" في علم المنطق، وقرأ عليه بعض أصحابنا "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا من فاتحتها إلى خاتمتها، وكان مسدد النظر حسن الفكر، وكان يعد نفسه رحمه الله من أهل التوكل ويقول إني ما ادخرت قط شيئا وإنما جريان الحال بحسب ما يحتاج إليه الوقت، وكذلك كانت حاله رحمه الله لم يكن عنده شيء وكانت حاجته لشيء. وكان أحسن الناس خلقا وأطيبهم نفسا،
(1/73)

كنا إذا تحدثنا معه رحمه الله في تصور الحركة وفيما قال الناس فيها يستبعد الأمر في تصورها ويستعظمه، وكان رحمه الله يقول إنه كان يوما على شجرة لاقتطاف جني وهو يفكر في معنى الحركة، فلما أن لاحت له حقيقة المعنى وتصوره سقط عنها وبقي في ظلها مغشيا عليه قدر نصف يوم، وكان له تحقيق في أمر يظن الناس إنها حاصلة، وهي بالحقيقة غير حاصلة. توفى رحمه الله ببجاية في عشر الستين وستمائة ودفن بحومة باب امسيون، بالمقبرة التي الشجرة المسماة بزاد رخص بها، وهي شجرة عظيمة وليس في تلك الناحية ولا في غيرها من نواحي البلد شجرة زاد رخص سواها.
(1/74)

12 - أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الأموي
... 674هـ.
... 1275م.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الحكيم الحاذق الفاضل، أبو القاسم محمد بن أحمد ابن محمد الأموي المعروف بابن اندراس من أهل مرسية، ورد على بجاية في عشر الستين وستمائة مستوطنا، وتبسط للطب طبيبا باحثا جيدا، وله معرفة بعلم العربية وله شركة في أصول الدين جيدة، ويشارك مع هذا في فنون غير هذه مشاركة حسنة، وكانت له حدة ذهن وجودة فكر. تبسط لإقراء الطب والعربية، وكان حاذقا في عربيته، حضرت لإقرائه قانون أبي موسى الجزولي فكان بحثه فيه جيدا ونظره فيه حسنا، ولقد جرت مسألة علم الجنس عند ذكرى أبي موسى لها في قوله العلم ضربان، ضرب للفرق بين الأشخاص وضرب للفرق بين الأجناس، فكان فيه من الحديث معه ما يعجز عن تصوره حذاق النحاة، لأن هذه المسألة مما يعتقد كثير ممن يتعاطى العربية إنه يعرفها وهو لا يعرفها ولا يعرف إنه لا يعرفها. قرأت عليه أرجوزة ابن سينا قراءة إتقان وجودة بيان، وكان يحضر لذلك نبهاء الطلبة ويجري فيها من الأبحاث ما يعجز الكتب عنه، وحضر لمجالس من القراءة عليه القاضي الجليل أبو عبد الله ابن يعقوب في المرة التي اجتاز فيها على بجاية حين وصوله من طنجة، والفقيه الحكيم أبو بكر ابن القلاس، وقرأت جملة من كليات القانون
(1/75)

بعد قراءة الأرجوزة، وكانت الأبحاث في كل ذلك جارية على القوانين النظرية والاستدلالات الجلية.
وكان رحمه الله إذا سئل عن المسألة الطبية كثيرا ما يتوقف عن الجواب إلا بعد نظر، ورأيت غيره من الأطباء ممن يقصر عن معرفته إذا سئل ساعة ما يسأل يجيب، وربما اعتقد هذا المسرع في الجواب أو غيره من الأغبياء أن سرعة المسرع هي لمعرفته وان إبطاء المبطئ هو لتقصيره، وهذا هو اعتقاد الأغبياء في أمثال هذا، وإنما الإبطاء في الجواب دليل العلم لأنه بين السائل للطبيب الغرض العارض للعليل، ولابد أن يقع له النظر في الأسباب وتمييزها والحدس على السبب الفاعل أن تعارض وينظر أنسب الأودية، وحينئذ يقع الجواب، وهكذا هو حال حذاق الأطباء، وأما عوامهم ومن يعد منهم في أعداد القوابل، فعندما يسأل يجيب بغير علم، ولقد رأيت بعض من كان مبخوتا في الطب يعالج المرضى فتخفى عليه الشكاية فيعالجها بالحار تارة وبالبارد تارة أخرى، بحيث ينظر فان انجح فيها احدهما استمر عليه، ويحرم على الإنسان أن يمكن نفسه ممن حاله مثل هذه الحال ويحرم على من هذه صفته أن يطب، وهذه الصناعة هي أشد الصنائع ضياعا في بلاده لأنه يتعرضها الغث والسمين، ولا يقع بينهما التمييز إلا عند القليل من الناس.
وكان رحمه الله متوليا لطب الولاة ببجاية هو وبعض خواص الأطباء بها، ورحل إلى حاضرة أفريقية باستدعاء أمير المؤمنين المستنصر له بعد أن سمع به وعرف خبره، فحضر مجلسه وسئل فأجاب ووافق طريق الصواب، وانتظم في سلك أطبائه، وكان من جملة جلسائه.
وله "رجز" نظم فيه بعض الأدوية واستكمله وهو ببجاية، وكان رحمه الله شرع في نظم الأدوية المفردة من القانون، وكلفني بنظم بعض الأدوية على سبيل التعاون فنظمت له بعضها وما علمت استكملها بعد أم لا، وتوفي بتونس حرسها الله في عام أربعة وسبعين وستمائة.
(1/76)

13 - أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الأستاذ الأديب، النحوي اللغوي، أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري، له علم بعلم العربية، واللغة والنحو والأدب، وكان يقرأ عليه الفقه، وكانت بضاعته فيه مزجاة، وأما علم اللغة والنحو والأدب فكان فيه جيدا، وكان له مجلس واسع الحضور يحضر فيه كثير من الطلبة ويقرأ كل واحد منهم باختياره، حضرت مجلسه يقرأ فيه "الإيضاح" و"الجمل" و"المفصل" وقانون أبي موسى الجزولي ومقدمة ابن بابشاذ و"إصلاح المنطق" ويعرب فيه شعر حبيب والمتنبي والأشعار الستة والمعري و"الحماسة" لغير واحد، ويقرأ فيه من الأدب "المقامات" و"الأمالي" وغير ذلك من الكتب الأدبية والنحوية واللغوية، ويطول مجلسه لكثرة الطلبة وكثرة تفننهم فيما يقرئون، وكان حسن الإيراد مبارك الإقراء،
(1/77)

انتفع به خلق كثير كل على قدره، ولقد حضرت مجلسه يوما فذكر القارئين عليه من الطلبة واستكثرهم، وأخذ يعد من على ذكره منهم ممن له نبل وقدر، فعد منهم نحو الثمانين ما منهم إلا من قد تخطط بخطة اقلها الكتابة، خلاف الغائبين ومن لم يحضر ذكره ومن هو غير مخطط. قرأت عليه وسمعت منه وأخذت عنه، ولم يكن له رحمه الله عمل إلا الاشتغال بالإقراء، وكان يلي قضاء بعض النواحي بتولية قضاة البلد، وكانت له نفس طيبة وأخلاق حسنة، وكانت له فكاهة مستعذبة مستملحة رحمه الله.
(1/78)

14 - أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني
614 - 699هـ
1217 - 1297م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه الخطيب، النحوي الأستاذ المقرئ الصالح، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني من أهل شاطبة، رحل إلى العدوة واستوطن ببجاية ولقي المشائخ بالعدوتين، وروى ودرى واستجار وأجار، وروى وأقرأ، واستمتع واستنفع به خلق كثير، كان رضي الله عنه عالم بعلم القراءات متقن فيها مجيد لها، وله معرفة بعلم العربية النحو واللغة والأدب، وله رواية متسعة في الحديث وفي غيره، وروايته عالية من جهات كثيرة، وله شعر حسن ومن شعره:
جعلت كتاب ربي لي بضاعه … فكيف أخاف فقرا أو إضاعه
وأعددت القناعة رأس مالي … وهل شيء أعز من القناعه
وأنشدني لبعض أصحابه:
ما ميلق العالم إلا الذي … يخبره العالم في الميلق
ذك الذي يكشف أسرارهم … فيفضح الفاجر المتقي
وقال رحمه الله لقيت أبا بكر ابن محرز بن طاهر بر محرز ببجاية وكانت بيني وبينه قراءة وصحبة فقال لي على سبيل النصيحة والوصية:
(1/79)

سلكت أبا عبد الإله ابن صالح … سبيلا فكم يفضي قويما لصالح
يرجح عند الله ميزانكم غدا … إذا لم يكن ميزان قوم براجح
فإياه فاسلك طول عمرك واستمع … وصاة محب مخلص لك ناصح
قال: وكان ذلك في أول سنة أربع وخمسين وستمائة. وأنشدنا أيضا عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي الحسن ابن جبير يفضل المشرق من الأندلس على المغرب:
لا يستوي شرق البلاد وغربها … الشرق حاز الفضل باستحقاق
فانظر لحسن الشمس عند طلوعها … بيضاء تسحب بردة الإشراق
وانظر لها عند الغروب كئيبة … صفراء تعقب ظلمة الآفاق
وكفى بيوم طلوعها من غربها … أن تؤذن الدنيا بوشك فراق
قال الفقيه الخطيب أبو عبد الله ابن صالح: ونقلت من خط شيخنا أبي عبد الله
(1/80)

القضائي قال قرأت بخط الأستاذ أبي عبد الله بن أبي البقاء من شعر الوزير أبي بكر محمد بن أبي مروان أبي العلاء ابن زهر الأيادي:
يا من يذكرني بذكر أحبتي … طاب الحديث بذكرهم ويطيب
أعد الحديث علي من جنباته … أن الحديث عن الحبيب حبيب
ملأ الضلوع وفاض من أحنائها … قلب إذا ذكر الحبيب يذوب
ما زال يخفق ضاربا بجناحه … يا ليت شعري هل تطير قلوب
وأنشد إلي أبي بكر الالبيري:
من ليس يسعى في الخلاص لنفسه … كانت سعايته عليها لا لها
أن الذنوب بتوبة تمحى كما … يمحو سجود السهو غفلة زلها
(1/81)

وأنشد لبعض أشياخه:
دنياك مهما اعتبرت جيفة … قد عرضت فرصة انتهاب
أن شئتها فاحتمل أذاها … واصبر على خلطة الكلاب
قلت: والخطيب أبو عبد الله ابن صالح أحد من كثرت القراءة عليه والرواية عنه ببجاية، تخطط فيها بالعدالة وهي صفته، وولي النظر في الانكحة نائبا عن قضاتها مدة، وولى إقامة الفريضة والخطبة بجامعها الأعظم ما ينيف على ثلاثين عاما، وهو إلى هذا الوقت وهو عام التسعة والتسعين وستمائة إمام مبارك أبقاه الله ووقاه. ومن الغريب في ذلك إنه لم يعرض له، مع طول هذه المدة، أن ناب عنه أحد في خطبة الجمعة. يقرأ كتب العربية فيجيد وأجود ذلك "مفصل" الزمخشري قرأه وأحكمه، وهو كذلك يقرئه ويجيد فيه، وتقرأ عليه دواوين الأشعار تفقها كشعر حبيب والمتنبي والمعري والأشعار الستة وغير ذلك، وكل ذلك على إتقان وإحكام وجودة إيراد.
له خلق حسن، ونية صالحة، وطوية سالمة، ودعوة مباركة، من تعرض له بالاذاية يجزى.
ذكر لي مرارا إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فدعا له وقال له "الله يسترك بستره" فنفعه الله بهذه الدعوة، وهي دعوة لمن يكرم عليه.
جلس للوثيقة والشهادة، فكان سمحا سهلا ولم يقع له قط وقوع في ذلك لحسن نيته وسلامة طويته.
ولد بشاطبة في الليلة التاسعة والعشرين لذي القعدة، من عام أربعة عشر وستمائة، ولقي مشائخ جملة، منهم أبو بكر ابن محرز وأبو المطرف ابن عميرة
(1/82)

وأبو بكر ابن سيد الناس وابن قطرال وأبو القاسم الولي وأبو عثمان ابن زاهر وأبو محمد ابن برطلة وأبو عبد الله الابار وأبو الحسن ابن السراج وأبو الحسين ابن فتوح ومشيخة غير هؤلاء حسبما تضمنه برنامجه، وسيأتي من ذكر هؤلاء الأشياخ ما يوافق شرط هذا الكتاب أن شاء الله تعالى.
(1/83)

15 - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي
... 674هـ
... 1276م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، شيخنا الشيخ الفقيه المقرئ المحصل الرواية، الضابط المتقن المجود أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي، لقي المشائخ ببجاية، أبا بكر ابن محرز وأبا عثمان ابن زاهر وأبا عبد الله الابار وأبا المطرف ابن عميرة وأبا بكر ابن سيد الناس وأبا الحسن ابن السراج وأبا عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبا الحسن ابن أبي نصر وغيرهم. وأجاز له أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن عصفور العبدري التلمساني والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي والحاج أبو بكر ابن محمد بن عبد الله بن داود بن مطروح الشريشي وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف المري وأبو يحيى عبد الرحمن ابن
(1/85)

عبد المنعم الخزرجي (عرف بابن الفرس) وأبو بكر ابن طيب العتقي المرسي وأبو زيد عبد الرحمن بن عمر اليزناسني، وأبو العباس أحمد بن يوسف بن فرتون السلمي الفاسي نزيل سبتة، وغيرهم من فضلاء الأشياخ، له رواية واسعة ومعروفة بالقراءات، ما رأيت أتقن منه في القراءات ولا أضبط منه في طريق الروايات.
ألف كتابا في "مرسوم الخط" وهو كتاب حسن كثير الفائدة، وألف أيضا جزءا في بيان "تمكين ورش" حروف المد واللين الثلاثة، الألف والواو والياء إذا تقدمتهن الهمزة، وألف أيضا جزءا آخر في بيان مذهب ورش في تفخيم اللام وترقيقها.
كان رحمه الله، ناصحا مجدا مجتهدا، يرغب الطالب في الأخذ عنه ويعينه على ذلك، ولم يكن له عمل سوى الاشتغال بالقرآن على حال عفاف ونسك، وتخلى عن الناس إلى أن توفى رحمه الله.
روينا عنه بعض كتب الحديث، واستفدنا منه بالمشافهة في علم القراءات، وفي طريق الضبط ما حصلت به المنفعة بفضل الله، وقل ما كان بخير في طريق القراءات إلا بعد التحصيل الجيد لأنه كان مشددا في هذا المعنى، ولم يكن عنده فيه من المسامحة شيء.
(1/86)

حدثنا أبو العباس أحمد بن خضر قال: أنشدني أبو محمد ابن برطلة الخطيب ببجاية لنفسه:
أسلمني للبلى وحيدا … من هو في ملكه وحيد
قضى علي الفناء حتما … فلم يكن عنه لي محيد
وكيف يبقى غريق ترب … بذاته أو لا صعيد
يعيده آخر إليه … من نعته المبدئ المعيد
وله أيضا:
أيا ناظرا نحوي ترحم لراحل … أتته المنايا في ثياب مقيم
فلم يلتمس زادا سوى حسن ظنه … ومن يرتضي زادا لقصد كريم
حدثنا أبو العباس ابن خضر عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي العباس ابن مقدام عن الحافظ أبي بكر ابن العربي قال: قال لي محمد بن
(1/87)

عبد الملك الواعظ حجبنا مع أبي الفضل الجوهري فلما دخلنا على باب بني شيبة، أخضل دمعه، وجعل عند ما رأى الكعبة وعليها أنماط الديباج ذات الحوك الفائق والرواء اللائق ينشد:
ما علق الدر على نحرها … إلا لما يخشى من العين
تقول والدر على نحوها … من علق الشين على الزين
وحدثنا أبو العباس، عن أبي الحسن ابن السراج، عن أبي محمد ابن عبيد الله الحجري، عن القاضي عياض بن موسى بن عياض عن أبي الحسن علي بن
(1/88)

أحمد بن علي بن عبد الله الربعي المقدسي الشافعي التاجر، قال: لقيته بسبتة وحدثني بأشياء وأجازني جميع رواي عن شيوخه أبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الخطيب وذكر لي أن الخطيب أجازه جميع كتبه وروايته، وإنه سمع منه بعض تصانيفه، ومن جملة ما حدثنا عن الخطيب قال: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو بكر محمد بن محمد الجرجاني حدثنا الحسين بن أحمد
(1/89)

الكاتب بهمذان، حدثنا نفطويه قال: كنت عند المبرد فمر بنا إسماعيل بن إسحاق فوثب إليه وقبل يده وأنشد:
فلما بصرنا به مقبلا … حللنا الحبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرن قيامي له … فإن الكريم يجل الكراما
قال القاضي عياض: وأخبرنا رحمه الله عن الخطيب قال: قال له رجل اكتب العلم ولا يعلم ما كتب، مالك إلا طول أرقك، وتسويد ورقك، قال: وحدثنا الخطيب قال: حدثنا الحسن بن أبي طالب، حدثنا عبيد الله ابن محمد
(1/90)

المقرئ حدثنا أبو بكر الصولي حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي قال: جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة فعبرها له، فقال لم أفهم، فأعاد فقال لم أفهم، فقال أن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم، فتفهم بالإعادة، وإن كنت لم تفهم، فهذا داء لا دواء له.
وحدثنا أيضا عن أبي زكرياء ابن عصفور، عن أبي الحسن صاحب الصلاة، عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي قال: أنشدني لنفسه:
لا يخدعك عن دين الهدى نفر … لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا
عمي القلوت عروا عن كل معرفة … لأنهم كفروا بالله تقليدا
وتوفي أبو العباس أحمد بن خضر ببجاية يوم السبت الموفى عشرين لذي حجة عام أربع وسبعين وستمائة.
(1/91)

16 - أبو العباس أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغماري
... 682هـ
... 1283م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، القاضي الجليل النبيل، أبو العباس أحمد بن عيسى ابن عبد الرحمن الغماري رحل إلى المشرق وقرأ وجد واجتهد، وحصل وأتقن، ولقي جملة مشائخ منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيره، له علم بأصول الفقه، وحظ من أصول الدين، ومشاركة في علم الأدب.
وكان ممن يستفاد بالنظر إليه، والمثول بين يديه، وكانت دروسه منقحة الإيراد، عذبة المورد بقريب ما يستفاد، حضرت دروسه وشاهدتها، كان
(1/93)

يبدأ بين يديه رحمه الله بقراءة الرقائق أولا وبعد ذلك بالفقه وأصول الفقه، وكان يقرأ التهذيب عليه ويقرأ الجلاب فيكثر البحث وتحتد القرائح ويجيء بالمسألة الخلافية فيرتضي أحد وجهيها، فيبحث عليه إلى أن يظهر الرجحان ويقع التسليم، ثم يأخذ الطرف الآخر ويلزم أصحابه ما كان هو يناظر عليه، فلا يزال إلى أن يظهر الرجحان في ذلك الطرف ويقع التسليم أيضا، وهذا من حدة فكره وجودة نظره، وكان له لسان يستنزل به العصم، وكان جادا طلبا، مناصبا لهم، وسيوسا مع ذلك لهم. كان قاضيا بذات العلمية، وولي المنصب مع ذلك في بلاده وفي بجاية كرتين، وتوجه رسولا إلى ملك المغرب مرارا من المستنصر بالله وما زال ناجح السعي، سديد الرأي. وكان سريع البديهة بالجواب، يطبق المفصل بموافقة الصواب.
(1/94)

ومن ملح جوابه إنه كان ببجاية في ولايته الثانية، ونزل أمير المؤمنين المستنصر على قسنطينة، وجه عنه واعتنى به وسأله عن بجاية وأهلها، فأجاب بما يليق به الجواب، ثم قال له الملك: يا فقيه سمعنا أن والي بجاية لو أراد أن يبنيها لبنة فضة ولبنة ذهبا لفعل فقال له مبادرا، يا مولانا، يكون ذلك بالتفاتكم إليها وعطفكم عليها، فسكت. وهذا جواب حسن، مانع لمقصد الملك بسهولة مأخذ.
وسأله في مجلسه ذلك عن المشرف بالبلد فقال له: سمعنا إنه مسرف ... فقال مجاوبا: إنما رأيته إذا وقع الحضور في النهار لا يزال ناعسا ونائما، فأشار له بذلك إلى سهره بالليل فيما يعرف. وأجوبته كلها مستحسنة مستعذبة ملخصة مهذبة، ولقي من أصحاب فخر الدين جملة من فضلائهم واستفاد بهم، وكان رحمه الله يحكي عن بعضهم إنه كان يقول له لما رأى من نبله وفضله، والله لو رآك مولانا الفخر لأحبك، وكان رحمه الله يثني على الفخر كثيرا ولا يرى له نظيرا وكان يؤثر قراءة كتبه على غيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين.
(1/95)

17 - أبو القاسم بن أبي بكر اليمني
1224 - 691هـ
621 - 1292م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه القاضي، الإمام المجد المجتهد، جمال علماء المغرب، أبو القاسم بن أبي بكر اليمني، الشهير بابن زيتون، من أهل تونس توفي بها في رمضان المعظم عام أحد وتسعين وستمائة، لقيته ببجاية وتونس.
هو رجل له علم وجلال، وأبهة وكمال، وفضل واعتدال، رحل إلى المشرق مرتين، وقرأ وحصل. له علم بأصول الفقه والعقائد الكلامية والفقيه والخلاف والجدل والمنطق، وله مشاركة في الحكمة، وفقهه جار على قوانين النظر والاجتهاد، وله فصاحة في الإيراد وبراعة، وكان من أجمل الناس منظرا وأحسنهم مخبرا، وكان أجرى مع الطلبة كثير الاعتناء بهم والاهتمام بأمرهم، توجه في الرسالة لبعض ملوك المغرب عن المستنصر بالله مرتين، فشكرت رسالته وحمدت همته وسياسته.
وولي قضاء حاضرة افريقية، وكان قبل ذلك من أشياخ البيت في المدة
(1/97)

التي كان البيت بيتا وكان مصدرا للفتيا، ولم يزل مطوقا بالرياسة، مشتهرا بالسيادة والنفاسة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
(1/98)

18 - أبو العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي
607 - 678هـ
1209 - 1271م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الصدر الكبير، العابد المبارك، أبو العباس أحمد ابن عثمان بن عجلان القيسي أحد أعلام الدين، وإمام من أئمة المسلمين، من مشائخ التقوى والورع، منزه عن الميل والطمع، له علم وعمل، وصلاح مكتمل، استوطن بجاية مدة من الزمان واقرأ بها وانتفع به الناس علما وعملا.
وكان إذا جلس للإقراء يحضر بين يديه الكتب المقروءة عليه، فإذا فتح الطالب الكتاب، أخذ هو الكتاب في يده، ويقرأ الطالب وتقع المعارضة، وحينئذ يقع الشرح منه لما يقرأه القارئ وهذا من تثبته وتحوط رضي الله عنه.
لقيته بتونس، ولما وقع بصري عليه أدركني من الوقار له والخشية لله ما لم أكن أقدره، ودمعت عيناي، ووجدت نفسي نشاطا وسرورا بلقياه.
وكان معتنيا بحمل علم الفقه والحديث والقراءات وعلم العربية وطريق الصالحين، وكان كثير الانزواء، يحب الخمول على طريق السلف الصالح، رضي الله عنهم.
عرض عليه قضاء حاضرة افريقية فتمنع منه، وطلب منه أمير المؤمنين
(1/99)

المستنصر الاجتماع به فاعتذر عن ذلك وقال إني لا أصلح لذلك لعدم معرفتي بلقائهم، وطلب المستنصر أن يصل منزله بنفسه، فاستعفى من ذلك.
وذكر لي، إنه لما كان الصلح الواقع بين المسلمين والنصارى عام نزول الفرنسي على تونس، كتب رسم شهد فيه مشائخ الفقهاء أن الصلح المذكور صلاح وسداد في حق المسلمين، وطلب الفقيه أبو القاسم ابن البرا رحمه الله، أن يكون من جملة شهوده الفقيه أبو العباس ابن عجلان، فاستحضر بدار الأمر وبمحضر الفقهاء وفيهم الفقيه أبو القاسم بن البرا وأمير المؤمنين، بحيث يسمع، فقيل له: تشهد في هذا الصلح؟ فقال إني لا أعلم الحال، يشهد من يعرف الحال، فقال له الفقيه أبو القاسم: هذا الصلح جائز أو غير جائز؟ فقال له مجاوبا: أن كان صلاحا وسدادا في حق المسلمين فهو جائز وإن لم يكن كذلك فهو غير جائز، فقال له هو صلاح وسداد أو لا؟ فقال له لا علم لي بالحال، فقال له لابد لك من الجواب، فسمع نقر أمير المؤمنين من وراء الحجاب وهو يشير إلى انقضاء المجلس، فانفض ولم يشهد، وحمد في جوابه ومقاله، واستحسن ذلك من حاله.
ولما حللت بحاضرة افريقية، اجتمع جمع من الطلبة وكلفوني بالجلوس للإقراء فأسعفتهم بذلك، وسرت إليه فأعلمته بالقضية وسألته هل تقع البداية في السبت أو يوم الأحد؟ فقال لي رحمه الله: من أشياخي رحمهم الله من كان يختار البداية يوم السبت، ومنهم من كان يختار يوم الأحد، ولم يجبني بالتعيين، وخرج عن خاطري في الوقت أن أسأله عن اختياره لنفسه كيف كان.
وسألته رحمه الله تعالى عن اختيارات أصحابنا المتأخرين من الفقهاء،
(1/100)

كاللخمي وابن بشير وغيرهما، هل تحكى أقوالا عن المذهب فيقال مثلا، في المذهب ثلاثة أقوال بما يقوله اللخمي أولا، فقال لي إنما تكون الحكاية بحسب الواقع، فيقال في المذهب قولان، ويقال وقال اللخمي كذا، أو فلان ويعزى إليه ما قال، وسألت عن هذه القضية شيخنا الفقيه أبا القاسم ابن زيتون، فقال لي نعم، يحكى قول اللخمي وغيره قولا في المذهب، كما يحكي قول من تقدم من الفقهاء في المذهب، وهذان الجوابان جيدان، أما جواب الفقيه أبي العباس، فإنه مبني على سبيل التوقف والورع، وأما جواب الفقيه أبي القاسم، فإنه مبني على سبيل النظر، لأنه رأى أن كل جواب بني على أصول مذهب مالك وطريقته فإنه من مذهبه، والمفتي به إنما أفتى على مذهبه، فيصح أن تضاف هذه الأقوال إلى المذهب وتعد منه.
ولما أقمت المدة التي أقمتها بتونس، وأردت الانفصال إلى بجاية، جئت لوداعه فودعته وتبركت به، ولما أردت الانصراف قال لي أن رجعت نريك فعجبت من كلامه ذلك، لأني انفصلت وفي نيتي عدم العود، وكان القوم على السير في البحر، فركبت البحر بجملتي وتعذر علينا الهواء فأصبحت في المرسى أجفان غزوانية للنصارى، فهبطنا إلى البر خيفة منها، وبعد أيام قاتلت
(1/101)

الجفن المعروف بجفن الحراني وأخذته بالمرسى، فوقع العود إلى البلد، واجتمعت بالشيخ أبي العباس، فقال لي رجعت؟ فقلت له قد أشرتم بذلك عند وداعي لكم، ثم تيسر لي السفر في البر فودعته وسافرت، وهو آخر عهدي به، وكانت هذه من جملة ما رأيت له من الكرامات رحمه الله، وتوفي بتونس في عشر السبعين وستمائة أيام الواثق بحاضرة أفريقية رحمه الله.
(1/102)

19 - أبو زكرياء يحيى بن زكرياء بن محجوبة القرشي السطيفي
... 677هـ
... 1278م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح المبارك، أبو زكرياء يحيى بن زكرياء ابن محجوبة القرشي السطيفي باطنة شيخ شيوخنا، الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه. كان من المتعبدين لزهاد الأولياء، رحل إلى المشرق ولقي مشائخ، واقتصر على أبي الحسن الحرالي، واستفاد منه علم الظاهر والباطن، وحصل من هديه الجلي والكامن، لقيه بالديار المصرية وصحبه هناك مدة طويلة، وهناك ظهرت له حقائق، وانقطعت عنه عوارض العلائق، وكان للشيخ رضي الله عنه هنالك، أصحاب قد أدركوا المدراك، وجاوزوا سبيل السالك، وكانوا يريدون ترقي الشيخ أبي زكرياء إلى بعض مداركهم، والانتظام في سلكهم وما زالوا إلى أن ظهر له بعض التحقيق، واعتمد جادة الطريق، فأنهوا ذلك إلى الشيخ أبي الحسن رحمه الله، فأنشده في معنى ما ظهر له، وبين له الحال فيما لم يظهر له، هذه الأبيات.
جلت لك ليلى من مثنى نقابها … طريقا وأبدت لمعة من جمالها
فطبت بها عيشا وتهت لذاذة … وفيأك الالماع برد ظلالها
فكيف ترى ليلى إذا هي أسفرت … ضحاء وأبدت وارفا من دلالها
وكيف بها أن لم يغب عنا شخصها … ولم تخل وقتا من منال وصالها
(1/103)

وكيف يكون الأمر أن كنتها … وكانتك تحقيقا فحلت لحالها
وكان رحمه الله ممن تخلى عن الدنيا وتركها، وكان صاحب كرامات، وكان مستجاب الدعوة.
سمعت عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، إنه عين أصحابه بعده، فقيل إنه قال: أصحابي ثمانية وعشرون، منهم أربعة تستجاب دعوتهم، وعين من الأربعة الشيخ أبا زكرياء رضي الله عنه، وربما زاد الناقلون في العدد أو نقصوا منه، وروح المسألة أن الشيخ أبا زكرياء أحد الأربعة الذين تستجاب دعوتهم وسمعت أن منهم السيخ أبا محمد ابن عبد المسير الاطرابلسي رحمه الله. وكان في علم التصوف مقدما، وكانت له أخلاق حسنة، ومن فضائل وزهده، إنه عرض عليه في مدة الأمير أبي يحيى برد الله ضريحه، أن يجعل له مرتب من أعشار الديوان في كل شهر فامتنع من ذلك وقال: أن اسمي في ديوان الوجود المطلق فلا أجعله في لديوان المقيد، لأن الإطلاق أوسع من التقييد وهو في ديوان الحق فلا اجعله في ديوان الخلق.
ورأيت له تأليفا حسنا في "شرح أسماء الله الحسنى" وله في التصوف "تقاييد" كثيرة، وله نظم حسن وقطع مستحسنة كلها في المعاني الصوفية. وكنت في زمان الشباب نظمت القصيدة الصوفية الهمزية التي مطلعها.
واحيرة العشاق بالرقباء … حرموا الوصول لطيبة الوسعاء
وهي نحو أربعين بيتا، فحملتها إليه، وأنشدتها بين يديه، ففرح بها غاية الفرح وجعل يدعو ويقول: بصرك الله لمعنيها وأطلعك على ما فيها، لأن الحال كان حال شبيبة، فاعتقد الشيخ رحمه الله أن ما أتيت به فيها إنما هو على
(1/104)

سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهود، والله يؤتي الفضل من يشاء. توفي رحمه الله ببجاية في غرة ذي القعدة عام سبعة وسبعين وستمائة. ومن شعره رحمه الله.
أتت والليل ممدود الجناح … تعود مسهدا رطب الجراح
فقالت كيف أنت ولا جناح … فقلت العود يذهب بالجناح
فوالهفي على الشكوى لسار … وواجزعي لا عجال الصباح
(1/105)

20 - أبو الحسن عبيد الله بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي
601 - 691هـ
1204 - 1292م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح العابد الزاهد، الموفق المنقطع المتخلي، أبو الحسن عبيد الله بن أحمد بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي، من أهل رندة رحل إلى العدوة وتخير استيطانه ببجاية فاستوطنها. كان على سنن الفقهاء، وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له علم ووقار، وعمل مرضي مختار إذا رآه الناظر تبينت له ولايته، وظهرت له أن خير السعاية سعايته، وذكر من رآه قول النبي صلى الله عليه وسلم من أولياء الله فقالالذين إذا رءوا ذكروا اللهوكان منقطعا عن الناس، غير مخالط لهم، وكان يزوره القضاة والأمراء ومن دونهم، وكان لا يدخل نفسه في شيء معهم، وقلما يسأل أو يوجه في المسائل، وإن رغب السائل مع رغبة الناس أن يسألهم، ولكنه إذا تحدث في الشيء يقضي بفضل الله.
وله دعاء مستجاب، وكرامات يستحسن ذكرها ويستطاب، وأكثر ما كان الناس يقصدونه ليدعو لهم فيعترفون ببركة دعائه.
وكان متنزها عن مقالة المتلبسين، وشعوذة المشعوذين، غير مسامح في شيء مما يخالف ظاهر الشريعة ولا عامل على شطحات المتصوفة.
ولقد مضى بمسجده أبو الحسن الفقير، المعروف بالطيار، مع صحب له من
(1/107)

الفقراء، ودخلوا عليه في وقت يحيا فيه المسجد فجلسوا من غير تحية، فأمرهم بالتحية، فقال له الطيار " ولذكر الله أكبر " وامتنع من الركوع، ووقع بينه وبينهم في هذا كلام، ولما ظهر منهم التوقف مع هذا المقال، وعدم النزوع عن هذا الحال، وقع العمل على نفيهم إلى المغرب، وإخراجهم من البلد. والنفي في حق هؤلاء وأمثالهم قليل، وإنما الواجب أن يعاملوا بأسوأ التمثيل. وهؤلاء جملة أغبياء لا علم ولا عمل ولا تصوف ولا فهم. وهم مع ذلك يجهلون الناس، ويعتقدون أن مبناهم على أساس، وما زال رحمه الله، متصل الأعمال، صالح الأحوال، إلى أن توفي رحمه الله ببجاية، في النصف الأول من ليلة الثلاثاء السابع لرجب عام إحدى وتسعين وستمائة، ودفن بعد صلاة الظهر بمقربة من الباب الجديد. وكان له مشهد عظيم، وقبره اليوم هناك مزور رحمه الله. وولد في عام واحد وستمائة.
(1/108)

21 - أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي
606 - 684هـ
1210 - 1285م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، العالم المجتهد المحصل المتقن، الصالح المبارك، أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا، الصدفي الطرابلسي، وهذا الشيخ تعين ذكره وإن لم يوافق شرط الكتاب، لأنه لم يكن ببجاية، لكني لقيته بحاضرة افريقية وانتفعت برؤيته وتبركت بمشاهدته، وهو من الفضلاء الذين لا يسوغ الإخلال بذكرهم في المشيخة.
هو أحد المشائخ الجلة بحاضرة أفريقية، رحل إلى المشرق وحج، ولقي الأفاضل عز الدين ابن عبد السلام وغيره، وقرأ وحصل ورجع إلى طرابلس واشتغل بها بالإقراء، وظهر أمره واشتهر خبره، فوجه إليه من حاضرة تونس واستدعى للسكنى بها من قبل ملك أفريقية رحمه الله، فوصل مرفع القدر جليل الخطر، وكان له رواء وسمت حسن، وكان له علم بالفقه وأصول
(1/109)

الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين، وكان في الفقه على طريقة القرويين، ولا يرى بالطريقة المتأخرة في الأصلين طريقة فخر الدين ومن تبعه، وكان ينكر علم المنطق، وكان يجلس للإقراء فتقرأ عليه الفنون الثلاثة الفقه وأصوله وأصول الدين.
وله "عقيدة" في علم الكلام، وكان الطلبة يحفظونها ويقرؤونها عليه. وكان مقدما للفتيا بحاضرة افريقية، وما زالت فتاويه تصل إلى بجاية، وأما العدالة فهي صفته والموضوعة رقى عنها لأنه واضعها.
وكان ذا ديانة، وفضيلة وصيانة، وما زال قدره رفيعا، وجنابه مكرما منيعا. ولي قضاء حاضره افريقية وهو من يتجمل القضاء به لأهليته الدينية والعلمية.
ومن ديانته رحمه الله، إنه كان إذا عرض عليه الرقيق للشراء، وحصل بمنزله وحضر وقت الصلاة، يأمر أهل منزله بتعليمه الفاتحة وسورة، ويأمره بالصلاة، فان تم الشراء بينه وبين البائع، استمر الرقيق على حاله وإلا فيعود وقد حصل ما يحصل له الفريضة. أخبرني بهذا من عرض عليه رقيقه للشراء ولم يتم البيع بينهما، فعاد الرقيق لربه وأخبره بهذه الصورة. وهذا من العقل المرضي وديانته وصيانته وروعه معلوم لا يشك فيه. توفي بحاضرة أفريقية في عشر الثمانين وستمائة.
(1/110)

22 - أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن عتيق الغساني
... بعد 680هـ
... 1281م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ الفقيه، القاضي الفاضل، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف ابن عتيق الغساني، من أهل الجزائر لقي المشيخة التي لقيها الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع، وكانت قراءتهما معا، ولقي الفقيه أبا علي ابن عبد النور الجزائري بالجزائر، ولقي بها أبا عبد الله ابن منداس وكان له فقه وأدب وعلم بالفرائض وإحكام لصناعة الوثائق، كان فيها تلو الفقيه أبي محمد عبد الحق السابق، وهو المصلي، ولم يكن أحد بعدهما يلحق بهما في وقتهما.
وكانت له نزاهة ووجاهة ونباهة وديانة وصيانة، وله شعر رائق، وكتب أدبي فائق، وكان ينشئ البياعات والخطب والكتب السلطاني إنشاء وجوابا، تخطط بالعدالة وهي صفته، وتخطط بالقضاء ببجاية وطالت هدته فيه، وكان حاله فيه حال نزاهة وطهارة وعفاف، وقيام بحق الله على الواجب، وكان كثيرا ما يشاور أهل العلم والفضل، ويقف عند قولهم ويعمل على رأيهم وكان له رواء وسمت حسن، وكانت له فصاحة لسان، وتمام بيان، وكان معظما عند أهل بلده وعند ولاة الأمر، وبحضوره كان انعقاد المجلس، وكان مجلسه القاضوي معتدلا لا هو بالموسع ولا هو بالمضيق، ولقد جرت في مدته
(1/111)

خصومة لبعض الفقهاء، وكان يتحفظ فيها كثيرا فتارة قائم وتارة قاعد، فكان يقول إنما مثله كما قال الشاعر:-
لا تظن ابن أقلش … ضل في الحكم يرتشي
إنما الشيخ هلهل … فهو يصحو وينتشي
فترى الحكم غدوة … وترى النقض بالعشي
وكان كثير ما يجري على لسانه رحمه الله هذا البيت:
فياليت شعري أين أو كيف أو متى … يقدر ما لا بد أن سيكون
وكان يحب الجري على طريقة سحنون ويؤثره، ولا جرم أن سحنونا هو قاضي قضاة المغرب، وما كان العمل بالمغرب إلا على قوله، كما كان العمل بالديار المصرية إلا على قول ابن المواز.
صحبناه واستفدنا منه واهتدينا بهديه وتعرفنا بركة رأيه، رحمه الله وغفر له، توفي في عشر الثمانين وستمائة ومن شعره:
لكل نبي دعوة مستجابة … وسيدهم طرا خباها لأمته
إلى يوم لا يغنى عن المرء منطق … فصيح ولا يدلي البليغ بحجته
ويوم يفر المرء من ولد له … حبيب ولا يجزى أب بأبوته
ترى الناس فيه بين باك وصارخ … وذاكر ما قد فات من فرط زلته
فكل به حيران يندب شجوه … وسكران لا من خمرة بل بغمرته
(1/112)

وكل نبي يسأل الله نفسه … ويضرب صفحا عن سؤال لامته
خلا شافع فينا كريم مشفع … به يشمل الله العباد برحمته
إذا لم يطق شخص فعالا مخلصا … ولم يلف ما ينجيه من غمر حسرته
يعمهم المختار أحمد بالذي … خبا لهم للحشر من فضل دعوته
فمن ذا له فضل كفضل محمد … على امة أو من له مثل نعمته
فيا ربه بلغ عبيدك قبره … ليحظى بتقبيل لطاهر تربته
ويأنس في الدنيا به في جواره … ويدخل يوم العرض في أهل طيبته
وجازه عنا بالذي أنت أهله … أعز الورى أنت الكفيل بمنته
وصل عليه كلما لاح كوكب … وأجلى عمود الصبح ظلما لليلته
(1/113)

23 - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجي الشاطي
... 691هـ
... 1292م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه القاضي العدل، الصدر المحصل المتقن المجيد، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى بن حزب الله بن محمد بن خلف الله بن عبد الرحمن بن يعقوب الخزرجي، الأنصاري ثم الشاطبي، وجده يعقوب هو الداخل هكذا اخبرني رحمه الله، لقيته ببجاية في مدة اجتيازه عليها إلى المشرق، ولقيته بعد ذلك في مدة قضائه بها.
له علم محكم، وعقد صحيح مبرم، رحل وحج، وكانت رحلته بعد تحصيله فزاد فضلا إلى فضله، ونبلا كثيرا إلى نبله.
كان له علم بالعربية وأصول الفقه، وله مشاركة في أصول الدين وفي قوانين الطب.
له شرح على الجزولية سمعت عنه ولم أره، والذي يقع في النفس إنه جيد وكثيرا ما كانت المذاكرة تقع معه فيما يعد إنه من مشكلات القانون، فيجيد في الجواب عليه، وكان بحثه في أصول الفقه جيدا، وكان متأنيا في
(1/115)

فقهه لا يستحضر من النقل الكثير ولكنه يستحضر ما يحتاج إليه.
وكانت له ديانة متينة، وكان سري الهمة رفيع القدر، تخطط بخطة القضاء في غير ما بلد، وكان أبوه قاضيا وبيتهم بيت علم وقضاء وتوارث سؤدد، ثم قضى ببجاية فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء والعقلاء، قائما بالحقوق، وقافا مع الصدق، معارضا للولاة فيما يخالف طريق الشرع ومبائنا لهم.
ثم أنصرف عن بجاية فولى قضاء حاضرة أفريقية، فكان له فيها الظهور في أحكامه، والمضاء في قضائه ما اشتهرت آثاره، وتواترت أخباره. ولما توفى رحمه الله، عجز القضاة بعده هنالك على سلوك منحاه، واقتفاء سننه الذي اقتفاه، وكان رحمه الله، كثير التشديد في أمر الشهادة والشهود، يرى التنصل عنها عملا وتقديما، ولقد أخبرني رحمه الله، إنه ما شهد قط إلا شهادة واحدة دعته الضرورة إليها، وكان لا يرى أن يقدم الشهود إلا عند الحاجة، وأما إذا كان من تقع به الكفاية فلا يقدم، ويرى أن الكثرة مفسدة، وقلما كان يقدم رحمه الله. ولقد ذكر لي إنه عرض عليه في مدة ولايته بحاضرة أفريقية، أن يقدم رجلا من أهلها، ووقعت العناية به حتى بلغ الأمر إلى عناية الملك به، إلى أن شابه فيه فتمنع من ذلك وقال له: إذا شئتم أن تقدموه اخبروني وقدموا من تقدمونه، فقبلوا قوله فأقروه ولم يقدم الرجل، وكان إذا جرى الأمر في تحرير معنى الشهادة ويجري فيه ما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره، من أنها قول قبول الغير على الغير دليل، يرى أن هذا من الأمر العظيم الذي لا يليق أن يمكن منه إلا الآحاد، الذي تبين فضلهم في الوجود، وكان يرى أن جنايات الشاهد إنما هي في صحيفة من يقدمه من باب قوله، عليه السلام، من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة، وهذا كله باب احتياط وديانة، والشهادة أولى ما وقع التحوط عليه والنظر في أمره، ومنصب الشهادة من الأمر العظيم والخطب الجسيم.
(1/116)

وقد سئل الجنيد رحمه الله ورضي عنه، من أولياء الله؟ فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة، والشهادة إذا كانت صفة فلا شيء أجل منها، وإذا كانت خطة لا صفة، فلا شيء أنجس منها.
توجه من قبل ملك أفريقية رسولا إلى صاحب الديار المصرية، فحمد مسعاه وشكر منحاه. وأخبرني رحمه الله، إنه لما كانت وقعة بني مرين بطنجة، عرض عليه أهلها أن يقدم وان يبايعوه، وكان قادرا على ذلك ومتمكنا بمعرفته ودهائه، فتمنع من ذلك وقال: "والله لا أفسد ديني ودنياي" وهذا من دينه وفضله وعقله ونبله، جازاه الله خيرا. توفي بتونس في الثامن عشر لصفر عام أحد وتسعين وستمائة.
(1/117)

24 - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن ابن الغماز الأنصاري
609 - 693هـ
1212 - 1294م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الفاضل الجليل، القاضي الكبير الشهير، العدل الرصن، أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن، ابن الغماز الأنصاري من أهل بلنسية، ورحل إلى بجاية واستوطنها، ولقي المشائخ بها كأبي بكر ابن محرز وأبي المطرف ابن عميرة وأبي الحسن ابن أبي نصر وغيرهم وتخطط بها بالعدالة وهو بها حقيق، وجلس للوثيقة وكان ممن يشار إليه بالنباهة والرياسة والسياسة.
ثم ارتحل إلى حاضرة أفريقية واستوطنها، وثبتت له بها خطة العدالة والشهادة، واستمر على التصدي للوثيقة فظهر وأشهر ونبل قدره وكبر.
ثم ولي قضاء بجاية وولي إقامة صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، فظهر من
(1/119)

نبله في القضاء ومعرفته بوجوه الرد والإمضاء، ما عجز عنه من تقدمه من القضاة، وكان مقدما في فصل الأحكام وعارفا بمواقعها على التمام، وكانت له صلابة وسياسة ووقوف مع الحق، وكان في مدة ولايته ببجاية بعض ظلمة العمال، وكان يوافقه الموافقة التي تحمد، ويسلك من سبيل السياسة ما يعينه على حصول المقصد؛ ولما انفصل جيش بجاية مع جيش افريقية لحصار مليانة وبقيت البلاد شاغرة، عاث المفسدون في الخارج وأفسدوه وامتدت الأيدي ووقع هرج عظيم، فقام بأمر الناس، ووقف خير موقف، وحفر الحفير على البلاد وشيد ما احتاج إلى التشييد من الأسوار، وظهر من عقله وفضله ونبله وجده واجتهاد ما حمد به أمره وجل به قدره، وبعد انقضاء هذا العارض ورجوع الجيش إلى الوطن، استدعى لحاضرة أفريقية وقدم للقضاء بها، فظهر من أمره بها أضعاف ما ظهر ببجاية، وفصل من الأحكام ما كان متلبسا في المدة الطويلة قبله، وظهر قاضيا عمليا محكما، وسما عند المستنصر بالله وجاوز الحد والقياس، ولم يزل يخلع ولاية القضاء بحاضرة افريقية ويلبسها خلعا أحسن من لبس، ولبسا أحسن من خلع، لأنه كان لا يخلعها إلا لمثلها وما هو أسنى منها، ولم يكن الخلع لشيء أصلا.
توجه إلى المغرب لبعض ملوكه عن المستنصر بالله، فكان يوصف من رياسته وعلو همته ما دل على فضيلته وانتخاب طينته، وكان محبوبا عند الناس لقربه منهم.
تخلى في آخر عمره، رحمه الله، وجلس للرواية والتصحيح إلى أن مات رحمه الله. ولقد أخبرني بعض الطلبة، إنه كان يروي عنه وبقي عليه قدر يسير من الكتاب الذي كان يرويه، فحضه رحمه الله على تكميله وقال له: انك قد لا تجدني بعد هذه الأيام، قال: ولم يقعد بعدها إلا قدر ثمانية أيام وتوفي رحمه الله.
رأيته ببجاية ولقيته بها ورأيته أيضا بتونس رؤية جيدة، واستفدت من أخلاقه ومن الاطلاع على أحكامه بحضوري مجلسه، ما انتفعت به كثيرا، ولد
(1/120)

بتاريخ يوم عاشوراء عام تسعة وستمائة، وهو يوم العقاب وكان يوم الاثنين الرابع عشر لصفر من عام تسعة وستمائة المذكور من ناحية جيان، وتوفي بتونس في يوم عاشوراء من عام ثلاثة وتسعين وستمائة.
ومن نظمه بالزهد رحمه الله.
هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة … وأنت على سوء الفعل عاكف
وإياك أن تمضي من الدهر ساعة … ولا لحظة إلا وقلبك واجف
وبادر بأعمال تسرك أن ترى … إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
ولا تيأسن من رحمة الله إنه … لرب العباد بالعباد لطائف
وله رحمه الله:
أما أن للنفس أن تخشعا … أما أن للقلب أن يقلعا
أليس الثمانون قد أقبلت … فلم تبق في لذة مطمعا
تقضى الزمان ولا مطمع … لما قد مضى منه أن يرجعا
تقضى الزمان فواحسرتي … لما فات منه وما ضيعا
ويا ويلتاه لذي شيبة … يطبع هوى النفس مهما دعا
وبعدا وسحقا له إذ غدا … يسمع وعظا ولن يسمعا
(1/121)

25 - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ المتصوف، الصالح العابد الزاهد، الولي المتخلي، أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم السجلماسي. لقي مشيخة فاضلة بالمغرب والمشرق، وأجل من يعتمد عليه الشيخ أبو محمد صالح رضي الله عنه، لقيته، قال بالمغرب ولزمته وأقمت في خدمته مدة، واخبرني إنه بقي أربعة أعوام على صورة المحرم بوزرة في وسطه وشملة على كتفيه، في خدمة الشيخ أبي محمد رضي الله عنه إلى أن ظهرت له الأسرار وتجلت له الأنوار.
وكان قويا في علم التوحيد، وكان يرى أن التوصل إلى الحقائق إنما هو بالتوحيد، والترقي إلى أعلى المراقي إنما هو في التوحيد، ولا جرم أن هذا هو الأمر السديد، لأن أول الأمر إنما هو التوحيد، وآخره إنما هو التوحيد، ومصداق ذلك قوله عليه السلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللهوقوله عليه السلام: أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللهومنتهى الأمر قوله عليه السلام: من مات وهو يعلم لا إله إلا الله دخل الجنةفالتوحيد عصمة في الدنيا وعصمة في الآخرة، وهو مطلوب ابتداء وانتهاء وما بينهما.
وكان رحمه الله، إذا وقع الاجتماع به، يشير بالسبابة والوسطى مفتوحتين ويقول: الدخول من ها هنا، يشير إلى أنها "لام ألف" وإنه يشير بها إلى "لا إله إلا الله" وكان يحض على أن يكون هجيرا للإنسان "لا إله إلا الله" وهذه
(1/123)

إشارة إلى جلال أبي بكر رضي الله عنه، وكان أيضا يشير أحيانا بأن يكون الهجيرلا إله إلا الله الحق المبين. وكان يرى أن اسم الله الأعظم هو في قوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وكثيرا ما يذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا إله إلا الله حصني من دخله أمن من عذابي) قلت وهذه المعاني كلها إنما هي التوحيد. وكان زاهدا لا يملك من الدنيا شيئا ولا يلتفت إلى الملك والملك ولا غير ذلك.
وصحبته كثيرا وأخذت عنه واستفدت منه، وهو أحد من أخذت طريق التصوف عنه، عن الشيخ أبي محمد صالح، عن الشيخ أبي مدين، عن الشيخ أبي يعزى، عن مشائخهم رضي الله عنهم، وسند ذلك عندي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. توفي بقلعة بني حماد، وقبره مزور متبرك به، رحمه الله ورضي عنه.
(1/124)

26 - أبو الحسن علي بن محمد الزواوي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم شيخنا الشيخ العابد الزاهد، المتقي الولي لله تعالى، أبو الحسن علي بن محمد الزواوي اليتورغي من جملة الأعلام المتقين، ومن الأكابر الذين يجب اعتقادهم في الدين، له عبادة وديانة، وصلاح وانقطاع، وزهد وولاية. وكانت له كرامات ظاهرة متواترة، وكان على سنن السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ليس عنده من التحريف ولا من التبديل ولا من خزعبلات المتلبسين شيء.
ولقيته رخمه الله ببلد بني يتورغ بموضع سكناه منها وأنا على أول السن، ففرح بي وسر بي واستدناني لنفسه، وأخذ يقرأ ويقول ويمسح على رأسي ويجبذ بأذني إلى أن استوفى ما أراد أن يقرأه، وما شاء الله من ذلك، وأنا يومئذ في المكتب، وكان ذلك منه غير سؤال سأله وإنما فعله من تلقاء نفسه، فوجدت بركة ذلك وتعرفت يمنه وهو أحد أشياخي المباركين رحمهم الله.
وأخبرني بعض من وثقت به، إنه لما حضرته الوفاة حضر ولده وبكوا عليه لفراقه واستوحشوا، فقال: "لا عليكم، مهما أصابكم أمر أو عارض فأتوا إلى قبري واذكروا شكواكم واسألوا الله يفرج عنكم" وما زال أولاده بعده مهما
(1/125)

عرض لهم عارض يفعلون ذلك فيجدون نفعه.
وأخبرني بعض من وثقت به، أن رجلا ممن عرضت له ضرورة قوت أتاه يسأله أن ينظر له نظرا يستعين به، وكانت للرجل عائلة، قال: فدخل إلى منزله فأخرج لي أربعة أمداد قمحا وقال لي: " لا تتناول منها إلا وأنت على طهارة، ولا تناول منها امرأة ". فحملتها ولزمت ما قال لي، وكان ذلك في آخر الشتاء أوائل الربيع، فكفاني ذلك وعائلتي حتى وصلنا إلى الآكل من حراثتنا بعد دخول زمان الصيف. وهذه من كراماته رحمه الله ورضي عنه ونفعنا به آمين.
فهذه المشيخة التي لقيتها وتخيرتها للمشيخة علي وانتقيتها، نفع الله بها وعرف العارفة الحسنى بسببها.
...
وهذا أوان ذكر من بقي من العلماء الذين اشترطت في هذا الكتاب ذكرهم، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.
(1/126)

27 - أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي
... - 611هـ
... - 1214م
ـــــــــــــــــــــــــــ
فمنهم الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الولي الزاهد على التحقيق، المتوجه إلى الله بكل وجهة طريق، أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي وهو عندما يكتب اسمه يكتب الحسني "منسوب إلى بني حسن" من أقطار بجاية، والناس ينسبون فيه الحسناوي. ولد في "بني عيسى" من قبائل "زواوة" وقرأ رضي الله عنه أول أمره "بقلعة بني حماد" على الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن الخراط وغيره ثم ارتحل إلى المشرق، ولقي الفضلاء والأخيار والمشائخ من الفقهاء والمتصوفة وأهل طريق الحق.
وكان، رحمه الله، منذ ظهر بانيا على ترك الدنيا والانقطاع إلى الدار الآخرة. استوطن بجاية رحمه الله بعد رجوعه من المشرق، وجلس بها لنشر العلم وبثه والدعاء إلى الله تعالى، فانتفع الخلق على يديه وظهرت عليهم بركته وفعلت فيهم سريرته الصالحة ونيته، ولم يكن أحد أجلد منه على القيام والصيام، وما كان عيشه، رضي الله عنه، إلا من المباح كالبقول المطروحة وما جرى مجراها وإذا اشتهى اللحم ينزل إلى البحر فيصيد السماك على الأحجار، وهي لحمه رضي الله عنه، وما من ناحية من النواحي إلا وله فيها مسجد معلم، وكلها معروف البركة. وكراماته رضي الله عنه أكثر من أن تحصى، ولو كتبت
(1/127)

لكانت مجلدات وأحواله كلها كرامات.
وكان يجلس لعلوم الحديث ولعلوم الفقه ولعلوم التذكير، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخوف، ما يمر بمجلسه إلا ذكر النار والأغلال والسعير، وتكاد تفيض قلوب الحاضرين في مجلسه، هذا هو حاله دائما. وهذه الطريق، هي أحسن الطريق في الدعاء إلى الله تعالى، إذ جبل الله الخلق على أنهم لا ينفعلون غالبا إلا بالخوف، ولأجل هذا كان أكثر الشريعة تخويفا.
وما زال رضي الله عنه مستمرا على هذا الحال إلى يوم وفاته، يبسط أمل الناس ورجاءهم في رحمة الله وفي سعة مغفرته، ومناهم بما عنده من كثرة الثواب، وإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه، وهذا طريق حسن، لأنه لم يبق عند لقاء الله إلا الطمع في رحمته والرغبة فيما عنده، لأن الخوف فائدته إنما هي الحض على العمل، وحين الموت انقطع العمل، ولم يبق إلا قوة الأمل لتلقى الله طيبة نفسه، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، حسبما اقتضاه الحديث.
ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته، بخط الشيخ المقرئ، أبي العباس ابن الخراط وأنا أذكره بنصه، قال رحمه الله: أن وفاته كانت بعد صلاة العصر من يوم الجمعة، الرابع عشر من شهر رمضان المعظم من عام أحد عشر وستمائة، وتوفى في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض، وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم، وعلم من نحواها ما لم نعلم، إذ وثب قائما طيلسانه وطرح رداءه، وحسر رأسه وبسط يديه ومد ذراعيه، فأمسك عن القراءة، فتعوذ بصوت رفيع وبسمل، فافتتح بقول الله تعالى {قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ولم يزل يرددها ويكررها بتحذير وترنين، ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع، وأخذ يبين
(1/128)

لهم ما أعد الله من سعة الرحمة وأضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ثم قال: يا إخواني سألتكم بالله إلا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي، ولا تنسوني فإني جار لكم، ولست أنساكم، وأكثر من هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر إنه راحل من الدنيا، وان ذلك وداع منه للناس، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهودة منه، ولما حانت صلاة الجمعة وأخذ الناس في الرواح وجلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذن، خرج على الناس من زاويته، وجلس منصتا لاستماع الخطبة، فلما قضيت الصلاة، نصبوا له كرسيه واستوى عليه، وازدحم الناس ينظرون إليه، فأخذت في قراءة كتاب المسند الصحيح، من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصنيف الإمام الحافظ، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه، وهو ينظر إلي، فاعتراه شبه غشي أماله على جانبه الأيمن، فبادرت إليه مع بعض من قرب خشية السقوط، فحملناه وأدخلناه زاويته وأطبقنا الباب دونه، فبادر إليه من كان يخدمه من أهله وجلسنا ننتظر عاقبة أمره، إلى أن أذن مؤذن العصر وأخذ الناس في التنفل، ثم أقيمت الصلاة، فسمعنا في الزاوية حركة اغتسال نفهم منها تجديد طهارة، ثم سكنت تلك الحركة، وقد أدرك فضل صلاة الجماعة، ثم استلقى مستقبلا فقبض طاهرا صائما صامتا معتكفا في الجامع الأعظم، صحيحا سويا، دون مرض ولا ألم، قدس الله روحه، وبرد ضريحه، ونفع به وبصالح دعائه.
وفشا الخبر في الناس، فتسابقوا إليه، وحشروا من كل ناحية عليه، وارتفع صراخهم واشتبكت أصواتهم، ونما ذلك إلى من كان له الأمر ببجاية حينئذ، فوجهوا نقيبا لصيانة جثته الطاهرة الزكية من ابتذال من يلي بها
(1/129)

ويقتحم للتبرك بما بين ثوبها. فلما جن الليل أمروا بحمله إلى روضته، وكلفوا أمناء بجهازه، ثم بادروا بأنفسهم وشهدوا الصلاة عليه على شفير قبره، ضحى يوم السبت، الخامس عشر المتقدم الذكر، ووقفوا حتى واروه عن الناس، وعزى الناس عن مصابهم بعضهم بعضا، رحمة الله عليه. انتهى كلامه رحمه الله.
ومن أشياخه، الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، روى عنه الموطأ، والقاضي أبو سعيد مخلوف ابن جاره روى عنه "المصابيح" وكتبا عدة إجازة وسماعا، والإمام أبو طالب أحمد بن رجا اللخمي، قرأ عليه وأخذ عنه الأصلين حفظا واتقانا، والحافظ أبو طاهر السلفي صحبيه
(1/130)

وأخذ عنه إعجاز القرآن للخطابي، ومن شعر أبي طاهر:
ما لي لدى ربي جزيل وسيلة … إلا اتباع نبيه ويقيني
والدين حصن للفتى وعقيدتي … أن القليل من اليقين يقيني
ومن شيوخه، رضي الله عنه أيضا، الإمام أبو عبد الله ابن بكرة الكركني قرأ عليه المذهب رواية ودراية، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي الضرير، والفقيهان الأخوان أبو عبد الله وأبو العباس الحضرميان عنهما الشهاب [أي شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والأدب من الأحاديث النبوية]
(1/131)

للقاضي والفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن سلامة، والزاهد أبو عبد الله المغاور، والشيخ أبو عبد الله السلاوي، وغير هؤلاء، رضي الله عنهم ونفعنا بالجميع آمين.
(1/132)

28 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعافري القلعي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه النحوي، الأستاذ المقرئ، الصالح المبارك، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد المعافري القلعي المعروف بابن الخراط، أحد الثقاة الاثبات، الصلحاء الرواة. قرأ بقلعة "بني حماد" ولقي بها مشائخ، منهم الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن عثمان التميمي، والأستاذ أبو الحسن علي بن شكر بن عمر القلعي، وأخذ عن الخطيب المقرئ النحوي، أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن محمد، المعروف بابن عفراء، والفقيه الفاضل الزاهد، أبي عبد الله محمد بن عبد المعطى، المعروف بابن الرماح، وغير هؤلاء.
وانتقل إلى بجاية واستوطنها وأقرأ بها، وجلس للأستاذية وانتفع الناس به، وكان معروفا بالصلاح، وكان مرفعا مكرما.
وكان حسن التلاوة صادق القراءة، كان إذا أحيا ليلة سبع وعشرين، يرغب الناس في القيام خلفه، لصدق قراءته والتبرك به، وسمعت أن أبا عبد الله
(1/133)

ابن يؤمن، والي بجاية في ذلك الزمان، كان يحضر الإحياء بالجامع ليلة سبع وعشرين، فما دام الأستاذ أبو عبد الله يقرأ، [فهو] يصلي ولا يركن إلى الجلوس، فإذا قرأ غيره ممن يعينه يجلس، وذلك بجامع القصبة المحروسة شرفه الله بذكره، خطب بالجامعين، الجامع الأعظم ثم غلب على الخطبة بجامع القصبة، لما علم من فضله وعلم من جلاله وصالح عمله.
(1/134)

29 - أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الموفق الموهوب من عطايا الله السنية، ما صار به اسمه المبارك جامعا بين اعتبار الإضافة والعلمية، وهو أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني جمع بين العلم والعمل، وبلغ في مراقي التقوى غاية الأمل.
سمعت ممن أثق به، أن وليين من أولياء الله تعالى، وردا على منزله ضيفين وهو حديث السن، وكان بعيد الحفظ، فتوسما فيه سمة العلم والتقوى، وقوى في باطنهما إنه ممن يستحق مناصب أولي العلم والنهى، فاتفقا على الوجهة إلى الله تعالى في أمره، والضراعة إليه أن يفيض عليه من خيره، فأخذاه وأجلساه بين أيديهما، وجعلا يجذبان شعر رأسه وأذنيه ويقرءان عليه، ولا يظهر لهما في أمره جلاء وهما يقولان "لن تغلبا عليه لن تغلبا عليه" فلم يزالا كذلك إلى أن ظهر لهما أنجح حاله، وعقب مآله، فأرسلاه من أيديهما فظهرت عليه ظواهر الأنوار، وتبدت له غرائب وأسرار، وكان في نهاية الحفظ والإتقان لا يطالع شيئا إلا حفظه من ساعته. ولقد سمعت من بعض الشيوخ، رحمهم الله، إنه سمع بكتاب غريب عند بعض الطلبة، وإنه وجه إليه في نسخة فتعلل عليه، فطلبه أن يعيره له ليلة واحدة، فأسعفه لذلك فطالعه من أوله إلى آخره، فحفظه من ليلته فأعاد الكتاب إليه ثم أملاه من صدره.
(1/135)

وذكر لي أن اسمه الذي سمي به لم يكن "عطية الله" وإنما سمي بعطية الله بعد ظهور هذا الأمر عليه، فكان يقال عطية الله يكنى عن هذه المواهب التي وهبه الله. ثم غلب عليه هذا الاسم حتى أتسمه، وصار لا يعرف بسواه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ورزقنا الله بركة أوليائه وجعلنا من خواص الأصفياء بفضله.
(1/136)

30 - علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله
606 - 652هـ
1209 - 1254م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد الورع المبارك، أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله، من أهل بجاية، ولد بها سنة ست وخمسمائة وتوفي بها ليلة التاسع والعشرين لجمادى الأخيرة، من عام اثنين وخمسين وستمائة.
كان له فضل وعلم ونسك وصلاح وديانة ووجاهة ونباهة، رحل إلى الأندلس وبعدها إلى المشرق، واستقر قراره ببجاية، وكان بها يروي ويسمع ويتفقه عليه، وله علو سند في الحديث. وانقطع في آخر عمره عن الناس وما زال رحمه الله منقطعا، وكان ملك الوقت يزوره في منزله ويغتنم مسرته، ويتلقى باليد والقبول حاجته.
وكان ممن ظهرت له الكرامات وعرف بالأحوال السابقات. أخبرني غير واحد عن الفقيه أبي يوسف الزواوي رحمه الله إنه قال "مشيت إلى الفقيه أبي
(1/137)

الحسن رحمه الله رسولا عن الفقيه أبي العباس ابن عجلان أسأله في مسألة القائل "الحلال علي حرام" فلما وصلت إلى المنزل قبل أن أضرب الباب قال الفقيه لمن حضره في المجلس افتحوا لأخيكم فلان، فإنه جاء يسأل في مسألة الحلال علي حرام، قال ففتح الباب، فدخلت فسلمت على الشيخ، فقال لي: أمرك الفقيه أبو العباس أن تسألني عن مسألة الحلال علي حرام، سلم عليه وقل له أنت أولى بهذا مني، فإنك أنت اليوم مشتغل وأنا تارك".
وهذه كرامات لا واحدة، وانظر إلى فضله رضي الله عنه، حيث أبي أن يفتي فيها وتورع عن ذلك الأمر إلى غيره، ولم يظهر إلا أن ذلك لاشتغال غيره وقصوره هو وذلك من فضله.
ومن كراماته رحمه الله إنه كان له بنات كن مستترات، فسأل الله تعالى أن لا يطلع عليهن أحد، فمتن في حياته.
وسمعت عنه، رضي الله عنه، إنه حج ثمان عشرة حجة، بعضها في آخر المائة السادسة، وبعضها في هذه المائة، نفعه الله بذلك.
وقبره بمقربة من قبر الفقيه أبي زكرياء الزواوي رحمهما الله، وله رابطة بخارج باب أمسيون وهي اليوم دائرة.
وشيوخه منهم أبو محمد ابن يونس بن يحيى الهاشمي سمع منه بمكة شرفها الله تعالى، وسمع ببيت المقدس من أبي الحسين ابن جبير وسمع بدمشق من أبي
(1/138)

القاسم عبد الصمد محمد المارستاني ومن أبي محمد عبد الواحد بن إسماعيل بن طاهر الدمياطي، وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الحسن بن عبد السلام، ويتصل سندنا بالفقيه أبي الحسن بن أبي نصر المذكور، من قبل الفقيهين أبي محمد بن ربيع، وابن كحيلة وغيرها.
وسنده في البخاري عن الشريف أبي محمد ابن يونس بن يحيى بن أبي الحسن ابن أبي البركات، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن داود الداودي عن عبد الله بن أحمد ابن حمويه عن محمد بن يوسف عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل
(1/139)

البخاري المذكور، وهذا السند عال وقد روى عنه الأندلسيون ببجاية، لقصور سندهم عن هذا السند.
روى عنه أبو بكر ابن محرز، فإن سند أبي بكر في البخاري، سند قاصر عن هذا السند، وهذا السند أعلى منه، وهو من أعلى الأسانيد ومن أحسن ما تلقى، وذكر الشيخ الصالح أبو عبد الله ابن القائد القصار رحمه الله، قال حضرت مع السيدين الصالحين، العالمين العاملين، أبي زكريا الزواوي، وأبي الحسن بن أبي نصر فتح بن عبد الله، نفع الله بهما ورضي عنهما، في عام خمسة وستمائة مجلسا، سأل فيه الشيخ أبو زكرياء الشيخ أبا الحسن عن رحلته إلى المشرق، وما رأى من الغرائب وما شاهد من العجائب، فقال له: حضرت بعض دروس العلم في عام اثنين وستمائة مع حفيد من حفدة سلالة الشيخ الطاهر المبارك عمار المعمر بما سبق له من بركة دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، ورغبت منه يرينيه لأتبرك به ففعل، ودخلت معه إليه، رضي الله عنه، فوجدته في مهد ملفوفا بقطن وعيناه تتقدان كأنهما اليواقيت، ولحيته كحلاء وقد تجددت بعد سقوطها، فسلمت عليه فرد علي فقال له حفيده: يا جداه هذا طالب من المغرب يقرأ معي، ورغب مني أن يراك ويتبرك بك وتدعو له، قال: فدعا لي رضي الله عنه بصوت خفي مفهوم سمعته، وقلت له يا سيدي، أنت رأيت سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم، فعساك تحدثني أرويه عنك وأرويه، فقال نعم، كان سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم يوصينا أن نكثر من القرآن بسور قلائل من
(1/140)

الكتاب العزيز، ويقول هي أمان من الفقر؟ قلت: هذه رتبة عظيمة حصلت لهذا العالم فإنه يعد بها من التابعين، وهذه القضية معلومة النقل عن الشيخ رحمه الله، وذكر أن سكنى هذا المعمر، بلدة "قطنة" وهي آخر بلاد الترك من
(1/141)

جهة اليمين عن يمين السد، سد اسكندر المحجوب، به ياجوج وماجوج. وهذا سد يعلي المتأخرين ويلحقهم بأكابر المتقدمين نفعنا الله بهم.
(1/142)

31 - أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي
... 638هـ
... 1241م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المطلق، الزاهد الورع، بقية السلف وقدوة الخلف، نسيج وحده، أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي. كان بدء أمره بمراكش، ثم تخلى عن الدنيا ورحل إلى المشرق، وكان ذلك بعد أن حصل من العلم ما سبق به أبناء وقته، ثم قذف قلبه من نور الله تعالى، ما اقتضى إخلاص العمل لآخرته.
ولقي بالمشرق جلة العلماء ونقاية الفضلاء من جملة من لقي بالمغرب أبو الحسن ابن خروف وأبو الحجاج ابن هوى وممن لقي بالمشرق الإمام أبو
(1/143)

عبد الله محمد القرطبي إمام الحرم الشريف.
قال رحمه الله، تعلمنا عليه الفاتحة في نحو من ستة أشهر، وكان يلقى في التفسير قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، إلى أن من الله ببركات ومواهب لا تحصى، مما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، وعلى أحكام تلك القوانين، وضع هو، رحمه الله تعالى، الكتاب المسمى "مفتاح الباب المقفل على فهم القرآن المنزل" وهو ممن جمع العلم والعمل. أما علمه، رحمه الله، فإنه قد جمع فنون العلم بجملتها واستولى على كليتها، أما علم الأصول، فأصول الدين وأصول الفقه هو اعلم الناس بها، وقد صنفت فيها، وأما معقولات الحكماء فهو أعلم الناس بالمنطق، وله فيه تصنيف سماه "بالمعقولات الأول" وأما علم الطبيعيات والإلهيات فكان أعلم الناس بها.
أخبرني شيخنا أبو محمد عبد الحق، رحمه الله، قال لي: كنا نقرأ عليه "النجاة" لأبي علي ابن سينا فكان ينقض عراه نقضا، وذلك بعد أن يوضح منه ما يليق، ويقرره بأحسن طريق، ثم ينقضه ويوهنه.
(1/144)

وأما علم التعاليم فكان أعلم الناس بها، وأما علم الفقه فكان اعلم الناس به منقوله ومعقوله، وقد توهم بعض من لا يعرفه، لما رأى من استغرق الشيخ رحمه الله، في فنون من العلم إنه قاصر فيه.
وأخبرني شيخنا، الفقيه أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، رحمه الله، قال: لما ظهر للشيخ رحمه الله من فقهاء وقته، أنهم اعتقدوا، إنه لا يعرف فقه مذهب مالك، رضي الله عنه، علم معرفتهم به، قال فكان إذا أقرأ "التهذيب" يبين في كثير من مواضعه، إنه مخالف لأصل المدونة ومغاير لها، ويأمر بالأصل فيقاس فيبين المخالفة بينها وبين ما وقع لمالك وأصحابه في الكتب التي وقع فيها النقل، حتى يقررهم في طريقهم.
وأما علم التفسير، فكان يورد الآي ويناسقها نسقا بديعا ويتكلم فيها بما لم يسبق إليه، وله "تفسير" على كتاب الله تعالى، سلك فيه سبيل التحرير، وتكلم عليه لفظة لفظة وحرفا حرفا.
وكان وقوع الكلام بينه وبين الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، إمام الديار المصرية في زمانه، على التفسير، وطلب أن يقف على شيء منه، ولما وقف عليه قال أين قول مجاهد أين قول قتادة أين قول ابن عباس وأكثر القول في
(1/145)

هذا المعنى، ثم قال يخرج من بلادنا، ولما بلغ كلامه الشيخ رضي الله عنه وأمره بما أمره به، قال هو يخرج ويقيم عبد الله، فكان كذلك.
ووقع بينه وبين صاحب الديار المصرية كلام، فقال له البلاد لك أو لنا؟ قال لك، فقال أخرج من بلادنا، فخرج من البلاد، وكان ذلك من إحدى كراماته رضي الله عنه.
والشيخ رحمه الله، سلك في تفسيره مسلك البيان والإيضاح، على نحو ما يقتضيه علم العربية وعلم تنقيح المعقول، وما يبقى وراء هذا، سوى علم الأسباب التي عند النزول، وعند الحاجة إليها لابد من ذكرها.
وعلم الحديث كان له فيه تقدم وعلو سند، وعلم العربية لغة وأدبا ونحوا كان متقدما فيه. له التآليف الحسنة، وله الشعر الفائق الرائق غزلا وتصوفا، وله في علم الفرائض ما لم يسبق إليه. وأما علم التصوف فهو فيه الإمام، وله التآليف الحسنة فيه البينة السهلة. وبالجملة فحيث تكلم في علم، يعتقد الناظر إنه لا يعرف غيره، وأكثر كلامه إنما هو إصلاح العلم وحال العلماء. ومن طالع كلامه وتأمله، يعرف ذلك، وما من علم إلا وله فيه تصنيف وتأليف، وهو من أحسن التصانيف وأجل التآليف، ولعمري أن كتابه في علم الفرائض المسمى بالوافي ما رأيت مثله في ذلك الفن، لأنه أعطى الفرائض موصلة مفصلة معللة باخصر بيان وأوضح تبيان، وكذلك كل ما طالعته من كلامه
(1/146)

في أصول الفقه، وأصول الدين، وعلم المنطق، وعلم العربية، وعلم التصوف، وعلم الفرائض، وغير ذلك من سائر ما تحدث فيه، رضي الله عنه، له فيه التقدم والتحكم.
وأما خلقه، رضي الله عنه، فكان أحسن الناس خلقا، ولقد سمعت عنه، رضي الله عنه، إنه قال: أقمت عازما في جهاد النفس مدة من سبعة أعوام حتى استوى عندي من يعطيني دينار أو يذرني.
ومن حسن خلقه، رضي الله عنه، إنه كان مبتلي بإطلاق الناس عليه وإسماعهم ما لا يليق في جهته، فجاءه رجل يوما وسكين نصلة في يده، فقال له جئت لقتلك، فلاطفه وقال له اجلس واسترض على نفسك، فجلس، فقال له على ماذا تقتلني؟ فقال له قيل لي عنك إنك كافر، فقال له: الناقل أن كان عندك كاذبا فما يحل لك قتلي، وإن كان صادقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فجدد الرجل إيمانا بين يدي الشيخ، وتاب على يديه وصار من تلاميذه.
وكان معظما لأهل البيت، محترما لهم معترفا بالاسترقاق لهم والعبودية، وإذا قدم عليه أحد من أهل البيت يقوم له من مجلسه ويتمثل بين يديه حتى ينفصل. ولقد دخل عليه يوما رجل غريب، ذكر له إنه شريف، فعظمه واحترمه، وكان عليه طاشور مليح يساوي جملة كبيرة من الدراهم، فنزعه ودفعه للرجل، ولما انفصل الرجل، قال له رجل ممن حضر، هذا رجل غريب وهو فلان من أهل مراكش، فقال له الشيخ عرفنا من عاملنا، يعنى إنه فعل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان الرجل صادقا فجيد وإلا فقد بلغت النية.
ـ[أحوال زهده وكراماته رضي الله عنه]ـ: أما زهده فإنه كان زهدا
(1/147)

حقيقيا بالظاهر والباطن، بالترك للدنيا كلها وعدم الميل إلى شيء منها، وكان ذلك عن طيب نفس ورضى بأن الدنيا لم تكن عنده شيئا، وكان كل ما يرد عليه منها ينفصل عنه من ساعته ولا يتمسك منه إلا بحاجة وقته، ولقد زهد، رضي الله عنه، حتى في الكتب، فإنه لم يكن عنده منها شيء، وكان لا يفتقر في مواعيده إلى مطالعة أو مراجعة شيء، لإحاطته وتحصيله، وجميع ما صنفه من الكتب ما كان يراجع فيه كتابا ولا يطالع فيه سوى مجرد فكره وتسديد نظره.
وسمعت انه، رحمه الله، أصبح يوما ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت له جارية هي أم ولده تسمى كريمة، وكانت سيئة الخلق، فاشتدت عليه في الطلب وإن الاصاغر لا شيء لهم، فقال لها الآن يأتي من قبل الوكيل ما ينتفعون به فبينما هم كذلك، وإذا الحمال يضرب الباب بشكارة قمح، فقال لها يا كريمة ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: وما يصنع بالقمح ومتى يصنع، فأمر به فتصدق به، وقال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيرا وبدا لها في صدقته وتكلمت بما لا يليق من القول، فبينما هم كذلك، وإذا بحمال بشكارة سميد، فقال لها هذا السميد أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك ولا رضيت، وتكلمت بمثل ما سبق من كلامها، فأمر أيضا بصدقته، ولما تصدق به زادت في المقال، فبينما هم كذلك وإذا برجل على رأسه كاملة فقال لها يا كريمة، قد كفيت المئونة، هذا الوكيل قد علم بحالك، فأغناك عن أعمالك.
وعلى مثل ذلك، كان حاله رضي الله عنه، وهذه المسألة جمعت الزهد والكرامة، وأنا أن شاء الله أذكر من كراماته ومكاشفاته، ما يدل على قدره وبهجة أمره رضي الله عنه.
(1/148)

حدثنا شيخنا الفقيه أبو عبد الله التجيبي الأديب قال: اجتمعنا في مدة قراءتنا عليه بجمع من الطلبة في نزهة، واجتمعنا على ما يجتمع عليه الشباب من أهل الطلب، وأسقطنا المحاشمة وجرينا على حال الطيب والمكارمة، وكان من جملة ما صنعناه أن أخذنا حليا من زينة النساء وحلينا به بعض أصحابنا، وأصبحنا للحضور بمجلس الشيخ رحمه الله على جري عادتنا، ولما جرت موجبات الاستدعاء للمحاورة ومقتضيات المذاكرة، أخذ صاحبنا الذي كان الحلي في يده يتحدث ويشير بيده، فقال له الشيخ رحمه الله: "يد يجعل فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد" فبهتنا وقلنا؛ كما اطلع الشيخ على هذا كذلك اطلع على غيره، فجددنا المتاب واجمعنا على ما يقتضى صلاح المئاب.
ومن كراماته رضي الله عنه، ما ذكره من أمره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم السلاوي، قال: كنت ببجاية، فأصاب الناس جفوف عظيم، وقلت المياه، وجف أمسيون ووصل الزق إلى أربعة دراهم، وكان الناس يملئون الماء من الوادي الكبير، قال فبعثني رحمه الله إلى بعض دور أصحابه وسقيت برمة ماء من ما جلها إلى داره رحمه الله، وأمرني رضي الله عنه، أن أسوق منها الماء للفقراء يشربون، قال: فامتنعت كريمة وانتهرتني، فسمع كلامها، فقال لي: قل لها يا كريمة، والله لا شربن من ماء المطر الساعة، وهو قائم بالمسجد، مسجد الإمام المهدي رضي الله عنه، قال: فرمق السماء بصره ودعا الله تعالى، ورفع يديه وشرع المؤذن في الآذان، فانعقدت السحب وتراكمت، ولم يختم المؤذن أذانه بقول "لا إله إلا الله" حتى كان المطر كأفواه القرب، وروى الناس وأغدقوا، فرأيته قال: ينصب يده المباركة للمطر ويشرب ويغسل وجهه، ويقول: مرحبا بقريب عهد من ربه.
ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثني شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق
(1/149)

بن ربيع رحمه الله، قال: لما قدم شيخنا الفقيه أبو الحسن بجاية أراد الجلوس بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، ولما حل به، منعه المؤذن من ذلك وقال له: هذا الموضع محترم، ولا يتكلم فيه إلا عن أمر، فقال له يأذن الفقيه في ذلك ويقع الكلام أن شاء الله. ثم سار إلى قبر الشيخ أبي زكرياء رحمه الله وصلى في مسجده ركعتين، وجلس عند قبره المبارك وتحدث، وقال من كان معه من أصحابه قد أذن رضي الله عنه، ولما كان بالغد أتى المسجد فوقف المؤذن فسلم عليه، وقال الشيخ وصلك الأذان؟ فقال له نعم يا سيدي الفقيه، رأيت سيدي الفقيه وقال لي يتكلم أخونا، فتكلم في مسجده عن إذنه رحمه الله.
ومن كراماته رضي الله عنه، ما سمعت عن غير واحد ممن أثق به، إنه كان يوما يسير إلى باب البحر وبعض من خواص أصحابه معه، وإذا بشخص يتمايل سكرا، فألقى يده في الشيخ وقال له: يا سيدي ادفع لي ما أتم به هذه السكرة، فانتهره الناس، فقال لهم لا عليكم دعوه، فتركوه، فأخذ سرواله ودفعه إليه لأنه لم يكن عنده غيره، فانفصل الرجل والسروال في يده، فنقد هذا بعض من رآه، وسلم بعض من هو من أهل الباطن، وسار الفقيه مع أصحابه إلى المسجد، فبعد ساعة وإذا بالرجل قد وصل تائبا منيبا، وهذا بظاهره معترض وبباطنه لأهله مسلم، وما هي إلا قضية حضرية.
ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثنيه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمه الله، قال: كانت امرأة من معارف الشيخ رحمه الله، وكان لها ولد يشرب الخمر ويجني على نفسه، فكانت تشكو للشيخ رحمه الله، فكان يقول لها قولي له يشرب بالكؤوس الكبار، لماذا يشرب بالكؤوس الصغار، فكانت تجد من ذلك في نفسها وتقول: أسأله ليدعو لي ليخفف أمره، فيأمره بالإكثار، قال فسألناه عن ذلك، فقال: قد جرى القدر بمقادير يشربها من الخمر، ولا بد من نفوذ ما جرى به القدر، فإذا شربها بالكؤوس الصغار طالت المدة وإذا
(1/150)

شربها بالكؤوس الكبار قصرت مدتها. قلت وحقيقة هذه المسألة أن الشيخ رحمه الله كشف له عن أمره وعن حقيقة خبره، قال: ولم يمض من المدة إلا مقدار يسير، ثم أن الشاب قد تاب وحسن حاله ببركة الشيخ رحمه الله.
ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثني به غير واحد من أشياخي عنه، إنه وصف كل واحد منهم بوصفه، ووسمه بوسمه، من خطة وتحصيل وغير ذلك، ممن انتهت إليه أحوالهم وسمت إليه آمالهم، فمن وصفه بالقضاء رقي إليه، ومن خصه بالتدريس والفتيا اظهر عليه، ومن خصه بالزهد واستجابة الدعوة عرف ذلك منه، هذا في أصحابه ببجاية وغيرها. وهذا من مكاشفته رضي الله عنه. أما الفقهاء، الفقيه أبو محمد ابن عبد العزيز بن كحيلة والفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع والفقيه أبو محمد عبد المنعم بن عتيق فقد أخبرهم عن أحوالهم وعن مآل أمرهم، وأخبر الفقيه أبا محمد عبد المنعم بن عتيق رحمه الله، بالمحنة التي عرضت له في آخر عمره، وما زال رحمه الله يتوقعها، وكثيرا ما كان ينشد رحمه الله هذا البيت، ويضرب على يده اليمنى باليسرى وهو:
فياليت شعري أين أو كيف أو متى … يقدر ما لا بد أن سيكون
حتى قدر وكان.
ومن هذا ما ذكره أبو عبد الله السلاوي قال: كنت جالسا معه ومعنا عبد الواحد الكاتب، وعبد الحق الفقير خديم الفقراء، فقال الشيخ: عهدي بعبد الواحد يتعلم السماع المشرقي ويسير إلى المغرب، ويصحب ملكه، وينال معه عزا وجاها في الدنيا، وأما هذا السلاوي فحيث
(1/151)

ما حل يكون إمام المسلمين ويعلم القرآن العظيم، وأما عبد الحق فإنه يدرس حتى يموت، قال: فكان الأمر كما قاله الشيخ. قلت عبد الواحد الكاتب هو المعروف بأبي دينار، وقد نال مع أمير المؤمنين المستنصر فوق ما ينال، وأزيد مما يقدر إنه تعالق به الآمال.
وها نحن نذكر بعض ما تخيره ذكرا، ونورد طرفا من تصوفه شعرا. كانت له رحمه الله ورضي عنه، أذكار وأوراد، فمن جملة أذكاره حزبه الذي كان يلازمه بعد صلاة الصبح، كان رضي الله عنه، يجلس في مصلاه بعد صلاة الصبح متربعا ويقول: استغفر الله العظيم، الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم، مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين، مائة مرة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله أكبر وسبحان الله، وبحمده ولا حول ولا قوة إلا بالله استغفر الله، الأول الآخر الظاهر الباطن، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ سبحان من في السموات عرشه، سبحان من في الأرض موضع أثره، سبحان من في البحر سبيله، سبحان من في الجنة رحمته، سبحان من في النار عقابه، سبحان من سبقت رحمته غضبه، سبحان من لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، عشر مرات؛ يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك، مائة مرة؛ يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، عشر مرات؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، إلى قوله وكذلك تخرجون.
[ومن قوله تعالى] {هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} إلى آخر السورة، ثلاث مرات؛ ثم الأسماء الحسنى التي تضمنها الحديث، {هو الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} إلى آخرها، وهو اسمه تعالى الصبور، ويختمها بقوله: {هو الله الذي لا إله إلا
(1/152)

هو} والحمد لله رب العالمين. ويذكر بعد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو مضمونه، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سأله عن سببه أو عن سنته، فقال المعرفة رأس ما في، العقل أصل ديني، الحب أساسي، الشوق مركبي، ذكر الله أنسي، الثقة كنزي، الحزن رفيقي، العلم سراجي، الصبر ردائي، الرضى غنيمتي، الفقر تجري، الزهد حرفتي، اليقين قوتي، الأرق شفعتي، الطاعة حسبي، الجهاد خلقي، قرة عيني في الصلاة. وفي رواية وثمرة فؤدي في ذكره، رغمي لأجل شوقي إلى ربي، ثم يقرأ سورة "يس" و"الدخان" و"الواقعة" قراءة بطيئة، بتأمل وتفهم. هذا هو منتهى حزبه رضي الله عنه.
وتوفي رحمه الله بحماه من بلاد الشام، سنة سبع وثلاثين وستمائة، هكذا ذكر القضاعي في التكملة، وذكر بعض الناس إنه لما رجع من المغرب إلى بلاد مصر، كانت إقامته منها ببلاد بلبيس، واجتمع عليه بها كبراء أهلها وأخذوا عنه وأتبعوه، وكان قصده التوجه إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتهيأ له إليها مسير، فتوجه إلى الشام ولم يستصحب معه ولده ولا أحدا من أصحابه إلا زوجة خاصة، وذلك والله أعلم لما علم إنه يموت هنالك، فلما وصل إلى الشام كانت إقامته منها بحماه حرسها الله، فأقبل عليه وأخذوا عنه، فلما قرب موته قال لأصحابه: "إذا كان يوم الثاني عشر من شعبان، نسافر عنكم" فقرب الشهر ولم يروا عليه أهبة السفر، فتعجبوا من ذلك، وكان به الإسهال، فلم يزل يزيد به الإسهال حتى انحله، ولم ينقص من أوراده شيئا رضي الله عنه مع
(1/153)

قلة الأكل، فلما كانت ليلة الثاني عشر من شعبان، دعا خواص أصحابه وأمرهم أن يحضروا عنده وأن يوقدوا الشمع ويؤنسوه بقراءة القرآن، ففعلوا ذلك، وأمرهم أن يأتوه بماء زمزم ليشرب فأتوه فشرب؛ وكانوا معه ليلتهم، فلما أصبحوا أمرهم أن يأتوه بكفن على وفق السنة فأتوه به، فأمرهم أن يحفروا قبره في موضع اختاره، ثم قال لهم إذا أذن العصر أموت، فقالت له زوجته: كيف أصنع ما لي صبر؟ فقال لها: يصبرك الله. ولقد شهد الحاضرون أنهم لم يروا لها جزعا بعد موته، فلما كان عند العصر سأل أصحابه: هل حان الوقت؟ فقالوا له هذا المؤذن يؤذن بالعصر، وحكى المؤذن، فلما كان آخر الأذان توفى رحمة الله عليه ورضوانه لديه، وكان قال لهم لا يحملني إلا الفقراء، ولا تخبروا بي أحدا حتى أجعل على الألواح وذكرت زوجته إنه لما كان قرب موته قال لها: إني رأيت سليمان الفارسي وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، جاءوا ليأخذوني معهم، فتوفي رحمه الله عند أذان العصر في اليوم الثاني عشر لشهر شعبان المكرم عام ثمانية وثلاثين وستمائة.
وقال بعض أصحابه: لما كان عند موته ذكر جميع أصحابه ودعا لهم،
(1/154)

وقال قبل ذلك "إن الله وعدني أن يكون لي اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون صاحبا" شك الراوي في ذلك، وقال أربعة من أصحابي التمسوا منهم الدعاء، فذكر منهم، أعني من الأربعة، فخر الدين أبا الطاهر عبد المجيد بن سراقة رضي الله عنه ونفعنا به وبمحبتنا فيه، وحشرنا معه بمنه وكرمه، إنه منعم كريم وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
ومن شعره رحمه الله في التحقيق:
ومذ عنك غبنا ذلك العام إننا … نزلنا على بحر وساحله معنى
وشمس على المعنى تطالع أفقنا … فمغربنا فينا ومشرقها من
ومست يدانا جوهرا منه ركبت … نفوس لنا لما صفت فتجوهرنا
فما السر والمعنى وما الشمس قل لنا … وما غاية البحر الذي عنه عبرنا
حللنا وجودا اسمه عندنا الفضا … يضيق بنا وسعا ونحن فما ضقنا
تركنا البحار الزاخرات وراءنا … فمن أين يدري الناس أين توجهنا
وله أيضا رحمه الله:
ما لنا من سوى الحال العدم … ولبارينا وجود وقدم
نحن بنيان بنته حكمة … وخليق بالبنا أن ينهدم
نحن كتب الله ما يقرأها … غير من يعرف ما معنى القلم
أحرف الكتب الذي أبدعه … كلما لاحت معانيه انعجم
أشرقت أنفسنا من نوره … فوجود الكل عن فيض الكرم
فترق النفس عن عالمها … باختباء ليس تدنيه الهمم
ليس يدري من أنا إلا أنا … ها هنا الفهم عن العقل انبهم
عجبا للكل فيما يدعي … وتأتي الكل إلا ما حكم
كلما رمت بذاتي وصلة … صار لي العقل مع العلم جلم
يقطعاني بخيالات الفنا … عن وجود لم يقيد بعدم
(1/155)

32 - أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي الشهير بسيدي محي الدين بن عربي
560 - 638هـ
1165 - 1240م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الحافظ المتصوف المحقق، أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي المعروف بابن سراقة، ويلقب بمحي الدين، ويعرف بابن العربي، أصله من مرسية وسكن اشبيلية. له من التآليف ما هو أكثر من
(1/156)

الكثير كلها في علم التصوف. وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلما طلب الزيادة يزداد. رحل إلى العدوة ودخل بجاية في شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة من الأفاضل.
وذكر لي إنه دخل بجاية في التاريخ المذكور، قال: رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم في السماء إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية، ثم لما كملت نكاح النجوم، أعطيت الحروف فنكحتها، ثم عرضت قصتي هذه على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، فقلت للذي عرضتها عليه لا تذكرني، فلما ذكر المنام له استعظم ذلك وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلوية، وعلوم الأسرار وخواص الكوكب، ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة وقال: أن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة، فهو هذا الشاب الأندلسي الذي وصل إليها.
قال: ثم شرع في السفر واستقر به القرار، واطمأنت به الدار، وألف التآليف وكثر التصانيف، وفيها ما فيها أن قيض الله من يسامح ويسهل ويتأول الخير سهل المرام، ويسلك فيه سبيل الأفاضل الكرام، وإن كان ممن ينظر بحسب الظاهر، ولا يسامح في نظر ناظر، فالأمر صعب، والمرتقى وعر. وقد نقد عليه أهل الديار المصرية ما صدر عنه من المصادرات، وعملوا على إراقة دمه كما أريق دم الحلاج وأشباهه، وكان الشفيع له في تلك القضية
(1/157)

والمخلص له في تلك المحنة، الشيخ أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله البجائي رحمه الله، ما زال ساعيا في أمره ومظهرا من وجوه التأويل في شأنه ما اقتضى الإعراض عن زلته، والمسامحة في هفوته. ولما وصل إليه بعد خلاصه، قال له الشيخ رحمه الله: كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له: يا سيدي، تلك شطحات في محل سكر ولا عيب على سكران.
وتوفي رحمه الله في نحو الأربعين وستمائة. وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي، وقد روى عن غيره وأجاز لأهل عصره وان أحب الرواية منه.
(1/158)

فهرست مؤلفات الشيخ الاكبر ابن عربي
ـ[صورة]ـ
الصفحة الاولى من مخطوطة فهرسة مؤلفات ابن عربي ويرجع تاريخها إلى سنة 689هـ. وهي منقولة عن نسخة أصلية كتبها الشيخ الاكبر سنة 632 هـ. ي قبل وفاته بست سنوات. وهذا الفهرست موجود في المكتبة الآصفية بحيدر آباد تحت رقم 0140
(1/159)

ـ[صورة]ـ
الصفحة الأخيرة من مخطوطة فهرسة مؤلفات الشيخ الأكبر
(1/161)

فهرست مؤلفات ابن عربي 1
بسم الله الرحمن الرحيم
[أ-ب] قال الشيخ الإمام الأكمل الأوحد الفرد الراسخ أبو عبد الله محمد ابن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي رضي الله عنه.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد فقد سألني بعض الأخوان أن أقيد له في هذه الوراق جميع ما صنفه وأنشأته في طريق الحقائق والأسرار على طريق التصوف، وفي غير هذا الفن، فقيد له -وفقه الله- في هذا الفهرس ما سأل. إلا أن بعض هذه الكتب التي أنا ذاكرها هنا أن شاء الله تعالى، وهي قليلة، كنت أودعتها عند شخص لأمر طرأ، فلم يردها علي ذلك الشخص إلى الآن. وكل ما بأيدي الناس اليوم إنما هو مما لم نودعه عنده. ومنها ما كمل -وهو الأكثر- ومنها ما لم يكمل -وهو القليل-.
وما قصدت في كل ما ألفته مقصد المؤلفين ولا التأليف، وإنما كان يرد علي من الحق تعالى موارد تكاد تحرقني: فكنت أتشاغل عنها بتقييد ما يمكن منها، فخرجت مخرج التأليف لا من حيث القصد. ومنها ما ألفته عن أمر إلهي أمرني به الحق في نوم أو مكاشفة.
(1/163)

وأنا أبتدئ بذكر الكتب التي أودعتها وليست بيدي اليوم ولا بيد غيري فيما أظن. فإني ما أطلعت لها على خبر من ذلك الوقت إلى الآن. ثم أذكر الكتب التي بأيدي الناس اليوم، والتي بيدي وما خرجت إلى الناس لانتظاري في إظهارها ما عودنيه الحق من صدق الخاطر الرباني، وهو الأمر الإلهي الذي عليه العمل عندنا، وبالله نستعين.

فصل
في ذكر الكتب المودعة. فمنها في الحديث
(1) اختصرت المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج لنفسي. (2) وكذلك اختصرت مصنف أبي عيسى الترمذي. وكنت ابتدأت كتابا سميته. (3) المصباح في الجمع بين الصحاح. وكذلك ابتدأت في (4) اختصار المحلى لابن حزم الفارسي و (5) كتاب الاحتفال فيما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سني الأحوال.
[2 - ا]. وأما ما كان منها من علوم الحقائق في الطريق الصوفي: فمن ذلك (6) كتاب الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل: أكملت منه إلى قولهوإذ قال موسى لفتاه لا أبرح. وجاء بديعا في شأنه، ما أظن على البسيطة من نزع في القرآن ذلك المنزع: وذلك أني رتبت الكلام فيه على كل آية على ثلاثة مقامات: مقام الجلال أولا، ثم مقام الجمال، ثم مقام الاعتدال، وهو البرزخ من حيث الورث الكامل المحمدي: فهو مقام الكمال. فآخذ الآية من مقام الجلال والهيبة فأتكلم والهيبة فأتكلم عليها حتى أردها لذلك المقام بألطف إشارة وأحسن عبارة. ثم آخذها بعينها وأتكلم عليها من مقام الجمال -وهو يقابل المقام الأول- حتى أردها كأنها إنما أنزلت في ذلك المقام خاصة. ثم أخذ تلك الآية
(1/164)

بعينها وأتكلم عليها من مقام الكمال بكلام لا يشبه الوجهين المتقدمين. وفي هذا المقام أتكلم على ما فيها من أسرار الحروف والكلمات، والحروف الصغار التي هي الحركات والسكون الحي والسكون الميت أن كان فيها من ذلك شيء، والنسب والإضافات والإشارات وما أشبه ذلك. فإذا فرغت من ذلك انتقلت إلى الآية التي تجاورها وما فيه كلمة لأحد أصلا إلا أن كان استشهادا وهو قليل.
و (7) كتاب الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة. و (8) كتاب مفتاح السعادة في معرفة المدخل إلى طريق الإرادة. و (9) كتاب المثلثات الواردة في القرآن مثل قول الله تعالى {لا فارض ولا بكر، عوان} وقوله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} و (10) كتاب المسبعات الواردة في القرآن مثل قوله {خلق سبع سموات}، وقوله تعالى {وسبعة إذا رجعتم} و (11) كتاب الأجوبة على المسائل المنصورية: وهي نحو مائة سؤال سألني عنها صاحب لي اسمه منصور. و (12) كتاب مبايعة القطب في حضرة القرب: [2 - ب] يحتوي على مسائل جمة من مراتب الأملاك والمرسلين والنبيين والعارفين والروحانيين ما سبقت في عملي إليه. و (13) كتاب مناهج الارتقاء إلى افتضاض أبكار البقاء المخدرات بخيمات اللقاء: يحتوي على ثلاثمائة باب في كل عشرة مقامات. فهو يتضمن ثلاثة آلاف مقام. و (14) كتاب كنه ما لا بد منه. و (15) كتاب المحكم في المواعظ والحكم وآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم. و (16) كتاب الجلا في استنزال روحانيات الملأ الأعلى. و (17) كتاب كشف المعنى عن سر أسماء الله الحسنى. و (18) كتاب شفاء الغليل في إيضاح السبيل في الموعظة. و (19) كتاب عقلة المستوفز في أحكام الصنعة الإنسانية وتحسين الصفة الإيمانية. و (20) كتاب جلاء القلوب. اتفق في هذا الكتاب عجيبة: وذلك أني لما وضعته أخذ منه كل واحد من إخواننا كراسة أو اثنتين ليطالعها. وأما صدر الكتاب فكان في نحو عشرين ورقة.
(1/165)

فخرجنا ليلة خارج البلد مع جملة من أصحابنا فقعدنا في ربوة نطالع فيه وكان من أبدع الموضوعات، فلما فرغنا من قراءته وضعناه في الأرض فاختطف. فما أدري اختطفه جن أم بشر ممن يحتجب عن الأبصار؟ وما عرفت له خبرا إلى الآن. وأما بقية الكتاب فما جمعته بعد ذلك ولا رده إلي. وكل من كان عنده منه شيء فتلف. فهذا (ما) كان من شأنه. و (21) كتاب التحقيق في شأن السر الذي وقر في نفس الصديق. و (22) كتاب الأعلام بإشارات أهل الإلهام. و (23) الإفهام في شرح الأعلام. و (24) كتاب السراج الوهاج في شرح كلام الحلاج. و (25) المنتخب من مآثر العرب. و (26) كتاب نتائج الأفكار وحدائق الأزهار. و (27) كتاب الميزان في حقيقة الإنسان. فهذه أسماء الكتب المودعة. وما أدري خرج عن ذكري منها شيء أم لا، فإن العهد تقادم والخاطر غير مصروف لما كان في الزمان الماضي حذرا من فوت الوقت.

فصل
في أسماء [3 - ا] الكتب التي بأيدي الناس اليوم مما ينسب إلينا: فمنها في الحديث (28) كتاب المحجة البيضاء: صنفته بمكة، أكملت منه كتاب الطهارة والصلاة في مجلدتين، وبيدي الآن المجلدة الثالثة أنا في كتاب الجمعة منها. و (29) كتاب مفتاح السعادة جمعت فيه بين متون مسلم والبخاري وبعض أحاديث من الترمذي. و (30) كتاب كنز الأبرار فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية والإذكار. و (31) كتاب مشكاة الأنوار فيما روي عن الله تعالى من الأخبار. و (32) كتاب الأربعين المتقابلة. و (33) كتاب الأربعين المطولات. و (34) كتاب الغين. ولا أدري هل خرج عن ذكري منها في هذا الفن شيء أم لا لشغل الخاطر وعدم الالتفات للماضي.
(1/166)

وأما ما بأيدي الناس من كتبنا في طريق الحقائق فمنها. (35) كتاب التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية: حذوت فيه حذو أرسطو في كتاب سر الأسرار الذي ألفه للأسكندر، وبسبب ذلك الكتاب وضعت هذا السر إلى أخينا أبي محمد عبد الله بن الأستاذ الموروزي في ذلك. و (36) كتاب سبب تعلق النفس بالجسم وما تقاسي من الألم عند فراقه بالموت. و (37) كتاب إنزال الغيوب على مراتب القلوب فيما لنا من سجع وشعر. و (38) كتاب الإسرا إلى المقام الأسرى. و (39) كتاب مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية. و (40) كتاب الجلي. و (41) كتاب المنهج السديد في ترتيب أحوال الإمام البسطامي أبي يزيد رضي الله عنه. و (42) كتاب مفتاح أقفال الإلهام الوحيد، وإيضاح إشكال إعلام المريد في شرح أحوال الإمام البسطامي أبي يزيد رضي الله عنه. أمرني الحق تعالى بشرحها في النوم بساحل سبتة ببلاد المغرب، فقمت مبادرا قبيل الفجر، وكان لي ناسخان فأمليت عليهما وكتبا فما طلعت الشمس حتى تقيد منه كراستان. و (43) كتاب أنس المنقطعين برب العالمين: وضعته لنفسي ولغيري. و (44) كتاب الموعظة الحسنة مثله. و (45) كتاب البغية في اختصار كتاب الحلية لأبي نعيم الحافظ مثله. وضعته في حق نفسي [3 - ب]. و (46) كتاب الدرة الفاخرة في ذكر من انتفعت به في طريق الآخرة. و (47) كتاب المبادئ والغايات فيما تحوي عليه حروف المعجم من العجائب والآيات. و (48) كتاب مواقع النجوم ومطالع أهله الأسرار والعلوم. و (49) كتاب الانزالات الوجودية من الخزائن الجودية. و (50) كتاب حلية الابدال وما يظهر عليها من المعارف والأحوال: وهو كتاب ساعة وضعته بالطائف بدرب أبي أمية: تكلمت فيه على الجوع والصمت والسهر والخلوة. و (51) كتاب أنوار الفجر في معرفة المقامات والعاملين على الأجر وعلى غير الأجر. وإنما سميته بهذا لأني لا أقيد منه حرفا إلا في وقت الفجر إلى أن يكاد يبدو حاجب الشمس. و (52) كتاب الفتوحات المكية، وهو كتاب كبير في مجلدات مما فتح به علي في مكة،
(1/167)

يحتوي على خمسمائة باب وخمسة وستين بابا في أسرار عظيمة من مراتب العلوم والمعارف والسلوك والمنازل والمنازلات والأقطاب وشبه هذا الفن. و (53) كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل: مخاطبات بيني وبين الكعبة شرفها الله وهو سبع رسائل. و (54) كتاب روح القدس في مناصحة النفس. و (55) كتاب التنزلات الموصلية في أسرار الطهارات والصلوات الخمس والأيام المقدرة الأصلية. و (56) كتاب إشارات القرآن في عالم الإنسان. و (57) كتاب القسم الإلهي بالاسم الرباني. و (58) كتاب الجلال والجمال. و (59) كتاب المدخل إلى العمل بالحروف. و (60) كتاب المقنع في إيضاح السهل الممتنع. و (61) كتاب لأمر المربوط في معرفة ما يحتاج إليه أهل طريق الله تعالى من الشروط. و (62) كتاب رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة على الترتيب من الأسرار. و (63) كتاب عنقاء مغرب. و (64) كتاب المعلوم من عقائد علماء الرسوم. و (65) كتاب الإيجاد الكوني والمشهد العيني بحضرة الشجرة الإنسانية والطيور الأربعة الروحانية. و (66) كتاب الإشارات في أسرار الأسماء الإلهية والكنايات. و (67) كتاب الحجب المعنوية عن الذات الهوية. و (68) كتاب إنشاء الجداول والدوائر والدقائق والرقائق. [4 - ا] والحقائق. و (69) كتاب الأعلاق في مكارم الأخلاق. و (70) كتاب روضة العاشقين. و (71) كتاب تسعة وتسعين: تكلمنا فيه على الميم والواو والنون لانعطاف أواخرها على أوائلها: م ي م: وا و: ن ون. و (72) كتاب المعارف الإلهية واللطائف الربانية في بعض ما لنا من النظم.
فهذا ذكر ما بأيدي الناس من كتبنا في طريق الحقائق. ومما بأيدي الناس. (73) كتاب المبشرات: ذكرت فيه ما تذكرته من رؤيا رأيتها تفيد علما وتحرض على خير. و (74) كتاب ترتيب الرحلة: ذكرت فيه ما لقيته في رحلتي إلى بلاد المشرق، وحررت جزءا فيه ذكر مشايخنا الذين رأيناهم وسمعنا عنهم: أذكر الشيخ رضي الله عنه، وأذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(1/168)

وحكاية مفيدة وأبياتا من الشعر أما له أو من روايته. و (75) كتاب فيه مما رويته من الأحاديث العوالي ولم أشترط فيه الصحة.
أما الكتب التي أمرني الحق تعالى في قلبي بوضعها ولم يأمرني إلى الآن بإخراجها إلى الناس وبثها في الخلق، فمنها كتاب (خا) وهو (76) كتاب الأحدية. ويتضمن هذا الكتاب الوحدانية والفردانية والوترية والأحدية ونفي الكثرة من الوجود العددي، وأن الواحد يظهر في مراتب فتنشأ الأعداد، ويغيب فتبقى. و (وي) وهو (77) كتاب الهو: يتضمن هذا الكتاب معرفة الضمائر وإضافات النفس. و (وق) وهو (78) الكتاب الجامع: يتضمن معرفة الجلالة بما تدل عليه من الجمع والإطلاق. وبما تدل عليه من التقييد مثل قول الملهوف يا ألله أغثني. و (قب) وهو (79) كتاب الرحمة: ويتضمن معرفة التخصيص فيها والتعميم، والعطف والحنان، والرأفة والشفقة. و (وع) وهو (80) كتاب العظمة: فيه إشارات من الجلال والكبرياء والجبروت والهيبة و (ب) وهو (81) كتاب المجد والبقاء. و (ك) وهو (82) كتاب الديمومة. و (ده) وهو (83) كتاب الجود: ويشار فيه إلى العطاء والوهب والمنح والكرم والسخاء والإيثار والرضا والهدايا. و (وج) وهو (84) كتاب القيومية [4 - ب]. و (وش) وهو (85) كتاب الإحسان. و (ول) وهو (86) كتاب الفلك والسماء. و (ود) وهو (87) كتاب الحكمة المحبوبة. و (وم) وهو (88) كتاب العزة: ويشار فيه إلى المهن والقهر والغلبة والحمى والعجز والقصور، و (وت) وهو (89) كتاب الأزل. و (وه) وهو (90) كتاب النور: يشار فيه إلى الضياء والظل والإشراق والظهور. و (ون) وهو (91) كتاب السر. و (وث) وهو (92) كتاب الإبداع والاختراع. و (وو) وهو (93) كتاب الأمر والخلق، و (وز) وهو (94) كتاب الصادر والوارد من الموارد والواردات. و (وس) وهو (95) كتاب القدم. و (وح) وهو (96) كتاب القدم. و (وع) وهو (97) كتاب الملك. و (وذ) وهو (98)
(1/169)

كتاب القدس. و (وح) وهو (99) كتاب الحياة. و (وف) وهو (100) كتاب العلم. و (وص) وهو (101) كتاب المشيئة: ويشار فيه إلى التمني والإرادة والشهرة والهاجس والعزم والنية والقصد والهم. و (وط) وهو (102) كتاب الفهوانية. وربما وقع اسمه كلمة الحضرة، وربما وقع اسمه القول. يشار فيه إلى الكلام والنطق والحديث والسمر وشبهه. و (وظ) وهو (103) كتاب الرقم: يشار فيه إلى الخط والكتابة والإشارة والحروف والرقمية. و (104) كتاب الرقيم. و (يا) وهو (105) كتاب العين يشار فيه إلى الرؤية والمشاهدة والمكاشفة والتجلي واللمح والطالع والذوق والشرب والباده والهاجم وشبه هذا. و (فا) وهو (106) كتاب الباه: يشار فيه إلى التوالد والتناسل. و (غا) وهو (107) كتاب كن: يشار فيه إلى حضرة الأفعال والتكوين. و (غب) وهو (108) كتاب المبدأين والمبادئ: يشار فيه إلى أن الإعادة مبدأ وأن العالم في كل نفس في مبدأ. و (بخ) وهو (109) كتاب الزلفة. و (فج) وهو (110) كتاب الدعاء والإجابة. و (عج) وهو (111) كتاب الرمز في حروف أوائل السور. و (عد) وهو (112) كتاب المراقبة. و (قد) وهو (113) كتاب البقاء. و (غد) وهو (114) كتاب [5 - ا] القدرة. و (به) وهو (115) كتاب الحكم والشرائع الصحيحة والسياسة. و (قه) وهو (116) كتاب الغيب. و (غه) وهو (117) كتاب مفاتيح الغيب. و (قو) وهو (118) كتاب الخزائن العلمية. و (كا) وهو (119) كتاب الرياح اللواقح وكتاب الريح العقيم. و (لا) وهو (120) كتاب الكتب: القرآن والفرقان، وأصناف الكتب كالمسطور والمنشور والحكم المبين، والمحصى والمتشابه وغير ذلك. و (ما) وهو (121) كتاب التدبير والتفصيل. و (نا) وهو (122) كتاب اللذة والألم. و (سا) وهو (123) كتاب الحق. و (عا) وهو (124) كتاب الحمد. و (يا) وهو (125) كتاب المؤمن والمسلم والمحسن. و (صا) وهو (126) كتاب القدر. و (دا) وهو (127) كتاب الشأن. و (شا) وهو (128) كتاب الوجود. و (تا) وهو (129) كتاب
(1/170)

التحويل. و (ثا) وهو (130) كتاب الحيرة. و (ثا) وهو (130) كتاب الحيرة. و (خا) وهو (131) كتاب الوحي. و (ذا) وهو (132) كتاب الإنسان. و (ضا) وهو (133) كتاب التحليل والتركيب. و (ظا) وهو (134) كتاب المعراج. و (كب) وهو (135) كتاب الروائح والأنفاس. و (لب) وهو (136) كتاب الملك. و (مب) وهو (137) كتاب الأرواح. و (نب) وهو (138) كتاب الهياكل. و (سب) وهو (139) كتاب التحفة والطرفة. و (عب) وهو (140) كتاب الغرقة والحرقة. و (فب) وهو (141) كتاب الأعراف. و (صب) وهو (142) كتاب زيادة كبد النون. و (رب) وهو (143) كتاب الأسفار عن نتائج الأسفار. و (شب) وهو (144) كتاب الأحجار المتفجرة والمتشققة والهابطة. و (يب) وهو (145) كتاب الجبال. و (تب) وهو (146) كتاب الطير. و (خب) وهو (147) كتاب النمل. و (ذب) وهو (148) كتاب البرزخ. و (ضب) وهو (149) كتاب الحشر. و (ظب) وهو (150) كتاب القسطاس. و (ضح) وهو (151) كتاب القلم. و (كج) وهو (152) كتاب اللوح. و (طج) وهو (153) كتاب العرش من مراتب الناس إلى الكثيب. و (دح) وهو (154) كتاب الكرسي. [5 - ب] (ونج) وهو (155) كتاب الفلك وكتاب الفلك المشحون. و (حج) وهو (156) كتاب الهباء. و (مج) وهو (157) كتاب الجسم. و (ثج) وهو (158) كتاب الزمان. و (بج) وهو (159) كتاب المكان. و (تج) وهو (160) كتاب الحركة. و (سج) وهو (161) كتاب العالم. و (شج) وهو (162) كتاب الآباء العلويات والأمهات السلفيات والبنات والمولدات. و (عج) وهو (163) كتاب النجم والشجر. و (رج) وهو (164) كتاب سجود القلب. و (فج) وهو (165) كتاب الأسماء. و (صج) وهو (166) كتاب النحل. و (كد) وهو (167) كتاب الرسالة والنبوة والولاية والمعرفة. و (ظد) وهو (168) كتاب الغايات. و (طد) وهو (169) كتاب التسعة عشر. و (ضد) وهو (170) كتاب النار. و (ظد) وهو (171) كتاب
(1/171)

الجنة. و (ند) وهو (172) كتاب الحضرة. و (دد) وهو (173) كتاب العشق. و (سد) وهو (174) كتاب المناظرة بين الإنسان والحيوان. و (شد) وهو (175) كتاب المفاضلة. و (عد) وهو (176) كتاب الإنسان الكامل والاسم الأعظم. و (177) كتاب المبشرات لا الأحلام فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار في المنام. و (178) محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار. و (179) كتاب الأولين. و (180) كتاب ترجمان الأشواق. و (181) كتاب العبادلة. و (182) كتاب تاج التراجم. و (183) ما لا يعول عليه طريق الله. و (184) كتاب إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن. و (185) كتاب المعرفة. و (186) كتاب شرح الأسماء. و (187) كتاب الذخائر والأعلاق في شرح ترجمان الأشواق. و (188) كتاب الوسائل في الأجوبة عن عيون المسائل. و (189) كتاب النكاح المطلق و (190) كتاب فصوص الحكم. و (191) كتاب اللوائح في شرح النصائح. و (192) كتاب نتائج الأذكار. و (193) كتاب اختصار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. و (194) كتاب الأجوبة العربية عن المسائل اليوسفية. و (195) كتاب اللوامع والطوالع. و (196) كتاب الحرف والمعنى. و (197) كتاب الاسم والرسم. و (198) كتاب الفصل والوصل. و (199) كتاب الوجد. و (200) كتاب الطالب والمجذوب. [6 - ا [. و (201) كتاب الأدب. و (202) كتاب الحال والمقام والوقت. و (203) كتاب الشريعة والحقيقة. و (204) كتاب التحكيم والشطح. و (205) كتاب الحق المخلوق به. و (206) كتاب الأفراد وذوي الأعداد. و (207) كتاب الملامية. و (208) كتاب الخوف والرجاء. و (209) كتاب القبض والبسط. و (210) كتاب الهيبة والأنس. و (211) كتاب النشأتين. و (212) كتاب النواشي الليلية. و (213) كاب الفناء والبقاء و (214) كتاب الغيبة والحضور. و (215) كتاب الصحو والسكر. و (216) كتاب القريب والبعد. و (217) كتاب المحو والإثبات. و (218) كتاب الخواطر. و (219) كتاب الشاهد والمشاهد.
(1/172)

و (220) كتاب الكشف. و (221) كتاب الوله. و (222) كتاب التجريد والتفريد. و (223) كتاب الفترة والاجتهاد. و (224) كتاب اللطائف والعوارف. و (225) كتاب الرياضة والتجلي. و (226) كتاب السحق والمحق. و (227) كتاب البوادة والهجوم. و (228) كتاب التلوين والتمكين. و (229) كتاب الرغبة والرهبة. و (230) كتاب المكر والاصطلام. و (231) كتاب اللمة والهمة. و (232) كتاب القربة والغربة و (233) كتاب الفتوح والمطالعات. و (234) كتاب الوقائع. و (235) كتاب التدلى والتداني. و (236) كتاب الرجعة. و (237) كتاب الستر والجلوة. و (238) كتاب النون. و (239) كتاب الختم والطبع. و (240) كتاب الجسم والجسد. و (241) الظلال والضياء. و (242) كتاب القشر واللباب. و (243) كتاب الخصوص والعموم. و (244) العبارة والإشارة و (245) الحق والباطل. و (246) كتاب الملك والملكوت و (247) كتاب الحد والمطلع. و (248) كتاب الفرق بين الاسم والنعت والصفة. و (249) كتاب السادن والأقليد. و (250) كتاب النوم واليقظة. و (251) كتاب العد والرب.
تمت بعون الله وحسن توفيقه في غرة ذي الحجة سنة تسعة وثمانين وستمائة نسخة العبد الضعيف إبراهيم بن محمد بن مطهر الشيخي.
(1/173)

33 - أبو الفضل قاسم بن محمد القرشي القرطبي
... 662هـ
... 1264م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المنقطع الصالح الزاهد، الورع المتعبد المستجاب الدعوة، أبو الفضل قاسم بن محمد القرشي القرطبي. مولده بقرطبة وبها نشأ، حبب إليه العمل الصالح وبغضت له الدنيا، فخرج من بلده دون العشرة الأعوام مهاجرا إلى الله مقبلا على العبادة بعد أن ترك مالا وعقارا، وقصد نحو الشيخ أبي أحمد رضي الله عنه وكان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين، ظهرت عليه البركات، وفاضت عليه ينابيع الخيرات.
كراماته لا تعد، وفضائله جاوزت الإحصاء والعد. فمنها ما حكي عن بعض فقراء بجاية، وكان هذا الفقير من المتجردين، قال: أصبحت يوما وليس لنا قوت ولا شيء من الأشياء، وقد ولدت المرأة طفلة، فانقبض باطني بانقباض وقتي، وتشوش علي حالي واشتد قلقي، فخرجت هائما بنفسي إلى أن دخلت مسجد النطاعين، فجلست فيه، وإذا برجل قد دخل علي في المسجد وأتى إلى القبلة فركع ركعتين خفيفتين وجلس متوجها، قال الفقير: فقلت في نفسي، أن هذا الرجل الداخل خفف في تحيته، ولو أطال قليلا لكان أحسن، قال الفقير: فرأيت الرجل المذكور قد التفت إلي وقال لي: أيهما عندك أحسن؟ الذي يخفف في صلاته أو الذي تلد امرأته فيهرب عنها ويتركها دون شيء؟ قال: فاقشعر بدني وتوهمت ثم قلت: آه والله يا سيدي قد فعلت وكان ما ذكرت، فادع الله لي، قال: فمد يده وناولني صرة فيها دراهم وقال لي: أنفق منها
(1/174)

ولا تعدها، قال الفقير المذكور: فقلت له بالله من أنت؟ قال: أنا قاسم القرطبي، فعرفته من تلك الساعة، ثم خرج وخرجت إلى السوق فأنفقت منها أشياء غير واحدة والصرة بحالها، ثم حملت ذلك إلى البيت، واتسع الحال إلى يوم من الأيام دخلت سوق الصوف، فرأيت خرقة أعجبتني، فاشتريتها بثلاثين درهما، وغلبتني نفسي إلى عد الصرة ففعلت، فلم ألبث إلا قليلا وفرغت، فجئت لأزوره، فلما رآني تبسم وقال لي على البديهة: ألم أقل لك لا تعدها؟ وحدثني أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد المعطي، بتدلس، قال: خرجنا مع الشيخ نفع الله به وركبنا البحر، وحملنا آلة الصيد للحوت، ولم نزل نتصيد إلى قريب الظهر فلم يفتح لنا بشيء، ثم نظر إلينا وسكت ساعة ثم أخذ في الكلام في الأحوال والمعارف إلى أن انهمك فيها، وتمكن وقت الصلاة ثم رجع إلى حاله، فصلينا الفريضة بالساحل ثم عدنا نتصيد، فقال: الآن يفتح لكم به، قال: فرأينا على وجه الماء حيتانا قد أخرجت رؤوسها من الماء كالمصابيح، ثم صارت تترامى علنا في الرزق حتى امتلأ حوتا، فلله ما أطيب وقتنا حينئذ وما أبركه، لقد خشعنا وبكينا وتواجد بعضنا وجددنا التوبة مع الله، والاعتقاد والعهد مع الشيخ رضي الله عنه في الاستغفار والثناء على الله.
وقال أبو العباس ابن الخطيب: حضرنا مع الشيخ بوادي بجاية في بعض الجنات، فتكلم كثيرا إلى أن أخذ في شرح أقاويل الشيوخ أن العارف فوق ما يقول، وان العالم دون ما يقول، فخطر ببالي إنه من خواص العارفين، فالتفت إلي وقصدني بنظره وهو يتبسم فقال: نعم يا أحمد كما قلت ونويت.
وذكر عبد الله السلاوي -وكان من أصحاب الشيخ أبي الحسن الحرالي- قال: مرض سيدي أبو الفضل القرطبي فزرته، فلما جلست إليه جعلت ابكي، فقال لي: لم تبكي؟ فقلت: يا سيدي ابكي خوفا من فقدك وفراقك، قال لي: لا تخف، فاني لا أموت في هذه المدة بل أفيق وأرجع إلى الصحة، وما
(1/175)

ثم موت، وإنما هي نقلة من محل إلى محل، والموت للعارفين واضحة للحق، وسبب للقاء وشيء يوصل الحبيب إلى المحبوب، وان المعرفة تنقلب في الآخرة مشاهدة، فمن زرع نواة أنبتت تمرا، ومن زرع نبقة انبتت شوكا.
وذكر معاوية الزواوي وهو من خدامه قال: جئت يوما لأراه، فلما وقفت عند باب الزاوية أصابتني هبة، وسمعت كلاما بداخلها ومذاكرة، فتأدبت ووقفت، ثم بعد ساعة سكنت الأصوات، فلما أردت الاستئذان عليه ناداني ادخل يا معاوية فمسست الباب فوجدته مفتوحا، فدخلت عليه وسلمت، ونظرت فلم أر أحد، فتعجبت من ذلك وجلست، فرأيت شيئا من خبز وتين، فنظر إلي وتبسم وقال لي: كل من هذا فإنه بقية قوم صالحين.
ومن المشهور عنه، إنه بات مع قوم من خواصه في موضع "بتازروت"، فعمل لهم ميعادا طيبا وأصاب القوم وجد وخشية، فلما مضى من الليل أكثره، نفذ الزيت من المصباح فطلبوا له دهنا فلم يجدوه، فقال لأبي زكرياء الكماد: اجعل في المصباح ماء، فصبه من الإبريق، فاتقد المصباح وأضاء إلى الصباح.
وذكر أبو يزيد محمد بن عنوان قال: ركبت يوما بغلا قاصدا لزيارة الشيخ أبي الفضل، وسرت إلى موضع فنزلت لقضاء الحاجة وكنت وحدي في أرض خالية، فتفلت البغل من يدي وتقطع رسنه ولجامه فهرب، واتبعته فزاد هربا إلى أن عييت وسئمت، فقلت: اللهم بحرمة سيدي أبي الفضل وببركاته يسر لي هذا الأمر، قال: فرأيت البغل على بعد مني قد وقف، ثم قلب رأسه إلي وأتى قاصدا نحوي، فأدركته وأخذته، فعلمت أن ذلك ببركاته.
(1/176)

وذكر مسعود بن عمر قال: زرت الشيخ بعد أن غبت عنه نحو العام، فلما وقفت بباب الزاوية هبت أن أضرب الباب فبقيت متوقفا، فناداني من داخلها: أدخل يا مسعود، فمسست الباب فانفتح، ودخلت وسلمت عليه وجلست، وكنت تحت خوف من موجب حاكم الوقت به، فأردت شرح أمري إليه ليدعو لي، فأجابني عن الغرض المقصود قبل إخباري له، وقال لي: "يخلصك الله بفضله ويصرف عنك الأذى بمنه" قال: مسعود، فانصرفت وباطني بحمد الله طيب مطمئن، وأذهب الله عني كل هم ببركاته.
وقال الشيخ أبو زكرياء ابن محجوبة: قال لي الفقيه أبو الحسن بن أبي نصر: لقد طالعت كثيرا من مقامات الأكابر وتعرفت أحوالهم، فرأيت الشيخ أبا الفضل نفع الله به، جامعا لذلك كله وزيادة عليه، ولكنه لم يكن للناس بصيرة يعرفونه بها، ولا بواطن فتعقل عنه، فأخفى الله أحواله وكراماته على أهل الوقت غيرة منه عليه رضي الله عنه ونفع به. وتوفى ضحى يوم الاثنين الثاني عشر لربيع الأول من عام اثنين وستين وستمائة، هكذا ذكره ولده أبو زكرياء. وقبره قريب من قبر الشيخ أبي زكرياء الزواوي، رضي الله عنه ونفعنا به وبأمثاله.
(1/177)

34 - أبو زكرياء المرجاني الموصلي
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الزاهد الورع، الناسك المكاشف، أبو زكرياء المرجاني الموصلي أحد الأتقياء الأبرار، ممن اختصه الله بخالصة ذكر الدار. كان مسجده الذي يجتمع فيه إليه، المسجد المشهور الآن به بحومة اللؤلؤة، وهو المعروف الآن بمسجد المرجاني، وكان يجتمع إليه فيه الأفاضل والصلحاء والمتعبدون، وكانوا يسمعون منه غرائب، ويطلعون من أحواله على عجائب. وكل ذلك مقيد بالكتاب والسنة على سنة السلف الصالح رضي الله عنهم.
واتصل حال المنفعة به إلى أن أراد الله سفره فرجع إلى بلاده، وكان سبب ذلك أن بعض السوداوات من غسالات الثياب، كانت على رأسها رزمة من الثياب فأخذت لها في الزحام في سوق باب البحر، فسارت إليه متلهفة ضارعة مستغيثة وأخبرته بقصتها، فقال: أنت ما تغسلين ثياب الفقراء، لو غسلت ثياب الفقراء ما ضاعت لك الرزمة، ثم أخذ عكازه في يده وسار معها إلى رواء هو للوزير أبي عبد الله ابن ياسين، فدخل الرواء وصعد إلى غرفة فيه
(1/178)

وأخرج الرزمة من وراء القصيل الذي هو علف الدواب وأعطاها الرزمة وانفصلت ورجع إلى موضعه، واشتهرت القصة ورفعت إلى السلطان ولبتت عنده، فوجه الوزير إليه وقال له بعد حديث كثير: السلطان يرغب منك أن تعرفه الوجه الذي توصلت به إلى هذا، ما هو؟ فقال له: أنت وزيره، ولو كان بينك وبينه سر تعرفني به؟ قال: لا، قال له: سلم على الملك وقل سر بين العبد ومولاه لا يطلع عليه سواه فانفصل عنه. ثم رجع إليه بعد وقت وقال له: سمع السلطان انك تسافر فأين تريد مغربا أو مشرقا؟ قال له مشرقا أن شاء الله. قال: فيعينك على سفرك بزاد، قال: لا، يكفيني ما عند الجواد، فانفصل إلى المشرق إلى بلده بالموصل.
وحكي أن في يوم وصوله إلى البلد وصل والناس منصرفون عن قبر أبيه وكان له مال جليل، فطلبه إخوته بالحضور معهم لقسم الميراث، فقال لهم: إني أحب أن لا أرث ولا أورث، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقةوسلم لهم الميراث وانفصل في سياحته واستمر على عبادته إلى أن مات رحمه الله ونفع به وبأمثاله آمين.
(1/179)

35 - تقي الدين الموصلي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الجليل الفاضل، الحكيم الأمي، تقي الدين الموصلي وصل إلى بجاية في مدة الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، وكان الشيخ يقول عنه إنه من أساطين الحكمة وإنه كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. هداه الله إلى الحق بموجدة نفسه من غير اكتساب، وتوصل إلى ما يتوصل إليه أهل البراهين من خالص الصواب وقد قال السهروردي صاحب "حكمة الإشراق" إنه قال: كشفت له تلك المعاني التي أثبتت في الكتاب وإنه طلب البرهان عليها فوجدتها. وكذلك كان هذا الرجل كشف له عن الحق وسخرت له أقاليم الدنيا، لم يبق عليه من الأقاليم إقليم إلا سلكه، وكان يحدث عن غرائب وعجائب.
(1/180)

ومن جملة الأقاليم التي دخلها إقليم صقلية في مدة "الانبرور" فعرف الانبرور به وعرف عنه، وسأل حضوره بمجلسه فحضر، فقال له الاقساء تقع المناظرة بيننا وبينك في أمر محمد وعيسى عليهما السلام، فقال للملك: هذا يكون بشرط، أن قبلتموه ناظرتكم وإلا فلا، قالوا: وما هو الشرط؟ قال: أن لا تتعصبوا انتم لعيسى ولا أتعصب أنا لمحمد، وإنما نسق التعصب من بيننا ونبحث طالبين للحق، فعلم الانبرور والحاضرون معه إنه ما قصد بهذا الكلام إلا إفحامهم، لأنهم ليس عندهم إلا مجرد التعصب، فامتنعوا من مناظرته وحملوه على الإكرام والبر إلى أن انفصل عنهم، وكذلك كان في كل إقليم يدخله من أقاليم المجوس من الترك والطرر والسودان وغيرهم لا يعارض فيه أصلا.
وكان يواصل أربعين يوما، ومن جملة ما عرض له في بلاد النصارى أنهم قالوا له: أن عيسى عليه السلام كان يواصل أربعين يوما، فقال لهم أواصل لكم أربعين يوما، فجعلوه في بيت مع من يخدمه ويساق له الماء لوضوئه للصلاة وأقام أربعين يوما، ولقد سمعت في هذه الحكاية إنه قال لهم وأزيدكم أربعين يوما أخري، وإن الاقساء سألوا من الملك أن يصرفه لئلا يفسد عليهم ملتهم واعتقادهم في عيسى عليه السلام، فصرفه بالحسنى.
(1/181)

وأقام ببجاية مدة من الزمان ثم انصرف إلى المغرب، وكان يقول إنه جال بلاد المشرق أجمعها وإنه لم يبق عليه إلا إقليم المغرب، وان قصده إنما هو التطلع على ملكوت الله، ولم يعلم له بعد خبر، ولا ظهر من حديثه أثر. والغالب إنه مات رحمه الله ورضي عنه.
(1/182)

36 - أبو العباس الجدلي الشريف
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الفاضل المحدث، الجدلي الحكيم المحصل، أبو العباس الجدلي الشريف هو من أهل اصبهان، ودخل بلاد المشرق والصين والهند والعراقين، العربي والعجمي، وبلاد الدروب، ثم أقام الله في خاطره دخول المغرب فوصل إلى افريقية في خلافة المستنصر بالله رحمه الله، فنمى إليه خبره واستحضره وحضر معه بين يديه بعض الطلبة فسأله عن البلاد التي دخلها وعن الغرائب التي اطلع عليها، فذكر له ما حضره.
ومن جملة ما ذكر، إنه رأى في بلاد الهند صبغة إذا خضب بها الخاضب يقيم ثلاثين سنة لا يفتقر إلى خضاب، وكان من جملة الحاضرين بالمجلس أبو الحسن المروزي من فضلاء الأطباء، فأنكر هذه القضية وأنكرها الخليفة، وهي بواجب أن تنكر، لأن هذا أما أن يمنع النمو ويحيل الطبيعة أو وجه غير هذين، والكل مستحيل، فكأنه سقط من عين الخليفة بهذه الحكاية، ولكنه ذكر لي أن المجلس انفصل على وقوع النظر في القضية وعلى أن يكتب فيها كل
(1/183)

من له علم بما يظهر له، وان مدعيها كتب فيها كتابا ولكنه لم يقع عليه اطلاع، ولا وقع للخليفة به بعده اجتماع.
وذكر لي أن الخليفة سأله في ذلك المجلس عن قصد وجهته فقال له: جئت في طلب أخ لي بالمغرب، وألغز في هذا عليه لأنه إنما كان للإمامة، والأخ الذي أشار إليه بالمغرب، هو الإمام المهدي رضي الله عنه.
ثم انفصل من افريقية وورد على بجاية وأقام بها مدة، ثم انفصل إلى المغرب. وذكر لي القاضي الفاضل أبو عبد الله ابن يعقوب إنه اجتمع به بسبته ومنها انفصل لدرعة وتوفي بالمغرب رحمه الله.
وكان عالما بجدل العميد محكما له، باحثا على طريقته، ووقفت من تقييده في أصول الدين على مقال محكم الإيراد، عر عن الانتقاد. رحمه الله تعالى.
(1/184)

37 - أبو النجم هلال بن يونس بن علي الغبريني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، العابد المتقي، الولي المبارك، أبو النجم هلال بن يونس بن علي الغبريني، من أصحاب الشيخ الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه. كان رحمه الله مل أهل الجد والاجتهاد، وممن يعد في أولياء العباد، مع هيئة وسكينة ووقار، وجاه ووجاهة اقتضاهما منصبه الرفيع المنار. وظهر فيه صدق قوله عليه السلام " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ".
سمعت عن الشيخ أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه إنه كان يقول فيه: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هلال بن يونس".
وكان الفقيه أبو زكرياء رضي الله عنه بعيد أن يصرح بمثل هذا في احد، لأنه كان رجلا الغالب عليه الخوف، نفع الله به.
ناب عن الشيخ رضي الله عنه في صلاة الفريضة في الجامع الأعظم، وكان منقطعا عن الناس متخليا عنهم مقتصرا مقتصدا، وكانت عيشته من مستغلات ارض كانت له محررة بظهائر من قبل عبد المؤمن رحمهم الله، وكان يصرف أكثرها في الصدقات.
وداره التي بها سكناه هي الدار المشهورة الآن "بدار المقدسي" بحومة باب باطنة، وتعرف بدار الفقيه هلال.
وقد ذكر لي إنه لا يستقر له بالدار قرار إلا أوقات الغداء والعشاء، وأوقات ضرورات الإنسان، وإنه كان ملازما للجامع الأعظم ليله ونهاره للعبادة والدراسة والقراءة، رحمه الله ونفع به وبأمثاله، آمين.
(1/185)

38 - أبو عبد الله محمد بن علي القصري
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الفاضل العالم، العرف العابد، الزاهد الولي، أبو عبد الله بن علي القصري أحد خواص شيخنا أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه.
كان عالما بالفقه وأصول الفقه وأصول الدين، بارعا في علم العربية متقدما في علم التصوف، سيدا في طريق الانقطاع والعبادة متواضعا موصوفا بالتقوى، على ما عليه السلف الصالح رضي الله عنهم.
وكان إذا قرئت عليه رسالة القشيري يأتي عليها بما لم يسبق إليه، وربما لو سمعه أبو القاسم القشيري لعلم إنه العالم بمعانيها، المحكم لأصول مبانيها. وكان رحمه الله يكشف أصحابه بأحوالهم ويطلعهم على أخبارهم.
وعرض عليه أن يشهد وان ينتصب لمناصب العدول فامتنع من ذلك.
وعرض عليه القضاء فامتنع منه، ثم طلب به فتخلص منه بحسنى، وقال لإمام الوقت: إني أحتاج أن أغنى من بيت المال، وأمكن من خزانة علمية للمطالعة
(1/186)

لأستعين بها على ما يعرض لي ويطلق لي الحكم بما أراه وارتضيه، فعسر على طالبه مطلبه فتركه.
ووقع بينه وبين قضاة بجاية وفقهم الله كلام في مسائل علمية أفضى الأمر فيها لأن يحشر صدر القاضي، فهم في أمر يسوء في أمر شأن الفقيه رحمه الله فامسك عن الكلام، ولم تمض إلا أيام وأخر القاضي ممن له الأمر بافريقية، فاخبرني من باشره بالحديث رحمه الله إنه قال: لما وصلني عنه ما وصل صليت ركعتين، وألجأت في أمره إلى الله تعالى، فلو كانت ثانيتهما مثل أولاهما لقضيت عليه، ولكنها قصرت عنها فجاءه العزل. وكان له رحمه الله مجلس لتدريس العلم مشهور وكان أصحابه أخيارا، وما رأيت من أصحابه إلا من هو مفلح لاهتدائهم بهديه، وعملهم على كريم سعيه. رحمه الله ورضي عنه.
(1/187)

39 - أبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الجبار المتوسي الملياني
... 644هـ
... 1246م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الجليل، الفاضل الكامل، المحصل المتقن المجتهد، أبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الجبار المتوسي الملياني رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل والجلة، ثم رجع إلى المغرب وسكن بجاية وأقرأ بها واسمع. له علم بالعربية والفقه وأصول الدين، وحظ من التصوف ونصيب من العبادة، وكان موقرا محترما مهابا، وكان له في "التلقين" تقدم ونظر لم يكن لغيره، ولم يكن له مثل في غيره من الكتب، وان كان الرجل إماما في الفقه، ولكنه في هذا الكتاب أجل من غيره من الكتب، وله عليه "تقييد" فيه تنبيهات خفية. وسمعت إنه كمل بعض ما فات المازري على "التلقين" غير أني سمعت شيخنا الفقيه
(1/188)

أبا محمد ابن عبادة يحكي عن بعض أشياخه إنه سئل عن كلام الرجلين على التلقين فقال: "بينهما ما بين بلديهما" هكذا سمعت منه رحمه الله في مجالس متكررة.
والفقيه أبو العباس ممن لا يجهل قدره، ولا ينكر خيره. ولقد استدعاه الأمير الأجل أبو زكرياء رضي الله عنه إلى حضرة افريقية وحضر مجلسه، وجعل بعض الحاضرين يلقي بعض المسائل النحوية بحضرته ليحركه للكلام فلم يتحرك للجواب، وكانت المسائل من المبادئ، فرأى أن الكلام في المبادئ لا يفيد ولا يجدي ولا تظهر فيه فضيلة الفاضل، ولا جهل الجاهل. فظهر ذلك للحاضرين وأجلوه إجلاله، وعرفوا فضله وكماله.
وقبره بمليانة، وتوفى بها سنة أربع وأربعين وستمائة، وهو ممن تلتمس البركة بشهوده، ويظفر زائره بمقصوده.
ويتصل إسنادي عنه من جهة شيخنا الفقيه أبي محمد عبد العزيز وأبي محمد عبد الحق بن ربيع وغيرهما رحم الله جميعهم آمين يا رب العالمين.
(1/189)

40 - أبو عبد الله ابن شعيب
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الإمام العالم، العامل الجليل الفاضل، المجتهد العابد الموفق، أبو عبد الله ابن شعيب من أهل العلم والعمل، له التفنن في العلوم، عالم بالأصلين والفقه والتصوف، محصل لمذهب مالك كما يجب. أصله من هسكورة من المغرب، وقرأ بالمغرب ثم ارتحل إلى المشرق. ولم يرتحل إلى المشرق حتى كان يدرس بالمغرب ويقرأ عليه.
وسمعت إنه كان يستظهر كتاب اللخمي قبل سفره إلى البلاد، وذكر لي إنه قال: "دخلت البلاد وحضرت دروس أهلها فلم يتبين لي ما يقولون لعدم معرفتي باصطلاحاتهم، فأقمت سنة لا أتحدث في شيء، وبعد السنة علمت الاصطلاح وشاركتهم وأربيت عليهم بالحفظ".
حج بيت الله الحرام ولازم الاشتغال والاجتهاد وأقام في البلاد ثلاثا وعشرين سنة بثغر الإسكندرية المحروسة، ثم رجع إلى حاضرة تونس حرسها الله تعالى وبها ظهر حاله، وعرف علمه وجلاله. وتبسط للإقراء ودرس عليه الناس وانتفعوا به. وكان أصحابه أفضل الطلبة وأنجبهم، وولي المدارس فزانها بنظره، وجملها بحميد أثره.
(1/190)

عرض عليه القضاء فامتنع منه، فشد عليه فيه، فأشار عليه بعض أصحابه أن يلي ويتصرف في أموره التصرف الشرعي، ليكون ذلك سببا لقوله فكان كذلك. ولي بلدة "القيروان" فوقعت معارضة بين المكاس وبين بعض أهلها فدعي إليه، وقال لهم: ليس في الشريعة مكس وضرب المكاس وطيف به، فنهى الأمر إلى الولاة بحاضرة افريقية فأمروا بعزله وقالوا هذا لا يصح للولاية، فوصل مرفعا مكرما وما زال عاكفا على العلم والعمل إلى أن مات رحمه الله.
دخل بجاية في مدة اجتيازه إلى المشرق، وذكر لنا صاحبنا الفقيه أبو عبد الله الحدميوتي (كذا) وفقه الله عنه إنه قال: وصلت وصحبني رجل من أعلام المتقين ومن عباد الله الصالحين من أهل المغرب، فلما حللنا بالجزائر عرضت له إقامة هناك فتقدمته إلى بجاية، فأقمت بها الذي أقمت وانفصلت عنها، ثم وصل الرجل المذكور بعدي فتلقاه الناس وأقبلوا عليه فاستضافه رجل من أهلها وأخذ في إكرامه، ولما حضر وقت صلاة المغرب: صلى الفرض وصلى بعده ركعتين ولم يزد على ذلك شيئا ولما حضر وقت صلاة العشاء صلى الرجل ركعتين قبل العشاء وأدى الفريضة والوتر بشفعه ولم يزد على ذلك، ولما أصبح الناس لزيارة الرجل والتبرك به، تلقاهم رب المنزل وهو يشير لهم إنه ليس هناك كبير عمل، فكوشف الشيخ بذلك وكان على قدم الحركة مستعجلا، فاستخار الله فصرف أصحابه وخدامه وطلب الإقامة عند الرجل الذي انزله، فأقام عنده ثلاثين يوما وليلة لم يأكل فيها طعاما ولا يشرب فيها ماء، ولا زاد في حال العبادة شيئا سوى أداء الفرائض، وإنما هو مجرد وصال، ولما تمت الثلاثون يوما قال للرجل: أنا أنصرف، وقال له: ما أقمت عندك هذه المدة إلا لئلا تزدري بأولياء الله تعالى إذا رأيتهم يؤدون الفرائض ويقتصرون عليها، وأي فضل أعظم من أداء الفرائض إذا فعلها الفاعل على حقيقتها وارتكب جميل طريقتها؟ وهذا الرجل إنما كان من أهل العرفان، وإنما كانت عبادته في فكرته، ولكن العامة ما يرون الفضل إلا لمن يكثر الركوع والسجود والصيام وإن كان جاهلا، وذلك لعدم تمييزهم وقلة علمهم.
(1/191)

ولقد ذكر لي بعض أصحابنا عن الشيخ الجليل الفاضل أبي محمد عبد الجليل صاحب "شعب الإيمان" إنه كان إذا ورد على طنجة لزيارة بعض أصحابه كابي العباس الفتجيري وغيره إنه لا يبيت إلا في الجامع ولا يبيت بمنزل احد، وإنه كان إذا دخل الجامع يضطجع، وإذا كان وقت صلاة الصبح يقوم فيصلي من غير تجديد طهارة، وان بعض المؤذنين بالجامع رآه على هذه الحالة وتكرر هذا منه، فتكلم فيه وقال إنه يصلي بغير طهارة، ونمى الخبر إلى أبي العباس الفتجيري فأمر المؤذن المذكور بالتوبة وقال له: ذلك رجل ورده في مضجعه، فاستغفر الله مما وقعت فيه. وسمعت أن المؤذن أصيب بمصاب بسبب وقوعه فيه، وسمعت أن الشيخ أبا محمد عبد الجليل كوشف بهذه القضية، وكان إذا عرض له المبيت بالجامع يقوم من آخر الليل ويقول: ائتوني برطل من الماء لأزيل الشك عن المرتاب، وسبب هذا أن العامة لا يدركون إلا الأحوال الظاهرة ولا علم لهم بالأسرار الباطنة، يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون، أعاد الله علينا من بركات أولياء الله بفضله.
(1/192)

41 - أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي
... - 642هـ
... - 1244م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المجيد المجتهد، أبو الحسن عبيد الله ابن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي من أهل شاطبة. قبره بحومة رابطة المتمني خارج بجاية، توفى ليلة الخميس مستهل جمادى الأولى من عام اثنين وأربعين وستمائة. كان من أهل العلم والفضل والدين، مستبحرا متفننا عالما بالفقه وأصوله، وعلم العربية والنحو واللغة والأدب، له شعر بارع وأدب غض يانع، استفدت الكثير من حديثه عن شيخنا الفقيه الخطيب أبي عبد الله ابن صالح رحمه الله، وأنشدني كثيرا من شعره. وكان له تقدم في علم المنطق وله "تقييد" على "كتاب المفصل"، وكان يقوم عليه قياما جيدا، وله "اختصار" "حلية الأولياء" لأبي نعيم رواها الخطيب أبو عبد الله عنه ورواها.
(1/193)

وهو ممن يجب أن يثبت في حلية أبي نعيم، وان يكون أحد الأولياء مطلقا، وبلغ من الزهد والورع مبلغا فاضلا، وكان على ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم في ملبسه ومطمعه وتصرفه وفي قضاء حاجته، وكان يملأ إناء الماء لشربه ويسوقه على كاهله ويحمل خبزه ليخبز له بيده، ويرغب إليه أخيار الناس في حمله عنه تبركا به فيمتنع ويأبى من ذلك، وكان إذا مشى لا يعلم من على يمينه ولا على يساره، وكذلك كان إذا صلى لا يعلم من على يمينه ولا يساره، ولا يتكلم مع أحد إلا في أمر ديني أو دنيوي يرجع إلى ديني عند دعوى الضرورة فيه.
(1/194)

42 - أبو محمد عبد الله الشريف
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ السمي السني، الشريف بنسبه ومنصبه، الفقيه المعتبر، المتعبد المتزهد المتكلم، أبو محمد عبد الله الشريف كان له بأصول الدين معرفة وكان يقوم على "الإرشاد" لأبي المعالي قياما حسنا، وله في علم العقائد باع وساع، وفكر مطاع. يميط شبه الملحدين، ويثبت صور الحق بواضح البراهين. وكان يحضر له خواص من الطلبة يلتمسون بركته، فيجدون منفعته، ويجتنون أحسن الجنى ثمرته. وكان يأكل من كد يده من الخياطة وبعض التجارة، وكان بسوق الصوافين من بجاية، فكان أهل السوق يحاشونه في وظيفتهم ولا يحملونه شيئا من تكاليفهم رعيا لما هو عليه من علمه ودينه ونسبه، فلما كان في مدة من المدد كلفوا من ناحية الآمر بتكليف جروا فيه على عادتهم في محاشاته، ومعاملته بالبر ومماشاته، فنظر رحمه الله إلى أكثر أهل السوق وظيفة، فجاءهم بمثل وظيفته ودفعه إليهم عن نفسه، فتمنعوا من ذلك ورغبوا إليه وسألوه واستعطفوه في أن لا يكون ذلك الحال، فأبى وامتنع إلا
(1/195)

الأداء معهم والانتظام في سلكهم، فقبلوا ذلك منه وهم على حال اعتذار واستغفار، وسئل رضي الله عنه عن السبب الموجب لفعله هذا الفعل فقال: رأيت القيامة قد قامت ورأيت الموازين قد وضعت وأعمال العباد توزن، ورأيت لطوائف من الناس حسنات توضع في موازينهم كأمثال الجبال منهم أهل السوق المذكور وغيرهم، فنظرت أن يكون في ميزان حسناتي مثل ذلك فما رأيته، فسألت عن ذلك فقيل لي ليس لك من هذا شيء، هذه هي أجور المغارم التي يغرمونها والتكاليف التي يكلفونها، وأنت مبرأ منها ومنزه عنها، وكان ذلك -قال- سببا لرجحان موازينهم، فعهدت إلى الله أن لا يفوتني معهم تكليف ما دمت حيا. وهذا من علمه وعمله رحمه الله، فسبحان من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. نفعنا الله به وبأمثاله.
(1/196)

43 - أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل المتعبد، أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات حافظ لمذهب مالك رحمه الله، محصل له متقن مجيد، كان ممن يقرأ عليه ويجتمع إليه. فرأى بالأندلس وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرا بها وانتفع الناس بعلمه ودينه، ثم رحل إلى حاضرة افريقية واستوطنها وأقرأ بها وانتفع به. وكانت تقرأ عليه سائر الكتب المذهبية، التهذيب والتلقين والجلاب والرسالة وكان يحفظ تنبيه ابن بشير ومنتقى الباجي وغيرهما من الأمهات، أخبرني بذلك من وثقت بحديثه من أهل
(1/197)

افريقية، وبها توفي رحمه الله. وكان يأكل من كد يمينه، وكان معرضا عن خطط الفقهاء ولو أرادها ما تعذرت عليه، وكان تلو شيخنا أبي العباس ابن عجلان في علمه ودينه، رحمهما الله ورضي عنهما ونفعنا بهما آمين.
(1/198)

44 - أبو تمام الواعظ الوهراني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العابد الصالح المبارك، المتعفف المذكر، أبو تمام الواعظ من أهل وهران، سكن بجاية واشتغل بها بعلم التذكير واستدعى الخلق لباب الله تعالى، وكان له مجلس يروق الحاضرين ويسر الناظرين، وكان جلوسه بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، وكان يوجد لكلامه في النفس أثر، وكان الغالب عليه الخوف، وكذلك كان مجلسه إنما هو التخويف، وكان له أتباع من الجمهور وكان له تبتل وكد في العبادة، ورأيت من أصحابه المتعبدين من كاشفني بالكرامات ورأيتها منه غير مرة. رحم الله جميعهم واعلقنا بحبهم بالحبل المتين آمين.
(1/199)

45 - أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني الصواف
... بعد 69هـ
... 1291م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المنقطع المتبتل، الزاهد الولي، أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني السواف. نشأ منشأ بني على الهدى والرشاد، والعمل على التخصيص وجميل الاعتقاد. قرأ ببجاية على أكابر مشائخها ثم ارتحل إلى المشرق في عشر الستين وستمائة، وحج بيت الله الحرام ولقي أفاضل، وانقطع وتعبد وتبتل مع اشتغال دائم، وفكر متصل ملازم. وأظهر أمره بالديار المصرية ظهورا كليا ورغب الناس إليه والملوك أن يزوروه فتمنع من ذلك، ولم يتمسك بشيء من الدنيا، لا بمال ولا بجاه، وكان الناس يرغبون في الأخذ عنه فيمتنع من ذلك قصدا للخلاص والسلامة، وكان يرغب في الفتيا فإذا أفتى ترجح قوله على كل قول وحق له ذلك.
ولقد أخبرني بعض الطلبة الذين توجهوا إلى المشرق برسم الحج قال: خرجت معه من الديار المصرية في الركب المصري وهو متوجه نحو الحج، فبلغته لأتبرك به، فلم يزد في سفره على حاله في البلد شيئا، خرج بقميص وعمامة ومئزر وقرقه الذي يمشي به في الحاضرة وعكاز وركوة ماشيا
(1/200)

على قدميه، وأخيار الأمراء يرغبون أن يحملوه على رؤوسهم فضلا أن يحملوه على المحامل، وهو يمتنع من ذلك، فكان إذا نزل الركب ركز عكازه واستظل تحت مئزره.
وأخبرني إنه: إذا اشتد مشي الركب وألحوا في السير واشتدوا كنت أراه لا يزيد على نقل قدمه على الثاني شيئا، وأنا أكد وراءه جريا فلا أدركه إلا بتعب، ومشقة ونصب. وظهر من كراماته في حرم الله الشريف عجائب، ووقف له منها على غرائب. قال المخبر: وما كنت اعلم له وجها لمعيشته في الركب ولا كيف تناولها. توفى رحمه الله في عشر التسعين وستمائة.
(1/201)

46 - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري عرف بابن السراج
560 - 657هـ
1165 - 1259م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المسن المعمر، الراوية المسند، الصالح الفاضل، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري، عرف بابن السراج، من أهل اشبيلية أعادها الله دار إسلام، وهو ابن أخت الفقيه أبي بكر بن محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي المقرئ، أخذ عنه وشاركه
(1/202)

في الأخذ عن أبي القاسم ابن بشكوال وأخذ أيضا عن أبي عمر ابن عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري، وعن أبي القاسم السهيلي وأجاز له الإمام أبو عبد الله بن زرقون وأبو محمد عبد الله الحجري وأبو القاسم عبد
(1/203)

الرحمن بن عمر بن غالب عرف بابن الشراط وغيرهم.
رحل إلى العدوة واستوطن بجاية. كان على سنن الفقهاء وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له رواية عالية متسعة، أخذ عنه ببجاية جلة منهم، الشيخ الفقيه أبو الحسن الرندي والفقيه أبو عبد الله القضاعي عرف بابن الآبار والفقيه الرئيس أبو عثمان ابن حكم والخطيب أبو بكر ابن سيد الناس وغيرهم من مشيخة الأندلسيين. وتوفي ببجاية ضحى يوم الأحد، السابع لصفر من عام سبعة وخمسين وستمائة، ودفن بخارج باب البنود بحومة بئر مسفرة، بالمقبرة المعروفة بابي علي رسمية، ومولده في الثامن والعشرين لرجب الفرد من عام ستين وخمسمائة.
(1/204)

47 - أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي
... 686هـ
... 1287م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الصالح، الأديب المفوه، المبارك الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي، رحل إلى المشرق ولقي أكابر العلماء وأخيار الفضلاء، كالرشيد بن عوف والشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيرهما، كان منقطعا عن الدنيا متعبدا متزهدا، وكف بصره في آخر عمره، وكان حسن الحديث مستطرف الرواية بديع الحكاية، وله نظم حسن وكلام في النثر مستحسن.
ولقد رأيته نظم شعرا تفرس فيه معاني، وحدس فيه على وقوع أمر فيه تواني. واستكتم من نظمه أن لا يظهره إلا بعد ظهور ما فيه، فكان علم الله كما نظم، وعلى نحو ما توسم ورسم. ويحتمل عندي والله اعلم، أن يكون ذلك من جملة المكاشفات، ومما شاهده في مرآته الصقيلة كما يشاهد في المرآة، فإنه كان أهلا لذلك، لسلوكه من سبيل الخير والبر أفضل المسالك. توفى رحمه الله ببجاية يوم الاثنين الرابع لشعبان المكرم من عام ستة وثمانين وستمائة رضي الله عنه.
(1/205)

48 - أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي
... 584هـ
... 1189م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحصل المتقن، أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي رحل إلى المشرق وكانت قراءته وصحبته مع القاضي أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي ووصلا معا من المشرق إلى مراكش ودخلا على الخليفة بها، وكان الفقيه أبو عبد الله يكبر أبا تميم المذكور ويقول: هو شيخي، وخرجا معا وليين القضاء بجزيرة الأندلس كل واحد لبلدة مستقلة، وولي بها بلادا، وولي أبو تميم المذكور قضاء بجاية مدة قليلة، وقد رأيت التسجيل عليه في بعض كتب القضاء الكائنة بمودع بجاية حرسها الله.
وكانت له نفس سرية وهمة علوية، ومن جملة البلاد التي وليها بالأندلس حاضرة بلنسية سنة ثمان وستين وخمسمائة، ثم صرف عن ذلك منقولا إلى قضاء بجاية، واستقدم إلى مراكش من بجاية ليتولى قضاء مرسية، فتوفي في طريقه إليها بتلسمان سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وممن أخذ عنه، الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن عبد الحق التلمساني سنة
(1/206)

أربع وثمانين. وممن أخذ عنه أبو عبد الله ابن حماد قال: "قرأت عليه معيار العلم من أوله إلى آخره، قراءة تفهم وتعلم، في بيت الكتاب من قصر بجاية سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وقرأت عليه المقاصد بالموضع المذكور وفي التاريخ المذكور".
(1/207)

49 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي
... 612هـ
... 1215م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المتكلم، العالم المجتهد، النبيل الفاضل الجليل، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي، من أهل بجاية. رحل إلى المشرق ولقي العلية والجلة من أهل العلم. وولي قضاء المدن بجزيرة الأندلس واستخلف بمراكش، وولي قضاء بجاية ثلاث مرات وصرف عن آخرها سنة ثمان وستمائة، وتوفى ببجاية بين عيد الأضحى والفطر سنة اثنتي عشرة وستمائة.
له فضل وجلال وتقدم علمي رقي فيه إلى غاية الكمال، وكان جلدا صلبا قوي
(1/208)

الجأش، وكان إذا حضر مجلس أمير المؤمنين ابن عبد المؤمن وتقع المذاكرة بين يديه، يسامحه الحاضرون من الطلبة في المذاكرة، وكان هو لا يسامحه في شيء، وكان أمير المؤمنين يجد منه في مجلسه ويعرف له مع ذلك فضلا فلا ينقصه شيئا من حقه.
وكان بينه وبين القاضي أبي الوليد ابن رشد إخاء وصفاء، ولما وقعت الواقعة التي تكلم عليها أبو الوليد في كتاب "الحيوان" له حيث قال: "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وهم أمير المؤمنين بالفتك به، لم يكن سبب نجاته غيره مع موافقة القدر، وتسبب في ذلك بوجهين، احدهما كان جرى بمجلسه أمير المؤمنين منع العمل بالشهادة على الخط، ولما وجد هذه القضية هم بالعمل بها، فحاج أمير المؤمنين وقال له: منعتم الشهادة على الخط في الدرهم والدينار وتجيزونها في قتل المسلم، والوجه الثاني إنه قال: إنما الكتب "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وإنما جاء فيه زيادة ونقص وهذا أحسن، وكل ذلك من قوة الجأش.
ومن طرفه، رحمه الله، إنه لما وقع الحضور بمجلس أمير المؤمنين وأحضرت فيه لآليء نفيسة في طبق وعرضت على الحاضرين في المجلس واستحسنوها فعدت وفقدت منها واحدة، فهم أمير المؤمنين بتفتيش الحاضرين، فأشار عليه بسوق قلة من ماء مملوءة، ويدخل فيها كل إنسان يده سترا على الفاعل،
(1/209)

فسيقت القلة وابتدئ بمن عن يمين الفقيه أبي عبد الله أو من عن يمين أمير المؤمنين، وكان هو على يساره، فلما انتهت القلة إليه ليدخل يده فيها امتنع وقال: صبوها فان وجدتم حاجتكم وإلا فهي عندي، فصبوها فوجدوها، فخلص من الشك فيه. وهذا من نبله وسياسته رحمه الله.
وكان له علم بالفقه والأصلين والخلافيات والجدل، وله في المعقول الحكمي نظر. وسئل في التصنيف فامتنع وقال: قد سبق الناس بذلك وما عسى أن يأتي به، فعد هذا من عقله؛ وسمعت بعض الطلبة يقول أن له تقييدا على "المستصفى" لأبي حامد (الغزالي) وأظنه صحيحا ولعله إنما علق عليه. ورأيت بخطه رحمه الله تأليفا في الموسيقى، وقال لي بعض الطلبة: إنه من تصنيفه وما وثقت بذلك، ويظهر لي إنه كلام أبي علي ابن سينا.
وكانت فيه دعابة وفكاهة لا تخل برتبته ولا تحط من منصبه، ولقد سمعت إنه وقعت بينه وبين بعض أصحابه من الطلبة مخاشنة فقال له صاحبه: تعاملني بهذا وأنا أسن منك وأسنى وأجل؟ فقال له: نعم أسن بموسى وأسنى بسانية وأجل في مربطك، فتضاحكا واصطلحا.
وكان مؤثرا لأهل الطلب، قابلا على أهل الأدب. أخبرني الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع رحمه الله قال: كان الفقيه أبو عبد الله القاضي ابن إبراهيم الأصولي ينتابه من يتكرم عليه ممن له رتبة عند خلو مجلسه من الطلبة فيجلس بإزائه، فإذا جاء طالب أفسح له بينه وبينه، ثم كلما أتى طالب فعل ذلك، حتى يعود الاحظى عنده، القريب المجلس عنده، أبعد الناس مجلسا منه، فكان لا يرى الحضرة إلا للعلم.
وكان شديدا على ولاة الأمر الذين يكونون معه ببلد قضائه، لا يسامحهم في شيء من أمورهم ويجاهدهم بم يكرهون في حق الله وفي حقوق المسلمين، وقد
(1/210)

جرى يوما بينه وبين والي بجاية كلام كانت فيه غلظة، فقال له الوالي: والله لقد أصاب سيدنا أمير المؤمنين المنصور فيكم، فقال له: أن كان أصاب أمير المؤمنين فقد أخطأ فينا أمير المؤمنين الناصر فأفحمه، ورجع فاسترضاه. وكان أمير المؤمنين المنصور كتب في شأنه وشأن أبي الوليد ابن رشد إلى البلاد، وكان من أمرهم ما رأيت الإمساك عنه ثم جاء أمير المؤمنين الناصر بعده وأحسن إليهم وعطف عليهم، ولولا صورة استطرد الكلام ما ذكرت هذا، لأني ما زلت أنقد على من يذكر فضل أهل العلم ثم يغمز في شأنهم ويشير إلى القادح فيهم، فلا أريد أن اذكر إلا الخير أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.
(1/211)

50 - أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النبيه التالي، المحصل المدرس المجيد، أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان، شهير الذكر نبيل القدر، من أصحاب الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الأصولي وعنه أخذ أكثر ما أخذ ومنه تلقى، وبه في معالم العلم والرياسة ترقى. وكان أبو عبد الله الأصولي يعتمد عليه، ويشير في مجالسه إليه. وكان له خط بارع، ورأيت كثيرا من كتب الحكمة بخطه في نهاية الإتقان وجودة الخط، عليها تنبيهات وتطريرات تدل على نبل مستنبطها. وكان مشاركا في العلوم وهو أحد العدول المعول عليهم ببجاية، والفضلاء المشهور لهم بالمعرفة والدراية.
(1/212)

51 - أبو بكر عبد الكريم بن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المتقن، المحصل المجيد، أبو محمد عبد الكريم ابن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي، من أهل قلعة حماد، صاحب الرابطة المعروفة الآن برابطة ابن يبكي بداخل باب "أمسيون" من أعلى سند بجاية، وبها قبره رحمه الله، وهو الموفق لا وقافها المعروفة الآن بها. كان من جملة أهل العلم ومن أكابر أولي النهي والفهم وكان معروفا عند خلفاء بني المؤمن، وكان ينحو للظاهر، وكانت له وجاهة وعلو قدر ورفعة في الدين والعلم وسمو نظر، وهو من نظراء العالم أبي عبد الله محمد بن عبد الحق ابن سليمان التلمساني واليه كان مرجع الفتيا وعلى قوله العمل، وكان له مع ذلك انقباض عن الناس واشتغال وجد خرجا عن القياس، نفعنا الله به.
(1/213)

52 - أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحدث المحصل، أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان من أهل قلعة حماد، بها ولد وتوفي أبوه وخلفه صغيرا، ولما أخذ في سن البلوغ تعلق بالجندية واتخذها حرفة، فرأى في منامه رؤيا قال له: يا محمد ليس الجندية من شأنك فاشتغل بالقراءة. فترك الجندية واشتغل بقراءة العلم، فاجتهد وحصل، ثم رحل إلى بجاية مستوطنا واخذ عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وغيره.
وكان له علم بالحديث والفقه والوثيقة، وأكثر تخاطيطه إنما هو التحدث وقضاء بعض البلاد المغربية، وكان نائبا عن القاضي أبي عبد الله الأصولي في (قضاء) الانكحة في مدة ولايته ببجاية، وكان يقرأ عليه السيد أبو الحسن ابن عبد المؤمن "الموطأ" قراءة تفهم، وكان له مجلس دراسة بعلو سقيفة داره فيجتمع إليه خواص الطلبة، وكان له جلال وفضل وعلم وعمل، وهو أحد المشهورين الذين لا يحتاجون. يستكثر من خيرهم لاشتهار أمرهم رضي الله عنه.
(1/214)

53 - أبو عبد الله ابن أمة الله
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، السيخ الفقيه، العالم الأصولي المحقق، أبو عبد الله ابن امة الله كان من أهل العلم بأصول الدين، وكان له من الاشتهار في هذا العلم والظهور فيه والمعرفة به ما أربى به عن المتقدمين، وكان يحل الشبهات، ويفك المغلقات المستعصبات. وكانت دروسه تميل إليها نفوس الناس وترجح على غيرها من الدروس، مع نسك وعفاف واقتصاد وكفاف، رضي الله عنه ونفعنا به آمين.
(1/215)

54 - أبو جعفر ابن أمية
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم الفاضل، المحقق المتقن، أبو جعفر ابن أمية وهو ابن مقلة زمانه بارع الخط، حسن الضبط، مليح التنبيه. ووقفت على جملة كتب وعليها خطه في تنبيهات وتقييدات في كل فن من كتب الحكمة وكتب العربية وكتب تفسير القرآن العزيز، فما منها كتاب إلا وفي كثير من مواضعه بخطه تنبيه، أما تقييد المطلق وإما تخصيص العام وإما تفسير اللغة أو بيان وجه إعراب، وكل ذلك مما يروق خطه ولفظه ومعناه، هذا فيما قابله أو طالعه، وأما ما نسخه فأعجب من ذلك ولا يكاد أن يوجد فيه غلط بوجه.
له تقدم في العلوم وتفنن في علوم الحكمة وعلوم الشريعة وعلم الأدب والعربية، وله كتابة بارعة وأشعار رائقة، أنشدني بعض أصحابنا من شعره في التحقيق هذين البيتين وهما حسنان في معناهما:-
ظهرت فلم تعرف لشدة غفلة … عرضت فأنكرت النفوس ظهورها
ولقد أطالوا الخبط فيها عشوة … وهي التي قد أشهدتهم نورها
وله شعر كثير في النسب والحكمة والتصوف، ومما استحسنه:-
أأمسك دمعا وقد أرسلت … علي من الهجر ريح عقيم
غفت مقلة الوصل إغفاءة … كنومة أهل الرقيم
فإن كان نهج الرضى مائلا … فان صراط المستقيم مستقيم
(1/216)

ولي مقلة نظرت في النجوم … قضت لي أن فؤادي سقيم
وله أيضا:- قال أنيسي حين فاوضته = وما درى أن مقامي عسير
أقم فقلت الحال لا يقتضي … قال فسر قلت جناحي كسير
وله رحمه الله عليه:-
بمركز قلبي أو محيط جوانحي … هوى لمنال الجود ليس بنازح
وما ذاك إلا أن أرى ومشيئتي … إلي وسر العلم طي جوانحي
فهل سعة الجود الإلهي تقتضي … مرادي فقد ضاقت علي مسارحي
وله قصائد مطولات، ومقطعات متخيرات، ولكن ليس المقصود من هذا التقييد الإسهاب، وإنما هو الإشارة إلى الباب.
(1/217)

55 - أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن عيسى بن أبي بكر الصنهاجي
... 628هـ
... 1231م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الأجل، العقيه الرئيس الأكمل، العالم الأوحد، أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن أبي عيسى بن أبي بكر الصنهاجي أصله من قرية تعرف "بحمزة" من حوز قلعة بني حماد، وهو من أهل قلعة بني حماد، من كبراء الأئمة وفضلائهم، قرأ ببلده بالقلعة وكانت حاضرة علم، وقرأ ببجاية ولقي بها جلة منهم الشيخ أبو مدين رضي الله عنه.
قال: في "برنامجه" إنه سمع عليه كتاب "المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى" من فاتحته قراءة تفقه، قال: فأول مجلس حضرته عليه أردت أن أقيد ما يقوله على الكتاب، قال: فمشيت إلى داري وقيدت ما علق بخاطري من كلامه، فلما كان من الغد ووقع الحضور للدرس، كان أول ما افتتح به الشيخ كلامه أن قال: أنا لا أريد أن يقيد علي شيء مما أقوله على هذا الكتاب، أو كلاما ما هذا معناه، فكانت تلك إحدى كراماته رضي الله عنه التي شاهدتها منه، فأمسكت عن التقييد، قال: وكان ذلك بداره ببجاية سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ومنهم القاضي المحدث العالم أبو محمد عبد الحق الازدي الاشبيلي، روى عنه مباشرة ببجاية كتاب "الموطأ" وغيره من الكتب،
(1/218)

وروى عنه بواسطة عن الأستاذ أبي ذر مصعب بن محمد عنه، وهذا مما يدل على فضله، فان المألوف أن الإنسان إذا شارك في الشيخ لا يروى عنه بواسطة، غير أن هذا إنما هو من رعونات النفس، والحق أن الإنسان كيف ما وجد الفائدة تلقاها. ومنهم القاضي الإمام أبو علي المسيلي، ومنهم القاضي ميمون بن جبارة وأبو العباس ابن مبشر، ولقي غير هؤلاء بالقلعة والجزائر وتلمسان وغيرها من بلاد المغرب.
ومن جملة من أخذ عنه، القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان التلمساني وغير هؤلاء من صدور العلماء، ورأيت له "برنامجا" ذكر فيه شيوخه ومقرؤاته من الكتب يشتمل على مائتين كتابا واثنين وعشرين كتابا، كلها مسندة إلى مؤلفيها مذكور السند فيها، وما رأيت برنامجا أحسن منه، لأن أكثر البرنامجات تقع فيها الإحالات، أما في الكل أو في البعض، إلا هذا البرنامج، فإنه ما أحال فيه على كتاب أصلا، وذكر فيه إنه لخص كتاب الطبري، يعني تاريخه وكل من روى عنه فما هو إلا من الجلة الأعلام، واشتهر عنه رحمه الله من التحصيل والعلم أكثر مما اشتمل عليه برنامجه، والذي يدل عليه برنامجه من علومه، هو علم القرآن العزيز وعلم الحديث وعلم الأصول وعلم النحو وعلم الأدب والتاريخ وعلوم الرقائق والأذكار، وكان له في كل فن من هذه الفنون حظ وافر وعلم ماهر.
ولي قضاء الجزائر الخضراء ثم صرف عنها وولي قضاء "سلا" سنة ثلاث عشر وستمائة.
(1/219)

وله تآليف، منها كتاب "الإعلام بفوائد الأحكام" لعبد الحق الاشبيلي، وشرح "مقصورة ابن دريد" وله تاريخ سماه "بالنبذ المحتاجة في أخبار صنهاجة بافريقية وبجاية" وتوفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقال ابن زيتون في عشر الأربعين وستمائة، وكان ينيف على الثمانين، رحمه الله. ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيه أبي عبد الله الخطيب عن أبي محمد بن برطلة عنه.
(1/220)

56 - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد السلام
عرف بابن الطير
نحو 643 بعد 699هـ
1246 - 1300م
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل، الرضي الأصولي، أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن عبد السلام عرف بابن الطير من أهل افريقية. قرأ ببجاية وبحاضرة تونس، وارتحل إلى المشرق وحج بيت الله الحرام ولقي ناسا، ورجع حاضرة افريقية وتخطط بها بالعدالة وهي صفته.
وكان له باع بالفقه وأصوله، وله نزاهة ورياسة وعلو همة. ولي قضاء بجاية محمولا عليه وهو لا يريد، ولما استقر تخير رئيسين من رؤسائها وفقهائها وولى أحدهما قضاء الانكحة وولى الآخر النظر في الأحكام مدة إقامته بها، إلا ما يطالعه به الفقيهان اللذان استنابهما وما يشاركانه فيه لا غير ذلك.
وكان يقرأ عليه مدة مقامه بها من الطلبة الخواص، يقرءون عليه الفقه على طريقة الأقدمين، ولما وصله كتاب العزل سجد شكرا لله، وبعد أن وصله كتاب العزل ركب في بعض خواص أصحابه وخرج متطلعا على خارج البلد وعلى حال أهله على وجه الاستكتام، فلم يشاهد إلا خيرا ولا اطلع إلا على ما أرضى، ولما حضر بين يدي الخلافة شكر أهل البلد وأثنى عليهم بخير وأزال ما عرض في النفس منهم، جزاه الله أفضل الجزاء.
وسمعت إنه اختصر كتاب "المستصفى" اختصارا حسنا، سمعت ذلك من شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الله بن عبادة رحم الله جميعهم، وأعاد علينا من بركاتهم، آمين.
(1/221)

57 - أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي المعروف بابن الحجري
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي، الأستاذ المدرس البارع، أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي، المعروف بابن الحجري أحد المنتصبين للأستاذية والإقراء، لقي مشائخ بافريقية منهم أبو زيد عبد الرحمن بن إسماعيل ابن الحداد التونسي. وأخذ عنه العلم ناس ببجاية، منهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي، المذكور في هذا الكتاب وأجاز له، وكان رحمه الله أكثر الناس اعتدالا واقتصادا، مقتصرا على حال نفسه، معرضا عن أبناء جنسه.
(1/222)

58 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحيى الاغماني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي المنطقي، الأستاذ الجليل، اللغوي التاريخي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحي الاغماتي، من أهل اغمات من المغرب، ولقي بالمغرب جملة من الأفاضل ومنهم ابن خروف وغيره، واستوطن بجاية وولي القضاء ببعض جهاتها. وكان مشتغلا بالتدريس بها، وقرأ عليه الشيخ الأجل أبو إسحاق ابن عمران أيام ولايته السلطانية ببجاية.
وكان في علم العربية بارعا، وله تحصيل لكتاب سيبويه وكان كثيرا ما ينظر مسائله بعضها ببعض، أخبرني شيخنا الأستاذ أبو عبد الله عنه، إنه كان اعلم الناس بكتاب سيبويه، وما رأيت أعرف منه بمقاصد كتاب سيبويه ولا أشد منه تنظيرا وفهما لمسائله، وأما كراس أبي موسى الجزولي ومفصل الزمخشري فكانا عنده من المبادئ.
وكان له تحصيل لعلم المنطق، وكان جيد الفقه حسن النظر، وذكر لي بعض أصحابنا الطلبة، إنه ليلة يبيت علي الفقه ويتعمد على كثرة النقل، إنه يضاهي
(1/223)

شيخنا أبا محمد عبد العزيز بن كحيلة في نقله، ولكنه لم يكن كثير الاشتغال بالفقه وإنما اشتهر وظهر في علم العربية والمنطق وما يتبعهما، وكانت له أخلاق كريمة، وطريقة قويمة. ويتصل إسنادي عنه من طريق شيخنا أبي عبد الله الأديب، وشيخنا أبي محمد عبد الحق بن ربيع رحمهم الله.
(1/224)

59 - أبو عثمان سعيد بن عبد الله المعروف بالجمل
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المحصل المحقق، أبو عثمان سعيد بن عبد الله، المعروف بالجمل، من أصحاب الشيخ أبي إسحاق ابن البرا المعروف بابن دهاق له علم بأصول الدين وأصول الفقه والتصوف، وهو من كبار أهل العلم، جلس للإقراء ببجاية ودرس عليه ناس. وكان نافذ النظر في أصول الدين وهو أعظم علومه، وكان له جلال ووقار وانعزال عن الناس واقتصار على الاشتغال بالعلم، وكانت له كفاية أعانته على التخصص وسلوك الخير واقتفاء طرق البر.
(1/225)

60 - أبو علي عمر بن مالك المرساوي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الفاضل المحقق، الأصولي الحافظ، المتقن المجيد، أبو علي عمر ابن ملك المرساوي. وكان اعلم وقته بعلم الكلام، وكان محققا له محصلا لمعانيه كليا وجزئيا، وكان أحفظ الناس بدقائق تفاصيله.
وذكر لي بعض أصحابنا، أن له فصاحة وطلاقة لسان، وإنه في حفظه لعلم الكلام ولحصر كلياته ولتفاصيل جزئياته، كشيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي في مذهب مالك رضي الله عنه، وما رأيت فيمن رأيت أحفظ منه لمذهب مالك رضي الله عنه.
وكل من كان له مشاركة في أصول الدين ببلدنا، فما كان أصل أخذه إلا عن طريق أبي علي المرساوي، وكان طريقه في ذلك كله على طريق الأقدمين، على طريقة أبي المعالي وأبي بكر ابن الطيب. وكان له علو قدر وسمو رتبة، وكان من العدل المرضيين خطة وصفة.
(1/226)

61 - أبو الحسن علي بن عمران بن موسى الملياني عرف بابن أساطير
... بعد 670هـ
... 1271م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي الجليل الفاضل، المحصل الحكيم أبو الحسن علي ابن عمران بن موسى الملياني، عرف بابن أساطير. لقي المشيخة ببجاية كالشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، وغيره، وكان من خواص أصحابه ومن فضائلهم.
كان له علم الفقه وأصول الدين والتصرف وعلوم الحكمة، وكان له علم بالوثيقة، وكان من عدول بجاية وخيارها، وكان متخصصا متزهدا متقللا من الدنيا متعففا مقتصدا، ومضى له زمان وهو فيه غاية التخلي والانقطاع في مدة الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه، وكان يحمل خبزه إلى الفرن بيده، وكان يرغب في أن يحمل عنه فيمتنع من ذلك، وكثيرا ما كان يشتري ما يحتاج إليه من ضروريات منزله بيده ويحمله بنفسه ولا يترك أحد يحمله عنه، ولم يكن ذلك منه إلا قصدا للبراءة من الكبر، لأنه كانت له رياسة وهمة وعلو منزلة، ولم يكن من هو دونه يفعل مثل ذلك.
وكان أبو محمد عبد الحق رحمه الله يقول فيه: العالم المطلق. وكان يعظمه
(1/227)

كما كان يعظم مشيخته، وما رأيته يعظم أحد من أصحابه مثل تعظيمه له، وكان يقرأ عليه بعض خواص أصحابنا كتاب "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا وكان بحيث تقرأ عليه العلوم التي ذكرت إنه يحملها لو تبسط لها. وكان أعقل أهل وقته وأبعدهم عن الشر. توفي ببجاية في عشر السبعين وستمائة.
(1/228)

62 - أبو علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي
631 - 131هـ
1234 - 1331م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المتفنن، أبو علي منصور بن أحمد ابن عبد الحق المشدالي من أصحابنا ومعاصرينا في نفس الوقت، رحل إلى المشرق ولقي أفاضل، منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام والشيخ صدر الدين سليمان الحنفي وشرف الدين ابن السبكي وشمس الدين الاصبهاني وأفاضل
(1/229)

غير هؤلاء، قرأ وحصل. له علم بالفقه وأصول الدين، وله مشاركة في علم المنطق وعلم العربية وكل هذه تقرأ عليه، ودروسه حسنة منقحة، وله عبارة جيدة، وهو كثير البحث، ومحبته في البحث أكثر من محبته في النقل، ويتكلم على تفسير كتاب الله تعالى وحديث رسول صلى الله عليه وسلم فيجيد وهو من أهل الشورى وأهل الفتيا.
وله شرح على رسالة أبي محمد ابن أبي زيد ولم يستكمله، وهو لا بأس به، وتحصيله لأصول الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين وعلى طريقة المتأخرين، وهو ممن ينفع بالأخذ عنه والسماع منه.
(1/230)

63 - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب
-أواخر القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، صاحبنا الفقيه، الجليل النبيل، الفاضل النبيه، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب من الأفاضل الحذاق، وممن له الذهن الثاقب على الإطلاق كان له علم بالنحو والمنطق وأصول الدين والفقه والحكمة والتصوف، وكان أنبه الطلبة، وكان مليح النظم، وكان أحسن الناس تقييدا، واقتطف قبل أن يستكمل الأربعين، ولو بقي لظهر عليه من العلوم كثير، وما هو إلا كما قال صاحب "المطمح" في ابن باجة: إنه مات قبل أن تظهر خزائن علمه. ومن نظمه في التصوف قوله:
روض المعارف حضرة العرفاء … وجنى التفكر جنة العقلاء
ونعيم أهل الحق درك حقائق … لاحت بأفق القلب حال صفاء
فاركب براق القلب سرت مسلما … واحذر عليك تجسس الرقباء
واعبر عوالم تقف بمعالم … واحذر عوالم شره الرفقاء
واقرأ سطور الكون في منشورها … بعيان عين أو بفرط ذكاء
واكسر حروف خطوط أعلام بدت … تجد المعالي مصبحات مساء
تتلو بسورتهن سورة حسنها … معنى أمر مدارك الخطباء
وانظر إلى الأكوان كيف تمايلت … طربا لسر لاح عند خفاء
أن المظاهر كلها ظهرت به … وبه الملا أضحوا من الظرفاء
وكسا عوالم أنسها من جوده … حللا وحرم مشية الخيلاء
وأفاض عن بحر الجمال أهلة … بهرت محاسنهن بدر سماء
(1/231)

فهبطن عن أفق العلى بمظاهر … فجلت حلاها بعد أي جلاء
شغفت بها ألفتها فألفنها … وشكت بهن منهن طول عناء
وتذكرت نجدا فهاج لذكراه … وجد ونادى الشوق بالبرحاء
فأتت سرايا القوس تنفل شمسها … عن غور حمأتها لطول حماء
وخلعت لبس الكون عنها فارتدت … نصفا جواهرها رداء بهاء
ونعمن عينا عند عين وجودها … وحللن صدر مجالس الخلفاء
ورأت به كل العوالم أحكمت … فتزينت وتوشحت بضياء
ونفى التوهم غيره بأدلة … نقشت ببعض خواتم الصعداء
(1/232)

64 - أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن عبد القادر
... بعد 680هـ
... 1281م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، من أصحابنا الفقهاء، الفضلاء الأذكياء، المحصلين النبلاء الذين أربوا على من تقدم، الفقيه الفاضل، أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن عبد القادر أحد الأفاضل الذين قل أن يسمح الزمان بمثلهم، قرأ ببجاية ولقي بها أناسا، ورحل إلى المشرق ولقي عالما من الأفاضل، وحج بيت الله الحرام مرتين، وكان له تحصيل في الفقه جيد، وله علم بأصول الدين وأصول الفقه ومعرفة بالحكمة وبراعة في علم المنطق، وخصوصا على طريقة المتأخرين ولم يكن في وقته أعلم منه بكشف الأسرار الذي وضعه الخونجي في علم المنطق، أعلم به من واضعه مع أخلاق حسان ونزاهة وعفافة وعدم التفات إلى ما عند الناس. قضي جملة من بلاد افريقية نحو "توزر" و"قفصة" غيرهما، وكان مع هذا غير موفي الحظ، إنما كان حظه أن يكون له التقدم على أكابر
(1/233)

وقته وأفاضل أهل عصره، ولكن الحظوظ لا تجري على العقول، والأرزاق قسم والعقول مثلها، والحظوظ كذلك، توفى رحمه الله بتونس في عشر الثمانين وستمائة رحمه الله ونفعنا به آمين.
(1/234)

65 - أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن أبي دلال
-أواخر القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المتقن، العدل المحصل الفاضل، أبو زيد عبد الرحمن ابن علي بن أبي دلال، من أصحابنا الفضلاء الذين لهم السبق والتقدم، له مشاركة في الفنون وتحصيل للعلوم، لقي مشائخنا ولقي أبا بكر ابن محرز الزهري وأبا بكر بن سيد الناس اليعمري. له مشاركة في عقلي العلوم ونقليها، له حظ من علم أصول الدين وله حظ من علم المنطق. وله رجز فيه الآيات البينات لابن الخطيب، واستلحاق المقولات رجزه أحسن ترجيز، استوفى فيه المعنى وأوجز في الألفاظ وصرح بالمراد. وأحسن ما استحسنه من الأراجيز في العلوم رجزان، رجز ابن سينا "في الطب" ورجز ابن عبد النور في العربية وهو عندي أحسن منهما، وسماه "جوهرة اللافظ وغنية الحافظ" وكان فقيه النفس، وكان أديبا شاعرا خطيبا حسن النظم، وكانت له أخلاق حسنة مرضية. ومن نظمه في بعض أصحابه، هذه القصيدة السينية اللزومية، وهي قصيدة سهلة المأخذ وهي خارجة اللزوميات لعدم تكفلها وقلة تعسفها.
وهي:
سرى النسيم نسيم النفس والنفسا … فاستخبرن نشره واستفهمنه عسى
واستعمل السير واستمط أسرته … واستصحب العيس وأسرج للسرى قبسا
(1/235)

وسل سليلا لسيد الناس كاسمهم … أبا الحسين السري السيد الندسا
مسدي السؤال ومستدعي السجال سما … فاستوطأ السدرة السامية القدسا
وساجل السحب فانسابت سواكبه … فاستوقفت السيل فاسأل سائلا يبسا
شمس السما وسمت تسعى مساعيه … لتستمد سناه باسما عبسا
سحت سحائبه تسقي مغارسه … فاستغلظت واستوت سوق السنا غرسا
وسدد السعي للاحسان سؤدده … فاستطرد البأس والإفلاس والفلسا
= شمس وليس سوى أسيافه كنسا
سنت أسنته للمففسدين أسى … وأنست طرسه مستوحشا يئسا
واستألفت أنفسا ساءت وساوسها … فاستشعرت سكنا واستألفت عرسا
واستفتحت سبلا سدت مسالكها … حسنى سياسته فاستسرجت فرسا
يا محسنا حسنت في الناس سيرته … وساوت الرأس بالمرؤوس فارتأسا
واستحفظت سنة الإسلام سنته … وسار سير سراة أسسوا الأسسا
واستسنمت بسنام النسك اسرته … واستوطأت سرطانا بالسعود رسا
أنست محاسن حسان محاسنه … واستحبست خرسا سحبان فاحتبسا
ويسرت سبل اليسرى سجيته … فاستطمعن عسلا واسترشفت لعسا
موسى سماحته استسقى لسائله … واستضربت بسناه السود فانبجسا
يا شمس يا سعد يا مسرى السماح ويا … سامي السناء ويا مستنطقا خرسا
أسمى نفائس أنفاسي سمت رسلا … يستاق سائقها مستعصبا شرسا
أسنى السلام سنيا باستلامكم … وأرسل السعد مستدعى وملتبسا
(1/236)

66 - أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين المرسي
613 - 669هـ
1216 - 1270م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل النبيه العارف، الحاذق الفصيح البارع، أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين من أهل مرسية، له علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وبلاغة وفصاحة، رحل إلى العدوة وسكن بجاية مدة، ولقيه من أصحابنا أناس، واخذوا عنه وانتفعوا به في فنون خاصة. له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان وطلاقة قلم وفهم وجنان. وهو أحد الفضلاء وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف اباجد، وله تسميات مخصوصات في كتبه وهي نوع من الرموز، وله
(1/237)

تسميات ظاهرة هي كالاسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، في مراقي أهل الطريق. كتابته مستحسنة في طريق الأدباء.
وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، واستلزامه الاعتمار على الدوام، وحجه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام. ولقد مشى له المغارب في الحرم الشريف بحظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أصحاب مكة شرفها الله وأكرمهم يهتدون بأفعاله، ويعتمدون على مقاله. توفى رحمه الله يوم الخميس التاسع لشوال عام تسعة وستمائة رحمه الله ورضي عنه.
(1/238)

67 - أبو الحسن علي بن عبد الله النميري الششتري
... 668هـ
... 1270م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصوفي الصالح العابد، الأديب المتجرد، أبو الحسن علي النميري الششتري من الطلبة المحصلين، ومن الفقراء المنقطعين. له معرفة بالحكمة ومعرفة بطريق الصالحين الصوفية، وله تقدم في علم النظم والنثر على طريقة التحقيق، وشعره في غاية الانطباع والملاحة، وتواشحيه ومقفياته ونظمه الهزلي الزجلي في غاية الحسن. وكان من الطلبة يرجحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وكان رحمه الله يقول: اذا ذكر هذا إنما ذلك لعدم اطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم، توفى رحمه الله بالشام بمدينة دمياط.
وأخبرني بعض الطلبة أصحابنا، إنه وصل إليها وهو بساحلها قال لهم: ما
(1/239)

اسم هذه البلدة؟ قالوا له الطينة، قال لهم: حنت الطينة إلى الطينة. وبها توفى رحمه الله. ومما يؤثر عنه، إنه كان في بعض أسفاره في البرية وكان رجل من أصحابه قد أسر، فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقال له أحدهم: يا سيدي من أحمد الذي ناديته في هذه البرية؟ فقال: من تسرون به غدا أن شاء الله فلما من الغد، ورد الشيخ وأصحابه بلدة "قابس" فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء هنيئا لنا باقتحام العقبة صافحوا أخاكم المنادي.
ومن مناقبه نفع الله تعالى به، إنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف بمسجد الصهريج، جاءه الشيخ الصالح المبارك أبو إسحاق الورقاني نفع الله تعالى به وجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الفاضل الصالح المبارك الوالي أبي عبد الله الصنهاجي نفع الله به مع جملة أصحابه للزيارة أيضا، فوجدوا الشيخ أبا الحسن، رضي الله عنه، قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم خلوة، فجلسوا منتظرين إليه، فلم يمكث إلا قليلا إذا أقبل الشيخ على هيئة معتبرة متفكرا، فلما دخل الرباط سلم على الواصلين برسم الزيارة، وحي المسجد وأقبل على الفقراء -وأثر العبرة على وجنته- فقال ايتوني بمداد، فلما أحضر بين يديه تأوه تأوها كاد أن يحرق بنفسه جلساءه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات:
لا تلتفت بالله يا ناظري … لا هيف كالغصن الناضر
يا قلب واصرف عنك وهم النقا … وخل عن سرب حمى حاجز
ما السرب ما البان وما لعلع … ما الخيف ما ظبي بني عامر
(1/240)

جمال من سميته داثر … ما حاجة العقل بالداثر
وإنما مطلبه في الذي … هام الورى في جنسه الباهر
فالشعب والعبر لمثلي ألا … إني من أجل الأول الآخر
أفاد للشمس سني كالذي … أعاره للقمر الزاهر
أصبحت فيه مغرما حائرا … لله در المغرم الحائر
ومن ذلك، إنه كان يوما ببلدة "مالقة" حرسها الله، وكان كثيرا ما يجود عليه كتاب الله تعالى، فقرأ يوما طالب قوله تعالى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنيفقال معجلا رضي الله تعالى عنه وقد فهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لا يعلم:
انظر للفظ أنا يا مغرما فيه … من حيث نظرتنا لعل تدريه
خل ادخارك لا تفجر بعارية … لا يستعير فقير من مواليه
جسوم أحرفه للسر حاملة … أن شئت تعرفه جرد معانيه
ومن ذلك، إنه كان ببجاية حرسها الله تعالى، فدخل عليه شخص من أهلها يعرف بابي الحسن ابن علال من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دينارا شكرا لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به، أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ، ليكون للفقراء زادا، فلما كان في الليل، رأى مناما فيه "النبي صلى الله عليه وسلم" ومعه أبو بكر وعلي، رضي
(1/241)

الله تعالى عنهما، قال الرجل: فنهضت إليه بسرور رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادع الله تعالى لي، فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: يا أبا بكر، أعطه، فإذا به رضي الله عنه قسم رغيفا كان بيده وأعطاني نصفه، ثم أفاق الرجل من منامه وأخذه وجد من رؤية مثل هذه الرؤيا المباركة، فأيقظ أهله واستعمل نفسه في العبادة، فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها، فلما قدمها للشيخ، قال له الشيخ: يا علي، أقرب، فلما قرب منه قال له: يا علي، لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكامله.
توفي في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر عام ثمانية وستين وستمائة.
(1/242)

68 - أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي الخطيب
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي الجليل، الفاضل الوجيه، أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي الخطيب هو أول بيت بني الخطيب ببجاية، ولي قضاءها من مراكش. وكان له صلابة في الأحكام، وقلة مبالاة بأحد من الحكام. وكان إذا حكم أمضى، وإذا وصل أرضى، وإذا خشي كشف العورة أغضى. وربما كان يتفرس في الأحكام أحيانا فراسة تخرجه عن قانون الشريعة، ولا تستهويه أن يكون حكمه كسراب بقيعة. واستمرت مدته، وطالت ولايته. وكان أكثر الناس حظوة عند بني عبد المؤمن، ولقد أسهموه ما لم يسهموا أحدا من صنف الطلبة، وما زال ظل شرفه ضافيا على عقبه، مسبلا أثواب النعمة على ذوي نسبه. رحمه الله آمين.
(1/243)

69 - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي الفاضل الوجيه، أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي، هو ولد أبي العباس المذكور أبوه آنفا. أحد قضاة العدل، وولاة الدين والفضل. لقي أبا محمد عبد الحق الاشبيلي وأخذ عنه وسمع منه، وأجاز له أبو الطاهر السلفي وولي قضاء "سبتة" بالعدوة، وبالأندلس قضاء بلنسية. وكان بقاؤه في القضاء على أصالة، وعلو منصب وجلالة. وكان من الوجاهة والنباهة بمحل، وله من التحصيل ما لا يشغله عنه شاغل في الحل والمرتحل. وتوفي بمدينة تونس في شهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة رحمه الله.
(1/244)

70 - أبو محمد عبد الله بن حجاج بن يوسف
... بعد 640هـ
... 1242م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل، المرضي العفيف، أبو محمد عبد الله بن حجاج ابن يوسف كان أبوه رجلا من أهل العلم، أخذ عن أبي بكر بن العربي وغيره، وأخذ عنه العلم ناس، وكان رجلا صالحا فاضلا، وكان قاضيا بالجزائر، وبها نشأ أبو محمد عبد الله، ثم انتقل إلى بجاية قاضيا بعد تأخير أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي، وكان من أهل العلم والفضل والدين، وقافا مع الحق، عاملا على الصدق، مشاورا لأهل العلم. وطالت مدته في القضاء، وكان أحسن الناس سيرة، وأنقاهم باطنا وسريرة. ودخل الأندلس. وله رواية عن أبي موسى الجزولي وغيره، وكان رحمه الله في مدة ولايته القضاء ببجاية -مع طول مدة ولايته القضاء ببجاية- لا يأكل من مرتبه شيئا، وإنما كان يصرفه في الصدقة وصلة أهل البر والخير، وما كان يتناول إلا من شيء يصله من فوائد عقاره ببلد الجزائر مما ورثه عن أبيه. وتوفى رحمه الله في عشر الأربعين وستمائة.
وخلف خمسة من الولد، عبد الرحمن وعبد الواحد واحمد ومحمد وعمر، كلهم ساد، وبنى على مكارم من سلف وأجاد. أما الفقيه أبو زيد عبد الرحمن فإنه ولي قضاء قسنطينة والجزائر.
وأما الفقيه أبو عبد الله، فكان أحسن سيرة وأفضلهم طريقة وأكثرهم
(1/245)

تخصصا، وكان كثير المعروف يضعه في مواضعه، وسمع عن شيخنا أبي الحسن الزيري رحمه الله إنه كان يقول: ما رأيت اعرف بطريق ايلاء المعروف منه. وأما الفقيه أبو محمد عبد الواحد، فولي الخطبة بجامع الموحدين، ولم يزل خطيبا إلى أن توفى رحمه الله وذلك يزيد على ثلاثين سنة، وولي قضاء بجاية وكان من الصلحاء الفضلاء لا تأخذه في الله لومة لائم.
وأما الفقيه أبو علي عمر، فولي القضاء ببعض اكوار بجاية ثم ولي قضاء الانكحة، -في مدة ولاية أخيه أبي محمد القضاء بها-.
وأما أبو العباس، فكان من الصلحاء الفضلاء، كثير الصدقة كثير الانزواء عن الناس، لم يدخل نفسه بسببه مع الناس في شيء من أمر دنياهم، وإنما كان مقتصرا على حال نفسه مشغولا بآخرته، وبيتهم بالجملة بيت كريم، وأحوالهم جارية على المنهج القديم، والصراط المستقيم.
(1/246)

71 - أبو محمد عبد الكريم بن عبد الواحد الحسني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل المدرس، أبو محمد عبد الكريم بن عبد الواحد الحسني من أصحاب الشيخ أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، ومن قرابته، كان من أهل العلم والفضل والوجاهة والنزاهة.
ولما كان من أمر الفقيه أبي زكرياء الزواوي في شأن ابن حزم ما قد اشتهر، وتعصب له ناس ورفعوا القضية للخليفة بمراكش، اقتضى نظر الفقيه أبي زكرياء رضي الله عنه، أن يتوجه عنه الفقيه أبو محمد عبد الكريم لمراكش، فتوجه وحمل تأليف الفقيه ورده على ابن حزم المسمى حجة الأيام وقدوة
(1/247)

الأنام، ولما وصل حضرة مراكش استحضره أمير المؤمنين بين يديه بمحضر الفقهاء وعرض تأليفه الفقيه عليهم، وكان الفقيه أبو محمد عبد الكريم هو النائب في الحديث، فأحسن وأجاد، واطلع أمير المؤمنين ومن حضر من الفقهاء على كلام الفقيه رضي الله عنه ما دله على فضله ودينه وعلمه، فكان من قول الخليفة بترك هذا الرجل على اختياره، فأن شاء لعن وأن شاء سكت، وانقلب أبو محمد عبد الكريم وهو المبرور، وسعيه المشكور، رضي الله عنه وأرضاه.
(1/248)

72 - أبو محمد عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الاريسي
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، العدل المرضي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الاريسي من نظراء الفقيه أبي علي عمر بن عزون. كان مشاورا مفتيا معمولا على قوله، موقوفا على ما عنده. وعليه وعلى الفقيه أبي علي ابن عزون كان اعتمادا القاضي أبي محمد ابن حجاج وبينهما كان جلوسه، وهما المشاوران عنده، وله جلال ووقار، وهمة علوية، وأخلاق مرضية. وكان في غاية الجودة في الخط المشرقي، وله لطائف علم ورقائق فهم، وبه كان انفكاك ما يخفى معناه من الأمور الفقهية والنوازل الشرعية، رضي الله عنه وأرضاه.
(1/249)

73 - أبو علي بن عزون السلمي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الفاضل المحصل المتقن، أبو علي عمر بن عزون السلمي رحل إلى بلاد المشرق وقرأ بها ومهر، ووصل إلى بجاية وظهر واشتهر وحظي بها، وكان المشاور والمفتي، وعليه وعلى الفقيه أبي عبد الله الاريسي المتقدم الذكر، كان يتوقف أمر القاضي أبي محمد عبد الله بن حجاج الشهير باوسكاتر وكانت عنده كتب جليلة، ووصل ببعض كتب أبي حنيفة، وكان يجري أبحاثهم في مذهب مالك رضي الله عنه فقويت حجته وظهرت طريقته، وسمعت إنه وصل بعض الفقهاء من المشرق لمناظرته، فلما ضمه الحضور معه، قال له الفقيه بحكم ادلال العلم، وارتفاع الوهم: وصلت إلى بحر لا تدركه الدلاء " وظهرت الدعوى، بصريح النص ومفهوم الفحوى.
وسمعت عنه رحمه الله إنه كان له حانوت يجلس فيه للتجر بسوق قيسارية ببجاية مع تمكن علمه وبراعة فهمه، رحمه الله.
(1/250)

74 - أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الوجيه السري، الفاضل العدل، أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري من أهل بونة ممن عرف بالدراية والعلم والأمانة والحفظ والصيانة.
وكانت له وجاهة، وناب عن القضاة في حضرة بجاية، كلأها الله، نيابة مطلقة تنزلت منزلة الأصالة، وكان ذلك لنهوضه في الأحكام، ومعرفته بوجوه الحلال والحرام. ولم يزل نبيه الذكر، معروف القدر، موصوفا بالخير، وذلك بعد طول مدة من وفاته، وليس ذلك إلا لوفور حظه في وقته وشهرته. رحمه الله وغفر له آمين.
(1/251)

75 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين الخشني
-النصف الأول من القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، المشاور المجيد المحصل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين الخشني من أهل بجاية، وكان فقيها مدركا مقدما، وكان مشاركا مشاورا، وعليه كان اعتماد الفقيه أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي وكان في صناعة التوثيق إماما، وعليه كان أكثر الاعتماد ببجاية في وقته، وله خط بارع وله رواية ومقروءات، واستجار الفقيه العالم أبا عبد الله محمد بن عبد الحق [اليعفري] التلمساني فأجازه، وكتب إليه بما نصه بعد البسملة والتصلية: يرغب إلي جلال الشيخ الأجل، الفقيه الزكي العالم الحافظ المفيد المتفنن العلامة الأكمل، بقية الجلة الفضلاء الأكابر أهل العلم، أبي عبد الله ابن الشيخ الفقيه الزكي الزاهد المرحوم أبي محمد عبد الحق بن سليمان أكرمهم الله برضاه، وحرس مجدهم وتولاه، معظم مقدارهم، وملتزم برهم ومقدارهم، وتوقيرهم وإيثارهم، العارف بحقهم، العليم بتقديمهم وسبقهم، محمد بن محمد بن الحسين الخشني، في الإنعام عليه بإجازة هذا البرنامج الذي تضمن ذكر أشياخه الجلة الفضلاء، رضوان الله عليهم وعليكم أجمعين، بحيث يحمل ذلك عنكم، ويتشرف بأخذه منكم، وفضلكم بذلك كله كفيل، وثوابكم عليه عند الله جزيل، والله يبقي ببركاتكم الانتفاع، ويحسن عن إرجائكم الوقاع، وأفضل سلام الله عز وجل وأوفى تحياته وأزكاها، وأعطرها عرفا وأذكاها، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته.
(1/252)

فأجابه بما نصه:
أجبتك بأحسن تحية، وامتثالا لما جاء به خير البرية. نعم وأجبتك إلى ما سألته وطلبته، إجابة من يعلم أنك أهل له. وإذن من تحقق أنك قائم به لشواهد طلبك، وبوارع أدبك. إجابة عامة بشرطها فتلقها تلقي أمثالك، وأعمل بحسبها عمل نظرائك. والعمل جمال العلم وخادم له ومرتبط به لمن أراد السعادة وسعى لها، قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، مع شروط الإجازة عند أهلها القائلين بإجازتها، جعلنا الله وإياكم ممن استمع القول واتبع أجمله، وممن ختم بالحسنى عمله، آمين. قاله وكتبه حامدا ومصليا على نبيه، محمد بن عبد الحق بن سليمان في ذي حجة عام ثلاثة وستمائة.
وكتب السائل عندي أبرع من جواب المجيب، ولقي القاضي الازدي والقاضي المسيلي والشيخ أبا مدين وغير هؤلاء من أهل العلم نفعنا الله بهم، أجمعين.
(1/253)

76 - أبو زكرياء يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني
-النصف الأول من القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المشاور، أبو زكرياء يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني، كان أحد الفقهاء المشاورين والجلة المفتين ببجاية، وهو نظير أبي عبد الله الخشني، وهو من جملة من يعتمد عليه القاضي الأصولي وغيره من قضاء وقته، وكانت له نباهة ومعرفة ثابتة بعلم الوثائق والتقدم في ذلك.
أخبرني عنه وعن أبي عبد الله الخشني، شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق ومنه تعرفنا خبرهما، وخطوط شهادتهما الآن معروفة وما يوجد من وثائقهما وكتبهما يدل على تحصيلهما وفضلهما.
لقي الشيخ أبا مدين رضي الله عنه والفقيه أبا علي المسيلي وأبا محمد عبد الحق الاشبيلي وأبا عبد الله القرشي وغير هؤلاء.
وكتب للفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عبد الحق التلمساني يستجيزه بإجازة، ونص ما كتبه إليه:- يرغب إلى الشيخ الفقيه، الزكي المحصل الأفضل، أبي عبد الله محمد، ابن الشيخ الفقيه الصالح الزاهد الفاضل أبي محمد عبد الحق بن سليمان [اليعفري] أدام الله كرامته، وأبقى بركته، ووصل رفعته مجل قدره، ومؤثر بره.
(1/254)

الراغب في بركاته دعائه، وإلى الله تعالى في إطالة بقائه، يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني، في الإنعام عليه بإجازة ما اشتمل عليه برنامج روايته عن أشياخه رضي الله عنهم، وما سند عنه من قراءته ومسموعاته وإجازته ومناولاته وتآليفه في فنون العلم، وماله من نثر ونظم، منعما ومتفضلا عليه بالإسعاف بمطلوبه من ذلك والإجابة إليه، والله عز وجل يعين على بره ويمتع ببركاته وبصالح دعائه، والسلام الاتم الجزيل المبارك الحفي يخصه ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجابه رحمه الله: "أجزت لكم أكرمكم الله جميع ما سألتموه، وأبحت لكم من ذلك ما طلبتموه، إجازة عامة على شروطها المعمول بها عند القائلين، إذ انتم أهل لذلك نفعكم الله ونفع بكم، فلتستعمل نفسك ولتتوج هديك في العمل بمقتضى ما علمك الله من ذلك، أبلغكم الله أملكم، وختم بصالح عملنا وعملكم.
قاله وكتبه حامدا لله ومصليا على نبيه محمد وعلى آله، بتاريخ جمادى الأخرى من سنة خمس عشرة وستمائة، محمد بن عبد الحق بن سليمان".
قلت، وكان له من الشهرة وعلو المنصب في وقته، ما اوجب له بقاء الذكر بعد مضي عصره، وانقضاء المدة الطويلة من دهره. رحمه الله وغفر له آمين.
(1/255)

77 - أبو إسحاق بن العرافة
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل "أبو إسحاق ابن العرافة" كان له منصب وحظ ووجاهة وتخصيص، وولي صلاة الفريضة والخطابة بالجامع الأعظم من بجاية، وكان معتكفا على ما هو بسبيله منزويا عن الناس، ولقي من أفاضل أهل العلم ببلده من أخذ عنه واستفاد منه، وكان له مجلس للتدريس بالجامع الأعظم يدرس الرواية والدراية.
(1/256)

78 - أبو سعيد ابن تونارت الدكالي
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الصالح، المتزهد المتعبد، أبو سعيد ابن تورنات الدكالي، أحد الفقهاء المحصلين لمذهب مالك رضي الله عنه. كان من المدرسين ببجاية، وحافظا للفقه محصلا للمدونة، جيد الإلقاء مليح التفهيم، حسن الابتداء والتتميم. ولم يكن له حرفة ولا عمل ولا مشاركة لأحد من الناس ولا في شيء من أحوال الدنيا ولا مناصب أهلها ولا غير ذلك سوى الاشتغال بالعلم وكان ممن يعمل على فتواه، وكان أكثر اشتغاله بالمدونة، ولا أعلم له مشاركة في غير الفقه. واستفاد عنه ناس، لم يكن بهم باس. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(1/257)

79 - أبو زيد عبد الرحيم اليزناتني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم الشيخ الفقيه، العالم الفاضل، المحصل المتقن المجيد، المجتهد، أبو زيد عبد الرحيم بن عمر اليزناتني، أحد العلماء الذين لهم السبق، وهو بالتقديم أولى وأحق. رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل وجد واجتهد وحصل، وكان مصاحبا لنجم الدين ابن شاس وسمعت -ويغلب على ظني إنه من شيخنا أبي محمد عبد العزيز رحمه الله- أن الفقيه أبا زيد قال: استشاري الشيخ نجم الدين في وضع هذا الكتاب الذي هو "الجواهر الثمينة" فأشرت عليه أن لا يفعل، قال: فلم يضعه، ثم انفصلت إلى أداء الفريضة فما رجعت حتى وجدته قد وضعه.
ووصل إلى بجاية حرسها الله واشتهر بها، وعكف على التدريس وكان محصلا لمذهب مالك ولأصول الفقه على طريقة الأقدمين ومن أهل الاجتهاد، وكان لا شيء له من الدنيا، ورفع إلى والي الأمر أمره وجلاله وإنه لا شيء له، فوجه إليه بطعام كثير وجملة من مال فرده عليه ولم يقبله منه.
(1/258)

ويتصل إسنادي عنه، من جهة شيخنا أبي محمد عبد العزيز وشيخنا أبي محمد ابن عبادة.
وارتحل بعد ذلك إلى المغرب بعد أن روى عنه وحصل ما يجب أن يحصل منه، واستوطن مدينة فاس إلى أن توفي رحمه الله، وكان له بها ظهور وتقدم رضي الله عنه.
(1/259)

80 - أبو زكرياء يحيى بن أبي الحسن اللفتني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن الوجيه أبو زكرياء يحيى بن أبي الحسن اللفتني من أهل الأندلس. رحل إلى بجاية واستوطنها وقرأ بها وأسمع، وهو أحد من أخذ عنه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبادة رحمه الله رواية وتفقها ودراية، وكان جلوسه بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، وكان ذلك في عشر الثلاثين وستمائة.
ولقد وقعت مسألة في ذلك الزمان بمجلس أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، في حكم الغسلات الثلاث إذا أتى بها المكلف، فحكى الشيخ رحمه الله عن بعض أهل العلم إنه قال: أن جميعها واجب، فبلغ ذلك الفقيه أبا زكرياء فأنكره نقلا وفقها، فذكر الشيخ رحمه الله أن ذلك نقل وفقه، وأحال في النقل على كتب ابن بطال في شرح البخاري، وأما الفقه أن هذا يكون كخصال الكفارة في قول من يقول أن جميعها واجب ويسقط الفرض بالواحد منها، ومسند هذا أن الله تعالى أمر بالغسل، والغسل مصدر يدل على القليل والكثير، فالواحدة من مضمنه وكذلك الاثنان والثلاثة، وأورد عليه على هذا أن يزيد على الثلاث، لأن المصدر يتناول ذلك، وقال: يمتنع لقوله عليه الصلاة والسلام، الثلاث شرف، والزيادة سرف، والإجماع أورد عليه جواز الترك،
(1/260)

فقال: يسقط الفرض بالواحد، وإذا أتى بالجميع كان في حيز الواجب، ومشى بعض طلبة الشيخ حتى ذاكر أبا زكرياء اللفتني في المسألة وناظره فيها.
ورحل إلى حاضرة تونس باستدعاء الملك، ولما مثل بين يديه سأله عن حاله وعن طلبته فعين له من نجبائهم أحادا منهم شيخنا أبو محمد ابن عبادة. وبها توفي رحمه الله.
(1/261)

81 - أبو سليمان داود بن مطهر الوجهانى
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المجيد المتقن، الفاضل المبارك، أبو سليمان داود بن مطهر الوجهاني، رحل إلى المشرق وحج بيت الله الحرام، وقرأ ودرس ورأس واجتهد وحصل كان له علم بالفقه وعلم بأصول الفقه، وله مشاركة في العربية وفي أصول الدين، وكان نظارا قياسا، وهو أحد الأخيار المجتهدين والأكابر المفتين. كان رحمه الله متقللا من الدنيا، عاكفا على العلم، معرضا عن أهلها مقبلا على الدار الآخرة، مختصرا في لباسه ومشيه، وكانت معيشته من أرض له ببلده يتناول أقلها ويتصدق بأكثرها. رحمه الله ورضي عنه.
(1/262)

82 - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد ين أبي بكر ابن السطاح
... 629هـ
... 1232م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي الأستاذ اللغوي العدل الرضي، أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر ابن السطاح أصله من الجزائر، ورحل إلى اشبيلية وقرأ بها ولقي أبا الحسين ابن زرقون وأبا بكر ابن طلحة وأبا عبد الله محمد بن علي بن طرفة وغير هؤلاء، وروى وحصل، وأجاز له أبو الحسين ابن زرقون أجازة خاصة وعامة؛ خاصة فيما نص عليه، وعامة فيما لم يعنيه، حسبما اقتضى ذلك كله رسم أجازته له، وكتب له بذلك بخط يده، وذلك في عقاب ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة.
وهو أول من أدخل كتاب "الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار" إلى
(1/263)

العودة نسخة بخط يده.
وكان بارع الخط، حسن الضبط. استوطن بجاية وأقرأ بها وتخطط بالعدالة وناب عن القضاة في الانكحة، وكان فاضلا خيرا مرضيا.
ويتصل إسنادي عنه، عن شيخنا أبي عبد الله القلعي، عنه، عن أبي الحسين ابن زرقون، عن أشياخه رحمهم الله. توفي في سنة تسع وعشرين وستمائة.
(1/264)

83 - أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنجلاتي
... 690هـ
... 1291م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح المتعبد، الوجيه المبارك، أبو يوسف يعقوب بن يوسف الزواوي المنجلاتي، من أصحابنا الذين جمعنا معهم عصر واحد، له معرفة بالفقه وأصول الفقه، وله مشاركة في علم العقائد، قرأ ببجاية ورحل إلى حاضرة افريقية ولقي بها المشائخ، ولازم الشيخ الإمام أبا عبد الله ابن شعيب رحمه الله، وقرأ على الفقيه أبي العباس ابن عجلان وحضر مجلس شيخنا أبي محمد عبد العزيز رحمه الله قبل رحلته إلى تونس ثم رجع إلى بجاية وأقرأ بها وظهر أمره وأشتهر، وكان مجلسه من المجالس المعتبرة، وكانت تقرأ عليه الكتب المذهبية، وكان يقوم عليها قياما حسنا، وكان نظره في التهذيب نظرا جيدا، وكان أحد المفتين والمشاورين في وقته، وكان منقبضا عن الناس منقطعا عنهم ومشرفا ومكرما، فيهم، وزاره بعض ملوك وقته في منزله، وانقطع في آخر عمره انقطاعا كليا حقيقيا، وانزوى عن الناس إلى أن توفى بتيكات في الثلث الأخير من ليلة يوم السبت الحادي عشر لجمادى الأولى عام تسعين وستمائة، ودفن بالموضع المذكور وقت الضحى من اليوم المذكور، رحمه الله.
(1/265)

84 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر المنصور القلعي
... بعد 660هـ
... 1265م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد، العدل المسن الموقر، أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر، المنصور القلعي، من قلعة بني حماد، كان له علم بالفقه والفرائض علما وعملا، وكان له علم بالحساب سبق فيه الأوائل، لو لقيه الحصار وابن وهب وغيرهما ما أمكنهم إلا الأخذ عنه والاستماع عنه، وكانت له طريق في الفرائض ملخصة في نهاية القرب، ولم يكن ببجاية في وقته أحد يريد قراءة هذا العلم إلا قرأه عليه، وكان يقصد من البلاد لقراءة هذا العلم عليه.
وكان أحد العدول المرضيين، وكان له مجلس يقرأ عليه "التهذيب"
(1/266)

أحيانا، وكان عالما بأحكام الوثائق والشروط، وكان موثق الوقت، وكان له في مدة ولاية ابن حجاج القضاء ببجاية ظهور، وكان له به اعتناء، وكان كاتبهم والمشاور عندهم، وكانت وثيقته محكمة مطولة لا يقصد فيها الإيجاز بل يقصد فيها الإتقان والأحكام، وكان لا يلتفت إلى قول المكتوب له بحيث يبني الشيء على غير أصله، بل لا يبني وثيقته إلا على الأصول التي تترتب الإفادة عليها، ولو رضي المكتوب لهما بالكتب من غير إحضار ما يبني عليه صحة الأمر، فإنه يصرفهما عن نفسه ويقول لهما سيرا لغيري يكتب لكم. توفى ببجاية في عشر الستين وستمائة رحمه الله ورضي عنه.
(1/267)

85 - أبو علي عمر بن أحمد العمري
... بعد 660هـ
... 1262م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المبارك، أبو علي عمر بن أحمد العمري، من أهل بجاية، رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل وحج بيت الله الحرام، ورجع إلى بجاية بعد تحصيل واستفادة، فكان أحد عدولها المرضيين، وانتصب للتدريس بها، وكان يقرأ عليه الفقه والأصلان، وهو أحد من أخذ عنه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع رحمه الله.
وأخبرني بعض الطلبة، إنه رأى له تقييدا رد فيه على الوصية التي أوصى بها فخر الدين ابن الخطيب رحمه الله عند موته.
وشارك الشيخ العالم أبا الحسن الحرالي رضي الله عنه في جملة من مشائخه الذين قرأ عليهم بالمشرق. وتوفى رحمه الله ببجاية في عشر الستين وستمائة.
(1/268)

86 - أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي
544 - 633هـ
1150 - 1235م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحدث الحافظ المتقن، النحوي اللغوي التاريخي، أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي من كبار المحدثين، ومن
(1/269)

الحفاظ الثقات الإثبات المحصلين. استوطن بجاية مدة أبي عبد الله ابن يرمور وكان ولده أبو علي يقرأ عليه، وروى بها واسمع، وكان معتنى به، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملا غالبا عليه، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده والله أعلم، أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره من الناس، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، لأنهم انفردوا به واشتهروا فيه، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية الكلبي.
رأيت من كلامه كثيرا في رسائل ومخاطبات، كلها مغلقات مقفلات، ومن جملتها، ما ذكر إنه كان له خديم يخدمه، واحتاج الوالي إلى تجهيز قطع في البحر يبعث فيها للمغرب، فأخذ خديمه في جملة الغزاة، فكتب لأبي علي ابن يرمور هذه الرسالة ينبهه على خديمه ليسرحه وهي: الشيخ الفقيه الأديب
(1/270)

الجحجاح الهرماس أبو فلان جحمظ الله قعثبان شفترته هذا الغطريس في اليم أخذ رجلا لا يملك حذر فوتا فيري الزبرقان فيخاله حوارى ويرى الجعل فيحسبه زعبجا وله قرحة أمحشت من الحر وتعطل كبرها فأبعث إلى هذا العثري من يخضد شوكته والسلام.
ولما وصلت هذه الرسالة لأبي علي ابن يرمور لم يفهم لغتها، فاستحضر كتب اللغة الصحاح وغيرها ليفك معماها، ويظهر له معناها. فلم تتضح له إلا بعد أيام، حتى سافرت الأجفان، فكتب كتابا في حق الرجل واشخص به رقاصا، فوصل قطع بوهران فصرف الرجل وزود، ولولا إبطاء الريح ما وصلت الشفعة إلا بعد خلاص مسألته، وهذا أقل عوارض الخروج عن العادة، وعدم سلوك السبيل الجادة. وكان رحمه الله إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير
(1/271)

ذلك، يكتب ابن دحية ودحية معا المشبه بجبريل وجبريل ويذكر ما ينيف على ثلاث عشرة لغة المذكورة في جبريل ويقول عبد فاطر السموات والأرض، وهذا نوع أنفرد به عمن سواه من أهل العلم.
قد رأيت له تصنيفا في رجال الحديث لا بأس به.
وارتحل إلى المشرق في مدة بني أيوب فرفعوا شأنه، وقربوا مكانه، وجمعوا له علماء الحديث وحضروا مجلسا اقروا فيه بالتقدم، واعترفوا له إنه من أولي الحفظ والإتقان والتفهم. وسمعت أنهم ذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها، وإنه أعاد المتون المحولة وعرف عن تعبيرها ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية.
وأخبرني شيخنا أبو عبد الله الخطيب أن مثل هذه الحكاية اتفقت لأبي عمر ابن عات بمراكش في كتاب مسلم ببيت الطلبة منها.
ومن شعر أبي الخطاب ما وقعت عليه في ورقة بخط بعض المشارقة ونصه، قال الحسن بن أحمد بن عبد الرحيم البيساني، كتب إلي الفقيه الحافظ أبو الخطاب عمر ابن دحية، وأجازني الرواية عنه وشافهني بالإجازة، قال: كتب إلي السلطان الأجل الملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب هذه القصيدة:
مالي أسائل برق بارق عنكم … من بعد ما بعدت دياري منكم
وبمنحنى الأضلاع بل وادي الغضا … من مهجتي يا راحلين نزلتم
فمحلكم قلبي وأنتم بالحشا … لا بالعقيق ولا برامة أنتم
وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم … يا مالكين، وفيتم أو خنتم
(1/272)

أظننتم إني سلوت وأنني … خنت العهود فخنتم وغدرتم
هيهات هل يسلو بذكر مالك … من حبكم من للغرام متيم
أمنازل الأحباب أين أحبتي … فهم إذا جن الظلام الأنجم
ولقد وقفت بربع عزة منشدا … يا ربع أين ترى الأحبة يمموا
نزلوا الحطيم وماء زمزم أوردوا … نعم الحطيم بهم ورقت زمزم
وسروا وقد أسروا الفؤاد وحرموا … طيب الهجوع علي لما أحرم
ناديتهم وهم المنى بمنى وقد … ضربوا بها حمر القباب وخيموا
لم تسكنوا البلد الحرام وإنما … حرم الفؤاد المستهام سكنتم
هم في السواد وفي السويدا خيموا … ما أعرفوا ما أيمنوا ما اشأموا
وهم الذين إذا سئلت من الذي … تهواهم قلت الذين هم هم
أنا باخع نفسي على آثارهم … أسفا فلا خلت المنازل منهم
أحبابنا طال المطال بوعدكم … لي بالوصال وطال ليلى فيكم
عودوا يعود الليل صبحا مسفرا … والصبح بعدكم سناء مظلم
والذنب ذنبي في الهوى وخطيئتي … من دونكم وأنا المسيء المجرم
حكمتكم في مهجتي فحكمتم … فيها بما شاء الغرام وشئتم
ورحلتم بالقلب يوم رحلتم … وظعنتم بالصبر يوم ظعنتم
ولقد كتمت هواكم حتى وشى … سقمي بذاك ودمع عيني الملزم
والسقم يفصح بالصبابة والأسى … والدمع يكتب ما المعنى يكتم
حاشاكم من أن تجوروا في الهوى … ونعم ظلمتم بالعباد وجرتم
والعدل بالملك الهمام محمد … بادي المنار لكل من يتظلم
عز الملوك الكامل الشرف الذي … لعلائه السبع الكواكب تخدم
فالمشتري كالمشتري لسعوده … يمسي ويصبح حيث أم يؤمم
(1/273)

والقوس يرمي عن إرادة عزمه … غرض المقاصد والمقادير أسهم
فدع التحرش يا منجم واتئد … فالحكم عندي غير ما قد تحكم
ما كوكب المصباح ذو الترب الذي … في القرب من بعد الغروب يعتم
علم لما رحمت بل علم له … رفيع لا يرام معظم
وقعت له الأملاك منه سجية … ملك السماك الرمح وهو محرم
اوتاسل وافى ليخدم رامحا … فينال منه مكانة ويقدم
لما اعتدى في الجند يخدم سابعا … بهرام سياف النجوم الضيغم
ونسيت بل ملك أشار بأصبع … يوي إليه بل عليه يسلم
هذا الصحيح من المقالات التي … فيها بمكنون الغيوب يرجم
لذوي النهى والفهم سر حكومة … قد حار فيها كاهن ومنجم
واقصد مرادك حيث سرت مظفرا … فالله يكلأ والكواكب نوم
وليهنك الشهر السعيد تصومه … وتفوز فيه بالثواب وتغنم
فلأنت في الدنيا كليلة قدره … قدرا فقدرك في الملوك معظم
أثني عليك لأن شكرك واجب … إذ أنت في الخلق المغيث المنعم
وكذا الأيادي البيض سحب نوالها … تسري كما يسري السحاب المسجم
ولقد أسى مينا تقل لمثلها … مدحي الذي تقدم فيه أنظم
ولي السواري في علاك مدائحا … كالشهب تنجد في البلاد وتتهم
فبقيت ما بقيت حمامة أيكة … من فوق غصن يابس تترنم
تحمى فلا متهضم يسطو ولا … متحرم يشكو ولا متظلم
(1/274)

وكتب السلطان جوابا في ورقة عن القصيدة: الحمد لولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درها. وليس من البديع أن يقذف البحر درا، وينظم الجليل شعرا. وقد اتخذت الورقة لا تنزه في معنيها واستفيد بما أودعه فيها. فالله لا يخلينا من فوائد فكرته. وصالح ادعيته.
قال الراوي، وأجازنا أيضا قصيدة يمدح السلطان بها أيضا:
شجتني شواج في الغصون سواجع … ففاضت هوام للجفون هوامع
وهيجن شوقا للأراجع باللوى … وأين اللوى مني وأين الاراجع
مرابع لو أن المرابع أنجم … لكان نجوم الأرض تلك المرابع
رعى الله أياما لها ليت أنها … إلي وقد ولى الشباب رواجع
ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها … يلوح لها من صبح شيبي مواقع
وما محنتي في الحب غير عزيزة … هي البدر في ليل النوائب طالع
(1/275)

يقد فؤادي قدها وهو ذابل … على إنه غصن من البان يانع
وتجرح أحشائي بعين مريضة … كما لأن متن السيف والحد قاطع
خضمت لها في الحب من بعد عزة … وكل محب للأحبة خاضع
وماذا أجنت من أزاهر جنة … كمائم من ريط تسمى البدائع
وفوق شبيه الورد يلحظ عكسه … لواذع في قلبي لها ولواذع
وقالوا بدور والنجوم حنادس … وهن شمرس في الغصون طوالع
ودعت وديعة لدى حاكم الهوى … ولي للهوى قلب مطيع وسامع
ولا حاكم أرضاه بيني وبينها … سوى ملك دهري له اليوم طائع
يدافع عني الضيم قائم سيفه … إذا عز من للضيم عني يدافع
هو الكامل الأوصاف والملك الذي … تشير إليه بالكمال الأصابع
وبيض أياديه الكريمة في الورى … قلائد في الأعناق هن الصنائع
ويوماه يوماه اللذان هما هما … إذا جمعت غلب الملوك المجامع
فيوم بدا فوق السرير مرفع … ويوم ربا تحت اللواء براقع
بأسيافه في الأرض هدت كنائس … وشيد للإسلام فيها جوامع
كتائبه منصورة بكتائب … من الملأ الأعلى وجبريل وازع
يهيم بمقراه جلال وهمة … وتغني بمغناه نفوس نوازع
فلا تطمعن فيه العدى فل حدهم … ففي غير أمر الله يطمع طامع
ليهنك يا عز الملوك بشائر … توالى بها في المشركين وقائع
تدال بها أرض العدى بالعمى هدى … يكسر ناقوس وتبنى صوامع
(1/276)

وتفتح قسطنطينة وقلاعها … يتاح لها أمر من الله قالع
فيا ملك رقى المكارم ملكه … وما تبع إلا له اليوم تابع
وأمحى ملوك الأرض في أجمة الغضا … وأعداهم بالسيف حين يماسع
ومن نحوه يوم الجدال عوامل … خوافض للهامات منها روافع
به كل ثغر باسم برشاشه … عيون أعاديه دوام دوامع
شكرت أياديك الجسام اصطناعها … كما شكرت فعل السيوف المسامع
فما روضة غناء مر بها الصبا … بنشر شذاها الطيب النشر ذائع
له من شكير الدهر برد مفوف … أتيح له من ارض صنعاء صانع
فراقك منها أخضر الثوب ناضر … وشاقك منها أصفر اللون فاقع
وأحمر قان كالخدود مورد … وابيض كالثغر المفلج ناصع
بأحسن من توشيح مدحي الذي به … بدائع من وشى البديع رصائع
وما صائغ من نشر شكري الذي به … تأرجت الأرجاء عندك ضائع
ولو لم يقيدني نداك لكان لي … مجال فسيح في البسيطة واسع
فأنت الذي لي والأعادي كثيرة … فويق مكان النجم في الأفق دافع
ومن عجب يا من سما مجده … له في كدى العليا الرماح الشوافع
(1/277)

فإني وقد أعلنت بالجاه موضعي … بدار تحاكيها الديار البلاقع
وما لي إلا حسن رأيك وحده … لديك إذا ما كان للناس شافع
بقيت لعبد جده دحية الذي … يشابه جبريل له ويضارع
وجدته الزهراء بنت محمد … عليه السلام الدائم المتتابع
ولا عدمت منك الممالك مالكا … يقرب للآمال ما هو شاسع
فمنك عيون للمهمات يقظ … وعنك عيون الحادثات هواجع
(1/278)

87 - أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير
565 - 634هـ
1170 - 127م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب المحدث، الحامل المحصل المجيد المتقن، أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير، له علم بالحديث ومعرفة برجاله، حافظ لأسانيده، محصل لمعنيه، من أهل الضبط والحفظ. وأما الأدب فشأوه فيه لا يدرك، سبق فيه أهل الزمان وأربى، ولمثله في الفصاحة والبلاغة تحل الحبى. سمعت عن شيخنا أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه إنه كان يقول: بلغ "كثير" في رتبة البلدان أن يكون كأوائل العرب يحتج بشعره، وذلك لما كان انتهى إليه من الفصاحة والبلاغة حتى صارت له طبيعة، وكان سريع البداهة يكتب
(1/279)

عنه ولا يقف، ويورد أحسن إيراد، وله في غير ما فن من الأدب، النظم والنثر. ولقد ذكر لي بعض الطلبة، إنه رأى قصيدة في نحو خمسمائة بيت على هذا الروي يصف فيها حاله ويعاتب وقته، ومطلعها يقول عن نفسه:
الحمد لله ليس لي بخت … ولا ثبات يضمها نحت
ومضى على هذا الإيراد بأجود لفظ وأحسن معنى، ولقد بحثت عنها كثيرا فلم أجدها.
وكان لسان نقد على المؤلفين والمصنفين والمتكلمين، ومن جملة نقوده ما كان يقوله على كتاب الإحياء لأبي حامد يقول: ومتى ماتت العلوم حتى تحيى علوم الدين؟ ما زالت حية ولا تزال " وكان إذا ذكر الشعر يقول: "شاعر أعم من شيء" يشير إلى أن الشعراء كثير والمرضى منهم قليل.
وكانت له همة ونزاهة على إقلاله، وضعف حاله.
سمعت أن بعض الأمراء في وقته عتبه عتابا أغلظ عليه فيه، ثم استرضاه فبعث إليه بثلاثمائة دينار، وبعث إليه بكتاب ابن عطية ليقابله له، وكانت نفسه قد تغيرت عليه، فاخذ في الارتحال وطلع في جفن قاصدا للرئيس أبي عثمان سعيد بن حكم ابن عمر بن حكم القرشي صاحب منورقة وترك الكتاب والثلاثمائة دينار وكتب معها رقعة وانفصل، ولم يشعر به أحد، ولم يرض بأخذ تلك الصلة وتركها مع الكتاب، واستحسن ذلك غاية الاستحسان منه وشكره
(1/280)

الناس عليه، ولما وصل الرئيس أبا عثمان أنزله خير منزل، وأحله منه خير محل، وبقي معه إلى أن مات رحمه الله.
قرأ بالأندلس، وارتحل إلى حاضرة مراكش ولقي أبا موسى الجزولي وغيره. وكان شيخنا أبو عبد الله الأديب يحكي عنه إنه كان يقول: لقيت أبا موسى الجزولي بمراكش، واتفق إنه ركب البحر في بعض الأسفار فألقته الريح في جزيرة صقلية، فدخلها مع أهل الجفن وطال مقامهم بها وفرغ زاده، فافتقر إلى الجلوس بها لكتب الرقاع للمسلمين الذين بها، فأتته امرأة تشكو للملك بشكوى فكتب لها رقعة لم يعد فيها عن لفظها، فوصلت الرقعة إلى الملك فرأى خطا لا يوافق اللفظ فقال: علي بهذا الكاتب، فحضر بين يديه فقال له: هذا خطك؟ قال نعم، قال له: هذا الخط لا يوافق اللفظ، فقال له: هي أمانة قلدتها والقصد تصوير الواقع بين يديك، والكاتب نائب عن حضور صورته، وأظهر ذلك أن يكون بعين لفظه، حتى يقدر أن صورته حاضرة بين يديك، وتزيين الكلام يرفع قريحة الرافع، فاستحسن ذلك منه وقال له: تقيم عندنا نحسن إليك وتكون ممن يحضر معنا، فقال له: "لو كان الشرع يحيز ذلك لفعلته، فأنك خير من يقام عنده" فزوده وانصرف، وهذا من عقله وفهمه.
(1/281)

88 - أبو عبد الله محمد بن اراهيم الوغليسى
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل، المحكم الضابط، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كانت له نباهة ووجاهة ونزاهة ورفعة وهمة، وهو أحد المقتدى بهم والمعول عليهم، وكان عالما بالكتابتين الأدبية والشرعية متقدما عليها وعليه كان المعتمد في وقته في المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا، وعليه كان اعتماد القضاة في التسجيلات، وإليه كان يهرع أهل البلد فيما يحتاجون إليه من الوثائق المحكمات والأمور المستغربات وولي الخطابة بجامع القصبة المحروسة من بجاية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط. ولقي أبا محمد عبد الاشبيلي والقاضي أبا علي المسيلي والأستاذ أبا زيد عبد الرحمن بن الحجري وكان شيخنا أبو محمد عبد الحق كثير الإجلال له والتعظيم لقدره، وكان يعده من أشياخه رضي الله عنهم أجمعين.
(1/282)

89 - أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن محمد الزهري ويعرف بابن محرز
569 - 655هـ
1173 - 1258م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الحافظ اللافظ، المحدث المتقن، اللغوي التاريخي، الأديب الكامل، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن
(1/283)

محمد الزهري، من أهل بلنسية ويعرف بابن محرز، قرأ بالأندلس ولقي بها أفاضل من أهل التحصيل. جمع بين الرواية وعلو المنصب وبعد الهمة. وله مكارم هو بها أولى وأطلق، وبها قمره المنير أحق. لقي جماعة من العلماء الفاضل منهم والده وخالاه أبو بكر وأبو عامر، ولدا أبي الحسن علي بن هذيل المقرئي وابو عبد الله محمد بن خلف بن مرزوق وأبو عبد الله بن نوح وأبو العطاء وهب بن لب بن نذير الفهري وأبو الخطاب ابن واجب
(1/284)

وأبو بكر ابن حمزة وأبو محمد ابن حوط الله ورحل إلى أبي محمد عبد الله بن عبد الله الحجري فسمع منه ومن أبي عبد الله ابن غاني بسبتة وأجاز له أبو جعفر ابن مضا وأبو جعفر ابن حكم وأبو محمد ابن
(1/285)

مليح وأبو الحسن ابن نقرات وغيرهم، ومن أهل المشرق أبو القاسم البصير وأبو عبد الله الكركيسي وأبو الحسن ابن المفضل ووفد على حاضرة مراكش ولقي بها الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الملك بن القطان. ثم ارتحل إلى بجاية بعد الأربعين وستمائة واستوطنها، وكان معظما عند أهلها محترما وكان عند الملك بها حظيا مكرما، وروى بها عن الشيخ العالم العابد أبي الحسن علي بن أبي نصر رحمه الله، وروى عنه بها كثير واشتغل عليه اشتغال التحصيل والتعليم. والتبيين والتفهيم.
كانت تقرأ عليه الكتب الفقهية، وكتب الحديث وكتب اللغة والأدب. كان محصلا لهذه الفنون مجيدا فيها، ولا يخلو له وقت عن الاشتغال بالعلم أما الرواية وإما التدريس وإما المقابلة وإما عرض المسائل على سبيل المذاكرة. وكان أحسن الناس خلقا وألينهم للطلبة جانبا محبا في علم الأدب.
(1/286)

ورأيت له نظما ونثرا لا بأس بهما، ورأيت له خطبا في عقود النكاح حسنة. وقيد أصحابه عنه كثيرا. وذكر لي بعض أصحابنا أن له "تقييدا" على "التلقين" صغير الحجم. وجميع ما طالعته من الكتب التي يوجد عليها خطه في غاية الجودة تقييدا وإصلاحا وتطريرا، وقد رأيت له هذا في فنون كثيرة من الفقه والخلافيات والحديث والأدب واللغة، وكل ذلك يدل على مشاركته وتحصيله. وهو كان رأس الجماعة الأندلسية ببجاية. كل كان يأتي إلى منزله وعنده مجتمعهم، أبو عبد الله الابار وأبو المطرف ابن عميرة وأبو بكر ابن سيد الناس وأبو عبد الله الجنان وغيرهم. كان هو شيخ الجماعة وكبيرهم.
توفي رحمه الله ببجاية يوم الأحد الثامن عشر لشوال سنة خمس وخمسين وستمائة، ومولده في آخر شهري جمادى سنة تسع وستين وخمسمائة، وصلى عليه على شفير القبر تلميذه أبو الحجاج ابن أيوب بوصيته بذلك، وكان يوم وفاته مشهدا عظيما كأنه يوم عيد ولم يبق من لم يحضره.
ولقد اتفق في وقت الحضور للصلاة عليه أن الإمام المذكور تأخر وتقلق الناس، وكان شيخنا أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة أحد الحاضرين والخاصين به من طلبته، فقال: ننظر من يصلى ينصرف الناس " فقال له بعض الحاضرين: الحق في هذا لوليه أبي عامر وأبي جعفر وكانا بالحضرة، فقال الفقيه أبو محمد عبد العزيز ما تكلمت إلا بألسنتهما، فقال له أبو عبد الله الأبار: يا فقيه ويجوز بلسانيهما -منكتا عليه في إنه أورد الجمع محل التثنية- فقال الفقيه أبو محمد مجاوبا: نطقت بما نطق الله به في القرآن، قال الله تعالى {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} وهذا هو الصواب وغيره خطأ. وبعد انقضاء الصلاة وانصراف
(1/287)

الناس اجتمع الفقيهان وتراضيا. رحم الله جميعهم.
وحكى لي بعض الطلبة عنه إنه قال: كان بالزنقة التي كنت ساكنا بها ببلنسية مسجد، وكنت اصلي فيه خلف إمامه الراتب، فلما حضر وقت طلوعنا من بلنسية إلى حاضرة مراكش على جري العادة في كل عام، ووقع العزم على السفر، ووصل إلى إمام المسجد المذكور وسألني في أن أتوسل له في ظهير بزيادة في مرتبه من قبل أمير المؤمنين على الإمامة بالمسجد المذكور، وكتب لي رقعة يذكرني بها حاجته، فأخذتها منه وجعلتها في خرج فيه أسبابي، فلما وصلت إلى حاضرة مراكش وأردت الرجوع رفعت مسائلي وأردت قضاء حوائجي، فقضيت ووادعت من يجب وداعه وعدت إلى منزلي بمراكش، ألفيت رقعة الإمام فتذكرت حاجته بعد أن كنت أنسيتها فخرجت من الغد على هيئة السفر وتعرضت إلى الشيخ أبي محمد عزون صاحب الأشغال بمراكش فسلمت عليه فقال لي: ما هذا؟ أليس قد وادعتني بالأمس؟ فقلت له بقيت لي حاجة، فقال لي: وكذا تكون أنت بحوائجك. وأنشدته هذه الأبيات:
عذرا بإلحاحي عليك مؤملا … لا غرو أن تلقى الكريم فتسألا
ألقاك مزدادا لكونك باذلا … ومعاودا وردي لكونك منهلا
ومكثرا من قول هات لأنني … أبدا أراك مقللا من قول لا
فاستحسنها والتفت إلى كاتبه وقال له: انزل بموضعك ويبقى الفقيه راكبا على هيئته واكتب له ظهيرا عن أذن أمير المؤمنين بزيادة ستة دنانير للإمام وبزيادة مدين من القمح في كل يوم. فانصرفت له شاكرا ولأياديه ذاكرا.
(1/288)

90 - أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الانصاري البلنسي
577 - 654هـ
1181 - 1256م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المقرئ الأستاذ الصالح المتعفف المبارك العدل، أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الأنصاري من أهل بلنسية. لقي بالأندلس رجالا منهم، الفقيه أبو عبد الله محمد بن نوح الغافقي وأبو جعفر أحمد بن علي بن يحيي بن عون الله الألبيري عرف بالحصار وأبو علي الحسن ابن يوسف بن أحمد الأنصاري عرف بابن زلال وغير هؤلاء.
ثم رحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرأ بها وروى وأسمع وأخذ عنه، واستفيد منه. له علم بالقراءات وحظ من العربية، محكم الرواية، متقن
(1/289)

الدراية. وله زهد ونسك وتقلل من الدنيا، ولم يكن له عمل ولا حرفة ولا خلطة للناس سوى الاشتغال بإقراء القرآن رواية وتفهيما، وبسطا وتعليما.
وتخطط بالعدالة ببجاية وكانت صفته. وتوفي بها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين الثالث لجمادى الأولى عام أربعة وخمسين وستمائة ودفن بخارج باب امسيون بمقبرة الفقيه القاضي أبي محمد عبد الله بن حجاج، وولد ببلنسية سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيهين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر، رضي الله عنهم أجمعين.
(1/290)

91 - أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى بن محمد بن محمد ابن سيد الناس اليعمري الاشبيلي
597 - 659هـ
1201 - 1261م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث، الحافظ المتقن المجيد، اللغوي التاريخي، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري الاشبيلي. كذا رأيت نسبه بخط يده رحمه الله. وأصله من "أبدة" عمل "جيان" وهي وما والاها دار اليعمريين بالأندلس.
قرأ باشبيلية ولقي مشائخ، من جملتهم والده الفقيه أبو العباس، وأبو محمد عبد الرحمن بن علي بن أحمد الزهري وأبو العباس أحمد بن محمد بن
(1/291)

مقدام الرعيني وأبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي وأبو عمران موسى بن حسين القيسي الزاهد وأبو الحجاج ابن الشيخ وأبو ذر مصعب بن محمد الخشي وأبو الحسن ابن خروف النحوي وأبو الحسين ابن
(1/292)

جبير وأبو القاسم الملاحي وغيرهم، وأجاز له من أهل المشرق أبو محمد ابن يونس بن أبي البركات الهاشمي وأبو عمر عثمان ابن عبد الرحمن المعروف بابن الملاح وأبو اليمن الكندي وأبو القاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري الحرستاني وأبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي وغيرهم.
كان رواية، حافظا بالحديث، عارفا برجاله وبأسمائهم وبتاريخ وفاتهم ومبلغ أعمارهم، وكان يقوم على البخاري قياما حسنا، وكان إذا قرأ الحديث
(1/293)

يسنده إلى أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا انتهى الإسناد رجع إلى ذكر رجاله، فيبدأ من الصحابي رضي الله عنهم فيذكر اسمه ونسبه وصفته وتاريخ ولادته ووفاته وحكايته أن عرفت له، ثم يتلوه بالتابعي كذلك، ولا يزل يتبعهم واحدا فواحدا إلى أن ينتهي إلى شيخه فيقول، أما فلان شيخنا فيقول: ويذكر ما ذكر فيمن تقدم، ويزيد على ذلك بأنه لقيه وقرأ عليه كذا، وسمع منه كذا، وبعد الفراغ من ذلك يذكر لغة الحديث وعربيته، ويتعرض لما فيه من الفقه والخلاف العالي، ولدقائقه ورقائقه والمستفادات منه. كل ذلك بفصاحة لسان، وجودة بيان.
وله سعة علم ورواية، ومعرفة ثابتة ودراية. وهو في معرفة القراءات إمام، وولي صلاة الفريضة والخطبة بالجامع الأعظم ببجاية، وروى بها وأقرأ وأسمع، وكثر الآخذون عنه والسامعون منه والمقتدون به.
ولما اشتهر حاله وعلمه ونقل الناقلون ذكاءه وفهمه، نهى خبره إلى المستنصر بالله بحاضرة افريقية رحمه الله فاستدعاه، وقرب مثواه. ولما دخل عليه أمره أن يقرأ بين يديه آية من كتاب الله تعالى، فاستفتح بالاستعاذة وقرأفبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين، فاستحسن المستنصر بالله قراءته وقصده، وكان ذلك سببا في حظوته فقرب منزله، وأجزل عطيته وجائزته، ووفر جرايته. وكان من اخص الحاضرين من الطلبة بمجلسه.
ويذكر إنه كان رحمه الله يستظهر عشرة آلاف حديث بأسانيدها
(1/294)

ويذاكر بأضعافها، خلاف ما يتبع ذلك من فنون اللغة وأوضاع النحاة وضروب المقالات، وسمعت عنه رحمه الله إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ومسح بيده المباركة على صدره، قال: فما حفظت شيئا فنسيته، وهذه من كراماته ومن دلائل فضله وعلاماته.
وكان يكتب جيدا وينظم نظما حسنا. ودفع لي ولده الفقيه الجل أبو الحسن يوما قطعة كاغد وفيها قصيدة على قافية الغين في قصد الحج، وذكر لي إنه سئل عنها في نظمها في ذلك الروي وعلى تلك القافية، وهي:
أيا سائرا نحو الحجاز وقصده … إلى الكعبة البيت الحرام بلاغ
ومنه إلى قبر النبي محمد … يكون له بالروضتين مراغ
فبلغت ما أملت كم ذا اراغه … أناس نسوا قصد السبيل فراغ
وقوم أولوا وجد وجد ونجدة … اراغهم الجد العثور فراغوا
فيا أسفى كم ذا تمنيت قصده … فأدفع عن قصدي له وأراغ
وقصر بي جدي إذا الأمر في يدي … جميع وعندي ثروة وفراغ
فالآن وقد خط المشيب بمفرقي … وكلل رأسي من حلى وصياغ
أعلل نفسي بالمنى وتصدني … ذنوب لها عند الفراق مصاغ
إذا ما أجلت الدهر فيه فكيف لي … يسوغ شراب أو يلذ مصاغ
عسى توبة قبل الممات وزورة … فينضح من شين الذنوب رداغ
وألقى شيوخا يؤنس المرء منهم … أحاديث صدق تجتلي وتصاغ
توفي رحمه الله بحاضرة تونس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لجمادي الأخيرة سنة تسع وخمسين وستمائة، ومولده في حدود سنة ستمائة.
(1/295)

وكان والده الفقيه أبو العباس هو سبط أبي الحسن ابن سليمان اللخمي روى عنه وعن أبي بكر ابن خير وأبي إسحاق ابن ملكون وأبي بكر ابن الجد وأبي عبد الله ابن زرقون وأبو بكر ابن صافي وأبي عمرو ابن الطفيل وأخذ عنهم القراءات. وروى أيضا عن ابن بشكوال
(1/296)

وابن حبيش والسهيلي وابن عبيد الله وأبي محمد ابن بونة وابن الفخار وأبي الحجاج ابن الشيخ وغيرهم، وأجاز له جماعة من أهل المشرق.
وكان معتنيا بالحديث، دءوبا على تقييده ولقاء رواته، مشاركا في القراءات وغيرها، واستفاد به بعض الأمراء لبنيه فأقرأهم القرآن والعربية ولم يتصدر لذلك.
مولده منتصف جمادى الأخيرة سنة أحدى وستين وخمسمائة، وتوفي منتصف جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة، وهو ابن ست وخمسين سنة واحد عشر شهرا.
(1/297)

92 - أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن حسين بن عميرة المخزومي
582 - 658هـ
1186 - 1260م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي، من أهل جزيرة "شقر" سكن بلنسية مدة وكتب عن ولاتها، وفاق الناس بلاغة وأربى على من قبله، وتهادته الدول وولى القضاء بأريولة وشاطبة من الأندلس، وسلا ومكناسة من العدوة، وقسنطينة وقابس من بلاد افريقية وغيرها.
(1/298)

استوطن بجاية مدة طويلة وأقرأ بها ودرس، له علم بالفقه وأصوله، وحديث حسن في معقوله ومنقوله، وله أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره. والكثير من الطلبة بعتقدون، أن الفقيه إنما هو أديب ليس إلا لاشتهار أدبه اشتهارا غطى على ما عداه من طلبه. والناس يتداولون كتبه ويستحسنونها ويؤثرونها على كتب غيره ويفضلونه، وبالواجب علم الله، أن يكون ذلك لسلوكه حسن منهجه الذي هو فيه أول سالك.
وما رأيت من الكتاب ما أعجبني مثل كتب الفقيه أبي المطرف إلا كتب أبي جعفر ابن عطية، والكتاب كثير وكتب هذين الرجلين عندي مقدم على غيرهما، ولقد بلغني إنه كتب عن المستنصر باستدعاء أبي عبد الله الابار من بجاية بما نصه:-
على قدر حبي قد أتتك بشارتي … وحسبك ما أجملته من إشارتي
هنيئا هنيئا قد رفلت من المنى = بأفخر ملبوس وأجمل شارة أنعمت الخلافة العزيزة العليا المنصورة أيد الله أوامرها، وأخلد مفاخرها، بقدومكم على حضرتها السعيدة المباركة التي هي مركز راية الحق، ومجتمع وفود الخلق أمرت عبدها، أعلى الله جدها، وأمضى حدها، أن نخاطبكم بذلك، فاعزموا بحول الله على الحركة، وبادروا إليها على الخيرة والبركة. فقد تعين لكم الزاد الكريم، واستقبلكم من خير النظر ما به يبرأ السقيم، ويسعد الظاعن والمقيم والله يوزعنا معشر عبيد المقام الكريم، شكر نعم لولا
(1/299)

فضله لم نكن أهلها، ويحمل عنها حقوقها فانا لا نستطيع حملها، وهو تعالى يديم عزتكم، ويحفظ مودتكم بمنه، والسلام الكريم يخصكم به مجل قدركم، وموجب بركم، أخوكم الحافظ لعهدكم، المقيم على ودكم، ابن عميرة، ورحمة الله وبركاته. كتب بتاريخ كذا سنة سبع وخمسين وستمائة.
ومما خاطب به أيضا أبو المطرف الفقيه أبا بكر ابن خطاب: المحل العلى العلمي شكر الله طوله، وأعلى فعله وقوله، علو المقاصد، والحنو على المقاصد، فسؤاله شرف، ونواله معترف، وحسب بني الرجاء، ولو كانوا ملء الأرجاء، من التفاته طرف، وحامل الخوبة فلان من أهل بلنسية وممن له فيهم أصل نابه، ونسب في الحسب متشابه، إلى حظ من الطلب أحرزه، ومكان من الصون والذكاء ميزه، وقصد تلكم الجهات المباركة يرجو أن يكون له عند أهل الاتصال تعرف، وفي بعض الأشغال تصرف، وفي سعة الرأي الكريم أدنى من ظله، واعتاه لا شيء له كمثله، أبقى الله فخره على الأيام مخلدا، ومجده بحسام العلياء مقلدا بمنه، والسلام.
والذي أوجب تقدم الفقيه أبي المطرف في كتابته، إنما هو الرجل من أهل بلنسية من أهل العلم، فكتابته علمية أدبية وكتابة غيره مقتصرة
(1/300)

على نوع من الأدباء، فكتابته جامعة بين كتابة العلماء والأدباء، وكتابة غيره مقتصرة على نوع الأدباء، وهذا المعنى هو الذي تميز به عمن سواه.
وقد رأيت له تعليقا على كتاب "المعالم في أصول الفقه" لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل، وكان الطلبة مدة كونه ببجاية يقرءون عليه تلحيقات السهروردي وهي من مغلقات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب، وكذلك كان قبل ظهور ما اخترعه المتأخرون من الطرق المقفلة والقوانين المغلقة في أصول الفقه.
رحل إلى حاضرة أفريقية واتصل بالخليفة المستنصر واستقضاه "قابس" ورأيت بينه وبين شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الحق مراسلة قل أن يوجد مثلها في الزمان، ولولا الإطالة لأثبتها. ثم استدعاء المستنصر وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته ومن فقهاء دولته.
توفي رحمه الله بتونس، ليلة الجمعة الموفى عشرين لذي الحجة من عام ثمانية وخمسين وستمائة ومولده بجزيرة شقر في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
(1/301)

ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيوخ الثلاثة الفقيه أبي محمد عبد الحق والخطيب أبي عبد الله ابن صالح والمقرئ أبي جعفر ابن محمد الصدفي رحم الله جميعهم آمين.
(1/302)

93 - أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي
610 - 680هـ
1204 - 1281م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الأجل، الرئيس المكرم المرفع الفاضل، أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي دخل بجاية وبقي
(1/303)

بها مدة، ثم انتقل إلى تونس ومنها انتقل إلى ثغر ميورقة وفيها مستبدا.
جمع بين الرواية والدراية وعلو المنصب وبعد الهمة، وله مكارم أخلاق وسخاء ومروءة وانتخاء، وكانت صلاته تصل في كل وقت إلى جماعة من الفقهاء والصالحين ببجاية، منهم الفقيه أبو بكر ابن محرز الزهري وأبو العباس ابن خضر وأبو الحسن الزهري وأبو عبد الله محمد بن ثابت القسنطيني الساكن بخارج امسيون، وغيرهم.
له علم بالعربية والأدب، وله نظم ونثر وكتابة مستحسنة، وله مشاركة في العلوم، وله رواية عالية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله. وكثيرا ما كان يقصده الطلبة وغيرهم فينزل كل واحد منهم خير منزل، ويحله منه خير محل فمن جملتهم الفقيه الأديب البارع أبو الربيع سليمان كثير والفقيه الرواية أبو عبد الله التلمساني والطيب أبو الحكم ابن فتلة وغيرهم.
(1/304)

لقي مشائخ جملة، منهم الشيخ الجليل أبو القاسم بن يزيد بن بقي والفقيه أبو الحسن محمد بن محمد بن زرقون والقاضي أبو بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون والأستاذ أبو علي عمر بن محمد الازدي عرف بالشلوبين والفقيه أبو الحسن علي بن جابر اللخمي عرف بالدباج والفقيه أبو بكر ابن جابر بن علي بن سعيد السقطي وأبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن السراج الاشبيلي والفقيه الصالح أبو الحسن علي بن أبي نصر البجائي وغيرهم ممن يكثر تعدادهم.
(1/305)

توفي أبو عثمان المذكور بثغر ميورقة في آخر الساعة الرابعة من يوم السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم عام ثمانين وستمائة، وولد ليلة السبت منصرف الناس من صلاة العشاء لست خلون من جمادى الأخيرة من عام أحد وستمائة رحمه الله.
(1/306)

94 - أبو علي الحسن بن موسى بن معمر
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل الفصيح، الأديب اللافظ، أبو علي الحسن بن موسى بن معمر من افريقية. كان أديبا لبيبا، لسنا فقيها فصيحا، مليح الحكاية بارع الخط حسن النظم والنثر، وهو من خواص أصحاب الفقيه العالم أبي زكرياء البرقي.
كان من العدول المرضيين بحاضرة افريقية، وكان صاحب العلامة المستنصرية وكان له عند المستنصر حظ، وتوجه عنه في الرسالة لبعض ملوك المغرب، وكان المستنصر يستظرف حديثه ويعجبه، وكان يوم دخوله عليه وجلوسه عنده يطول الأمر على الواقفين بين يديه، فلا يكون عليهم أشد من ذلك اليوم وما كان ذلك إلا لاستحسانه حديثه واستظرافه إياه.
ولى قضاء بجاية فحسنت فيه سيرته، واستحسنت طريقته. وكان محببا للناس مشكورا عندهم.
وسمعت ممن وثقت بحديثه، إنه لما وفد على المستنصر من وجهته التي وجهه فيها لملك النصارى، وقف على الأجوبة التي وصل بها فأنكر بعض الأجوبة لإنكاره المسائل التي ترتب الجواب عليها وقال له: ما قلت لك هذا، فقال له: هكذا سمعت منكم، والتزم هو الجزم على إنه كذلك كان.
(1/307)

قال، وانفصل من بين يديه وهو مغضب عليه، وبعد أيام كتب بهذين البيتين اللذين اذكرهما بعد، وبعث بهما لأبي القاسم ابن الشيخ فوافق أن يناظرهما بين يدي المستنصر، وكان لا يقرأ بين يديه شيء إلا سأل عنه، فسأل ما الذي يقرأ فأوقفه عليهما وهما:-
واحسرتي في مقام بين أظهركم … قوم رجاؤهم باليأس مفضوح
صدوا وسدوا عن المضطر بابهم … وما دروا أن باب الله مفتوح
فذرفت عينا أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأظهر له وجه البر والرضى، وغفر له وعفا عما مضى، والبيت الثاني منها مليح القصد، وأما الأول فظاهر فيه وجه النقد.
(1/308)

95 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي الشهير بابن الابار
575 - 658هـ
1180 - 1260م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث المقرئ، النحوي الأديب المجيد، اللغوي الكاتب البارع التاريخي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، الشهير بابن الابار هكذا رأيت نسبه بخط يده رحمه الله، هو من أهل بلنسية وأصله من اجردة وهي وما والاها دار القضاعيين بالأندلس. أخذ القراءات عن أبي عبد الله ابن نوح
(1/309)

وأبي جعفر الحصار وسمع منهما، وأبي الخطاب بن واجب وأبي الحسن بن خيرة وأبي سليمان بن حوط الله وأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة.
صحب أبا الربيع ابن سالم بضعا وعشرين سنة، وهو ندبه إلى وضع كتاب "التكملة" ل"صلة" أبي القاسم ابن بشكوال وكتب إليه أبو بكر بن جمرة وأبو عمر ابن عات وأبو عبد الله ابن عبد الرحمن التجيبي
(1/310)

نزيل تلمسان وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأندلسي. ومن أهل المشرق، أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب وأبو الحسن علي بن يوسف بن بندار من أصحاب أبي الوقت وأبو الطاهر إسماعيل بن ظافر القلعي وغيرهم، ولا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية، أما بعموم أو خصوص. ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيخين المقرئين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر.
رحل إلى العدوة واستوطن بجاية، ودرس بها واقرأ وروى واسمع وصنف وألف، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله، له تآليف حسنة، ونزعات في علم الأدب بارعة مستحسنة.
وكان أول وصوله من الأندلس إلى العدوة رسولا عن والي بلنسية، وقضى رسالته عند ملك افريقية في حديث طويل، ورجع إلى الأندلس ثم رجع إلى العدوة قاصدا استيطانها، فتخير سكنى بجاية، ثم استدعاه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضرته فدخل عليه فأعجبه منطقه ورواه من نبله وفضله أضعاف ما قدر أن يراه، وأول إنشاده لما مثل بين يديه:
بشراي باشرت الهدى والنورا … في قصدي المستنصر المنصورا
وإذا أمير المؤمنين لقيته … لم الق إلا نصرة وسرورا
(1/311)

كيف لا، والاسمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والكنية المباركة أبو عبد الله، والعلامة العلية الحمد لله، والشكر لله، والسمة السلطانية المستنصر بالله المنصور بفضل الله، ومن كان لله كان الله له، وانشد بين يديه رحمه [الله]:
أمير المؤمنين لنا غياث … فعند المحل تستقي الغيوث
فلا جوع ويمناه الغوادي … ولا خوف وقتلاه الليوث
فحظي عنده، وبلغ لديه مأموله وقصده.
وتآليفه وتقييداته وأشعاره وكتائبه متداولة بين الناس، ومرغوب فيها عندهم وموجودة لديهم، ولو لم يكن له من الشعر إلا القصيدة التي رفعها لمقام الأمير أبي زكرياء رحمه الله، يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري:
تكلم بالقول المضلل حاسد … وكل كلام الحاسدين هراء
ولو لم يكن له من التآليف إلا الكتاب المسمى بكتاب "اللجين في مرائي الحسين" لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته.
فكيف لا وله تصانيف، وجملة تآليف. ومن شعره رحمه الله ورضي عنه:
ساق من روض الاماني أرجه … ولأمر ما شجا لي مدرجه
خيلت لي أنها تعدني … وخيالات الفتى تستدرجه
(1/312)

فلذا اكذب شيء فجرها … ولقد غر الحجى منبلجه
يا شقيق النفس أوصيك وإن … شق في الإخلاص ما تنتهجه
لا تبت في كمد من كبد … رب ضيق عاد رحبا مخرجه
وبلطف الله أصبح واثقا … كل كرب فعليه فرجه
توفي رحمه الله بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم عام ثمانية وخمسين وستمائة. ومولده في آخر شهري ربيع سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
(1/313)

96 - أبو محمد بن علوان
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب المنشئ، أبو محمد عبد الله بن علوان، من أصحابنا الذين هم في وقتنا. لقي مشائخنا أبا الحسن الحرالي رضي الله عنه رؤية عين وتبرك، وأكثر نظره على شيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي وأبي العباس الغماري. تخطط بالعدالة وهي صفته، وله فقه جيد، وهو جامع بين الكتابتين الأدبية والشرعية، وهو شيخ كتاب الكتابة الشرعية في وقته، وعلى شهادته العمل في الديار السلطانية العلية أعلى الله أمرها، وله تخصص ووقار، ورواء حسن واعتبار.
وله نظم في الفرائض سلك فيه على طريقة الحجازيين والنجديين، ينحو فيه إلى اللطافة، ويتجانب عن الكثافة. وله توقف وتثبت في الأمور، وجرى على الطريقة المحمودة عند الخواص والجمهور. وهو النائب في صلاة الفريضة بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، ومن نظمه:
من أرض نعمان هبت نسمة السحر … جاءت بنشر عبير طيب عطر
نمت بسر خزامى الجزع واحتملت … ما ضاع من نفحات البان والسمر
لله ما هيجت من وجد مكتئب … وما أثارت من الأشجان والفكر
فاستشفت منها فمن نحو الحمى نفحت … تخبر عن ساكنيه طيب الخبر
يا ليت أيام وصل فيه عائدة … بشادن نلت منه منتهى وطري
(1/314)

يبدي لمبصره من وجهه قمرا … على قضيب لجين ناعم نضر
وإن تثني ثنى من قده غصنا … وان رنا سل أسيافا من الحور
مهفهف بت أسقى من مراشفه … خمرا فاسقي الظما من بارد حصر
يفتر عن أقحوان يانع عبق … وعن عقيق وعن نور وعن درر
ما لاح لي بارق من أفق مبسمه … إلا استهلت دموع العين كالمطر
ولا تطلع من ازرار حلته … إلا زرى بضياء الشمس والقمر
(1/315)

97 - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المقرئ المتقن، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل المقدم، أبو عمرو وقته في علم القراءات، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري قرأ على أبيه بالقلعة الحمادية بجامعها الأعظم في عشر التسعين وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية، فلقي بها أفاضل منهم والده أبو عبد الله ابن عبد الله ومنهم الشيخ أبو زكرياء الزواوي رضي الله عنه كان ملازما له وعاكفا عليه، والقارئ بين يديه، ولقي أبا عبد الله ابن حماد وغيره.
وكان أستاذ الأساتيذ في وقته، وكان جلوسه للقراءة والرواية بالجامع الأعظم ببجاية شرفه الله بذكره، وقرأ عليه عالم واستفاد منه خلق كثير وكل من أخذ عنه، فإنه يوصف بالإتقان والدراية، وجودة الرواية. وكان لا يتسامح في إجازة بوجه ولا يمكن منها إلا بعد التحصيل، ومن ظفر من الطلبة بإجازته فقد ظفر بالغاية القصوى، ووصل إلى المرتبة العليا. وما أدركت من أدركت من الطلبة إلا وهم يفخرون بلقائه والقراءة عليه.
واختصر كتاب "التيسير" لأبي عمرو الداني اختصارا بليغا وجيزا يدل على علمه، وجودة فهمه. وتوفي رحمه الله ببجاية عن جملة تلاميذ، وفضلاء أساتيذ. رضي الله عنهم.
(1/316)

98 - أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور
597 - 669هـ
1200 - 1271م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، السيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي، المحصل الجليل الفاضل، أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور، شهير الذكر، رفيع القدر. من أهل اشبيلية، قرأ بها على جماعة من أكابر
(1/317)

العلماء منهم أبو علي الشلوبين فحصل ما لم يحصل غيره، وكل من قرأ على أبي علي الشلوبين ببلده نجب، واجلهم عندي رجلان، الأستاذ أبو الحسن هذا، والأستاذ أبو الحسن ابن أبي الربيع، واجل الأستاذين الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور، وما أعتقد في المتأخرين من الأساتيذ اجل منه، جمع رحمه الله بين الحفظ والإتقان، والتصور وفصاحة اللسان. هو حافظ متصور لما هو حافظ له، قادر على التعبير عن محفوظه، وهذه هي الغاية، وهي أن يكون المرء حافظا له متصورا معتبرا، وقل أن يجمع مثل هذا إلا الآحاد.
درس مع شيخه أبي علي الشلوبين باشبيلية، وكان له ظهور وشفوف، وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية، وكان بها أستاذا للأمير يحيى برد الله ضريحه. وارتحل إلى حاضرة افريقية فحظي بها عند المستنصر بالله وكان أحد خواص مجلسه، وقبل انتقال الإمارة إليه كان يقرأ عليه. وقرأ عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكل من قرأ عليه وكل من ظهر من أصحابه فمن المبرزين.
ومن أحسنهم علما وخلقا وفضلا ورياسة ولفاسة، صاحبنا الفقيه الجليل الكامل أبو زكرياء يحيى اليفريني رجل من أهل الكمال، في كل وجهة وحال، ولولا أن ذكره هنا إنما جاء بالاستطراد، لذكرت من فضائله ما يعلم إنه أربى على من سبقه وزاد.
وتآليف أبي الحسن رحمه الله في العربية هي من أحسن التصانيف، ومن أجل الموضوعات والتآليف. له "المقرب" وهو كتاب بارع والشروحات عليه وعلى الجمل، وله على "الإيضاح" وله شرح أبيات "الإيضاح" ولم يسبقه أحد بمثله. وكلامه في جميع تآليفه سهل منسبك محصل، والذي قيد عنه أصحابه أكثر من تآليفه التي ألفها. واخبرني بعض أصحابنا، إنه شرح جزءا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكا لم يسبق إليه من الإيراد والإصدار والأعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو اعنني الوقت وأمدني الله بالمعونة منه وأكمل هذا الشرح
(1/318)

على هذا المنزع، لكان ذخيرة العالم. وهو ممن له القدرة على هذا، وهو أولى الناس بشرح كتاب الله تعالى، وتدل تآليفه النحوية على أن له مشاركة في علم المنطق ولأجل ذلك حسن ايرداه فيها تقسيما وحدودا واستعمال الأدلة وبالجمة، فيليق أن يكون كلامه مقدما على غيره من المعبرين من النحاة. توفي رحمه الله بتونس حرسها الله في عشر السبعين وستمائة.
(1/319)

99 - أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي المجيد، المحصل المتقن، الفصيح البليغ البارع، أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني. رأيت من كتابته ما دل على بلاغته، وبراعته وطلاقة قلمه وفصاحته. وكان له حظ وافر من الفقه، وكان مليح المذاكرة، حسن المحاضرة، ممن يعد في أعداد الفضلاء الأخيار، ويعول عليه في العلم واليه يشار. ولي القضاء ببعض اكوار بجاية، وكان معروفا بالعفاف، والاقتصاد والاقتصار على الكفاف. رحمه الله ورضي عنه.
(1/320)

100 - أبو الحكم مروان بن عمار يحيى
... 610هـ
... 1214م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب النحوي اللغوي، أبو الحكم مروان بن عمار بن يحيى من أهل بجاية سمع أبا محمد عبد الحق الاشبيلي ودخل الأندلس فسمع أبا محمد عبد المنعم بن الفرس وأبا القاسم ابن حبيش وأبا عبد الله ابن حميد فأخذ عنه بعض سيرته. وكان من الأدباء النبهاء، مشاركا في أبواب من العلم، حسن الخط جيد الضبط. كتب للولاة ثم ولي قضاء المرية ثم أخر عن ذلك. رحمه الله ورضي عنه آمين.
(1/321)

101 - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي
580 - 661هـ
1184 - 1263م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الخطيب، القاضي العدل المرضي، المحدث الراوية المتقن، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي. من أهل مرسية يعرف بابن برطلة. وسكن بجاية وولي بها صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، وروى عنه بها، وقضى مدينة الجزائر وغيرها، وكان من الثقات الاثبات وله براعة في الأدب.
وسمعت عنه إنه كان خطيبا بمرسية، وإنه لم يعد مدة ولايته الخطابة بها خطبة واحدة، وكان يخطب في كل جمعة بخطبة من إنشائه.
وتتصل روايتي عنه من طريق الخطيب أبي عبد الله ابن صالح.
(1/322)

لقي جماعة من العلماء منهم أبو عمر ابن عات وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أغلب الخولاني المعروف بالزروالي وأبو محمد ابن حوط الله وأخوه أبو سليمان وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن اصبغ وأبو عبد الله ابن مرج الكحل وأبو الربيع سليمان بن سالم وأجاز له أبو القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون الهلالي وأبو زكرياء يحيى بن عبد الرحمن الدمشقري الواعظ نزيل غرناطة، وأبو جعفر أحمد بن يحيى وهو أحد
(1/323)

من حدث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي وأبي موسى الجزولي. وبيته غريق في العلم، وأبوه وجده مذكوران في التكملة وكان متقللا من الدنيا قانعا بالقليل منها.
وكان قدومه على حاضرة افريقية بعد الأربعين وستمائة، وبعد ذلك استأذن في الحج فأذن له، وحج في عام ستة وخمسين وستمائة، وعاد ولم يزل منوها مخططا إلى أن توفي مأخوذا عنه رحمه الله، وكانت وفاته بتونس ظهر يوم الأحد السادس والعشرين لجمادي الأخيرة عام أحد وستين وستمائة، ودفن ظهر يوم الاثنين بعده بحومة المصلى من غربيها، وكانت جنازته مشهود وأهيب شعار الصالحين بين يديه، ومولده في حيز الثمانين وخمسمائة رضي الله عنه.
(1/324)

102 - أبو محمد عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي
... 636هـ
... 1239م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الكاتب المحصل، الفاضل الأديب، أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي، نشأ بتونس وتوفي بقسنطينة عام ستة وثلاثين وستمائة.
أحد الأشياخ المنتصبين للتدريس والرواية، قرأ عليه ناس وسمعوا منه، منهم شيخنا أبو عبد الله التميمي وغيره.
وأخبرني أبو عبد الله المذكور، إنه شرع في شرح "مقامات الحريري" وإنه كتب على خطبتها نحوا من خمسة عشر كراسا بالقالب الكبير، وكان يذكر عنه إنه كان في علم الأدب مستبحرا، وكان مشرفا ببجاية في مدة السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن، وكان المشارف في ذلك الزمان على سنن العدل، والتزام طرق الفضل. ولما أخذت البلاد من يد السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن على ما عرف وأخذت حاشيته معه، فكان الفقيه أبو محمد أحد المأخوذين ومن جملة المعتقلين، ولما كان بعد ليلة أو ليلتين من اعتقاله، رأى محل الإمارة العلية برد الله ضريحه، النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام وأمره أن يسرح أبا
(1/325)

محمد ابن نعيم من اعتقاله، فاستيقظ وبعث إليه الفتيان في بقية ليله، فارتاع كل من كان في الثقاف في ذلك الموضع واستشعروا شرا، فاستدعى أبو محمد ابن نعيم من بينهم وسيقت له بغلة وكسوة وسرح وأحسن إليه. فسئل رحمه الله عن السبب في ذلك فقال: إنه لم يكن له سبب سوى إنه خمس القصيدة الجيمية عند دخوله السجن، وهي المعروفة بالشيخ أبي الفضل بن النحوي رحمه الله، وهو تخميس حسن لا بأس به، وها هو يذكر مع القصيدة التماسا لبركاتهما وإظهارا لمزيتهما رضي الله عنهما ونفعنا بهما وبأمثالهما آمين:-
لا بد لضيق من فرج … والصبر مطية كل شج
وبدعوة أحمد فأبتهج … اشتدي أزمة تنفرجي
فد آذن ليلك بالبلج
يا نفس رويدك لا حرج … وثقي بالله عسى فرج
وكذا ما ضاق له فرج … وظلام الليل له سرج
حتى يغشاه أبو السرج
فلكل محاولة قدر … وقضى لا يدفعه حذر
ورجوعك عن هذا غرر … وسحاب الخير لها مطر
فإذا جاء الإبان تجي
(1/326)

في لطف الله لنا أمل … لا يدني مطلبه عجل
ولكل محاولة أجل … وفوائد مولانا جمل
لسروج الأنفس والمهج
ما أن خلق الإنسان سدى … والعقل بذاك لنا شهدا
وإذا هبت أرواح هدى … ولها أرج محي أبدا
واقصد محيا ذاك الأرج
وتلاف هديت حيا حيا … أن أنت ظفرت به تحيا
واقصد بالجد لما أحيا … فلربتما فاض المحيا
ببحور الموج من اللجج
فعليك بصافي مورده … لتكون الفائز في غده
والله مصرف مقصده … والخلق جميعا في يده
فذوو سعة وذوو حرج
خطت في اللوح جموعهم … وأصولهم وفروعهم
ونزيلهم ورفيعهم … ونزولهم وطلوعهم
فعلى درك وعلى درج
قد حاز الخير مراقبهم … ونجا في الحشر مصادقهم
واستقلت فيه مناقبهم … ومعائشهم وعواقبهم
ليست في المشي على عوج
فهناك معان قد كتمت … ولقد كشفت حتى فهمت
لعقول صافية سلمت … حكم نسجت بيد حكمت
ثم انتسجت بالمنتسج
(1/327)

وانظر لأمور قد وشجت … لما مزجت ثم امتزجت
وبأول عنصرها لهجت … فإذا اقتصدت ثم انعرجت
فبمقصد وبمنعرج
لا يصحب ذا علم لجج … والعلم تفيض له لجج
فلكم مرت لهم حجج … شهدت لعجائبها حجج
قامت بالأمر على الحجج
تفويضك للرحمن رجا … كم جاء صباح بعد دجا
ويكون الصبر له درجا … ورضى بقضاء الله حجى
فعلى مركوزته فعج
فتحر بما تلقى رشدا … لا يمضي عمرك عنك سدى
واقطع أيامك مجتهدا … وإذا انفتحت أبواب هدى
فأعجل لخزائنها ولج
وتلق بعزم رايتها … واقرأ وتدبر آيتها
فلعلك تبلغ غايتها … وإذا حاولت نهايتها
فاحذر إذ ذاك من العرج
لا تلف لعين الدين قذا … فتكون بظهر منتبذا
فأصدع بالحق إذا نفذا … لتكون من السباق إذا
ما جئت إلى تلك الفرج
قامت في العالم حجته … وبدت للخلق محجته
فإذا انفتحت لك فرجته … فهنالك العيش وبهجته
فلمبتهج ولمنتهج
(1/328)

طوبى لنفوس قد سعدت … فعلت وزكت لما زهدت
فأتهم آمالك أن فقدت … وهج الأعمال إذا ركدت
فإذا ما هجت إذا تهج
ظلمات النفس محاجتها … احذر تغشاك لجاجتها
فتغشى النور زجاجتها … ومعاصي الله سماجتها
تزدان لذي الخلق السمج
فحذار تلم بساحتها … فتكون رهينة راحتها
والله يمن براحتها … ولطاعته وصباحتها
أنوار صباح منبلج
لا تقرب أمرا مشتبها … ودع الدنيا لتقلبها
واضرب عن لذة مشربها … من يخطب حور العين بها
يظفر بالحور وبالغنج
فاجعل مهرا الحورآ أرقا … بقيام الليل وزد فرقا
واسلك بالجد لها طرقا … وكن المرضي لها بتقى
ترضاه غدا وتكون نجي
يلج الأنوار على نفذ … فلها عوذ أسنى العوذ
وتحر مقالة كل بذي … واتل القرآن بقلب ذي
حزن وبصوت فيه شجي
تأخير التوبة آفتها … وتميت القلب سلافتها
وحياة النفس مخافتها … وصلاة الليل مسافتها
فاذهب فيها بالفهم وجي
(1/329)

فإذا أبصرت مبانيها … فانظر إذ ذاك معانيها
واذكر بالفكر غوانيها … وتأملها ومعانيها
تأت الفردوس وتنفرج
ومتى ما فزت بمنظرها … فاستنشق ريح معطرها
وأعجب لجمال معصفرها … واشرب تسنيم مفجرها
لا ممتزجا وبممتزج
أنفاسك قد ذهبت صعدا … وذنوبك لا تحصى عددا
بجيوش العقل اجعل مددا … مدح العقل الآتية هدى
وهو متول عنه نهج
ألهوى أسبتك عضاضته … وظننت تقيك مفاضته
حتى عضتك مضاضته … وكتاب الله رياضته
لعقول الخلق بمندرج فالخلق جرت عاداتهم = يدعون بهم ساداتهم وهم في الحشر لذاتهم = وخيار الخلق هداتهم وسواهم من همج الهمج
خذها من قول من احتفلا … ودعا لنصيحته الجبلا
واحذر من نجمك أن أفلا … وإذا كنت المقدام فلا
تجزع في الحرب من الرهج
دع عنك أخا يبدي لذذا … أجرى في الغي لغير مدى
واصحب من فازو من رشدا … فإذا أبصرت منار هدى
فاظهر فردا فوق الثبج
(1/330)

بأبي نفسي لما انفردت … فعلى الرحمن قد اعتمدت
وحداها الشوق لما قصدت … وإذا اشتاقت نفس وجدت
ألما بالشوق المعتلج
أيام العمر مماحكة … وثغور الحق مضاحكة
وليالي الغفلة حالكة … وثنايا الحسنى ضاحكة
وتمام الضحك على الفلج
أعلام الدين قد ارتفعت … ونجوم العلم به طلعت
وحمام الموت لنا سجعت … وعياب الأسرار اجتمعت
بأمانتها تحت الشرج
العجب يطيش براكبه … فتجنب ذروة غار به
والصبر عليك بلا حبه … والرفق يدوم لصاحبه
والخرق يصير إلى الهرج
فاصدع لإلهك بالحمد … فيما تخفيه وما تبدي
فلقد أذكى سرج السعد … صلوات الله على المهدي
الهادي الناس إلى النهج
وعلى السادات وعترته … وعلى الأنصار وعشرته
وعلى من فاز بعشرته … وأبي بكر في سيرته
ولسان مقالته اللهج
ومن استهدى بإماماته … وغدا في ظل غماماته
وجنى من زهر كماماته … وأبي حفص وكراماته
في قصة سارية الخلج
(1/331)

وعلى من جاء على بين … يبغي الإسلام بلا مين
خوفا من غاسية الحين … وأبي عمرو ذي النورين
المستحي المستحيا البهج
وعلى من بمقالتهم أخذا … وتحامى الهدى حين حذا
ومعالي نثرته نبذا … وأبي حسن في العلم إذا
وافى بسحائبه الخلج
وما زالت هذه القصيدة معلومة الإفادة، ظاهرة الزيادة. وهذا التخميس قد ظهر من أمره ومن العناية بمنشئه ما دل على خلوص نيته، وصلاح طويته. وهذه القصيدة التي هي الأصل مع وصيته رحمه الله، أرويها عن الشيخين أبي عبد الله ابن رحيمة الباني وأبي العباس ابن خضر الصدفي رحمهما الله، والوصية هي:-
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الحفيظ، هذا ما أروع العبد يوسف الرب الذي خلق الأشياء، ورزق الأحياء، وملك العالمين، وحفظ السموات والارضين، أودعه جميع ولد أبيه، وأهله وأهل أخيه، وجميع ما خولهما من نعمه، وملكهما من قسمه، ظاهرا وباطنا، وصير ذلك إلى أمانته، وأسلمه إلى رعايته، واستحفظه في ذلك كله، وتبرأ إليه من حوله وقوته، ولم يلج سوي فضله وطوله، هو الحفيظ الذي لا يهمل، الوكيل الذي لا يغفل، العليم الذي لا يجهل، الجواد الذي لا يبخل، الأول الذي ينعم ويتطول، هو الأخير الذي لا يزال ولا يتحول، السالم من سلمه، والغانم من عصمه، والمفلح من كرمه، قد رضيه مستودعا، ووثق به مستحفظا، ولم يحتج معه إلى ما يحتاج إليه من الأمانات، وتحصيل التقبيضات، وانتقال المآلات، في ضروب التصريفات،
(1/332)

فإن الكل تحت قبضته، والخلق عبيد ربوبيته، فالتبرؤ تفويض، والثقة تسليم، والركون إليه إقرار بالملك، والرجاء إيذان بالنجح، وذلك بعد أن ثبت لديه الشهادات الصادقة، واتضحت لديه البراهين الصادعة، على ألسنة الدلالات، وفي أمكنة الاحتجاجات، بحضرة العدول، من صحة العقول، ولما كشفت عن وجهها مسفرة، وتبدت ضاحكة مستبشرة، قبلها بقلبه، ونفذ قضيتها بعزمه، وأمكن وثيقتها بحزمه، ومن المودع المحمود، أول الخير وآخره، وباطن الجود وظاهره، بصدق جميل جزائه، ويلحق جزيل عطائه، لم يشارك في جود، ولم يماثل في الوجود، ومن التجأ إليه فقد رشدت مساعيه وسعدت أمانيه، واستحكمت تدبيراته، واستكملت تمييزاته، وحسن النظر لنفسه، وبلغ العرض بحسه، اشهد العبد يوسف المذكور على هذا الإيداع الموصوف الرب المودع وحده، فلا شاهد بعده، وأمضى على نفسه حكمه، فلا يخاف أحد ظلمه، قد رضيه ربا، وعبده عبدا. وذلك بعد أن قرأ ما سطره، وعرف سره وجهره. وهو صحيح العقل، جيد النقل، نافذ الميز في تاريخ لا ينساه المودع، ولا يتعداه في ساعة المراد، من يوم الرشاد، في شهر التوفيق، من عام التحقيق، وحسب المودع في وديعته من أودعه، وعليه أوقف رغبته وتضرعه، ولم يشارك أحدا معه، بل افرده وصرف إليه الهم أجمعه. أسأل الله أتم الصلاة وأزكاها، واعم البركة وأنماها، لرسوله محمد المصطفى وآله وسلم تسليما.
(1/333)

103 - أبو علي حسن بن الفكون
-أول القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، علي حسن بن الفكون من الأدباء الذين تستظرف أخبارهم، وتروق أشعارهم. غزير النظم والنثر، وكأنهما أنوار الزهر. رحل إلى مراكش وامتدح خليفة بني عبد المؤمن وكانت جائزته عنده من أحسن الجوائز.
وله "رحلة" نظمها في سفرته من قسنطينية إلى مراكش، ووافق في مقامه بمراكش طلوع الخليفة لزيارة قبر الإمام المهدي رضي الله عنه فنظم في ذلك.
وله ديوان شعر، وهو موجود بين أيدي الناس ومحبوب عندهم.
وهو من الفضلاء النبهاء، وكان مرفع المقدار، ومن له الحضوة والاعتبار. وكان الأدب له من باب الزينة والكمال، ولم يكن يحترف به لإقامة أود أو إصلاح حال. واصله من قسنطينة من ذوي بيوتاتها، ومن كريم اروماتها. وتواشيحه مستحسنة ومن مليح شعره:-
دع العراق وبغداد وشامها … فالناصرية ما أن مثلها بلد
بر وبحر وموج للعيون به … مسارح بان عنها الهم والنكد
حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع … حيث الغنى والمنى والعيشة الرغد
(1/334)

والنهر كالصل والجنات مشرفة … والنهر والبحر كالمرآة وهو يد
فحيثما نظرت راقت وكل نوا … حي الدار للفكر للأبصار تتقد
أن تنظر البر فالأزهار يانعة … أو تنظر البحر فالأمواج تطرد
يا طالبا وصفها أن كنت ذا نصف … قل جنة الخلد فيها الأهل والولد
ومن نظمه رحمه الله، هذه القصيدة القافية، والقطعة الميمية التي تذكر بعدها، نظمها في بعض سادات بني عبد المؤمن رحمهم الله تعالى. قال في سياق ذكره وقد ذكروا جمال قصر الربيع:-
عشونا إلى نار الربيع وإنما … عشونا إلى نار الندى والمحلق
ركبنا بواديه جياد زوارق … نزلنا إليها عن ضوامر سبق
وخضنا حشاه والأصيل كأنه … بصفحته تبدى مروق زنبق
وسيدنا قد سار فيه لأنه … بزورقه إنسان مقلة أزرق
فقلت وطرفي يجتلي كل عبرة … وزورقه يهوى به ثم يرتقي
أيا عجبا للبحر عب عبابه … تجمع حتى صار في بطن زورق
ولما نزلنا ساحة القصر راعنا … بكل جمال مبهج الطرف مرتق
فما شئت من ظل وريف وجدول … وروض متى تلمم به الريح يعبق
وشادي مغاني الحسن في نغماته … يطارحه هدر الحمام المطوق
فيا حسن ذاك القصر لا زال آهلا … ويا طيب ريا نشره المتنشق
رتعنا به في روضة الأنس بعدما … هصر نابه غصن المسرة مورق
ويضحكنا طول الوصا وربما … يمر على الاوهام ذكر التفرق
فتضحى موصونات الدموع هدالة … ونحن على طرف من الدهر أبلق
لمثلهما من منزه ونزاهة … يجرر ذيل الذيل كل موفق
(1/335)

فله ساعات مضين صوالح … عليهن من زي الصبا أي رونق
خلعنا عليها النسك إلا أقله … وان عاودت، نخلع عليها الذي بقي
ولما نضب ماء الأصيل، ورق نسيمه العليل، وهم العشي بانصرام، وودع النهار بسلام، وأرخى الليل فوقنا سدوله، وجرر على الأفق ذيوله، عدنا إلى زورقنا ذلك، ومحيا الجو غير محتجب، ووجه الأفق غير متلفع بثوب الغمام ولا منتقب، وقد تشكلت الكواكب في الماء، فكأنما يجري بنا زورقنا في السماء، فأمروا أعزهم الله بوصف تلك الحالة، فبادرتهم بهذه العجالة:
وليل مسرة ما زلت منها … أمر على صراط مستقيم
لبست ثيابه عزا إلى أن … تحدرت الرجوم من النجوم
فنهر كالسجلجل قد تراءت … على شطيه جنات النعيم
يسر النفس في نظر وشيم … من المرأى الوسيم أو النسيم
تشكلت الكواكب فيه حتى … جرت في قعره شهب الرجوم
وأشكل منظرا علوا وسفلا … من الفلك الأثير إلى التخوم
فما تمتاز أرض من سماء … وحوت الماء من حوت النجوم
رضي الله عنه آمين.
(1/336)

104 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري
-أواسط القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري: هو حفيد الفقيه الجليل أبي عبد الله الأريسي المتقدم ذكره في هذا الكتاب من أدباء الكتاب وهو من نظراء شيخنا أبي عبد الله التميمي في علم النظم والقريض ومن أصحابه، كان حسن النظم والنثر، مليح الكتابة حسن الوراقة في البطاقة، وكان سهل الشعر، وكان كثير التجنيس يأتيه عفوا من غير تكلف، ولأجل ذلك حسن نظمه. وكان مليح التواشيح، أن طال في شعره أعرب، وان اقتصر واقتصد أعجب. وكان شيخ كتبه الديوان ببجاية. وله شعر كثير في كل فن من فنون الشعر، ومن نظمه رحمه الله:
يا من على جوده المعهود أتكل … ويا ملاذي إذا ضاقت بي الحيل
غرقت في بحر آثامي فخذ بيدي … وامنن بعفو فاني خائف وجل
وله أيضا:-
أدرها فقد هب نسيمة دارين … ونم بسر الروض نشر الرياحين
وقام خطيب الورق يدعو هزيله … وغنى فأغنى عن ضروب التلاحين
(1/337)

وذكر أيام الصبابة والصبا … ولذة عيش كان لي غير ممنون
فثار كمين الوجد من مستقره … وبحت بسر بين جنبي مخزون
قيا ساكني نجد أأطرق حيكم … وارجع مغلوبا بصفقة مغبون
ويا ساكني الجرعاء أن كان عندكم … نصيب من الصبر الجميل فراسوني
تركت فؤادي عند خيمة زينب … وما سحر عينيها علي بمأمون
أغارت عليه حين لم يلف ناصرا … وأغرته بي حتى تعلم يجفوني
فكم خلت أن الحب لا يستفزني … وأن التصابي خلقة لا تواتيني
وكم صنت عن نظم القريض وصنته … إلى أن رأت عيني، علي بن ياسين
وله أيضا:
لعلك بعد الهجر تسمح يا بدر … بوصل فقد أودى بمهجتي الهجر
أبيت كما ترضى الكآبة والأسى … وأضحى كما تهوى الصبابة والفكر
إذا قنطت نفسي ينادي بها الرجا … رويدك كم عسر على إثره يسر
وإن ذكرت يوم الفراق تقطعت … علائق آمال يرحمها الذكر
ولا أنس يوما للسرور وبيننا … عتاب كبرد الماء لكنه الجمر
ولا كأس إلا ما سقاني به اللمى … ولا نقل إلا ما حباني به الصدر
تقول وقد مالت بمعطفها الطلا … وخفت لأن تخطو فأثقلها السكر
وقد جاذبت ريح الصبا فضل مرطها … فأومض لي برق تضمنه الثغر
أمن يومنا بالجزع أنت موله … تفيض من الاماق أدمعك الحمر
دع العتب فالعتبى أحق بيومنا … وعد عن الشكوى فقد قضي الأمر
علمنا وإن لم يعلم الحب إنه … ذلول الهوى صعب وحلو النوى مر
(1/338)

وليل اللقاء صبح وصبح النوى دجى … وشهر الرضى يوم ويوم النوى شهر
فو الله ما ادري لطيب حديثها … اضمن سحرا لفظها أم هو السحر
فيا حبذا يوم فقدت به الحجى … وودعني إذ ودعت شمه الصبر
خليلي قولا أن بدا لكما الحمى … أهيل الحمى مشغوفكم مسه الضر
على م تناسيتم حديث عهودكم … وليس له ذنب وليس له عذر
أهيل الحمى منوا بطيف خيالكم … عسى نلتقي أو يلتقي النوم والشفر
بما بيننا لا تقبلوا من وشاتنا … فما ضاع لي ود وما ذاع لي سر
فكم رمت أن أقضي فريضة حقكم … فلما أردت السعي أثقلني الوزر
ومن نظمه رحمه الله:
أهل الحمى لكم عن قصتي خبر … وان ليلى بليلي كله سهر
وفي ضلوعي نيران يضمرها … دمع على صفحات الخد ينهمر
لما رأيت بدور الحي سافرة … عن النقاب بدا لي إنه السفر
ولا عوامل إلا من قدودهم … ولا صوارم إلا ما انتضى الحور
سألتك الله يا حادي المطي بهم … رفقا علي لعل الصدع ينجبر
كرر علي فلي قلب يميل إلى … حديث من قتلوا من ومن أسروا
وأنت يا سعد أن غنت ظباؤهم … قفف تعاين فؤادي كيف ينفطر
ورب ليل بليلي بت أسهره … وحسدي نوم والليل معتكر
تبدو كشمس الضحى تعلو قضيب نقا … وتنثني مثل غصن فوقه قمر
تقول والحسن يطغيها فتظلمني … ولا موازر إلا صارم ذكر
دع الحسام وضع حمل السلاح فما … في كل وقت يفيد الحزم والحذر
(1/339)

ما للمهند حكم في محلتنا … بل للمهند فيها الحكم والنظر
وللظبا فتكات بين أرحلنا … ترنو وتعنو الظبي المضروبة البتر
فإن طمعت بلين في لواحظنا … فنحن أهل قلوب مثلها الحجر
وإن حلت لك ألفاظ نرددها … ما بيننا فهناك الصاب والصبر
إنا لنجرح من ألحاظ مبصرنا … لكننا من سواد القلب ننتصر
فارحم شببك وارحل دون مغلبة … واقبل من الحسن ما أعطاكه النظر
فعندها أيقنت نفسي لغيبتها … وأقسمت مهجتي أن لست أصطبر
وقمت ألقط من ألفاظها دررا … وانظم السحر حتى أقبل السحر
(1/340)

105 - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام
-القرن السابع الهجري-
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام أصله من تدلس وسكن بجاية ولقي المشائخ وبرع في الأدب، وله علم بالتاريخ وله حظ من الفقه، ولي القضاء ببعض اكوار بجاية، وما كان يحب أن ينسب إلا إلى إنه من الفقهاء لا من الأدباء، ولكن الغالب عليه إنما هو الأدب، وكان له سمت حسن واستحسان، وكانت عقائده أحسن العقائد، وكان له حظ في علم الطب علمية وعملية، وكان مزاولا ومعالجا، وله خط بارع، وكتابة حسنة، وأشعار مطولات، ومختصرات رائقة. ومن شعره:-
ولو لم ينبني غير أني أحبه … سعدت بذاك القدر عمري ولا أشقى
كفى بي عزا إنه لي سيد … وأني عبد لا أريد له عتقا
وما لي والعتق المكدر عيشتي … رضيت بأن أبقى لمن شفني رقا
فلم يبق مني غير نفس رقيقة … تميل لأن أهوى من الحسن ما رقا
وبي رشأ يحوي الملاحة حسنه … يريك خفي السر جهرا وإن رقا
يخالط مني الروح حتى كأنني … أرى مخ عظمى في الهوى يرى قد دقا
بحسبي التلذاذا بالذي هو صانع … وما من عناء في محبته ألقى
وصبري على ذل الغرام وهونه … وما زاد من حمل علي وما ألقى
(1/341)

وإني لراض أخذه من حشاشتي … دما رمق بعض الحياة به أبقى
وإن يبقى لي مما استباح بقية … فرق له تلك البقية ما أبقى
ألا بأبي من لا أرى في الهوى سوى … محياه شمس أو سنا ثغره برقا
ولا خمر إلا من لماه ولحظه … ولا غصن إلا القد لا ما ارتقت ورقا
ولا زهر إلا من رياض بخده … بماء النعيم اعتاد ناظره يسقى
تخال به الخيلان حسا حوارسا … كمائم ورد صدر مئزرها شقا
هناك يهون الصعب في بذل مهجة … يميل لما أهواه حتما وان شقا
ويجتمع الضدان نار وأدمع … فلا كبد تروى ولا عبرة ترقى
لئن لدغت قلبي عقارب صدغه … فريقته الترياق لي وبها أرقى
تهوم هواه البحر والبحر زاخر … ترى مهج العشاق في لجج غرقى
ولي مذهب في عشقه وطريقة … مسالكها في الحب لا تشبه الطرقا
حلوم ذوي الأحلام تسبي لأنها … يلاحظ منه السر لا الخلق والخلقا
تعلمت من عينيه عشقى لحسنه … فلله ألحاظ تعلمني العشقا
فلو أن هاروتا رأى سحر ظرفه … أقر بأن السحر من لحظه اشتقا
ولو أن عشاق الجمال كما أرى … رأوه لهاموا عند رؤيته شوقا
وكل محب في الجمال يرى به … إلى العالم العلوي همته ترقى
عسى الرفق بي يوما يمر بباله … قصارى مرام العبد من ملك رفقا
فيا طامعا في الوصل منه تسل، هل … سمعت بإشراك تصاد بها العنقا
وله هذا التخميس المركب على هذه القطعة القافية، وهذه القطعة كان بعض الأدباء من المشرق يزعم أنها له وأنشدناها، وسئل أبو عبد الله ابن عبد السلام تخميسها فخمسها ولا بأس به، وان ظهر في بعض أشطاره تباين مع الأصل، فإذا أرجع البصر صلح النظر:-
(1/342)

أعاذلتي فيم الملام ترفقي … أما هذه آثار سر التشوق
تلوح فتغني عن عبارد منطق … حنانيك قد حنت إلى البان أينقي
ومن أين لي أن يرجع الركب نلتقي
تقولين تبكي أن نأيت عن اللوى … ولم لا وثم القلب رهنا لدى الهوى
ومن شفني ما رام عذرا ولا نوى … وقد كنت ابكي قبل أن يبرق النوى
وبي فرق من اجل يوم التفرق
ولما شجاني فاستزدت علاقة … حمامة أيك تجلب الشوق طاقة
بنوح أراق الدمع مني إراقة … سبكت لها حب الفؤاد حداقة
فأصبح طوقا فوق جيد مطوق
لقاضي الهوى حكم لظلمى تعرضا … أسال دموعي مذهبا ومفضضا
رضيت بما يقضي وان جار في القضا … وسائلة ما بال دمعك أبيضا
فقلت لها يا عار هذا الذي بقي
عهود الصبا ولت وأدبر عصره … وليلى شبابي قد تبلج فجره
فلا تنكري حالا تحول أمره … ألم تعلمي أن البكا طال عمره
فشابت دموعي عند ما شاب مفرقي
ديار لسلمى جادك القطر فاسلمي … فكم ظل دمعي في ربوعك ينهمي
هواك برى جسمي وأنحل أعظمي … وعما قليل لا دموعي ولا دمي
ولم يبق إلا زفرتي وتحرقي وله هذه الأبيات من قصيدة مطولة حسنة اختصرت منها هذه لطولها:
شمس السعادة لا سنى النبراس … حلت بأفق على بن سيد الناس
وبطائر اليمن ارتقت لسمائه … تختال بين كواكب أخراس
(1/343)

من معشر بذل النوال شعارهم … وهم الأسود لدى احتدام الناس
يذكون نيران الوغى بأسنة … ولدى القرى يذكون بالاقباس
حب القلوب نثاره وكباؤه … نسمات جودك لا نسيم الآس
وشماعه شهب الكواكب زينت … أفق العلى وحمته من أرجاس
وهو الربيع وزهر سعدك اقبلا … يتصافحان بروضة مقياس
فأهنا بشمس الدجن يا قمر الدجي … وانعم بطيب العيش والايناس
والبس رداء الفخر جرر ذيله … أنت المحلى بالعلى والكاس
واشرب صبوحك من سعودك واغتبق … خمر المسرة روقت في الكاس
فلك الفخار على الأنام بسؤدد … أورثته فبنيت فوق أساس
(1/344)

106 - أبو جعفر أحمد بن يوسف القهري اللبلي
623 - 691هـ
1226 - 1292م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه النحوي، الأستاذ اللغوي التاريخي، أبو جعفر أحمد ابن يوسف الفهري اللبلي يكنى أبا العباس وأبا جعفر، قرأ بالأندلس على مشائخ، من أفضلهم الأستاذ أبو علي الشلوبين ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية وأقرأ بها مدة. ثم ارتحل إلى المشرق لقصد الحج وحج بيت الله الحرام، ولم يستفد بالمشرق علما لأنه ما ارتحل إلا بعد الأستاذية والاقتصار على ما علم، ثم إلى حاضرة تونس واتخذها وطنا واشتغل بالإقراء إلى أن مات رحمه الله.
كان له علما بالعربية، وكان يتبسط لإقراء كتبها، وله علم باللغة وتآليف كثيرة، منها على الجمل ومنها شرح "الفصيح" لثعلب ورأيت له تأليفا
(1/345)

في "الأذكار" وله عقيدة في علم الكلام، ورأيت له مجموعا سماه "الإعلام بحدود قواعد الكلام" تكلم فيه على الكلم الثلاث "الاسم والفعل والحرف" وله تآليف عن غير هذه.
وهو من أساتيذ افريقية في وقته، وممن أخذ عنه واستفيد منه. رحمه الله.
(1/346)

107 - أبو العباس أحمد بن محمد القرشي الغرناطي
... 692هـ
... 1292م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الحافظ المتقن، التاريخي المدرس المحدث، أبو العباس أحمد بن محمد القرشي الغرناطي ويعرف بالغرناطي ويعرف بالغرناطي، حافظ من الحفاظ سمعت عنه إنه يحفظ تاريخ الطبري، وذكر لي بعض أصحابنا إنه يحفظ الثعلبي، في شرح القرآن وهو ممن لا يشك فيه حفظه. وإذا حفظ هذين الكتابين استتبع حفظهما كثيرا من غيرهما، وسمعته في مدة خطوره على بجاية وقد جلس يتكلم بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، فظهر من كلامه ما دل على حفظه واتقىنه في نقله، وهو على طريقة جمهور المعتبرين، له اعتناء بالرواية وبالبحث عن الأخبار ومعرفة الرجال، من أهل العصر ومن المتقدمين.
وله تآليف وتصانيف، منها على كتاب الله تعالى طالعت بعضها، وكان له اعتناء بأهل العصر، شرع في تأليف ذكر فيه المصنفين من أهل العصر من أهل المشرق والمغرب، وكتب إلى بلاد المشرق للتطلع على ذلك، وبذل في ذلك وسعه وجده، وبالغ فيه جهده.
وكان أعلم الناس بالكتب المصنفة وأحفظهم لأسمائها، وكانت له فصاحة
(1/347)

لسان، وعذوبة بيان. وفي مدة خطوره على بجاية اجتمع بمشائخنا رحمهم الله وسألهم عما صنفوه، فأما شيخنا أبو عبد الله التميمي فأعلمه بما صنفه وذكره في تأليفه، وأما غيره فلم يكن منهم من ألف.
وانفصل إلى المغرب فبلغ أقصاه، ولقي من به من العلماء، وعرف من اشتمل عليه من الفضلاء. وقضى بعض مدته، ثم رجع إلى حاضرة افريقية، ولم يزل عاكفا على التدريس والتذكير مشتغلا بعلم الرواية والتفسير إلى أن مات رحمه الله.
(1/348)

108 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الجنان
... نحو 610هـ
... 1214م
ـــــــــــــــــــــــــــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الخطيب الكاتب البارع الحافل، الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الجنان من أهل الرواية والدراية، والحفظ والإتقان، وجودة الخط، وحسن الضبط. وهو في الكتابة من نظراء أبي المطرف المخزومي وكثيرا ما كانا يتراسلان بما يعجز عنه الكثير من الفصحاء، ولا يصل إليه إلا القليل من البلغاء. ونشره ونظمه كله حسن.
(1/349)

وأي نوع انتقلت إليه من فرعي أدبه قلت إنه أحسن، ونظمه غزير وأدبه كثير. وهو مشهور بين أيدي الناس. ومن مستحسن نظمه القصيدة الدالية:-
يا حادي الركب قف بالله يا حادي … وارحم صبابة ذي نأي وإبعاد
ما ينبغي عنك إلا أن تصيخ له … سمعا ليسأل عمن حل بالوادي
فهل لديك عن الأحباب من خبر … وهل نزلت بذاك الربع والنادي
حيث اللوى يرتقى سامي اللواء به … ويلتقي عنده الحاضر والبادي
وحيث تلك القباب البيض قد رفعت … يلتاح من فوقها ذاك السنى البادي
بالله أن كنت قد خيمت عندهم … بالمنحنى بين أنجاد واجواد
هات الحديث عن المغنى وساكنه … وارفع إلى سنة العلياء إسنادي
وروني من حديث القوم أعذبه … فإنه الذي يشفي علة الصادي
بين الجوانح نار للجوى وقدت … فإن قدرت فأخمد بعض إخماد
هيهات تستطيع إخمادا وذكرهم … يزيد نار ضلوعي نار إيقاد
وجدي بهم وجدذات الظمء حيل بها … عن وردها صرف رواد ووراد
اشتاقهم فإذا رمت الوصول بهم … ألفي القواطع عن إلفي بمرصاد
من لي بهم والنوى تبدي مناقضتي … وتبدل الوعد لي منها بإيعاد
هم علتي وروائي كيف لي بهم … أنا العليل ولكن أين عوادي
من بعد بعدهم دار الاساجد لي … فهل أرى نشده من بعد إنجاد
لله عهدهم ما كان لى كرم … كم أكرموني بإسعاف وإسعاد
وكم معاهد انس لي بأربعهم … وفي مها الحسن والحسن بميعاد
رقت ورقت معانيها فمن قمر … حيا بغرته أو شادن شادي
يا طيب عيشي بهم لو أن ساعته … تفدي لكان لها عمري هو الفادي
تلك الحياة وهم أرواحنا فإذا … ما فارقونا فلا نفع بأجساد
(1/350)

يا ويح نفسي لما حملت من مضض … من يوم يدلت من جمع بإفراد
البين يقتلني والصبر يخذلني … فمن يصبر يرى في الله أنجادي
من يطلب الثأر من دهري فأسهمه … قتلة قلبي بإصماء وإفصاد
فانظر إلى أدمعي تنهيك حمرتها … فإنها رشح أحشائي وأكبادي
وأعجب لحالي وأعجب من تسامره … من سابق لكرام العيس أو هادي
واذهب وأب في ضمان الله مكتنفا … بحفظه بين إصدار وإيراد
وان مررت بدار القوم ثانية … فقف وصف مخبري للرائح الغادي
واقرأ سلامي على تلك الخيام كما … يرضى الوفاء بتكرير وترداد
وقل غريبكم في الغرب ناء به … يا حادي الركب قف بالله يا حاد
وله:
ترك النزاهة عندنا … أدنى إلى وصف النزاهة
ما ذاك إلا أنها … تدعو الوقور إلى الفكاهة
وإذا امرؤ نبذ الوقام … فقد تلبس بالسفاهة
وليس القصد في هذا الأنموذج الاستكثار من كتب الكتاب وشعر الشعراء، وإنما القصد الإيذان والإعلام بما يستدل به على أن المرء من العلماء وفي أعداد الفضلاء.
(1/351)

برنامج
مشيخة المؤلف
(1/353)

برنامج
مشيخة المؤلف
قال المؤلف، رضي الله عنه وأرضاه، وإني أردت لما أتيت على ذكر ما شرطت ذكره من علماء هذه المائة السابعة ومن انضاف إليهم فيمن كان في آخر المائة السادسة، نفع الله بهم وجعله خالصا لوجه الكريم، رأيت أن أذكر بعد ذلك طريق استفادتي مما استفدته، ووجه تلقي ما تلقيته من العلم ورويته، لينتفع بذلك من له أرب، وليجده منظوما كيف يريد من له عليه بحث وطلب.
ويتنوع ما أورد من ذلك إلى نوعين احدهما علم الدراية. والآخر علم الرواية.
(النوع الأول الدراية) وجملة العلوم التي احتاج إلى ذكرها في هذا الموضوع يحتمل الدراية، وهي علم الفقه وعلم الأصلين أصول الدين وأصول الفقه وعلم التصوف وعلم المنطق، هذه هي علوم الدراية التي اذكرها في هذا الموضع.
أما (علم الفقه) فاني تلقيته تعلما وتفهما وتبسطا بالقراءة على الفقيهين أبي محمد عبد العزيز القيسي وأبي محمد عبد الله بن عبادة قرأت عليهما
(1/355)

وسمعت منهما وتفقهت بهما، وما زلت أحضر مجلسها للاستفادة والنفع، وسمعت من المقروءات عليهما أضعاف ما قرأته، بلفظي وما من شيء من الكتب المذهبية إلا وكان يقرأ عليهما من التهذيب إلى الرسالة وما بينهما الجلاب والتلقين ومختصر ابن أبي زيد وغير ذلك. وأما موطأ مالك رحمه الله فهو أصل دروسهما وكل ذلك على إتقان، وتحصيل وجودة بيان، بتفريغ وتأصيل وإجمال وتفصيل، وإيراد الأسئلة والجمع والفرق وغير ذلك مما جرت العادة بإيراده عند أفاضل الفقهاء، وأكابر العلماء، وأما بالمذاكرة والمباحثة وإلقاء الأسئلة وإيراد المشكلات، وحل المقفلات، فوقعت الاستفادة بذلك عن كثير من أشياخي رحمهم الله.
وأما شيخنا أبو محمد عبد الحق بن ربيع فكثرت الاستفادة عنه والبحث والمباشرة والتكرار في أكثر الأزمنة وإلقاء الصعاب وحلها بالكتب والمجاوبة حتى جرى ذلك مجرى الدرس.
وأما شيخنا أبو العباس الغماري فبسماع دروسه والاستفادة منها وبإلقاء
(1/356)

الأسئلة وحل مقفلها.
وأما الأشياخ الفقيه أبو القاسم ابن زيتون والفقيه أبو محمد عبد المجيد والفقيه ابن عجلان والفقيه أبو عبد الله ابن يعقوب فالاستفادة عن هؤلاء بالمذاكرة والمباحثة ويكثر ذلك ويقل.
فأما الفقيه أبو عبد الله ابن يعقوب فكثر ذلك معه بوقتنا في حال خطوره على بجاية إلى أفريقية وقت مدة ولايته القضاء ببجاية، ولم يزل يبحث معه في الفنون التي يحملها ومن جملتها الفقه.
وأما الفقيه أبو القاسم فذلك ببجاية وحاضرة افريقية لأنه تكرر لبجاية مرتين، ورأيته أيضا بحاضرة أفريقية، ولمحة من الفاضل تكفي، وإشارة منه تغني، فكيف وقد تكرر ذلك.
(1/357)

وأما الشيخان أبو العباس ابن عجلان وأبو محمد عبد المجيد فذلك بالمذاكرة في مدة إقامتي بافريقية، فهذا أحد وجوه الاستفادة الفقهية.
وأما (علم الاصلين) فإني استفدته بالقراءة على شيخنا الفقيه أبي العباس ابن خالد وقرأت عليه "المستصفى" و"الإشارة" وسمعت عنه غيرهما بقراءة غيري وقرأت "المعالم" على بعض محصليها من الطلبة وسمعتها عن شيخنا أبي العباس الغماري. وأما المباحثة وإلقاء الأسئلة فمع شيخنا أبي محمد عبد الحق كثيرا ومع الفقيه أبي القاسم ابن زيتون ومع الشيخ أبي محمد عبد المجيد فيما قل من المسائل.
وأما (علم العربية) فمن الشيخ أبي عبد الله التميمي وأبي الحجاج ابن سعيد وأبي عبد الله الكناني.
أما أبو عبد الله التميمي فإني لازمته المدة الطويلة، وما رأيت في علم العربية مثله، وانتفعت به ما لم انتفع بغيره، وقرأت عليه النحو واللغة والأدب والتصريف.
وأما أبو الحجاج ابن سعيد فقرأت عليه وأعربت، وسمعت بقراءة الحاضرين وكان ميعاد مشحونا بالطلبة، والذي يقرأه هذا غير الذي يقرأه هذا، والذي يعربه هذا غير ما يعربه هذا، فوقع الانتفاع به بالقراءة والسماع.
وأما أبو عبد الله الكناني فقرأت عليه أول الأمر بعض النحو وبعض اللغة وأعربت عليه وسمعت بقراءة غيري.
وأما (علم المنطق) فبقراءتي على شيخنا أبي العباس ابن خالد وعلى بعض الطلبة المجتازين على بجاية، وقرأته على الطريقتين، طريقة الأقدمين أبي نصر
(1/358)

الفارابي وغيره، وطريقة المتأخرين محيي الدين وغيره، وعلى طريقة الأوسطين كابن سينا وغيره.
وأما (علم التصوف) فعن الشيخ الفقيه أبي محمد عبد الحق بن ربيع [وأبي عبد الله السجلماسي] والشيخ أبي الحسين الرندي والفقيه أبي زكرياء ابن محجوبة. أما الفقيه أبو محمد عبد الحق فعن أبيه عن الشيخ أبي مدين وعنه عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنهم. وهذه الطريقة تنتهي إلى أعلام.
وأما أبو عبد الله السجلماسي فعنه عن الشيخ أبي محمد صالح عن الشيخ أبي مدين.
وأما أبو الحسن الرندي فعنه عن أبي العباس ابن مكنون.
وما أبو زكرياء ابن محجوبة فعنه عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله
(1/359)

عنهم وهذه الطريقة تنتهي إلى أعلام، وترقى إلى سادات عرفوا بالفضل كرام، ولقيت كثيرا من مشائخ الصوفية استفدت منهم، وأخذت عنهم.
وحدثوني عن أناس فضلاء، فمن أحسن ذلك ما حدثني غير واحد عن الشيخ أبي إسحاق ابن عيبوس، ومنه ما حدثني غير واحد عن الشيخ أبي محمد عبد الحق بن سبعين وبسط رموزهم، وفتح مقفل كنوزهم، ليس هو المقصد في هذا الإيراد وإلا لطال الكلام، واتسع النظام، فهذا وجه تلقي ما تلقيته من علوم الدراية.
وأما (علوم الرواية) فحصلت لي عن جملة من شيوخي المتقدم ذكرهم وهم شيخنا أبو محمد عبد الحق بن ربيع الأنصاري وشيخنا أبو محمد القيسي وشيخنا أبو محمد ابن عبادة وشيخنا أبو عبد الله الكناني وشيخنا أبو العباس الصدفي، هؤلاء عمدة من تقع الرواية عنهم فيما نذكر بعد بحول الله. وقد تتفق أسانيدهم وقد تختلف بحسب الاتفاق في المشائخ والافتراق، وها أنا اذكر من ذلك بعض ما هو ضروري من اتصال أسانيدي وروايتي عنهم رحمهم الله تعالى على الوجه الأعم الشامل لحصول الرواية بأي وجه حصل، أورد ذلك على اتصال الإسناد واذكر منه معظم ما يقصد من المرويات ويراد.
والمقصود المهم، والمعظم الذي يعتني به اللبيب ويلم، هو علوم تفسير القرآن العزيز، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلوم العربية، وعلوم التصوف، والتذكير وان عرض بعد هذا شيء فعلى حسب الاستطراد والتبع، والله ولي المعونة والنفع.
أما (علوم تفسير القرآن العزيز) فحدثني بكتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي المقرئ أبو العباس أحمد
(1/360)

بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي عن الفقيه أبي زكرياء ابن عصفور عن الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان عن أبي الحسن علي بن عتيق بن مؤمن الأنصاري عن الشريف أبي محمد عبد الله بن العثماني عن أبي بكر المبارك ابن كامل عن أبي منصور بن عتيق عن أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي عنه أي مؤلف.
وحدثني بكتاب أحكام القرآن لأبي الحسن علي بن محمد الطبري -من طبرستان من بلاد خراسان- أبو جعفر بن محمد الصدفي عن أبي زكرياء ابن عصفور عن أبي عبد الله ابن عبد الحق التلمساني عن أبي بكر ابن خير
(1/361)

الأموي عن أبي الحسين محمد بن خلف بن صاعد الغساني عن يوسف بن عبد العزيز اللخمي عن المؤلف.
وحدثني بكتاب "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" تأليف أبي العباس أحمد بن عمار المهدوى الأستاذ أبو العباس أحمد بن محمد المكتب قال لنا أبو الحسن ابن السراج عن أبي محمد عبد الله عن القاضي أبي الفضل عياض عن محمد بن سليمان النفري عن خاله الأديب
(1/362)

أبي محمد ابن غانم عن المؤلف.
وحدثني بكتاب الوجيز في شرح كتاب الله العزيز تأليف القاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي غير واحد عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبيد الله عنه. توفي القاضي أبو محمد عبد الحق المذكور بلورقة عام أحد وأربعين وخمسمائة.
(1/363)

وحدثني بكتاب "الكشاف عن حقائق التنزيل" لأبي القاسم محمود الزمخشري الفقيه أبو عبد الله الكناني عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي عبيد الله السلفي عن المؤلف.
وأما (علوم الحديث) فحدثني بكتاب الموطأ للإمام أبي عبد الله مالك ابن أنس رضي الله عنه وأرضاه، الفقيه الخطيب العدل المبارك، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني قال نا الفقيه القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري وهو ابن قطرال -توفي بمراكش سنة إحدى وخمسين وستمائة وولد سنة أربع وستين وخمسمائة- عن الرواية أبي محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري عن أبي بحر سفيان بن العاصي
(1/364)

عن الإمام أبي عمر ابن عبد البر عن سعيد بن نصر عن قاسم بن اصبغ ووهب ابن مسرة عن محمد بن وضاع عن يحي بن يحيى الليثي -وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين- عن مالك، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة وله أربع وثمانون سنة. قال الواقدي توفي وهو ابن تسعين سنة، وقيل ولد سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وقيل سنة خمس وتسعين. وحكى أبو الحسن علي بن
(1/365)

يحيى ابن القاسم وأبو عمر ابن عبد البر في وثائقه أن مالكا حملت به أمه ثلاثين شهرا، وقال بعضهم أن مالكا أقام بالمدينة مفتيا ستين سنة، وحصلت له رياسة في الحديث والفقه لم تحصل لأحد في زمانه ولا بعده. ومن الغريب المستبشع ما ذكره أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الاصيلي في كتاب الدلائل أن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عمرت طويلا حتى أدركها مالك فرأت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى مالك عائشة. وأبو محمد من الأئمة الموثوق بهم.
وحدثني بكتاب الموطأ أيضا المقرئ الماهر أبو العباس أحمد بن محمد بن
(1/366)

خضر الصدفي قال حدثنا أبو الحسن ابن السراج عن أبي عبد الله ابن زرقون عن الخولاني عن عثمان بن أحمد عن يحيى بن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك رحمه الله.
وعن أبي الحسن ابن السراج المذكور بالإجازة العامة بسنده المذكور "جامع" البخاري و"مسند" مسلم و"سنن" أبي داود و"جامع" الترمذي و"جامع" النسائي.
(1/367)

وحدثني بجامع الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الفقيه الخطيب أبو عبد الله بن صالح عن القاضي أبي الحسن بن قطرال عن أبي القاسم أحمد بن رشد القيسي، والراوية أبي محمد بن بوتة عن الإمام أبي بحر الاسدي عن الإمام أبي العباس العذري عن أبي ذر عبد الرحمن بن أحمد الهروي عن أبي أحمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي وسهراه وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد السلمي ببلخ وابن الهيثم محمد بن المكثري بن محمد بن زراع الكشميهني قالوا كلهم نا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن
(1/368)

مطر الفربري عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لاثنتي عشرة ليلة وقيل ثلاث عشرة خلت من شوال أربع وتسعين ومائة، وتوفي يوم السبت عند صلاة العشاء غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين وقيل سنة خمس وخمسين ومائتين رحمه الله.
وحدثني "بمسند كتاب" مسلم بن الحجاج أبو عبد الله محمد بن صالح الشاطبي عن القاضي أبي الحسن بن قطرال عن الراوية أبي محمد بن بونة عن أبي بحر بن سفيان بن العاصي عن الإمام أبي العباس أحمد بن عمر بن انس العذري الدلائي عن الإمام أبي العباس أحمد بن الحسن بن بندار الرازي قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور. وتوفي يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وقد تمكن في سن الكهولية وهو ابن خمس وخمسين سنة.
(1/369)

وحدثني أيضا بالسنن لأبي داود السجستاني، الإمام أبو عبد الله بن أبي التقي العدل عن أبي عثمان بن زاهر عن الفقيه أبي عبد الله بن نوح عن القاضي أبي عبد الله بن سعادة عن أبي عمران بن أبي تليد عن أبي عمر بن عبد البر النمري عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الزيات عن أبي بكر ابن داسة عن أبي داود السجستاني. ولد أبو داود المذكور سنة اثنتين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ومائتين وله ثلاث وسبعون سنة.
وحدثني أيضا المذكور بجامع أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي عن القاضي أبي الحسن علي بن قطرال عن الحاج أبي الحسن علي ابن أحمد بن محمد كوثر المحاربي عن الشيخ أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكرخي قال: وحدثني عن أشياخه الثلاثة القاضي أبي عامر محمد بن القاسم الازدي وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي
(1/370)

وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد العروضي قالوا كلهم: حدثنا أبو محمد عبد الجبار ابن محمد الجذامي عن الإمام أبي العباس أحمد بن محبوب المروزي عن أبي عيسى الترمذي. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين، وترمذ مدينة من خراسان.
وحدثني بجامع أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي -ويقال النسوي- المقرئ أبو العباس أحمد بن محمد الصدفي قال: حدثنا المقرئ أبو عثمان ابن زاهر عن الحافظ أبي الربيع سليمان عن الإمام أبي القاسم بن حبيش عن أبي الحسن بن يونس بن محمد بن مغيث عن محمد بن فرج مولى
(1/371)

ابن الطلاع عن القاضي يونس بن عبد الله عن أبي بكر ابن
(1/372)

الأحمر عن أبي عبد الرحمن النسائي ولد سنة أربع وعشرة ومائتين وتوفي بالرملة ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة.
وحدثني بكتاب التمهيد والاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عمر بن عبد البر النمري من النمر بن قاسط في ربيعة وهو من أهل قرطبة أبو جعفر أحمد بن محمد الأندلسي عن أبي عثمان سعيد بن علي البلنسي عن ابن نوح عن ابن هذيل عن ابن داود عن أبي عمر المذكور ولد أبو عمر
(1/373)

سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وتوفي بشاطبة سنة اثنتين وستين وأربعمائة وقيل لخمس بقين من ربيع الأخير سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
وحدثني بكتاب المنتقى للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب بن وارث الباجي قال الحافظ أبو علي الغساني: سمعته يقول مولدي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة وبقي بالمشرق ثلاثة عشرة عاما وتوفي بالمرية لسبعة عشرة ليلة خلت من رجب الفرد سنة أربع وسبعين وأربعمائة ليلة الخميس بين العشائين، غير واحد عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد بن عبد الله عن
(1/374)

علي بن موهب.
وحدثني بكتاب "المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار" للفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان التلمساني، الفقيه أبو القاسم بن خضر عن أبي زكرياء ابن عصفور عنه.
وأما علوم الفقه: فحدثني بكتاب المعونة والمختلطة لسحنون بن سعيد التنوخي واسمه عبد السلام وسحنون لقب. وتوفي في رجب سنة أربعين ومائتين، الفقيه القاضي الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن عمر القيسي قال حدثنا الفقيه أبو بكر محمد بن محرز عن أبي محمد بن عبيد الله عن أبي الحسين
(1/375)

ابن الصفار عن أبي عمر بن الحذاء عن عبد الوارث بن سفيان عن محمد بن عبيد الله بن أبي دليم عن محمد بن وضاح عنه.
وحدثني بكتاب التهذيب لأبي سعيد البرذاعي غير واحد عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن محمد بن عبيد الله عن القاضي عياض عن محمد بن
(1/376)

أحمد الطليطلي عن جماهر بن عبد الرحمن عن أبي بكر ابن عتيق بن فرج عنه.
وحدثني بكتاب عبد الله بن عبد الحكم من موالي عثمان بن عفان رضي الله عنه، الخطيب العدل أبو عبد الله بن صالح عن ابن السراج عن أبي القاسم بن
(1/377)

بشكوال عن أبي بكر ابن العربي عن محمد بن أبي داود عن محمد بن فرج مولى ابن الطلاع عن أبي محمد ابن الوليد عن أبي محمد عبد الله بن زيد الفقيه عن محمد بن مسرور عن المقدم بن داود بن عبد الله بن عبد الحكيم. ولد سنة خمسين ومائة وتوفي أربع عشر ومائتين.
(1/378)

وحدثني بكتاب التفريغ لأبي القاسم عبيد الله ابن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري الفقيه أبو العباس بن خضر عن أبي الحسن بن السراج عن الإمام أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون عن أحمد بن محمد الخولاني عن المسدد عنه.
وحدثني بكتاب الواضحة لعبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي من موالي سليم. قال ابن حارث: هو من أنفسهم ويقال إنه أدرك مالكا في آخر عمره. وقال الفقيه أبو عبد الله القضاعي عرف بابن الابار: هو من ولد العباس بن مرداس توفي بقرطبة في شهر رمضان المعظم من عام ثلاثة وثلاثين ومائتين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقيل مات في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومائتين. الفقيه المدرس المفتي أبو فارس عبد العزيز بن عمر مخلوف القاضي عن الإمام أبي بكر بن محمد بن أحمد الزهري عن القاضي أبي بكر بن أبي جمرة المرسي عن أبيه وعن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد قالا: أبو العباس أحمد بن عمر
(1/379)

العذري قال: حدثنا الحسين بن عبد الله بن يعقوب عن أبي عثمان بن مخلوف عن أبي عمر يوسف بن يحيى عن عبد الملك بن حبيب.
(1/380)

وحدثني بكتاب الرسالة لأبي محمد ابن أبي زيد، الفقيه الأجل أبو محمد ابن كحيلة عن أبي بكر ابن محرز عن ابن عبيد الله عن ابن الصفار عن أبي عمر ابن الحذاء عن أبي القاسم الحضرمي البيدي عنه. توفي أبو محمد ابن أبي زيد سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
وبهذا السند احمل كتاب أبي الحسن القابسي. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة.
وحدثني بكتاب التلقين للقاضي أبي محمد عبد الوهاب، الشيخ الفقيه الحافظ أبو فارس عبد العزيز بن عمر القاضي قال: حدثنا أبو بكر بن محرز قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله عن القاضي أبي محمد عبد الحق بن
(1/381)

عطية عن أبي الحسن بن اليمان عنه. توفي أبو محمد عبد الوهاب بمصر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
وحدثني بكتاب المقدمات لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الخطيب الإمام أبو عبد الله محمد بن رخيمة الشاطبي قال: حدثنا الفقيه التاريخي أبو عبد الله القضاعي عن القاضي أبي بكر محمد بن أحمد المرسي عنه. توفي أبو الوليد ليلة الحادي عشر لذي القعدة من سنة عشرين وخمسمائة، وولد سنة خمسين وأربعمائة.
وحدثني بكتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي الفقيه المفتي القاضي الإمام أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة عن الفقيه أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبيد الله الحجري عن الإمام أبي عبد الله المازري عنه.
(1/382)

وحدثني بكتاب الإمام أبي بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الفهري عرف بالطرطوشي -ومنها أصله ويعرف بابن أبي رندقة- غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن أبي بكر بن العربي عنه. توفي أبو بكر محمد بن الوليد المذكور بثغر الإسكندرية في شعبان المكرم سنة عشرين وخمسمائة.
وحدثني بكتاب الإمام القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعارفي عرف بابن العربي وسمع ببلده اشبيلية من أبي عبد الله ابن منظور وابن خزرج وسمع بقرطبة من أبي عبد الله ابن عتاب وابن السراج.
(1/383)

وخرج إلى الحج مع أبيه يوم الأحد مستهل ربيع الأول من عام خمسة
(1/384)

وثمانين وأربعمائة وسنه يومئذ سبعة عشر عاما، وقد كان تأدب وقرأ القراءات فلقي شيوخ مصر أبا الحسن ابن مشرف ومهريا الوراق وأبا الحسن الفاسي ولقي بالشام أبا حامد الغزالي وأبا الفتح المقدسي وأبا سعيد الزنجاني وأبا الوليد الطرطوشي، ولقي بمكة عبد الله الطبري وأبا عبد الله الحافظ وسمع بالعراق من أبي الحسن الطيوري وأبي الحسن بن أيوب البزاز وأبي بكر بن طرخان وأبي طاهر بن سوار وأبي زكريا التبريزي. وتوفي
(1/385)

أبوه بالإسكندرية سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ثم انصرف إلى الأندلس سنة خمس وتسعين وأربعمائة فدرس وسمع وصنف في غير ما فن تصانيف حسنة مفيدة، كان من أهل التفنن في العلوم، واستقضى ببلده فنفع الله به أهله لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، ثم انصرف عن القضاء واقبل على نشر العلم وبثه ولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان المكرم عام ثمانية وستين وأربعمائة وتوفي رحمه الله في اقبله من مراكش بمغيلة على مقربة من فاس ودفن بها اثر صلاة المغرب لثلاث خلون من ربيع الأول من عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة. اوجب الله له الجنة ورحمه. غير واحد عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي القاسم ابن بشكوال عنه.
وحدثني بكتاب الإمام عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري التميمي -المستوطن المهدية توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة وقد نيف على الثمانين- الفقيه أبو عبد الله التميمي القلعي النحوي عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبد الله عنه.
وحدثني بكتاب الإمام القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي وبها ولد منتصف شعبان المكرم عام ستة وسبعين وأربعمائة
(1/386)

وتوفي بمراكش ليلة الجمعة التاسعة من جمادى الأخيرة عام أربعة وأربعين وخمسمائة ودفن يوم الجمعة بحومة باب ايلان منها وكان من أهل التفنن في العلوم والذكاء واليقظة والفهم، أخذ عن جماعة من العلماء منهم أبو عبد الله بن أحمد وسراج بن عبد الله بن سراج وأبو محمد بن عتاب والقاضي أبو بكر بن العربي والقاضي أبو الوليد بن رشد والإمام أبو بكر الطرطوشي والإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري والفقيه أبو بكر ابن خلف بن فتحون الاريولي والحافظ أبو طاهر السلفي والحافظ أبو علي الغساني والأستاذ النحوي أبو عبد الله محمد بن السيد البطليوسي والفقيه أبو بكر بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي وغيرهم.
وأما (علوم العربية) فحدثني بكتاب أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، -وهو سيبويه الفقيه النحوي- أبو عبد الله محمد بن ميمون التميمي القلعي شهر بالأديب قال: حدثنا أبو بكر بن محرز قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله عن محمد بن عبد الرحمن بن معمر المالقي الازدي وأبي الحسن
(1/387)

الصفار قالا: نا أبو بكر محمد بن هشام القيسي قال: نا محمد بن فتحون بن مكرم التجيبي عن محمد بن يحيى الازدي عن أبي جعفر بن النحاس عن أبي إسحاق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: قرأت نحو ثلثه على أبي عبد الله الجرمي وتوفي في ابتدائه ثم على أبي عثمان المازني فقرأه
(1/388)

المازني علي أبي الحسن سعيد بن مسعدة الاخفش عن سيبويه.
وحدثني بكتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، الفقيه النحوي أبو عبد الله الأستاذ الكاتب قال: حدثنا أبو محمد عبد الله الحجري عن القاضي الأجل أبي بكر بن العربي عن شجاع بن فارس عن أبي الحسن هلال بن الحسن الكاتب عن أبي علي المذكور.
وحدثني بكتاب الجمل للزجاجي، الفقيه النحوي أبو عبد الله الأديب قال: حدثنا الفقيه أبو بكر ابن محرز عن ابن عبد الرحمن الحوضي عن أبي علي الغساني عن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد الخزرجي عن الإنطاكي عن أبي القاسم الزجاجي.
(1/389)

وحدثني بكتاب العقد لأبي عمر بن عبد ربه -أستاذ الأساتيذ في وقته- أبو عبد الله القلعي عن الزهري عن الحجري عن ابن معمر عن محمد بن هشام عن أبيه عن زكرياء بن الاشج عنه.
وحدثني بكتاب القانون لأبي موسى الجزولي، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن أبي عبد الله محمد بن قاسم بن منداس النحوي من أهل الجزائر -عمل بجاية- وأصله من أشير، أخذ العربية عن أبي موسى الجزولي المذكور، لقيه بالجزائر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وتوفي أبو عبد الله ابن منداس في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة وولد أول ليلة من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين سنة إلا شهرا.
وحدثني بكتاب المفصل للزمخشري غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي عبيد الله عن السلفي عنه.
وحدثني بآداب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غير واحد عن أبي بكر بن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن الصفار عن ابن الحذاء عن عبد الوارث بن سفيان عن قاسم بن اصبغ عنه.
وحدثني بكتاب الحماسة اختيار أبي تمام حبيب بن اوس الطائي، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن عطية القاضي قال: أخبرنا صاحب أحكام القضاء بغرناطة أبو عبد الله محمد
(1/390)

بن فتوح بن علي وليد الأنصاري عن علي بن إبراهيم التبريزي عن عبد السلام بن الحسين عن أحمد بن أبي هشام قال: أنشدنا أبو تمام كتاب الحماسة.
وحدثني بكتاب المقامات لأبي محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحريري غير واحد عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي بكر ابن خير عن يوسف ابن علي القضاعي عن المؤلف.
وحدثني بمقصورة أبي بكر ابن دريد، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن الفقيه أبي زيد ابن السطاح عن القاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون عن أحمد بن محمد الخولاني عن أبي عمر عن أبي مسلم عن أبي بكر ابن دريد، وتوفي رحمه الله سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
وأما (علم التصوف والتذكير) فحدثني برسالة في فضل مكة زادها الله
(1/391)

شرفا تأليف أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري واسم أبيه يسار مولى الأنصار، وروى أن أمه كانت خادما لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وربما بعثها في حاجة فيبكى الحسن فتناوله ثديها، فرأوا أن تلك الحكم التي رزقها الله الحسن من بركات ذلك. وروى أن أم سلمه أخرجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا له فقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس "وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: اسألوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ" وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه ومات بالبصرة سنة عشر ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وحدثني بالرسالة المذكورة الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد الصدفي قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأشبيلي عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن أبي الحسن علي بن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر عن عبد الوارث بن
(1/392)

سفيان عن قاسم بن أصبغ عن ابن وضاح عن ابن مشرف عن أبي القاسم ابن الحارث عن الحسين بن أحمد عن فارس عن أبيه عن عبد الرحمن بن الحسن عن أحمد بن محمد بن غالب عن سليمان البصري عن حاتم بن منصور الشاشي عن عبد الله بن آدم عن عبد العزيز بن عبد الله عن الحسن البصري.
وحدثني بكتاب "قوت القلوب ومعرفة الطريق إلى معاملة المحبوب" تأليف أبي طالب محمد بن علي المكي، الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد المكتب،
(1/393)

عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية عن والده عن أبي بكر محمد بن نعمة القرشي، عن عبد الحكم بن محمد الصقلي، عن محمد بن شعيب المقرئ عنه.
وحدثني بالرسالة المنسوبة للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الخطيب أبو عبد الله بن صالح عن أبي الحسن أحمد بن محمد الحمصي عن أبي القاسم ابن بشكوال عن القاضي أبي بكر ابن العربي عن محمد بن طاهر وأبي الفضائل محمد بن أحمد البغدادي عنه.
وحدثني بكتاب الإمام أبي الفرج الجوزي غير واحد عن الخطيب أبي محمد بن برطلة الازدي عن محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري عنه.
(1/394)

وأما (علم أصول الدين وأصول الفقه):
فحدثني بكتاب الإمام أبي بكر أحمد بن علي الخطيب الباقلاني، الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد المقرئ عن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم بن السراج الأنصاري الراوية -وتوفي ببجاية ضحى يوم الأحد السابع لصفر عام سبعة وخمسين وستمائة ودفن بخارج باب البنود بالمقبرة المعروفة بابن سمية أحد تيجان بجاية- عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله الحجري -وتوفي أول ليلة من صفر عام أحد وتسعين وخمسمائة وولد في ذي الحجة عام خمسة وخمسمائة- عن
(1/395)

القاضي أبي بكر ابن العربي عن أبي عبد الله التميمي عن الازدي والموصلي عن أبي بكر المذكور.
وحدثني بكتاب الإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك، الفقيه النحوي أبو عبد الله محمد بن أبي التقى الخطيب، عن أحمد بن محمد الأنصاري عن الحجري عن علي بن موهب عن القاضي أبي الوليد الباجي عن أبي بكر محمد بن علي المطوي عنه.
وحدثني بكتاب الإرشاد لأبي المعالي، الفقيه الأستاذ النحوي أبو عبد الله الكناني الأندلسي عن الشيخ الراوية أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن الإمام أبي بكر بن العربي عن أبي منصور التركي عن إسماعيل الطوسي عنه.
(1/396)

وحدثني بكتاب المستصفى لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد الصدفي عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن قاسم عن أبي بكر ابن خير عن أبي بكر ابن العربي القاضي عنه.
توفي أبو حامد في عام خمسة وخمسمائة بعد أن دام في الخلوة والعزلة أحد عشر عاما وكان خروجه من بغداد عام ثمانية وثمانين وأربعمائة نفعنا الله به.
وحدثني بكتاب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي المكي رضي الله عنه، وهو المسمى "بالسنن" الفقيه القاضي أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مخلوف القيسي عن الفقيه أبي بكر بن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله الحجري عن ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر النمري عن أحمد
(1/397)

ابن عبد الله الباجي عن الميمون حمزة عن أبي جعفر الطحاوي عن إسماعيل بن يحيى المزني عنه. وولد أبو عبد الله الشافعي سنة خمسين ومائة وتوفي في آخر يوم من رجب الفرد عام أربعة ومائتين وله أربع وخمسون سنة وقيل توفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
(1/398)

وحدثني بكتاب الليث بن سعد البصري، غير واحد عن الشيخ المسن أبي الحسن ابن السراج عن الحجري عن ابن موهب عن أبي محمد الاصيلي عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه عن الليث المذكور.
وحدثني بالكتاب المسمى ب"جامع الخيرات" تأليف سفيان بن عيينة المكي، غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد بن عبيد الله عن
(1/399)

ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد النمري عن أحمد بن إبراهيم عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه. ولد سفيان المذكور سنة سبع ومائة.
وحدثني بالكتاب المسمى ب"المسند الكبير" -وذكر إنه في مائة جزء وعشرة أجزاء (1) - من تأليف الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (2) البغدادي، الفقيهان المقرئان الخطيب أبو عبد الله بن صالح بن أحمد الكناني وأبو العباس أحمد بن محمد الصدفي قالا: حدثنا الحسن بن السراج عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر النمري عن عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن (3) عن أحمد بن جعفر بن حمدان بن ملك (4) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل (5) عن أبيه أحمد بن
(1/400)

حنبل ولد أحمد المذكور سنة أربع وستين ومائة وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
...
وليقع الاقتصار على هذا القدر من الرواية، ففيه بحول الله كفاية. والله تعالى ينفع المؤلف والكاتب والقارئ والراوي، ويجعل قصد الجميع فيه من أفضل المقاصد وأحسن المساعي. وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
(1/401)