Advertisement

الممتع الكبير في التصريف


الكتاب: الممتع الكبير في التصريف
المؤلف: علي بن مؤمن بن محمد، الحَضْرَمي الإشبيلي، أبو الحسن المعروف بابن عصفور (المتوفى: 669هـ)
الناشر: مكتبة لبنان
الطبعة: الأولى 1996
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثامنة:
ألا لله الحمد كل الحمد، وعلى النبي الكريم وسائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والتسليم. وبعد: فقد رأى النور كتابي هذا منذ ربع قرن، حين كانت المصادر الصرفية المحققة نادرة، فلقي الترحاب والاهتمام والتقدير في الأوساط العلمية، لما يمتاز به من أسلوب مشرق وعرض يسير ونفَس أندلسي لطيف، خلافًا لنظائره التي هي متون مكثفة معقدة، أو شروح على المتون تداخلت فيها الأحكام وتكررت بالتعبير الصلب العنيد.
وتوالت الطبعات من هذا الكتاب، بعون الله تعالى، منسوخة مصورة دون أن يدخلها تعديل جوهري، وأنا أرجع إليها بالمطالعة والمتابعة، أرصد ما فيها من حاجة إلى الإصدار الجديد المتقن القويم، وأجمع الملاحظات والمعلومات اللازمة لذلك. وكان في نشر المصادر الصرفية المتوالية مورد غني، أمدني بكثير من التوجيهات والأضواء الميسرة لما أتطلع إليه. أضف إلى هذا متابعتي دراسة هذا العلم وتدريسه نظريًّا وعمليًّا في الجامعات العربية وغيرها، مما يهيئ لي منافذ للوضوح والدقة والاستيعاب.
ثم جاءت البادرة الطيبة من الزملاء الكرام، المشرفين على "دار مكتبة لبنان" بالرغبة في إخراج الكتاب إخراجه لائقة به في الشكل والمضمون والتدقيق، ليصار إلى إعادة رصف حروفه وتغميره بالجودة والأناقة والغنى العلمي السديد، فكانت فرصة سائغة، يسرت لي أن أجمع شتات ما تناثر لدي من الآمال والرغبات والمراجعات، وأنصرف إلى الإخراجة القديمة المكررة، بالإغناء والتصويب والتسديد.
وأول ما شغلت به هو النصوص الملحَقة بنسخة "فيض الله"، من زيادات ابن عصفور، فقد كان صنف "الممتع" للأمير عبد الله بن عبد العزيز، في إشبيلية بين عامي 625 و629، في صورة مختصرة بدائية، ثم تابع إغناءه بالمواد العلمية سنة بعد سنة، يُلحقها بحواشي نسخته بخطه، حتى وافته المنية سنة 699. وفي خلال ذلك كانت النسخ تتولد من الكتاب، وكل منها يحمل الزيادات التي سجلت آنذاك. ولذا رأينا الخلاف الكبير بين النسخ التي وصلت إلينا نماذج
(1/5)

منها أو من نصوصها، في الزيادة والنقص والتعديل والتصويب، فكان منها ما يحمل صور تطور الكتاب بين يدي مؤلفه وثقافته وعلمه.
والواقع أن أبا حيان النحوي اطلع على الصورة الأخيرة من نسخة المؤلف نفسه، وعبر عنها بالنسخة الجديدة، وأطلق عليها اسم"الممتع الكبير". ذلك لأن ابن عصفور كان قد ألحق بها عشرات وعشرات، من الأحكام والضوابط والأمثلة والتفسير والحجاج والاستدلال، وبعض الأبواب الكاملة مما يحتاج إليه الكتاب، وأجرى تعديلات في كثير من التعبير والاقتباس والإحالات، وصوب بعض الأحكام والقيود والشواهد والأمثلة، وضرب على عدد وافر من النصوص لأنها لا تفي بالمراد. وقد وقف أبو حيان على هذا كله في "الممتع الكبير"، ورأى فيه زادًا غنيًّا تفتقر إليه نسخته التي يمتلكها ويرعاها بالتسديد والعناية، فنقل تلك الزيادات والتعديلات إلى حواشي نسخته، حتى صارت نموذجًا وافيًا بالإخراجة الأخيرة للكتاب، كما أرادها ابن عصفور.
ولما حققت الكتاب في طبعاته الماضية وقفت على تلك الحواشي الغنية، وضقت بما فيها من خروم وغيمومة وتداخل، فاستقيت ما تيسر لي منها وألحقته بالنص، وأشرت إلى الباقي في التعليقات، على أمل أن أجد نسخة كاملة تحل ما في الحواشي من النقائص والصعوبات، ولكن الظروف لم تسعفني بذلك، فرجعت إلى تلك النصوص بالتتبع والتدقيق والتحليل والتركيب، مستأنسًا بالمصادر التراثية المنشورة مؤخرًا، حتى انقادت لي الجمهرة الغفيرة من الحواشي هذه، فأثبتها في مواضعها من النص، وجعلت ما تعذرت قراءته بين معقوفين للدلالة على اجتهادي، أو في عبارات مقتضبة في التعليقات. وبهذا أكون -والحمد لله- قد استوفيت الإخراجة النهائية لكتاب ابن عصفور، وأصبح النص المنشور قبل في غضون ربع قرن من الرعاية والتوجيه والتنمية قد شب عن الطوق، بعد أن كان وليدًا غرًّا، وحق لي أن أجعل اسمه في هذه الطبعة "الممتع الكبير" كما ذكر أبو حيان.
ثم رجعت إلى النص مرارًا بالقراءات المختلفة، لأتلمس مواطن القصور في الطبعات الماضية، وملامح الضعف في مظاهر التحقيق والإخراج والتيسير، فتجمع لدي ألوان غفيرة من ذلك، تقتضي التبصر والتدقيق لإجراء التعديلات اللازمة. وكان عن ذلك أن أصبح للنص توزيع جديد في بعض المواطن، يناسب الملحقات وما تخلل السياق من لفظ، يملأ صحفة أو فقرات أو أسطرًا أو عبارات أو كلمات.
ورصدت ما كان من تطبيعات وخلل في الإخراج، فقومت سبيله وخلصته من شوائبه، فإذا بي أعيد ضبط الكلمات في النثر والشعر بما يناسب الواقع الثقافي الآن، فتُثبَّت الحركات
(1/6)

اللازمة، ويُستغنى عن الفائض الذي يعرقل عمليات القراءة والإدراك والاستفادة من المضمون. وتبع ذلك اهتمام بعلامات الترقيم؛ لأنها في الحقيقة رموز لجمل تعبيرية، توجه القارئ وتساعده على الفهم الدقيق للدلالات والمقاصد، وكان من هذه العلامات تلك الآلاف من الأقواس المتلاحقة، أسقطتها من المتن مستغنيًا عنها بالإشارات البسيطة، لأزيل عن وجه الكتاب ما عقد صورته وبطأ حركة المطالعة والاستفادة، فلم أترك منها إلا النزر اليسير، مما هو ضروري لا يكون عنه عرقة ونتائج سلبية. أضف إلى هذا كله تصويب ما ند عن النساخ، من هنات وأوهام تقتضي التوجيه والتعديل والتقويم.
هذا في النص المحقق. أما متممات التحقيق فقد رجعت إليها بالإغناء والتنمية أيضًا، فيما كان من تعليقات وتوجيهات، ألقت عليها المنشورات التراثية الجديدة لمسات من التصويب والتحقيق والتوضيح، واقتضت الأوضاع الثقافية الحالية نثره في طيات المتممات. ومن ذلك تفسير ما أغفلته قبل من الغريب، كان مألوفًا لدى القراء معناه، وأصبح الآن بحاجة إلى البيان والإيضاح، والأعلام من العلماء الذين تجاوزتُ الترجمة لهم صاروا مجاهيل في ميادين الدراسة والبحث، فكان واجبًا علي أن أعرف بهم أيضًا.
بل إن الشواهد الشعرية خالطها بعض القصور والوهم، لندارة المصادر آنذاك، ثم قدمت المنشورات التراثية الجديدة وجوهًا من الدقة والصواب في ذلك السبيل، فعرفنا أصحاب بعض الأشعار الغفل، وصححنا ما كان قد نسب إلى غير صاحبه. وكذلك الإحالات التي نثرها ابن عصفور وجد كثيرًا منها مصدره الذي نقل عنه، وكان من قبل تائهًا مجهول القرار.
وفي التعليقات أيضًا، أسقطتُ كثيرًا من العبارات التي تمثل تصحيف النساخ وأوهامهم، واكتفيت ببعض النماذج، تشير إلى ما كانت عليه النسخ، مع أنها قد عورضت وصححها علماء أعلام. ثم أضفت بقية الحواشي التي ألحقها أبو حيان وغيره، وهي كثيرة جدًّا تقدم للنص خدمة كبيرة، وتطلعنا على مصادر تراثية بعضها ما زال مجهولًا. وتزودنا بالبيان والتفسير والتوجيه والتقويم.
تلك هي الصورة الجديدة لـ "الممتع الكبير" أضعها بين أيدي الدارسين والباحثين والمحققين، آملًا أن تجد لها ما يناسبها من التقدير والعناية والاهتمام، وشاكرًا للمسؤولين عن "مكتبة لبنان" هذه البادرة الطيبة، التي فتحت لي باب العودة إلى كتابي الغالي، ليكون في ثوبه التام الأنيق الرصين. والحمد لله رب العالمين.
حلب في 18 من رجب سنة 1414
1 من كانون الثاني سنة 1994 الدكتور فخر الدين قباوة
(1/7)

تمهيد:
وقفت، في زيارتي لإستانبول عام 1963، على نسخة مخطوطة من كتاب "الممتع" في مكتبة "مراد ملّا"، فثبت لديّ أن ما ذكره المؤرخون عن هذه النسخة صورة مصغرة بالميكروفيلم، على أمل أن أتابع النسخ الأخرى، في مكتبات أُخر.
وقد تبين لي بعد المراجعات المتتابعة لهذه النسخة، أنها مخرومة ناقصة، لا يمكن الاعتماد عليها، في المعرفة التامة لهذا الكتاب. ولذلك كنت أشد حرصًا على تتبع ما يمكن أن يعثر عليه من النسخ، حتى وقفت على نسخة مخطوطة في مكتبة "فيض الله"، فكانت بحقّ الضالة التي أنشدها، لما تمتاز به من تمام وتوثيق وضبط. ثم وقفت على نسخة أبي حيان "المُبدع"، فشعرت أن أصول العمل العلمي قد توافرت، فلا بد من الشروع به، ليخرج إلى محبي العربية وخدمتها، بثوب يليق به وبمؤلفه. وهأنذا أدفع به إلى المطبعة، بعد أن حمَّلته، من الجهود والعناء والصبر، ما لا يقدّره إلا الله. فهو حسبي، ونعم الوكيل.
(1/8)

ابن عصفور:
هو أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد النحوي الحضرمي الإشبيلي. ولد في مدينة إشبيلية من بلاد الأندلس سنة 597هـ - 1200م، وأخذ النحو والأدب واللغة من أشهر علماء عصره هناك. ولما بلغ من العلم منزلة الأستاذية شرع يدرّس علوم العربية في إشبيلية، ثم في حواضر الأندلس مدن: شَريش ومالَقة ولُورَقة ومُرسية. وكان يملي مصنفاته من حفظه دون كتاب. وهي الشروح التي وضعها على: الجمل للزجاجي، والإيضاح لأبي علي الفارسي، والمقدمة الجُزُولية، وكتاب سيبويه ...
ثم انتقل ذكره إلى المغرب، فودع الأندلس وجاز إلى مُرّاكش، يقيم في حواضرها ويملي مصنفاته، ثم انتقل إلى تونس، حيث أكرمه أمير المؤمنين المستنصر بالله محمد بن أبي زكرياء، واصطحبه في رحلاته ومجالسه، يشجعه على الإقراء والتعليم. وقد حن إلى وطنه فعاد إلى بعض مدن الأندلس، ثم عاد إلى مُرّاكش ومنها إلى تونس، حيث أقام في عاصمتها حتى توفي سنة 669هـ - 1270م، ودفن في مقبرة ابن مهنّا قرب جبانة الشيخ ابن نفيس.
وقد اختُلف في سبب وفاته، والراجح ما رواه الزركشي. وهو أن ابن عصفور1 كان في مجلس السلطان آنذاك، من أحد أيام الشتاء، في رياض أبي فهر قرب الجابية الكبيرة. وهي حوض ضخم. ولما افتخر السلطان بما في مملكته من مظاهر العظمة قال ابن عصفور، يذكّره فضل العلماء في ذلك: "بنا وبأمثالنا". فغضب السلطان وأمر بعض رجاله أن يلقوه بثيابه في الجابية، ويطيلوا بقاءه فيها. وبعد خروجه منها أصابته حمى شديدة، لبث فيها ثلاثة أيام، ثم قضى نحبه. ورثاه القاضي ابن المنير ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي المتوفى سنة 683، ببيتين زعم فيهما أن النحو انتهى بوفاته.
وذكر في تاريخ حياته أنه كان حامل لواء العربية في عصره، وأصبر الناس على المطالعة، لا يملّ
__________
1 الفصيح في اللغة أن لفظ "عصفور" بضم العين. وحكى ابن رشيق أنها تفتح في لغة. التاج "عصفر". وانظر ص105.
(1/9)

من ذلك، وأنه لم يكن ذا ورع، وهو يرتاد مجالس الشراب ويصبغ لحيته ورأسه بالحناء. وزعم بعض المؤرخين أنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو، ولا تأهل لغيره من علوم العربية. ولكن ما سنذكره، من شيوخه وتلاميذه ومصنفاته، يدل على علم بالأدب أيضًا والنقد ونظم الشعر.
فقد لازم رئيس نحاة الأندلس أبا عليّ الشلوبين عمر بن محمد الأزدي المتوفى سنة 645، لازمه عشر سنين، وقرأ عليه كتاب سيبويه. وكان من شيوخه أيضًا المقرئ العالم باللغة والأدب أبو الحسن الدباج علي بن جابر اللخمي المتوفى سنة 646، ومن تلاميذه أبو الفضل الصفار قاسم بن علي الأنصار البطَلْيَوسي المتوفى بعد سنة 630، وأبو عثمان الطَّبيريّ سعيد بن حكم القرشي النحوي الأديب الشاعر الناثر الفقيه المحدث المتوفى سنة 680، وأبو عبد الله الشلوبين الصغير محمد بن علي الأنصاري المالَقي النحوي المقرئ الذي توفي سنة 670، وابن سعيد المدلجي أبو الحسن علي بن موسى الغرناطي الأديب المؤرخ للأدب المتوفى سنة 685، وأبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي النفزي، العالم المشهور في القراءة والتفسير واللغة والحديث والأصول والفروع والبلاغة والتراجم المتوفى سنة 745.
أما مصنفاته، فما طبع منها:
1- الممتع في التصريف: حققته على نسخ خطية، ونشر سنة 1970م، وصدر منه عدة طبعات. وقد صنف ابن عصفور هذا الكتاب مختصرًا، وقدمه إلى الأمير أبي بكر عبد الله بن أبي الأصبغ حاكم إشبيلية، ثم ألحق به زيادات كثيرة، جعلت أبا حيان يطلق عليه اسم "الممتع الكبير". وقد علق عليه ابن مالك صاحب الألفية نقودًا كثيرة، أضاف إليها أبو حيان أكثر منها، ثم اختصره في كتاب سماه "المبدع الملخص من الممتع" ونُشِرَ في الكويت سنة 1982م، بتحقيق عبد الحميد سيد طلب.
2- المقرَّب في النحو: حققه عبد الستار الجواري وعبد الله الجبوري، ونشر سنة 1971م. وقد ألفه ابن عصفور للأمير يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي جد الحفصيين، ثم عاد إليه بالشرح والتفصيل في مؤلف آخر لم يتيسر له إنجازه، واستل من المقرب المُثُل والمسائل المشكلة، وشرحها مع إيراد الأمثلة الأخرى في كتاب سماه "مُثُل المقرب"، ألفه للخاصة من العلماء سنة 647هـ. وقد حققه عبد الرحمن بن محمد العمّار، ثم أحمد حسن كحيل.
واختصر أبو حيان أصل الكتاب في مصنف اسمه "تقريب المقرب"، حققه عفيف عبد الرحمن ونشر في بيروت سنة 1982م. ولما رأى أبو حيان غموض مختصره هذا، وعسره على الطلبة، شرحه مع تعقب لابن عصفور وتفسير لدقائقه، في كتاب سماه "التدريب في تمثيل التقريب". وروى أبو حيان مقطوعة من الشعر لابن تُولُو القرشي المتوفى سنة 685هـ، يقرّظ بها
(1/10)

كتاب المقرب ويَمتدح ابن عصفور.
وقد شرح المقرب أيضًا كل من بهاء الدين محمد بن إبراهيم النحاس المتوفى سنة 698، وتاج الدين أحمد بن عثمان التركماني المتوفى سنة 768. ولتاج الدين نفسه تعليقة لطيفة على شرح ابن عصفور لكتابه "المقرب". وفي عصرنا هذا شرحه علي محمد فاخر باسم "شرح المقرب لابن عصفور"، ونشره في القاهرة سنة 1990م. ويعمل خيري عبد الراضي عبد اللطيف في تحقيق القسم الأول من شرح ابن النحاس.
وكان قد تعقب المقرب بالنقد والتجريح كل من ابن مؤنس القابسي، وابن هشام، وابن الحاج أحمد بن محمد المتوفى سنة 647 في كتابه "الإيرادات على المقرب"، وابن الضائع المتوفى سنة 680، وإبراهيم بن أحمد الأنصاري الجزري في كتابه "المنهج المعرَّب في الرد على "المقرب"، وحازم القرطاجني الخزرجي المتوفى سنة 684 في كتابه سنة 684 في كتابه "شد الزُّنَّار على جحفلة الحمار"، والمالقي أحمد بن عبد النور المتوفى سنة 702.
3- الشرح الكبير: وهو أكبر شرح لابن عصفور على كتاب "الجمل في النحو" للزجاجي، يسمى "أحكام ابن عصفور". حققه صاحب أبو جناح، ونشر في بغداد سنة 1980م. وكان أبو حيان قد اختصر هذا الكتاب. ورتبه ترتيب أبواب "المقرب" وسماه "الموفور في تحرير أحكام ابن عصفور". وقد وهم بعض المعاصرين، فظن "الموفور" اختصارًا لشرح ابن عصفور على المقرب.
4- ضرائر الشعر: حققه السيد إبراهيم محمد، ونشر في بيروت سنة 1980م أيضًا.
وما لم يطبع من مصنفاته، وفي المكتبات الخطية نسخ مخطوطة، من بعضه:
1- الأزهار.
2- إنارة الدياجي.
3- البديع: وهو شرح على المقدمة الجُزُولية التي صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المتوفى سنة 607، وعرفت باسم "القانون". وهي مقدمة موجزة جدًّا في النحو، وصفها العلماء بالعسر والغرابة، وكان الجزولي نفسه قد شرحها أيضًا.
4- سرقات الشعراء.
5- شرح أبيات الإيضاح.
6- شرح الأشعار الستة: وهو شرح لدواوين: امرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي
(1/11)

سلمَى، وعلقمة الفحل، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد.
7- شرح الإيضاح: والإيضاح كتاب نحوي لأبي علي الفارسي المتوفى سنة 377، عرف باسم "الإيضاح العضدي". وفي خزانة الأدب وشرح أبيات المغني للبغدادي نُقُول من شرح ابن عصفور هذا.
8- شرح الإيضاح الشعري.
9- الشرح الأوسط: وهو شرح متوسط الحجم لكتاب "الجمل في النحو" للزجاجي.
10- شرح الحماسة: وهو شرح على "ديوان الحماسة" الذي جمعه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفى سنة 231.
11- شرح ديوان المتنبي: وهو شرح لشعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتوفى سنة 354.
12- الشرح الصغير: وهو شرح موجز على "الجمل في النحو" للزجاجي.
13- شرح الكتاب: وكان ابن عصفور قد لزم شيخه أبا علي الشلوبين عشر سنين، قرأ عليه فيها بعض الكتب النحوية، وكتاب سيبويه المتوفى سنة 180، ثم تصدر لتدريس هذا الكتاب وإقرائه، وعلق عليه شرحًا نقل منه البغدادي بعض النصوص في "خزانة الأدب". وكان ابن الحاج أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي يقول معرضًا بابن عصفور: إذا مت فعل أبو الحسن ابن عصفور في كتاب سيبويه ما أراد، فإنه لا يجد من يرده.
14- شرح المقدمة: وهو شرح على المقدمة النحوية التي صنفها ابن عصفور نفسه.
15- مختصر الغُرّة.
16- مختصر المحتسَب: وهو اختصار لـ "المقدمة المحتسبة" في النحو، التي ألفها ابن بابشاذ طاهر بن أحمد النحوي المتوفى سنة 469.
17- مفاخرة السالف والعذار.
18- المفتاح.
19- مقدمة في النحو: وهي مصنف موجز في النحو، شرحه ابن عصفور نفسه فيما ذكرنا تحت رقم 14.
20- مقطوعات شعرية.
(1/12)

21- الهلال أو الهلالية.
ونسب إليه في بعض كتب المعاصرين من المصنفات ما يلي:
1- إيضاح المشكل: وهو شرح لكتاب "المغرب في ترتيب المُعْرب"، لأبي الفتح المطرزي ناصر الدين ابن عبد السيد الخوارزمي الحنفي، المتوفى سنة 610.
2- السلك والعنوان ومرام اللؤلؤ والعقيان: وهو أرجوزة في النحو، مع شرح لها.
3- المقنع في النحو.
4- منظومة في النحو: شرحها صدقة بن ناصر بن راشد الحنبلي، سنة 1016.
والناظر فيما نشر من مصنفات ابن عصفور، وعناوين ما صحت نسبته إليه مما لم ينشر، يجد نشاطًا واسعًا في دراسة النحو والصرف واللغة والأدب، وإنتاجًا أدبيًّا في النثر والشعر والرجز. ولهذا قيل عنه: إنه كان علمًا في اللغة ريّان في الأدب، في الطبقة الأولى من أعلام إشبيلية، وحامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، وإمامًا في المغارب والمشارق، وحيث حل فعلمه نازل بالمحل الرفيع ومقابَل بالبر الفائق.
أما أعماله النحوية فكانت تسير فيما خطَّه قدماء النحاة، من مذهب التحقيق. وهو يقوم على اتخاذ سبيل بين طريقي البصرة والكوفة، لاختيار الرأي المدعوم بالدليل. فإن كان دليل الطرفين ضعيفًا، وتبدَّى للباحث ما هو أصح، بذل في المسألة اجتهاده ووضع حكمًا جديدا بعيدًا عن المذهبين. ولذا كان ابن عصفور يختار في مصنفاته ما رجحته الأدلة، من أقوال البصريين والكوفيين والبغداديين، ويضيف أحيانًا ما انفرد به هو، من الأحكام والضوابط والتعليل والتفسير.
وكان لمذهب التحقيق هذا في تاريخ النحو بذور، لدى قدماء البصريين كالمبرّد، حين تصدى للرد على مسائل من كتاب سيبويه، بما استدل به الأخفش وغيره. ثم جاء ابن كَيسانَ والزجاجي والفارسي يوسعون هذه الدائرة، عاملين بما رسمه المازني في قوله: "إذا قال العالم قولًا متقدمًا فللمتعلم الاقتداء به، والاحتجاج لقوله، والاختيار لخلافه إن وجد لذلك قياسًا". واتسعت بذلك رقعة مذهب المحقّقين في النحو لدى المتأخرين كالرضيّ وابن عصفور وابن مالك وابن هشام، حتى عبر عنه أبو حيان بوضوح في قوله: "ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصرة، بل نتبع الدليل".
(1/13)

المصادر والمراجع:
1- ابن عصفور والتصريف لفخر الدين قباوة، بيروت 1981.
2- أخبار التراث العربي 19: 14 و28: 23.
3- اختصار القدح المُعلّى لمحمد عبد الله، القاهرة 1959 ص22 و155.
4- أسماء الكتب لعبد اللطيف بن محمد، دمشق 1983 ص289.
5- الأعلام لخير الدين الرزكلي القاهرة 1959، 5: 179.
6- إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي طهران 1947، 1: 527.
7- بغية الوعاة لجلال الدين السيوطي القاهرة 1326 ص357.
8- تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان القاهرة 1975، 5: 248 و366.
9- تتمة المختصر في أخبار البشر لابن الوردي، القاهرة 1285، 2: 220.
10- تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية لمحمد بن إبراهيم الزركشي تونس 1289 ص29، 30.
11- الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم المرادي، بيروت 1981 ص244.
12- الذيل والتكملة لأبي عبد الله المراكشي، بيروت 5: 313، 414.
13- روضات الجنات لمحمد بن باقر الموسوي سنة 1347 ص493.
14- شذرات الذهب لابن العماد، مكتبة القدسي 1351، 5: 330، 331.
15- شرح جمل الزجاجي لابن عصفور بغداد 1980.
16- شرح المقرب لعلي محمد فاخر القاهرة 1990.
17- صلة الصلة لأبي جعفر بن الزبير بيروت ص 142.
18- ضرائر الشعر لابن عصفور بيروت 1980.
19- عنوان الدراية لأحمد بن أحمد الغبريني، الجزائر 1910 ص188، 190.
20- فهرسة المكتبة الخديوية القاهرة 4: 113.
21- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي القاهرة 1951، 2: 184، 185.
22- كشف الظنون للحاج خليفة طهران 1947 ص527 و603 و1041 و1621 و1801 و1805 و1822.
23- مجلة حوليات جامعة القديس يوسف بيروت 1989 ص321، 326.
24- معجم المؤلفين لعمر رضا كحَّالة، بيروت 7: 251.
25- مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده، حيدر آباد 1329، 1: 118.
26- المقرب في النحو لابن عصفور، بغداد 1971.
27- الممتع في التصريف لابن عصفور، بيروت 1987.
28- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري، بيروت 1968، 2: 209 و271، 272 و701 و3: 184 و4: 148 و5: 82.
29- هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي، طهران 1947، 1: 712.
30- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي 12: 218، 219.
31- الوفيات لابن قنفذ، بيروت 1972 ص331.
(1/14)

النسخ المخطوطة:
صنف أبو الحسن كتاب "الممتع" وقدمه إلى الأمير أبي بكر عبد الله بن أبي الأصبغ عبد العزيز بن صاحب الرد، وقد صرح بذلك في خطبة كتابه وأشاد بالأمير إشادة بالغة.
والمشهور أن هذا الأمير1 شاعر أديب، ذواقة لأطراف العلوم، ولّاه ابن هود على رُندة، ثم سار إلى إشبيلية، وطرد والي ابن هود واستبد بها، واتفق وابن الأحمر على ابن هود. ولكن ابن الأحمر غدر به، وقتله عام 631.
وإذا استأنسنا بحياة الأمير أبي بكر، استطعنا أن نحدد التاريخ التقريبي، لتصنيف كتاب "الممتع". فالمعروف أن ابن هود تلقب بالمتوكل على الله سنة 625، وانفصل2 عنه أبو بكر عام 629، حين ثار عليه في إشبيلية وطرد واليه. ولما كان ابن عصفور يشيد بأبي بكر3، "الذي بذل جهده في نصر هذه الدعوة النبوية، ولم يأل جهده في عضد هذه الدولة المتوكلية"، فإن من البديهي أن يكون قد صنف هذا الكتاب، خلال السنوات التي كان فيها أبو بكر مخلصًا لابن هود المتوكل على الله. وذلك بين عامي 625 و629.
وقد بسط ابن عصفور مسائل التصريف، في هذا الكتاب، بسطًا مُسهَبًا مدعومًا بالتعليل والتفسير والحجاج والأدلة والشواهد، فكان من أشهر كتبه، ومن أمثل كتب الصرف المطولة،4 حتى قل أن يخلو من مسائله كتاب من كتب المتأخرين. وكان أبو حيان النحوي شديد الإعجاب به، يقدمه على ما سواه، ولا يفارقه في الحل والترحال5؛ لأنه كما يقول6: "أحسن ما وضع في هذا الفن ترتيبًا، وألخصة تهذيبًا، وأجمعه تقسيمًا، وأقربه تفهيمًا".
__________
1 اختصار القدح المعلى ص112، 113.
2 تاريخ ابن خلدون 4: 169.
3 الممتع ص28.
4 مفتاح السعادة 1: 218 وكشف الظنون ص1822.
5 بغية الوعاة ص 357 وشذرات الذهب ص330، 331 ومفتاح السعادة وكشف الظنون.
6 المبدع الورقة 2.
(1/15)

ومن مظاهر عناية أبي حيان به أنه علق عليه تعليقات عظيمة الأهمية، ثم لخصه في كتاب سماه "المبدع في التصريف". وكان ابن مالك، صاحب الألفية، قد علق على "الممتع" نقودًا كثيرة، وقد استوفينا أكثر تعليقات ابن مالك وأبي حيان، فأثبتناه في حواشي النص إتمامًا للفائدة.
أما النسخ المخطوطة التي اعتمدتها في التحقيق فإليك وصفها1:
نسخة فيض الله "ف":
تحتفظ بها مكتبة "فيض الله" بإستانبول تحت رقم 2052. وهي في 73 ورقة قياس 16×21 سم، وفي كل صفحة 27 سطرًا، بخط مغربي جيد. ومنها صورتان مصغرتان على الميكروفيلم، في معهد المخطوطات بالجامعة العربية، تحت الرقمين 9 و20 من قسم الصرف.
على الورقة الأولى من النسخة "تصريف الأستاذ أبي الحسن بن عصفور أكرمه الله. وهو الذي سماه بالممتع في التصريف". وقُبالة ذلك: "كتبه لنفسه حسن بن محمد ... ". ويلي هذا عدة تملُّكات، انتهت بانتقال ملكية النسخة إلى شيخ الإسلام فيض الله، الذي أثبت عليها خاتمه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي -غفر الله له ولوالديه- بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة 1112".
وكان أبو حيان النحوي تملك هذه النسخة، من قبل، وحملها معه إلى القاهرة، حيث قابلها قراءة بنسخة شيخه رضي الدين محمد بن علي الأنصاري الأندلسي. وقد أثبت هذه المقابلة في ختام النسخة كما يلي: "قابلت جميع هذا الكتاب مع شيخنا الإمام اللغوي الحافظ حجة العرب أوحد العصر، رضي الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الأندلسي الشاطبي. قاله كاتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حيان النفزي الأندلسي الجياني نزيل القاهرة ... ".
يضاف إلى هذا أن أبا حيان عارض قسمًا من هذا الكتاب، بنسخة بخط ابن عصفور نفسه، وصوب بعض العبارات، نقلًا من تلك النسخة. وعارض أبو حيان هذا الكتاب أيضًا بنسخ أخرى، منها:
__________
1 أشار الأستاذ عبد العزيز الميمني في مذكراته إلى نسخة مخطوطة من "الممتع" في خزانة ولي الدين بإستانبول تحت رقم 2004، ونقل ذلك الأستاذ الزركلي في الأعلام 10: 158. وقد اتصلت بالسيد مدير المكتبة السليمانية؛ لتصوير هذه النسخة فكان الجواب أن هذه الخزانة ليس فيها من الممتع شيء. وفي خزانة شيخ الإسلام عارف حكمة بالمدينة المنورة نسخة مخطوطة من "الممتع" تحت رقم 48، لم يتيسر لي الوقوف عليها. انظر المقرب 1: 12. وفي مكتبة القرويين نسخة أخرى ...
(1/16)

1- نسخة ابن الزبير.
2- نسخة ابن الخفاف.
3- نسخة الخزرجي.
4- نسخة الكرماني.
وبذلك أصبحت نسخة أبي حيان رفيعة القدر، ذات قيمة علمية منقطعة النظير، فهي تمثل أكثر من عشر نسخ قديمة، منها نسخة بخط المؤلف.
ومما يذكر ههنا أن أبا حيان، وغيره من العلماء، حلوا هذه النسخة بتعليقات على النص، بعد أن اتخذنا هذه النسخة أصلًا للتحقيق، ورمزنا إليها بالحرف "ف".
نسخة مراد ملّا "م":
تحتفظ مكتبة "مراد ملّا" في إستانبول بهذه النسخة التي تضم 95 ورقة من القطع المتوسط، في كل صفحة منها 17 سطرًا. وفي الصففة الأولى منها: "ممتع في الصرف، تأليف الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن عصفور من أهل مدينة إشبيلية، إمام علم العربية. رحمه الله وعفا عنه". وفي الصفحة الأخيرة: "كمل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله، وكان الفراغ منه يوم الخميس، الخامس عشر لشهر شوال، من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة".
وقد كُتبت هذه النسخة بخط حسن، كثر فيه الخطأ والتصحيف والتحريف، ولم تُعارَض بالأصل الذي نقلت منه. ونحن نرجح أن ذلك الأصل يرجع إلى ما هو أقدم من الأصل الذي نقلت منه نسخة "فيض الله"؛ لأن الخلافات بين النسختين أثبتت أن نسخة "فيض الله" اعتمدت أصلًا، يضم زيادات وتنقيحات وتصويبات، للمؤلف، لم تصل إلى نسخة "مراد ملّا".
نضيف إلى هذا أن نسخة "مراد ملّا" هذه قد اختُرمت نصوصها: في مواطن كثيرة،1 وبعض هذه الخروم طويل جدًّا. يستغرق صفحات، بل عشرات من الصفحات، وأظهرها سقوط بابين كبيرين، هما "باب أحكام حروف العلة الزوائد"، و"باب القلب والحذف على غير قياس". وتحت كل منهما بضعة أبواب فرعية2. وقد حاول أحد العلماء أو النساخ أن
__________
1 انظر الورقات 6 و7 و9 و18 و31 ...
2 انظر الورقات 4 و67 ...
(1/17)

يعوّض بعض هذه الخروم، فكان في النسخة عدة مواطن، كُتبت بقلم يخالف خط الأصل1.
بيد أن هذه النسخة على رداءتها ونقصها، ساعدت في تحقيق الكتاب، فقومت بعض العبارات، وملأت بعض الثغرات المطموسة في نسخة "فيض الله"، وكان الرمز إليها بالحرف "م".
نسخة المُبدِع:
كان أبو حيان النحوي شديد الإعجاب بكتاب "الممتع" كثير الاهتمام به، حتى إنه كان لا يفارقه. وقد رأينا في وصف نسخة "فيض الله" كثرة العناية التي أولى بها أبو حيان هذا الكتاب، من مقابلته قراءة على شيخه رضي الدين الأنصاري الأندلسي، ومعارضته بالنسخ الكثيرة التي منها قطعة بخط المؤلف، وتعقبه بزيادات وشروح ونقود.
وقد توّج أبو حيان عنايته هذه، بأن لخص كتاب "الممتع" بنفسه، فاختزل عباراته، وأسقط شواهده، وما فيه من احتجاج وجدل واستطراد، وقدم وأخر في بعض مقاصده، تبعًا لتنسيقه الخاص في عرض المادة، دون أن يجري في تلك المادة تنقيحًا أو تصويبًا يذكر. وقد سمى مختصره هذا "كتاب المبدع في التصريف".
ولما كان في نسختي "فيض الله" و"مراد ملّا" خروم وتصحيفات وعبارات، غائمة أو مطموسة، فإنني استعنت بنسخة مخطوطة من كتاب "المبدع"، فعارضت بها وبما علق عليها من حواشٍ بعض المواطن من "الممتع"، لتصويب النص وإتمامه.
والنسخة التي اعتمدتها هي بخط أبي حيان. فقد جاء في آخرها: "تم كتاب المبدع، غدوة الجمعة التاسع والعشرين لشهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة، على يدي ملخصه أبي حيان وبخطه". وهي بخط مغربي جميل واضح، تقع في 38 ورقة، وتضم الصفحة الواحدة 15 سطرًا. والنسخة هذه محفوظة في دار الكتب المصرية، ضمن مجموعة بخط مؤلفها، تحت الرقم 24 ش2.
تستهل هذه النسخة بالخطبة التالية: "قال أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان: حمدًا لك اللهم على ما منحتناه وشكرا، وسترًا لما اجترحناه وغفرا، وصلاتك وسلامك على من أنزلت عليه القرآن ذكرى، وبعثته هاديًا للورى سودًا وحمرًا. وبعد فإن علم التصريف يلطف إدراكه على ذوي الأفهام، ويشرف المتحلي به على سائر الأنام، إذ هو أشرف شطري اللسان
__________
1 انظر الورقات 4 و5 و67 ...
2 انظر فهرست كتب دار الكتب 2: 67.
(1/18)

العربي، وأجمل ذخيرة الفاضل النحوي، ولغموضه قل فيه التصنيف والخلاف، ولم تتوارد عليه الأفهام فيكثر فيه الاختلاف. وليس كعلم الإعراب الذي ازدحم على منهله الوارد، وترنقت بعد صفوها منه الموارد، فلا يتميز فيه الفاضل إلا عند أفراد الرجال، ولا يظهر فيه السابق إلا عند ضيق المجال. وما أحد ممن نظر في الإعراب أدنى نظر إلا وهو مدعٍ فيه، وموهم الأغمار أنه يحسنه ويدريه.
ولقد أخذنا هذا الفن، بعد أخذ علم الإعراب، عن أستاذنا أبي جعفر ابن الزبير، وتلقناه من فيه لا من كتاب، حفظًا وعرضًا ونقلناه عنه شفاهًا رطبًا غضًّا، في مدة شهور يُدِرّ بنا في مسالكه الصعاب، ويوغل بنا في أبعد المذاهب وأشغب الشعاب، إلى أن امتطيناه ذلولًا، وهبت لنا زعزعه قبولًا، وجنبناه سلس القياد، وإن كان أبيًّا، واقتدْناه طوع المراد، وإن كان عصيًّا.
ولما كان كتاب "الممتع" أحسن ما وضع في هذا الفن ترتيبًا، وألخصه تهذيبًا، وأجمعه تقيسمًا، وأقربه تفهيمًا، قصدنا في هذه الأوراق ذكر ما تضمنه من الأحكام بألخص عبارة وأبدع إشارة، ليشرف الناظر فيه على معظمه في أقرب زمان، ويسرّح بصيرته في عقائل حسان. وسميته بالمبدع الملخص من الممتع، ولم أتعرض للتنبيه على ما فيه من الاعتراض، بل أبرزته بين المغضي عنه والراض. وإن فسح الله لي في العمر، وساعدني سابق القدر، وضعت في علم التصريف ما أنا له آمل، وعلى تحصيل مواده من قديم الزمان عامل. والله يبلغنا فيما أملنا من ذلك الأمنية، ويخلص لنا في العلم والعمل النية. لا مرجو إلا ثوابه، ولا محذور إلا عقابه".
وإذا أردنا أن نتبين الصورة التقريبية لعمل أبي حيان في ملخصه، فحسبنا أن نعارض باب "التمثيل" في الممتع، بما يقابله في المبدع. وهو قول أبي حيان1: "التمثيل: تقابل الأصول بالفاء والعين واللام، فإن لم تفن الأصول كررت اللام حتى تفنى. والزوائد إن لم تتكرر من لفظ الأصل بقيت في المثال، أو تكررت وزنْتَها بالحرف الموزون به الأصل. وزعم الكوفيون أن نهاية الأصول ثلاثة، فما زاد من رباعي أو خماسي فزائد. وذهب الكسائي إلى أن الزائد في الرباعي ما قبل الآخر. واختلفوا؛ فمنهم من لا يزن الكلمة، ومنهم من يزن ويُبقى الزائد في المثال".
__________
1 المبدع الورقة 15.
(1/19)

منهج التحقيق:
اعتمدت نسخة "فيض الله" من الممتع، فرمزت إليها بحرف "ف" وجعلتها أصلًا للنص، ثم عارضت النص بنسخة "مراد ملّا" التي رمزت إليها بحرف "م"، مستعينًا بنسخة أبي حيان من "المبدع"، في تصويب بعض العبارات وإتمامها. وقد ذيلت النص بما يلي:
1- إثبات الخلاف بين النسخ.
2- تفسير المفردات الغربية.
3- التعريف ببعض الأعلام.
4- ذكر أسماء المصادر التي استقى منها المؤلف في كل قسم أو باب أو مسألة.
5- إثبات أسماء المصادر التي عرضت لما بسطه ابن عصفور.
6- تخريج الشواهد القرآنية، والشعرية، والنثرية من حديث أو أثر، مع إتمام البيت الشعري بزيادة بين معقوفين.
7- إثبات ما لم يُخترم من حواشي نسخة "فيض الله" التي علقها أبو حيان النحوي أو غيره.
حلب 15/ 8/ 1968م
21/ 5/ 1388هـ
الدكتور فخر الدين قباوة
(1/20)

من نسخة فيض الله "ف"
(1/21)

من نسخة فيض الله "ف"
(1/22)

من نسخة مراد ملا "م"
(1/23)

من نسخة المبدع
(1/24)

خطبة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم1
الحمد لله الذي لم يُستفتح بأفضل من اسمه كلام، ولم يُستنجح بأجمل من صنعه مَرام2، جاعل الحمد مفتتح قرآنه، وآخر دعوى أهل جنانه. أحمده -سبحانه- على أن جعلنا خير أمة3، وأنطقنا بلسان أهل الجنة؛ حمدًا يؤنس وحشي النعم من الزوال، ويحرسها من التغير والانتقال4.
والصلاة على خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات، محمد نبي الله5 وخيرته من خلقه، وحجته في أرضه، الصادع بالرسالة، والمبالغ في الدلالة، وعلى آله الطيبين الأخيار، الطاهرين الأبرار، الذين أذهب عنهم الأرجاس، وطهرهم من الأدناس، وجعل مودتهم أجرًا له على الناس.
وبعدُ6، فإني لما رأيت النحويين قد هابوا لغموضه7 علم التصريف، فتركوا التأليف فيه والتصنيف، إلا القليل منهم فإنهم قد وضعوا فيه ما لا يُبْرِدُ غليلا، ولا يحصل لطالبه مأمولا، لاختلال ترتيبه، وتداخل تبويبه، وضعت في ذلك كتابًا رفعت فيه من علم التصريف شرائعه، وملَّكتُه عاصيَه وطائعَه، وذللته للفهم بحسن الترتيب، وكثرة التهذيب لألفاظه والتقريب، حتى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السمع، فلما أتيت به على القِدْح8، ممتنعًا عن القَدْح،
__________
1 م: "على سيدنا محمد وآله". والنص التالي في تذكرة النحاة ص539، 540 بخلاف كثير، تحت عنوان: خطبة الممتع الكبير للأستاذ أبي الحسن بن عصفور، عفا الله عنه.
2- في التذكرة: الحمد لله الذي نصب لنا معالم الهداية، وجنبنا مجاهل الغواية.
3 م: خير الأمة.
4 م: "التغيير والانتقال". وفي التذكرة: حمدًا يؤنس من النعم وحشيها، وتعطف مواصلته أبيها.
5 في التذكرة: رسول الله.
6 في التذكرة: أما بعد.
7 في م والتذكرة: لغموضة.
8 القدح: السهم والنصيب.
(1/27)

مُشبِهًا للروض في وشي ألوانه، وتَعمُّم أفنانه، [2أ] وإشراق أنواره، وابتهاج أنجاده وأغواره، والعقد في التئام وصوله، وانتظام فصوله، سميته بـ "الممتع"، ليكون اسمه وَفق معناه، ومترجمًا عن فحواه1، ووسمته باسم من إن ذكرت العلوم فهو مالك عنانها، وفارس ميدانها، أو ذكرت السماحة فهو تاريخها وعنوانها، وحدقتها وإنسانها، أو عُدَّ المجد الموروث والمكتسب فناهيك به شرفًا سابقًا، وبأوائله فخرًا في فلك المجد سامقًا، الذي بذل جِدَّهُ2 في نصر هذه الدعوة النبوية، ولم يألُ جهده في عضد هذه الدولة المتوكلية. أدام الله للمسلمين بركتها. فريد دهره، ووحيد عصره، أبو بكر ابن الشيخ الأكرم، العالم العلم، أبي الأصبغ بن صاحب الرد3. أدام الله علاءهم، وأنار بنجوم السعد سماءهم4. [2ب] .
__________
1 في التذكرة: فإنهم وضعوا فيه كتبًا مظلمة المعاني، غير محكمة المباني، لاضطراب ترتيبها، وتداخل تبويبها، فحملني ذلك على أن وضعت كتابًا استوفيت فيه أقسامه، وأحكمت نسقه ونظامه، وعبدت فيه طريق الإيضاح لما أوردته بتبيين السبب والعلة، ومهدت سبيل الإفصاح عما قصدته، بإيراد الحجة التي قامت على صحتها الأدلة. فلما أتيت به فائز القِدح، واري القَدح، مشتملًا على جملته وتفصيله، محتويًا على دقيقه وجليله، سميته بالممتع؛ ليكون اسمه طبقًا لمعناه، منبئًا عن مقتضاه.
2 الجد: الاجتهاد والجهد.
3 في حاشية ف بخط آخر: صاحب الرد هو ترجمان السلطان.
4 ألحق أبو حيان خطبة الكتاب هذه بنسخة "ف"، وختمها بقوله: "هذه الخطبة لم تثبت في كتاب أستاذي أبي جعفر -رضي الله عنه- وثبتت في بعض النسخ". قلت: وهي ثابتة أيضًا في م، وسقط "ووسمته باسم ... سماءهم" من التذكرة، وجاء فيها بدلًا منه: وهو المسئول -سبحانه- أن يعيننا ويوفقنا لطاعته، ويجعلنا ممن أنضى فيها مطايا استطاعته، بمنه ويُمنه.
(1/28)

المقدمة
ذكر شرف علم التصريف وبيان مرتبته في علم العربية
...
ذكر شرف علم التصريف، وبيان مرتبته في علم العربية: 1
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
لتصريف2 أشرف شطري العربية وأغمضهما:
فالذي يبين شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية، من نحوي ولغوي، إليه أيما حاجة؛ لأنه ميزان العربية؛ ألا ترى أنه قد يؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف، نحو قولهم: "كل اسم في أوله ميم زائدة مما يعمل به وينقل فهو مكسور الأول، نحو: مطرقة ومروحة، إلا ما استثني من ذلك". فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك إلا من جهة التصريف. ونحو قولهم: "إن المصدر من الماضي3، إذا كان على وزن أفعل، يكون مفعلًا بضم الميم وفتح العين. نحو: أدخلته مدخلا"؛ ألا ترى أنك لو أردت المصدر من "أكرمته"، على هذا الحد، لقلت: "مكرمًا" قياسًا، ولم تحتج4 فيه إلى السماع، إذا علمت أن "أكرم": "أفعل"؟ ألا ترى5 أن ذلك كله لا يُعرف إلا بالتصريف؟ وأشباه ذلك كثير.
ومما يبين شرفه أيضًا أنه لا يوصل إلى معرفة الاستقاق إلا به؛ ألا ترى أن جماعة من المتكلمين امتنعوا من وصف الله -سبحانه6- بـ "حنان"، أنه من الحنين، والحنة7 من صفات البشر الخاصة بهم، تعالى الله عن ذلك؟ وكذلك امتنعوا أيضًا من وصفه بـ "سخي"، لأن أصله من الأرض السخاوية وهي الرخوة. بل وصفوه بـ "جواد"؛ لأنه أوسع في معنى العطاء،
__________
1 أثبت أبو حيان في حاشية ف بقلمه نصًّا، ذكر فيه ما يتعلق بعلم التصريف وعلم الإعراب، وقد اخترم كثير من النص، فتعذرت قراءته.
2 انظر المنصف 1: 2.
3 وكذلك عبارة ابن جني في المنصف. وانظر المسألة 28 من كتاب الإنصاف. ف: مصدر الماضي.
4 م: لم يحتج.
5 سقط من م.
6 م: تعالى.
7 الحنة: رقة القلب.
(1/31)

وأدخل في صفة العلاء. وامتنعوا أيضًا من وصفه ب"الدَّاري"، وإن كان من العلم، لأن أصله من الدَّرِيَّة. وهي شيء يضعه الصائد لضرب من الحِيلة والخديعة1. فكأن ما يقدمه2 الذي يريد أن يتوصل إلى علم شيء، من الأدلة بمنزلة الدرية التي يتوصل إلى ختل الصيد وخدعه. فأما قول بعضهم3:
لا هُمَّ لا أدري وأنت الداري
فغير معرَّج عليه ولا مأخوذ به. ووجهه أنه أجراه مجرى "عالم"، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات، في حق الله تعالى4.
والذي يدل على غموضه كثرة ما يوجد من السقطات فيه لجلة العلماء5؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد، من أنه قال في مندوحة من قولك6 "مالي عنه مندوحة" أي متسع: إنها مشتقة من انداح؟ وذلك فاسد لأن انداح: "انفعل" ونونه زائدة. ومندوحة: "مفعولة" ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت "منفعلة". وهو بناء لم يثبت في كلامهم. فهو، على هذا، مشتق من الندح، وهو جانب الجبل وطرفه، وهو إلى السعة.
ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب7، من أنه جعل أُسكُفَّة الباب8 من "استكف" أي: اجتمع. وذلك فاسد، لأن استكف: "استفعل" وسينه زائدة، وأسكفة: "أُفْعُلَّة" وسينه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه "أُسفُعْلَة"، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.
وكذلك أيضًا حكي عنه أنه قال في تَنُّور: إن وزنه "تَفْعُول" من النار. وذلك باطل؛ إذ لو كان كذلك لكان تَنْوُورًا. والصواب أنه "فَعُّول" من تركيب تاء ونون وراء، نحو: تَنرَ، وإن لم ينطق به.
وقد حكي عن غيرهما، من رؤساء النحويين واللغويين، من السقطات نحوٌ مما ذكرنا. إلا أني قصدت إلى الاختصار، وفي "9" هذا القدر الذي أوردناه كفاية.
__________
1 سقط من م.
2 م: ما يقدره.
3 من أرجوزة للعجاج، ديوانه ص26 والصحاح واللسان والتاج "دري". وقد علق عليه صاحب التاج بأنه من عجرفية الأعراب، وانظر تذكرة النحاة ص540.
4 سقط من م.
5 انظر المنصف 1: 3 والمزهر 2: 370، 371 والخصائص 3: 283، 286.
6 م: "قولهم". وأبو عبيد هو القاسم بن سلام الأزدي، عالم باللغة والأخبار توفي سنة 224 بغية الوعاة 2: 553.
7 هو أحمد بن يحيى الشيباني، إمام الكوفيين في اللغة والنحو. توفي سنة 291. تاريخ بغداد 5: 204.
8 أسكفة الباب هي خشبته التي يوطأ عليها. وقيل: هي العتبة العليا.
9 م: إذ في.
(1/32)

وقد كان ينبغي أن يقدَّم علم التصريف على غيره من علوم العربية، إذ هو معرفة ذوات الكلم في أنفسها من غير تركيب. ومعرفة الشيء في نفسه، قبل أن يتركب، ينبغي [3أ] أن تكون مقدمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب. إلا أنه أُخِّر للطفه ودقته، فجعل ما قدم عليه من ذكر العوامل توطئة له، حتى لا يصل إليه الطالب، إلا وهو قد تدرب وارتاض للقياس.
(1/33)

[تقسيم التصريف] :
والتصريف ينقسم قسمين:
أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني، نحو: ضرَب، وضرَّب، وتضرَّب، وتضارب، واضطراب. الكلمة التي هي مركبة من ضاد وراء وباء، نحو "ضرب" قد بنيت منها هذه الأبنية المختلفة، لمعانٍ مختلفة.
ومن هذا النحو هو1 اختلاف صيغة الاسم للمعاني التي تعتوره من التصغير والتكسير، نحو: زُييد، وزُيُود. وهذا النحو من التصريف جرت عادة النحويين أن يذكروه، مع ما ليس بتصريف. فلذلك لم نضمنه هذا الكتاب. إلا أن أكثره مبني على معرفة الزائد من الأصلي، فينبغي أن تبين حروف الزيادة، والأشياء التي يتوصل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها.
والآخر من قسمي التصريف: تغيير2 الكلمة عن أصلها، من غير أن يكون ذلك التغيير3 دالًّا على معنى طارئ على الكلمة، نحو تغييرهم "قول" إلى "قال"؛ ألا ترى أنهم لم يفعلوا ذلك ليجعلوه دليلًا على معنى خلاف المعنى الذي كان يعطيه "قول"، الذي هو الأصل لو استعمل. وهذا التغيير منحصر في: النقص كـ "عِدَة" ونحوه، والقلب كـ "قال" و"باع" ونحوهما، والإبدال كـ "اتعد" و"اتزن" ونحوهما، والنقل كنقل عين "شاك" و"لاث"4 إلى محل اللام، وكنقل حركة العين إلى الفاء في نحو: قلت وبعت، على ما يبين بعد5.
والفرق بين الإبدال والقلب أن القلب تصيير الشيء على نقيض ما كان عليه، من غير إزالة ولا تنحية، والبدل وضع الشيء مكان غيره، على تقدير إزالة الأول وتنحيته. فلذلك جعلنا مثل "قال" و"باع" قلبًا؛ لأن حروف العلة يقارب بعضها بعضًا؛ لأنها من جنس واحد، فسهل تقدير انقلاب بعضها إلى بعض. وجعلنا مثل "اتعد" ونحوه إبدالًا، لتباين حروف الصحة من حروف
__________
1 كذا، بزيادة "هو".
2 م: تغير.
3 م: التغير.
4 الشاكي: الشائك. واللائي: اللائث. انظر الورقة 57ب.
5 في الورقة 41.
(1/33)

العلة. وكلذك جعلنا قولهم: "أمواء" في أمواه من قبيل البدل، لتباين حروف الصحة بعضها من بعض.
فنقول1، على هذا، في "اتعد" وأمثاله: إنه كان في الأصل "اوتعد"، فحذفت الواو وأبدل منها التاء، لا أن الواو انقلبت تاء، وأما "قام" وأمثاله فيقدر2 أنه كان في الأصل "قوم"، ثم استحالت الواو ألفًا، لا أنها حذفت وجعل مكانها الألف.
وينبغي أن نبين3، في هذا القسم الآخر، حروف البدل والقلب، والأماكن التي تبدل فيها وتقلب، والحروف التي تحذف، وأين يجوز نقل الحركة إلى الحرف4؟ وأين لا يجوز ذلك؟ فإذا بينا جميع ما ذكرناه، في هذين القسمين، فقد أتينا على جملة التصريف.
__________
1 م: فتقول.
2 م: فتقدر.
3 ف: يبين.
4 م: الحركة والحرف.
(1/34)

باب تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله:
اعلم أن التصريف لا يدخل في أربعة أشياء. وهي: الأسماء الأعجمية [التي عجمتها شخصية] 1، كـ"إسماعيل" ونحوه؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة. والأصوات كـ"غاق"2 ونحوه؛ لأنها حكاية ما يصوت به، وليس لها أصل معلوم، والحروف. وما3 شُبِّه بها من الأسماء المتوغلة في البناء، نحو "من" و"ما"؛ لأنها لافتقارها بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها. فكما أن جزء الكلمة، الذي هو حرف الهجاء، لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته.
وقد جاء بعض [الكلمات] 4 المبنية مشتقًا، نحو "قَطُّ"؛ لأنها من "قططتُ" أي: قطعت؛ لأن قولك: "ما فعلته قط" معناه: "فيما انقطع من عمري. وكذلك "ذا" و"ذي" و"الذي" ونحو ذلك، مما يدخله التحقير5، ويستعمل استعمال المتصرف، وليس ذلك بالكثير، وكلما كان الاسم من شبه الحرف أقرب كان من التصريف أبعد.
ومما يدلك [3ب] ، على أن الحرف لا يدخله تصريف، وجود "ما" و"لا" ونحوهما من الحروف؛ ألا ترى أن الألف لا تكون فيهما منقلبة، كالألف التي في عصا ورحى؟ لأنها لو كان أصلها واوًا أو ياء6 لظهرتا؛ لسكونهما، كما ظهرتا في نحو: كي وأي ولو. فلو كان أصل ألف "ما" واوًا7 لقلت "مَوْ" كـ"لو". ولو كان ياء لقلت "مَيْ" كـ"كي"؛ لأن حرف8 العلة إنما كان يقلب، لو كان متحركًا وقبله مفتوح.
__________
1 من م.
2 غاق: حكاية صوت الغراب.
3 وهذا هو القسم الرابع مما لا يدخله التصريف.
4 تتمة يقتضيها السياق. ووصف "قط" بالاشتقاق هو تعبير لغوي لا صرفي؛ لأن "قط" ليس من المشتقات.
5 أي: التصغير.
6 م: ياء أو واوًا.
7 زاد في م: أو ياء.
8 م: حروف.
(1/35)

فإن قيل: فهلا قُدرت الألف، في "ما" وأشباهها، منقلبة من حرف علة متحرك. فالجواب أن ذلك لا يمكن تقديره؛ لأن "ما" حرف مبني، والحروف لا تُبنى إلا على السكون، ولا يحرك آخرها إلا عند التقاء الساكنين نحو "ثم"، أو إذا كان على حرف واحد نحو واو العطف وفائه، وليس شيء من ذلك في "ما". ولا يمكن أن تكون "1" الألف في "ما" وأمثالها زائدة؛ لأنه إنما تعرف الزيادة من غيرها، بالاشتقاق والتصريف وسائر الأدلة التي تذكر بعد2 -إن شاء الله- ولا يوجد شيء من ذلك في الحرف.
وما عدا ما ذكر، من الأسماء العربية والأفعال، يدخله التصريف.
__________
1 م: يكون.
2 انظر القسم الأول من التصريف.
(1/36)

ذكر القسم الأول من التصريف:
باب: تبيين الحروف الزوائد والأدلة التي يتوصل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها
وإنما بدأنا بهذا القسم؛ لأن يبنى عليه معرفة التصغير والتكسير اللذين جرت عادة النحويين بذكرهما، قبل الخوض في علم التصريف، ومعرفة كثير من الأسماء التي لا تنصرف أيضًا، نحو الأسماء التي امتنع صرفها؛ لكونها على وزن الفعل الغالب أو المختص، أو لزيادة الألف والنون في آخرها؛ إذ لا يوصل إلى معرفة الزيادة والوزن إلا من علم التصريف.
أما الأدلة التي يعرف بها الزائد من الأصلي فهي1: الاشتقاق،2 والتصريف، والكثرة، واللزوم، ولزوم حرف الزيادة البناء وكون الزيادة لمعنى، والنظير، والخروج عن النظير، والدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير.
أما الاشتقاق منها فينقسم إلى قسمين: اشتقاق أصغر، واشتقاق أكبر.
أما الاشتقاق الأكبر هو عقد تقاليب الكلمة كلها على المعنى واحد، نحو ما ذهب إليه [أبو الفتح] 3 بن جني من عقد تقاليب
"القَول"4 الستة على منى الخِفَّة5. ولم يقل به أحد من النحويين إلا أبا الفتح. وحكى هو عن أبي علي6 أنه كان يأنس به في بعض الأماكن7. والصحيح أن هذا النحو من الاشتقاق غير مأخوذ به؛ لعدم اطراده، ولما يلحق فيه من التكلف لمن8 رامه.
__________
1 م: "هي". وانظر شرح الشافية 2: 333، 363.
2 علق عليه أبو حيان في حاشية ف، بذكر مذاهب العلماء في الاشتقاق، ملخصة من كتاب "اشتقاق أسماء الله الحسنى"، لأبي القاسم الزجاجي. وانظر ص262، 263 من ابن عصفور والتصريف.
3 من م. وهو عثمان بن جني الموصلي النحوي اللغوي، صحب الفارسي أربعين سنة، وتوفي سنة 392. معجم الأدباء 12: 83.
4 م: قول.
5 في حاشية ف أن ذلك هو الخفة والسرعة. وانظر 1: 5، 13.
6 وهو أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد النحوي. توفي سنة 377. تاريخ بغداد 7: 276. وهو شيخ ابن جني.
7 الخصائص 1: 11، 12.
8 كذا، بزيادة لام التقوية قبل المفعول به.
(1/39)

وقد صرح صاحب هذا 1 المذهب –وهو أبو الفتح بن جني2- بعدم اطراد هذا القسم3 من الاشتقاق، فقال4: "على أن هذا، وإن لم يطرد وينقَد في كل أصل، فالعذر فيه على كل حال5 أبين منه في الأصل الواحد، من غير تقليب لشيء من حروفه. فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد، من أن تنظمه6 قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله عينه وفاؤه7 ولامه أسهل، والمعذرة فيه أوضح". انتهى8.
بل قد كان أبو بكر 9 وغيره، ممن هو في طبقته، قد استسرفوا10 أبا إسحاق11 –رحمه الله- فيما تجشمه من قوة حشده، وضمه ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله، وإن كان جميع ذلك راجعًا إلى تركيب واحد. ورأوا أنه لا ينبغي أن يضم من ذلك إِلَّا ما كان الجمع بينه وبين أصله واضحًا جدًّا. فإن لم يكن وجه رجوع اللفظ إلى غيره بيِّنًا، بل التكلف فيه بادٍ، [وجب أن يدَّعى أنهما أصلان، وليس أحدهما مأخوذًا من الآخر] 12 نحو الجمع بين حمار وحُمرة، بأن يُدَّعى أن أصل هذا الاسم أن يقع على الوحشية منها، وأكثرها حُمر، ثم شبهت الأهلية بها، فوقع عليها الاسم. فإذا كان الأمر عندهم على ما ذكرت لك، مع اتفاق اللفظين في تركيب واحد، فما ظنك [4أ] بهما، إذا تغايرا في التركيب؟
والاشتقاق الأصغر حده أكثر النحويين بأنه 13 "إنشاء فرع من أصل يدل عليه". نحو أحمر فإنه مُنشأ من الحمرة، وهي أصل له وفيه دلالة عليها. وهذا الحد ليس بعام للاشتقاق الأصغر؛ لأنه قد يقال: "هذا اللفظ مشتق من هذا"، من غير أن يكون أحدهما مُنشأ من الآخر. وذلك إذا
__________
1 سقط من م.
2 سقط من م.
3 سقط من م.
4 الخصائص: 1: 12.
5 الخصائص: فالعذر على كل حال فيه.
6 م: يضمه.
7 الخصائص: فاؤه وعينه.
8 م: انتهاء.
9 هو محمد بن سهل المعروف بابن السراج، أحد العلماء المذكورين بالأدب وعلم العربية. توفي سنة 316.
نزهة الألباء ص 312. وانظر الخصائص 1: 12.
10 ف: "استرفوا". وقد صوبت في الحاشية نقلًا عن خط الخفاف. وفي الحاشية أيضًا بقلم آخر: "استَركّوا" مفسرًا بما يلي: عدّه ركيكًا.
11 وهو إبراهيم بن السري الزجاج شيخ أبي علي الفارسي. توفي سنة 311. البلغة ص5.
12 من م.
13 فوقها في ف: الاشتقاق صوغ تركيب من مادة، يدل عليها بزيادة.
(1/40)

كان تركيب الكلمتين واحدًا، ومعنياهما متقاربين 1.
وذلك نحو ما ذهب إليه أبو علي في "أولَق"، في أحد الوجهين، من أنه مأخوذ2 من: وَلَقَ يَلِقُ، إذا أسرع؛ وذلك لأنَّ الأولَق3: الجنون. وهي مما يوصف4 بالسرعة. فلما كانت حروف أولَق، إذا جعلتَه "أفعَل" و"وَلَقَ" واحدة، ومعنياهما متقاربين؛ لأنَّ الجنون ليست السرعةَ في الحقيقة، بل يقرب معناها من معنى السرعة، جعل الأولق مشتقًّا من "وَلَقَ"، لا بمعنى أن الأولق مأخوذ من "وَلَقَ". بل يريد أن الأولق حروفه الأصول الواو واللام والقاف، كما أن "وَلَق" كذلك.
ويستدل على ذلك بأن العرب جعلت هذه الأحرف دالةً على السرعة، و "الأولق" قريب في المعنى من السرعة، فحروفه الأصول الواو واللام والقاف، وهمزته زائدة. فيجعل سبب اتفاق الأولق و"وَلَقَ" في اللفظ تقاربهما من المعنى؛ لأنَّ هذا الاتفاق بين اللفظين وقع بالعرَض، كاتفاق الأسود والأبيض في لفظ الجَون، إذ لا جامع من طريق المعنى بين الجون الذي يراد به الأبيض، والجون الذي يراد به الأسود.
فإن قيل: فكيف5 يجوز أن تقول: "هذا اللفظ مشتق من هذا اللفظ"، وأحدهما ليس بمأخوذ من الآخر، وقولك: "مشتق" يعطي أخذَ أحدهما من صاحبه؟ فالجواب أن هذا على طريق المجاز، كأنهما لاتحاد لفظيهما وتقارب معنييهما قد أُخذ أحدهما من الآخر، كما تقول في الشخصين المتشابهين: "هذا أخو هذا" تشبيهًا لهما بالأخوينِ.
ولما خفي هذا الوجه من الاشتقاق على بعضهم، رد قول من زعم أن اسم "الله"_تعالى_ مشتق من الوَله أو من غير ذلك؛ لأنَّ "الله" هذا اللفظ قديم؛ لأنَّ أسماء الله –تعالى- قديمة، والوله لفظ محدَث، والمشتق منه قبل المشتق، فيلزم على هذا أن يكون المحدث قبل القديم. وذلك خَلْفٌ6. ولو علم أنه قد يقال: "هذا اللفظ مشتق من هذا"، وإن لم يكن مأخوذًا منه كما قدمنا لم ينكر ذلك.
والحد الجامع لهذا الضَّرب، من الاشتقاق –أعني الأصغر- هو "عقد تصاريف تركيب،
__________
1 م: متقاربان.
2 انظر الخصائص 1: 8، 9 حيث نسب ابن جني هذا المذهب إلى الزجاج. وانظر ص 158.
3 م: الولق.
4 م: مما توصف.
5 م: كيف.
6 الخلف: الرديء الفاسد.
(1/41)

من تراكيب الكلمة، على معنًى واحدٍ، [أو معنيين متقاربين] 1". وذلك نحو ردِّك ضاربًا وضرّابًا وضروبًا ومضرابًا وأمثال ذلك إلى معنًى واحد. وهو: الضَّرب. إِلَّا أن أكثر الاشتقاق ومعظمه داخل تحت ما حدّه النحويون به، من أنه "إنشاء فرع من أصل يدل عليه".
وأمَّا "المشتق" فيقال للفرع الذي صِيغ من الأصل؛ لأنك تطلب معنى الأصل في الفرع. فكأنك تشتق الفرع، لتُخرج منه الأصل، وكأن الأصل مدفون فيه. و"المشتق منه" هو الأصل.
فإن قيل: فكيف2 يصح أن يقال في الفرع: "إنه مشتق من الأصل"، أي مأخوذ منه، والأصل لا ينفصل منه الفرع؟ فالجواب3 أن ذاك يصح على جهة الاستعارة والمجاز. وذلك أنه لما كان لفظ الفرع مبنينًا من حروف الأصل، وكان معنى الأصل موجودًا فيه، صار لذلك كأنه جزء من الأصل، وإن كان الأصل لم يَنقُص منه شيء.
فإن قيل: إذا كانت البِنيَتان متحدتين في الأصول والمعنى، فبأي شيء يعلم الأصل من الفرع؟ فالجواب أن الأصل يستخرج4 بشيئين: باعتبار دوره في اللفظ والمعنى، وبأنه ليس هنالك ما هو به أولى. والوجوه [4ب] التي يكون بسببها أولى تسعة:
أولها: أن يطرد معنيان، أحدهما أمكن من الآخر؛ لكثرة ما يشتق منه كالمصدر. وذلك كالسَّفاء5، فإنه مأخوذ من السَّفى6.
والثاني: بأن يكون أحد المطَّرِدَينِ أشرف من الآخر. فإن الاشتقاق من الأشرف أولى، عند بعضهم، كـ"مالِكٍ" قيل: إنه من معنى القدرة. وقيل: إنه من معنى الشد والربط. والثاني قول ابن السَّرَّاج، والأول قول أبي بكر أحمد بن علي ابن الإخشيد7. فسئل: لم جعلته من معنى القدرة دون معنى الشد والربط؟ فقال: لأنَّ الله -تعالى- اشتق اسمه منه في صفات، فقيل: مالِك ومَلِك ومَلِيك.
والثالث: كون أحد المطردين أبينَ وأظهر، فيكون الأخذ منه لذلك أولى؛ لأنَّ الأظهر طريق
__________
1 من م. وانظر ما ذكره قبلُ في مسألة أولق. وتعليقنا عليه يرد في بعض ما يعرضه هنا.
2 ف: كيف.
3 زاد في م: عن.
4 يبدأ ههنا في م خط مغاير، وينتهي عند قوله: "صاحب الزيادة أولى لأنَّ معنى"، حيث يظهر الخرم في هذه النسخة.
5 في ف بكسر السين. وقال ابن الأعرابي: "السفاء من السفى كالشقاء من الشقا". والسفاء: انقطاع لبن الناقة. والسفى: السفه والحمق.
6 م: الصفى.
7 وهو من رؤساء المعتزلة وزهادهم. انظر لسان الميزان 1: 231. م: الأخشيين.
(1/42)

إلى الأغمض، والأبينَ طريق إلى الأخفى، كالإقبال والقَبَل.
والرابع: كون أحدهما أخصَّ من الآخر. فالأخص أولى من الأعم الذي هو له ولغيره، كالفضل والفضيلة. لو قال قائل: أصله الزيادة، وقال آخر: أصله المِدحة، كان قول صاحب الزيادة أولى؛ لأنَّ معنى1 المدحة في أشياء كثيرة هي أعم من الزيادة؛ ألا ترى أن معنى المدحة في العلم والقدرة والنعمة والنَّصَفَة، وفيما لا يحصى كثرةً من الأفعال الحسنة؟
والخامس: أن يكون أحدهما أحسن تصرفًا، فتجد رده إليه سهلًا قريبًا وبينًا واضحًا، كباب المعارضة والاعتراض والتعريض والعارض والعِرض. ردُّه كله إلى معنى "العَرْض" –وهو الظهور- من قولك: "عَرَضَ عَرْضًا" إذا ظهر، أولى من رده إلى العُرْض: الناحية من نواحي الشيء، وإن كان أبو إسحاق قد رده إلى الناحية، لما رآها تطّرد في الباب كله، ولم يراعِ باب الأحسن في المطّردينِ.
والسادس: كون أحدهما أقرب من الآخر2، فيكون الأقرب أولى من الأبعد. وذلك أن الأبعد يرجع الفرع إليه بكثرة وسائط، والأقرب يرجع إليه بقلة وسائط. وكذلك ردك إلى الأصل الواجد قد يكون من طرق مختلفة، أحدهما أقرب من الآخر، فيكون الرد بالطريق الأقرب أولى. كردك العُقار3 إلى العَقْر، من جهة أنها تَعقِر الفهم، فإنه أحسن من ردها إليه، من جهة أن الشارب لها يَسكر، فيُفسد ويعقِر. فالأول أقرب.
والسابع: أن يكون أحدهما أليق وأشد ملاءمة. وذلك كالهداية هي أليق بالدلالة، منها بمعنى "التقدم" من قولك "هوادي الوحشِ" لمتقدماتها.
والثامن: أن يكون أحدهما مطلقًا والآخر مضمنًا. وذلك كالقرب والمقاربة. فالقرب أولى من المقاربة؛ لأنَّ المقاربة مضمنة، والقرب مطلَق.
والتاسع: أن يكون أحدهما جوهرًا والآخر عرَضًا، فيكون الرد إلى الجوهر أولى من الرد إلى العرض، إذ كان الجوهر أسبق إلى النفس في التقديم، كقولهم: "استحجَرَ الطينُ" مأخوذ من الحجر، و"استنوَق الجمل" و"استَتْيَسَتْ الشاة" و"ترجلتِ المرأة"4.
فهذه جملة الوجوه التي يكون بسببها أولى.
__________
1 سقط من م حتى قوله: "أو في حكم الجاربة وفي" ص44.
2 أي: أقرب إلى الفرع من الآخر. ف: إلى الآخر.
3 العقار: الخمرة.
4 يعني أن الاشتقاق من الناقة والتيس والرجل. وعندي أن الاشتقاق هنا من المصادر التي صيغت من هذه الاسماء الأعيان. وهي: الاستحجار والاستنواق والاستتياس والترجل؛ وذلك لأنَّ أصل الاشتقاق من المصدر. انظر تصريف الأسماء والأفعال ص128.
(1/43)

وينبغي أن تعلم أن قولنا: "هذا اللفظ أولى بأن يكون أصلًا من هذا الآخر"، في جميع ما تقدم، إنما نعني بذلك إذا استويا في كل شيء، إِلَّا في تلك الرتبة التي فضل بها. فأمَّا إذا عرضت عوارض توجب تغليب غيره عليه، فالحكم للأغلب.
واعلم أن الاشتقاق لا يدخل في سبعة أشياءَ، وهي الأربعة التي ذكرنا1 لا يدخلها تصريف، وثلاثة من غيرها. وهي: الأسماء النادرة كـ"طُوبالة"2، فإنها لندورها لا يحفظ لها ما ترجع إليه. واللغات المتداخلة، نحو الجَوْن للأسود والأبيض؛ للتناقض الذي بينهما لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر. والأسماء الخماسية؛ لامتناع تصرف الأفعال منها، فليس لها من أجل ذلك مصادر.
وأصل الاشتقاق وجُلُّه [5أ] إنما يكون من المصادر، وأصدق ما يكون: في الأفعال المزيدة؛ لأنها ترجع بقرب إلى غير المزيدة. وفي الصفات كلها؛ لأنها جارية على الأفعال، أو في حكم الجارية. وفي3 أسماء الزمان والمكان المأخوذة من لفظ الفعل، فإنها جارية عليه أيضًا، وفي الأسماء الأعلام؛ لأنها منقولة في الأكثر، وقد تكون مشتقة قبل النقل، فتبقى على ذلك بعد النقل.
وأصعب الاشتقاق وأدقه في أسماء الأجناس؛ لأنها أسماء أُوَلٌ أُوقِعت على مسمياتها4، من غير أن تكون منقولة من شيء. فإن وجد منها ما يمكن اشتقاقه حمل على أنه مشتق. إِلَّا أن ذلك قليل فيها جدًّا. بل الأكثر فيها أن تكون غير مشتقة، نحو تراب وحجر وماء، وغير ذلك من أسماء الأجناس.
فممَّا5 يمكن أن يكون منها مشتقًّا غراب، فإنه يمكن أن يكون مأخوذًا من الاغتراب؛ فإن العرب تتشاءم به، وتزعم أنه دال على الفراق. وكذلك جرادة، يمكن أن تكون مشتقة من الجَرْد؛ لأنَّ الجرد واقع منها كثيرًا. وقد روي أن النابغة نظر، فإذا على ثوبه جرادة، فقال "جرادةٌ تَجرُدُ6، وذات ألوان"7. فتطيَّر ورجع عن حاجته.
__________
1 في ص35.
2 في حاشية ف بخط مغاير: "الطوبالة: النعجة. ولا يقال للكبش: طوبال. قاله ج". يريد أن الجوهري قال ذلك. انظر الصَّحاح "طبل".
3 ينتهي ههنا الخرم في م، ليبدأ الخط المغاير ثانية فينتهي عند بيت جران العود.
4 م: مستمياتها.
5 م: فما.
6 م: تجريد.
7 في الحيوان 5: 447 أن النابغة أراد الغزو مع صهره زبّان بن سيّار، ورأى جرادة على ثوبه، فقال: جرادة تجرد، وذات لونين، غيري من خرج في هذا الوجه". فتطير ورجع عن الغزو. وانظر الحيوان 3: 447.
(1/44)

فأمَّا قول أبي حَيَّةَ النُّمَيري1:
وعاد لنا حلو الشباب ربيح ... وقالوا حمام قلت حُم لقاؤها
وقول جِرانِ العَود2:
فأمَّا العُقاب فهي يمنها عقوبة ... وأمَّا الغراب فالغريب المطوح
وقول3 سَوَّارِ بن المُضَرَّب4:
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني
وقول الشَّنفَرَى5:
فقال غراب لاغتراب من النوى ... وبالبان بينٌ من حبيب تعاشره
وقول الآخر6:
دعا صُرَدٌ يومًا على غصن شَوْحَطٍ ... فطار بذات البين مني غرابها
فقلت أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
فليس باشتقاق صحيح.
بل أُخذ "حُمَّ" من الحمام على جهة التفاؤل، 7والبينونة من البان، والاغتراب من الغَرب، والتصريد والشحط من الصُّرَد والشوحط، والعقوبة من العُقاب، على جهة التطير. وإِلَّا فهذه المعاني ليست بموجودة في هذه الأشياء، كما أن الاغتراب موجود في غراب، والجرد في جرادة.
__________
1 من قصيدة له. زهر الآداب 2: 167، 168 والحيوان 3: 445، 446. وحم: قضى وقرب. وعاد: رجع. والربيح: ما فيه ربح كثير، خبر لمبتدأ محذوف.
2 ديوانه ص3 والحيوان 3: 441. والمطوح: البعيد.
3 م: وقال.
4 قبله في الحيوان 3: 440:
تغني الطائران ببينِ ليلى ... على غصنين من غَرَبٍ وبانِ
وينسب الشعر أيضًا إلى المعلوط وجحدر العكلي. انظر عيون الأخبار 1: 149 والكامل ص126 ونثار الأزهار ص75. والغرب والبان: نوعان من الشجر. وبانت فارقت.
5 من أبيات تنسب إلى كُثير عزة وإلى شاعر سهميّ. وقبله:
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره
فقلت ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي للنهديّ هل أنت زاجره
ديوان كثير 1: 192، 195 وعيون الأخبار 1: 147، 148 والحيوان 3: 441 وزهر الآداب 2: 169 والمحاسن والمساوئ 2: 15، 16 والمستطرف 2: 169. والنوى: الفراق.
6 زهر الآداب 2: 168 والحيوان 3: 437. وسقط البيت الثاني من م. والصرد: طائر. والشوحط: شجر. والتصريد: القطيعة. والشحط: البعد.
7 م: التفوّل.
(1/45)

ومما يبين لك أن العرب قد توقع على الشيء لفظ غيره، إذا كان بينهما مناسبة من طريق ما، وإن لم يتحد المعنى كما ذكرنا في مسألة "أولق"1، قول بعض الفصحاء2:
شهدت بأن التمر بالزبد طيب ... وأن الحبارى خالة الكروان
فجعل الحبارى خالة الكروان، لما كان اللون، وعمود الصورة فيهما واحدًا، ورأى ذلك قَرابة، وإن كان الحبارى أعظم بدنًا من الكروان.
ومنه قول عمرو بن معد يكرب3:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إِلَّا الفرقدان
فجعل الفرقدين أخوين، تشبيهًا لهما بالأخوين؛ لتلازمهما. ومنه قول أبي النجم
فظل يوفي الأكمَ ابنُ خالها
فجعل الوحشي ابن خال الأكم؛ لملازمته لها، وقال عليه السلام4: "نعم العمة لكم النخلة" فجعلها عمة للناس، حين كان بينها وبينهم تشابه من وجوه.
وإنما بسطت القول في الاشتقاق؛ لغموضه، وكثرة المنفعة به في علمه، لما فيه من الاختصار والتقريب، والفهم والحفظ:
أمَّا الاختصار فلأنه يُجتزأ فيه بجزء من الكلمة، ولولا مكانها لاحتيج إلى كلام كثير؛ ألا ترى كيف تدل بالتاء من "تَفعلُ" على معنى المخاطبة والاستقبال، وبالياء في "يَفعل" على الغَيبة والاستقبال؟ ولو جُعل لكل معنى لفظٌ يبين به لانتشر الكلام. ولما فيه من الاختصار عد من أكبر آلات البيان.
وأمَّا الفهم فلِما فيه من المناسبة، والاقتضاء بالمشاكلة. وأمَّا الحفظ فسببه ما ذكرناه من الاختصار. قال أبو بكر: من الفائدة [5ب] في الاشتقاق أنه ربما سمع العالم الكلمة، لا يعرفها من جهة صيغتها، فيطلب لها مخرجًا منه، فكيثرًا ما يظفر. وعلى هذا أكثر العلماء في تفسير الأشعار، وكلام العرب في الأمثال والأخبار.
وأمَّا التصريف فتغيير صيغة الكلمة إلى صيغة أخرى، نحو بنائك من "ضَرْب" مثل جعفر
__________
1 انظر ص 41.
2 الحيوان 6: 272 ومحاضرات الأدباء 2: 299. والحبارى والكروان: طائران.
3 انظر تخريجه في شرح اختيارات المفضل للتبريزي ص1599.
4 في النهاية واللسان "عمم": "أكرموا عمتكم النخلة". وقال فيه السخاوي والسيوطي: لا أصل له. انظر كتاب تحذير المسلمين ص 64.
(1/46)

فتقول "ضرْبب"، ومثل قِمَطْر فتقول "ضِرْبٌ"، ومثل درهم فتقول "ضِرْبَبٌ"، ونحو1 تغيير التصغير والتكسير، وأشباه ذلك مما تصرف فيه الكلمة على وجوه كثيرة. وهو شبه الاشتقاق، إِلَّا أن الفرق بينهما أن الاشتقاق مختص بما فعلت العرب من ذلك، والتصريف عام لما فعلته2 العرب، ولما نحدثه نحن بالقياس. فكل اشتقاق تصريف، وليس كل تصريف اشتقاقًا. ومما يدل على أن الاشتقاق تصريف3 قول رؤبة، يصف امرأة بكثرة الخصومة4:
تشتق في الباطل منها الممتذق
فإن قيل: ما نحدثه لا دليل فيه على معرفة زائد من أصلي، وإنما الدليل فيما فعلت العرب من ذلك، والذي فعلته العرب من ذلك قد زعمت أنه يسمى اشتقاقًا، فلأي شيء عددتَ، فيما يعرف به الزائد من الأصلي الاشتقاقَ والتصريف؟ وهلّا اكتفيت بأحدهما عن الآخر. فالجواب أنه إذا كان الاستدلال على الزيادة أو الأصالة، برد الفرع إلى أصله، سمي ذلك اشتقاقًا. وإذا كان الاستدلال عليهما بالفرع سمي ذلك تصريفًا.
فمثال الاستدلال، برد الفرع إلى الأصل، استدلالنا على زيادة همزة أحمر مثلًا، بأنه مأخوذ من الحمرة. فالحمرة هي الأصل الذي5 أخذ منه أحمر. فهذا وأمثاله اشتقاقًا؛ لأنَّ المستدل على زيادة همزته -وهو أحمر- مأخوذ من "الحمرة".
ومثال الاستدلال، على الزيادة بالفرع، استدلالنا على زيادة ياء أيصَرٍ6، بقولهم في جمعه: "إصارٌ" بحذف الياء وإثبات الهمزة. فـ"إصار" فرع عن أيصر لأنه جمعه. فهذا وأمثاله يسمى تصريفًا؛ لأنَّ المستدل على زيادة يائه -وهو أيصر- ليس بمشتق من إصار، بل إصار تصريف من تصاريفه الدالة على زيادة يائه.
واعلم أنه لا يدخل التصريف ولا الاشتقاق في الأصول المختلفة، نحو لأّال7 ولؤلؤ؛ لا ينبغي أن يقال: "إن أحدهما من الآخر"؛ لأنَّ لأّإِلًا من تركيب "لءل" ولؤلؤًا من تركيب "لءلء". فلأّال ثلاثيّ الأصول ولؤلؤ رباعيّ.
__________
1 م: وهو.
2 م: فعلت.
3 م: تصرف.
4 ديوان رؤبة ص107 والمنصف: 1: 4 وأراجيز العرب ص33. والممتذق: المخلوط. يقول: تخلط حقًّا بباطل.
5 م: التي.
6 م: "استدلالنا على ياء أيصر أنها زائدة". وفي حاشية ف: "الجوهري: الإصار والأيصر: حبل قصير يشد به في أسفل الخباء إلى وتد، وجمع الإصار أُصر، وجمع الأيصر أياصر. والإصار والأيصر أيضًا: الحشيش. يقال لفلان مَحشٌّ لا يجز أيصره، أي: لا يقطع". انظر الصحاح "أصر".
7 اللأّال: بائع اللؤلؤ.
(1/47)

وأمَّا الكثرة فأن يكون الحرف، في موضع ما، قد كثر وجوده زائدًا، فيما عرف له اشتقاق أو تصريف، ويقل وجوده أصليًّا فيه، فينبغي أن يجعل زائدًا فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف، حملًا على الأكثر. وذلك نحو الهمزة، إذا وقعت أولًا وبعدها ثلاثة أحرف، فإنها زائدة فيما عرف اشتقاقه، نحو أصفر وأحمر، إِلَّا ألفاظًا يسيرة فإن الهمزة فيها أصلية. وهي: أرطًى1 في لغة من يقول: أديم مأروط، وأيطَلٌ2 لأنهم يقولون في معناه: إِطَلٌ، وأيصر وأولق وإمعة على ما نبين بعد3. فإذا جاءت الهمزة فيما لا اشتقاق له ولا تصريف، نحو أفكَلٍ4، وجب حملها على الزيادة وإِلَّا يلتفت إلى أرطًى وأخواته؛ لقلتها وكثرة مثل أحمر.
وأمَّا للزوم فأن يكون الحرف، في موضع ما، قد لزم الزيادة في كل ما عرف له اشتقاق أو تصريف. فإذا جاء ذلك الحرف في ذلك الموضع فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف جعل زائدًا، حملًا على ما ثبتت زيادته بالتصريف أو الاشتقاق. وذلك نحو النون، إذا وقعت ثالثة ساكنة وبعدها حرفان، ولم تكن مدغمة [6أ] فيما بعدها نحو عَجَنَّس5، فإنها أبدًا زائدة فيما عرف له اشتقاق أو تصريف6. نحو جَحَنْفَل7 فإنه من الجحفلة8، وحَبَنْطَى9 لأنك تقول: حَبِطَ بطنُه10، ودَلَنْظًى وهو الشديد الدفع. تقول: دَلَظَه بمنكبه، إذا دفعه.
وكذلك وُجدت في كل ما عرف اشتقاقه. فإذا جاءت في مثل عَبَنْقَس11، مما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف، حمل على ما عرف اشتقاقه أو تصريفه، فجُعلت نونه زائدة.
وأمَّا لزوم حرف الزيادةِ البناءَ فنحو حِنْطأْو12 وكِنثأْو13، وسِنْدأْو14، وزنها "فِنْعَلْوٌ" والنون
__________
1 الأرطى: ضرب من الشجر يدبغ به.
2 الأيطل: الخاصرة.
3 في الورقة 22.
4 في حاشية ف: الأفكل: الرعدة.
5 سقط "نحو عجنس" من م. وفي حاشية ف: الجوهري: العجنس الجمل الضخم.
6 م: عرف اشتقاقه أو تصريفه.
7 الجحنفل: الغليظ الشفة.
8 الجحفلة: الشفة للخيل والحمير والبغال.
9 الحبنطى: الممتلئ غيظًا.
10 حبط بطنه: انتفخ.
11 العبنقس: السيئ الخلق. وفي حاشية ف عن الجوهري: العفنقس بالفاء والقاف: العسِر الأخلاق. انظر الصحاح "عفقس".
12 الحنطأو: الوافر اللحية.
13 الكنثأو: الوافر اللحية م: الكنشأو.
14 السندأو: الحديد الشديد.
(1/48)

زائدة، إذ لو كانت أصلية لجاء في موضعها حرف من الحروف التي لا تحتمل الزيادة، نحو "سِِرْدأو" مثلاً. فعدم مثل ذلك من كلامهم، ولزوم هذا البناء حرف من حروف الزيادة، دليل على أن ذلك الحرف زائد1.
فإن قلت2: فاحكمْ على الهمزة بالزيادة فإنها [من أحرف الزيادة. قيل: هذا فاسد؛ لأنه] قد حكي عِنْزَهْوٌ، فلم تلزم، ولأنك لو [حذفت الهمزة] والنون والواو لبقي الاسم على حرفين.
وأمَّا كون الزيادة لمعنى فنحوُ حروف المضارعة، وياء التصغير، وأمثال ذلك. فإنه بمجرد وجود الحرف، يعطي معنى، ينبغي أن يجعل زائدًا؛ لأنه لم يوجد قط حرف أصلي في الكلمة يعطي معنى. على أن هذا الدليل قد يمكن أن يستغنى عنه بالاشتقاق والتصريف؛ إذ ما من كلمة فيها حرف معنى إِلَّا ولها اشتقاق أو تصريف، يُعلم به حروفها الأصول من غيرها. لكن مع ذلك قد يعلم3 كون الحرف زائدًا، بكونه لمعنى، من غير نظر إلى اشتقاقه وتصريفه، فلذلك أوردناه في الأدلة الموصلة إلى معرفة الزيادة من غيرها.
وأمَّا النظير فأن يكون في اللفظ حرف، لا يمكن حمله إِلَّا على أنه زائد، ثم يسمع في ذلك اللفظ لغة أخرى، يحتمل ذلك الحرف فيها أن يحمل على الأصالة وعلى الزيادة، فيُقضى عليه بالزيادة؛ لثبوت زيادته في اللغة الأخرى التي هي نظيرة هذه.
وذلك نحو تتفُلٌ4، فإن فيه لغتين5: فتحَ التاء الأولى وضم الفاء، وضمها مع الفاء. فمن فتح التاء فلا يمكن أن تكون عنده إِلَّا زائدة؛ إذ لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة "فَعْلُلًا"، بضم اللام الأولى، ولم يرد مثل ذلك في كلامهم. ومن ضم التاء أمكن أن تكون عنده أصلية، لأنه قد وجد في كلامهم مثل "فُعْلُل"، بضم الفاء واللام، نحو بُرْثُن6. إِلَّا أنه لا يُقضى عليها إِلَّا بالزيادة؛ لثبوت زيادتها في لغة من فتح التاء.
__________
1 وانظر ص63 و118.
2 سقطت الفقرة من م، وهي في حاشية ف بخط أبي حيان.
3 م: تعلم.
4 التتفل: ولد الثعلب.
5 في حاشية ف: "قال ابن القطّاع في أبنيته: وعلى تَفْعُل نحو تتفل لولد الثعلب وتنضب لشجر. وعلى تُفعُل نحو تتفل. وعلى تِفْعِل نحو تتفل، ونفرج للجبان. وعلى تَفعَل نحو تتفل، وتألب لعود تُعمل منه القسيّ، وعلى تَفعِل نحو تتفل. وعلى تُفعَل نحو تتفل ... ". وانظر ص60.
6 البرثن: مخلب الأسد.
(1/49)

وأمَّا الخروج عن النظير فأن يكون الحرف إن قدِّر زائدًا كان للكلمة التي يكون فيها نظير، وإن قدر أصلًا لم يكن لها نظير، أو بالعكس، فإنه -إذ ذاك- ينبغي أن يحمل على ما لا يؤدي إلى خروجها عن النظير، وذلك نحو غِزْويت1، فإنا إن جعلنا تاءه أصلية كان وزنه "فِعْوِيلًا"، وليس في كلام العرب "فِعويل"، فيكون غزويت مثله. وإن جعلناها زائدة كان وزنه "فِعْلِيْتًا"، وهو موجود في كلامهم، نحو عفريت، فقضينا من أجل ذلك على زيادة التاء.
وأمَّا الدخول في أوسع البابين، عند لزوم الخروج عن النظير، فأن يكون في اللفظ حرف واحد من حروف الزيادة، إن جعلته زائدا أو أصليًّا خرجت إلى بناء لم يثبت في كلامهم، فينبغي أن يحمل ما جاء من هذا على أن ذلك الحرف فيه زائد؛ لأنَّ أبنية الأصول قليلة، وأبنية المزيد كثيرة منتشرة، فحمله على الباب الأوسع2 أولى، وذلك نحو كَنَهْبُل3؛ ألا ترى أنك إن جعلت نونه أصلية كان وزنه "فَعَلُّلًا"، وليس ذلك من أبنية كلامهم. وإن جعلتها زائدة كان وزنه "فَنَعْلُلًا"، ولم يتقرر أيضًا ذلك في أبنية كلامهم بدليل قاطع من اشتقاق أو تصريف، ولكن4 حمله على أنه "فَنَعْلُلٌ"5 أولى لما ذكرنا.
فهذه جملة الأدلة الموصلة إلى معرفة الزائد من الأصلي. ولما كان النظير والخروج عنه لا يعلمان إِلَّا بعد معرفة [6ب] أبنية الأسماء والأفعال وضعت من أجل ذلك بابين، حصرت في أحدهما أبنية الأسماء، وفي الآخر أبنية الأفعال.
__________
1 الغزويت بالعين والغين المعجمة: القصير والداهية. وفي حاشية ف تفسير لذلك عن أبي عمرو وابن القطاع.
2 م: الواسع.
3 الكنهبل: شجر عظام.
4 م: لأن.
5 م: فَنَعلَل.
(1/50)

باب: أبنية الأسماء
[الثلاثي المجرد] :
أبنية الأسماء1 الأصولِ أقل ما تكون ثلاثة، وأكثر ما تكون خمسة. ولا يوجد اسم متمكن، على أقل من ثلاثة أحرف، إلا أن يكون منقوصًا، نحو: يد ودم وبابهما.
فأمَّا الثلاثي من الأصول فيتصور فيه اثنا عشر بناء؛ وذلك أنه يتصور في الفاء أن تكون مفتوحة ومضمومة ومكسورة. ويتصور -مع تحريكها بالفتح- في العين أربعة أوجه: أن تكون مفتوحة ومضمومة2 ومكسورة وساكنة. وكذلك مع تحريكها بالضم والكسر. إِلَّا أنه أهمل منها بناءان –وهما "فُعِلٌ" و"فِعُلٌ"؛ لكراهية الخروج من ضم إلى كسر، أو من كسر إلى ضم.
فأمَّا دُئِلٌ3 ورُئِمٌ4 فلا حجة فيهما، لاحتمال أن يكونا منقولين من "دُئِلَ" و"رُئِمَ" اللذين هما فعلأنَّ مبنيان للمفعول إلى الأسماء؛ لأنه يقال: دَأَلَ5 ورَئِمَ6. فإذا بُنيا للمفعول قيل: دُئِلَ ورُئِمَ. وقد ينقل الفعل إلى الاسم في حال التنكير؛ ألا ترى أنهم قالوا: اليَنْجَلِبُ، للخَرَز الذي يُجلَب الإنسان به إلى أمر7؟ فيكون دُئِلٌ ورُئِمٌ8 من هذا القبيل، فلم يبق للثلاثي من الأصول إِلَّا عشرة أبنية:
فَعْلٌ: ويكون في الاسم والصفة. فالاسم نحو: صقْر وفهْد. والصفة نحو: ضخْم وصعْب9.
__________
1 سقط من م. وانظر في هذا الباب 2: 315، 342 من الكتاب و2: 4، 36 من المزهر.
2 م: بالفتح أن تكون العين مضمومة ومفتوحة.
3 الدئل: ابن آوي. وهو أيضًا اسم علم لجد من جدود أبي الأسود الدؤلي.
4 الرئم: الاست. وأثبت أبو حيان في حاشية ف: ذكر ابن مالك أن وُعَلًا لغة في وَعِل، وأن أكثر النحويين لا يعتدون بهذا البناء في الأسماء.
5 دأل: مشى مشيا فيه ضعف.
6 رئم: أحب وألف. وفي حاشية ف: "رئم" بفتح الهمزة وكسرها وفوقها: معًا.
7 م: في الخرزة التي يجلب بها الغائب. وكذلك في نسخة أخرى كما جاء في حاشية ف. وانظر ص 75.
8 سقط من م.
9: صعب وضخم.
(1/51)

وفُعْلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: بُرْد وقُرْط1. والصفة نحو: مُرّ وحلو وعُبْر2.
وفِعْلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عِكْم3 وجذع. والصفة نحو4: نِقْض ونضو.
وفَعَلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جمل وجبل. والصفة نحو: حَدَث وبطل.
وفَعِلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: كتف وكبد. والصفة نحو: حذِر ووجِع.
وفَعُلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: رجل وسَبُع. والصفة نحو: حَدُث5 وخلُط6.
وفُعَلٌ:7 ويكون فيهما. فالاسم نحو: صُرَد ونغر8. والصفة نحو: حُطَم ولُبَد9.
وفُعُلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: طُنُب وعنق. والصفة نحو: جُنُب وأُحُد.
فِعَلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: ضِلَع وعِوَض. والصفة: عِدًى10 وزِيَمٌ. ولم يجئ غيرهما11، قال الشاعر12:
إذا كنت في قومٍ عِدَىً لست منهم ... فكل ما عُلفت من خبيث وطيب
وقالوا13: منزل زِيَمٌ. قال14:
[باتت ثلاث ليال ثم واحدة ... بذي المجاز] تراعى منزلا زِيَمًا
أي: متفرق الأهل.
فأمَّا "سِوًى"، من قوله تعالى15: {مَكَانًا سُوًى} ، فهو اسم في الأصل للشيء المستوي وصف به، بدليل أنه لو كان صفة أصلية لتمكن في الوصفية، فكان يذكَّر مع المذكر، ويؤنث مع المؤنث، إذ حق الصفة أن تطابق الموصوف. ومما يدلك على أنها إذا لم تطابق موصوفها
__________
1 سقط من م.
2 العبر: الثكلى.
3 العكم: العدل.
4 النقض: المنقوض. والنضو: المهزول.
5 الحدث: الحسن الحديث.
6 الخلط: المخالط للأمور والعارف بها.
7 سقط البناء كله من م.
8 الصرد: ضرب من الغربان. والنغر: البلبل.
9 اللبد: المقيم لا يبرح منزله.
10 في حاشية ف: "لم يثبت سيبويه إِلَّا قومًا عدى". انظر الكتاب2: 315.
11 م: والصفة عدى ولم يجئ غيرها.
12 ينسب إلى زراقة بن سبيع. إصلاح المنطق ص99 والكامل ص271 والبيان والتبيين3: 250 والحيوان 3: 103 وشرح الحماسة للمرزوقي ص358 وللتبريزي 1: 336 والمخصص 12: 52 والحماسة البصرية2: 56 الصحاح واللسان والتاج "عدو" والاقتضاب ص379.
13 سقط القول والشاهد مع تفسيره من م.
14 النابغة الذبياني. اللسان "زيم" وديوانه ص109 يصف امرأة. وذو المجاز: سوق للعرب. وتراعي: ترقب.
15 الآية 58 من سورة طه.
(1/52)

جرت مجرى الأسماء، جمعُهم رَبْعة1: "رَبَعَات" بفتح العين2 كجفنات. والصفة المحضة3 لا يكون فيها4 إِلَّا إسكان العين. وأنت لا تقول إلا: بُقعة سِوًى. فدل ذلك على أنه ليس5 بصفة في الأصل.
وكذلك قوله عز وجل: {دِينًا قِيَمًا} 6 لا حجة فيه؛ لأنه مصدر في الأصل مقصور من "قيام". ولولا ذلك لكان "قِوَمًا" لأنه من ذوات الواو، ولا تقلب الواو ياء إذا كانت متحركة عينًا في مفرد لانكسار ما قبلها، إِلَّا بشرط أن يكون بعدها ألف وتكون في مصدر لفعل اعتلت عينه، نحو: قام قيامًا وعاذ عياذًا. فدل انقلاب الواو ياء، في "قِيَم"، على أنه مصدر في الأصل وُصف به، كما وصف بعد وزَوْر، وهما مصدران في الأصل.
وكذلك7 قولهم: سبيٌ طِيَبَةٌ8، وماء روى، وماء صِرًى9. لا حجة في شيء من ذلك على إثبات "فِعَلٍ" في الصفات؛ لأنَّ جميع ذلك لا يطابق موصوفه: أمَّا طِيَبَةٌ فإنه مؤنث اللفظ وهو تابع لمذكر، وأمَّا رِوًى وصِرًى فيوصف بهما الجميع والمفرد على صورة واحدة، فيقال: مياه صِرًى، ومياه رِوًى. وقد تقدم أن الصفة إذا كانت كذلك كانت محكومًا لها بحكم الأسماء.
وفِعِلٌ: ولم يجئ منه إِلَّا [7أ] "إِبِلٌ" خاصة، فيما زعم سيبويه10. وحكى غيره "أتان إِبِدٌ" للوحشية. فأمَّا "إِطِلٌ" فلا حجة فيه؛ لأنه المشهور فيه إِطْلٌ بسكون الطاء. فإِطِل يمكن أن يكون مما أُتبعت الطاء فيه11 الهمزة للضرورة؛ لأنه لا يُحفظ إِلَّا في الشعر، نحو قوله12:
له إطلا ظبي وساقا نعامة
وكذلك حِبِرة13، الأفصح والمشهور فيها إنما هو حِبْرَة، وحِبِرَة ضعيف. وكذلك بلز14 لا حجة فيه؛ لأنَّ الأشهر فيه بِلِزٌّ بالتشديد. فيمكن أن يكون بِلِزٌ مخففًا منه.
__________
1 الربعة: المتوسط القامة، يوصف بها المذكر والمؤنث.
2 يريد: فتح عين الكلمة، وهي الباء من ربعات.
3 م: المختصة.
4 أي: في جمعها جمع مؤنث سالمًا.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: "لا تقول إِلَّا بقعة سوى. فدل على أنه ليس بصفة في الأصل" ثبت هذا هنا في النسخة المقابل بها، وسقط فيما بعد. ومما يدلك ... في نسخة الخزرجي.
6 الآية 161 من سورة الأنعام. وهذه قراءة الكوفيين وابن عامر.
7 سقطت الفقرة كلها من م ومن نسخة أخرى أشير إليها في حاشية ف.
8 الطيبة: الحِل.
9 الصرى: الذي طال استنقاعه، فتغير.
10 الكتاب 2: 315 وشرح الشافية 1: 45، 46.
11 م: فيه الطاء.
12 من معلقة امرئ القيس. ديوانه ص21. والإطل: الخاصرة.
13 الحبرة: صفرة الأسنان.
14 البلز: الضخمة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: البلز: المرأة السمينة القصيرة، وأثبت ابن مالك بلزًا على وزن فعل.
(1/53)

[الرباعي المجرد] :
وأمَّا الرباعي من الأصول فله ستة أبنية:
فَعْلَلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جَعفَر وعَنبَر. والصفة نحو: شَجعَم1 وسَلهَب2.
وفِعْلِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: زِبرِج وزِئبِر3. والصفة نحو: زِهلِق وعِنفِص4.
فُعْلُلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فُلْفُل وبرثن. والصفة نحو: جُرشُع5 وكُندُر6.
وفِعْلَلٌ: ويكون فيهما. فالاسم7 نحو: درهم وقلعم8. والصفة نحو: هِجرَع وهِبلَع9.
وفِعَلُّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فِطْحَل. والصفة نحو: هِزَبْر10.
وعلى فَعْلِل: ولم يجئ منه11 إِلَّا طَحْرِبة12.
أمَّا جُخْدَب وبُرْقَع وجُؤذَر 13 فلا حجة فيه؛ لأنه يقال: جُخْدُب وبُرقُع وجُؤذُر بالضم، فيمكن أن يكون الفتح تخفيفًا. فإنما يكون ثبت "فُعْلَلٍ" بأن يوجد لا يجوز معه "فُعلُل" بالضم.
__________
1 الشجعم: الضخم الطويل.
2 السلهب: الطويل.
3 الزبرج: الذهب. والزئبر: ما يظهر من درز القماش.
4 الزهلق: السريع الخفيف. والعنفص: السيئ الخلق.
5 الجرشع: العظيم من الإبل والخيل.
6 الكندر: الغليظ القصير الشديد.
7 سقط من م.
8 قلعم: اسم علم. وسقط من م.
9 الهجرع: الأحمق. والهبلع: الواسع الحنجور العظيم اللقم. وفي حاشية ف: "على خلاف فيهما". انظر ص148.
10 الفطحل: اسم زمن قديم. والهزبر: الغليظ الضخم.
11 سقط من م.
12 الطحربة: القطعة من خرقة. وفيها لغات كثيرة. وفي حاشية ف تفسير ذلك عن الجوهري، وعن ابن مالك ما حكاه أبو عبيد، مع ذكر "فِتَكْرُون" وأن واحده مثل فِطَحْل.
13 الجخدب: الضخم الغليظ. والجؤذر: ولد البقرة الوحشية. وفي حاشية ف أن بناء "فُعْلَل" أثبته الكوفيون والأخفش ونفاه سيبويه، وأن "عُنْدَد" دليل على صحته؛ لأنه ملحق به، إن جعلت النون زائدة أو إحدى الدالين. وانظر شرح الشافية 1: 47، 48 والمزهر 2: 28.
(1/54)

فإن لم يوجد الفتح إِلَّا مع الضم دليل على أنه ليس ببناء أصلي. وأيضًا فإن جؤذَرًا أعجمي، فلا حجة فيه.
وأمَّا الفُتَكْرِين1 بضم الفاء –على ما حكاه يعقوب- فلا حجة فيه على إثبات "فُعَلٍّ"2 نحو "جُعْفَرٍ"، وكأنه "فُتَكْر" ثم جمع، إِلَّا أن يحفظ بالواو والنون في الرفع، والياء والنون في النصب والجر، فيقال: الفُتَكرُون والفُتكرِين. والمسموع من هذا إنما هو بالياء، فيمكن أن يكون "فُتَكرِين" اسمًا مفردًا كقُذَعمِيل3.
وكذلك عُلَبِطٌ4 وهُدَبِدٌ5 وعُكَمِس6 وعُجَلِط7 وعُكَلِطٌ8، ودُوَدِم9، ليس في شيء من ذلك دليل على إثبات "فُعَلِل" في الرباعي. يدل على ذلك أنه لا يحفظ شيء من ذلك إِلَّا والألف قد جاء فيه10، نحو: عُلابِط وهُدابد وعُكامِس ودُوادِم وعُجالِط وعكالط. فدل ذلك على أنها مخففة بحذف الألف، إذ لو لم تكن كذلك لجاءت بغير ألف البتًّة.
وكذلك عَرَتُنٌ11، ليس فيه دليل على إثبات "فَعَلُل" في الرباعي؛ لأنه لم يجئ منه إلا هذا. وقد قالوا في معناه: عَرَنْتُنٌ. فيمكن أن يكون هذا مخففًا منه، كما خففوا الألف في "عُلابِط"12 ونحوه؛ لأنَّ النون لزمت13 زيادتها في مثل الموضع -أعني: ثالثة ساكنة- كما لزمت زيادة الألف، فأجروها مجراها لذلك.
وكذلك جَنَدِلٌ وذَلَذِلٌ14، ليس فيه دليل على إثبات "فَعَلِل" في أبنية الرباعي؛ لأنه قد قالوا: جنادِل وذَلاذل15، في معناهما. فهما مخففان منهما. ومما16 يؤيد ذلك أنه لا يتوالى
__________
1 الفتكرين: الأمر العديب العظيم.
2 م: فعلل.
3 القذعميل: الشيخ الكبير.
4 العلبط: الغليظ من اللبن وغيره.
5 الهدبد: اللبن الخاثر جدًّا.
6 الإبل العكمس: الكثيرة.
7 اللبن العجلظ: الخاثر الثخين.
8 اللبن العكلط: الخاثر الثخين.
9 الدودم: شيء شبه الدم يخرج من شجر السمر.
10 في حاشية ف عن معجم ما استعجم ص880: الضُّلَضِلَة اسم موضع مع رجز لصخير بن عمير. انظر التاج "ضلل".
11 العرتن: شجر يدبغ به. ونقل أبو حيان في حاشية ف ما ذكره البكري في معجم ما استعجم ص917 عن عَبَقُرّ.
12 م: علبط.
13 فوقها في ف "صح". وفي الحاشية "كثرت" عن نسخة أخرى.
14 الجندل: الحجارة. والذلذل: أسافل القميص الطويل إذا خلق وناس. وفي م وحاشية ف: وزلزل.
15 في م وحاشية ف: وزلازل.
16 م: وربما.
(1/55)

في كلامهم أربعة أحرف بالتحريك. ولذلك سكّن آخر الفعل في "ضربتُ"؛ لأنَّ ضمير الفاعل تنزَّلَ1 من الفعل منزلة جزء من الكلمة، فكرهوا لذلك تواليَ أربعة أحرف بالتحريك. فإذا كان ممتنعًا، فيما هو كالكلمة الواحدة، فامتناعه فيما هو كلمة واحدة أحرى.
وأمَّا "فِعْلُلٌ" فحُكي منه زئبُر وضِئبُل2. وذلك شاذٌّ لا يلتفت إليه؛ لقلة استعماله.
والسبب3، في أن كانت أبنية الثلاثي أكثر من أبنية الرباعي، أن الثلاثي أخف؛ لكونه أقل أصول الأسماء المتمكنة، فتصرفوا فيه؛ لخفته أكثر من تصرفهم في الرباعي. ولذلك أيضًا كانت أبنية الرباعي أكثر من أبنية الخماسي؛ لأنَّ الرباعي -على كل حال- أقل حروفًا من الخماسي4، فكان أخف منه، فتصرفوا فيه لذلك أكثر من تصرفهم في الخماسي.
__________
1 م: نزل.
2 الضئبل: الداهية، وفي حاشية ف بخط أبي حيان: نِئبُل بمعنى الداهية عن أبي الطيب الحلبي، وخِرفُع وبِرعُم وزِعبُر عن ابن جني وابن سيده وآخرين.
3 انظر الخصائص 1: 55، 56.
4 سقط "لأنَّ الرباعي ... من الخماسي" من م.
(1/56)

[الخماسي المجرد] :
وأمَّا الخماسي فله أربعة أبنية متفق عليها:
فَعَلَّلٌ: ويكون في الاسم والصفة. فالاسم نحو: سفرجل وفرزدق. والصفة نحو: [7ب] شَمردَل1 وهَمرجَل2.
وفُعَلِّلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: خُزَعْبِلة3. والصفة نحو: قُذَعْمِلة4.
وفَعْلَلِلٌ: ولم يجئ إلى صفة، نحو جَحْمَرِش5 وقَهْبَلِس6.
وفِعْلَلٌ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قِرْطَعْب7. والصفة نحو: جِرْدَحْل8.
__________
1 الشمردل: الطويل.
2 الهمرجل: الجواد السريع.
3 الخزعبلة: الفكاهة والمزاح.
4 القذعملة: الناقة الشديدة م: قذعميل.
5 الجحمرش: العجوز الكبيرة.
6 القهلبس: الأبيض الذي تعلوه كدرة.
7 القرطعب: القطعة من الخرقة.
8 الجردحل: الضخم من الإبل.
(1/56)

وزاد بعض النحويين في أبنية الخماسي "فعلل"1 نحو: صنبر2. والصحيح أنه لم يجئ في أبنية كلامهم إِلَّا في الشعر. نحو قوله3:
[بجفان تعتري نادينا ... من سديف] حين هاج الصِّنَّبِرْ4
وهذا يجوز أن يكون لما سكَّن الراء للوقف كسر لالتقاء الساكنين5. نحو قولهم: ضَرَبَتِهْ وقَتَلَتِهْ.
وزاد بعضهم أيضًا "فُعْلَلِلًا" نحو. هُندَلِع6. ولم يحفظ منه غيره. وهذا عندي إنما ينبغي أن يحمل على أنه7 "فُنْعَلِل"، والنون زائدة. ويحكم عليها بالزيادة، وإن لم تكن في موضع زيادتها؛ لأنه لم يتقرر "فُعْلَلِلٌ" في أبنية الخماسي. فيحكم من أجل ذلك على النون بالزيادة.
فإن قيل: ولم يثبت أيضًا من مزيد الرباعي "فُنْعَلِل". قيل له: هو على كل حال ليس له نظير، فدخوله في الباب الأوسع أولى -وهو المزيد- لأنَّ أبنية المزيد أكثر من أبنية المجرد من الزيادة.
__________
1 م: فعلل.
2 وفي حاشية ف أن الذي زاد هذا البناء هو الزبيدي.
3 لطرفة بن العبد. ديوانه ص80 والخصائص 3: 200. والجفان: جمع جفنة. وهي القصعة. وتعتري: تأتي. والسديف: قطع السنام. والصنبر: الريح الباردة في غيم.
4 م: الصنِّبر.
5 أنكر ابن جني مثل هذا التعليل، وافترض للكسر وجهًا آخر. انظر الكتاب 2: 283، 274 والخصائص 3: 200، 201 و1: 281 و2: 254. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "هذا غلط. إنما استدراك هذا في مزيد الرباعي؛ لأنَّ الحرفين المضاعفين لا يمكن أن يكونا أصلين. وفي مزيد الرباعي استدركه الزبيدي. ومجيء ابن عصفور به في الأصول غلط". انظر الاستدراك على سيبويه ص35.
6 الهندلع: بقلة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن السراج جعله مما خرج على أوزان المجرد. فهو شاذ أو مزيد فيه أو محذوف منه أو أعجمي. انظر الأصول 3: 186 والخصائص 3: 203.
7 سقط من م.
(1/57)

[الثلاثي المزيد] :
[المزيد فيه حرف واحد] :
وأمَّا الثلاثي المزيد1 فقد تلحقه زيادة واحدة، وقد تلحقه زيادتان، وقد تلحقه ثلاث، وقد تلحقه أربع فيصير على سبعة أحرف. وهو أقصى ما ينتهي إليه المزيد.
فأمَّا الذي تلحقه زيادة واحدة فلا يخلو من أن تلحقه قبل الفاء، أو بعد الفاء2 أو بعد العين، أو بعد اللام. فإذا لحقته قبل الفاء يكون:
على أَفْعَل: ويكون في الاسم والصفة، فالاسم نحو: أَفكَل3 وأَيدَع4. والصفة نحو: أبيض وأسود.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن الحاجب: "يعبر عن الزائد ... أو من غيرها". انظر شرح الشافية 1: 10.
2 م: أو بعدها.
3 الأفكل: الرعدة.
4 الأيدع: الزعفران.
(1/57)

وعلى إِفْعِل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: إِثْمِد1 وإِصبع.
وعلى أُفْعُل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا -وهو قليل- نحو: أُبلُم2.
فأمَّا قولهم3: شحمٌ أُمهُجٌ، أي: رقيق، فيمكن أن يكون محذوفًا من أُمْهُوج كأُسكوب؛ لأنه قد سُمِع ذلك فيه، ووُجِد4 بخط أبي عليّ، عن الفرّاء5: لبنٌ أُمهوجٌ. فيكون أُمْهُجٌ مقصورًا منه للضرورة، إذ لم يُسمع إِلَّا في الشعر؛ أنشد أبو زيد6:
يُطعِمُها اللَّحم وشَحمًا أُمهُجا
وأيضًا فإن الأُمهُج اسم لدم القلب، فيكمن أن يكون قولهم "شُحمٌ أُمهُجٌ" مما وصف فيه بالاسم الجامد، لما فيه من معنى الصفاء والرقة، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعنى الأوصاف. ونحوٌ من ذلك ما أنشده أبو عثمانَ من قول الراجز7:
مِئبَرة العُرقُوبِ إِشفَى الِمرفَقِ
فوصف بـ"إشفى" وهو اسم، لما فيه من معنى الحِدَّة. وقول الآخر8:
فلولا الله والمُهرُ المُفَدَّى ... لأُبتَ وأنتَ غِربالُ الِإهابِ
كأنه قال: مُخرَّق الإهاب.
وعلى إِفْعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: إصْبَع وإِبْرَم9.
__________
1 الإثمد: حجر يكتحل به.
2 الأبلم: خوص المقل.
3 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "قال ابن جني: المهجة: خالص النفس. ومنه قيل: لبن أمهجان وأمهج وماهج، للخالص. وقال هميان بن قحافة:
وعَرضُوا للجَلْسِ مَحضًا ماهجًا
أي: لبنًا خالصًا. ووجدت بخط أبي علي عن الفراء: لبن أُمهوج. وحكي عن أبي زيد: لبن أُمهج. وأُفعل في الصفات عزيز، قليل جدًّا". وانظر اللسان "مهج".
4 انظر الخصائص 3: 194، 195.
5 هو أبو زكرياء يحيى بن زياد الديلمي، شيخ الكوفيين في عصره في النحو واللغة والتفسير. توفي سنة 207. تاريخ بغداد 14: 152.
6 في الخصائص 3: 194.
7 في الخصائص: 2: 221 و1953 والمخصص 1: 81 و15: 106. والمئبرة من الإبرة. والإشفى: مخرز الإسكاف، يهجو امرأة. وأبو عثمان هو بكر بن محمد المازني، نحوي لغوي توفي سنة 249. بغية الوعاة 1: 463.
8 في الخصائص 2: 221 و195 واللسان "غربل". ونسبه محقق كتاب الخصائص إلى حسان بن ثابت يخاطب الحارث بن هشام. انظر الوحشيات ص8 والأغاني 17: 116 و20: 123 ومعجم الشعراء ص270 والعينى3: 14 والإهاب: الجلد.
9 إبرم: اسم موضع.
(1/58)

فأمَّا قوله1:
إن تَكُ ذا بَزٍّ فإن بَزِّي ... سابغةٌ فوقَ وأًى إِوَزِّ2
فيمكن أن يكون "فِعَلًّا"3، والهمزة فيه أصلية، وذلك قليل. ويمكن أن يكون "إوزٌّ" اسمًا وصف به، لما فيه من معنى الشدة4.
وعلى أَفعِل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا -وهو قليل- نحو: أَصْبع5.
وعلى أَفعُل: ولا يكون في الأسماء والصفات، إِلَّا أن يُكسَّرَ عليه الواحد للجمع. فالاسم نحو: أكلُب. والصفة نحو: أعبُد.
فأمَّا أَذرُح6 وأَسنُمَة7 فعَلَمَان، فلا يثبت بهما بناء؛ لأنَّ العلم أكثر ما يجيء منقولًا. بل من الناس من أنكر أن يجيء مرتجلًا. فإذا كان العَلَم كما وُصف احتَملا أن يكونا منقولين من الفعل، فيكون أذرُح فِعلًا في الأصل، ثم سمي به. وكذلك أسنُمة. كأنه "أسنُمُ" في الأصل، ثم سمي به.
فإن قلتَ: لو كان منقولًا من الفعل لما دخلت عليه تاء التأنيث، لأنَّ التاء لا تدخل على الفعل المضارع8. فالجواب أنه لما انتقل من الفعلية إلى الاسمية ساغ دخول التأنيث عليه. والدليل على ذلك قولهم: اليَنْجَلِبةُ، في اسم الخَرَزَة، لأنها يُجلب بها الغائب، [8أ] وهي فعل في الأصل؛ لأنها9 على وزن الفعل المختص. ولكن لما انتقلت إلى الاسمية10 ساغ دخول التاء عليها.
وحكى الزبيدي11 أصبُع وأَنْمُلَة. فإن ثبت النقل بهما لم يكن في ذلك استدراك على سيبويه؛ لأنه قد حكي فيه أُصبُع وأُنملُة، بضم الهمزة12. فيمكن أن يكون الفتح تخفيفًا،
__________
1 أنشده ابن الأعرابي. الخصائص 3: 217.
2 البز: السلاح. والسابغة: الدرع الطويلة. والوأى: الفرس السريع. والإوز: القصير الغليظ.
3 م: فعلّ.
4 انظر الخصائص 3: 217.
5 زاد في حاشية ف بخط أبي حيان: وأبزِن وهو شيء يتخذ للماء من صُفر.
6 أذرح: اسم موضع.
7 أسنمة: اسم موضع.
8 سقط من م.
9 سقط من م.
10 م: الأسماء.
11 أبو بكر محمد بن الحسن الإشبيلي النحوي اللغوي. كان واحد عصره في النحو، وتوفي سنة 379. بغية الوعاة 1: 84. وانظر الاستدراك على سيبويه ص7.
12 سقط "لأنه قد حكى فيه أصبع وأنملة بضم الهمزة" من م. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "قال ابن جني: حكى بعضهم: أصبُع في إصبع. فإن صح ذلك فقد شذ عن سيبويه. أفادنيه شيخنا الرضيّ".
(1/59)

كما قالوا في بُرقُع: "بُرقَع" بالتخفيف.
وزعم الزُّبيديُّ أن1 أبا بكر ابن الأنباري حكى إِصبُعًا، بكسر الهمزة وضم الباء، على وزن "إِفعُل". لكن أكثر أهل اللغة على أنها ليست من كلام الفصحاء. قال الفَرَّاء: لا يلتفت إلى ما رواه البصريون، من قولهم "إِصبُع". فإنا بحثنا عنها فلم نجدها.
وعلى تُفْعُل: ويكون فيهما قليلًا. فالاسم: تُتْفُلٌ2 وتُقدُمةٌ3. والصفة: تُحلُبةٌ4.
وعلى تِفْعِل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا -وهو قليل5، قالوا "تِحْلِئ"- إِلَّا أن تلحقه التاء فلا يكون إِلَّا صفةً. وهو قليل، نحو: تِحلِبة.
وعلى تَفْعَلة: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا -وهو قليل- قالوا: تَتفَلَة6.
وعلى تِفْعَلة: ولم يجئ أيضًا إِلَّا صفة، نحو: تِحلَبة. وحكى الكسائي أن7 تِتْفَلًا لغة في التَّتفُل. ولا يُحفظ غيره اسمًا.
وعلى تَفْعِلة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: تَرْدِية8 وتَهْيِئَة.
وعلى تُفْعَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: تُدْرَأ9 وتُرْتَب10 والصفة نحو: تُحْلَبة وتُرتَب11. قال بعضهم: أمرٌ تُرتَب، فجعله وصفًا.
وعلى تَفْعُل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: تَنْضُب12 وتَتفُل.
وعلى مَفْعَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مَحْلَب ومَقتَل. والصفة نحو: مَثنًى ومولًى ومَقْنَع.
__________
1 انظر الخصائص 3: 212 والاستدراك ص7. وأبو بكر هو محمد بن القاسم لغوي نحوي مفسر، توفي سنة 328 تاريخ بغداد 3: 186.
2 التتفل: ولد الثعلب.
3 التقدمة: أول تقدم الخيل.
4 التحلبة: الناقة تحلب قبل أن تحمل.
5 سقط من م "وهو قليل". والتحلئ: شعر وجه الجلد.
6 التتفلة: الأنثى الصغيرة من الثعالب.
7 سقط من ف.
8 التردية: إلباس الثياب. م: "تودية" وفي حاشية ف: "تودية وتنهية. كذا في الكتاب". انظر الكتاب 2/ 327. وفي الحاشية أيضًا:
"الجوهري: إذا خرج من ضرع العنز شيء ... أن تحمل". انظر الصحاح "حلب".
9 التدرأ: الدرء.
10 الترتب: الأبد.
11 الترتب: الثابت.
12 التنضب: ضرب من الشجر.
(1/60)

وعلى مِفْعِل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: مِنخِرٌ: وقد يجوز أن يكون "مِنخِرٌ" مما أُتبعَ1، والأصل فيه "مَنخِرٌ" بفتح الميم. وقد أجاز الوجهين سيبويه2.
فأمَّا مِنْتِن ومِغيرة فكسرت الميم منهما، إتباعًا لما بعدها، والأصل مُنتن ومُغيرة؛ لأنهما اسما فاعل من: أنتنَ وأغارَ.
وعلى مُفْعُل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: مُنخُل ومُسعُط3.
وعلى مُفعِل: صفة، نحو: مُكرِم ومُعْطٍ. ولم يجئ اسمًا إِلَّا قولهم: مُؤْقٍ، بخلاف في ذلك سيُبين4 بعدُ، إن شاء الله.
وعلى مَفْعِل: ويكون في الأسماء، نحو: مَسجِد ومَجلِس5. وهو في الصفة قليل، نحو: رجلٌ منَْكِبٌ6.
وعلى مِفْعَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مِنْبَر ومِرْفَق. والصفة نحو: مِدْعَس ومِطْعَن7.
وعلى مَفْعُل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، والهاء لازمة له، نحو: مَزْرُعَة ومَشْرُقة ومَقْبُرَة8. ولا يستعمل بغير هاء إِلَّا أن يجمع بحذف الهاء، نحو قوله9:
بثينُ الزَمِي "لا" إن "لا" إن لزمتهِ ... على كثرة الواشين أيُّ معونِ
فجمع 10 "معونة" بحذف التاء. وقول الآخر11:
لِيَومِ رَوعٍ أو فَعالِ مَكرُمِ
__________
1 أي: كسرت الميم؛ إتباعًا لحركة الخاء.
2 الكتاب2: 248 و328. وسيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان النحوي المشهور. توفي سنة 180. البلغة ص173.
3 المسعط: ما يجعل فيه السعوط ويصب منه في الأنف.
4 انظر ص69.
5 م: مجلس ومسجد.
6 في حاشية ف بخط أبي حيان: "هو العريف، نكب على القوم أي كان عريفًا له. أفادنيه شيخنا الرضيّ".
7 المدعس: الكثير الدعس. والمطعن: الكثير الطعن.
8 ضبطت في ف بضم الباء وفتحها. وفوفها: معًا.
9 جميل بن معمر. ديوانه ص 208 والخصائص 3: 212 والمنصف 2: 308.
10 كذا، ونص في كتابه الضرائر على أنه مفرد، حذفت منه التاء للترخيم. قال البغدادي: "أورده ابن عصفور في كتاب الضرائر في ترخيم الاسم في غير النداء للضرورة". شرح شواهد الشافية ص67، 68 وضرائر الشعر ص137. م: فحذف فجمع.
11 هو أبو الأخزر الحمّاني. إصلاح المنطق ص249 والاقتضاب ص469 وشرح أدب الكاتب ص400 والخصائص 3: 212 والمنصف 1: 308 وشرح شواهد الشافية ص68. والروع: الفزع.
(1/61)

فجمع "مَكرُمة" بحذف التاء. وكذلك مألُك، من قول الشاعر1:
أبلِغِ النعمان عني مألُكًا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
هو جمع مألكة أيضًا. وزعم السيرافي2 أن ذلك مما رُخِّم ضرورة، وأنه يريد معونة ومكرمة. والوجه ما ذكرناه أولًا؛ لأنه إذا أمكن إِلَّا يحمل على الضرورة كان أولى.
وعلى مُفْعَل: ويكون فيها. فالاسم نحو: مُصحَف ومُخدَع3 ومُوسًى. ولم يكثر هذا في كلامهم اسمًا. وهو في الوصف كثير نحو: مُكرَم ومُدخَل.
وعلى يَفْعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو اليَرْمَع4 واليَلْمَق5.
فأمَّا قولهم: جمل يعملٌ6، وناقة يَعْمَلَةٌ، ورجل يلمعٌ7، فمن قبيل8 ما وصف فيه بالاسم.
ولذلك لم يمتنع الصرف. ولو كان صفة في الأصل لوجب منع صرفه؛ لوزن الفعل والوصف.
وعلى نَفْعِل: نحو نَرْجِس. ولا يحفظ غيره، وهو أعجميٌّ، فيما نظن9.
فأمَّا نِفرِجٌ10 فـ"فِعْلِلٌ" وليست النون زائدة. وسيقام الدليل على ذلك بعد، إن شاء الله.
وإذا لحقته بعد الفاء يكون:
على فاعِل: ويكون في الاسم والصفة11. فالاسم 12 نحو: كاهِل وغارِب. والصفة [8ب] نحو: ضارِب وقاتِل.
وعلى فاعَل13: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: خاتم وطابَق14. فأمَّا كابُلُ15 فأعجمي.
__________
1 عدي بن زيد. ديوانه ص93 والمنصف 1: 309.
2 أبو سعيد الحسن بن عبد الله، نحوي لغوي من قضاة بغداد، توفي سنة 382. إنباه الرواة 1: 310.
3 المخدع: بيت يكون داخل البيت الكبير يحرز فيه الشيء.
4 اليرمع: الخذروف.
5 اليلمق: القباء المحشوّ. وفي حاشية ف: اليلمق: القباء.
6 اليعمل: النجيب.
7 اليلمع: الكذاب.
8 م: قليل.
9 جزم الجواليقي في المعرب ص331، 332 أنه معرب. وكذلك ابن دريد في الجمهرة "1": 89.
10 النفرج: الجبان. وفي حاشية ف "نفرج قال فيه ابن القطاع: تفرج بالتاء المثناة". وانظر ص80 و176، 177.
11 ف: ويكون فيهما.
12 سقط من م.
13 سقط من م حتى "فأعجمي".
14 الطابق: ظرف من حديد أو نحاس يطبخ فيه.
15 كابل: اسم موضع.
(1/62)

وعلى فَيْعَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: غَيْلَم وزَيْنَب، والصفة نحو: ضَيغَم1 وصَيْرَف. ولم يجئ منه في المعتل إِلَّا لفظ واحد شاذ2، وهو "العَيَّنُ". قال3:
ما بال عَينِك كالشَّعِيبِ العَيَّنِ
وعلى فَيْعِل: ولا يكون إِلَّا في المعتل، نحو: سَيِّد، وفيه خلاف. وسيبين بعد4، إن شاء الله. ولم يجئ منه في الصحيح إِلَّا "بَيئِس"5. وكأن الذي سهل ذلك فيه شَبَهُ الهمزة بحروف العلة6.
وعلى فَوعَل: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: عوسج7 وكوكب. والصفة نحو: حومل8 وهَوْزَب9.
وعلى فأعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو شأمَل10.
وعلى فِنْعَل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: جِندَب.
وأمَّا قولهم: لِحية كِنثْأَة11 فيمكن أن تكون نونه أصلية12، إذ ليست في موضع زيادتها. وتكون من معنى: كثَّأْتْ13 لِحيته، وإن كانت أصولهما مختلفة. فتكون كِنثأَة من "كَثَّأَتْ" كسَبِط من سِبَطر. والذي حمل على ذلك أنه لا يُحفظ "فِنْعَلٌ" صفة.
وعلى فَنْعَل: ولم يجئ إِلَّا صفة نحو: عَنْبَس14 وعَنسَل15.
__________
1 الغيلم: الضفدع. والضغيم: الذي يعض.
2 سقط من م.
3 رؤبة بن العجاج. ديوانه ص160 وشرح شواهد الشافية ص61، 63 والخصائص 2: 485 و3: 214.
والشعيب: القربة. والعين: البالية. وفي حاشية ف عن الجوهري: "ويقال: بالجلد عين ... العيَّنِ" وعن ابن بري بيت للطرماح. انظر الصحاح واللسان "عين".
4 في الورقة47.
5 البيئس: الشديد.
6 سقط "وكأن الذي ... العلة" من م.
7 العوسج: شجر.
8 الحومل: السيل الصافي.
9 الهوزب: البعير القوي.
10 الشأمل: ريح الشمال.
11 الكنثأة: الطويلة.
12 كذا. وانظر ص48.
13 كثأت: طالت.
14 العنبس من صفات الأسد وهو العَبوس.
15 العنسل: الناقة السريعة.
(1/63)

وعلى فُنْعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: قُنْبَر1 وعُنظَب2 وعُنصَل3.
وعلى فِيَعْل: ولم يجئ إِلَّا صفة، نحو: حِيَفْس4 وصِيَهْم5.
وعلى فُعَّل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: سُلَّم. والصفة نحو: زُمَّل6.
وعلى فِعَّل: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: قِنَّب. والصفة نحو: دِنَّم7.
وعلى فِعِّل: ويكون فيهما. فالصفة حِلِّزة8. ولم يجئ غيره. والاسم نحو: حِمِّص وجِلِّق9.
وعلى فُعُّل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل: نحو: تُبُّع10.
وإذا لحقته بعد العين كان:
على فَعال: ويكون في الأسماء والصفات. فالاسم نحو: قَذال11 وغَزال. والصفة نحو: جَماد وجَبان.
وعلى فِعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حِمار. والصفة نحو: كِناز12 وضِناك13.
وعلى فُعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: غُلام وغُراب. والصفة نحو: شُجاع وطُوال.
وعلى فَعِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: بَعِير وقَضِيب. والصفة نحو: سَعِيد وشَدِيد14 وشَهِيد.
__________
1 القنبر: طائر.
2 في حاشية ف عن الجوهري: "الأصمعي: العُنْطُب: الذكر في الجراد. وفتح الظاء لغة". انظر الصحاح "عنظب".
3 العنصل: البصل البرِّيُّ.
4 الحيفس: الغليظ الضخم لا خير عنده.
5 الصيهم: القصير.
6 الزمل: الضعيف الرذل.
7 الدنم: القصير. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن سيبويه: "دِنَّب". الكتاب 2: 329 و344 و353.
8 الحلزة: البخيل والسيئ الخلق.
9 جلق: دمشق. وضبطت حمص وجلق في ف بفتح المضعف وكسره معًا.
10 التبع: الظّلّ.
11 القذال: جماع مؤخر الرأس.
12 الكناز: الضخمة المكتنزة اللحم.
13 الضناك: المكتنزة اللحم.
14 سقط من م.
(1/64)

وعلى فِعْيَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عِثْيَر1. والصفة نحو: طِرْيَم2.
وعلى فُعْيَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: عُلْيَب3.
فأمَّا ضَهْيَد4 وعَتْيَد5 فهما -فيما زعم أبو الفتح- مَصنوعان، فلا يُلتفت إليهما فيُجعلا6 دليلًا على إثبات "فَعْيَل".
وعلى فَعْوَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جَرْوَل7 وجَدْوَل8. والصفة نحو: جَهْوَر وحَشْوَر9.
وعلى فِعْوَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: خِرْوَع وعِتْوَد10.
وعلى فَعُول: ويكون فيها. فالاسم نحو: عَمُود. والصفة نحو: صَدُوق.
وعلى فُعُول: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: أُتِيّ11 وسُدُوس. وهو قليل في الكلام. إِلَّا أن يكون مصدرًا، أو يُكسَّر عليه الاسم للجمع فيكثر, نحو: القُعُود والفُلُوس.
وعلى فَعْأَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: شَمْأَل12.
فأمَّا ضُنْأَك13 فـ"فُنْعَل" كعُنْظَب14 وليس بـ"فُعْأَل"، وإن كان في معنى ضِناك؛ لأنَّ "فُعْأَلًا" لم يثبت في الأسماء. وقد يكون اللفظان في معنًى واحد والأصول مختلفة، نحو: سَبِط وسِبَطْر. فحمله على هذا أولى من إثبات بناء لم يستقر في كلامهم.
__________
1 العثير: التراب.
2 الطريم: الطويل من الناس.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان: عليب: اسم موضع.
4 الضهيد: الصُّلب الشديد.
5 في النسختين والمبدع: "عَثْيَر". والتصويب من الخصائص 3: 187 و216. وعتيد: اسم موضع. والعثير: الأثر الخفي. والراجح أن "عتيد" مرتجل لا مصنوع، والذي وصف بأنه مصنوع هو عَثيَرٌ. التاج "عتد" و"عثر".
6 م: فيجعلان.
7 الجرول: الحجارة.
8 ضبط أولها في ف بالفتح والكسر معًا.
9 الجهور: الجريء المقدام. والحشور: الضخم العظيم البطن.
10 الخروع: نوع من النبات. وعتود: اسم موضع. م: "علود". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن أبي عبيد البكري: ليس في الكلام فِعْوَل غير عتود وخروع.
11 الأتي: السيل. أصله "أُتُوْي" قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وقلبت الضَّمَّة قبلهما كسرة. م: أُتي.
12 الشمأل: ريح الشمال.
13 الضنأك: الناقة العظيمة الموثقة الخلق. م: وأمَّا ضنأك.
14 م: "عنضب" والعنظب: ذكر الجراد.
(1/65)

وعلى فُُعُنْل: ولم يجئ إِلَّا صفة، نحو: عُرُنْد1.
وعلى فَعَنْلة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: جَرَنْبة.
وعلى فَعِلَّة: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، قالوا: تَئِفَّة2.
وعلى فَعُلَّة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: تَلُنَّة3.
وعلى فُعَلَّة: وهو قليل، نحو: دُرَجَّة4.
وعلى فَعَلّ: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: شَرَبَّة ومَعَدّ5. والصفة نحو: هَبَيّ6.
وعلى فُعُلّ: ويكون فيهما. فالاسم [9أ] نحو جُبُنّ7. والصفة نحو: قُمُدّ وعُتُلّ8.
وعلى فِعِلّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فِلِزّ9 وحِبِرّ10 والصفة نحو: طِمِرّ.
وعلى فِعَلّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جِدَبّ11 ومِجَنّ. والصفة نحو: خِدَبّ12 وهِجَفّ13.
فأمَّا قولهم قِدرٌ وِئَيَّةٌ14 فـ"فِعَلَّةٌ"، وليس بـ"فِعَيْلة"؛ لأنَّ ذلك بناء غير موجود.
وعلى فُعْلُل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: شُربُب15. والصفة نحو: قُعدُد16 ودُخلُل17.
__________
1 العرند: الصلب الشديد.
2 التئفة: الحين والأوان. وجعل هذا البناء في م بعد البناء الذي يليه. وفي حاشية ف عن الجوهري أن تَئِفَّة وزنه تَفِعْلة. الصحاح "أفف".
3 التلنة: الحاجة.
4 الدرجة: المرقاة التي يتوصل منها إلى سطح البيت.
5 شربة: اسم موضع. ومعد: ابن عدنان.
6 الهبي: الصبي الصغير. م: هبيء.
7 الجبن: الجبن الذي يؤكل.
8 القمد: الشديد الغليظ. والعتل: الجافي الغليظ.
9 الفلز: النحاس الأبيض. وفي النسختين: "بلز". وكذلك في المبدع. والتصويب من الكتاب 2: 330.
10 الحبر: صفرة الأسنان.
11 الجدب: القحط.
12 الخدب: الضخم الطويل.
13 الهجف: الجافي الثقيل.
14 الوئية: الواسعة. وضبطت في كتب اللغة بفتح فكسر.
15 شربب: اسم وادٍ. وفي حاشية ف: "وسُردُد ودُعبُب". وسردد: اسم موضع. والدعبب: اللعب.
16 القعدد: الجبان اللئيم.
17 دخلل الشيء: داخله.
(1/66)

وعلى فَعْلَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: قَردَد1 ومَهدَد2.
وعلى فِعْلِل: ولم يجئ إِلَّا صفة، وهو قليل، قالوا: رَمادٌ رِمدِدٌ3.
وعلى فُعْلَل: ويكون فيهما. فالاسم: عُندَد4. والصفة [نحو] : 5 قُعدَد6 ودُخلَل7.
فأمَّا قولهم: رَمادٌ رِمدَدٌ، فينبغي أن يكون مما فُتح تخفيفًا؛ لأنهم قالوا: رِمدِدٌ، فيكون كبُرْقَع؛ لأنَّ الأصل بُرقُعٌ بضمّ القاف، لكنه8 فُتح تخفيفًا، وقد تقدّم ذلك9. وإنَّما لم يَثبت بهذا "فِعلَلٌ"؛ لأنه لا يُحفظ إِلَّا فيما سُمع فيه "فِعلِل" بالكسر، ولو كان بناءَ أصلٍ لجاء حيث لم يجئ معه "فِعلِل". وهو مع ذلك قليل.
وإذا لحقت بعد اللام يكون:
على فَعْلًى: نحو: عَلقًى10. ولم يجئ صفة إِلَّا بالهاء، نحو: ناقةٌُ حَلْباةٌ رَكْباةٌ.
وعلى فِعْلًى: نحو: مِعزًى. ولم يجئ صفة إِلَّا بالهاء، نحو: امرأةٌ سِعلاةٌ11، ورَجلٌ عِزهاةٌ12.
فأمَّا قولهم: رَجلٌ كِيصًى13، فهو اسم وُصِف به، وليس بجار على فعله، ولا يلزمه أن يُستعمل تابعًا، فيكون ذلك دليلًا على أنه ليس بصفة في الأصل. ومما يدلُّ على أنه ليس بصفة في الأصل14: استعمالُهم له جاريًا على المؤنث بغير هاء، فيقولون: امرأةٌ كِيصًى. وقد تَقَدَّم أنَّ الصفة إذا كانت غير مطابقة للموصوف حُكم لها بحكم الأسماء.
__________
1 القردد: الوجه.
2 مهدد: من أسماء النساء.
3 الرمدد: الكثير الدقيق جدًّا.
4 العندد: الحيلة. وفي حاشية ف: وسُردَد وعُنبَب.
5 سقط من ف.
6 القعدد: الجبان اللئيم.
7 دخلل الشيء: داخله.
8 م: لأنه.
9 في الورقة 7.
10العلقى: ضرب من الشجر. م علفى.
11 السعلاة: أنثى الغيلان. وصفت المرأة بها استعارة.
12 العزهاة: العازف عن اللهو والنساء.
13 الكيصى: الذي ينزل وحده ويأكل وحده ولا يهمه غير نفسه.
14 سقط "وليس بجار ... الأصل" من م، واستبدل به "بدليل".
(1/67)

وعلى فَعْلَى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: سَلمَى وعَلقَى1. والصفة نحو: سَكرَى وعَطشَى.
وعلى فُعْلَى: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: بُهمَى2. والصفة نحو: حُبلَى.
وعلى فُعْلًى. ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وتلزمه التاء نحو: بُهماة.
وعلى فَعَلَى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: دَقَرَى3. والصفة نحو: جَمَزَى4 وبَشَكَى5.
وبعض العرب يقول: "قَلَهَيْ"6 بالياء، وكأنه وافق من قال: "أَفعَيْ" في الوقف.
وعلى فُعَلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: أُرَبَى7 وأُدَمَى8.
وعلى فِعْلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: ذِفرَى9 وذِكرَى.
وعلى فِعْلِن: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل. وذلك نحو: فِرسِن10.
وعلى فَعْلَن: ولم يجئ إِلَّا صفة، نحو: رَعشَن11 وضَيفَن12.
وعلى فِعَلْن: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: عِرَضْنَة13. والصفة نحو قولهم: رجلٌ خِلَفْنة14.
وعلى فُعْلُم: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: زُرقُم15. والصفة نحو: سُتهُم16.
وعلى فِعْلِم: ولم يجئ إِلَّا صفة، نحو: دِلقِم17 ودِقعِم18.
__________
1 العلقى: ضرب من الشجر. م: علفى.
2 البهمى: ضرب من النبات.
3 دقرى: اسم روضة. م: دغرى.
4 الجمزى: السريع من الحمير.
5 البشكى: السريعة.
6 قلهى: اسم موضع. وفي حاشية ف عن المقصور والممدود لابن القوطية ومعجم ما استعجم للبكري ما يؤيد ذلك.
7 أربى: اسم للداهية.
8 أدمى: اسم موضع.
9 الذفرى: عظم ناتئ خلف الأذن.
10 الفرسن: مقدم خفّ البعير.
11 الرعشن: المرتعش.
12 الضيفن: الذي يجيء مع الضيف متطفلًا.
13 العرضنة: الاعتراض في السير من النشاط.
14 الخلفنة: الذي في خلقه خلاف.
15 الزرقم: الحية. وانظر المزهر 2: 15.
16 الستهم: الكبير العجوز.
17 الدلقم: الناقة التي تكسرت أسنانها من الكبر.
18 الدقعم: الدقعاء. وهي الأرض لا نبات بها.
(1/68)

وعلى فَعْلَم: نحو: شَدقَم وجَذعَم1. ولم يجئ إِلَّا صفة.
وعلى فَعْلأ2: ولم يجئ منه إِلَّا ضَهْيأ3. وهو اسم وصفة.
وعلى فِعْلِية: والهاء لازمة له، ويكون فيهما. فالاسم نحو: هِبْرِية4. والصفة نحو: زِبنيِة5.
وعلى فَعْلَتَة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو سَنبَتَة6.
وعلى فَعْلُوَة: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: تَرقُوَة وعَرقُوَة7.
وعلى فُعْلُوَة: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: عُنصُوَة8 وجُنذُوَة9.
وعلى فِعْلُوَة10: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل لا تفارقه الهاء، نحو: جِنذُوَة11.
فأمَّا تَرقُؤَة12 فظاهرها أنها "فَعْلُؤَة" إذ قد ثَبَتَ في تَرقُوَة أنّ الأصول إنما هي التاء والراء13 والقاف. لكن قد يتخرَّج على أن يكون أصله تَرقُوَة14 بالواو، فقُدِّرتَ ضمَّة القاف على الواو؛ لأنَّ الحركة في التقدير بعد الحرف، فهُمزت الواو كما تُهمز إذا انضمَّتْ، ونظير ذلك قوله15:
أَحَبُّ المُؤقِدِينَ إِليَّ مُوسَى ... [وجَعْدةُ إِذ أَضاءَهما الوَقُودُ]
فهمز واو "مُوقد"؛ لأنه قَدَّر ضَمَّة الميم على الواو.
وأمَّا "مُؤْقٍ"16 فظاهره [9ب] أنه "فُعْلٍ"17. إِلَّا أنَّ ذلك بناء غير موجود في أبنية
__________
1 الشدقم: الواسع الشدق. والجذعم: الحديث السن.
2 م: فعلاء.
3 الضهيأ: شجر، والمرأة التي لا لبن لها ولا ثدي.
4 الهبرية: ما طار من الريش.
5 الزبنية: المتمرد.
6 السنبتة: الدهر والحقبة.
7 العرقوة: الخشبة المعروقة على الدلو، وفي حاشية ف أمثلة للأبنية الثلاثة المزيد فيها الواو عن ثعلب وابن القطاع مع تفسير معانيها، وأن ثُندُوة وزنه فُلْعُوة؛ لأنه مما قدمت نونه على الدال، وهو من ثدن.
8 العنصوة: القطعة من الإبل.
9 الجنذوة: الشعبة من الجبل، وتكون بالحاء والخاء أيضًا.
10 م: "فعلِوة" بكسر اللام. وكذلك ضبطت "جنذوة" فيها.
11 الجنذوة: الشعبة من الجبل. وتكون بالحاء والخاء أيضًا.
12 انظر الخصائص 3: 207. م: ترقوة.
13 م: والواو.
14 الترقوة: مقدم الحلق حيث يترقى النفس.
15 ويروى بهمز واو "موسى" أيضًا. وهو لجرير. ديوانه ص170 والخصائص 3: 175 و3: 146 و139 و219 وشرح الشافية 3: 206 وشرح شواهد الشافية ص 429. وانظر ص226.
16 م: موق.
17 يريد أن الأصل "فعلي" بالياء المخففة.
(1/69)

كلامهم، فإن أمكن صرفه إلى ما وُجد من 1 كلامهم كان أولى، فأمَّا أبو الفتح فزعم أنه "فُعْلِيٌّ"2 في الأصل، ثم خُفِّف، كما قالوا: "تَسمعُ بالمُعيدِي خيرٌ مِن أن تَراه"3 فخفَّفوا، والأصل "المُعَيدِيّ". وتكون الياءان للنسب على حدّهما في "كُرسيّ". ويكون هذا ممّا رُفِضَ أصله؛ لأنه لم يُسمع مُثقَّلًا قطّ.
وهذا الذي ذهب إليه أبو الفتح ضعيفٌ عندي؛ لأنَّ كُرسيًّا وبُختيًّا4 بُنيا على ياءيِ النَّسَب، ولم يُستعملا دونهما. فلا يُقال: "كُرْسٍ"5 ولا "بُخْتٍ"6، فلذلك كُسِّرَ الاسم عليهما، فقالوا: كراسيُّ وبخاتيُّ. وأمَّا "مُؤقٍ"7 فإنه يُستعمل دون ياء. وكلّ ما تلحقه ياءا النسب ولا تلزمانه لا يُكَسَّر عليهما؛ إِلَّا تراهما يقولون: أَحمَرِيٌّ وحُمْرٌ وفارِسيٌّ وفُرْسٌ. فلو كان "مُؤقٍ"8 على ما زعم أبو الفتح لم يُقل في تكسيره: مآقٍ، بل "أمآقٌ"، كقُفْل وأقفال. فإذا بَطَلَ هذا فينبغي أن يكون وزنه "مُفعِلًا" فيُلحَقَ بفصل ما لحقته زيادة واحدة من أوّله من الثلاثيّ. وقد تَقَدَّم ذكره هنالك9.
فإن قلتَ: فقد10 ثَبَتَتْ أصالة الميم، بدليل قولهم "مأْقٌ"11 في معناه. فالجواب أنه يكون ممّا اتَّفق معناه وتقارب لفظه، كسَبِط وسِبَطر.
وكذلك "مأْقٍ" عند أبي الفتح هو مأقِيٌّ12 في الأصل، ثمّ خُفِّفَ، والياءان للنسب. وهو: عندي باطل، بدليل قولهم: مآقٍ، فكُسِّر الاسم على الياء. فالذي يجب أن يُحمل عليه عندي ما ذهب إليه الفرّاء من أنه "مَفعِل" ممّا لامه ياء، وشذُّوا فيه؛ لأنَّ "المَعفل" من المعتلّ اللام مفتوح العين. ونظيره في الشذوذ "مأوِي الإِبل" والفصيح "مأوَى". قال [الله] 13 تعالى14: {فَإِنَّ الْجَنَّة هِيَ الْمَأْوَى} . وتكون الميم زائدة كما تكون في " مُؤق ". ويكون مأقٌ ومأقٍ من باب سَبِط وسِبَطر، كما قدَّمنا.
__________
1 م: في.
2 م: "فعليٌ". وانظر الخصائص 3: 205.
3 من أمثال العرب.
4 البختي: واحد البخاتي. وهي الإبل الخراسانية.
5 م: كرسٌ.
6 م: بختٌ.
7 م: موق.
8 م: موق.
9 في الورقة 8.
10 م: قد.
11 ضبط آخره بالضم والكسر في ف.
12 أغفل تشديد آخره في النسختين. وانظر الخصائص 3: 205.
13 من م.
14 الآية 41 من سورة النازعات.
(1/70)

[المزيد فيه حرفان] :
وأمَّا الذين تلحقه زيادتان فلا يخلو أن تجتمعا فيه، أو تفترقا. فإن افترقتا1 فلا بُدَّ من أن تَفصِلَ بينهما الفاء، أو العين أو اللام، أو الفاء والعين، أو العين واللام، أو الفاء والعين واللام.
فإذا فصلتْ بينهما الفاء كان:
على أُفاعِل 2: ويكون فيهما. فالاسم نحو: أُدابِر وأُحامِر3. وهو في الصفة قليل، قالوا: رجلٌ أُباتِرٌ4. ولا يُعلم صفةً إِلَّا هذا.
وأمَّا نَخْوَرِشٌ 5 فـ"فَعْلَلِلٌ" كجَحمَرِش، والواو أصليّة في بنات الخمسة. وهذا أَولى من ادّعاء بناء لم يستقرَّ في كلامهم.
وعلى أَفاعِل: ولا يكون في الكلام إِلَّا إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع، نحو: أَجادِل6 وأَفاكِل7.
وعلى أَفَنْعَل: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو. أَلَنجَج8. والصفة نحو: أَلَندَد9.
وعلى يُفَعَّل: وهو اسم نحو: يُرَنَّأ10.
وعلى يَفَعَّل بفتح الياء: وهو اسم, قالوا: يَرَنَّأ11.
وعلى يَفَنْعَل: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: يَلَنجَج12. والصفة نحو: يَلَندَد 13.
__________
1 ف: افترقا.
2 في حاشية ف نص عن خط الرضي، من المحكم لابن سيده، وهو بخط أبي حيان وفيه أُخايِلٌُ وأُدابِرٌ وأُباتِرٌ.
3 أحامر: اسم موضع. أمَّا أدابر فقال السيرافي: "عسى أن يكون موضعًا". والمشهور أنه صفة لا اسم؛ لأنه الذي لا يقبل قول أحد. انظر الكتاب 2: 316 ومختصر شرح أمثلة سيبويه ص 20.
4 الأباتر: الذي يقطع رحمه.
5 النخورش: الجرو إذا كبر خرش. وفي حاشية ف بخط أبي حيان "خالف هذا في باب التضعيف في رده على الأخفش". انظر ص 198.
6 الأجادل: جمع أجدل. وهو الصقر.
7 الأفاكل: جمع أفكل. وهو الرعدة.
8 الألنجج: عود البخور.
9 الألندد: الألدّ.
10 اليُرَنأ: الحناء.
11 اليَرَنأ: الحناء.
12 اليلنجج: عود البخور.
13 اليلندد: الألدّ.
(1/71)

وعلى مَفاعِل: ولا يكون في الكلام إِلَّا إذا كُسِّر عليه الواحد للجمع. فالاسم: مَنابِر. والصفة نحو: مَداعِس.
وعلى يَفاعِل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: اليَرامِع1 واليَحامِد2.
فأمَّا جَمَلٌ يَعْمَلٌ3 وجِمالٌ يَعامِلُ فإنه من قبيل الوصف بالاسم، بدليل انصرافه كما تَقدَّمَ، وبدليل ولايته العوامل، كما تقدَّم كثيرًا. قال الشاعر4:
يا زيدُ زيدَ اليَعمَلاتِ الذُّبَّلِ ... تَطاوَل اللَّيلُ عَلَيكَ فانزِلِ
وعلى تَفاعِل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: التَّناضِب5 والتّتافِل. وقد يجيء صفة بالقياس؛ لأنهم قد قالوا تُحلُبةٌ6. فإذا كسَّرتَه7 على القياس قلتَ: تَحالِب.
فأمَّا قولهم: تُرامِز8 فإنه "فُعالِل" كعُلابِط9. ولا ينبغي أن يُجعل "تُفاعِلًا" من الرمز؛ لأنَّ ذلك بناء لم يثبت، ولا له اشتقاق يشهد بذلك.
وأمَّا تُماضِر10 فهو اسم علم، فيمكن11 أن يكون منقولًا من الفعل المضارع. ويمكن أن تكون التاء فيه أصليّة، فيكون وزنه "فُعالِلًا". ويكون امتناعه من الصرف، في قوله12:
حَيُّوا تُماضِرَ واربَعُوا صَحبِي ... [وقِفُوا فإِنَّ وُقُوفَكُم حَسْبِي]
للتأنيث والتعريف.
وعلى تَفَعُّل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: تَنَوُّط13 ويكثر في المصادر.
__________
1 اليرامع: جمع يرمع. وهو الخذروف.
2 واليحامد: جمع يحمد. وهو اسم قبيلة من الأزد.
3 اليعمل: النجيب المطبوع على العمل.
4 أنشده سيبويه لبعض ولد جرير. الكتاب 1: 315. وهو لعبد الله بن رواحة. ونسب إلى عمر بن لجأ في الكامل ص952. انظر سيرة ابن هشام 3: 331-432 وشرح شواهد المغني ص289 والخزانة 3: 362-364 والورقة 8.
5 التناضب: جمع تنضب. وهو شجر.
6 التحلبة: الشاة تُحلب قبل أن تحمل.
7 م: كسرت.
8 الترامز: القويّ الشديد. وانظر الخصائص 3: 197.
9 العلابط: الضخم.
10 انظر الخصائص 3: 197.
11 م: يمكن.
12 دريد بن الصمة ديوانه ص34 ومقدمة ديوان الخنساء ص8 والخصائص 3: 197-198 والتاج "مضر" والأمالي 2: 163 والشعر والشعراء ص302 والأغاني 9: 10 والإصابة 8: 66. ويروى: حيوا أمامة. انظر الوحشيات ص205. وتماضر هي الخنساء. واربعوا أي: أقيموا وتلبثوا.
13 التنوط: اسم طائر.
(1/72)

وعلى تُفُعُّل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: تُبُشُّر1.
وعلى تِفِعِّل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحوك تِهِبِّط2.
فأمَّا "تُنُوِّطٌ" في اسم الطائر فيمكن أن يكون3 منقولًا من الفعل، وكأنه في الأصل "تُنُوِّطَ"، فعل مبنيّ للمفعول.
وإذا فَصلتْ بينهما العين كان.
على فاعُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: نامُوس. والصفة نحو: حاطُوم وجاروفٌ.
وعلى فَيعُول: ويكون فيهما أيضًا. فالاسم نحو: قَيصُوم4 وخَيشُوم. والصفة نحو: عَيثُوم5 وقَيُّوم6.
وعلى فُوعال: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: طُومار7 وسُولاف8.
وعلى فاعال: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: ساباط9. وهو قليل.
وعلى فَوعال: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: تَوراب10.
وعلى فَيعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: شَيطان. والصفة نحو:11 بَيطار وغَيداق12.
وعلى فِيعال: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: دِيماس13.
وعلى فِنعال: ولم يجئ إِلَّا صفة، نحو: قِنعاس14.
__________
1 التبشير: اسم طائر، وضبط في المزهر 2: 19 والكتاب 2: 327 بكسر الشين.
2 التهبط: اسم طائر.
3 سقط "أن يكون" من م.
4 القيصوم: نبات.
5 العيثوم: الضخم الشديد. وفي النسختين والمبدع والمزهر 2: 19 "غيشوم". والتصويب من الكتاب 2: 325.
6 القيوم: الحافظ لكل شيء.
7 الطومار: الصحيفة.
8 سولاف: اسم قرية.
9 الساباط: سقيفة بين حائطين.
10 التوراب: التراب.
11 سقط من م.
12 الغيداق: الكريم الجواد.
13 ديماس: بلدة قريبة من دمشق.
14 القنعاس: الناقة الطويلة العظيمة السنمة.
(1/73)

وعلى فَوَعْلَل: ولم يجئ إلَّا صفةً نحو: كَوَأْلَل1. وهو قليل.
وعلى فَعَّال: ويكون فيهما. فالاسم نحو2: كَلّاء3 وقَذّاف4. والصفة نحو: شَرّاب ولَبّاس.
وعلى فُعَّال: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: خُطَّاف وكُلّاب. والصفة نحو حُسّان وعُوَّار.
وعلى فِعَّال: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا نحو: حِنَّاء وقِثّاء.
فأمَّا قولهم: رَجلٌ دِنَّابةٌ5، فهو من الوصف بالاسم، إذ 6 لم يُطابق موصوفه.
وعلى فُُعُّول: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: سُبُّوح وقُدُّوس.
وعلى فَعُّول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: سَفُّود وكَلُّوب7. والصفة [نحو] 8: سَبُّوح وقَدُّوس.
وعلى فِعَّول: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: عِجَّول9 وسِنَّور10. والصفة [نحو] 11: خِنَّوص12 وسِرَّوط13.
وعلى فِعِّيل: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: سِكِّين وبِطِّيخ. والصفة نحو: شِرِّيب وفِسِّيق.
وعلى فُعِّيل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: مُرِّيق14 وكوكب دُرِّيء15.
__________
1 الكوألل: القصير مع غلظ.
2 سقط من م.
3 الكلّاء: مرفأ السفن.
4 القذّاف: المنجنيق. وفي حاشية ف نص من شرح الحماسة للتبريزي.
5 الدنابة: القصير الغليظ.
6 م: "إذا". ف: "رجل دنابة إذ لم يطابق موصوفه. فهو من الوصف بالاسم". وفوقها إشارات تصويب كما أثبتنا من م.
7 الكلوب: المهماز.
8 من م.
9 العجول: تمر يُعجَن بسويق فيتعجل أكله.
10 السنور: الهر.
11 من م.
12 الخنوص: الصغير من كل شيء.
13 السروط: الذي يبتلع كل شيء.
14 المريق: المصبوغ بالعصفر.
15 الدريء: المتوقد. م: درّيّ.
(1/74)

وعلى فَعَّيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عُلَّيق1 وقُبَّيط2. والصفة نحو: زُمَّيل3 وسُكَّيت.
فأمَّا قولهم: جِنْدَورةٌ، للحدقة فهو من باب قِرطَعْب، والواو أصل في بنات الأربعة4، من غير المضاعف، وإن كان ذلك قليلًا. وهذا5 أولى من جعلها زائدة، من معنى قولهم: حَدْرة، فيكون وزن الكلمة "فِنعَولة". فإِنَّ ذلك بناء لم يستقرّ في كلامهم. وكذلك حِندِيرة: "فِعلِيلٌ"6 كقِندِيل، وليست بـ"فِنعِيلَة" من لفظ حَدرة، لما في ذلك من إثبات بناء لم يوجد.
وأمَّا قولهم: عُنظُوب7، فيكمن أن يكون "فُنعُولًا"8، غير بناء أصليّ، بل الواو إشباع؛ لأنَّ سيبويه9 حكى عُنظُبًا، فيمكن أن يكون عُنظُوب إِشباعًا منه.
وأمَّا قولهم: رَجلٌ وَيلِمَّةٌ ووَيلُمَّةٌ10، فخارج على11 الحكاية، أي: يقال له من دهائه: وَيلِمَّه. ثم ألحقوا الهاء للمبالغة كداهية12.
وإذا فَصلتْ بينهما اللام كان:
على فَعَنْلًى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قَرَنبًى13 وعَلَندًى14 والصفة نحو: حَبَنطًى15 وسَبَندًى16.
__________
1 العليق: نبات.
2 القبيط: طائر.
3 الزميل: الرذل الضعيف الجبان.
4 كذا. والصواب: "الخمسة". وهذا خلاف ما قرر في ص195 حيث قضى أن الواو لا تكون أصلًا في بنات الخمسة. والمسألة فيها اضطراب لدى المؤلف. فهو يعرض لأصالة الواو وزيادتها، ثم يذكر فنعولة فيشير إلى زيادة النون مع الواو. فلو أنه قطع بأصالة النون وزيادة الواو لكان وزن الكلمة مجردة من التاء. "فِعْلَول" نحو: فردوس، وهو بناء معروف. وقد أجاز بعضهم أيضًا زيادة النون والواو في حندورة. انظر المزهر 2: 20.
5 ف: وهو.
6 كذا، على إسقاط تاء التأنيث.
7 العنظوب: ذكر الجراد.
8 ف: "منقولًا". وفي الحاشية ما أثبتنا.
9 انظر الكتاب 2: 350 ومختصر شرح أمثلة سيبويه ص223.
10 انظر الخصائص 3: 214 والنوادر ص244 والخزانة 1: 562-563 واللسان والتاج "ويل" والتمام ص16.
11 اللسان والتاج: عن.
12 م: كراهية.
13 القرنبى: دويبة شبه الخنفساء.
14 العلندى: شجر.
15 الحبنطى: القصير الغليظ.
16 السبندى: الطويل.
(1/75)

وعلى فَعَنْلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: بَلنصَى1.
وعلى فُعَنْلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل: نحو: جُلَندَى2.
وعلى فُعَيلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: قُصَيرَى3.
وعلى فَعَيْلأ: نحو: حَفَيسأ4.
وعلى فُعالَى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حُبارَى5 وسُمانَى6 ولا يكون صفة إِلَّا أن يُكسَّر عليه الاسم للجمع، نحو: عُجالَى وسُكارَى.
فأمَّا قولهم: جملٌ عُلادَى، فيمكن أن يكون جمع "عَلَندًى"7 على غير قياس، ووُصف به المفرد، وإن كان جمعًا، تعظيمًا8 كما قالوا للضبع: حَضاجِر9.
وعلى فُعُولَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا [10ب] نحو: عُشُورَى10.
وعلى فَعالَى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: صَحارَى وذَفارَى11. والصفة نحو: حَبالَى وكَسالَى. وقد يجوز أن تجيء على أصلها فتقول: ذَفارٍ وصَحارٍ، في الاسم دون الصفة.
وعلى فَعالِن: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فَراسِن12 والصفة نحو: رَعاشِن13 وعَلاجِن14.
__________
1 البلنصى: طائر.
2 جلندى: اسم ملك.
3 القصيرى: ضرب من الأفاعي.
4 الحفيسأ: الضخم. وفي النسختين والمبدع: "حبيسأ". والتصويب من المزهر2: 21.
5 الحبارى: طائر.
6 السمانى: طائر.
7 في ف والمبدع: "علندَى" بلا تنوين. وهو خلاف ما تقدّم من الأبنية.
8 قال الزَّبيديّ: "والعُلادَى: الشديد من الإبل. وقيل: الضخم الطويل منها. وكذلك الفرس. وقال أبو علي القالي في المقصور والممدود: هذا باب ما جاء من المقصور على مثال فُعالَى من الأسماء، ولا يكون وصفًا إِلَّا أن يكسّر عليه الواحد للجميع. نحو: عُجالَى وكُسالَى وسُكارَى. وهذا الضرب ينقاس فيما نستغني عن ذكره. انتهى. ووجدت في هامشه بخط بعض الفضلاء ما نصّه: وقد أثبت بعضهم الصفة في المفرد، نحو: جمل عُلادَى للقويّ. وقال بعض المغاربة: فأمَّا قولهم جمل عُلادَى فيمكن أن يكون جمع عَلندَى على غير قياس, ووصف به المفرد وإن كان جمعًا تعظيمًا له، كما قالوا للضبع حضاجر. قال: وهذا تأويل ضعيف جدًّا". التاج "علد".
9 الحضاجر: جمع حِضَجْر. وهو العظيم البطن.
10 عشورى: اسم موضع.
11 الذفارى: جمع ذفرى. وهو عظم ناتئ خلف الأذن.
12 الفراسن: جمع فِرسِن. وهو طرف خفّ البعير.
13 الرعاشن: جمع رَعشَن. هو الجبان.
14 العلاجن: جمع عَلجَن. وهو الناقة الكناز اللحم. ف: عجالن.
(1/76)

فأمَّا عَدَولَى1 اسم وادٍ بالبحرين فليس بـ"فَعَولَى"2. وكذلك القَهَوباة3، حكاهما أبو عُبيدة4 إنما هما "فَعَولَلٌ" كفَدَوكس5، وحرف العِلَّة أصل في بنات الأربعة، نحو: وَرَنتَل6. لأنك إن لم تفعل ذلك، وجعلت الألف زائدة، أدَّى إلى بناء غير موجود. ويكون منع صرفه للتأنيث والتعريف.
فأمَّا حَبَونَى في اسم المكان فيمكن أن يكون جملة، من فعل وفاعل في الأصل، فسُمِّي بها. وأمَّا تَنُوفَى7 من قول الشاعر8:
[كأنّ دِثارًا حَلَّقَتْ, بِلَبُونِهِ] ... عُقابُ تَنُوفَى, لا عُقابُ القَواعلِ
فالمحفوظ تَنُوف بغير ألف، فيمكن أن تكون الألف إشباعًا. وهذا أولى من جعلها من نفس الكلمة؛ لأنه لم يثبت من كلامهم "فَعُولَى".
وكذلك قولهم: رَجلٌ حَبَنْطأٌ9، ليس فيه دليل على إثبات "فَعَنْلأ"؛ لاحتمال أن تكون الهمزة بدلًا من ألف "حَبَنطًى"، كما قالوا في أفعًى وبابه: "أفعأ"10 في الوقف. ثمّ أُجري الوصل مُجرى الوقف.
وعلى فُعَلَّى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: عُرَضَّى11.
وعلى فِعَلَّى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: دِفَقَّى12.
وعلى فِعِلَّى: ويكون فيهما. فالاسم نحو: زِمِكَّى13 وعِبِدَّى14 والوصف نحو: كِمِرَّى15.
__________
1 م: عدّولى.
2 م: فَعّولى.
3 القهوباة: نصب له شعب ثلاث.
4 م: "أبو عبيد". وانظر الخصائص 3: 217. وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى التميمي، لغوي نحوي إخباري بصري، توفي سنة 208. البلغة ص261.
5 الفدوكس: الأسد.
6 الورنتل: الداهية.
7 تنوفى: اسم موضع. وانظر الخصائص 3: 191-193. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي وابن القوطية أمثلة على فَعُولى مع تفسيرها. انظر الارتشاف 1: 45.
8 هو امرؤ القيس. ديوانه ص94. ودثار: راعي إبل امرئ القيس. واللبون: التي لها ألبان. والقواعل: اسم موضع.
9 الحبنطأ: القصير الغليظ.
10 م: أفعاه.
11 العرضَّى: من الإعراض.
12 الدّفقى: مشية فيها تدفق وإسراع.
13 الزمكى: منبت ذنب الطائر.
14 العبدى: العبيد. وهو اسم جمع.
15 الكمرى: القصير. م: كفرى.
(1/77)

وعلى فُعُلَّى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: حُذُرَّى1 وبُذُرَّى2.
وعلى فُعالِيَة، والتاء3 لازمة له: ويكون فيهما. فالاسم نحو: الهُبارِيةَ4 والصُّراحِيَة5 والصفة نحو: العُفارِيَة6 والقُراسِيَة7.
وعلى فَعالِيَة، والتاء8 لازمة له أيضًا: ويكون فيهما. فالاسم نحو: كَراهِيَة ورَفاهِيَة. والصفة نحو: عَباقِيَة9 وحَزابِيَة10.
فأمَّا قولهم: حَزابٍ11، فيمكن أن يكون جمع حَزابِية12, ويكون من الجمع الذي بينه وبين واحده حذف الهاء13 نحو: شجرة وشجر. ووُصف به المفرد تعظيمًا له، كما قالوا: ضبعٌ حَضاجُر. وإنما تلزم الهاء المفرد.
وعلى فَعَنْلُوَة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، والهاء لازمة له، نحو: قَلَنسُوة.
وعلى فُعَنْلِيَة، والهاء لازمة له أيضًا: وهو قليل، لم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو قُلَنسِيَة.
وإذا فَصلتْ بينهما الفاء والعين يكون:
على إفعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: إعطاء وإعصار. والصفة: إسكاف. ولم يجئ غيره.
وعلى أَفعال: ولا يكون فيهما، إِلَّا إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع. فالاسم نحو: أَجمال. والصفة نحو: أَبطال.
وعلى أُفعُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: أُسلُوب وأُخدُود. والصفة نحو: أُملُود14.
__________
1 الحذرى: الباطل.
2 البذرى: الباطل.
3 م: والياء.
4 الهبارية: ما طار من الريش. وفي حاشية ف عن كراع: يقال: طار من الريش وغيره هِبرِية وإبرِية وهُبارِية وأُبارِية.
5 الصراحية: الخمر الخالصة.
6 العفارية: الشديد.
7 القراسية: الضخم الشديد.
8 م: والهاء.
9 العباقية: المكار الداهية.
10 الحزابية: الغليظ أو الجلد.
11 ف: حراب.
12 ف: حرابية.
13 يعني أنه اسم جمع. م: التاء.
14 الأملود: الأملد.
(1/78)

وأُسكوب1.
وعلى إفعِيل: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: إِخرِيط2 وإِكلِيل. والصفة نحو: إِصلِيت3 وإِخلِيج4.
وعلى إِفعَول: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: إدرَون5. والصفة [نحو] : الإِسحَوف6 والإِزمَول7.
وعلى مِفْعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مِنقار ومِصباح. والصفة نحو: مِفساد ومِصلاح.
وعلى مِفْعِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مِندِيل ومِشرِيق8. والصفة نحو: مِسكِين ومِحضِير9.
وأمَّا مَندِيلٌ ومَسكِينٌ بفتح الميم فـ"مَفْعِيلٌ"10. إِلَّا أنه إنَّما رواهما اللِّحيانيّ11 في "نوادره". قال أبو الفتح12: وكان إذا ذكرته لأبي عليّ قال: كُناسةٌ. وكان أبو بكر13 بن دُريد يزعم أنَّ كتاب اللِّحيانيّ لا تصله به رواية.
وعلى مَفْعُول: نحو: مَضرُوب. ولم يجئ إِلَّا صفة.
وعلى مُفْعُول: وهو غريبٌ شاذّ، نحو: مُغرُود14 ومُعلُوق15.
__________
1 الأسكوب: المسكوب.
2 الإخريط: نبات.
3 الإصليت: الشجاع الماضي في الحوائج.
4 الإخليج: السريع من الجياد.
5 الإدرون: المعلف.
6 الإسحوف: يقال ناقة إسحوف الأحاليل. وهي الكثيرة اللبن، يُسمع لصوت شخبها سحفة.
7 الإزمول: المصوت من الوعول وغيرها.
8 المشريق: موضع القعود في الشمس شتاء.
9 المحضير: الشديد الركض.
10 وهو بناء غير أصلي, فتح أوله تخفيفًا، كما قالوا في بُرقُع: بُرقَع، وكما قالوا في حِورِيت: حَوريت. انظر ص91.
11 هو علي بن المبارك. أخذ عن البصريين والكوفيين، وكتابه النوادر مشهور. البغية ص346.
12 في الخصائص 3: 206: "وذاكرت يومًا أبا عليّ بنوادره فقال: كنّاش". كذا خلافًا لسائر النسخ. والكناش: أوراق تجعل كالدفتر.
13 في معجم الأدباء 14: 108 أن أبا بكر هذا هو ابن مِقسم تلميذ ثعلب. وهو خطأ؛ لأنَّ لثعلب رواية لنوادر اللحياني، ذكرها ابن خير في الفهرسة ص379. أمَّا ابن جني فقال: "وكان أبو بكر –رحمه الله- يقول: إن كتابه لا تصله به رواية. قدحًا فيه وغضًا منه". وابن دريد هو محمد بن الحسن الأزدي، لغوي مشهور توفي سنة 321. معجم الأدباء 18: 128.
14 المغرود: ضرب من الكمأة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان " ... [ذكر في باب] الميم أن مُغرودًا ميمه أصلية، وأن وزنه فُعلول، فناقض كلامه هنا". انظر ص166. وجاء بعد تعليق أبي حيان بخطه ما يلي: "وقال أبو القاسم السعديّ: وعلى مُفعول نحو مُعلوق للمعلاق، ومُغرود ومُغفور ومُغثور وهو صمغ، ومُنخور للمنخر، ومُنخول للمنخل. انتهى". وأبو القاسم هو ابن القطّاع.
15 المعلوق: المعلاق.
(1/79)

وعلى تَفْعِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: تَثبِيت1 وتَمتِين.
وعلى تَفْعُول: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: تَذنُوب2 وتَعضُوض3.
وعلى تُفْعُول: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: تُؤثُور4.
وعلى تِفْعال: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: تِمثال وتِجفاف. وقد [11أ] حُكِيَ5 صفةً بالهاء, حكى الكسائيُّ: رَجلٌ تِلقامةٌ وتِلعابةٌ وتِقوالةٌ. وحكى أبو زيد: رَجلٌ تِبذارةٌ6 وتِرعايةٌ7. وذلك قليل8. وقد يمكن أن يكون من قَبيل ما وُصِف به، وهو اسم في الأصل، نحو قولهم: نسوةٌ أربعٌ. وممّا يُبَيِّن ذلك جَريانُه على المذكَّر، وفيه تاء التأنيث؛ إِذ حقُّ الصِّفِة أن تكون مطابقة للموصوف.
وكذلك أيضًا حكى الكسائيُّ: ناقةٌ تِضرابٌ9. وينبغي أن يحمل على أنه اسمٌ وُصِفَ به، لعدم مطابقته للموصوف10، إذ لفظه لفظ المذكّر، وهو صفة لمؤنّث11. وقد تقدَّم الدليل على أنَّ الصفة إذا لم تُطابق موصوفها كان محكومًا لها بحكم الأسماء12.
وعلى تَفْعال: ولم يجئ إِلَّا مصدرًا، نحو: التَّسآل13 والتَّرداد.
وأمَّا نِفراجٌ14 فـ"فِعْلال" كسِرداح15، وليس بـ"نِفْعال". وسيُبَيَّنُ بعدُ16.
__________
1 م: تنبيب.
2 التذنوب: البُسر بدأ فيه الإرطاب من قِبل ذنبه.
3 التعضوض: تمر أسود شديد الحلاوة.
4 التؤثور: حديدة يسحى بها باطن خف البعير.
5 م: يجيء.
6 التبذارة: الذي يبذر ماله ويفسده. وأبو زيد هذا هو سعيد بن أوس الأنصاري صاحب النوادر، لغوي ثقة مشهور توفي سنة 215. البلغة ص84.
7 الترعاية: الذي يجيد رعاية الإبل.
8 سقط "وحكى أبو زيد ... قليل" من م هنا، وأثبت فيما بعد. وانظر الخصائص 3: 190 و200.
9 التضراب: التي ضربها الفحل.
10 م: الموصوفة.
11 م: للمؤنث.
12 سقط "وقد تقدم.. الأسماء" من م، واستبدل به "والصفة المحضة لا يجوز فيها إسكان العين. وحكى أبو زيد ... وذلك قليل". انظر الورقة6.
13 م: التقتال.
14 النفراج: الجبان.
15 السرداح: الناقة الطويلة.
16 في الورقة 25.
(1/80)

وعلى يَفْعُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: يَربُوع ويَعقوب. والصفة نحو: يَحموم1 ويَخضور2.
وعلى يَفْعِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: يَقطين3 ويَعضيد4.
فأمَّا قولهم: يُسرُوع5، فضمُّ الياء إِتباع لضمَّة الراء.
وعلى تَفْعِلَّة، وتلزمه الهاء: وهو قليل في الكلام. قالوا: تَرْعِيَّة6. وقد كسر بعضهم التاء فقال: تِرعِيَّة، إِتباعًا.
وعلى أُفْعُلّ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: أُترُجٌّ7.
وعلى إِفْعَلّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: إِزفَلَّة8. والصفة نحو: إِرْزَبّ9.
وعلى مِفْعِلّ: وهو قليل. قالوا: مِرعِزّ10.
وعلى مَفْعَلّ: ولم يجئ منه إِلَّا مَكْوَرّ11.
وأمَّا12 قولهم: حَجرٌ يَهْيَرٌ13، فيمكن أن يكون أصله "يَهْيَرٌ" خفيفًا، على وزن "يَفْعَلٍ"14 كيَرْمَع، ثم شُدِّد على حدّ قولهم في جعفر: جَعْفَرّ. وهذا أولى من إثبات بناء لم يوجد في كلامهم وهو "يَفْعَلّ".
__________
1 اليحموم: الأسود.
2 اليخضور: الأخضر.
3 اليقطين: القرع المستدير.
4 اليعضيد: بقلة تشبه الهندباء.
5 اليسروع: دود حمر الرءوس بيض الأجساد.
6 الترعية: الذي يجيد رعاية الإبل.
7 الأترج: ثمر يشبه الليمون.
8 الإزفلّة: الخفّة.
9 الإرزب: القصير.
10 المرعز: الزغب الذي تحت شعر العنز.
11 المكور: العظيم روثة الأنف.
12 سقط حتى "والاشهر إكبرة" من النسختين. وقد ألحقه أبو حيان بحاشية ف هنا، واختتمه بقوله: "صح أصلًا. ثبتت هذه الزيادة في نسخة ابن الخفّاف من الممتع، ونقلتها من خطه". وقد ورد بعض هذه الزيادة في متن ف مبتورًا بعد قوله "وهو سمهى" فيما يلي بعد.
13 اليهير: الصلب. وفي حاشية ف عن خط الرضي أن اليهير صمغ الطلح عن أبي عمرو، مع رجز هو في اللسان والتاج "هير".
14 وهذا يثبت مجيء يفعلٍ في الصفات وهو خلاف ما نص عليه قبل. انظر 8أ.
(1/81)

وكذلك قولهم: هو إِكْبِرّةُ قَومِهِ1. ليس فيه دليل على إثبات "إِفْعِلَّة"؛ لأنَّ الناس قد حكوا: هو إِكْبِرَةُ قومِهِ، بالتخفيف. فيمكن أن يكون مشدّدًا منه، نحو قوله2:
بِبازلٍ وَجناءَ أو عَيْهَلِّ
يريد: أو عيهل، خفيفًا، فشدّد وأَجرى الوصل مُجرى الوقف. وقد يُجرى الوصل مُجرى الوقف في الكلام، وبابُه الشعر، ومنه قوله تعالى3: {كِتَابِيَهْ} {إِنِّي} بإثبات هاء السكت في الوصل، لا سيّما والأشهر إِكْبِرَة.
وإذا فَصلتْ بينهما العين واللام كان:
على فَيْعَلَى: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو خَيزَلَى4.
وعلى فَوْعَلَى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو خَوزَلَى5.
وعلى فِنْعَلْو: ولم يجئ أيضًا إِلَّا صفةً، نحو: حِنطأْو6 وسِندأْو7. وكذلك ما حُكي من قولهم: عِنزَهْوةٌ8. فهو "فِنعَلْوَةٌ"، فهو كحِنطأْو.
وعلى فُعَّلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو سُمَّهَى9.
وإذا فصلتْ بينهما الفاء والعين واللام كان:
على أَفْعَلَى: نحو: أَجْفَلَى10. ولا يُحفظ غيره.
وعلى إِفْعَلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: إِيْجَلَى11.
__________
1 إكبرة قومه: أكبرهم أو أقعدهم في النسب.
2 منظور بن مرثد الأسدي. شرح الشافية 2: 318 وشرح شواهدها ص246-251 والكتاب 2: 282. والبازل: المسنة الغليظة. والوجناء: الغليظة. والعيهل: السريعة.
3 الآيتان 19 و20 من سورة الحاقة.
4 الخيزلى: مشية فيها تثاقل.
5 الخوزلى: مشية فيها تثاقل.
6 الحنطأو: العظيم البطن.
7 السندأو: الخفيف.
8 العنزهوة: العازف عن اللهو والنساء.
9 السمهى: الجري إلى غير أمر معروف. وزاد في ف: "وأمَّا قولهم حجر يهيرّ فيمكن". وانظر ما مضى في ص81.
10 الأجفلى: الدعوة العامة إلى الطعام. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي أنه يقال بالحاء أيضًا، وأن من هذا أيضًا أوتَلى وأوجَلى.
11 إيجلى: اسم موضع. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن القوطية ذكر إجفَلى أيضًا.
(1/82)

وإذا اجتمعت فيه الزيادتان فلا يخلو أن تجتمعا فيه قبل الفاء، أو بعد الفاء، أو بعد العين، أو بعد اللام.
فإنِ اجتمعتا فيه قبل الفاء كان:
على إِنْفَعْل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: إِنقَحل1.
وإن اجتمعتا فيه بعد الفاء كان:
على فَواعِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حَوائط وجَوائز. والصفة نحو: حَواسِر وضَوارِب.
وعلى فُواعِل ويكون فيهما. فالاسم نحو: صُواعِق2 وعُوارض3. والصفة نحو: دُواسِر4.
وعلى فَياعِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: غَيالِم5 وغَياطِل6. والصفة نحو: عيَالِم7 وصَياقِل.
وعلى فَناعِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جَنادِب وخَنافِس. والصفة نحو: عَنابِس8 وعَناسِل9.
وأمَّا كُنادِرٌ10 فـ"فُعالِلٌ" كعُذافِر. فيكون موافقًا لكُدُرّ في المعنى، مخالفًا له في الأصول، كسَبِط وسِبَطر. وهذا أولى من إثبات "فُناعِل"؛ لأنه لم يستقرَّ في كلامهم.
وعلى فَعَوعَل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: عَثَوثَل11 وغَدَودَن12.
وعلى فَعَيعَل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: خَفَيفَد13.
__________
1 الإنقحل: المخلق من الكبر والهرم. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن الثلاثي لا يوجد فيه زيادتان أو ثلاث من أوله غير المشتقات، وشذ إنقحل. وفي الارتشاف 1: 34 غيره من الأبنية.
2 صواعق: اسم موضع.
3 عوارض: اسم موضع.
4 الدواسر: الشديد الضخم.
5 الغيالم: جمع غيلم. وهو الضفدع.
6 الغياطل: جمل غيطل. وهو السنور.
7 العيالم: جمع عيلم. وهو التارّ الناعم.
8 العنابس: جمع عنبس، صفة للأسد من العبوس.
9 العناسل: جمع عنسل. وهي الناقة الصلبة السريعة.
10 الكنادر: الغليظ القصير مع شدة.
11 العثوثل: الفدم المسترخي.
12 الغدودن: الناعم.
13 الخفيفد: الخفيف من الظلمان. ف: خفيدد.
(1/83)

وعلى فَعَنعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عَقَنقَل1 وعَصَنصَر2.
وعلى فَعاعِل: نحو: سَلالم وفَرارِج3. ولا يستنكر أن يكون هذا في الصفة؛ لأنَّ فيها مثل: زُرَّق4 وحُوَّل5.
وعلى فُعَلعَل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: ذُرَحرَح6 وجُلَعلَع7.
وعلى فَعَلعَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حَبَربَر8 وحَوَروَر9. والصفة نحو: صَمَحْمَح10 ودَمَكْمَك11.
وعلى فُعُلعُل: نحو12: كُذُبْذُب13. ولا يُعرف غيره.
وعلى فِعِلعِل: قالوا عِندَ الزَّلزلة: إِزِلزِل وهو "فِعِلْعِل" من لفظ "الأَزْل"14. ولا يُجعل "إِفِعْلِل" من لفظ الزّلزلة؛ لأنَّ الزيادة لا تلحق بناتِ [11ب] الأربعة من أوّلها، إِلَّا الأسماء الجارية على أفعالها.
فأمَّا عُياهِم15 فحكاية صاحب "العَين"، فلا يُلتفتُ16 إليه.
وإذا اجتمعتا فيه بعد العين كان:
على فُعْوال: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عُصْواد17.
__________
1 العقنقل: السيف.
2 عصنصر: اسم موضع.
3 الفرارج: جمع فرّوج.
4 الزرق: الحديد النظر.
5 الحول: الشديد الاحتيال للأمور.
6 الذرحرح: السمّ.
7 الجلعلع: الضبّ.
8 الجبربر: فرخ الحبارى.
9 الحورور: الشيء.
10 الصمحمح: الشديد المجتمع الألواح.
11 الدمكمك: الشديد القويّ.
12 انظر الخصائص 3: 204 والمزهر2: 5.
13 الكذبذب: الكثير الكذب.
14 الأزل: الشدة. م: الإزل.
15 العياهم: الجمل السريع.
16 م: "فلا يثبت". وانظر العين 1: 127 والخصائص 3: 197. وصاحب معجم العين هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي النحوي اللغوي العروضي. توفي سنة 175. البلغة ص79.
17 العصواد: الجلبة والاختلاط.
(1/84)

وعلى فِعْوال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عِصْواد. وقِرْواش1. والصفة جِلواخ2 ودِرواس3.
فأمَّا سُراوِع4 اسم المكان، قال الشاعر5:
عَفاسَرِفٌ مِن أَهلِه فسُراوِعُ ... [فَوادِي قُدَيدٍ فالتِّلالُ الدَّوافِعُ]
فظاهره أنه "فُعاوِل". وذلك شيء لا يُحفظ في أبنية كلامهم، فينبغي أن يكون عندي "فُعالِلًا"، وتكون الواو أصلًا في بنات الأربعة. فيكون نظير "وَرَنتَل"6، ولا تجعل الواو زائدة؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى إثبات بناء لا نظير له.
وعلى فَعالَّة: نحو: الزَّعارَّة7 والحَمارَّة8. ولم يجئ صفة.
وعلى فِعْيال: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: جِريال9 وكِرياس10.
وعلى فِعْيَول: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: كِدْيَون11 وذِهْيَوط12 والصفة نحو: عِذْيَوط13.
وعلى فِعْنال. ولم يجئ منه إِلَّا صفة، نحو: فِرْناس14.
وعلى فُعانِل: ولم يجئ إِلَّا فُرانِس15.
وأمَّا فِرْنَوس16 فـ"فِعْلَول"17، وهو اسم. ولا يكون مُشتَقًّا من الفَرْس؛ لأنَّ "فِعْنَولًا"18 ليس من أبنية كلامهم.
__________
1 قراوش: اسم علم.
2 الجلواخ: الوادي الواسع الضخم الممتلئ العميق.
3 الدرواس: الجمل الذلول الغليظ العنق.
4 م: "شرواع" وكذلك في الشاهد.
5 ابن ذريح. الخصائص 3: 213 ومعجم البلدان 5: 58. وعفا: خلا.
6 الورنتل: الداهية.
7 الزعارة: شراسة الخلق.
8 الحمارة: شدة الحرّ.
9 الجريال: صبغ أحمر.
10 الكرياس: الكنيف المشرف المعلق بقناة من الأرض.
11 الكديون: دقاق التراب عليه درديّ الزيت تجلى به الدروع.
12 ذهيوط: اسم موضع.
13 العذيوط: الكسول عند الجماع.
14 الفرناس: الشديد الشجاع.
15 الفرانس: الأسد.
16 الفرنوس: من أسماء الأسد.
17 م: فُعلُول.
18 م: فُعنُول.
(1/85)

وعلى فَعاوِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جَداوِل. والصفة نحو: قَساوِر1 وحَشاوِر2. وعلى فَعايِل، غَير مهموز: ولا يجيء إِلَّا اسمًا، نحو: عَثايِر3 وحَثايِل4. إِلَّا أنه قد يجيء صفة بالقياس؛ لأنَّ طِرْيَمًا5 صفة، وقياسُ جمعه طَرايِم.
وعلى فَعائل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: غَرائز6 ورَسائل. والصفة نحو: طَرائف وصَحائح.
فأمَّا ذُرنُوح7 فـ"فُعْلُول"، وليست النون زائدة، فيكونُ في معنى "ذُرُّوح" ومخالفًا له في الأصول، كسَبِط وسِبَطْر. وهذا أولى من إثبات بناء لم يوجد، وهو "فُعْنُول".
وعلى فُعائل: وهو قليل. فالاسم نحو: جُرائض8. والصفة نحو: حُطائط9.
وعلى فُعُلِيل: ولم يُحكَ منه إِلَّا الحُبُلِيل10. ولا أَتَحقَّقُ11 ثباته من كلامهم.
وعلى فُعامِل: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: دُلامِص12.
فأمَّا قِسْيَبٌّ13 فـ"فِعْيَلٌ" مثل: طِرْيَم وحِذْيَم14، ثم شُدِّد على حدّ جَعْفَرّ15. وهذا أولى من إثبات "فِعْيَلّ"16، وهو بناء غير موجود. وكذلك قِسْيَنٌّ17 وعِظْيَمٌّ. وقد يُشَدَّد الآخِر في
__________
1 القساور: جمع قسورة. وهو الشجاع.
2 الحشاور: جمع حشورة. وهي المرأة البطينة.
3 العثاير: جمع عثير. وهو التراب.
4 الحثايل: جمع حثيل. وهو شجر جبلي.
5 الطريم: الطويل من الناس.
6 م: "غرائر". والغرائر: جمع غرارة. وهي الجوالق.
7 الذرنوح: دويبة. وذكر في ص178 أن النون زائدة. وفي حاشية ف تَعَقُّب لأبي حيان يذكر فيه تناقض ابن عصفور، مع أمثلة على فُعنُول عن ابن القطاع.
8 الحرائض: الأسد.
9 الحطائط: الجارية الصغيرة.
10 في حاشية ف بخط أبي حيان: "الحبليل: دويبة. وهو من الأبنية التي لم يذكرها سيبويه. قاله ابن سيده". وانظر الخصائص 3: 214. وتضبط الحبليل بفتح الباء وسكونها أيضًا. وانظر المزهر2: 17.
11 م: ولا أُحقّق.
12 الدلامص: البرّاق.
13 القسيب: الشديد الطول. وفي النسختين والمبدع: "قشيب". والتصويب من الاستدراك على سيبويه ص21 والتاج "قسب".
14 الطريم: الطويل. وحذيم: موضع بنجد.
15 م: جعفرٍ.
16 م: فعيلٍ.
17 القسين: الشيخ القديم.
(1/86)

الوصل، وبابه الشّعر نحو قوله1:
مَحْضُ النِّجارِ، طَيِّبُ العُنْصُرِّ2
وعلى فَعَنْلَل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو ضَفَنْدَد3 وعَفَنْجَج4.
وعلى فَعالِل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قَرادِد5 والصفة نحو: رَعابِب6 وقَعادِد7.
وعلى فَعَيْلَل: وهو قليل ويكون فيهما. فالاسم نحو: حَفَيلَل8. والصفة نحو: خَفَيدَد9.
وعلى فَعَولَل وفِعَولَل: نحو: حَبَونَن10 وحِبَونَن. وهما اسمان قليلان.
وعلى فِعْوَلّ: فالصفة نحو: عِثْوَلّ11 وعِلْوَدّ12. وقد جاء اسمًا نحو: عِسْوَدّ13. وهو قليل.
وعلى فُعْلال: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: قُرْطاط14 وفُسطاط.
وعلى فِعْلال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: جِلباب وقِرطاط15 والصفة نحو: شِمْلال16 وطِمْلال17.
وعلى فِعْلِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حِلتيت18 وخِنذيذ19. والصفة نحو: صِهمِيم20 وصِنديد.
__________
1 الخصائص 3: 311 والتمام ص219 والمحتسب1: 79 والخزانة 1: 269. والنجار: الأصل.
2 الخصائص:
غَضٌّ نِجارِي, طَيِّبٌ عُنصُرِّي
3 الضفندد: الأحمق مع ثقل وكثرة لحم.
4 العفنجج: الجافي الخلق.
5 القرادد: جمع قردد. وهو الوجه.
6 الرعابب: جمع رعبب. وهو الفروق من كل شيء.
7 العقادد: جمع قعدد. وهو الخامل القاعد من المكارم.
8 الحفيلل: شجر. وفي ف والمبدع: "خفيلل". وانظر الكتاب 2: 326 واللسان والتاج "حفل".
9 الخفيدد: السريع.
10 حبونن: اسم علم.
11 العثول: الفدم المسترخي.
12 العلود: الغليظ الرقبة.
13 العسود: الحية.
14 القرطاط: البرذعة.
15 القرطاط: البرذعة.
16 الشملال: السريع الخفيف من الإبل.
17 الطملال: الذئب الأطلس الخفي الشخص.
18 الحلتيت: نبات.
19 الخنذيذ: رأس الجبل.
20 الصهميم: السيد الشريف.
(1/87)

وعلى فُعْلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: طُخرُور1 وهُذلُول2. والصفة نحو: بُهلُول3 وحُلكُوك4.
وعلى فَعَلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: بَلَصُوص5 وبَعَكُوك. والصفة نحو: حَلَكُوك6.
وعلى فَعَلِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حَمَصِيص7. والصفة نحو: صَمَكِيك8.
وعلى فَعَيَّل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: هَبَيَّغ9 وهَبَيَّخ10.
وعلى فَعَوَّل: ولم يجئ أيضًا إِلَّا صفةً، نحو: عَطَوَّد11 وكَرَوَّس12.
فأمَّا زَوَنَّك13 فـ"فَعَلَّل" كعَدَبَّس14، والواو أصل في بنات الأربعة، مثلها في وَرَنتَل15. وهذا أولى من [12أ] إثبات بناء لم يستقرَّ في كلامهم. وهو "فَعَنَّل"16.
وإذا اجتمعتا17 فيه بعد اللام كان:
على فَعْلاءَ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: طَرفاءَ18 وحَلْفاءَ19 والصفة نحو: خَضراءَ وسَوداءَ.
__________
1 الطخرور: اللطخ من السحاب القليل.
2 هذلول: اسم علم.
3 البهلول: السيد الجامع لكل خير.
4 الحلكوك: الشديد السواد.
5 البلصوص: طائر.
6 البعكوك: شدة الحر. والحلكوك: الشديد السواد.
7 الحمصيص: بقلة رملية.
8 الصمكيك: الغليظ الجافي.
9 الهبيغ: المرأة الفاجرة لا تردّ يد لامس.
10 الهبيخ: الأحمق المسترخي.
11 العطود: الشديد الشاق من كل شيء.
12 الكروس: الضخم من كل شيء.
13 الزونك: اللحيم القصير الحيّاك في مشيه. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن سيده وابن القطاع أن وزنه فَعَنّل، ومثله ضَفَنّك وسَفَنّج وهَجَنّف.
14 العدبس: الشديد الموثق الخلق.
15 الورنتل: الداهية.
16 كذا. وإذا جعلت الواو زائدة في زونّك كان وزنه فوعّلًا لا فعنَّلا. ولعله ذكر فعنّلًا. وهو يريد أن يدفع ما ذهب إليه ابن جني. انظر الخصائص 3: 217. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن بعض معاصريه أن الوزن هو فَعَنّل، ومثله جهنّم. انظر ص273-274 من ابن عصفور والتصريف.
17 ف: اجتمعا.
18 الطرفاء: شجر. فالهمزة فيها للتأنيث، والواحدة منها طَرَفة. ولو لم تمنع من الصرف كانت الواحدة طرفاءة. انظر التاج "طرف".
19 الحلفاء: نبت يكثر في المغرب والأندلس. والواحدة حَلَفة. ولو صرفت كانت الواحدة حلفاءة.
(1/88)

وعلى فُعْلاءٍ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: قُوْباء1.
وعلى فِعْلاءٍ: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: عِلْباء2 وخِرشاء3.
وعلى فُعَلاءَ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قُوَباء4 ورُحَضاء5. والصفة نحو: عُشَراء ونُفَساء. وهو كثير، إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع.
وعلى فَعَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا نحو: قَرَماء6 وجَنَفاء7.
وعلى فِعَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: سِيَراء8 وخِيَلاء.
وعلى فَعْلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: سَعدان9 وضَمران10. والصفة نحو: رَيَّان وعَطشان وشَبعان11.
وعلى فُعْلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: دُكَّان وعُثمان. وهو كثير، إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع، نحو: جُربان12 والصفة نحو: عُريان وخُمصان.
وعلى فِعْلان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: ضِبعان13 وسِرحان، وهو كثير، إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع، نحو: غِلمان.
فأمَّا قولهم: رجلٌ عِليانٌ14, فمن الوصف بالأسماء؛ لأنها ليست بصفة مطابقة للموصوف؛ لأنهم قد قالوا: ناقةٌ عِليانٌ، فوصفوا به الناقة ولم يُدخلوا التاء. ومذهبنا أنَّ الصِّفة إذا كانت كذلك حُكِم لها بحكم الأسماء.
__________
1 القوباء: داء معروف بالحزاز.
2 العلباء: عصب عنق البعير.
3 الخرشاء: سلخ جلد الحية.
4 القوباء: داء معروف بالحزاز.
5 الرحضاء: عَرق الحمى.
6 قرماء: اسم موضع.
7 جنفاء: موضع في ديار بني فزارة.
8 السيراء: نبت. وفي حاشية ف: وعِنَباء للعنب.
9 السعدان: نبت له ثمر مستدير مشوك الوجه.
10 الضمران: نبت.
11 م: شعبان.
12 الجربان: جمع جريب. وهو مقدار معلوم من الأرض والطعام.
13 الضبعان: ذكر الضباع.
14 العليان: الطويل الجسم الضخم. وانظر المزهر 2: 17.
(1/89)

وعلى فَعَلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: كَرَوان ووَرَشان1. والصفة نحو: قَطَوان2 وزَفَيان3.
وعلى فَعِلان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: ظَرِبان4 وقَطِران.
وعلى فَعُلان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: سَبُعان5.
وعلى فُعُلان: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: سُلُطان.
وعلى فَعَلْنًى: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: عَفَرنًى6.
وعلى فِعَلْنَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل, نحو: عِرَضنَى7.
فأمَّا الهَرْنَوَى اسم نبت فإنه "فَعْلَلَى" كالقَهقرَى، والواو أصل8 في بنات الأربعة، مثلها في ورَنْتَل شُذوذًا. وهو أولى من جعلها زائدة، فتكونُ الكلمة "فَعْلَوَى"؛ لأنَّ ذلك بناء لم يثبت في كلامهم. وأصالة الواو في بنات الأربعة قد وُجِدت في المضعَّف باطّراد، وفي غير المضعَّف قليلًا. فجَعْلُ الواو أصلًا أولى لذلك.
وأمَّا زَيتُون فـ"فَيعُول"9 كقَيصُوم10. وليست النون زائدة بدليل قولهم: الزَّيت؛ لأنهم قد قالوا: أرضٌ زَتِنةٌ أي: فيها زيتون. فَنُونُ زَيتون على هذا أصليَّةٌ. وأيضًا فإنه لو11 جُعلت النون زائدة لكان وزن الكلمة "فَعْلُونًا"12. وذلك بناء لم يستقرَّ في 13 كلامهم.
وعلى فَعَلُوت: ويكون فيهما. فالاسم نحو: رَغَبُوت14 ورَهَبُوت15. والصفة نحو: رَجُلٌ
__________
1 الورشان: طائر شبه الحمام.
2 القطوان: الذي يقارب في خطوه مع النشاط.
3 الزفيان: الناقة السريعة. م: زفيان وقطوان.
4 الظربان: دويبة كالهرة.
5 سبعان: اسم موضع.
6 العفرنى: الخبيث المنكر الداهي.
7 العرضنى: المشي فيه بغي من نشاطه.
8 م: أصلية.
9 م: فيعون.
10 القيصوم: نبت من نبات البادية.
11 م: إن.
12 انظر الخصائص 3: 203.
13 م: من.
14 الرغبوت: الرغبة.
15 الرهبوت: الرهبة.
(1/90)

خَلَبُوتٌ1 وناقةٌ تَرَبُوتٌ2.
وعلى فَعْلُوت: نحو: خَلْبُوت3 وحَيُّوت4.
وعلى فِعْليت: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: عِفرِيت وغِزوِيت5.
وعلى فِعْلِين: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: غِسلِين6.
وأمَّا حَوْرِيت7 وصَوْلِيت فيمكن أن يكون الأصل فيهما حِوْرِيت وصِوْلِيت8 على وزن "فِعْلِيت" كعِفرِيت، ثمّ فُتحت الفاء تخفيفًا، كما قالوا في بُرْقُع: بُرْقَع. على9 أنَّ أبا عليّ أَقلَّ الحَفْلَ بحَوْريت، إذ كان ليس من لغة ابني10 نزار.
وعلى فُعَلْنِيَة، والهاء لازمة له: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: بُلَهنِيَة11.
وعلى فَعَلُوَّة: ولم يجئ منه إِلَّا جَبَرُوَّة12.
وكذلك قولهم: سُمْعُنَّة نُظْرُنَّة 13 وسِمْعِنَّة نِظْرِنَّة، النون زائدة في آخرهما، على حدّ زيادتها في قول الراجز14:
قُطْنُنَّةٌ, مِن أكبَرِ القُطْنُنِّ
وكذلك خِلَفْناة15: "فِعَلْناة". إِلَّا أنه ليس ببناء أصليّ؛ لأنهم قد قالوا: "خِلَفْنَةٌ". فيمكن أن يكون هذا مُشْبَعًا منه. وهو أولى من إثبات بناء لم يستقرَّ.
__________
1 الخلبوت: الخداع الكذاب.
2 التربوت: الذلول.
3 الخلبوت: الخداع الكذاب.
4 الحيوت: ذكر الحيات.
5 الغزويت: القصير.
6 الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار.
7 حوريت: اسم موضع.
8 كذا. وانظر التاج "حرت".
9 انظر الخصائص 3: 207.
10 م: "بني". والمراد بابني نزار: ربيعة ومضر.
11 البلهنية: الرخاء وسعة العيش.
12 الحبروة: التجبر والتكبر.
13 من رجز في اللسان والتاج "سمع". والسمعنة النظرنة: الجيدة السمع والنظر.
14 ينسب إلى قارب بن سالم المري ودهلب بن قريع وجندل الطهوي. الصحاح واللسان والتاج "قطن" واللسان "جدب".
15 الخلفناة: الذي في خلقه خلاف.
(1/91)

[المزيد فيه ثلاثة أحرف] :
وأمَّا الذي تلحقه ثلاث زوائد فلا يخلو أن تجتمع فيه، أو تفترق، أو تجتمع منها اثنتان خاصة:
فإن افترقت كان على:
إِفْعِيلَى: ولم [12ب] يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: إهجِيرَى1 وإِجْرِيَّا2. ولا يُحفظ غيرهما.
وعلى تَفاعِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: التَّماثيل وتَجافيف3.
وعلى يَفاعِيل: ولا يكون فيهما إِلَّا إذا كُسِّرَ الواحد عليه للجمع. فالاسم4 نحو: يَرابِيع ويَعاقِيب. والصفة نحو: يَخاضِير5.
وعلى مَفاعِيل: ولا يكون فيهما إِلَّا إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع. فالاسم نحو: مَفاتِيح ومَخارِيق. والصفة نحو: مكاسِيب ومكارِيم.
وعلى أَفاعِيل: ولا يكون أيضًا إِلَّا إذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع. نحو: أساليب.
فأمَّا ألنَجُوج ويَلَنجُوج6 فلا دليل فيهما على إِثبات "أَفَنْعُول" ولا "يَفَنْعُول"؛ لأنه قد نُقِلَ7 أنهما أعجميَّان.
وعلى فاعَولَى: ولم يجئ منه إِلَّا: بادَولَى8.
وأمَّا قولهم: مُهْوأَنّ9، فزعم السِّيرافيُّ أَنه على وزن "مُطْمأَنّ". وهذا باطل؛ لأنه ليس بجار على فعل، إِذ لا يحفظ "اهْوَأنَّ". لكنّه إِن ثَبَتَ كان على وزن "مُفْوَعَلّ". وما ردّ به ابنُ جنّي10 مذهبَ السيرافيّ، من كون الواو لا تكون أصلًا في بنات الأربعة غيرَ المضَعَّف، لا يلزم إذ قد جاءت أصلًا في "وَرَنْتل" وليس بمضعَّف -فإِن قيل: إِنَّ أصالتها في غير المضعّف لا تُرتَكَبُ
__________
1 الإهجيرى: الدأب والعادة.
2 الإجريا: الخلق والطبيعة.
3 التجافيف: جمع تجفاف. وهو آلة للحرب يتقى بها.
4 م: ويكون فيهما فالاسم.
5 اليخاضير: جمع يخضور. وهو الأخضر.
6 الألنجوج واليلنجوج: عود الطِّيب.
7 م: "قيل". ف: "لأنهما قد نقلا". والتصويب من المبدع.
8 بادولى: اسم موضع.
9 المهوأن: ما اطمأن من الأرض.
10 انظر الخصائص 3: 195-196.
(1/92)

إِلَّا لمُوجِبٍ. قيل: المُوجِب هنا أنه ليس من أبنية كلامهم "مُفْوَعَلّ"– لكنَّ الذي منع من ذلك ما1 ذكرناه. وهو بناء قليل، لم يحفظ منه إِلَّا هذا.
وعلى فِعِّيْلَى: ولم يجئ2 إِلَّا اسمًا في المصادر، نحو: هِجِّيرَى3 وقِتِّيتَى4. فأمَّا الفِخِّيراء5 والخِصِّيصاء6 فهما بناءان ممدودان منه، وإِن كان مدُّ المقصور شاذًّا عندنا، لا ينقاس في الضرائر ولا غيرها.
وعلى فُعَّالَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: شُقَّارَى7 وحُوَّارَى8 وخُضَّارَى9.
وعلى فُعَّيلَى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: خُلَّيطَى10 وبُقَّيرَى11.
وعلى مَفْعِلَّى: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: مَرْعِزَّى12.
وعلى مَفْعَلَّى: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: مَكوَرَّى13.
وعلى مِفْعِلَّى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: مِرْعِزَّى14. فأمَّا قولهم: رَجُلٌ مِرقِدَّى15، فمِن قَبيل الوصف بالأسماء؛ لأنها غيرُ مُطابِقةٍ لموصوفها؛ ألا ترى أنها جاريةٌ على مُذكَّر، وهي مؤنَّثة بالألف؟ وقد تقدّم16 الدليل على أنَّ الصفة إذا كانت كذلك جرت مجرى الأسماء، فلا يثبت بها "مِفعِلَّى" في الصفات.
وعلى يَفْعَلَّى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: يَهْيَرَّى17.
__________
1 ف: الذي.
2 زاد في م: منه.
3 الهجيرى: الدأب والعادة.
4 القتيتي: النميمة.
5 الفخيراء: الفخر.
6 الخصيصاء: الخصوصية. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كراع: الخِصِّيصَى والخِصِّيصاء والمِكِّيثَى والمِكِّيثاء يُقصران ويُمدان، ولا ثالث لهما.
7 الشقارى: نبات.
8 الحوارى: لباب الدقيق.
9 الخضارى: نبات.
10 الخليطى: الاختلاط.
11 البقيرى: لعبة تكون كومة من تراب حولها خطوط.
12 المرعزى: اللين من الصوف.
13 المكورى: الفاحش المكثار.
14 المرعزى: الزغب الذي تحت شعر العنزة.
15 انظر المزهر 2: 24. والمرقدى: الذاهب على وجهه.
16 انظر ص80 و89.
17 اليهيرى: الباطل. وفي المزهر 2: 24 وقيل وزنه فَعفَلَّى.
(1/93)

وعلى تِفِعّال: نحو: تِحِمّال1. ولم يجئ إِلَّا اسمًا.
فأمَّا قولهم: رَجُلٌ تِلِِقَّامةٌ2 وتِلِعَّابةٌ3، فمن قبيل الوصف بالمصدر؛ لأنَّ تِلِقّامًا4 وتِلِعّابًا مصدارن فوُصِف بهما5، ودخلت التاء للمبالغة. وكذلك: رَجُلٌ تِلِقّاعةٌ6 وتِكِلّامةٌ7.
وإِن اجتمعتْ فلا يَخلو أن تَجتمع فيه بعدَ العَينِ, أو بعد الفاءِ. أو بعد اللامِ:
فإِن اجتمعتْ فيه بعد الفاء كان:
على فُعُّلْعُل: نحو: كُذُّبْذُب8.
وإِن9 اجتمعتْ فيه بعد العين كان:
على فَعاوِيل: ولا يكون إِلَّا صفة نحو: قَراوِيح وجَلاوِيخ10 وقد يجيء اسمًا بالقياس؛ لأنَّ عِصوادًا11 اسم، وقياس تكسيره عَصاويد.
وعلى فَعايِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: كَرايِيس12.
وعلى فَعالِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: الظَّنابِيب والفَساطِيط. والصفة نحو: الشَّمالِيل13 والبَهالِيل14.
وعلى فِعِنْلال: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: فِرِنداد15.
__________
1 في النسختين والمزهر والمبدع: "تجمال". والتصويب من الكتاب 2: 243 والخصائص 3: 187. والتحمال: التحمل مصدر تَحمَّلَ.
2 التلقامة: العظيم اللقم. وانظر المزهر2: 23.
3 التلعابة: الكثير المزاح والمداعبة.
4 م: تحمالًا.
5 وانظر الخصائص 3: 187-190.
6 التلقاعة: الكثير الكلام.
7 التكلامة: الفصيح الكلام الجيده.
8 الكذبذب: الكثير الكذب جدًّا.
9 ف: فإن.
10 القراويح: جمع قرواح. وهو الطويل من النوق. والجلاويخ: جمع جلواخ. وهو الوادي الواسع الضخم الممتلئ العميق.
11 العصواد: الجلبة والاختلاط.
12 الكراييس: جمع كرياس، وهو الكنيف المشرف على سطح بقناة إلى الأرض.
13 الشماليل: جمع شمليل. وهي السريعة الخفيفة.
14 البهاليل: جمع بهلول. وهو السيد الجامع لكل خير.
15 الفرنداد: شجر.
(1/94)

وإِن اجتمعتْ فيه بعد اللام كان:
على فُعْلُوان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عُنفُوان وعُنظُوان1.
وعلى فُعْلُلان: نحو: تُرجُمان2.
فأمَّا3 تَرجُمان ففُتِحت التاء تخفيفًا؛ لأنه ليس في كلامهم "فَعْلُلان".
وعلى فِعْلِيان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: صِلِّيان4 وبِلِّيان5. والصفة نحو: عِنْظِيان6 وخِرِّيان7.
وعلى فُعَلايا: نحو: بُرَحايا8. ولم يجئ غيره.
وعلى فَعَلَيَّا: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: مَرَحَيّا وبَرَدَيّا9. وهو قليل.
وعلى فِعْلِياءَ: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: كِبرِياء وسِيمِياء. والصفة نحو: جِربِياء10.
وعلى فَعَلُوتَى: نحو: رَهَبُوتَى11 ورَغَبُوتَى12 ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل.
وإن اجتمع منها ثنتان كان: [13أ] .
على إِفْعِلان: ويكون فيهما قليلًا. فالاسم نحو: إِسحِمان13. والصفة نحو: ليلةٌ إِضحيانةٌ14.
__________
1 العنظوان: نبت من الحمض.
2 سقط "على فعللأنَّ نحو" من النسختين، وألحق بحاشية ف، وصحح عليه مرتين. قلت: وفعللأنَّ هذا ليس من الثلاثي المزيد فيه ثلاثة أحرف، بل هو من الرباعي المزيد فيه حرفان، فذكره ههنا وهم. ولعل ابن عصفور لم يثبته هنا، وكانت عبارته كما يلي: "وعنظوان وترجمان"، مستطردًا بذكر ترجمان للإشارة إلى ضم الفاء واللام الأولى، فوهم النساخ وأثبتوا معه وزنه. وقد وهم أبو حيان كذلك فجعل في المبدع ورقة 6ب الترجمان من الثلاثي المزيد فيه ثلاثة أحرف بعد اللام، مع أنه صرح في كتاب آخر له أن وزنه تُفعُلان. انظر التاج "ترجم" وارتشاف الضرب 1: 52.
3 م: "وأما" وانظر الخصائص 3: 193.
4 الصليان: كلأ ينبت صعدًا.
5 البليان: البعد.
6 العنظيان: الفحاش الجافي.
7 الخريان: الجبان. وفي النسختين والمبدع: "جريان". والتصويب من الكتاب 2: 234.
8 برحايا: اسم موضع. انظر معجم البلدان "برحايا".
9 المرحيا: كلمة تقال للرامي إذا أصاب. وبرديا: نهر بردى.
10 الجربياء: الرجاء الضعيف.
11 الرهبوتي: الرهبة.
12 الرغبوتى: الرغبة.
13 إسحمان: جبل.
14 الإضحيانة: التي لا غيم فيها، والمقمرة. وقد أخر ناسخ م بناء إفعلأنَّ فأثبته بعد أُفعلأنَّ بخلاف يسير.
(1/95)

وعلى أُفْعُلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: أُفعُوان وأُرجُوان. والصفة نحو: أُسحُلان1 وأُلعُبان2.
وعلى أَفْعَلان: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، قالوا: عَجينٌ أَنبَخانٌ3. وقالوا: أَرْوَنانٌ4.
وعلى تَفْعَلاء: قالوا: هو يمشي التَّركَضاءَ5. ولم يُسمع غيره.
وعلى أَفْعَلاءَ وأَفْعِلاءَ: نحو: أَربَعاء وأَربِعاء. ولا يُعلم6 غيرهما، إِلَّا أن يُكَسَّر عليه الواحد للجمع، فإِنه قد يجيء على "أَفعِلاء" كثيرًا، نحو: أَصدِقاء وأَرمِداء جمع رماد: وحكى أبو زيد:
أَرمِداءُ كثيرةٌ.
وعلى إِفْعِلاءَ: نحو إِرمِداء.
فأمَّا أَربُعاء فظاهره أنه "أَفعُلاء". وقد يمكن عندي أن يكون "فَعلُلاء" كعَقْرُباء7. ولا تُجعل الهمزة زائدة، وإِن كانت في موضعٍ تكثر فيه زيادتها، لئلَّا يكون في ذلك إثبات بناء لم يوجد. وكذلك أُربُعاء كقُرفُصاء8.
وعلى فُنْعُلاءَ وفُنْعَلاءَ: نحو: خُنفُساء وخُنفَساء.
وأمَّا جُلَنداء9 من قول الشاعر10:
وجُلَنداءَ, في عُمانَ, مُقِيمًا ... [ثُمَّ قَيسًا في حَضْرَ مَوتَ المُنِيفِ]
فلا يثبت به "فُعَنْلاء"؛ لأنَّه قد حُكي مَقصورًا11, فيمكن أن يكون مَدُّه ضَرورة، ويكون من الضرائر التي لا تنقاس.
وعلى فاعِلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: قاصِعاء12 ونافِقاء13.
__________
1 الأسحلان: الطويل.
2 الألعبان: الكثير اللعب.
3 الأنبخان: المسترخي.
4 الأرونان: اليوم الصعب الشديد.
5 التركضاء: مشية فيها ترفل وتبختر. وقيل: إذا فتحت التاء والكاف قصرت، وإذا كسرتهما مددت. وانظر التاج "ركض" والمزهر 2: 24.
6 المزهر 2: 24.
7 العقرباء: أنثى العقارب.
8 القرفصاء: جلسة الأعراب. وفي المزهر 1: 135 أن اللحياني انفرد بذكر أُربُعاء.
9 جلنداء: اسم علم. وهو جلنداء بن المسبكير من الأزد.
10 الأعشى. ديوانه ص212 والخصائص 3: 214. وانظر التاج "جلد". والمنيف: المرتفع.
11 انظر الخصائص 3: 214 والمزهر 2: 25-26.
12 القاصعاء: فم جحر الضب.
13 النافقاء: إحدى جحرة الضب، يكتمها ويظهر غيرها.
(1/96)

وعلى فَعالاءَ: نحو: ثَلاثاء وبَراكاء1. وقد جاء وصفًا، قالوا: رَجلٌ عَياياءُ طَباقاءُ2.
وعلى فِعالاء: نحو: قِصاصاء3. حكاه ابن دُريد، ولا يُحفظ غيره.
وعلى فَعْلُولَى4: نحو: فَوضُوضَى5. ولم يجئ غيره.
وعلى فَوعَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: حَوصَلاء6.
وعلى مَفعِلاءَ: وهو قليل، نحو: مَرْعِزاء7.
وعلى فُعُولاءَ: نحو: عُشُوراء8.
وعلى فَعُولاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: دَبُوقاء9 وبَرُوكاء10.
وعلى فَعِيلاءَ: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عَجِيساء11 وقَرِيثاء12.
وأمَّا الدِّيكِساء13 والدَّيكَساء فـ"فِعْلِلاء" و"فَعْلَلاء"، كطِرْمِساء14 وحَرْمَلاء15. والياء أصل في بنات الأربعة، كما هي في "يَستَعُور"16 أصلًا وهو خماسيّ. ولم تجعل الياء فيهما زائدة فيكونَ وزنهما "فِيعِلاء" و"فَيعَلاء"؛ لأنهما بناءان لم يستقرّا في كلامهم.
وكذلك نِفْرِجاء: 17 "فِعْلِلاء"، وليس بـ"نِفْعِلاء" على ما يُبَيَّنُ بعدُ18، إِن شاء الله.
__________
1 البراكاء: ساحة الحرب.
2 العياياء: العنّين تعييه مباضعة النساء. والطباقاء: الثقيل يطبق على المرأة بصدره، أو الذي لا ينكح.
3 القصاصاء: القصاص. انظر الجمهرة 3: 408.
4 أخر ناسخ م هذا البناء فأثبته بعد فوعلاء.
5 أمرهم فوضوضى بينهم: إذا كانوا مختلطين يتصرف كل منهم فيما للآخر.
6 الحوصلاء: حوصلة الطير.
7 المرعزاء: الزغب الذي تحت شعر العنز.
8 عشوراء: اسم موضع.
9 الدبوقاء: الدابوق، وهو حمل شجر في جوفه كالغراء.
10 البروكاء: ساحة الحرب.
11 العجيساء: اسم مشية بطيئة.
12 القريثاء: ضرب من النخل.
13 الديكساء: القطعة العظيمة من النعم والغنم. والمشهور أنه بفتح الياء وسكون الكاف.
14 الطرمساء: الظلمة.
15 حرملاء: اسم موضع.
16 اليستعور: شجر.
17 النفرجاء: الجبان الضعيف.
18 في الورقة 25.
(1/97)

وعلى فُعُّلان: وهو قليل. [فالاسم] نحو1: قُمُّحان2. والصفة: قُمُّدان. ولا يُعرف في الصفة غيره.
وعلى فُعَلّان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حُوَمّان3. والصفة: عُمَدّان وجُلَبّان4.
فأمَّا قولهم: هم في كَوَّفانٍ5، فليس فيه دليل على إِثبات "فَعَّلان"، لاحتمال أن يكون6 "فَوعَلان" كحَوفَزان7.
وعلى فِعِلّان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عِرِفّان8 وفِرِكّان9. والصفة نحو: رَجلٌ كِلِمّانيّ10.
وعلى فَعِلّان: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، نحو: تَئِفّان11.
وعلى فِعِلْعال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حِلبَلاب. والصفة نحو: سِرِطْراط12.
فأمَّا عِفِرِّين13 فهو جمع في الأصل، لعِفِرّ على وزن طِِمِرّ، وسُمِّيَ بالجمع، وجعل الإعراب في النون. وهذا أولى من أن يكون اسمًا مفردًا في الأصل على وزن "فِعِلِّين"؛ لأنه بناء لم يستقرَّ في المفردات. وكذلك كِفِرِّين14.
وأمَّا زَيزَفُون من قوله أميّة بن أبي عائذ15:
__________
1 سقط من م، وسقط "فالاسم" من ف.
2 القمحان: الذريرة تعلو الخمرة. وفي حاشية ف: "قمحان بالضم والفتح. الضم عن سيبويه". انظر الكتاب 2: 324 حيث نفى سيبويه أن يجيء من هذا البناء صفة.
3 الحومان: الأكم الصغير. م: حرمان.
4 العمدان: الطويل. والجلبان: الصخاب ذو الجلبة. وفي النسختين: "غمدّان". وفي الكتاب 2: 324 ضبط الثاني من هذه الثلاثة بضم العين. وانظر الاستدراك على سيبويه ص13 و19 والجمهرة: 2: 282.
5 الكوفان: العز والمنعة. وانظر المزهر 2: 27.
6 زاد في م: على.
7 الحوفزان: لقب الحارث بن شريك.
8 العرفان: جندب ضخم كالجرادة له عرف.
9 فركان: اسم موضع. وفي النسختين: "بركان". والتصويب من الكتاب 2: 324. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: بالفاء ذكره ابن القطاع.
10 الكلماني: الفصيح الكلام. وسقط "والصفة نحو رجل كلماني" من م.
11 التئفاف: أول الشيء.
12 الحلبلاب: نبت يتحلب منه لبن كثير. والسرطراط: السريع البلع.
13 عفرين: اسم موضع. وانظر الخصائص 3: 199 والمزهر 2: 27.
14 الكفرين: الداهي.
15 يصف إبلًا. والمطاريح: التي تطرح أيديها في السير. والحشور: السهام المحددة. والرماحة الزيزفون: القوس السريعة. الخصائص 3: 215 وشرح أشعار الهذليين ص519.
(1/98)

[مَطارِيحَ بالوَعثِ مَرَّ الحُشُو ... رِ] , هاجَرْنَ رَمَّاحةً زَيزَفُونا
فظاهره أنه "فَيفَعُول" من الزَّفْن1. وعلى ذلك حمله2 أبو سعيد [السّيرافيّ] . والصحيح ما ذهب إليه أبو الفتح3، من أنه "فَيعَلول" على وزن خَيسفُوج4. فيكون قريبًا من لفظ الزَّفْن، وليست أصوله كأصوله. فيكون كسَبِط و5سِبَطر. وهذا أولى؛ لأنَّ هـ قد ثَبَتَ من كلامهم "فَيعَلول"، ولم يثبت فيه "فَيفَعول". ويكون من باب "دَدَن"، وإِن كان قليلًا، ومثله دَيدَبُون6.
وعلى إِفعالّ: نحو: إسحارّ7. ولا يُحفظ غيره.
وعلى أَفعالّ: نحو: أَسحارّ.
وعلى فَعاعِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: سَلاليم وبَلاليط8. والصفة [نحو] : عَواوِير9 وجَبابِير.
وعلى فُعاعِيل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، قالوا: ماءٌ سُخاخِين10. ولا يُعلم غيره.
وعلى فَعْفَعِيل: ولم يجئ [13ب] إِلَّا اسمًا، نحو: مَرمَرِيس11. وقد قالوا فيه: مَرمَرِيت.
وعلى فَعالِين: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: سَراحِين12 وفَرازِين13. ولا يكون إِلَّا جَمعًا.
فأمَّا قولهم: أَتيتُكَ كَراهِينَ أن تَغضبَ، فيمكن أن يكون جمع كُرْهان كغُفران، وإن لم يُنطق به. ونظيره من الجموع التي لم يُنطق لها بواحد عَبادِيد14 وشَماطِيط15.
__________
1 الزفن: الدفع.
2 المزهر 2: 26.
3 الخصائص 3: 215-216.
4 الخيسفوج: نبت.
5 م: من.
6 الديدبون: اللهو واللعب.
7 الإسحار: بقلة حارة.
8 البلاليط: الأرضون المستوية.
9 العواوير: جمع عوّار. وهو الضعيف الجبان السريع الفرار. وسقط "نحو" من ف.
10 م: مخاخين.
11 المرمريس: الداهية الشديدة.
12 السراحين: جمع سرحان. وهو الذئب.
13 الفرازين: جمع فرزان. وهي الملكة في لعبة الشطرنج.
14 العبادين: الفرق المتفرقة من الناس وغيرهم.
15 الشماطيط: الفرق المتفرقة من الناس وغيرهم.
(1/99)

وعلى فَعالان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: سَلامان1 وحَماطان2. وهو قليل.
وعلى فَيعُلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: ضَيمُران3 وأَيهُقان4. والصفة نحو: كَيذُبان وهَينُمان5.
وعلى فَيعَلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قَيقَبان6 وسَيسَبان7. والصفة نحو: هَيَّبان8 وتَيَّحان9.
وأمَّا طَيلِسان فقد أَنكره الأصمعيُّ، وعمل الأخفش والمازنيّ10 عليه المسائل، بالرواية الضعيفة.
وعلى فَوعَلان: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: حَوتنان11 وحَوفَزان12.
وعلى مَفْعَلان: ولم يجئ إِلَّا صفةً13 نحو: مَكرَمان ومَلأَمان.
وأمَّا مُسْحُلان14 فـ"فُعْلُلان" كعُقرُبان. وليست الميم زائدة، وإِن كانت في محلّ زيادتها؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى أن يكون وزن الكلمة "مُفْعُلان"، وذلك بناء لم يستقرّ في كلامهم. فالأولى ما ذكرنا.
وأمَّا قولهم: حمامةٌ ذاتُ صَوقَريرٍ15 فـ"فَعْلَلِيل" كعَرْطَلِيل16. والواو أصل في بنات
__________
1 سلامان: اسم علم.
2 حماطان: اسم موضع.
3 الضميران: ضرب من الشجر.
4 الأيهقان: نبت.
5 كذا في النسختين والاستدراك على سيبويه ص13 و19. والهينمان: الكلام الخفي. وهو اسم لا صفة. وفي الكتاب 2: 323 ومختصر شرح أمثلته ص303: "هيثمان". وهو من الكلام الخفي. ولعل الصواب: "هَيلُمان". وهو الكثير من كل شيء. وقد يقال: إن الهينمان أو الهيثمان هو النمّام.
6 القيقبان: خشب تصنع منه السروج.
7 السيسبان: شجر.
8 الهيبان: الجبان الكثير الفرق.
9 التيحان: المتعرض لكل مكرمة أو أمر شديد.
10 م: "المازني والأخفش". والأصمعي هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب, حافظ لأيام العرب ولغتهم وأشعارهم, توفي في سنة 210. بغية الوعاة 112:2. والأخفش هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة, نحوي مشهور توفي سنة 215. البلغة ص86.
11 حوتنان: اسم موضع.
12 الحوفزان: لقب الحارث بن شريك.
13 في النسختين: اسمًا.
14 مسحلان: اسم موضع. وانظر المزهر 2: 25 وص165.
15 م: "طوقرير". وانظر المزهر 2: 26 والصوقرير: صوت الطائر.
16 العرطليل: الطويل.
(1/100)

الأربعة. وهذا أولى من جعلها زائدة، فتكونُ الكلمة على وزن "فَوَعِليل"؛ لأنَّ [في] 1 ذلك إِثبات بناء لم يوجد في كلامهم.
وعلى تَفْعَلُوت: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: تَرنَمُوت2.
وعلى فَواعِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا كواحدِهِ، نحو: خَواتِيم3 وسَوابِيط4.
وعلى فَياعِيل: ويكون فيهما. فالاسم [نحو] : دَيامِيس5 ودَيامِيم6. والصفة نحو: صَيارِيف7 وبَياطِير8.
وعلى فَعالِيت: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: عَفاريت. وقد يجيء اسمًا بالقياس، نحو: مَلاكِيت، في جمع مَلَكُوت.
وعلى فَعالِيّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: بَخاتِيّ9 وقَمارِيّ10 ودَباسِيّ11. والصفة نحو: دَرارِيّ12 وحَوالِيّ13.
وعلى فَنْعَلِيل: ولم يجئ إِلَّا صفة، وهو قليل، نحو: خَنفَقِيق14.
فأمَّا قولهم: رَجلٌ مَقتَوِينٌ15، فإِنه جمع مَقْتَويٍّ على حذف ياءيِ النسب. والأصل "مَقتَوِيُّونَ"، فحُذِفَت ياءا16 النسب كما حُذفتا17 من الأعجَمِينَ18 والأشعَرِينَ19 والأشقَرِينَ20 ووُصِف
__________
1 من م.
2 الترنموت: الترنم.
3 الخواتيم: جمع خاتام. وهو الخاتم.
4 السوابيط: جمع ساباط. وهو سقيفة بين حائطين أو دارين.
5 الدياميس: جمع ديماس. وهو القبر.
6 الدياميم: جمع ديموم. وهي الفلاة الواسعة يدوم السير فيها لبعدها.
7 الصياريف: جمع صيرف. وهو المتصرف في الأمور المجرب لها. والأصل صيارف زيدت فيه الياء. انظر الكتاب 1: 1 والإنصاف ص27-28.
8 البياطير: جمع بيطار.
9 البخاتي: الإبل الخراسانية.
10 القماري: جمع قمري، وهو ضرب من الحمام.
11 الدباسي: جمع دبسي. وهو طائر.
12 الدراري: جمع درّيّ. وهو الكوكب المضيء.
13 الحوالي: المحتال الشديد الاحتيال. م: حوالي ودراري.
14 الخنقيق: السريعة الجريئة من النساء.
15 المقتوين: الذي يخدم الناس بطعام بطنه. ووزنه على مذهب ابن عصفور: مَفْعَلِين. وانظر المزهر 2: 25.
16 م: فحذف ياء.
17 في النسختين: كما حذفت.
18 الأعجمون: جمع أعجميّ. ف: الأعجميين.
19 الأشعرون: جمع أشعريّ.
20 الأشقرون: جمع أشقريّ. ف: "الأسفرين". وسقط من م. والتصويب من الخصائص 3: 205.
(1/101)

المفرد بالجمع تعظيمًا، كما قالوا: ضَبعٌ حَضاجرُ1 وثوبٌ أَكياشٌ2. وجُعل الإِعراب في النون، على حدّ قولهم: عِفِرِّينٌ 3. وقد تَفعَل العربُ ذلك4 بالجمع من غير أن تَسَمِّيَ به. وعلى ذلك قوله5:
ولَقَد وَلَدتَ بَنيِنَ صِدقٍ سادةً ... ولأَنتَ بَعدَ اللهِ كُنتَ السَّيِّدا
فجَعل الإِعرابَ في نون بنين وحذف التنوينَ من النون للإضافة.
__________
1 الحضاجر: جمع حضجر. وهو العظيم البطن.
2 الثوب الأكياش: الرديء أو الذي أعيد غزله. م: أكياس.
3 عفرين: اسم موضع.
4 م: وقد تفعل ذلك العرب.
5 شرح المفصل 5: 12 وتخليص الشواهد ص75 والخزانة 8: 61 "مطبوعة هارون".
(1/102)

[المزيد فيه أربعة أحرف] :
وأمَّا الذي تلحقه أربع زوائد فإِنه يكون:
على افعِيلال: ولم يجئ إِلَّا مصدرًا، نحو: اشهيباب واحميرار.
وعلى فاعُولاء: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: عاشُوراء.
وعلى فُعُلْعُلان: ولم يجئ منه إِلَّا كُذُبْذُبان. حكاها الثِّقاتُ.
وعلى مَفْعُولاء: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مَعيُوراء1. والصفة نحو: مَعلُوجاء2 ومَشيُوخاء3.
وعلى أُفْعُلاوَى: نحو: أُربُعاوَى4.
وعلى فُعَّيلاء: نحو: دُخَّيلائك. ولم يجئ غيره5.
وأمَّا قولهم: هم6 في مَعْكُوكاءَ وبَعْكُوكاءَ فـ"مَفْعُولاء" لا "فَعْلُولاء". والباء في "بَعكوكاء" بدل من الميم، على لغة بني مازن. فإِنهم يبدلون من الميم باءً7، إِذا كانت أوَّلًا.
__________
1 المعيوراء: اسم جمع للعير.
2 المعلوجاء: اسم جمع للعلج يجري مجرى الصفة.
3 المشيوخاء: اسم جمع للشيخ يجري مجرى الصفة.
4 الأربعاوى: ضرب من الجلوس.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: "قال أبو القاسم السعدي: وعلى فُعَّيلاء نحو غميضاء وكميهاء لغتان للعرب, وهو عالم بدخيلائك، أي: بباطن أمرك". وفي المزهر 2: 27: عميضاء وكميلاء.
6 سقط "هم" من م. والمعنى: هم في غبار وجلبة وشرّ.
7 في النسختين: "من الباء ميمًا". وكلا الوجهين صحيح ولكن سياق العبارة يقتضي ما أثبتنا.
(1/102)

وأمَّا يَنابِعات1 فإِنما هو "يَفاعِل" كيرامِع2، ثمّ جُمع بالألف والتاء وسُمِّي به، وليس ببناء مفرد على وزن "يَفاعِلات". فإِنَّ ذلك بناءٌ لم يثبت من كلامهم.
__________
1 ينابعات: اسم موضع.
2 اليرامع: جمع يرمع. وهي حجارة رخوة. م: "يُرامع" وانظر الكتاب 2: 319 والخصائص 3: 198 والمزهر 2: 27. وضُبط "ينابعات" في معجم البلدان والمزهر بضم أوله.
(1/103)

[الرباعي المزيد] :
[المزيد فيه حرف واحد] :
وأمَّا الرُّباعيُّ المزيد فقد تلحقه زيادة، وقد تلحقه زيادتان، وقد تلحقه ثلاث، فيصير على سبعة أحرف. وهو أقصى ما ينتهي إليه المزيد.
فأمَّا الزيادة الواحدة فلا تلحق بنات الأربعة فصاعدًا من أوّلها، إِلَّا أسماءَ [14أ] الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعالها1.
فإِذا لحَقَتِ الزيادةُ [اسمَ] الفاعل، من الفعل الرباعيّ، كان على مُفَعْلِل: نحو: مُدَحرِج.
وإِذا لحقت اسم المفعول [منه] 2 كان على مُفَعْلَل: نحو: مُدَحرَج.
وتلحق3 الزيادة، فيما عدا ذلك من الرباعيّ، بعد الفاء، وبعد العين، وبعد اللام الأولى، وبعد اللام الأخيرة.
فإذا لحقَتِ الزيادة بعد الفاء يكون4:
على فُنْعَلّ: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: خُنْبَعْثة5. والصفة نحو: قُنفَخْر6.
وعلى فَنَعْلُل: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: كَنَهبُل7.
وعلى فَوْعَلِل: نحو: دَودَمِس8.
فأمَّا هَيدَكُر9 فهو مقصور من هَيدَكُور، وليس ببناء أصليّ. فوزنه على هذا "فَيعَلُول"
__________
1 كذا. وفاته ذكر المصادر نحو تدحرُج، والصفة المشبهة، واسمي الزمان والمكان.
2 من م.
3 سقط الواو من النسختين.
4 ف: فيكون.
5 الخنبعثة: اسم للاست.
6 القنفخر: الضخم الفارغ.
7 الكنهبل: شجر عظام.
8 الدودمس: حية خبيثة.
9 الهيدكر: المرأة العظيمة اللحم.
(1/103)

كخَيسَفُوج1.
وكذلك خَنْضَرِف2 هو مثل3 جَحمَرش4 وليس "فَنْعلِلًا" لأنَّ ذلك بناء غير موجود. فيكون من معنى "خَضْرَف"، وليس5 موافقًا له في الأصول.
وكذلك عجوزٌ شَنَهْبَرةٌ6 هو كسَفَرجَلة. وليس بـ"فَنَعْلَلة" لأنَّ ذلك بناء غير موجود. فيكون أيضًا من معنى شَهْبَرة، ولا تكون الأصول متَّفقة، بل هما في ذلك كسَبِط وسِبَطر.
وعلى فُعَّلّ: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: شُمَّخْر7.
وعلى فِعَّلّ: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: عِلَّكْد8.
وإذا لحقتْه بعد العين كان:
على فُعالِل: ويكون فيهما. فالاسم: جُخادِب9. والصفة نحو: عُذافِر10.
وعلى فَعالِل: ويكون أيضًا فيهما. فالاسم نحو: حَبارِج11 والصفة نحو: قَراشِب12.
وعلى فَعَيلَل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: سَمَيدَع13.
وعلى فَعَولَل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فَدَوكَس14. والصفة نحو: سَرَومَط 15.
__________
1 الخيسفوج: نبت. وانظر المزهر 2: 29.
2 الخنضرف: المرأة الضخمة اللحيمة الكبيرة الثديين. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "ابن سيده: الخاء والظاء: خظرف جلد العجوز: استرخى. وحكاه بعضهم بالضاد. وقد تقدم في حرف الخاء والضاد. وعجوز خنظرف: مسترخية اللحم ".
3 م: ومثل.
4 الجحمرش: العجوز الكبيرة. وانظر المزهر 2: 29.
5 م: ولا يكون.
6 الشنهبرة: الكبيرة المسنة. وانظر المزهر 2: 29.
7 الشمخر: الطامح النظر المتكبر.
8 العلكد: الضخم. وقد جاء من هذا البناء اسم هو الصِّلَّخم، وهو لرجل من طيئ. انظر شرح الأنباري على المفضليات ص738 وشرح اختيارات المفضل ص 1537.
9 الجخادب: ضرب من الجنادب.
10 العذافر: الشديد الصلب من الإبل.
11 الحبارج: جمع حبرج. وهو ذكر الحبارى.
12 القراشب: جمع قرشب. وهو الضخم الطويل من الرجال.
13 السميدع: السيد الموطأ الأكناف.
14 الفدوكس: الأسد. وفدوكس: حي من تغلب.
15 السرومط: الطويل.
(1/104)

وعلى فَعَنْلُل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: قَرَنفُل.
وعلى فَعَنْلَل: وهو قليل في الاسم نحو: جَحَنفَل1، كثير في الصفة نحو: حَزَنبَل2.
وعلى فَعَلَّل: ويكون فيهما. فالاسم: شَفَلَّح3. والصفة: عَدَبَّس4.
وعلى فُعُلُّل: وهو قليل نحو: الصُّعُرُّر5. ولم يجئ إِلَّا اسمًا.
وأمَّا دِحندِح6 فصَوتانِ مُركَّبانِ. وأصلهما: دِحٍ دِح7. وليس بـ"فِعِنلِل"؛ لأنَّ ذلك لم يثبت في أبنية كلامهم.
وإذا لحقتْه بعد اللام [الأُولى] 8 يكون:
على فِعْلِيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قِندِيل. والصفة نحو: شِنظِير9.
وعلى فُعْلَيل: وهو قليل. ولم يجئ إِلَّا صفةً10، نحو: غُرنَيق11.
وعلى فُعْلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: زُنبُور. والصفة نحو: شُنْحُوط12.
وأمَّا زَرنُوق13 وبَرعُوم14 وبَرشُوم15 وصَندوق وصَعفُوق16 فإِنها مُخفَّفة من الضمّ؛ لأنَّه قد سُمع في جميعها ضمُّ الأوّلِ. إِلَّا صَعفُوقًا فإِنه لم يُسمع فيه ضمٌّ. وقد قيل: إنه
__________
1 الجحنفل: الضخم الشفة. فهو صفة لا اسم. قال سيبويه: "ولا نعلم فعنللًا اسمًا". الكتاب 2: 327 والمزهر2: 30.
2 الحزنبل: القصير الموثق الخلق.
3 الشفلح: شجر.
4 العدبس: الشديد الموثق الخلق من الإبل.
5 الصعرر: الصمغ الطويل يشبه الأصابع.
6 الدحندح: لعبة للصبيان. وانظر الخصائص 3: 198 والمزهر 2: 30.
7 دح دح: تقال للمقرّ، معناها: أقررتَ فاسكت.
8 من م.
9 الشنظير: السيِّئ الخلق الفحاش.
10 سقط "ولم يجئ إِلَّا صفةً" من م.
11 الغرنيق: الشاب الأبيض الناعم الحسن الشعر الجميل، وهو طائر معروف أيضًا. فهو اسم وصفة.
12 الشنحوط: الطويل.
13 الزرنوق. النهر الطويل.
14 البرعوم: كم ثمر الشجر.
15 البرشوم: ضرب من التمر.
16 صعفوق: خدم في اليمامة. وانظر المزهر 2: 31.
(1/105)

أعجميٌّ1.
وعلى فِعْلَول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: فِردَوس وبِرذَون2. والصفة نحو: عِلطَوس3.
وعلى فِعْلُول: نحو: فِلطُوس4. ولم يجئ غيره.
وعلى فَعَلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قَرَبُوس. والصفة نحو: قَرَقُوس5 وحَلَكُوك6.
وعلى فَعَلْوَل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو7: كَنَهْوَر8.
وعلى فُعْلال: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: قُرطاس9.
وعلى فَعْلال: ولا يكون إِلَّا في المضعَّف؛ الذي الحرفان الأخيران10 منه بمنزلة الأوَّلين -فالاسم نحو: زَلزال11. والصفة نحو: صَلصال12– إِلَّا13 حرفٍ واحدٍ شَذَّ من غير المضاعف، حكاه الفَرّاء وهو: ناقة بها خَزْعال14.
فأمَّا قول أوس15:
ولَنِعمَ مأوَى المُستضِيفِ, إِذا دَعا ... والخَيلُ خارِجةٌ مِنَ القَسطالِ
فإِنَّما أراد القَسطَل. فاحتاج فأشبع الفتحة.
وعلى فِعْلال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: قِنطار. والصفة نحو: سِرداح16. ولم يجئ مضعَّفًا إِلَّا مصدرًا، كالزِّلزال والقِلقال.
__________
1 انظر الخصائص 3: 215 والمعرب ص219 والجمهرة واللسان "صعفق".
2 البرذون: واحد البراذين. وهي غير العراب من الخيل.
3 العلطوس: المرأة الحسناء.
4 الفلطوس: الكمرة العريضة. وضبطت في كتب اللغة بفتح الطاء. وفي المزهر 2: 30: علطوس.
5 القرقوس: القاع الصلب الأملس الواسع المستوي لا نبت فيه.
6 الحلكوك: الشديد السواد.
7 سقط من م.
8 الكنهور: السحاب المتراكم الثخين.
9 القرطاس: الصحيفة.
10 م: الآخران.
11 م: الزلزال.
12 الصلصال: المصوت من الحمر.
13 إِلَّا ههنا: حرف عطف.
14 الخزعال: داء.
15 ديوانه ص108 والخصائص 3: 213. والمأوى: الملجأ. والمستضيف: المستغيث. والقسطال: غبار الحرب.
16 السرداح: الناقة الكريمة.
(1/106)

فأمَّا الدِّئداء1 فـ"فِعْلاء" كعِلْباء2 [فيكون] 3 في معنى الدَّيداء ومخالفًا له في الأصول؛ لأنَّ الدَّيداء: "فَعْلال"، فيكون نحو سَبِط4 وسِبَطر. وهذا أولى من إِثبات "فِعْلال" مضعَّفًا غير مصدر؛ لأنه لم يستقرَّ [14ب] من كلامهم.
وعلى فَعَلَّل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: سَبَهْلَل5.
وعلى فِعْلَلّ: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عِربَدّ6. والصفة نحو: قِرشَبّ7.
وعلى فُعْلُلّ: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: طُرطُبّ8.
وعلى فِعْلِلّ: ولم يجئ منه إِلَّا صفةٌ [نحو "عِرْبِدّ"] 9.
وإذا لحقتْه بعد اللام الأخيرة يكون:
على فَعَلَّى: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: حَبَركَى10.
وعلى فِعَلَّى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: سِبَطرَى11.
وعلى فَعْلَلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا, نحو: جَحجَبَى12.
وعلى فِعْلِلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: هِرْبِذَى13.
وعلى فِعْلَلَى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، [وهو قليل] 14، نحو: هِندَبَى15.
__________
1 الدئداء: الليلة الشديدة الظلمة لاختفاء القمر فيها.
2 العلباء: عصب عنق البعير.
3 من م.
4 م: كسبط.
5 السبهلل: الفارغ. يقال: جاء فلأنَّ سبهللًا أي: بلا شيء؛ لا سلاح ولا عصا.
6 العربد: ذكر الأفاعي.
7 القرشب: المسن.
8 الطرطب: الثدي الضخم المسترخي الطويل.
9 سقط ما بين معقوفين من النسختين. وأغفل أبو حيان بناء "فُعللّ" في المبدع. وقال سيبويه: "ولا نعلم في الكلام على مثال فُعلِلّ ولا فِعلِلّ". الكتاب 2: 340. والزيادة أثبتها لتتم العبارة. فالعربدّ: الشديد من كل شيء. ويسمى به ضرب من الحيات. فهو اسم أيضًا. وفي المزهر 2: 31: "صِفصِلّ وشِفصِلّ". قلت: كلاهما اسم، ويحتمل أن يكون الأول منهما وزنه: فِعفِلّ.
10 الحبركى: الغليظ الرقبة.
11 السبطرى: مشية التبختر. وفي النسختين والمبدع: "صبطرى". والتصويب من الكتاب 2: 339، وإن كانت الصاد لغة أيضًا. انظر الورقة 38.
12 جحجبى: حيّ من الأنصار. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الحافظ الدمياطي ذكر نسب الجحجبى.
13 الهربذى: مشية فيها اختيال. وضُبطت في م بفتح الثالث. وكذلك في الكتاب 2: 339. وكلا الوجهين صواب.
14 من م.
15 الهندبى: بقلة من أحرار البقول. وضُبطت في م بكسر الثالث، وكذلك في الكتاب2: 339. وكلاهما صواب.
(1/107)

وعلى فُعَلِّيَة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وتلزمه الهاء، نحو: سُلَحْفِيَة.
وأمَّا سُلَحْفاة فليس فيه دليلٌ على إِثبات "فُعَلّاة". بل هو "فُعَلِّيَة"1 في الأصل، ثمّ قلبوا الكسرة فتحة والياء ألفًا، وهي لغة فاشية في طيّئ. يقولون في رُضِيَ: رُضَى، وفي بَقِيَ: بَقَى.
وعلى فَعَلُّوة: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، والهاء لازمة له، نحو: قَمَحْدُوة2.
__________
1 المزهر 2: 31.
2 القمحدوة: الهنة الناشزة فوق القفا خلف الأذنين.
(1/108)

[المزيد فيه حرفان] :
وأمَّا الزيادتان فقد تكونان مُفترقتين أو مجتمعتين1. فإِذا كانتا مفترقتين يكون:
على فَعَوْلَلَى: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: حَبَوكَرَى2.
وعلى فَيعَلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: خَيتَعُور3. والصفة نحو: عَيطَمُوس4.
وعلى فَنْعَلِيل: ويكون فيهما. فالاسم5 نحو: مَنجَنِيق. والصفة نحو: عَنتَرِيس6.
وعلى فَعالِيل: ولا يكون فيهما إِلَّا إِذا كُسِّرَ عليه الواحد للجمع. فالاسم نحو: قَنادِيل والصفة نحو: غَرانِيق7.
وعلى فُعالِيل: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: كُنابِيل8.
وعلى فُعالِلَى: وهو قليل، ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: جُخادِبَى9.
وعلى فِعِنْلال: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: جِعِنبار10.
وعلى فِعِلَّال: ويكون فيهما. فالاسم نحو: الجِنِبَّار11. والصفة نحو: الطِّرِمَّاح12.
__________
1 في النسختين: ومجتمعتين.
2 الحبوكرى: المعركة بعد انقضاء الحرب.
3 الخيتعور: السراب.
4 العيطموس: الناقة الفتية الحسناء العظيمة.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: "وفنطليس للكَمَرة" وهي الحشفة.
6 العنتريس: الناقة الوثيقة الغليظة الصلبة.
7 الغرانيق: جمع غرنيق. وهو الشاب الأبيض الناعم الحسن الشعر الجميل.
8 كنابيل: اسم موضع.
9 أبو جخادبى: ضرب من الجنادب.
10 الجعنبار: القصير الغليظ.
11 الجنبار: فرخ الحبارى.
12 الطرماح: المرتفع العالي.
(1/108)

وعلى فَعَنْلِيل: نحو: شَمَنصِير1. ولم يجئ غيره، ولا أَتَحقَّقُ أنَّهُ عربيٌّ2.
فأمَّا شَفَنْتَرًى3 اسمَ رجل فـ"فَعَلَّلًى" كقَبَعثَرًى"4. وليست النون زائدة، وإن كانت في محل ّزيادتها؛ لأنَّ جعلها زائدة يؤدّي إلى إِثبات بناء لم يوجد؛ لأنه يكون وزنها إِذ ذاك "فَعَنْلَلًى". وهو بناءٌ لم يثبت في كلامهم. ويحتمل أن يكون وزنه5 "فَعَنْلَلًى" وإن كان بناء لم يستقرّ في غير هذا الموضع؛ لأنك إِن جعلت النون أصليّة أخرجتها عمّا استقرَّ فيها؛ ألا ترى أنَّ النون إِذا كانت ساكنةً ثالثةً، وبعدها حرفان [ولم تك مُدغمة] 6، لم تُلفَ إِلَّا زائدةً، فيما عُرِف اشتقاقه أو تصريفه؟ فلذلك كان القولأنَّ فيها7 سائغين عندي.
وأمَّا قَرنْفُول فإِنه لم يجئ إِلَّا في الشِّعر، نحو قوله8:
خَودٌ أَناةٌ, كالمَهاةِ عُطبُولْ ... كأنَّ في أَنيابِها قَرَنفُولْ
فيمكن أن تكون الواو إِشباعًا مِثلَها في قوله9:
وأَنَّنِي حَيثُما يَثنِى الهَوَى بَصَرِي ... مِن حَيثُما سَلَكُوا, أَدنُو فأنظُورُ
يريد: فأنظُرُ.
وأمَّا الماطِرونَ10 فزعم أبو الحسن11 أنَّ نونه أصليَّة، وأنَّ وزن الكلمة عنده12 "فاعِلُول". واستدلّ على ذلك بجرّ النون، قال الشاعر13:
__________
1 شمنصير: اسم جبل.
2 انظر الخصائص 3: 205. وفي المزهر 2: 33: وقيل: هو خماسي الأصول.
3 انظر المزهر 2: 33.
4 القبعثرى: الجمل الضخم العظيم.
5 سقط من م.
6 من م. ويريد أن المدغمة في نحو "عَجَنَّس" هي مكررة من أصل، لا زائدة صرف. وأبو حيان يرى النونين زائدتين. الارتشاف 1: 101.
7 ف: فيهما.
8 الخصائص 3: 124 والإنصاف ص24 والمحتسب 1: 259 واللسان والتاج "قرنفل" والخود: الفتاة الحسنة الخلق: والعطبول: الحسنة القامة.
9 ابن هرمة: ديوانه ص239 والمحتسب 1: 259 وشرح أبيات المغني 6: 140 والخصائص 3: 124 وسر الصناعة 1: 29 والإنصاف ص23-24 والخزانة 1: 58 واللسان والتاج "شري" والتمام ص61. ويثني: يُميل. والهوى: العشق. وحيث: ظرف متعلق بأنظور. وما: زائدة. ومن حيث: بدل من حيث الأول. وخبر أنَّ هو جملة أدنو. فحيثما في الموضعين غير شرطية: وقد تنازع في الأولى فعلان.
10 الماطرون: اسم موضع: وانظر الخصائص 3: 216.
11 وهو الأخفش الأوسط.
12 ف: وأن الكلمة عنده وزنها.
13 مطلع قصيدة تنسب إلى أبي دهبل الجمحي وعبد الرحمن بن حسان. الخزانة 3: 280-282 والخصائص 3: 216. وانظر الأغاني 13: 143. واعترتني: نزلت بي. والماطرون: اسم موضع.
(1/109)

طالَ هَمِّي, وبِتُّ كالمَحزُونِ ... واعتَرَتْنِي الهُمُومُ, بالماطِرُونِ
ووجْه استدلاله بكسر النون، على أنها أصل، هو أنها لو جُعلت زائدة لكانت الكلمة جمعًا في الأصل سُمِّيَ بِه؛ لأنَّ المفردات لا يوجد في آخرها واو ونون زائدين. والجمع إِذا سُمِّيَ به فله في التسمية طريقان: أحدهما أن تحكي فيه طريقته1 وقت أن كان جمعًا، فيكون في الرفع بالواو، وفي النصب والخفض بالياء. والطريقة الأخرى أن تجعل الإِعراب في النون، وتقلب الواو ياء على كل حال، فتقول2: هذا زَيدِينٌ، ورأيت زَيدِينًا، ومررت بِزَيدِينٍ. فلمَّا لم يجئ "الماطِرُون" على وجه من هذين الوجهين قُضِي عليه بأنه مفرد، فوجب عليه جعل النون أصليَّة.
وهذا لا دليل له فيه؛ لأنَّ أبا سعيد وغيره من النحويّين حكوا في التسمية وجهين غير هذين [15أ] : أحدهما جعلُ الإِعراب في النون، وإِبقاء الواو على كل حال. فيقولون: هذا ياسِمُونٌ، ورأيت ياسِمُونًا، ومررت بياسِمُونٍ. فيكون الماطِرُونُ جمعًا سُمِّيَ3 به، على هذا الوجه. والوجه الآخر: أن تكون النون مفتوحة في كلّ4 حال، وقبلها الواو، فيقال: هذا ياسِمونَ البرِّ ورأيت ياسمونَ البرِّ، ومررت بياسمونَ البرِّ. وقد جاء ذلك في الماطِرون. وعليه قوله5:
ولَها بالماطِرُونَ, إذا ... أكَلَ النَّملُ الَّذِي جَمَعا
وهذا ممَّا يدلّ على أنه جمعٌ، مَحكِيَّةٌ فيه حالة الرفع. إِذ لو كان مفردًا لأثَّر فيه العامل، إِذ لا موجب لبنائه. على أنَّ أبا سعيد السيرافيّ قال: أَظنُّها فارسيَّةً. فإِذا كانت فلا حُجَّة فيها.
والقول في الماجِشُون6 كالقول في الماطِرون. وكذلك سِقلاطُون7 وأَطرَبُون8 وما كان نحوَ ذلك.
وأمَّا خَرَنباشٌ9 من قول الشاعر10:
__________
1 م: طريقه.
2 م: فيقال.
3 م: مسمّى.
4 سقط من م.
5 ينسب إلى الأخطل ويزيد بن معاوية والأحوص. الكامل ص337 واللسان والتاج "مطرن" والعيني 1: 148 والألف باء 2: 169 ومعجم البلدان 7: 366 وديوان الأخطل ص389. وصلته بعده:
خِرْفةٌ, حَتّى إذا ارتَبَعَتْ ... ذَكَرَتْ, مِن جِلَّقٍ بِيَعا
والخرفة: ما يجتنى من الثمار والفواكه وارتبعت: دخلت في الربيع. والبيع: جمع بيعة. وهي الكنيسة.
6 الماجشون: ثياب مصبغة. وانظر الخصائص 3: 217.
7 السقلاطون: ضرب من الثياب.
8 الأطربون: الرئيس السيد عند الروم.
9 الخرنباش: نبت من رياحين البر طيب الرائحة. وضبط في الخصائص 3: 217 بضم الخاء والراء، وفي التاج "خربش" بضم الخاء وفتح الراء وبضمهما معًا. وانظر المزهر 2: 33.
10 في الخصائص 3: 217 والتاج "خربش". والغور: ما انخفض من الأرض. والصرائم: جمع صريمة. وهي الأرض المحصود زرعها.
(1/110)

أَتَتْنا رِياحُ الغَورِ, مِن نَحوِ أَرضِها, ... بِرِيحِ خَرَنباشِ الصَّرائمِ والحَقلِ
فيمكن أن يكون في الأصل خَرَنْبَشًا، ثمّ أُشبِعتْ1 فتحته.
وإِذا كانتا مجتمعتين يكون:
على فَعْلَوِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا2، نحو: قَندَوِيل3 وهَندَوِيل4.
وعلى فَعْلَلِيل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: عَرطَلِيل5.
وعلى فَعْلَلُوت: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عَنكَبُوت.
وعلى فَعْلَلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مَنجَنُون6. والصفة نحو: حَنْدَقُوق7.
وعلى فَعْلَلان: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: زَعفَران. والصفة نحو: شَعشَعان8.
وعلى فُعْلُلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عُقرُبان9. والصفة نحو: عُرْدُمان10.
وعلى فِعْلِلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حِندِمان11. والصفة نحو: حِدرِجان12.
وعلى فَعْلَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: بَرنَساء13.
وعلى فُعْلُلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: قُرفُصاء14.
وعلى فِعْلِلاءَ: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: طِرمِساء15.
__________
1 م: أثبتت.
2 كذا، ومثله في الكتاب 2: 336، مع أن المثالين التاليين صفتان لا اسمان.
3 القندويل: العظيم الهامة.
4 الهندويل: الضخم.
5 العرطليل: الطويل.
6 المنجنون: الدولاب التي يستقى عليها.
7 الحندقوق: الرجل الطويل المضطرب. وفي المزهر 2: 32: "كذا ذكر سيبويه. وقال غيره: هي بقلة، فتكون اسمًا".
8 الشعشعان: الطويل الحسن الطول.
9 العقربان: دويبة تدخل الأذن.
10 العردمان: الغليظ الشديد الرقبة. وفي ف والمبدع: "عرمدان". والتصويب من م والكتاب 2: 338.
11 الحندمان: الجماعة أو القبيلة.
12 الحدرجان: القصير.
13 البرنساء: ابن آدم والناس.
14 القرفصاء: ضرب من الجلوس.
15 ليلة طرمساء: شديدة الظلمة.
(1/111)

وعلى فِعْلَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: هِندَباء1.
وأمَّا شِفْصِلَّى2 فإِن ثَبَتَ كان فيه دليل على إِثبات "فِعْلِلَّى" من كلامهم.
وعلى فُعَلِّيل: نحو: القُشَعْرِيرة والسُّمَهْجِيج3. ولم يجئ غيرهما4.
__________
1 الهندباء: بقلة من أحرار البقول.
2 بسكون الفاء وفتحها في ف، وأثبت الناسخ أنها كانت في المتن بسكون الفاء. وفي الحاشية بخط أبي حيان: "شفصلى: نبات يلتوي على الشجر. ذكره ابن القوطية". قلت: وحقه أن يجعل في باب الزيادتين المفترقتين لا المجتمعتين.
3 السمهجيج: ما حقن من ألبان الإبل في سقاء غير ضار، فلبث ولم يأخذ طعمًا.
4 كذا، ومثله في المزهر 2: 32. والطمأنينة والشمأزيزة والشمخريرة ... من هذا البناء.
(1/112)

[المزيد فيه ثلاثة أحرف] :
وإِذا لحقتْه ثلاث زوائد كان:
على فُعَيلُلان: نحو: عُرَيقُصان1. ولم يجئ إِلَّا اسمًا.
وأمَّا هَزَنبَران2 وعَفَزَّران3 فإنهما تَثنية هَزنبَر كجَحَنفَل4، وعَفَزَّرٍ كعَدَبَّس5. ثم سُمِّيَ بهما. وهذا أَولى من إِثبات بناء على وزن "فَعَنْلَلان" أو "فَعَلَّلان"، ولم يثبت من كلامهم.
وعلى فَعَولُلان: وهو قليل، نحو: عَبَوثُران6.
وعلى فَعْلالاءَ: [ولم يجئ إِلَّا اسمًا] 7، وهو قليل، نحو8: بَرْناساء9.
وعلى فُعالِلاءَ: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: جُخادِباء10.
وأمَّا مُفْيَئِنّ11 فـ"مُفْعَلِلّ" والياء أصل في بنات الأربعة. ولا يكون "مُفْيَعِلًّا"؛ لأنه ليس من أبنية كلامهم.
__________
1 العريقصان: نبات.
2 الهزنبران والهزنبزان: السيئ الخلق. وجعله ابن عصفور اسمًا، وكذلك السيوطي في المزهر 2: 33. وهو صفة كما ذكر ابن جني في الخصائص 3: 201 حيث أنكر الادعاء بأنه مثنى.
3 عفزران: اسم رجل. الخصائص 3: 202.
4 الجحنفل: الغليظ الشفة.
5 العدبس: الشديد الموثق الخلق من الإبل.
6 العبوثران: نبات طيب الريح. ف: نحو عبوثران وهو قليل.
7 من م.
8 ف: قالوا.
9 البرناساء: الناس.
10 الجخادباء: ضرب من الجنادب. ف: خجادباء. م: جحادباء.
11 المفيئن: المنتصب. وفيه روايات. انظر ديوان الهذليين 2: 86 وشرح أشعار الهذليين ص322 والخصائص 3: 196.
(1/112)

وأمَّا السِّلِنْطِيط1 فزعم أبو سعيد أنه جاء في الشعر. والمتوهَّم أنه ليس من كلامهم، فإِذا كان كذلك فلا يَثبُتُ به "فِعِنْلِيل"2.
وأمَّا عُقْرُبَّان3 فيمكن أن يكون أصله عُقْرُبان خفيفًا كثُعْلُبان4، ثمّ ضُعّفت الباء كما تُضعَّف أَواخر الأسماء؛ لأنها آخِر لأنَّ الألف والنون تَجريان مجرى تاء التأنيث. ولذلك إِنَّما يُصَغَّر من الاسم الذي يكونان فيه الصدرُ5، كما أنه لا يُصغَّر من الاسم الذي فيه تاء التأنيث إِلَّا صدره. فإن قيل: إِنَّما تَفعل ذلك العربُ في الوقف. قيل: يكون هذا من إِجراء الوصل مُجرى الوقف.
__________
1 السلنطيط: القاهر من السلاطة. وفيه روايات. انظر الخصائص 3: 215 واللسان والتاج "سلط". قلت: والسلنطيط ليس بالرباعي المزيد فيه ثلاثة أحرف. وذكره ههنا وهم.
2 ف: فعنليلًا.
3 العقربان: دويبة تدخل الأذن. وانظر الخصائص 3: 210-211 والمزهر 2: 33.
4 الثعلبان: ذكر الثعالب.
5 م: تكون فيه الصدر.
(1/113)

[الخماسيّ المزيد] :
وأمَّا الخماسيُّ فلا تلحقه إِلَّا زيادة واحدة، فيصير على ستَّة أحرف ويكون:
على فَعْلَلِيل: ويكون1 فيهما. فالاسم نحو: خَندَرِيس2. والصفة نحو: دَردَبِيس3.
وعلى فَعْلَلُول: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو يَستَعُور4.
وعلى فِعْلَلُول: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: قِرطَبُوس5.
وعلى فَعَلَّلًى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: قَبَعثَرًى6.
وعلى فُعَلِّيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: خُزَعبِيل7. والصفة نحو: قُذَعمِيل8.
وأمَّا سَمَرْطُول9 من قوله10: [15ب]
__________
1 سقط من م.
2 الخندريس: الخمر.
3 الدردبيس: الشيخ الهرم.
4 اليستعور: شجر.
5 القرطبوس: الناقة العظيمة الشديدة.
6 القبعثرى: الجمل الضخم العظيم.
7 الخزعبيل: الباطل.
8 القذعميل: الشيخ الكبير.
9 السمرطول: الطويل المضطرب. وانظر الخصائص 3: 207-208 والمزهر 2: 34.
10 الخصائص 3: 207 واللسان والتاج "سمرطل". والنياف: الطويل في ارتفاع. والشعشع: الطويل العنق. يصف جملًا.
(1/113)

على سَمَرطُولٍ, نِيافٍ شَعشَعِ
فلا يثبت به "فَعَلُّولٌ"؛ لأنه لم يُسمع قطُّ في نثر. وإِنَّما سُمع في الشعر، وهم مما يحرّفون في الشعر1، إِذا اضطُرُّوا إلى ذلك. قال2:
بِسَبْحَلِ الدَّفَّينِ, عَيسَجُورِ
وإِنَّما هو سِبَحْل بمنزلة قِمَطْر. فكذلك سَمَرْطُولٌ يمكن أن يكون مُحرَّفًا من سَمْرَطُول، كعَضْرَفُوط3.
فأمَّا دُرْداقِس4 فلا يَتحَقَّقُ كونها من كلام العرب. قال الأصمعيُّ: أَظنُّها رُوميَّةً5. فلا يَنبغي أن يَثبُتَ بها "فُعْلالِلٌ". وكذلك خُزْرانِق6 أصله فارسيٌّ7 فلا حُجَّة فيه.
وأمَّا قَرَعْبَلانةٌ8 فلم9 تُسمَع إِلَّا من كتاب "العَين"، فلا ينبغي أن10 يُلتفت إليها.
__________
1 سقط "وهم مما يحرفون في الشعر" من النسختين، وألحقه ناسخ ف بالحاشية.
2 العجاج. ديوانه ص77 والخصائص 2: 339 و438 و3: 207 والسبحل الدفين: العظيمة الجانبين. والعيسجور: الكريمة النسب. يصف ناقة.
3 العضرفوط: ذكر العظاء.
4 الدراقس: طرف العظم الناتئ فرق القفا.
5 انظر الخصائص 3: 204 والمزهر 2: 34.
6 الخزرانق: ضرب من ثياب الديباج.
7 انظر الخصائص 3: 205.
8 القرعبلانة: دويبة عريضة. انظر الخصائص 3: 208 والمزهر 2: 34.
9 ف: فلا.
10 سقط "ينبغي أن" من م. ولم ينفرد العين بذكرها. انظر الاستدراك على سيبويه ص37 والصحاح والعين والمحكم والقاموس واللسان والتاج "قرعبل".
(1/114)

باب 1: أبنية الأفعال
[الماضي الثلاثيّ] :
الأفعال تنقسم قسمين: ثلاثيّ ورباعيّ. وكلاهما ينقسم قسمين: مزيدٌ وغيرُ مزيدٍ.
فأمَّا الثلاثيّ غير المزيد فله ثلاثة أبنية2:
فَعَلَ: كـ"ضَرَبَ".
وفَعِلَ: كـ"عَلِمَ".
وفَعُلَ: كـ"ظَرُفَ".
وأمَّا الثلاثيُّ المزيد فينقسم ثلاثة أقسام: قسم جاء على وزن الرباعيّ وهو ملحق به، وقسم جاء على وزن الرباعيّ وليس بملحق به3، وقسم لم يجئ على وزنه.
فالملحق ما جاء:
على فَيْعَلَ: نحو: بَيطَرَ4.
وعلى فَعْلَلَ: نحو: جَلبَبَ5 وشَملَلَ6.
__________
1 انظر في هذا الباب 2: 330-335 و340 من الكتاب و2: 37-42 من المزهر.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن فعل الأمر والفعل المبني للمفعول هما أصلان، بدليل وجود أفعال أمر لا مضارع لها، وأفعال مبنية للمفعول لا معلوم لها.
3 ف: "فيه". وسقط من م.
4 بيطر: عالج الدوابّ.
5 جلبب: ألبس الجلباب.
6 شملل النخلَ: أخذ شماليله.
(1/115)

وعلى فَوْعَلَ: نحو: حَوقَلَ1.
وعلى فَعْوَلَ: نحو: جَهوَرَ2.
وعلى فَعْنَلَ: نحو: قَلنَسَ3. وهو قليل.
وعلى يَفْعَلَ: نحو: يَرنأَ لِحيتَهُ4.
وعلى فَعْلَى: نحو: قَلسَى5.
وهذه الأمثلة مُلحقة بـ"فَعْلَلَ" من الرباعيّ، نحو: قَرْطَسَ6. ويجيء:
على تَفَعْلَى: نحو: تَقلسَى7 وتَجَعبَى8.
وعلى9 تَفَعْلَتَ: نحو: تَعَفرَتَ.
وعلى تَفَعْنَلَ: نحو: تَقَلنَسَ.
وعلى تَفَعْلَلَ: نحو: تَجَلبَبَ.
وعلى تَفَيْعَلَ: نحو: تَشَيطَنَ.
وعلى تَفَوْعَلَ: نحو: تَجَورَبَ.
وعلى تَفَعْوَلَ: نحو: تَرَهوَكَ10.
وعلى تَفاعَلَ: نحو: تَغافَلَ.
وعلى تَفَعَّلَ: نحو: تَكرَّمَ.
وعلى تَمَفْعَلَ: نحو: تَمَسكَنَ.
وهذه الأمثلة مُلحقة بـ"تَفَعْلَلَ" من الرباعيّ، نحو: تَدَحرَجَ.
__________
1 حوقل: كبر وعجز عن الجماع.
2 جهور: رفع صوته.
3 قلنس: ألبس القلنسوة.
4 يرنأ لحيته: صبغها باليرناء. وهي الحناء.
5 قلسى: ألبس القلنسوة.
6 قرطس: أصاب القرطاس. وقد أهمل ابن عصفور بعض الأبنية. انظر شرح الشافية 1: 69.
7 قلسى: لبس القلنسوة.
8 تجعبى الجيش: ازدحم.
9 سقط من م.
10 ترهوك في المشي: كان كأنه يموج فيه.
(1/116)

وعلى1 افَعَنْلَلَ: نحو: اقعَنسَسَ2.
وعلى3 افعَنْلَى: نحو: اسلَنقَى4.
وهذان المثالان مُلحقان ببناء "افعَنْلَلَ"5 من الرباعيّ، نحو: احرَنجَمَ6.
والذي يُعلَمُ به أنَّ هذه الأمثلة مُلحقةٌ، ببناء ما ذكرنا، مجيءُ مصادرها على حَسَبِ مصادر ما أُلحِقَتْ به. فتقول: جَلبَبةً وشَملَلةً وبَيطَرةً وجَهوَرةً وقَلنَسةً. وقَلساةً، كما تقول: قَرْطَسةً. وتقول: تَجَلبُبًا وتَشَيطُنًا7 وتَجَورُبًا وتَرَهوُكًا8 وتَمَسكُنًا وتَغافُلًا وتَكرُّمًا، كما تقول: تَدَحْرُجًا، وتقول: اسلِنقاءً واقعِنساسًا، كما تقول: احرِنجامًا.
وغير الملحق ما جاء:
على أَفْعَلَ: نحو: أَكرَمَ.
وعلى فاعَلَ: نحو: ضارَبَ.
وعلى فَعَّلَ: نحو: ضَرَّبَ.
فهذه الأمثلة على وزن "دَحْرَجَ"، وليست ملحقةً به، بدليل أنك لا تقول "ضارَبَةً" ولا "ضَرَّبَةً" ولا "أَكرَمَةً"، كما تقول: دَحرَجةً.
والذي لم يجئ على وزن الفعل9 ما كان:
على انفَعَلَ: نحو: انطَلَقَ.
أو10 افتَعَلَ: نحو: اقتَدَرَ.
__________
1 م: أو على.
2 اقعنسس: رجع وتأخر.
3 في النسختين: أو على.
4 اسلنقى: نام على ظهره.
5 م: افعلَّل.
6 احرنجم القوم: ازدحموا.
7 سقط من م.
8 سقط من م.
9 في حاشية ف: يعني الرباعي.
10 م: وعلى.
(1/117)

أو استَفْعَلَ: نحو: استَخرَجَ1.
أو افْعَلَّ: نحو: احمَرَّ.
أو افْعالَّ: نحو: احمارَّ.
أو افْعَوَّلَ: نحو: اعلَوَّطَ2.
أو افعَوْعَلَ: نحو: اغدَودَنَ3.
فهذه الأمثلة من مزيد الثلاثيّ، وليس لها نظير في الرباعيّ.
فأمَّا هَرَقْتُ وهَرَحْتُ فأصلهما: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ، والهاء بدل من الهمزة. وأَصله: أرَقْتُ وأرَحْتُ4. وكذلك أَهْرَقْتُ أصله: أَرَقْتُ، والهاء زائدة، وكذلك أَهْرحْتُ. وكذلك أَسطاعَ فأصله: أَطاعَ، والسين زائدة. فلا يثبتُ بشيء من ذلك وزن للفعل، على خلاف ما ذُكِر؛ لأنَّ هذه الأشياء شَذَّت ولم تطَّرد في بابها.
وأمَّا "افعَوْلَل" نحو: اعثَوْجَجَ البعيرُ5، و"افوَنْعَلَ" نحو: احوَنصَلَ الطائرُ6، و"افعَيَّلَ" نحو: اهبَيَّخَ الرَّجلُ7، فلم يذكرها أحد إِلَّا صاحب "العَين"، فلا يُلتفت إِليها.
وأمَّا ما حكاه8 بعض اللغويِّين، من قولهم: سَنْبَلَ الزَّرعُ وأَسْبَلَ9, ودَنْقَعَ الرَّجلُ، إِذا افتقر فكأنه لَصِقَ بالدَّقعاء, [16أ] و10 ما حكاه أبو عُبيد11 من قولهم: كَنْثَأَتْ لِحيتُهُ وكَثَّأَتْ12، فلا حجَّة في شيء من ذلك على إِثبات "فَنْعَلَ". بل تكون النون أصليَّة، وهي على13 وزن
__________
1 كذا. واستفعل هو على وزن الرباعي المزيد: احرنجم.
2 اعلوطتُ البعير: تعلقت بعنقه وعلوته. قلت: وافعوّل على وزن احرنجم.
3 اغدودن النبت: طال. قلت: وافعوعل على وزن احرنجم أيضًا.
4 كذا. وهو تكرار لما مضى قبل. وسقط "وأرحت" من م.
5 اعثوجج: أسرع.
6 احونصل: ثنى عنقه وأخرج حوصلته.
7 اهبيخ: مشى مشية فيها تبختر وتهادٍ. وانظر العين والقاموس واللسان والتاج "هبخ".
8 ف: ما حكى.
9 سنبل وأسبل: أخرج سنبله.
10 م: وأما.
11 م: أبو عبيدة.
12 كنثأت وكثأت: طالت وغزر شعرها.
13 سقط من م. وذكر ابن عصفور في ص49 ما يخالف هذا.
(1/118)

"فَعْلَلَ" كـ"دَحْرَجَ". ويكون سَنْبَلَ من أَسْبَلَ كسَبِط من سِبَطْر. وكذلك دَنْقَعَ من الدَّقْعاء، وكَنْثأَ من كَثَّأَ.
وكذلك قولهم: طَشْيأ رأيُه ورَهْيأَ إذا خَلَّط، لا حُجَّة فيه على إِثبات "فَعْيَلَ". بل يحتمل أَمرين: أحدهما أن تكون الياء أصلًا في بنات الأربعة، كما كانت في يَستَعُور1 لئلّا يؤدِّي إلى إِثبات بناء لم يستقرَّ في كلامهم، وهو "فَعْيَلَ". والآخر أن يكون أصله: رَهْيا وطَشْيا، على وزن "فَعْلَى" كـ"قَلسَى"، ثمّ أُبدِلتِ2 الهمزة من الألف.
وأمَّا اكوَهَدَّ الفَرخُ3 واكوَأَلَّ الرَّجلُ4 فوزنهما "افعَلَلَّ" نحو: اقشَعَرَّ، 5 والواو أصل في بنات الأربعة، كما كانت أصلًا في وَرَنْتَل6؛ لأنَّ "افوَعَلَّ" بناء لم يستقرَّ في كلامهم.
__________
1 اليستعور: شجر. وهو خماسيّ لا رباعيّ.
2 م: وأبدلت.
3 اكوهد: ارتعد إلى أمه لتزفه. م: افوهد.
4 اكوأل: كان قصيرًا في غلظ وشدة.
5 م: كاقشعر.
6 الورنتل: الداهية.
(1/119)

[المضارع الثلاثي] :
وأمَّا المضارعات فالمَقِيس منها أن يجيء مضارعُ "فَعُلَ" أبدًا على "يَفْعُلُ"1 بضمّ العين كالماضي، نحو: ظَرُفَ يَظرُفُ وشَرُفَ يَشرُفُ. ومضارعُ "فَعِلَ" على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: شَرِبَ يشرَبُ وحَذِرَ يحذَرُ.
و"فَعَلَ" لا يخلو أن يكون للمُغالَبة، أو لا يكون.
فإن كان للمغالبة فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعُلُ" بضمّ العين2، نحو: ضَارَبَنِي فضَرَبتُه أَضرُبُهُ، وكابَرَنِي فكَبَرتُه أَكبُرُهُ، وفاضَلَنِي ففَضَلتُه أَفضُلُهُ. هذا ما لم يكن معتلَّ العين أو اللام بالياء، أو معتلَّ الفاء بالواو. فإِن كان كذلك لزم المضارعُ "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو قولك: راماني فرَمَيتُهُ أَرمِيهِ، وسايَرَني فسِرتُه أَسِيرُهُ أي: غَلَبْتُه في السَّير، وواعَدَني فوَعَدتُه أَعِدُهُ. وزعم
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان: شذّ: كُدْتَ تكادُ.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان: "حكى الجوهري: خاصمتُ فلانًا ... يَخصِمُونَ". الصحاح "خصم". وفيها أيضًا أن اختلاف العين في الحركة بين الماضي والمضارع أقيس من اتفاقها، وأن فَعَلَ يَفعَلُ قياسه اللزوم مثل فَعُلَ يَفعُلُ.
(1/119)

الكسائيُّ أنه يجيء على "أَفْعَلُ" بفتح العين، إِذا كان عينه1 حرف حلق، نحو: فاخَرَني ففخَرتُهُ أَفخَرُهُ2.
فإِن لم يكن للمغالبة فلا يخلو أن يكون مُعتلَّ الفاء بالواو، أو معتلّ العين أو اللّام بالياء أو بالواو3، أو مُضعَّفًا، أو غير ذلك:
فإِن كان مُعتلَّ الفاء بالواو فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعِلُ"4 بكسر العين، نحو: وَعَدَ يَعِدُ ووَزَنَ يَزِنُ. وتُحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في: يَعِد، ثمّ تُحمل في: أَعِدُ ونَعِدُ5 وتَعِدُ، عليه لِما يُبيَّنُ6 في التصريف، إِن شاء الله.
فإِن كان مُعتلَّ العين أو اللّام7 بالواو كان المضارع أبدًا على "يَفْعُلُ" بضمّ العين، نحو: غَزا يَغزُو وقالَ يَقُولُ.
وإِن كان معتلَّ العين أو اللّام بالياء فإِنَّ المضارع منه أبدًا8 على "يَفْعُلُ" بكسر العين، نحو: رَمَى يَرمِي وباعَ يَبِيعُ.
وإِن كان مضعَّفًا فلا يخلو أن يكون مُتعدِّيًا أو غيرَ مُتعدّ. فإِن كان غير مُتعدّ فإِنَّ مُضارعه أبدًا يجيء على "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو: فَرَّ يَفِرُّ وشَذَّ الشيءُ يَشِذُّ9. وإِن كان متعدِّيًا فإِن مضارعه أبدًا يجيء10 على "يَفعُلُ" بضمّ العين، نحو: رَدَّهُ يَرُدُّهُ وشَدَّهُ يَشُدُّهُ.
فإِن كان غير ذلك فلا يخلو أن تكون لامه أو عينه حرف حلق، أَو لا يكون. فإِن كان
__________
1 في شرح الشافية 1: 71 "عينه أو لامه". وانظر ما رد به شارح الشافية زعم الكسائي. ف: "العين".
2 في حاشية ف بخط أبي حيان نقلًا من خط السخاوي في شرح المفصل أن أبا زيد روى مضارع حلقي العين بالضم، وأن المثال الواوي لم يرد في المضارع مضموم العين في غير المغالبة إِلَّا قولهم: وَجَدَ يَجُدُ.
3 ف: أو معتل العين بالواو أو الياء، أو اللام بالواو أو بالياء.
4 يعني: قبل حذف الفاء. وإِلَّا فهو "يَعِلُ".
5 سقط من م.
6 في الورقة 39. م: لما يحكم.
7 م: معتل اللام أو العين.
8 ف: أبدًا منه.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أنه شذ من اللازم أفعال جاءت على "يَفعُلُ". وهي مضارع: مَرَّ و ... انظر الارتشاف 1: 80-81.
10 ف: يجيء أبدًا.
(1/120)

كذلك فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: قَرَعَ يَقرَعُ وفَغرَ يَفغَرُ وزأَرَ يَزأَرُ. وإِن لم يكن كذلك فإِنَّ مضارعه أبدًا يحيء على: "يَفْعِلُ" و"يَفْعُلُ" بكسر العين وضمّها، نحو: ضَرَبَ يَضرِبُ وقَتَلَ يَقتُلُ وجَلَسَ يَجلِسُ وقَعَدَ يَقعُدُ1. وقد يجتمعان في الفعل2 الواحد، نحو: عَكَفَ يَعكِفُ ويعَكُفُ. وهما جائزان، سُمِعا للكلمة3 أو لم يُسمع إِلَّا أحدهما.
وأمَّا المزيد على ذلك فإِنك إِذا أردت المضارع فلا يخلو أن تكون في أَوَّله همزةُ وصلٍ، أو تاءٌ زائِدةٌ، أو لا يكون كذلك.
فإِن كان كذلك فإِنَّ المضارع منه بمنزلة الماضي. إِلَّا أنَّك تزيد حرف المضارعة مفتوحًا وتكسِرُ ما قبل الآخر، فيما أوّله همزةُ وصلٍ، وتزيد حرف المضارعة مفتوحًا لا غيرُ، فيما أوّله التاء، فتقول: انطَلَقَ يَنطَلِقُ واستَخرَجَ يَستَخرِجُ وتَغافَل يَتغافَلُ وتَشَجَّعَ يَتَشَجَّعُ.
وإِن كان غير ذلك فَعَلتَ فيه ما فعلتَ فيما في4 أوَّلِه همزةُ وصلٍ. إِلَّا أنك تضمُّ حرف المضارعة، فتقول: سَلقَى يُسَلقِي وجَلبَبَ يُجَلبِبُ وأَكرَمَ يُكرِمُ وضَرَّبَ يُضَرِّبُ وضارَبَ يُضارِبُ.
وشَذَّ من "فَعِلَ" شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو: نَعِم يَنعِمُ وحَسِبَ يَحسِبُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ ووَلِيَ يَلِي ووَرِعَ يَرِعُ ووَعِمَ يَعِمُ5 ووَغِمَ يَغِمُ6 ووَحِرَ يَحِرُ7 ووَغِرَ صدرُه يَغِرُ8 [16ب] ووَثِقَ يَثِقُ ووَفِقَ يَفِقُ ووَرِيَ الزَّندُ يَرِي ووَطِئ يَطَأُ ووَسِعَ يَسَعُ9.
والدليلُ على أنَّ "يَطأُ ويَسَعُ" في الأصل إِنَّما هو "يَوْطِئُ ويَوْسِعُ"، ثمّ فُتِحت العين لكون اللّام
__________
1 م: "وقعد يقعد وجلس يجلس". قلت: وذكره "قعد يقعد" ههنا سهو؛ لأنه حلقي العين.
2 م: للفعل.
3 م: "كلمة". وانظر المزهر 2: 39.
4 سقط من م.
5 وعم: قال انعم.
6 وغم: حقد.
7 وحر صدره: حقد ووغر.
8 وغر صدره: امتلأ غيظًا.
9 قدم ناسخ م وأخر وأسقط بعض الأمثلة. وانظر المزهر 2: 37-38. وما كان من هذه الأفعال مثالًا فوزن مضارعه "يَعِلُ"؛ لأنَّ فاءه محذوفة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن بعض ما شذ من هذه الأفعال جاء أيضًا على القياس، نحو: حسب ونعم ووله ويئس.
(1/121)

حرفَ حلق، حَذفُ الواو منهما. ولم يُعتَدَّ بالفتحة لكونها عارضةً. ولو كانت أَصليَّةً لم تُحذَفِ الواو، كما لم تُحذف من: يَوجَلُ ويَوحَلُ1.
وشَذَّ منه أيضًا2 شيء، فجاء على "يَفْعُلُ" بضمّ العين، وهو: نَعِمَ يَنعُمُ وفَضِلَ يَفضُلُ وحَضِرَ يَحضُرُ، ومِتَّ تَمُوتُ في لغة من يَكسِرُ الميم، ودِمْتَ تَدُومُ.
وشَذَّ3 أيضًا من "فَعَلَ" الذي فاؤه واو لفظة واحدة، فجاء مضارعها على "يَفْعُلُ" بضمّ العين. وهي: وَجَدَ يَجُدُ. وأصله "يَوْجُدُ"، فحُذِفت الواو لكون الضمّ هنا شاذًّا والأصل الكسر، فحُذفت الواو كما حُذفت4 مع الكسرة. و [على] 5 ذلك قوله6:
لَو شِئتِ قَد نَقَعَ الفُؤادُ بِشَربةٍ ... تَدَعُ الصَّوادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلا
وشَذَّ أيضًا شيء من "فَعَلَ" المعتلّ اللّام، فجاء مضارعه على "يَفْعَلُ" بفتح العين، وهو: قَلَى يَقلَى7 وعَثَى يَعثَى8 وجَبَى يَجبَى وأَبَى يأبَى9.
وشَذَّ أيضًا من "فَعَلَ" الصحيح اللّام شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعَلُ" بفتح العين، وهو: قَنَطَ يَقنَطُ ورَكَنَ يَركَنُ.
وشَذَّ أيضًا من "فَعَلَ" المضاعف المتعدّي شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعِلُ" بكسر العين، وهو: هَرَّ الكأسَ يَهِرُّها10 وعَلَّه يَعِلُّه وحَبَّ الشيءَ يَحِبُّه11.
__________
1 يوحل: يقع في الوحل.
2 م: وشذ أيضًا منه.
3 نقل البغدادي هذه الفقرة في شرح شواهد الشافية ص54. وانظر المزهر 2: 39.
4 م: كما تحذف.
5 من م.
6 لجرير وينسب إلى لبيد. شرح الشافية 1: 132 وشرح شواهده ص53-57 والمنصف 1: 187 وديوان جرير ص453 والمغني ص272 وشرح شواهده ص228-229 وشرح أبياته 5: 114 والصحاح واللسان والتاج "وجد". وسيرد في ص279، وليس في ديوان لبيد المطبوع. ونقع: روي. والصوادي: جمع صادية. وهي العطشى. والغليل: العطش. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن السيرافي ذكر له رواية بكسر الجيم على القياس، وأن أبا عبيد ذكر في "الغريب المصنف": يَجِدُ ويَجُدُ، من الموجدة والوجدان.
7 قلاه: أبغضه وكرهه غاية الكره. وانظر المزهر 2: 39-40.
8 هذا الفعل في النسختين والمبدع بالسين لا بالثاء. والتصويب من الارتشاف 1: 80 والمزهر 2: 39 واللسان والتاج "عثي". وعثى: أفسد. ولامه ياء هنا، وقد تكون واوًا.
9 جبى: جمع وحصّل. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن صاحب المحكم حكى عن بعض العرب: أبِيَ. فكان "يأبَى" على لغتهم مثل ينسَى. ووافقهم فيه غيرهم.
10 هرّ الكأس: كرهها. وانظر المزهر 2: 40.
11 علَّه: سقاه السقية الثانية بعد النهل. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك وجوب الكسر في مضارع حبّ، وجوازه في الباقي.
(1/122)

[الرباعيّ] :
وأمَّا الرباعيُّ فغيرُ المزيد منه يجيء1:
على "فَعْلَلَ": نحو: قَرطَسَ.
والمزيد يجيء:
على "افعَنْلَلَ": نحو: احرَنجَمَ2.
وعلى "افعَلَلَّ": نحو: اطمأنَّ.
وعلى "تَفَعْلَلَ": نحو: تَدَحرَجَ3.
ومضارع "فَعْلَلَ": يُفَعْلِلُ، بضمِّ حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. ومضارع "افعَنْلَلَ": يَفْعَنْلِلُ، بفتح حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. وكذلك "افعَلَلَّ" مضارعه: يَفْعَلِلُّ، بفتح حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. و"تَفَعْلَلَ"، مضارعه: يَتَفَعْلَلُ، بفتح حرف المضارعة وما قبل الآخر4.
__________
1 ف: وأمَّا الرباعي غير المزيد فيجيء.
2 احرنجم القوم: ازدحموا.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان أن مزيد الرباعي بناءان فقط، وأن نحو اطمأنّ فملحق باحرنجم وليس بناء أصليًّا. وانظر الارتشاف 1: 88.
4 سقط "وما قبل الآخر". من م. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن اسمي الفاعل والمفعول ومبالغة اسم الفاعل والصفة المشبهة تستعمل للماضي والحاضر والمستقبل.
(1/123)

ذكر معاني أبنية الأفعال مجرَّدة من الزيادة وغيرَ مجرَّدة وتبيين المتعدّي منها وغير المتعدّي:
فَعَلَ وفَعِلَ: يجيئان مُتعدّيَينِ وغيرَ متعدِّيَينِ. فالمتعدّي منهما: ضَرَبَ وعَلِمَ. وغيرُ المتَعدِّي: قَعَدَ وأَشِرَ1.
فَعُلَ2: ولا يتعدَّى البتَّةَ، نحو: ظَرُفَ وشَرُفَ.
فَعْلَلَ: ولا يكون إِلَّا متعدِّيًا، نحو: جَلبَبَهُ وشَملَلَهُ3. إِلَّا أن يكون رباعيًّا، فإِنه يكون متعدِّيًا وغير متعدّ. فالمتعدّي نحو: دَحرَجتُه وصَعررَتُه4. وغير المتعدّي نحو: قَرقَرَ5.
فَيعَلَ وفَوعَلَ وفَعوَلَ وفَعلَى: تكون متعدّيةً وغيرَ متعدّية. فالمتعدّي منها: بَيطَرَ الدَّابَّةَ وصَومَعَ الثَّريدَ6 ودَهوَرَ المَتاعَ7 وقَلسَى الرَّجلَ8. وغيرُ المتعدّي: بَيقَرَ9 وحَوقَلَ10 وهَروَلَ وعَنظَى11 وخَنظَى12 وخَنذَى13.
__________
1 أشر: مرح وبطر.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان أن معاني فَعُلَ للحسن والقبح والصغر والكبر والضعف والشدة والرفعة والخساسة والعقل والحلم، وأنه ورد متعديًا منه: رحُب وطلُع، في كتاب الدلائل للسرقسطي.
3 جلببه: ألبسه الجلباب. وشملل النخل: أخذ منه شماليله.
4 هذا ملحق بالرباعي وليس رباعيًّا. وصعررت: دحرجت. ولعله يريد: صعترته، أي زيّنته. م: سعررت.
5 قرقر البعير: هدر.
6 صومع الثريد: سوّى له صومعة.
7 دهور المتاع: جمعه وقذفه في مهواة.
8 قلسى الرجل: ألبسه القلنسوة.
9 بيقر: هلك.
10 حوقل: كبر وعجز عن الجماع.
11 عنظى: فحش. وفي النسختين: عنضى.
12 خنظى: صار بذيئًا فاحشًا. ف: خنضى.
13 خنذى: صار خليعًا.
(1/124)

فَعْنَلَ: يكون متعدّيًا، نحو: قَلنَسَ.
يَفْعَلَ: ولا يكون إِلَّا متعدّيًا، نحو1: يَرنأَ لحيتَهُ2.
تَفَعللَ وتَفَيعَلَ وتَفَعلَى وتفَعنَلَ وتَفَوعَلَ وتَمَفعَلَ وتَفَعوَلَ: أكثر ما تجيء غير متعدّية؛ لأنها مطاوِعةٌ للفعل الذي دخلت عليه التاء في الغالب. نحو: دَحرَجتُه فتَدَحرَجَ ومَدرَعتُهُ فَتَمَدرَعَ3. وكذلك باقيها. فكان الغالب عليها لذلك عدمُ التعدّي، حتى تكون كـ"انفَعَلَ".
تَفَعلَتَ: ولا يكون متعدّيًا، نحو: تَعَفرَتَ.
تَفاعَلَ: تكون متعدّية وغير متعدّية. فالمتعدّية4 نحو: تَقاضَيتُه وتَنازَعْنا5 الحديثَ، وتَجاوَزنا المكانَ. وغير المتعدّية: تَغافَل وتَعاقَلَ6. وإِنما يجوز أن تقول "تفاعلته" وتُعدّيه إلى مفعول، إِذا لم يكن المفعول فاعلًا، نحو: تَقاضَيتُ الدَّينَ. ولها ثلاثة معانٍ:
أَحدهما أن تكون للاثنين فصاعدًا، نحو: تَشاتَما وتَقاتَلا.
والثاني الرَّومُ7: كقولك: تَقارَبتُ من الشيء8، وتَراءَيتُ لزيدٍ9 أي: رُمتُ القُربَ، ورُمتُ أن يَراني.
والثالث الإِيهام: وهو أن يُرِيَكَ أنه في حال ليس فيها. كقولك: تَغافَلتُ وتَعامَيتُ وتَناعَستُ وتَجاهَلتُ، أي أَظهرتُ ذلك، وإِنْ لم أكن10 في الحقيقة موصوفًا بذلك. قال11:
إِذا تَخازَرتُ وما بي مِن خَزَرْ
__________
1 م: يقال.
2 يرنأ لحيته: صبغها بالحناء.
3 مدرعته: ألبسته المدرعة.
4 م: "فالمتعدي". وانظر في معاني تفاعل 1: 99-104 من شرح الشافية.
5 ف: تنازعته.
6 م: تعاقل وتغافل.
7 الروم: القصد والطلب.
8 م: من ذلك.
9 م: له.
10 م: لم يكن.
11 الكتاب 2: 239 واللسان والتاج "خزر". وتخازر: ضيق عينيه ليحدد النظر. والخزر: ضيق العين وصغرها خلقة. والبيت من أرجوزة تنسب إلى أرطأة بن سهية وطفيل الغنوي وعمرو بن العاص. وانظر الأمالي 1: 96 والسمط ص 299 ووقعة صفين ص 327 ووفيات الأعيان 5: 132 والاقتضاب ص409 والتشبيهات ص262 وديوان طفيل ص58 والمعاني الكبير ص239 وشرح نهج البلاغة 2: 281 واللسان "مرر" و"قزح" والحماسة البصرية 1: 95.
(1/125)

أي: أظهرتُ ذلك. [17أ] وقوله "وما بي من خزر" يدلُّ على ما قلناه من الإِيهام.
تَفَعَّلَ: تكون متعدّيةً وغير مُتعدّية. فالمتعدّية نحو: تَلَقَّفتُه، قال تعالى1: "تَلَقَّفُ ما يأفِكُونَ"، وتَخَبَّطَهُ الشَّيطانُ، قال تعالى2: {كالّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ} 3. وغير المتعدّية نحو: تَحَوَّبَ4 وتأثَّمَ5. ولها ثمانية معانٍ6:
أحدها أن تكون مطاوِعة لـ"فَعَّلَ"، كقولك: كَسَّرتُه فتَكسَّرَ وقَطَّعتُه فتَقَطَّعَ. والمطاوَعة7: أن تُريدَ من الشيء أَمرًا ما فتَبلُغَه.
والثاني الحِرص على الإِضافة: فإِذا أراد الرجل أن يُدخِل نفسه في الشجعان والحلماء8 قيل: تَشَجَّعَ وتَحَلَّمَ. قال حاتم الطائيّ9:
تَحلَّمْ عَنِ الأَدنَينَ, واستَبقِ وُدَّهُم ... ولَن تَستَطِيعَ الوُدَّ، حَتّى تَحَلَّما
ومنه: تَقَيَّسَ10 وتَنَزَّرَ11 وتَعَرَّبَ12.
والثالث أخذُ جزءٍ بعد جزء: نحو: تَنَقَّصتُه وتَجَرَّعتُه وتَحَسَّيتُه أي: أخذتُ منه الشيء بعد الشيء.
والرابع الخَتْلُ: كقولك: تَغَفَّلَه أي: أراد أن يَختِلَه عن أمرٍ يَعُوقُه13 عنه. وتَمَلَّقَه نحو ذلك؛ لأنه إِنما يديره عن شيء.
والخامس التوقُّعُ: كقولك: تَخَوَّفَهُ؛ لأنَّ مع التخوّف14 توقُّعَ الخوف. وأمَّا "خافه" فلا تَوقُّع معه15.
__________
1 الآية 117 من سورة الأعراف والآية 45 من سورة الشعراء. وهذه قراءة غير حفص من السبعة: انظر البحر المحيط 4: 363. وتلقف: تبتلع. ويأفك: يموه.
2 الآية 275 من سورة البقرة. ويتخبطه: يصرعه. والمس: الجنون.
3 سقط "من المس" من م.
4 تحوب: ألقى الحوب عن نفسه. م: تحرب.
5 تأثم: ألقى الإثم عن نفسه.
6 شرح الشافية 1: 104-108.
7 وانظر ص129.
8 م: والحلم.
9 ديوانه ص108 والكتاب 2: 240 واستبق: احفظ. وحتى تحلم أي: حتى تتحلم.
10 تقيس: انتسب إلى قيس عيلان.
11 تنزر: انتسب إلى نزار.
12 تعرب: انتسب إلى العرب أو تكلم بلغة العرب.
13 م: يعوّقه.
14 م: التخويف.
15 كذا. وقال سيبويه: أمَّا تخوّفه فهو أن يوقع أمرًا يقع بك فلا تأمنه في حالك التي تكلمت فيها أن يوقع أمرًا. وأمَّا خافه فقد يكون وهو لا يتوقع منه في تلك الحال شيئًا. الكتاب 2: 240.
(1/126)

والسادس الطلب كـ"استَفعَلَ": نحو: تَنَجَّزَ حَوائجَه واستَنجَزَها.
والسابع التكثير: كقولك: تَعطَّينا1.
والثامن التَّرك: كقولك: تَحوَّبَ وتأثَّمَ أي: تَركَ الإِثَم والحُوبَ.
افعَنْلَلَ وافعَنْلَى: أمَّا "افعنللَ" فلا يكون أبدًا متعدّيًا، نحو: اقعَنسَسَ2 واحرَنجَمَ3.
وأمَّا "افعَنلَيتُ"4 فزعم أبو الفتح أنه يكون متعدّيًا وغير متعدّ5. فغيرُ المتعدّي نحو: احرَنبَى الديكُ6. والمتعدّي نحو: اغرَندَى7 واسرَندَى8. قال الراجز9:
قَد جَعَلَ النُّعاسُ يَغرَندِينِي ... أَدفَعُهُ عَنِّي, ويَسرَندِينِي
وزعم سيبويه أنه لا يتعدَّى. والصحيحُ ما ذهب إِليه سيبويه، إِذ لم يُسمَع متعدّيًا إِلَّا في هذا الرجز، وغالبُ الظنّ فيه أنه مصنوع. قال [أبو بكر] 10 الزُّبيديُّ: أَحسِبُ البيتينِ مَصنُوعَينِ.
أَفْعَلَ: يكون متعدّيًا وغيرَ متعدّ. فالمتعدّي كـ"أَكرَمَ"، وغيرُ المُتعدّي كـ"أَخطأَ"11. ولها أحدَ عشَرَ معنى12: الجَعْلُ، والهُجومُ، والضِّياءُ، ونَفيُ الغَريرة، والتَّسميةُ، والدُّعاءُ، والتعريضُ، وبمعنى "صارَ صاحِبَ كذا"، والاستحقاقُ، والوجودُ، والوصولُ.
فالجَعلُ على ثلاثة أوجه: أحدها أن تجعله يَفعلُ، كقولك: أَخرَجتُه وأَدخَلتُه، أي: جعلتُه خارجًا وداخلًا13. والثاني أن تجعله على صفةٍ، كقولك: أَطردتُهُ: جَعلتُه طَريدًا. وثالث أن تجعله صاحب شيء، نحو أَقبَرتُه: جعلتُ له قَبرًا
__________
1 تعطينا: تنازعنا. وفيه معنى التكثير.
2 اقعنسس: رجع وتأخر.
3 احرنجم القوم: ازدحموا.
4 ومثله في المنصف1: 86.
5 انظر المنصف: 1: 86.
6 احرنبى الديك: انتفش ريشه وتهيأ لقتال. وزاد بعده في ف: فهذا غير متعدّ.
7 اغرنداه: اعتلاه.
8 اسرنداه: اعتلاه.
9 الخصائص 2: 358 والمنصف 1: 86 وشرح الشافية 1: 113 وشرح شواهده ص47-48 والمغني ص520 وشرح شواهده ص299 وشرح أبياته 7: 131 وجمهرة اللغة 3: 398 والصحاح واللسان والتاج "سرند" و"غرند".
10 من م. انظر الاستدراك على سيبويه ص 39.
11 كذا في النسختين. وهذا الفعل يكون لازمًا ومتعدّيًا. فلعل الصواب: "أبطأ". وانظر الارتشاف 1: 83.
12 شرح الشافية 1: 83-92. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن أفعل للتعدي قياسًا وللزوم سماعًا، وأن من معانيه السلب ومطاوعة فَعّل والتكثير والتفرقة ... انظر الارتشاف 1: 83-84.
13 م: داخلًا وخارجًا.
(1/127)

والهجومُ: كقولك: أَطلَعتُ عليهم، أي: هَجمتُ عليهم. وأمَّا1 طَلَعتُ عليهم2 فـ"بَدَوتُ".
والضِّياءُ: كقولك: أَشرَقتِ الشَّمسِ: أضاءتْ. فأمَّا شَرَقَتْ فـ"طَلَعتْ".
ونَفيُ الغَريزةِ: كقولك: أَسرَعَ وأَبطأَ. كأنك قلت: عَجِلَ واحتَبَسَ. فأمَّا عَجُلَ3 وبَطُؤَ فكأنه غريزةٌ4.
والتَّسميةُ: كقولك: أَكفَرتُه وأَخطأتُه أي: سَمَّيتُه كافرًا ومُخطئًا.
والدُّعاءُ: كقولك: أَسقَيتُه: دَعوتُ له بالسُّقيا5. قال ذو الرُّمّة6:
وأُسقِيهِ, حَتَّى كادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُنِي أَحجارُهُ, ومَلاعِبُهْ
أي: أدعو له بالسُّقياه.
والتَّعريضُ: كقولك: أَقتَلتُه أي: عَرَّضتُه للقتل.
وبمعنى صارَ صاحبَ كذا: كقولك: أَجدَبَ المكانُ أي: صار ذا جَدْبٍ.
والاستحقاقُ: كقولك: أقطَعَ النَّخلُ وأَحصَدَ الزَّرعُ، أي: استحقّا أَن يُفعَل بهما ذلك. ومن ذلك: أَحمَدتُه: وجَدتُه مُستحقًّا للحمد، وأَلامَ الرَّجلُ: استحقَّ أن يُلام.
والوجودُ: كقولك: أبصَرَهُ: دَلَّهُ على وُجود المُبْصَر.
والوصولُ: كقولك: أَغفَلتُه أي: وَصَلَتْ غَفلتي إِليه7.
فاعَلَ: وتكونُ متعدّيةً8، نحو: ضارَبتُ وشاتَمتُ. وقد تكون غيرَ متعدّية9، نحو: سافَرَ. وأكثر ما تجيء من اثنين، نحو: ضارَبتُ10 وقاتَلتُ. وقد تكون11 من واحد، نحو: سافَرَ
__________
1 م: فأما.
2 سقط "عليهم" من م.
3 كذا. والصواب: سَرُعَ.
4 انظر شرح الشافية 1: 87.
5 م: بالسقي.
6 ديوانه ص38 والكتاب 2: 235 وشرح الشافية 1: 91-92 وشرح شواهدها ص41.
7 في حاشية ف أن المراد: وجدته غافلًا، كما روي عن عمرو بن معد يكرب في وصف أعدائه. وفيها بخط أبي حيان عن ابن الحاجب أن الصفة في مثل هذا قد تكون بمعنى الفاعل كالغافل، وبمعنى اسم المفعول نحو: أحمدته أي وجدته محمودًا، وأن أفعل يكون للسلب أيضًا وبمعنى فَعَل، نحو: أشكيته وقِلته وأقلته.
8 م: ويكون متعديًا.
9 م: وقد يكون غير متعد.
10 م: ضارب.
11 م: وقد يكون.
(1/128)

وعاقَبتُ1 اللّصَّ وطارَقَ النَّعلَ2.
فَعَّلَ: ويكونُ متعدّيًا وغيرَ متعدّ. فالمتعدّي نحو: كَسَّرتُه وقَطَّعتُه. وغيرُ المتعدّي نحو: سَبَّحَ وهَلَّلَ. ولها ثمانيةُ معانٍ3:
أحدها أن تكون [17ب] للنَّقل، فتُصَيِّرَ الفاعل مفعولًا، كقولك: فَرِحَ وفَرَّحتُه وغَرِمَ وغَرَّمتُه وفَزِعَ وفَزَّعتُه.
والثاني التكثيرُ: كقولك: فَتَّحتُه وكَسَّرتُه وقَطَّعتُه وحَرَّكتُه.
والثالث الجَعلُ على صفةٍ: كقولك: فَطَّرتُه فأَفطَرَ.
والرابع التَّسميةُ: كقولك: خطَّأتُه وفَسَّقتُه، أي: سَمَّيتُه مُخطئًا [وفاسِقًا] 4.
والخامس الدعاءُ للشيء أو عليه: كقولك: سَقَّيتُه: قلتُ له: سَقاكَ اللهُ. وجَدَّعتُه وعَقَّرتُه أي: دَعوتُ عليه بالجَدْع والعَقْر.
والسادس القيامُ على الشيء: كقولك: مَرَّضتُه أي: قمتُ عليه.
والسابع الإِزالةُ: كقولك: قَذَّيتُ عَينَه، أي: أزلت عنها القَذَى.
والثامن أن يُراد بها رميتُه بذلك: كقولك: شَجَّعتُهُ وجَبَّنتُه، أي: رَميتُه بالشجاعة والجُبنِ.
انفَعَلَ: ولا يكون متعدّيًا أبدًا. وإِنما يجيء في كلام العرب للمُطاوَعة5. وقد تقدَّم تفسيرُ المطاوعة6. والمطاوعة فيها تكون بوجهين7: إِمَّا بأن8 تُريد من الشيء أََمرًا ما، فتبلُغَه بأن يَفعل ما تُريده، إن كان ممّا يَصِحُّ منه الفعل، وإِمَّا بأن يصير إِلى مثلِ حال الفاعل الذي يَصِحُّ منه الفعلُ، وإِن كان لا يصحُّ الفعل منه.
فأمَّا ما يُطاوِعُ، بأن9 يَفعل فِعلًا تُريده منه، فنحو قولك: أَطلَقتُه فانطَلَقَ وصَرَفتُه فانصرفَ؛ ألَا ترى أنه هو الذي فعلَ الانطلاقَ والانصراف بنفسه، عند إرادتك إِياهما منه، أو بَعثِك إِيّاه عليهما؟
__________
1 م: عاقب.
2 طارق النعل: صيرها طاقًا فوق طاق. وانظر معاني "فاعَلَ" في شرح الشافية 1: 96-99.
3 شرح الشافية 1: 92-96.
4 تتمة يقتضيها السياق.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن فعل المطاوعة يجب أن يكون من لفظ ما يطاوعه، وقد يخالفه نحو: طردته فذهب، وحكاية عن ابن مالك أن "انفعل" يطاوع "أفعل" في أربعة فقط, هي: أغلق وأقحم وأزعج وأصفق. وانظر الارتشاف 1: 85.
6 انظر ص125 وشرح الشافية 1: 108.
7 من المنصف 1: 71-73 حتى قوله "لضرورة الشعر" بتصرف يسير.
8 ف: "أن". وما أثبتناه من م يناسب ما يليه بعد.
9 م: فأن.
(1/129)

وأمَّا ما تبلغ منه مُرادك، بأن1 يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل، فنحو قولك: قَطَعتُ الحبلَ فانقطَعَ وكَسرتُ الحُبَّ2 فانكسرَ؛ ألَا ترى أنَّ الحبلَ والحُبَّ لا يَصِحُّ منهما الفعل؛ لأنه لا قُدرة لهما. فإِنما3 أردتَ ذلك منهما، فبلغتَه بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما4 تَوَلَّيا الفعل؛ لأنَّ الفعل لا يَصحُّ من مثلهما. ومن ذلك قوله5:
[لا خُطْوتِي تَتَعاطَى غَيرَ مَوضِعِها] ... ولا يَدِي, في حَمِيتِ السَّمنِ6 تَندَخِلُ
هو مطاوع "أدخَلتُه". وهو من باب: انقطَعَ الحبلُ؛ لأنَّ اليد لا تكون فاعلة، إِنما هي آلة يُفعل بها.
قال المبرّد7: وقد يكونُ "انفَعَلَ" لغير مطاوعة، فيكون فِعلًا للفاعل على الحقيقة، نحو: انطلَقَ عبد الله وليس على فعلتُه.
واعلم أنَّ "انفَعَلَ" إنّما أصله من الثلاثيّ، ثمّ تلحقُه الزّيادتان من أوّله، نحو: قَطَعتُه فانقطعَ وسَرَحتُه فانسَرحَ8. ولا يكاد يكون "فَعَلَ" منه9 إِلَّا متعدّيًا، حتّى تُمكِنَ المطاوعةُ والانفعال؛ ألا ترى أنَّ "قَطَعتُه" و"كَسَرتُه"10 متعدّيان. قال أبو عليّ: وقد جاء "فَعَلَ" منه غيرَ متعَدّ، قال الشاعر11:
وكَم مَنزِلٍ لَولايَ طِحتَ كَما هَوَى ... بأجرامِهِ, مِن قُلَّةِ النِّيقِ, مُنهَوِي
وإِنّما هو مطاوع "هَوَى" إِذا سقط، وهو12 غيرُ متعدّ كما ترى. وجاء في هذه القصيدة "مُنغوِي"13. قال أبو علي: إِنّما بَنى من "غَوَى" و"هَوَى" مُنْفَعِلًا، لضرورة الشعر.
ويجوز عندي أن يكونَ "مُنغَوٍ" و"مُنهَوٍ" مطاوعين لـ"أَغوَيتُه" و"أَهوَيتُه"، فيكونَ مثل: أَدخَلتُه
__________
1 م: فأن.
2 في حاشية ف: الحب: الخابية.
3 المنصف: وإنما.
4 م: لا أنه.
5 الكميت. ديوانه 2: 13 وأدب الكاتب ص456 والمحتسب1: 296 والمنصف 1: 72 واللسان والتاج "دخل". وفي حاشية ف: الحميت: الزق.
6 كذا رواية ف وفوقها "صح". م: "القوم". والمشهور: السَّكْنِ.
7 سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف. وانظر المقتضب1: 76.
8 م: سرجته فانسرج.
9 م: منه فعل.
10 م: كسّرته.
11 يزيد بن الحكم الثقفي. الكتاب 1: 388 والخصائص 2: 259 والمنصف 1: 72 والأمالي 1: 68 والسمط ص238 والأغاني 11: 100 والإنصاف ص691 والعيني 3: 262 والكامل ص1097 والخزانة 1: 496 و 430:2 وأمالي ابن الشجري 2: 212 والهمع 2: 33. وطحت: سقطت وهلكت. والقلة: أعلى الجبل. والنيق: أرفع موضع في الجبل.
12 المنصف: وهوى.
13 في ف والمنصف: منغو.
(1/130)

فاندَخَلَ وأَطلَقتُه فانطَلَقَ. ولا يكونان على هذا شاذَّينِ.
افتَعَلَ: تكون متعدّيةً وغيرَ متعدِّية. فالمتعدِّيةُ نحو: اكتَسبَ واقتَلَعَ. وغيرُ المتعدِّية نحو: افتَقَرَ واستَقَى1. ولها ستَّةُ معانٍ2:
أحدها المطاوعةُ، فتكون إِذْ ذاك بمعنى "انفعلَ". وذلك قليلٌ فيها، نحو: شَوَيتُه فاشتَوَى وغَمَمتُه فاغتمَّ3. والأفصحُ: انشَوَى وانغَمَّ. وحكمها أيضًا ألَّا تُبنى إِلَّا ممّا كان ["فَعَلَ" منه] 4 مُتعدّيًا. وقد يجيء من غير المتعدّي، وذلك قليل فيها، قال الراجز5:
حَتّى إِذا اشتالَ سُهَيلٌ, في السَّحَرْ ... كَشُعلةِ القابِسِ, تَرمِي بالشَّرَرْ
فهذا من: شال يَشُولُ، وهو غيرُ متعدٍّ، بدلالة قول الراجز6:
يَشُولُ بالمِحجَنِ كالمَحرُوقِ
ولو كان مُتعدِّيًا لقال: يَشُولُ المِحجَنَ.
والثاني أن يكون بمعنى "تَفاعَلَ": كقولك: اجتَوَرُوا واعتَوَنُوا أي: تجاوروا وتعاونوا.
والثالث أن يكون بمعنى الاتّخاذ: كقولك: اشتَوَى القومُ: أي: اتَّخذُوا شِواءً. فأمَّا شَوَيتُ فكقولك: أَنضَجتُ. وكذلك: اختَبَزُوا واطَّبَخُوا واذَّبَحُوا، أي: اتَّخذُوا خُبزًا وطَبيخًا وذَبيحةً.
فأمَّا ذَبَحَ فكقولك: قَتَل.
والرابع التَّصَرُّفُ والاجتهادُ: كقولك: اكتَسَبَ، أي: تَصَرَّفَ واجتَهَدَ. فأمَّا كَسَبَ فأصابَ7 مالًا.
والخامس [18أ] أن تكون بمعنى "تَفَعَّلَ": كقولك: ادَّخَلَ ادَّلَج، تريد: تَدخَّلَ وتَدَلَّجَ8.
والسادس الخَطفةُ: كقولك: انتَزَعَ واستَلَبَ: أخذه بسُرعة. فأمَّا نَزَعَ فهو تحويلك إِيَّاه.
__________
1 في النسختين "استغنى". وهو ليس من افتعل. فلعل المراد: اغتنى.
2 شرح الشافية 1: 108-110.
3 م: عمَمته فاعتمّ.
4 من م.
5 المنصف 1: 75 واللسان والتاج "شول". واشتال: ارتفع. والقابس: طالب القبس.
6 هو أبو محمد الحذلمي يصف راعيًا. المنصف 1: 75 ومجالس ثعلب ص232 والمخصص 3: 42 والجمهرة والمقاييس والصحاح واللسان والتاج "حرق". وقبله:
يَظَلُّ تَحتَ الفَنَنِ الوَرِيقِ
يقول: يقوم على رجل واحدة, يتطاول للأفنان ويجتذبها بالمحجن, فينفضها للإبل, كأنه محروق. والمحروق: الذي انقطعت حارقته. وهي عصب الورك.
7 م: فإنما كسب أصاب.
8 تدلج: تدخل.
(1/131)

وكذلك: قَلَعَ واقتَلَعَ1، وجَذَب واجتَذَبَ.
استَفْعَلَ: تكون2 متعدّيةً وغيرَ متعدّية. فالمتعدّية نحو: استَحسَنتُ الشيءَ. وغيرُ المتعدّية نحو: استَقدَمَ واستأخَرَ. وتكون مَبنيّةً من [فِعْلٍِ] 3 متعدّ وغيرِ متعدّ. فالمبنيَّةُ من متعدّ نحو: استَعصَمَ واستَعلَمَ هما مبنيَّان من: عَصَمَ وعَلِمَ. والمبنيَّةُ من غير المتعدّي نحو: استَحسَنَ واستَقبَحَ، هما مبنيَّان من: حَسُنَ وقَبُحَ. ولها خمسة معان:
أحدها الإِصابةُ: كقولك: استَجَدتُه، أي: أصَبتُه جَيِّدًا. واستكرَمتُه واستَعظَمتُهُ: أَصبتُه كريمًا وعظيمًا.
والثاني الطلبُ: كقولك: استَعطَيتُ العَطيَّةَ، واستَعتَبتُه أي: طلبتُ له العُتبَى، واستَفهمتُهُ أي: طلبتُ منه أن يُفهِمَني.
والثالث التحوُّلُ من حال إِلى حال: نحو: استَنوَقَ الجَمَلُ واستَتيَستِ الشَّاةُ.
والرابع بمعنى4 "تَفَعَّلَ": كقولك5: تَعَظَّمَ واستَعظَمَ وتَكبَّرَ واستكبَرَ.
والخامس بمعنى6 "فَعَلَ": كقولك: مَرَّ واستَمَرَّ وقَرَّ واستَقَرَّ.
افعالَّ: ولا يكون متعدِّيًا. وأكثرُ ما صِيغَ للألوان7، نحو قولك: اشهابَّ واسوادَّ وابياضَّ وادهامَّ. وقد قالوا: املاسَّ واضرابَّ، وليسا من اللون8.
افعَلَّ: هو مقصورٌ من "افعالَّ" لطول الكلمة، ومعناها كمعناها، بدليل أنه ليس شيء من "افعَلَّ" إِلَّا يُقال فيه "افعالَّ". إِلَّا أنه قد تَقِلُّ إِحدى اللغتين في شيء، وتكثر الأُخرى؛ ألا ترى أنَّ طَرْحَ الألف من: احمَرَّ واصفَرَّ وابيَضَّ واسوَدَّ، أكثرُ، وإِثباتَها في اشهابَّ وادهامَّ [واكهابَّ] ،9
__________
1 م: وابتلع.
2 شرح الشافية 1: 110-112.
3 من م.
4 م: معنى.
5 م كقولهم.
6 في النسختين: معنى.
7 في حاشية ف بخط أبي حيان عن المحتسب [2: 25] أن "افعالّ" قلما جاء إِلَّا في الألوان، والعيوب الظاهرة نحو: احوالّ واعوارّ واصيادّ. وانظر الارتشاف: 1: 86.
8 في حاشية ف بخط أبي حيان: "ومن ذلك: ازوارَّ وازوَرَّ. وقرئ بهما". يريد ما في الآية 17 من سورة الكهف، وقراءة ذلك بالمضارع لا بالماضي. انظر البحر: 6: 107.
9 من م. واكهابَّ: صار لونه الكهبة. وهي غبرة مشربة سوادًا.
(1/132)

أكثر؟ وقد قالوا: ارقَدَّ1 في العَدْوِ وارعَوَى واقتَوَى2 –وكلُّه "افعَلَّ"- ولم يُسمع منهم في شيء من ذلك3 "افعالَّ". إِلَّا أنه يجوز بالقياس. وهو أيضًا لا يتعدَّى, كما لا يتعدَّى أصلُه الذي قُصِرَ منه.
افعَوَّلَ: يكون متعدِّيًا وغيرَ متعدٍّ. فالمتعدِّي نحو: اعلَوَّطَ المُهرَ4. وغيرُ المتعدّي نحو: اخرَوَّطَ السَّفَرُ5 واجلَوَّذَ6.
افعَوعَلَ: يكون7 متعدِّيًا وغيرَ متعدٍّ. فالمُتعدِّي نحو: احلَولَيتُ الشيءَ. قال الشاعر8:
فلَمَّا أَتَى عامانِ, بَعدَ انفِصالِهِ ... عَنِ الضَّرعِ واحلَولَى دِماثًا يَروُدُها
ورَوى ابنُ مِقْسَم9 عن ثعلب10:
لَو كُنتَ تُعطِي، حِينَ تُسألُ, سامَحَتْ ... لَكَ النَّفسُ, واحلَولاكَ كُلُّ خَلِيلِ
وكذلك: اعرَورَيتُ الفَرَسَ11. وغير المتعدِّي نحو: اغدَودَنَ12 النَّبتُ. ومعناه على كلِّ حالٍ المبالغةُ، نحو: خَشُنَ واخشَوشَنَ وأَعشَبَ واعشَوشَبَ.
افعَلَلَّ: لا يكون متعدِّيًا أبدًا، نحو: اطمأنَّ واقشَعَرَّ13.
__________
1 ارقدَّ: أسرع.
2 اقتوى: خدم بطعام بطنه. وفي م والمبدع: "اكتوى". وانظر شرح الشافية: 1: 112 في معاني افعالَّ وافعلَّ. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن المحتسب 2: 25-26: افعلَّ مقصور من افعالّ في غير الألوان ... اشعانَّ رأسه أي: تفرق شعره. في أحرف غير هذه.
3 م: هذا.
4 اعلوط المهر: تعلق بعنقه وركبه.
5 اخروط السفر: طال.
6 اجلوذ السفر: طال. وانظر شرح الشافية: 1: 112.
7 من المنصف 1: 81-82 حتى "اعشوشب" بتصرف يسير. وانظر شرح الشافية: 1: 113.
8 حميد بن ثور ديوانه ص73 والكتاب 2: 242 والمنصف 1: 81 والصحاح واللسان والتاج "حلو". والانفصال: الفطام. واحلولى: استمرأ أو استطاب. والدماث: السهول اللينة. م: ولما أتى.
9 هو محمد بن الحسن بن يعقوب. مقرئ حافظ لأقوال الكوفيين. تاريخ بغداد 2: 206.
10 المحتسب 1: 319 والمنصف 1: 82 واللسان والتاج "حلو". واحلولاك: استحلاك وأحبك.
11 اعرورى: ركب.
12 اغدودن: طال.
13 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة مع شيخنا الرضي.
(1/133)

حروف الزيادة
مدخل
...
حُرُوفُ الزِّيادَة:
وأمَّا حروفُ1 الزيادة فعشَرةٌ، ويجمعها قولك: أَمانٌ وتَسهيلٌ.
فإِن قيل: ولم سُمِّيَتْ حروفَ الزيادة، وهي قد تكون أصولًا؟ فالجواب أنَّ المراد بذلك أنها الحروف التي لا تكون الزيادةُ إِلَّا منها؛ ألا ترى أنه متى وُجِد حرفٌ في كلمة زائدًا2 لا بدَّ أن يكون أحدَ هذه الحروف.
فإِن قيلَ: فهلّا زِدتُم في حروف الزيادة كافَ الخطاب، التي في "تِلك" و"ذاك"3 ونحوهما، والشينَ اللاحقة للكاف التي هي ضمير المؤنث في الوقف، نحو: أعطَيتُكِشْ وأكرمتُكِشْ. فالجواب أنه لا يُتكلَّمُ في هذا الموضع، من حروف الزيادة، إِلَّا فيما جعلتْه العرب كالجزء من الكلمة، نحو همزة أحمر وتاء تَنضُب وأشباه ذلك؛ ألا ترى أنهما من كمال الاسم، كالدال من "زيد"؟ لأنَّ هذا الضرب هو الذي يُحتاج إِلى إِقامة الدليل على زيادته، لمشاكلته الأصلَ في كونه من كمال البناء. فأمَّا ما لم تجعله كالجزء ممّا زِيد معه فزيادته بيّنة، لا يُحتاج إِلى إِقامة دليل عليها.
فإِن قيل: فإِنَّ الكاف قد تُزاد على أنها من نفس الكلمة، فيقال: هِندِيّ وهِندِكيّ، في معنى واحد. وهو المنسوب4 إلى الهند. قال الشاعر5:
ومَقُرونةٍ, دُهْمٍ وكُمتٍ, كأنَّها ... طَماطِمُ, يُوفُونَ الوِفارَ, هَنادِكُ
أي: منسوبون إلى الهند. فالجواب أن هِندِيًّا وهِندِكيًّا6 من باب سَبِط وسِبَطْر –أعني ممّا
__________
1 الكتاب 2: 312 وشرح الشافية 2: 330-396.
2 م: زائد.
3 م: ذلك.
4 م: منسوب.
5 كثير عزة. ديوانه 2: 137 وسرّ الصناعة 1: 281 واللسان والتاج "هند". يصف خيلًا. والطماطم: جمع طمطم. وهو الذي في لسانه عجمة لا يفصح. ويوفي: يطيل. والوفار: جمع وفرة. وهي الشعر المجتمع على الرأس. وفي النسختين: "الوفاز". والوفاز: جمع وفزة. وهي المكان المرتفع.
6 م: هندًا.
(1/137)

تقارب فيه اللفظُ، والأصلُ مختلفٌ– لأنه لم يثبت1 زيادة [18ب] الكاف في موضعٍ غيرِ هذا، فيُحملَ هذا عليه.
فإِن قيل: فإِذا كان الأمرُ على ما ذكرتَ فلمَ أَوردوا في حروف الزيادة اللّامَ الزائدةَ، في مثل "ذلك", والتاءَ الزائدةَ للتأنيث، في مثل قائمة، وهما ليسا كالجزء مما زيدا فيه؟ ألا ترى أنَّ "قائمًا"2 اسمٌ كامل دون التاء, وكذلك "ذلك" اسمٌ كاملٌ دون اللّام؛ لأنك تقول: "ذاك"؟ فالجواب عن ذلك شيئان:
أحدُهما: أنَّ التاء الزائدة قد تكون، في موضع، من نفس الكلمة3 نحو: عِفرِيت، وكذلك اللّام في نحو4: عَبْدلٍ5 وزَيدلٍ6. فإِن قيل: فإِنَّ اللام في عَبدلٍ ليست من كمال الاسم؛ لأنك تقول: عَبْدٌ، وكذلك زَيدلٌ لأنك تقول: زَيدٌ. فالجواب أنَّ الذي يقول عبدلًا وزيدلًا ليس "عبد" و"زيد" عنده باسمين كاملين، بل هما بعضُ اسم، بدليل جعلهما حرفي إعراب كالدال من "زيد"7. فلمَّا كانا من نفس الحرف في بعض المواضيع ذُكرا مع حروف الزيادة.
والآخَرُ: أنَّ تاء التأنيث في مثل قائمة واللّام في مثل "ذلك" بمنزلة ما هو من نفس الحرف. أمَّا تاء التأنيث فلأنها قد صارت حرف إِعراب. وأيضًا فإِنك لو أسقطتها لاختلَّت دلالة الاسم؛ لأنه كان يُعطي التأنيث، فإِذا سَقطت منه لم يبقَ ما يدلُّ على التأنيث، وصار مدلول الاسم شيئًا آخَر. وقد تلزم في بعض المواضع نحو: رَفاهِيَة8 وكَراهِيَة وطَواعِيَة، لا يجوز حذفها في شيء من ذلك. وأمَّا اللّام فإِنها إِذا زيدت في اسم المشار صار اسم الإِشارة يقع على البعيد، فإِذا أسقطتها منه اختلَّت9 دلالته التي كانت له مع اللّام، وصار يعطي القريب، نحو "ذا".
فإِن قيل: فلمَ أوردوا فيها الهاء، وهي لا تُزاد إِلَّا لبيانِ الحركة، فلم تتنزَّل منزلة الجزء مما زيدت فيه؟ فالجواب أنَّ المبرّد10 قد أخرجها لذلك من حروف الزيادة. وسنُبيّن كونها من
__________
1 م: لم تثبت.
2 م: قائم.
3 م: البناء.
4 سقط من م.
5 عبدل: عبد.
6 زيدل: زيد.
7 سقط "بدليل جعلهما حرفي إعراب كالدال من زيد" من م.
8 سقط من م.
9 م: اختلفت.
10 هو أبو العباس محمد بن يزيد، إمام في اللغة والأدب والنحو، توفي سنة 285. البلغة ص250.
(1/138)

حروف الزيادة في فصل الهاء1 إِن شاء الله [تعالى] 2.
فتَبَيَّنَ أنَّ حروف الزيادة3، التي يجب أن تُورَدَ هنا، إِنما هي العشَرةُ المتقدّمةُ الذّكر. وما عدا ذلك من الحروف لا يزاد4 إِلَّا في التضعيف. فإِنَّ كلَّ حرف يُضعَّفُ فإِنَّ أحدَ المُضعَّفينِ زائدٌ، ما لم تَقُم الدَّلالةُ على أصالتهما5. وذلك بأن يؤدِّي جعل أحدهما زائدًا إلى بقاء الكلمة على أقلِّ من ثلاثة أحرف، نحو: ردّ، إذ لا بدَّ من فاء وعين ولام6. وسنُفرِد لذلك7 بابًا، عقِبَ الفراغ من حروف الزيادة، وسنُبيِّن8 فيه أيُّ الحرفين هو الزائد؟ فإِنَّ في ذلك خلافًا.
ولا يُزاد حرف من هذه الحروف إِلَّا:
للإِلحاق: نحو واو: كَوثَر.
أو لمعنى: نحو حروف المُضارَعة9.
أو للإِمكان10: نحو همزة الوصل –فإِنها زيدت ليُتوصَّلَ بها إِلى النطق بالساكن- ونحو الهاء المزيدة، فيما كان من الأفعال على حرف واحد، في الوقف، نحو: فِهْ، وعِهْ. فإِنه لا يمكن النُّطق بحرف واحد، إذ لا أقلَّ من حرفٍ يُبتدأ به، وحرفٍ يوُقَفُ عليه.
أو لبيان الحركة: في نحو {سُلطانِيَهْ} 11.
أو للمَدّ12: نحو: كِتاب وعَجُوز13 وقَضِيب. وإِنّما زيدت هذه الحروف، ليزول معها قَلَقُ اللسان بالحَركات المجتمعة، أو ليزولَ معها اجتماع الأمثال في نحو: شَدِيد. وممّا14 يدلّ على أنهم قد يزيدون الحرف، للفصل بين المثلين، قولُهم في جمع قَردَدٍ: "قَرادِيد" في فصيح
__________
1 م: "فالجواب أنها قد تزاد على أنها من نفس الكلمة في غير الوقف. وسنبين ذلك في فصل الهاء". وانظر المقتضب 1: 56 تر خلاف ما ذكر المؤلف.
2 من م.
3 م: الزوائد.
4 م: لا تزاد.
5 ف: أصالته.
6 سقط "وذلك بأن ... ولام" من م.
7 في الورقة 28. م: وسيبين ذلك.
8 م: ونبين.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان: هو أقوى الزوائد. وانظر الارتشاف 1: 94.
10 في ف والمبدع: لإمكان.
11 الآية 29 من سورة الحاقة.
12 في حاشية ف بخط أبي حيان: هذا أضعف الزوائد.
13 له معان كثيرة تبلغ الثمانين. انظر اللسان والتاج: عجز.
14 سقط حتى بيت الفرزدق من م.
(1/139)

الكلام. ولا تفعل [العربُ] ذلك فيما ليس في آخره مِثلانِ، إِلَّا في الضرورة، نحو قوله1:
[تَنفِي يداها الحَصَى، في كُلِّ هاجِرةٍ] ... نَفْيَ الدّراهِمِ تَنقادُ الصَّيارِيفِ
أو للعِوَض: نحو تاء التأنيث في: زنادقة. فإِنها عِوَضٌ من ياء زَناديق2.
أو لتكثير الكلمة: نحو أَلف: قبَعْثرًى3، ونون "كَنَهْبُل"4؛ لأنه لا يمكن فيهما الإِلحاق، إذ ليس لهما من الأصول نظير يلحقان به. وإِذا5 أمكن أن تجعل الزيادة لفائدة كان أولى من حملها على التكثير, إِذ لا فائدة في ذلك. فلذلك جعلنا الحرف الزائد في كلمة لها نظير، قد قابل الحرفَ الزائدَ منها حرفٌ أصليٌّ من ذلك النظير للإِلحاق [19أ] ، إِلَّا أن يمنع من ذلك مانع.
وقد6 تقدَّم ما يُعلم به أنَّ الحرف مُلحَق في الأفعال، عند ذكر الأفعال. وأمَّا في الأسماء فإِذا كان المزيد منها في مقابله حرف أصليّ، من بناء آخر على وَفق7 البناء الذي فيه الحرف الزائد، قضيت عليه بأنه للإِلحاق، إِلَّا أن يكون ذلك الحرف ألفًا غيرَ آخِر، أو ياء أو واوًا حركةُ ما قبلَهما من جنسهما، نحو: قَضِيب وعَجُوز، أو ميمًا أو همزة في أوّل كلمة.
أمَّا الألف فإِنها لم يُلحَق بها حشوَ الكلمة؛ لأنها لو جعلت للإِلحاق لم تكن إِلَّا منقلبة، كما أنَّ ألف الأصل لا تكون إِلَّا منقلبة. فإِذا قدَّرتها منقلبة لم يخلُ من أن يكون الحرف الذي انقلبتْ عنه ساكنًا أو متحرّكًا. فلا يُتصوَّر أن يكون ساكنًا، إِذا لا موجب لإِعلاله. ولا يُتصوَّر أن يكون متحركًا؛ لأنه يؤدّي إِلى تغيّر الملحق عن بناء ما أُلحق به، وذلك لا يجوز. ولذلك احتملوا ثقل اجتماع المثلين في قَردْدَ ولم يدغموا، لئلّا يتغيَّر عن بناء ما أُلحق به، وهو جَعْفَر، فلا يحصل الغرض الذي قُصد به، من تصيير الملحق على وفق الملحق به في الحركات والسَّكنات وعدد الحروف. وأمَّا إِذا كانت طرفًا فيُتصور الإِلحاق بها؛ لأنها إِذ ذاك تُقدَّر منقلبة عن حرف متحرّك. ولا يكون ذلك تغييرًا لبناء الملحق عن أن يكون على مثال ما أُلحق به؛ لأنَّ حركة الآخر ليست من البناء.
وأمَّا الياء المكسورُ ما قبلها والواو المضمومُ ما قبلها فأُجرِيا في منع الإِلحاق بهما مُجرَى
__________
1 الفرزدق. ديوانه ص570 والكتاب 1: 10.
2 م: زنديق.
3 القبعثرى: الجمل الضخم العظيم.
4 الكنهبل: شجر عظام.
5 م: ومهما.
6 سقط من م حتى "لم يدغم مثل قردد". وانظر الورقة 15.
7 في حاشية ف: وفق بالفتح لا غير.
(1/140)

الألف، لشبههما بها في الاعتلال والمدّ.
وأمَّا الهمزة والميم أوّلًا فلم يُلحق بهما؛ لأنَّ العرب قد عزمت على زيادتهما أوّلًا، إذا كان بعدهما ثلاثة أحرف أصول، إِلَّا فيما شذّ، على ما يُبيَّنُ في موضعه1. فلمّا عزموا على ألَّا يكونا أصلين لم يستعملوهما في ذينك الموضعين للإِلحاق؛ لأنَّ في ذلك تقريبًا لهما من الأصول، وتنزيلًا لهما منزلتها، فيكون ذلك نقضًا لِما اعتزموه من زيادتهما. وممّا يُبيِّنُ لك أنهما ليسا للإَلحاق وجودُ "أشدّ" و"مَفَرّ" في كلامهم، والأصل "أَشْدَد" و"مَفْرَر". فلو كانا للإِلحاق لم يُدغما كما لم يُدغم مثل قَرْدَد2.
فإِن قال قائل3: ولأيّ شيء خَصُّوا هذه الأحرف العشرة بالزيادة، من بين حروف المعجم؟ فالجواب أنَّ أُمَّهاتِ هذه الزوائد، والذي4 هو زائد منها بحقّ الأصالة، الواو والياء5 والألف، لكثرة دورها في الكلام واستعمالها؛ ألا ترى أنه لا تخلو كلمة منها أو من بعضها. أعني الحركاتِ: الضَّمَّة والكسرةَ والفتحةَ؛ لأنَّ الضَّمَّة بعضُ الواو، والكسرةَ بعضُ الياء، والفتحةَ بعضُ الألف؟ ولمّا كانت أُمَّهاتِ الزوائد لذلك كانت أكثر الحروف زيادةً، على ما يُبيَّن بعدُ6، إِن شاء الله.
وأمَّا الهمزة والتاء والميم7 والنون فزِيدَت لشبَهِها بحروف العِلَّة:
أمَّا الهمزة فشبَهُها بحروف العِلَّة من جهة كثرة تغييرها، بالتسهيل والحَذف والبَدل.
وأمَّا التَّاء فأشبهت الواو من جهة تقارب مخرجيهما. ولذلك أُبدِلَت منها في مثل: تُراث وتُكأة؛ لأنهما من: وَرِثتُ وتَوكّأتُ.
وأمَّا الميم فمضارِعةٌ للواو أيضًا. من جهة تقاربهما في المخرج، ومضارعةٌ لحروف العِلَّة كلِّها، من جهة الغُنَّةِ التي فيها، الشبيهةِ باللِّين الذي في حروف العِلَّة؛ لأنَّ الغُنَّة فضلُ صوت في الحرف كما أنَّ اللِّين كذلك.
وأمَّا النُّون فأشبَهتْ أيضًا حروفَ العِلَّة، من جهة الغُنَّة التي فيها.
__________
1 في الورقتين 21 و22.
2 ينتهي ههنا الخرم في م.
3 م: فان قيل.
4 سقطت الواو من ف.
5 ف: الياء والواو.
6 في الورقة 27.
7 م: والميم والتاء.
(1/141)

ولمّا كانت هذه الحروف قريبة الشبه من حروف العِلَّة كانت تليها في كثرة الزيادة، على ما يُبيَّنُ بعدُ، إِن شاء الله تعالى.
وأمَّا السين واللّام والهاء فإِنها زِيدت لشَبَهها بالحروف المشبَّهة بحروف العِلَّة1:
أمَّا اللّام فمُشْبِهةٌ للنُّونِ، من حيثُ تَستطيلُ في مخرجها حتّى تلحقَ بمخرج النون، على ما يُبيَّنُ في الإِدغام.
وأمَّا السين2 فإِنها تُشبه التاء، لهمسها [19ب] وتقارب مخرجيهما.
وأمَّا الهاء فمُشْبِهةٌ للهمزة، من جهة تقارب مخرجيهما؛ لأنهما من حروف الحلق.
ولمّا كانت هذه الحروف لم تُشْبِه حروف العِلَّة، بل أَشبهت المُشبَّه بها، لم تجئ مزيدةً إِلَّا في ألفاظ محفوظة، وأماكنَ مخصوصة لا تتعدّاها. فهي أقلُّ الحروف زيادة لذلك.
__________
1 م: "لحروف". ف: زيدت لشبهها بالحروف المشبهة بحروف العلة.
2 م: التاء.
(1/142)

ذكر الأماكن التي تزاد فيها هذه الحروف:
باب اللّام:
أمَّا اللّام1 فإِنها تُزاد في: "ذلِك" و"تِلك"، بفتح التاء وكسرها، و"تالِك" و"أُولالِك" و"هُنالِك". والدليل على زيادتها في هذه الأشياء قولُهم في معناها: ذاك وتِيك وأُولاك2 وهُناك.
وتُزاد أيضًا في عَبْدلٍ وفي زَيدلٍ وفي فَحْجَلٍ3. فالدليل على زيادتها في زيدل أنَّ معناه "زيد"، وكذلك أيضًا عبدل4 دليلُ زيادةِ لامِه كونُه في معنى "عَبْد".
وزعم أبو الحسن5 أنَّ معنى عبدل: عبد الله. فعلى هذا تحتمل هذه اللّام أن تكون زائدة على "عبد" من "عبد الله". ويحتمل أن تكون هذه اللّام من "الله" فيكون عَبْدَلٌ على هذا اسمًا مركَّبًا من "عبد" و"الله"، كما فعلوا ذلك في عبد الدار وعبد قيس، فقالوا: عَبْدَرِيٌّ وعَبْقَسِيٌّ. فلا تكون اللّام على هذا زائدةً، بل هي بعض اسم. إِذ لو جعلناها زائدة لوجب أن تكون الراء من عَبْدَرِيّ والقاف من عَبْقَسِيّ زائدتين، والراء والقاف ليسا من حروف الزيادة. وأمَّا فَحْجَلٌ فالدليل على زيادة لامه أنه في معنى الأَفحَج.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن اللام تزاد ثانية في قِلْفع –وهو ما تشقق من الطين- وثالثة في هَمْلع للسريع، ورابعة في عبدل ونهشل، وخامسة في خفنجل –وهو الأفحج- وسادسة في شَراحِيل. وتزاد في "ذلك" وهنالك"، وفي الفعل جحفلته أي: قلبته، وادلهمّ الليل من الدهمة. وانظر الارتشاف 1: 108-109.
2 م: "أولئك". وانظر المنصف 1: 165. وقال أبو حيان: وليس بجيد؛ لأنها ليست في بنية الكلمة. الارتشاف 1: 108.
3 الفحجل والأفحج: المتباعد الفخذين. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: وفي هِدمِل. وهو الثوب الخلق.
4 م: عبدل أيضًا.
5 الأخفش: الأوسط.
(1/145)

وحكى1 عليُّ بن سليمان، عن أبي العباس المبرّد، أنه كان يقول: العَثْوَلُ2: الطويل اللحية. وهو مأخوذ من قولهم: ضِبْعانٌ أَعثَى، وضَبُعٌ [عَثواءٌ] ، إِذ كانا كثيرَيِ [الشَّعر] وكذلك يقال للرجل والمرأة. فاللّام من عَثْوَلٍ زائدة [كما] أَنها في فحجل كذلك.
فأمَّا فَيشَلةٌ3 وهَيقَلٌ4 وطَيسَلٌ5 فيمكن أن تجعل اللّام فيها6 زائدةً؛ لأنه يقال "فَيْشةٌ" في معنى فَيشَلة، و"هَيقٌ" في معنى هَيقَل7، و"طَيسٌ" في معنى طَيسَل. ويمكن أيضًا أن تجعل اللّام أصليَّةً والياء زائدة؛ لأنَّ زيادة الياء أوسعُ من زيادة اللّام، فتكون هذه الألفاظ متقاربة وأُصولُها مختلفة، نحو: ضَيَّاط8 وضَيطار9، وسَبِط وسِبَطْر؛ ألا ترى أنَّ الراء لا تزاد، وأنَّ ضَيَّاطًا وضَيطارًا، وسَبِطًا10 وسِبَطْرًا، متقاربةٌ وأصولُها مختلفة؟
ولا يُحمل زيدل إِلَّا على زيادة اللّام؛ لأنَّ استعمال زيد أكثر من استعمال زيدل. فدلَّ ذلك على أنَّ زيدًا هو الأصل، وأن اللّام زائدة.
وكذلك فَحْجَلٌ وعَبْدَلٌ اللّام فيهما زائدة، ولا يجعلأنَّ من ذوات الأربعة، ويجعلُ عبد وأفحج من ذوات الثلاثة، فيكونَ من باب: ضَيَّاط وضَيطار؛ لأنَّ عبدًا وأفحج هما الأصلان، لكثرة استعمالهما وقلّة عبدل وفحجل.
فأمَّا فَيشةٌ وفَيْشلةٌ وهَيقٌ وهَيقَلٌ وطَيسٌ وطَيسَلٌ، فكلّ واحد من هذه الألفاظ قد كَثُرَ استعماله. فلذلك ساغ تقديرُ كلّ واحد منهما أصلًا بنفسه.
وزعم محمّد بن حَبيب أنَّ اللّام من عَنْسَلٍ11 زائدة؛ لأنه في معنى عَنْس. والصحيح ما
__________
1 سقط من النسختين حتى قوله "في فحجل كذلك". وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وهو بخلاف يسير في التاج "عثل". وعنه أثبتنا الكلمات المخرومة. وعلي بن سليمان هو أبو الحسن الأخفش الأصغر، أخذ عن ثعلب والمبرد وتوفي سنة 315. بغية الوعاة 2: 167.
2 انظر الكامل ص469.
3 الفيشلة: رأس الذكر.
4 الهيقل: الظليم. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب الجماهير لقطرب أن أبا عبيدة خالف الخليل وزعم أن اللام زائدة، والصواب أن الياء هي الزائدة.
5 الطيسل: الكثير من كل شيء.
6 م: فيهما.
7 م: يقال فيشه وهيق في معنى هيقل وفيشلة.
8 الضياط: الرجل الغليظ.
9 الضيطار: الرجل الغليظ الضخم اللئيم.
10 سقط من م.
11 العنسل: الناقة السريعة. ومحمد بن حبيب لغوي نحوي إخباري. توفي سنة 245. بغية الوعاة 1: 73.
(1/146)

ذهب إِليه سيبويه1، من أنَّ لامه أَصليَّةٌ، وأنه مشتقّ من العَسَلأنَّ –وهو عدو الذئب- والنون زائدة؛ لأنَّ زيادة النون أَسهلُ من زيادة اللّام، واشتقاقُهُ واضح لا تكلُّفَ فيه.
وأمَّا ازلَغَبَّ2 الفَرخُ أي: زَغَّبَ3. فلامه أصليَّة؛ لأنَّ "ازلغبَّ" في معنى "زَغَّبَ"3 كثيرُ الاستعمال، فينبغي أن يُجعل أصلًا بنفسه4، ولا تُجعل اللّام زائدة، لقلّة زيادة اللّام. وبالجملة فإِنَّ "ازلغَبَّ" فِعْلٌ، ولا تُحفَظ5 زائدة في فعل.
فهذه جملة6 الألفاظ التي زيدت اللّام فيها.
__________
1 الكتاب2: 350.
2 ازلغب: شوَّك ريشه قبل أن يسودّ.
3 ضبطت الغين في ف بالفتح مشددة، والكسر معًا.
4 م: برأسه.
5 أي: اللام.
6 سقط من م.
(1/147)

باب الهاء:
أمَّا الهاء فتُزاد لِبيان الحركة، في نحو: فِهْ، وارمِهْ1، وزعم أبو العبَّاس2 أنها لا تُزاد في غير ذلك. ولذلك لم يجعلها من الحروف الزوائد كما تقدَّم3. والصحيح أنها تُزاد في غير ذلك، إِلَّا أنَّ ذلك قليلٌ جدًّا. فالذي زِيدت فيه من غير ذلك: أُمَّهَةٌ4 وهِجْرَعٌ وهِركَولةٌ وهِبْلَعٌ5 وأَهْراقَ وأَهْراحَ الماشِيةَ.
أمَّا أُمَّهة ففيها خلاف، فمنهم من جعل الهاء فيه6 زائدةًَ، ومنهم من جعلها أصليَّةً. فالذي [20أ] يجعلها7 زائدة يستدلُّ على ذلك بأنها في معنى الأُمّ. قال8:
أُمَّهَتي خِندِفُ والياسُ أَبِي
أي: أُمّي. إِلَّا أنَّ الفرق بين أُمَّهة وأُمّ أنَّ "أُمَّهة" إِنما تقع في الغالب على مَن يَعقل، وقد تُستعمل فيما لا يَعقل. وذلك قليل جدًّا، نحو قوله9:
قَوَّالُ مَعرُوفٍ, وفَعَّالُهُ ... عَقَّارُ مَثنَى, أُمَّهاتِ الرِّباعِ
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أن هذه الهاء ليست من بنية الكلمة، فينبغي ألا تعد في حروف الزيادة انظر الارتشاف 1: 106.
2 كذا. ومثله ف ص138 وسر الصناعة. وجاء في اللسان والتاج "أمم" خلاف ذلك.
3 انظر ص138 والمقتضب 1: 56.
4 م: "أمههْ" وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن الهاء زيدت للفرق بين من يعقل ومن لا يعقل، وعن ابن مالك أن الهاء زائدة في سلهب، وعن ابن القطاع أنها تزاد أولًا ... انظر الارتشاف 1: 107.
5 م: هجرع.
6 كذا بتذكير الضمير.
7 ف: جعلها.
8 قصيُّ بن كلاب. شرح الملوكي ص203 وشرح الشافية 2: 283 وشرح شواهده ص301-308 والأمالي 2: 305 والسمط ص950 والعيني 4: 565 والمزهر 1: 179 والخزانة 3: 306 والجمهرة 3: 267 واللسان والتاج "أمم".
9 السفاح بن بكير. شرح اختيارات المفضل ص1363 وشرح الملوكي ص202 ورصف المباني ص402 وسر الصناعة 2: 565. ومثنى أي: اثنتين اثنتين. والرباع: ما نتج في أول النتاج.
(1/148)

و"أُمّ" يقع في الغالب على ما لا يَعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قوله1:
لَقَد وَلَدَ الأُخَيطِلَ أُمُّ سَوءٍ ... على بابِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ
وممّا يدلّ أيضًا، على زيادة الهاء2 في "أُمَّهَة"، قولهُم: أُمٌّ بَيِّنةُ الأُمومة، بغير هاء. ولو كانت أصليَّةً لثَبَتَتْ في المصدر.
والذي يجعلها أصليَّةً يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب "العَين"3، من قولهم: تأمَّهْتُ أُمًّا. فتأمَّهتُ: "تَفَعَّلْتُ" بمنزلة "تَنبَّهتُ"، مع أنَّ زيادة الهاء قليلة جدًّا، فمهما أمكن جعلها أصليَّة كان ذلك أولى فيها.
والصحيح أنها زائدةٌ؛ لأنَّ الأُمُومة حكاها أئمّة اللغة. وأمَّا "تأمَّهتُ" فانفرد بها صاحب العين. وكثيرًا4 ما يأتي في كتاب "العَين" ما لا يَنبغي أن يُؤخذ به، لكثرة اضطرابه وخلله.
وأمَّا هِجْرَعٌ وهِبْلَعٌ وهِرْكَولةٌ فزعم أبو الحسن أنَّ الهاء فيها زائدة، واستدلّ على زيادتها بالاشتقاق. فأمَّا هِجْرَعٌ فهو الطويل، فكأنه مأخوذٌ من الجَرَع. وهو المكان السهل المنقاد. وأمَّا الهِبْلَعُ فالأَكُول، ففيه معنى البَلع. وأمَّا الهِرْكَولةُ فهي التي تَركُلُ في مِشيتها. فالهاء فيها5 زائدة. وبعض العرب يقول هِرَّكْلةٌ وهُرَكِلةٌ. وينبغي أن تجعل الهاء فيها أصليَّة6.
والصحيح أنَّ الهاء في هِبْلَع زائدةٌ، لوضوح اشتقاقه من البلع. وأمَّا هِجْرَع فوجه الجمع بينه وبين الجَرَع ليس له ذلك الوضوح الذي لهِبْلَع. فينبغي أن تجعل الهاء أصليَّة، وألَّا تُجعل من لفظ الجَرَع. على أنَّ أحمد بن يحيى قد حكى: هذا أَهْجَرُ من هذا، أي: أَطوَلُ منه7. فيحتمل أن يكون من لفظ هِجْرَع، وحُذِفت لامه8. ويكون في قولهم "أَهجَرُ من كذا" دلالةٌ على أصالة الهاء.
وأمَّا الهِرْكَولة فقد حكى أبو عُبيدة أنها الضَّخمةُ الأوراكِ. فعلى هذا تكون الهاء أصليَّةً، إِذ لا اشتقاق يقضي بزيادة الهاء؛ لأنه على هذا ليس مأخوذًا من "رَكَلَ". فإِذا ثَبَتَ أنَّ الهاء في هِركَولة
__________
1 جرير. ديوانه ص515. والصلب: جمع صليب. والشام: جمع شامة.
2 م: ومما يدل على زيادة الهاء أيضًا.
3 انظر العين والمحكم والقاموس واللسان والتاج "أمه".
4 م: وكثير.
5 م: فيه.
6 في حاشية ف بخط أبي حيان عن المحكم لابن سيده أن الهاء أصلية, ورجل هراكل: ضخم جسيم،
7 سقط من م. وانظر مجالس ثعلب ص457 حيث زاد: وأحسن.
8 يريد: اللام الثانية، أي: العين.
(1/149)

أصليَّة، عند من يجعله واقعًا على الضخمة1 الأوراك، فكذلك ينبغي أن يُجعل2، إِذا وقع على المرأة التي تركل في مِشيتها، وألَّا يُجعل ذلك مشتقًّا من "رَكَلَ"، بل اسم للمرأة التي تركل في مِشيتها، إِذ قد3 ثَبَتَتْ أصالتها في موضع.
وكذلك هُلَقِمٌ من قول الراجز4:
هُلَقِمٌ يأكُلُ أَطرافَ النُّجُدْ
ينبغي أن تكون الهاء فيه زائدة؛ لأنه من اللَّقم. إِلَّا أنه لا ينبغي أن يُجعل مستدرَكًا على سيبويه؛ لأنه لا يُحفظ في نثر. وأمَّا هِبْلَعٌ فينبغي أن يُجعل من الفوائت.
وأمَّا أهْراقَ، وأهْراحَ الماشيةَ، فإِنَّ الهاء فيهما5 زائدة؛ لأنهما في معنى: أَراقَ وأَراحَ.
فإِن قيل: إِنَّما ينبغي أن يُجعل هذا من البدل؛ لأنَّ قياس6 قول سيبويه7 في أَسْطاعَ: "إِنَّ السين عِوَضٌ من ذَهاب حركة العين" أن يكون الأمر في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ" كذلك. فالجواب أنه ينبغي أن يُجعل8 ذلك في باب البدل من وجه، وفي باب الزيادة من وجه. وسنُبيِّنُ9 ذلك في فصل10 السين، إِن شاء الله تعالى.
__________
1 م: الضخم.
2 ف: يحمل.
3 في النسختين: "إذ وقد". وكذلك في ص329. وانظر ص204 و225 و430.
4 سر الصناعة ص570 واللسان والتاج "هلقم". وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن الهاء زائدة في هِلقام وهزَنبَر وهمتُع. انظر الارتشاف 1: 107.
5 م: فيها.
6 سقط من م.
7 الكتاب 1: 8.
8 م: يورد.
9 م: وسيبين.
10 كذا. والصواب: باب.
(1/150)

باب السين:
وأمَّا السين فتُزاد1 في "استَفْعَلَ" وما تَصَرَّف منه2، من مضارع واسم فاعل واسم3 مفعول ومصدر. وتزاد4 أيضًا في الوقف؛ لتبيين كسرة الكاف من المؤنَّث، في لغة بعض العرب، نحو: مَرَرْتُ بِكِسْ، وأَكرَمْتُكِس5. وزيادتها في هذين المكانين بيِّنةٌ، لا يُحتاج إلى إِقامة دليل عليها. أمَّا في الوقف فلكونها لم تجعل كالجزء ممّا دخلت عليه، فبانت لذلك زيادتها. وأمَّا في "استَفعَلَ" فلكونه أبدًا مبنيًّا من فعل ثلاثيّ، فبانت لذلك زيادتها [20ب] ، لوضوح ردّها إِلى الثلاثيّ غير المزيد.
وأمَّا6 "استَخَذَ فلانٌ" من قول العرب: استَخَذَ فلأنَّ أرضًا، ففي ذلك قولان:
أَحدهما: أنه يجوز أن يكون في الأصل "اتَّخَذَ" وزنه "افتَعَلَ" من قوله تعالى7: "لَتَخِذْتَ8 عَلَيهِ أَجرًا"، ثمّ أَبدلوا السين من التاء الأولى التي هي فاء [الكلمة] 9، كما أَبدلوا التاء من السين في سِتّ؛ لأنَّ أصلها "سِدْسُ" بدليل قولهم: أسداس. فلمّا أبدلوا التاء من السين، فقالوا "سِدْتٌ"، أدغموا الدال في التاء. وإِنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ السين والتاء مهموسان، فجاز إِبدال كلّ واحد منهما من الآخر، بسبب ذلك.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة السين، وهي في الارتشاف 1: 106.
2 انظر سر الصناعة 1: 209-214. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن تعبير ابن عصفور غير جيد؛ لأنَّ المصدر هو الذي تصرفت منه الأفعال والمشتقات.
3 ف: أو اسم فاعل أو اسم.
4 سقطت الواو من م.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: "وبعضهم يزيد الشين. وهو شاذ". وفي الارتشاف أن ذكر هذا في الزيادة غير جيد لأنه لم يدخل بنية الكلمة.
6 م: فأما.
7 الآية 78 من سورة الكهف.
8 قراءة أبي عمرو وابن كثير. انظر التبيان 7: 76. م: لتّخذت.
9 من م. وفي سر الصناعة: فاء افتعل.
(1/151)

والآخر: أن يكون أصله "استَتْخَذَ" على وزن "استَفعَلَ" من "تَخِذَ" أيضًا، فحُذِفت التاء الثانية التي هي فاء الفعل استثقالًَا للمثلين، كما حذفوا التاء الأُولى من "اتَّقَى" كراهيةً لاجتماع المثلين أيضًا1، فقالوا: "تَقَى يَتْقِي". قال الشاعر2:
تَقُوهُ, أَيُّها الفِتيانُ, إِنِّي ... رأيتُ الله قَد غَلَبَ الجُدُودا
يريد: اتّقُوه. فعلى هذا تكون السين زائدة. وعلى الأول تكون بدلًا من أصل.
والصحيح من هذين القولين عندي الثاني؛ لأنه قد ثَبَتَ حذف إحدى التاءين لاجتماع المثلين في "تَقَى", وباطّراد إِذا كانت المحذوفة زائدة في مثل "تَذَكَّرُ" و"تَفَكَّرُ"، تُريد:3 تَتَذكَّرُ وتَتَفكَّرُ. ولم يثبت إِبدال السين من التاء، بل ثَبَتَ عكسه. والبدل في مثل هذا ليس بقياس، فيقالَ به حيث لم يُسمع. فلذلك كان الوجه الثاني أحسن الوجهين عندي؛ لأنَّ فيه الحملَ على ما سُمع مثله.
وأمَّا "أَسْطاعَ"4 فالسين عند سيبويه فيه عِوَض من ذَهاب حركة العين منها. وذلك أنَّ أصله "أَطْوَعَ"، فنُقِلتْ فتحة الواو إِلى الطاء فصار "أَطَوْعَ"، ثمّ قُلبت الواو ألفًَا لتحرّكها في الأصل وانفتاح ما قبلها في اللفظ، ثمّ زيدت السين عوضًا من ذهاب الحركة في العين –وهي الواو- بجعلها على الفاء. وقد تَعقَّبَ المبرّدُ ذلك على سيبويه، فقال: إِنَّما يُعوَّضُ من الشيء إذا فُقِدَ وذَهبَ. فأمَّا إِذا كان موجودًا في اللفظ فلا. وحركة العين التي كانت في الواو موجودة في الطاء.
والذي ذهب إِليه سيبويه صحيحٌ. وذلك أنَّ العين لمّا سَكنتْ تَوهَّنتْ لسكونها، وتَهيَّأت للحذف عند سكون اللّام. وذلك في نحو: لم يُطِعْ وأَطِعْ وأَطَعْتُ. ففي هذا كلّه قد حُذِفَتِ العينُ لالتقاء الساكنين. ولو كانت العين متحرّكةً لم تُحذف5، بل كنتَ تقول: "لم يُطْوِعْ" و"أَطْوِعْ" و"أَطْوَعْتُ". فزيدت السينُ لتكونَ عوضًا من العين متى حُذِفَت. وأمَّا قبل حذف العين فليست بعِوَضٍ، بل هي زائدة. فلذلك ينبغي أن يجعل "أَسْطاعَ" من قَبيل ما زيدت فيه السين، بالنظر إِليه قبل الحذف. ومن جعل "أسْطاع" من قَبيل ما السينُ فيه عِوَضٌ فبالنظر إلى الحذف.
__________
1 أغفل سقوط همزة الوصل لتحرك ما بعدها.
2 خداش بن زهير. النوادر ص4 والمنصف 1: 290 وسر الصناعة 1: 210 وإصلاح المنطق ص28 والعيني 2: 371. والجدود: جمع جد. وهو الحظ.
3 م: يريد.
4 الكتاب 1: 8. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب "اللباب" أن في هذه الكلمة خمس لغات [هي في الارتشاف 1: 106] وأن السين زائدة في أسطاع.
5 م: "لما حذفت". وكذلك عبارة سر الصناعة.
(1/152)

وكذلك الأمر في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ". أعني: من أنه يَسوغ أن تُورَدا1 في العِوَض بالنظر إِليهما بعد الحذف، وفي الزيادة بالنظر إِليهما2 قبل الحذف.
فإِن قيل: فإِن سيبويه قد جعل السين عِوَضًا من ذهاب حركة العين، لا كما3 ذهبتَ إِليه من أنها عِوَض متى ذهبت4 العين. فالجواب عن ذلك5 شيئان:
أَحدهما: أنه يمكن أن يكون أراد بقوله "مِن ذَهابِ الحركة" أي: زادوا من أجل ذهابِ حركةِ العين؛ لأنَّ زيادة السينِ لتكون مُعدَّة للعِوَضيَّة إِنّما كان من أجل ذَهابِ حركةِ العين؛ لأنَّ ذهاب حركة العين هو الذي أَوجب حذف العين عند سكون اللّام.
والآخر: أن يكون جَعلَ السين عِوَضًا من ذهاب حركة العين، وإن كانت إنما هي عِوضٌ من العين في بعض المواضع6؛ لأنَّ السبب في حذف العين إِنّما هو ذَهاب الحركة. فأقام السَّببَ مَقام المُسبَّب. وإقامة السبب مَقامَ المُسبَّبِ كثيرٌ جدًّا.
وقال الفرَّاء: شَبَّهُوا "أَسْطَعتُ" بـ"أَفعَلتُ". فهذا يدلّ من كلامه7 على أنَّ أصله "اِسْتَطَعتُ". فلمّا حُذِفَتِ التاء بقي على وزن "اِفعَلتُ"، ففُتِحتِ [21أ] الهمزة وقُطِعتْ. وهذا الذي ذهب إِليه غيرُ مَرضيّ؛ لأنه لو كان بقاؤه على وزن "اِفعَلتُ" بعد حذف التاء يوجب قطع همزته لما قالوا "اِسطاع" بكسر الهمزة وجعلها للوصل. واطّرادُ ذلك عندهم وكثرتُه يدلّ على فساد مذهبه.
فإِن قيل: ما ذهب إليه سيبويه من8 زيادة السين لتكون مُعدّة للعِوَض، لم يثبت. فينبغي أن يحمل "أسطاعَ" على ما ذهب إِليه الفرّاء. قيل: قد ثَبَتَ أنَّ العرب تزيد غير السين لذلك في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ"، فيُحمل "أسْطاع" على ذلك. وأمَّا قطع همزة الوصل؛ لأنَّ اللفظ قد صار على وزن ما همزته همزةُ قَطعٍ، فلم يستقرَّ في موضع من المواضع9.
__________
1 م: تورد.
2 م: إليها.
3 م: العين كما.
4 م: حذفت.
5 م: هذا.
6 م: في موضع من المواضع.
7 سقط "من كلامه" من م.
8 زاد في م: أنَّ.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان عن "إيجاز التعريف" لابن مالك أنه تحتمل زيادة السين في ضُغبُوس –وهو صغير القثاء- لقول العرب: ضَغِبتِ المرأة. والزيادة في قدموس بمعنى قديم أظهر.
(1/153)

باب الهمزة:
الهمزة1 لا يخلو أن تقع أوَّلًا أو غير أوّل. فإِن وقعت غيرَ أوّل قُضي عليها بالأصالة، ولا يحكم عليها بالزيادة إِلَّا أن يقوم على ذلك دليل. وذلك أنَّ الهمزة إِذا وقعت غير أوّل، فيما عُرف له اشتقاق أو تصريف، وُجِدت أصليَّة، ولم تُوجد زائدة إِلَّا في ألفاظ يسيرة. وهي:
شَمْأَلٌ وشأْمَلٌ2 بدليل قولهم: شَمَلَتِ الريحُ. ولو كانت الهمزة أصليَّةً لقالوا "شَأمَلَتْ"و3 "شَمْأَلَتْ".
وجُرائضٌ4؛ لأنهم قالوا5 في معناه: جِرْواضٌ.
وحُطائطٌ؛ لأنه الصغير المَحطُوط عن قَدره المعتاد.
وقُدائمٌ؛ لأنه في معنى: قديم.
والنَّئْدُلانُ6؛ لأنهم يقولون في معناه: النَّيدُلان. قال7:
نِفْرِجةُ الهَمِّ, قَلِيلُ ما النَّيلْ ... يُلقَى علَيهِ النَّيدُلانُ, باللَّيلْ8
__________
1 انظر سر الصناعة 1: 121-134 والكتاب 2: 343-344. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة الهمزة من الأسماء والأفعال. وانظر الارتشاف 1: 94.
2 الشمأل والشأمل: ريح الشمال.
3 م: أو.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان أن الجرائض: الجمل الشديد الضخم.
5 م: بدليل قولهم.
6 في حاشية ف: يقال: نَيدَُلان.
7 حريث بن زيد الخيل. شرح شواهد الإيضاح ص623 ورصف المباني ص331 وشرح الملوكي ص148 وسر الصناعة 1: 125 والمنصف 1: 106 واللسان والتاج "ندل" و"فرج". والنفرجة: الجبان الضعيف. وفي النسختين: "قليل النيل". وألحقت "ما" بحاشية ف بخط أبي حيان. وفيها أيضًا بخطه عن "المحكم": رجل نِفرِج ... والنفرج: القصّار.
8 م: "تفرجة". وفي حاشية ف بخط أبي حيان: ويقال تفرجة بالتاء، وعن صاحب "سفر السعادة" زيادة الهمزة في رئبال، وفي غِرقئ عن أبي إسحاق أيضًا، وعن أبي زيد زيادة الهمزة في شِئزارة للسيئ الخلق.
(1/154)

والنَّيدلان هو الذي يُسمَّى الكابوسَ.
وضَهْيأٌ؛ لأنهم يقولون في معناه: ضَهْياءُ. وحروف ضَهْياء الأصولُ إِنما هي الضاد والهاء والياء، فكذلك ضَهْيأٌ المقصور. وأيضًا فإِنَّ الضهيأ: المرأة التي لا تحيض، وقيل: التي لا ثدي لها. فهو على هذا مشتق من "ضاهيَتُ" أي: شابَهتُ1. قال تعالى2: "يُضاهُونَ قَولَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ". فالهمزة على هذا زائدة.
وزعم الزَّجَّاجُ أنه يجوز أن تكون همزة ضَهيأ أيضًا أَصليَّةً، وياؤه زائدة، ويكون مشتقًّا من "ضاهأتُ" أي3: شابَهتُ؛ لأنه يقال: ضاهَيتُ وضاهأتُ4. وهو أولى به؛ لأنَّ أصالة الهمزة غيرَ أوّل أكثرُ من زيادتها. فيكون ضهياء الممدود عنده من "ضاهيَتُ" أي: شابَهتُ، وضَهيأ المقصور من "ضاهأتُ".
وهذا الذي ذهب إِليه حسن من طريق الاشتقاق، إِلَّا أنه يبقى في ذلك إِثباتُ بناءٍ لم يستقرَّ في كلامهم. وذلك أنَّ الهمزة إذا جُعلت أصليَّة والياء زائدة كان وزن الكلمة "فَعْيَلًا"5. وذلك بناء غير موجود في كلامهم، إِلَّا أن يكون مكسور الفاء، نحو: طِرْيَم6 وحِذْيَم7.
فإِن قلتَ: وكذلك أيضًا جَعْلُ الهمزة زائدةً يؤدّي إلى بناءٍ غير موجود، وهو "فَعْلأ"؛ ألا ترى أنه لم يجئ منه إِلَّا ضَهيأ المختلَفُ فيه، والمختلَف فيه لا يُجعل حُجَّة؟ فإِذا كان جعلها زائدة أو أصلًا يؤدّي إلى بناء غير موجود فالأصالة8 أولى؛ لأنها أكثر. فالجواب أنَّ "فَعْلأً" و"فَعْيَلًا"9، وإِن كانا بناءين معدومين. ينبغي أن يُحمل منهما على "فَعْلأ"؛ لأنَّ "فَعْيلًا" يظهر منهم اجتنابه؛ ألا ترى أنه إِذا جاء في كلامهم كسروا أوَّلَه نحو: حِذْيَم وطِرْيَم؟ ولم يظهر منهم ذلك في "فَعْلأ"؛ لأنهم لم يجتنبوا "فَعْلأً" كما فعلوا ذلك بـ"فَعْيَل".
فثَبَتَ إِذًا أنَّ الذي ينبغي أن يُدَّعَى فيه أنه "فَعْلأ"10، ويكون من الأبنية التي جاءت في
__________
1 فوقها في ف: شبهت.
2 الآية30 من سورة التوبة. وهذه قراءة عامة قراء الحجاز والعراق. تفسير الطبري 14: 207.
3 سقط حتى "ضاهيت أي" من م.
4 وزعم بعض الكوفيين والبغداديين أن ضهيأ وزنها فعلل. فهي رباعية وليس فيها زيادة. انظر تهذيب الألفاظ ص368.
5 م: فيعلًا.
6 الطريم: الطويل.
7 والحذيم: الحاذق.
8 م: فالأصل له.
9 م: فيعلًا.
10 في حاشية ف بخط أبي حيان أن الهمزة زائدة في احبنطأ البطن أي: عظم، لقولهم: حَبِطَ بطنُه أي: انتفخ. عن ابن برّيّ.
(1/155)

كلامهم مفردة، لا ثاني لها. وأيضًا فإِنَّ الاستدلال على زيادة همزة ضهيأ بضهياء الممدودة، أو ما في معناها، أولى من الاستدلال بشيء آخر خِلافها. وهو "ضاهأتُ". فلذلك كان هذا المذهب باطلًا.
فهذه جملة ما جاءت فيه الهمزة زائدةً غيرَ أوّل.
فأمَّا1 العأْلَم والخأْتَم وتأبَلٌ2 وأمثالها فالهمزة فيها بدل من الألف، ولم تُزَد فيها الهمزة ابتداءً. فينبغي [21ب] أن تُذكر في باب البدل.
فلمّا قلَّت زيادة الهمزة غيرَ أوّل وجب القضاء على ما لم يُعرف أصله، ممّا الهمزة فيه غيرُ أوّل، بالأصالة، نحو: السَّأسَم3 واطمأنَّ وبُرائل4، وأمثال ذلك.
فإِن وقعتْ أوَّلًا فلا يخلو أن يكون بعدَها5 حرفان أو أزيَدُ. فإِن كان بعدها حرفان خاصَّةً كانت أصلًا، إِذ لا بدَّ من الفاء والعين واللام. وذلك نحو: أَخَذَ وأَكَلَ وأَمَرَ.
وإِن كان بعدها أزيد من حرفين فلا يخلو أن يكون بعدها أربعة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا، أو ثلاثةٌ، أو اثنانِ مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، أو محتمِلٌ للزيادة والأصالة.
فإِن كان بعدها أربعة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا كانت أصلًا. وذلك نحو: إِصطَبل وإِبرَيْسَم6 وإِبراهيم وإِسماعيل؛ ألا ترى أنَّ الصاد والطاء والباء من "إصطبل" مقطوعٌ بأصالتها؛ لأنها ليست من حروف الزيادة؟ وكذلك اللّام لأنَّ المواضع التي تزاد فيها محصورة كما تَقَدَّم7 وليس "إِصطبل" منها. وكذلك الباء8 والراء والسين والميم من إِبريسم، والباء والراء والهاء والميم من إِبراهيم9، والسين والميم والعين واللّام من إِسماعيل. جميع ذلك أصل مقطوع بأصالته.
وإِنَّما قُطِع بأصالة الهمزة في مثل هذا؛ لأنَّ بنات الأربعة فصاعدًا لا تلحقها الزيادة من أَوَّلها
__________
1 م: وأما.
2 التأبل: الفحا كالكمون والكسبرة ونحوهما.
3 السأسم: شجر.
4 البرائل: الديك.
5 ف: ما بعدها.
6 الابريسم: الحرير. وضبطت في ف بكسر الراء وفتحها معًا.
7 انظر ص145-147.
8 م: الياء.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان عن المهاباذي أن همزة إبراهيم أصل، وتصغيره أُبَيرِه، وجعلها البغداديون زائدة.
(1/156)

أصلًا، إِلَّا الأفعالَ نحو: تَدَحرجَ، والأسماءَ الجارية عليها نحو: مُدَحرج. فلمّا كانت هذه الأسماء وأمثالُها ليست من قبيل الأسماء الجارية على الأفعال قُطِعَ بأنَّ الهمزة في أوّلها أصل.
وإِن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها قُطعَ بأنها زائدة. وذلك نحو: أفكَلٍ1، همزته زائدة. وإِنَّما قضينا عليها بالزيادة لأنَّ كلَّ ما عُرف اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدةٌ، نحو: أَحمر وأَصفر وأَخضر2، وأمثال ذلك؛ ألا ترى أنها مشتقَّة من الحُمرة والصُّفرة والخُضرة؟ فلمّا كانت كذلك فيما عُرف اشتقاقه حُمِلَ ما جُهِلَ اشتقاقه على ما عُلم، فقُضِي بزيادة الهمزة فيه.
وإِن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته، كانت الهمزة أصلًا إذ لا بدَّ من الفاء والعين واللّام، كما تقدَّم. وذلك نحو: آخِذٍ3 وآمِرٍ4؛ ألا ترى أنَّ الألف مقطوع بزيادتها، وأنَّ الخاء والذال من آخِذٍ5، والميم والراء من آمِرٍ، مقطوع بأصالتها6؟ فلذلك كانت الهمزة أصلًا فيهما وفي أمثالهما.
فإِن كان بعدها حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما محتمل للأصالة7 والزيادة، قُضي على الهمزة بالزيادة، وعلى ما عداها ممّا يحتمل الأصالة والزيادة بأنه أصليّ. وذلك نحو أءبين8 والألف من إشْفًى9 وأَفعًى. فإِنك، وإِن لم يكن معك اشتقاقٌ ولا تصريف، تقضي بزيادة الهمزة وأصالة ما عداها. وذلك [أنَّ] 10 إِشْفى11 وأَبْيَن وأَفعى وأمثال ذلك الهمزةُ في جميع ذلك زائدة، والياء من أبْيَن والألف من إِشفًَى12وأفعًى أصلان.
وإِنَّما قُضِي بزيادة الهمزة في مثل هذا لأنَّ جميعَ ما ورد من ذلك ممّا له اشتقاقٌ، الهمزةُ فيه زائدة وما عداها أصلٌ، نحو قوله: هو أَغوَى منه وأَضوَأُ منه و"أَيدَعٌ"13؛ لأنَّ "أَغوَى" من الغَيّ، و"أضوأ" من الضَّوء، ويقولون: يَدَّعتُهُ14.
__________
1 الأفكل: الرعدة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: ولا اشتقاق له.
2 ف: وأخضر وأصفر.
3 م: أخذ.
4 م: أمر.
5 م: أخذ.
6 في النسختين: بأصالتهما.
7 م: يحتمل الأصالة.
8 كذا في النسختين، وفوقه في ف: "معًا". فهو يقال بالكسر ويقال بالفتح. وهو اسم رجل من حمير.
9 الإشفى: المخرز. م: أشقى.
10 سقط من النسختين.
11 م: أشقى.
12 م: أشقى.
13 الأيدع: صبغ أحمر. وقيل: هو الزعفران.
14 م: "يدعنه". وفي حاشية ف: "صبغته بالزعفران". وانظر المنصف 1: 100.
(1/157)

وكذلك جميع ما عُرف له اشتقاق من هذا النوع همزته زائدة، وما عداها أصليّ، إِلَّا ألفاظًا قليلة شذَّت من هذا النوع. وهي: أَولَقٌ1 وإِمَّعةٌ وأَيصَرٌ2 وأَرْطًى3 [وأَيطَل] 4. فلذلك حملنا ما ليس له اشتقاق، نحو: أَفعًى وإِشفًى وأبْيَن، على الأكثر فقضينا بزيادة الهمزة.
فإِن قيل: فما الدليل على أصالة الهمزة، في هذه الألفاظ الخمسة؟ 5 فالجواب [22أ] أنَّ الذي يدلّ على أصالة الهمزة في أيصر أنهم يقولون في جمعه: إِصار، بإِثبات الهمزة وحذف الياء. فدلّ على أصالة الهمزة وزيادة الياء. ولا يمكن أن تُجعلَ هذه الهمزة بدلًا من ياء، فكيونَ أصله "يِصار"، ثمّ أُبدلت الهمزة من الياء؛ لأنَّ الياء لا تُبدل همزةً في أوَّل الكلام.
والذي يدلُّ على أَصالة الهمزة في إِمَّعة أنك لو جعلتها زائدة لكان وزنها "إِفعَلة" و"إِفْعَلةٌ" لا يكون صفة أصلًا، إِنما يكون اسمًا غير صفة نحو: إِشفًى وإِنفَحة6. فدلَّ ذلك على أنَّ همزتها أصليَّةٌ، ويكون وزنها7 "فِعَّلةً"؛ لأنَّ "فِعَّلة" في الصفات موجود نحو: رَجلٌ دِنَّبةٌ8. وأيضًا فإِنك لو جعلت همزة إِمَّعة زائدة لكانت إِحدى الميمين منه فاء، والأخرى عين، فيكون من باب دَدَنٍ,9 وهو قليل جدًّا. أعني أن تكون الفاء والعين من جنس واحد. فلمّا كان جعل الهمزة زائدةً10 يؤدّي إِلى الدخول في هذا الباب القليل، وإِلى إِثبات مثال في الصفات لم يستقرَّ فيها، قُضي بأصالة الهمزة.
وأمَّا أَرطًى فالدليل على أصالة الهمزة [فيه] قولهم: أَديمٌ مأروطٌ، أي: مدبوغ بالأرطى، فإِثبات الهمزة في مأروط وحذف الألف دليل11 على أصالة الهمزة وزيادة الألف. وحكى أبو عُمَرَ12 الجَرميّ: أديمٌ مَرْطِيٌّ. فالهمزة على هذا زائدة، والألف أصل.
وأمَّا أَولَقٌ فالذي يدلّ على أصالة الهمزة [فيه] ، وزيادة الواو، قولهم: أُلِقَ الرَّجلُ، إذا أصابه
__________
1 الأولق: الجنون. وانظر المنصف 1: 113-118.
2 الأيصر: الحشيش.
3 الأرطى: نبات يدبغ به.
4 سقط من النسختين. وانظر التعليقة التالية وص160.
5 فوقها في ف عن نسخة أخرى "الأربعة". وانظر ص160.
6 الإنفحة: شيء يخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن، فيغلظ كالجبن. وضبطت في ف بتخفيف الحاء وتشديدها معًا، وسقطت من م.
7 سقط من م.
8 الدنبة: القصير. م: دنمة.
9 الددن: اللهو واللعب.
10 سقط من م.
11 م: دلالة.
12 صالح بن إسحاق، فقيه لغوي نحوي بصري توفي سنة 225. بغية الوعاة ص268. م: أبو علي.
(1/158)

الأَولق. فقولهم "أُلِقَ"، بإِثبات الهمزة وحَذْفِ الواو، دليلٌ على أصالة الهمزة وزيادة الواو.
فإِن قيل: فلعلّ هذه الهمزة بدل من الواو، والأصل "وُلِقَ"، نحو قولهم في "وُعِدَ الرَّجلُ": أُعِدَ. فالجواب أنه لو كان من قبيل "أُعِد" لقالوا: وُلِقَ، كما يقولون: وُعِدَ. فالتزامهم الهمزة في "أُلق" دليل على أنها أصل. وأيضًا فإنهم قالوا: رَجلٌ مألوقٌ. ولو كانت الهمزة زائدة لقالوا "مَولوقٌ" بالواو. ولا يُتصوَّرُ أن تُقدَّرَ الهمزة في مألوق بدلًا من الواو؛ لأنَّ مثل هذه الواو لا تُقلب همزة. وسيُبيَّنُ ذلك في البدل1.
وزعم الفارسيُّ أنَّ أَولقًا2 يحتمل ضربين من الوزن: أحدهما ما قدَّمناه من أنه "فَوعَل" وهمزته أصل، من: تألَّقَ البَرقُ. والآخر3 أنه "أَفعَل" وهمزته زائدة. من: وَلَقَ إِذا أسرع؛ لأنَّ الأَولق: الجنون. وهي توصف بالسرعة.
فإِن قيل: فكيف أجاز ذلك، مع قولهم: أُلِقَ ومألوقٌ؟ فالجواب أنه يَجعل الهمزة منهما4 بدلًا من الواو، والأصل "وَلِقَ" و"مولوقٌ"، ويَجعل هذا من قَبيل البدل اللَّازم، فتكون الواو من "وُلِقَ" لمَّا أُبدلت همزةً لانضمامها أُجريت هذه الهمزة مُجرى الأصليَّة، فقالوا: مألوقٌ.
فيكون ذلك نظير قولهم: عِيدٌ وأَعيادٌ؛ ألا ترى أنَّ عِيدًا من "عادَ يَعُودُ"، وأنَّ الأصل فيه "عِوْدٌ"، فقُلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، فقيل: عِيدٌ؟ وكان يَنبغي إذا جمعنا أن نقول في جمعه "أَعواد" بالواو، لزوال الموجب لقلب الواو ياءً، كما قالوا في جمع رِيح "أَرواح" بالواو، لزوال موجب قلبها ياءً في "ريح"، وهو سكونها وانكسار ما قبلها. قال5:
تَلُفُّهُ الأرواحُ, والسُّمِيُّ
إِلَّا أنهم لمّا أَبدلوا الواو ياءً في "عِيد" أَجروا هذه الياء مُجرى الأصليَّة.
إِلَّا أنَّ هذا النوع من البدل –أعني اللَّازم- قليلٌ، وأصالة الهمزة أيضًا إذا وقعت أوَّلًا في مثل هذا قليل، فتكافأ الأمران عنده، فلذلك أجاز الوجهين.
والصحيح أنَّ الأولق6 همزته أصليَّة، ولا ينبغي أن يُحمل على باب عِيد وأعياد؛ لأنَّ مثل
__________
1 في الورقة 34.
2 ف: "أولق". وفي الحاشية بخط أبي حيان عن ابن مالك إجازة الضربين من الوزن.
3 نسب ابن جني هذا المذهب في الخصائص 1: 9 إلى أبي إسحاق الزجاج. وانظر ص 41.
4 م: فيهما.
5 العجاج: ديوانه ص69 والصحاح واللسان والتاج "سمو". الأرواح: جمع ريح. والسمي: جمع سماء. وهي المطر.
6 م: أولق.
(1/159)

هذا الباب قد سُمع فيه الأصل، فتقول: عِيدٌ وأَعوادٌ. ولم يقولوا "وُلِق"1 ولا "مَولوقٌ", في موضع من المواضع. فلذلك وَجب حمل أَولقٍ على أن همزته أصليَّة.
ويجوز أيضًا في أَولقٍ أن يكون "فَوعَلًَا"، عند من يجعله مشتقًّا من "وَلَقَ". ويكون أصله "وَوْلَقًا" [22ب] ، فأُبدلت الواو الواحدة همزة، ولزم على قياس كلّ2 واوين يجتمعان في أوَّل الكلمة3. إِلَّا أنَّ الأَولى. عند من يجعله4 مشتقًّا من "وَلَق"، أن تكون الهمزة زائدة، ويكون وزنه "أَفْعَل"5؛ لأنَّ "أَفْعَل" أكثرُ من "فَوعَل". وأيضًا فإِن الهمزة ينبغي أن يُوقَفَ فيها مع الظاهر، ولا يُدَّعَى أنها مُبدلةٌ من الواو.
وأمَّا6 أَيطَلٌ فالذي يدلّ على أصالة همزته، وزيادة يائه، قولهم في معناه: إطْل. فيحذفون الياء ويثبتون الهمزة. ولو كانت الهمزة هي الزائدة لقيل: يِطْلٌ، بالياء. ولا يمكن أن يُدَّعى أنَّ الهمزة بدل من الياء، لما ذكرناه من أنَّ الياء لا تُبدل همزة أوَّلًا7.
__________
1 م: وَلق.
2 م: على كل قياس.
3 م: أول كل كلمة.
4 م: يجعلها.
5 ف: أفعلًا.
6 سقطت بقية الباب من م. وفي حاشية ف بخط أبي حيان سقط من هنا إلى آخر الباب في نسخة الخفَّاف والخزرجيّ.
7 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة مع شيخنا الرضي.
(1/160)

باب الميم:
الميم1 لا تخلو أن تقع أوّلًا أو غير أوّل. فإِن وقعت غيرَ أوَّلٍ قُضِي عليها بالأصالة. وذلك أنها إِذا وقعت غير أوَّل، فيما يُعرفُ له اشتقاق، وُجِدت أصليَّةً. نحو: شأمل وكريم وأمثالهما، ممَّا لا يُحصى كثرةً؛ ألا ترى أنَّ شأمَلًا ميمُه أصليَّةٌ، بدليل قولهم: شَمَلتِ الريحُ، وأنَّ كريمًا كذلك؛ لأنه من الكَرَم؟ ولم توجد زائدة إِلَّا في أماكن محصورة، تُحفَظُ ولا يُقاس عليها، وهي:
دُلامِصٌ ودُمالِصٌ بمعنى بَرَّاق. قال2 الأعشى3:
إِذا جُرِّدَتْ يَومًا حَسِبتَ خَمِيصةً ... علَيها وجِريالَ النَّضِيرِ, الدُّلامِصا4
أي: البَرَّاق. وقد تُحذَف الألفُ منهما تَخفيفًا، كما تُحذف من عُلابِط5، فيقال: دُلَمِصٌ ودُمَلِصٌ. والدليل على زيادة الميم فيهما أنهما مشتقان من الدَّليِص. وهو البريق6.
وقُمارِصٌ؛ لأنه يقال: لَبنٌ قُمارِصٌ، بمعنى: قارِص.
وسُتْهُمٌ7 وزُرْقُمٌ8 وفُسْحُمٌ9؛ لأنها من الزُّرقة والأستَهِ والفُسحة.
__________
1 انظر الكتاب 2: 340 و352. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة الميم في الاسم والفعل. انظر الارتشاف 1: 96-97.
2 ف: وقال.
3 ديوانه ص108. والخميصة: كساء معلم شبه شعرها به. والجريال: لون الذهب. والنضير: الذهب.
4 ف: "النضار". وقد صوبت في الحاشية كما أثبتنا.
5 العلابط: اللبن الخاثر الغليظ المتلبد.
6 م: البرق. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن سيبويه أغفل قمارصأ وستهمًا، وأن الفارسي جعل الميم فيهما زائدة وأجاز زيادة الهمزة والنون في شئذارة، وأن جذعمة وردت في حديث للإمام علي، وفيها الميم زائدة، على قول القاسم بن سلام. والجذعمة: الصغير لم يبلغ الحلم. انظر ص274 من ابن عصفور والتصريف.
7 انظر المنصف 1: 150-151. والستهم: العظيم الاست.
8 الزرقم: الشديد الزرقة.
9 الفسحم: الواسع الصدر.
(1/161)

وضِرْزِمٌ ودِرْدِمٌ ودِلْقِمٌ ودِقْعِمٌ وحُلْكُمٌ1 وخِضْرِمٌ؛ لأنَّ دِردِمًا2 من الأدْرَد، وهو الذي تكسَّر أسنانه. والحُلكُم: الشديدُ السوادِ. فهو من الحُلكة. وهي السواد. والدِّقعِم: الترابُ. فهو من الدَّقعاء. والدِّلقِم: الناقة التي تكسَّرت أَسنانها فاندلق لسانها ولُعابها. ولذلك قالوا: سيف دَلُوق، إِذا كان لا يثبت في غمده. والضِّرزِم بمعنى الضِّرِزّ. وهو الشديد البخيل. وخِضرِم: البحر، سُمِّي بذلك لخُضرته3.
وخَدْلَمٌ4 وشَدْقَمٌ وشَجْعَمٌ؛ لأنَّ خَدلمًا بمعنى "خَدلةٍ". قال5:
لَيسَتْ بِرَسحاءَ, ولكِنْ سُتهُمِ ... ولا بِكَرواءَ, ولكِنْ خَدلَمِ
والشَّدْقَمُ بمنزلة الأشدقِ. وهو العظيم الشِّدق. والشَّجعَمُ لتأكيدهم به الشُّجاعَ، في مثل قوله6:
الأُفعوانَ, والشُّجاعَ, الشَّجْعَما
فهو من لفظه وفي معناه.
وزيدت أيضًا في7 المضمرات، في: أنتما وأنتُم وقُمتما وقُمتُمُ وضَربَكما وضَربكمُ، وهما وهمُ، علامةً على تجاوز الواحد، ثمّ لحقت بعد ذلك الألفُ علامةً على التثنية، والواو علامةً على الجميع.
والدليل على زيادتها في ذلك أنه8 قد تقرَّر أنَّ ما قبل الميم اسم، إِذا9 لم تُرِدِ التثنيةَ ولا الجمعَ.
وزيدت، من الأفعال، في: تَمَسكَنَ وتَمَدرَعَ10 وتَمَندَلَ11 وتَمَنطَقَ12 وتَمَسلَمَ وتَمَولَى علينا ومَرْحَبَك الله ومَسَهلَكَ13 وقد حُكِي: مَخرَقَ وتَمَخرَقَ، وضعَّفهما ابن كَيسانَ14.
__________
1 ضبط في م بكسر الحاء والكاف هنا وفيما يلي.
2 الدردم: الناقة المسنة.
3 سقط تفسير الخضرم من م.
4 الخدلم: الغليظة الساق المستديرتها والممتلئة الأعضاء.
5 المنصف 3: 25 ورصف المباني ص307 وسر الصناعة ص432 والصحاح واللسان والتاج "كرو" و"خدل" و"زلل" واللسان والتاج "زرق". والرسحاء: القليلة لحم الألية والفخذين. والكرواء: الدقيقة الساقين والذارعين. وقال ابن بري: "صوابه أن ترفع قافيته". اللسان "كرو".
6 خرجناه في شرح اختيارات المفضل ص546.
7 الأنسب أن تكون "من". انظر الفقرة التالية.
8 سقط من م.
9 م: إذ.
10 تمدرع: لبس المدرعة.
11 تمندل: تمسح بالمنديل. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: وقالوا في معنى تمندل: تَنَدَّلَ.
12 تمنطق: شد على وسطه النطاق أو المنطقة.
13 كلمة ترحيب.
14 هو أبو الحسن محمد بن أحمد، نحوي أخذ عن المبرد وثعلب، وتوفي سنة320. معجم الأدباء 17: 141.
(1/162)

والصحيح أنَّهما لم يثبتا من كلام العرب1.
والدليل على زيادتها في الأفعال أنَّ "تمسكنَ" من لفظ المِسكين، والميم في مِسكين زائدة. وكذلك "تمدرعَ" من لفظ المِدرعة، والميم في المِدرعة أيضًا زائدة. وأيضًا فإِنَّ أكثر كلام العرب: تَسكَّنَ وتَدَرَّعَ. و"تَمَندَلَ" من المِنديل، والميم في المِنديل زائدة. و"تَمَنطَقَ" من النِّطاق. و"تَمَسلََمَ" أي: صار يُدعَى مَسلَمة2 بعد أن كان يدعى بخلاف ذلك. فهو من لفظ مَسلَمة، والميم في مَسلمة زائدة. وكذلك "تَمَولَى علينا" أي: تَعاظَم علينا. فهو من لفظ المولَى، والميم في المولَى زائدة. و"مرحَبك الله ومَسهلَك" من الرُّحْبِ والسَّهلِ.
وزعم بعض النحويِّين أنَّ الميم في هِرماس وضُبارِم وحُلقُوم وبُلعُوم وسَرْطَم وصَلْقَم [23أ] ودُخْشُم وجُلْهُمة زائدةٌ؛ لأنَّ هِرماسًا من أسماء الأسد. وهو يوصف بأنه هَرَّاس؛ لأنه يَهرس فريسته. وضُبارِم: الأسد الوثيق. فهو من الضّبْرِ. وهو شدَّة الخَلْق. والحُلقوم من الحَلق. والبُلعوم: مجرى الطعام في الحلق. فهو راجع لمعنى البَلع. والسَّرْطَم: الواسعُ السريعُ الابتلاع. فهو من السَّرْط وهو الابتلاع. والصَّلْقَم: الشديد الصُّراخ. فهو من الصَّلْق؛ لأنَّ الصَّلْق: الصِّياح. ودُخْشُم وجُلْهُمة: اسمان علَمان. فأمَّا دُخْشُم فمشتقٌّ من"دَخِش يَدخَشُ، إِذا امتلأ لحمًا3. وأمَّا جُلهُمة فمن جَلْهة4 الوادي. وهو ما استقبلك منه.
وينبغي عندي أن تُجعل الميم في هذا كلِّه أصليَّةً؛ وذلك لأنَّ زيادة الميم غير أوَّلٍ قليلةٌ، فلا ينبغي أن يُذهب إِليها، إِلَّا أن يقود5 إِلى ذلك دليلٌ قاطع. وليست هذه الألفاظ كذلك.
أمَّا هِرماسٌ فهو من أسماء الأسد، وليس بصفة مشتقَّة6 من الهَرْسِ. فلعلَّه اسمٌ مُرتَجلٌ، وليس مشتقًّا من شيء، إِذ قد يُوجد من الأسماء ما هو بهذه الصفة. أعني: ليس بمشتق من شيء.
وكذلك الأمر في دُخشُم وجُلهُمة؛ لأنهما اسمان علَمان، والأعلام قد يكون فيها المرتجل، وإِن كان أكثرها ليس كذلك.
وأمَّا ضُبارِم فقد يكون بمعنى: جَرِيء. يقال: رجلٌ ضُبارمٌ، أي: جريء على الأعداء. فلعلَّ
__________
1 انظر المنصف 1: 130.
2 كذا. والمشهور أنه يدعى مُسلِمًا. المنصف 1: 108 واللسان والتاج "سلم".
3 في النسختين: غمًا.
4 م: "جلهمة". وانظر المنصف 1: 151.
5 م: يقوم.
6 ف: فتشتقه.
(1/163)

الأسد الوثيق وُصف بضبارم لجرأته، فلا يكون على هذا مشتقًّا من الضَّبر؛ لأنَّ الضبر لا يكون بمعنى الجرأة.
وأمَّا الحُلقوم فليس أيضًا بصفة مشتقَّة من لفظ الحَلْق، فيلزم أَن تكون الميم زائدة. بل هو اسم، فيمكن أن يكون بمعنى الحلق، وتكون ذاته مخالفةً لذات حَلق، فيكون من باب سَبِط وسِبَطر، لا سيما وقد قالوا: حَلقمَهُ حَلقَمةً، إِذا قطع حُلقومَه. فأثبتوا الميم في تصريفه.
وكذلك البُلعوم. أعني أنه ليس بصفة مشتقَّة من البَلْع، بل هو اسم كما ذكرنا لمجرى الطعام في الحلق. فلعله اسمٌ له، لا من حيث لُحِظَ فيه معنى البَلْع؛ ألا ترى أنَّ البياض الذي في طرف فم الحمار يُسمَّى بُلعُومًا، وإن لم يكن رُجوعه إلى معنى البَلْع؟ فكذلك ينبغي ألَّا يُجعل1 بالنظر إِلى مجرى الطعام في الحلق.
وأمَّا الصَّلقَم فيمكن2 أن يكون غيرَ مشتقٍّ من الصَّلْق؛ لأنهم يقولون: جَملٌ صَلقَمٌ، أي: ضخم. فلعلَّ الشَّديدَ الصياح قيل له صَلْقَمٌ، لضخامة صوته، لا لأجل الصراخ نفسه. إذ وقع هذا اللفظ على ما ليس براجع لمعنى الصَّلْق، وهو الضخم من الإِبل.
وأمَّا السَّرطَم فإِنه يحتمل3، وإِن كان واقعًا على الواسعِ الحَلقِ السريعِ الابتلاعِ، ألا يكون مشتقًّا من السَّرْط بمعنى البلع؛ لأنهم قد يوقعون السَّرطَم على القول اللَّيِّن، فيكون الرجل الواسع الحلق وُصف بسَرطَم، لسهولة الابتلاع في حلقه ولينه عليه، لا لنَفْسِ السَّرْط الذي هو الابتلاع، كما أنَّ السَّرطَم إِذا عُني به القول اللَّيِّنُ ليس براجع لمعنى السَّرط.
فإِذا أمكن في هذه الألفاظ حملُها على ما ذكرتُ لك كان أَولَى من جعل الميم زائدةً غيرَ أوَّلٍ، لقِلَّة ما جاء من ذلك.
وزعم أبو الحسن، وأبو عثمان المازنيّ4، أنَّ دُلامِصًا5 من ذوات6 الأربعة، وأنَّ معناه كمعنى دَلِيص7 وليس بمشتقٍّ منه، فجعلاه من باب سَبِط وسِبَطر. والذي حملهما على أن يقولا ذلك في دُلامِص، ولم يقولاه في زُرقُم وسُتهُم وأشباههما، قلَّةُ مجيء الميم زائدةً حَشوًا،
__________
1 في النسختين "أن يجعل". وصوب في حاشية ف عن نسخة الخفاف كما أثبتنا.
2 م: فممكن.
3 م: يجعل.
4 انظر المنصف1: 152.
5 الدلامص: البراق. وانظر ص161.
6 سقط من م.
7 الدليص: الدرع البراقة اللينة.
(1/164)

بل إذا جاءت زائدة غيرَ أوَّلٍ فإِنَّما1 تُزاد طرفًَا. وكذلك ينبغي أن يكون قُمارِص2 عندهما.
وبالجملة ليس دُلامِص مع دَلِيص كسِبَطر مع سَبِط3؛ لأنَّ الذي قاد إِلى ادِّعاء أنَّ سَبِطًا وسِبَطْرًا أصلان مختلفان أنَّ الراء لا تحفظ زائدة في موضع. وأمَّا الميم فقد جاءت زائدة طرفًا غيرَ أول، فيما ذكرنا، وحشوًا في "تمسكنَ" وأخواته، وأوَّلًا فيما لا يُحصَى كثرةً. فإِذا دلَّ اشتقاقٌ على زيادتها فينبغي أن تُجعل زائدة، إذ باب سَبِط وسِبَطر قليل [23ب] جدًّا لا ينبغي أن يُرتكبَ إِلَّا إِذا دعت إِلى ذلك ضرورة.
وإِن وقعت أوَّلًا فإِنها بمنزلة الهمزة, فلا يخلو أن يكون بعدها حَرفان أو أكثر.
فإِن كان بعدها حرفان قُضي على الميم بالأصالة؛ إِذ لا بدَّ للكلمة من فاء وعين ولام؛ لأنَّ ذلك أقلُّ أصول الأسماء المتمكنة والأفعال. وذلك نحو: مَلْك ومَسْح وأمثالهما.
وإِن4 كان بعدها أكثر فلا يخلو أن يقع بعدها أربعة أحرف5 مَقطُوع بأصالتها، أو ثلاثةٌ مقطوع بأصالتها، أو اثنان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته أو محتمِلٌ للأصالة والزيادة.
فإِن كان بعدها أربعةُ أحرفٍ مقطوعًا6 بأصالتها قُضِي على الميم بالأصالة، إِلَّا في الأفعال7 والأسماء الجارية عليها. وإِنَّما كان الوجه ذلك؛ لأنَّ الزيادة لا تلحق بنات الأربعة من أوَّلها، إِلَّا في النوعين المذكورين. وأمَّا بنات الخمسة فلا يلحقها من أوَّلها زيادة أصلًا8؛ لأنها لا تكون فعلًا. وذلك نحو: مَرْزَنْجُوش9، ينبغي10 أن تكون الميم فيه أصليَّة. وكذلك كلُّ ما جاء من هذا النحو11.
__________
1 ف: إنما.
2 القمارص: القارص.
3 ف: كسبط مع سبطر.
4 ف: فإن.
5 م: حروف.
6 م: مقطوع.
7 كذا. والميم لا تزاد في أول الأفعال الرباعية.
8 م: فلا تلحقها زيادة في أولها.
9 المرزنجوش: نبت. وبعد الميم فيه أربعة أصول هي الراء والزاي والجيم والشين.
10 ف: "نحو المجفئظّ، وهو كل شيء يصبح على شفا الموت، فينبغي". وفي الحاشية بخط أبي حيان عن الجوهري: "اجفاظت الجيفة ... قال ثعلب". الصحاح "جفظ". وفي الارتشاف 1: 97: قال ابن عصفور: "ميم مجفئظ أصل". وهو خطأ بل زائدة.
11 م: من نحو هذا.
(1/165)

وإِن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوعًا بأصالتها قُضي عليها بالزيادة1؛ لأنَّ كلَّ ما جاء من ذلك، ممّا يُعرف له اشتقاق، توجد الميم فيه زائدة، نحو: مَلهًى ومَضرِب وأمثال ذلك، ممّا لا يُحصى كثرةً. ولم تجئ أصليَّة إِلَّا في: مُغرُودٍ2 ومُغفُورٍ3 ومَراجِل4.
فالدليل على أصالتها في مَراجِل ثباتها في تصريفه، فقالوا: المُمَرجَل. قال5:
بِشِيَةٍ كَشِيةِ المُمَرجَلِ
وكذلك مُغفُور؛ لأنَّ الميم قد ثَبَتَتْ في تصريفه، قالوا6: ذَهَبُوا يَتمغفَرُونَ، أي: يجمعون المُغفُورَ. وهو ضرب من الكمأة7. وأمَّا مُغرود فيدلُّ على أصالة ميمه أنه ليس من كلامهم "مُفعول"، وفيه "فُعلُول".
فإِذا جاء ما لا يُعرف اشتقاقه قُضي بزيادة الميم فيه، حملًا على الأكثر ممّا عُرف له اشتقاق، نحو: مأسَل8، ينبغي9 أن يُقضي بزيادة الميم فيه وفي أمثاله، وإِن لم يُعرف له اشتقاق10.
وإِن كان بعدها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته، قضيتَ على الميم بالأصالة، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف أصول، كما تقدَّم. وذلك نحو: مالِكٍ وماسِحٍ وأمثال ذلك؛ ألا ترى أنَّ الألف مقطوع بزيادتها؟ وإِذا11كان كذلك وجب أن تكون الميم أصليَّة.
وأن كان بعدها حرفان مقطوعًا بأصالتهما، وما عداهما محتمل للأصالة والزيادة، قُضي على الميم بالزيادة؛ لأنَّ كلَّ ما عُرف له اشتقاق من ذلك وُجدت الميم فيه زائدةً، ولم تُوجد أصليَّة إِلَّا في ألفاظ محفوظة. وهي: مِعْزًى ومأجَج12 ومَهْدَد13 ومَعَدّ ومَنجنيق ومَنجَنُون14. فلمَّا
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أن الميم في مِرعِزّى زائدة، وكذلك مِرعِزاء مع وجود طِرمساء. وانظر ص93 و97 والتاج "رعز".
2 المغرود: ضرب من الكمأة. وفي حاشية ف: "ذكر في الأبنية أن وزنه مفعول وأن الميم زائدة". انظر ص79.
3 المغفور: صمغ شبيه بالناطف.
4 المراجل: ضرب من برود اليمن.
5 العجاج. ديوانه ص 45 والكتاب 2: 345 وشرح الشافية 2: 337 وشرح شواهدها ص285-286. والشية: الوشي. والممرجل: ضرب من ثياب الوشي.
6 م: فقالوا.
7 كذا. والمغفور ليس من الكمأة في شيء.
8 مأسل: اسم موضع.
9 ف: فينبغي.
10 م: اشتقاقًا.
11 م: وإن.
12 مأجج: اسم موضع.
13 مهدد: اسم امرأة.
14 المنجنون: الدولاب. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن لسيبويه في ميم مِجَنّ قولين: جعلها زائدة وجعلها أصليَّة. انظر ص265 من ابن عصفور والتصريف.
(1/166)

كانت زائدة في الأكثر، ممّا عُرف له اشتقاق، حُمِل ما لم يُعرف له اشتقاقٌ من ذلك على ما عُرف اشتقاقه. [وذلك] 1 نحو: مِذرًى2 والمِذرَوَينِ.
فإِن3 قيل: وما الدليلُ على أَصالة الميم في ستَّة الألفاظ المذكورة؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أصالة الميم في مِعزًى أنهم يقولون4: مَعْزٌ، فيحذفون الألف. ولو كانت الميم فيه زائدة5 لقالوا "عَزْيٌ"6.
فإِن قيل7: إِنَّ المِعزى أعجميٌّ، وقد تَقدَّم أنَّ الأعجميَّ لا يدخله تصريف. فالجواب أنَّ ما كان من الأعجميَّة نكرة فإِنه قد يدخله التَّصريفُ؛ لأنه محكومٌ له بحكم العربيّ، بدلالة أنَّ هذا النوع من العُجمة لا يمنع الصَّرفَ8، بخلاف العُجمة الشخصيّة. وسبب ذلك أنها أسماء نكرات –والنكرات هي الأُوَل- وإِنَّما9 تمكَّنت بدخول الألف واللَّام عليها، كما تدخل على الأسماء العربيَّة.
ويدُلُّ على أنهم قد أَجروها مُجرى العربيّ أنهم قد اشتقُّوا منها، كما يَشتقُّون من العربيّ. قال رؤبة10:
هَل يُنجِيَنِّي حَلِفٌ سِختِيتُ ... أو فِضَّةٌ, أو ذَهَبٌ كِبرِيتُ؟
فقال "سِختِيت" من السَّخْتِ وهو الشديد، وهو أعجميٌّ.
والذي يدلُّ على أصالة الميم في مَعَدٍّ11 أنهم يقولون: تَمَعدَدَ الرَّجلُ، إِذا تكلَّم بكلام مَعَدٍّ، وقيل: إِذا كان على خُلُق معدّ. [24أ] والميم في "تمعدَد" أصليَّةٌ؛ لأنَّ "تَمَفعَلَ" قليل، نحو ما ذكرنا12 من قولهم: تَمَسكَنَ وتَمَدرَعَ، والأحسنُ: تَسَكَّنَ وتَدَرَّعَ. ومَعَدٌّ هذا –أعني اسم القبيلة-
__________
1 من م.
2 المذرى: جانب الألية.
3 م: وإن.
4 الكتاب 2: 344.
5 م: الميم هي الزائدة.
6 م: "عزاة". الكتاب: عزاء.
7 م: فإن قال قائل.
8 انظر المنصف 1: 132-133.
9 م: وأنها.
10 ديوانه ص27 والمنصف3: 33. والكبريت: الأحمر.
11 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 129-132. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن الميم أصل وهو من قولهم: امتعَدَ.
12 في الورقة 22.
(1/167)

منقول من مَعَدٍّ الذي يُراد به موضع رِجل الرَّاكب؛ لأنَّ الأعلام إِذا عُلِمَ لها أصل في النكرات فينبغي أن تُجعل منقولة منه.
وإِذا ثَبَتَ النَّقلُ تَبيَّنَ أنَّ الميم [في مَعَدٍّ هذا –أعني اسم القبيلة- أصليَّة؛ لأنَّ الميم] 1 في مَعَدٍّ الذي هو2 موضع رِجل الرَّاكب أصليَّة أيضًا؛ لأنَّ 3 موضع رجل الراكب فيه شِدَّةٌ وصلابة، وقد قالوا "مَعَدَ" في معنى: اشتدّ. فالميم فيه أصل. لذلك قال4:
وخارِبَيْنِ, خَرَبا فَمَعَدا ... لا يَحسِبانِ اللهَ إِلَّا رَقَدا
فإِن قيل: جعلك الميم أيضًا أصليَّةً في أوَّل الكلام، وبعدها ثلاثة أحرف، قليلٌ، و"تَمَفعلَ" قليل. فهلَّا اعتدل الأمر عندك فيهما. فأجزتَ في مَعَدٍّ الوجهين. أعني زيادة الميم وأصالتها. فالجواب أنه لمّا كان جعلها أصلًا وجعلها زائدة يؤدِّيان إِلى قليل كانت الأصالة وما يعضده الاشتقاقُ أَولى.
والذي يدلُّ، على أصالة الميم في مأْجَجٍ ومَهدَدٍ5، أنَّ الميم لو كانت زائدة لوجب الإِدغام، فتقول: مَهَدٌّ ومأَجٌّ، كما تقول: [مَقَرٌّ] 6 ومَكَرٌّ ومَفَرٌّ ومَرَدٌّ. فدلَّ ذلك على أنَّ الميم أصل، وأنهما ملحقان بجَعفَر نحو: قَرْدَدَ7. ولذلك لم يُدغَم.
فإِن قلتَ: أَجْعلُ الميم زائدة فيهما، ويكون فكُّ الإِدغام شاذًّا. فيكون من باب: لَحِحَتْ 8 عينُه وأَلِلَ9 السِّقاءُ وضَبِبَ10 البَلَدُ، إِذ جَعلُ الميم أصليَّة أيضًا في أوَّل وبعدَها ثلاثة أحرف قليل. فالجواب ما تقدَّم في "مَعَدٍّ"، من أنه لمّا كانت الأصالة والزيادة تُفضيان إلى قليل كانت الأصالة أولى.
فإِن قيل: فهلَّا جعلتم الميم أصليَّةً في مَحْبَبٍ11، بدليل فكِّ الإِدغام، كما فَعلتُم ذلك في
__________
1 من م.
2 م: الذي يراد به.
3 ف: وأيضًا فإن.
4 المحتسب 2: 29 والمنصف 3: 19 واللسان والتاج "خرب" و"معد" والسمط ص779. وقبلهما في السمط:
أَخشَى علَيهِ طَيْئًا وأسَدا ... وقَيسَ عَيلانَ, ودِينًا فَسَدا
وفي حاشية ف بخط أبي حيان: الخارب: سارق الإبل.
5 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 141-143.
6 من م.
7 القردد: الأرض المستوية.
8 لححت: لصقت.
9 ألل: تغيرت رائحته.
10 ضبب: كثرت ضِبابه.
11 محبب: اسم رجل. وانظر المنصف 1: 141-143.
(1/168)

مَهْدَد. فالجواب أنه لمّا كان جعل الميم فيها أَصليَّة يؤدِّي إِلى الحمل على القليل، وجعلُها زائدة يؤدِّي أيضًا إِلى ذلك، كانت الأولى الزيادة هنا1؛ لأنَّ الميم إِذا كانت زائدة كانت الكلمة من تركيب "ح ب ب" وهو موجود، وإِذا كانت الميم أصليَّة كانت الكلمة من تركيب "م ح ب" وهو غير موجود. فكان الحمل على الموجود أَولى.
والذي يدلُّ، على أنَّ الميم2 في مَنجَنِيق أصليَّة، أنه قد استقرَّ زيادة النون الأُولى، بدليل قولهم: مَجانِيق، بحذفها. ولو كانت أصليَّة لقلتَ "مَناجِيق". فإِذا ثَبَتَ زيادة النون ثَبَتَتْ بذلك أصالة الميم، إذ لو كانت زائدة. والنون بعدها زائدة، لأدَّى ذلك إلى اجتماع زيادتين في أوَّل كلمة. وذلك لا يوجد إِلَّا في الأفعال نحو "استَفْعَل"3، أَو في الأسماء الجارية عليها، نحو انطَلَق ومُنْطَلَق. و"منجنيق" ليس باسم جار على الفعل4.
فإِذا ثَبَتَتْ أصالة الميم وزيادة النون الأُولى5 وجب أن يُقضى على النون الثانية بالأصالة؛ لأنك لو جعلتها زائدة لكان وزن الكلمة "فَنْعَنِيلًا". وذلك بناء غير موجود. وإذا جعلتها أَصليَّة كان وزن الكلمة "فَنْعَلِيلًا" نحو: عَنتَرِيس6. وأيضًا فإِنها ليست في موضع لَزِمَتْ فيه زيادتها، ولا كثُرت، فتُجعلَ زائدة.
فإِن قيل: فهلَّا استدللتُم على زيادة الميم، بما حكاه أبو عثمان عن التَّوَّزيِّ7، عن أبي عُبيدة، من أنه سأل أعرابيًّا عن حروب، كانت بينهم، فقال: "كانَتْ بينَنا8 حروبٌ عُونٌ، تُفقأ فيها العُيونُ، مرَّة نُجنَقُ9، ومرَّة نُرشَقُ". فقوله "نُجنق" دليل على أنَّ الميم زائدة، إِذ لو كانت أصليَّة لوجب أن يقول "نُمَجْنَقُ". وحكى الفرَّاء10: "جَنَقُوهم بالمَجانِيق". فالجواب:
أنَّ الكلمة أعجميَّة، والعرب قد تُخلّط في اشتقاقها من الأعجميِّ11؛ لأنها ليست من
__________
1 سقط من م.
2 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 146-149 وشرح الشافية 2: 350-353.
3 كذا. الصواب "انفعل" وقد مثَّل له بعد انطلق.
4 م: على فعل.
5 وهذا مذهب سيبويه كما جاء في الكتاب 2: 337. وقال السيوطي: "قال سيبويه: هو من الخماسي": المزهر 2: 33.
6 العنتريس: الناقة الشديدة.
7 المنصف 1: 147 وشرح الشافية 2: 350. والتوزي هو أبو محمد عبد الله بن محمد، عالم باللغة والشعر وراوٍ للأخبار. توفي سنة 237. نزهة الألباء ص172.
8 سقط من م.
9 في النسختين: "تجنق". المنصف: مرة ثم نجنق.
10 وفي المزهر1: 135 أن أبا زيد انفرد بهذا القول.
11 م: الأعجمية.
(1/169)

كلامهم؛ ألا ترى أنَّ1 قول الراجز2:
هَلْ تَعرِفُ الدَّارَ؛ لأُمِّ الخَزرَجِ ... مِنها, فظَلْتَ اليَومَ كالمُزَرَّجِ
أراد: سكران كالذي يشرب3 الزَّرَجُون. وكان القياس أن يقول "كالمُزَرْجَنِ"4؛ لأنَّ نون "زَرَجون" أصليَّة. لكنه حذف النون؛ لأنَّ الكلمة5 أعجميَّة، والعرب قد تُخلّطُ في اشتقاقها من الأعجميِّ كما تقدَّم.
فإِن قيل: فهلَّا قلتم [24 ب] : إنَّ6 قولهم في الجمع 7 "مَجانِيق" بحذف النون من قَبيل ما خُلِّطَ فيه. فالجواب أنَّ قولهم: مَجانِيق، يؤدِّي إِلى أن يكون وزن الكلمة "فَنْعَلِيلًا" كما تقدَّم، وهو من أبنية كلامهم. وقولهم: نُجْنَقُ وجَنَقُوهم، يؤدِّي إِلى كون الميم والنون زائدتين، فيكون وزن الكلمة "مَنْفَعِيلًا"، والزيادتان لا تَلحقان الأسماء من أوَّلها، إِلَّا أن تكون جارية على الأفعال، كما تقدَّم.
والذي يدلُّ، على أصالة الميم في مَنجَنُون،8 أنه لا يخلو أن تُقَدِّر الميم والنون9 زائدتين أو أصليَّتين، أو إِحداهما زائدة والأخرى أصليَّة10 فجعلُهما زائدتين فاسد، لما تبيَّن من أنه لا يلحق الكلمة زيادتان من أوَّلها إِلَّا الأفعالَ والأسماءَ الجارية عليها، و"منجنون" ليس من قبيل الأسماء الجارية على الأفعال. وجعلُ إحداهما زائدة والأُخرى أصليَّة فاسدٌ؛ لأنَّ ك إن قدَّرت أنَّ الميم هي الزائدة11 كان وزن الكلمة "مَفْعَلُولًا". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. وإِن12 قَدَّرتَ أنَّ النون هي الزائدة كان فاسدًا، بدليل قولهم "مَناجِين" في الجمع، بإِثبات النون الأُولى. فدلَّ ذلك على أنهما أصلان، ويكون وزن الكلمة "فَعْلَلُولًا". فيكون13 نحو: حَنْدَقُوق14.
__________
1 ف: إلى.
2 الخصائص 1: 359 والمنصف1: 148 والمحتسب 1: 80 واللسان "زرج".
3 م: "شرب". والزرجون: الخمر.
4 م: المزرجن.
5 ف: لأنها.
6 م: فهلَّا جعلتم.
7 م: الجميع.
8 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 145-146 وشرح الشافية 2: 353-355.
9 م: النون والميم.
10 ف: أو إحداهما أصلية والأخرى زائدة.
11 م: أن الميم زائدة.
12 ف: فإن.
13 سقط من م.
14 الحندقوق: بقلة، والرجل الطويل المضطرب.
(1/170)

باب النون:
النون1 تنقسم قسمين: قسم يُقضى عليه بالزيادة، وقسم يُقضى عليه بالأصالة، ولا يُقضى عليه بالزيادة إِلَّا بدليل.
فالقسم الذي يُقضى عليه بالزِّيادة: النون التي هي حرف المضارعة، نحو: نَقُومُ ونَخرُجُ.
والنون في "انفَعَلَ" وما تصرَّف منه، نحو: انطَلَق ومُنطلِق. ونون التثنية، وجمع السلامة من المذكَّر، نحو: الزَّيدَينِ والزَّيدِينَ. والنون التي هي علامة الرفع في الفعل: نحو: "يفعلانِ" و"تفعلونَ". والنون اللَّاحقة الفعلَ للتأكيد2، شديدةً كانت أو خفيفةً، نحو: هل تَقُومَنَّ وهل تَقُومَنْ؟ ونون الوقاية اللَّاحقة مع ياء المتكلِّم. نحو: ضَرَبَنِي. ونون التنوين في نحو: رَجُلٍ. والنون اللَّاحقة آخرَ جمع التكسير، فيما كان وزن "فُعْلان" و"فِعْلان" نحو: قُضْبان وغِرْبان؛ لأنه لا يُتصَوَّر جعلها أصليَّةً، إِذ ليس في أبنية الجموع ما هو على وزن "فعْلان" بضمِّ الفاء، ولا بكسرها.
فجميع هذا لا تكون النون فيه إِلَّا زائدةً، ولا يُحتاج على ذلك إِلى إِقامة دليل، لوضوح كونها زائدةً فيه.
وأمَّا النون الواقعةُ آخر الكلمة3، بعد ألف زائدة، فإِنه يُقضى عليها بالزيادة، فيما لم يُعرف له اشتقاقٌ ولا تصريفٌ، لكثرة تبيُّنها زائدةً فيما عُرف اشتقاقُه أو تصريفه، فيُحمَلُ ما لا يُعرف على الأكثر. وذلك بشرطَينِ:
أَحدهما: أن يكون ما قبل الألف أكثرَ من حرفين [أصليَّين] 4. إذ لو كان قبلها حرفان
__________
1 انظر الكتاب 2: 349-352. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة النون في الاسم والفعل. الارتشاف 1: 99.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان: أو علامة لجمع الفاعل نحو: يعصرنَ السليطَ أقاربُهْ.
3 انظر المنصف 1: 133-135.
4 زيادة تقيد هذا الشرط، لئلَّا يلتبس الأمر في مثل: تِبيان وحُسَّان.
(1/171)

خاصَّةً لوجب القضاء بأصالة النون، إِذ لا بدَّ من الفاء والعين واللَّام. وذلك نحو: سِنان وعِنان وبَنان وقِران. وأمثال ذلك النونُ فيه أصليَّةٌ.
والآخَر: ألَّا تكون الكلمة من باب "جَنجان"، فإِنه ينبغي أن تجعل النون فيه أصليَّة. إذ لو كانت نونه زائدة لكانت الكلمة ثلاثيَّةً، ويكون فاؤها جيمًا ولامها جيمًا1، فيكون من باب سَلس وقلق، أعني مما فاؤه ولامه2 من جنس واحد. وذلك قليل جدًّا. وإِن جعلت النون أصليَّةً كانت من باب الرُّباعيِّ المضعَّف، نحو: صَلصَلتُ وقَلقَلتُ. وذلك باب واسع.
ومن الناس3 من اشترط أيضًا ألَّا يكونَ ما قبل الألف مضاعفًا، فيما قبلَ الألف فيه ثلاثة أحرف، نحو: مُرَّان4 ورُمَّان، لاحتمال أن تكون النون زائدة، وأن تكون أصليَّةً وأحدُ المضعَّفينِ زائدٌ، ويتساوى5 الأمران عنده، لكثرة زيادة الألف والنون في الآخر، وكثرة زيادة أحد المضعَّفين.
والصحيح أنه ينبغي أن تُجعل الألف والنون زائدتين، بدليل السماع، والقياس:
أمَّا القياس فأنَّ النون اختصَّتْ زيادتها في هذا الموضع، أو ثالثةً ساكنة، على ما يُبيَّنُ بعدُ، وأحد المضعَّفين6 زائد7 حيث كان. وما اختصَّتْ زيادتُه بموضع كان أولى بأن يُجعل زائدًا ممّا لم يَختصَّ؛ ألا ترى أنَّ الهمزة [25أ] في أَفعًى قضينا عليها بالزيادة وعلى الألف بالأصالة؛ لأنَّ الألف كثرت زيادتها في أماكن كثيرة، والهمزة لم تكثر زيادتها إِلَّا أوَّلًا خاصَّة؟ فكان المختصُّ يَشرَك غير المختصِّ، بكثرة8 زيادته في ذلك الموضع، ويزيد9 عليه بقوة الاختصاص.
وأمَّا السَّماعُ فقوله عليه السلام، للقوم الذين قالوا له: "نحنُ بَنُو غَيَّانَ"، فقال لهم، عليه السلام10: "بَل أنتُم بَنُو رَشْدانَ". ألا تراه, عليه السلام، كيف تَكرَّه لهم هذا الاسم لأنه جعله من الغيِّ، ولم يأخذه من الغَين. وهي السحاب؟ 11 فقد دلَّ هذا على أنه إِذا جاء مضاعف، في
__________
1 م: "جيم". وفي حاشية ف عن ابن جني: فيكون الأصل جنج، وهو من القليل.
2 م: مما لامه وفاؤه.
3 انظر المنصف 1: 134.
4 المران: شجر الرماح. م: رمان ومران.
5 م: وتساوى.
6 م: المضاعفة.
7 ف: يزاد.
8 م: لكثرة.
9 م: وزيد.
10 الخصائص 1: 250 والمنصف 1: 134. يريد أنهم أهل الرشد والهدى، لا أهل الغي والضلال.
11 سقط "ولم يأخذه ... السحاب" من م.
(1/172)

آخره ألف ونون مثل رُمَّان، أنه ينبغي أَن يُقضى عليه بزيادة الألف والنون، إِلَّا أن يقوم دليل على أنَّ النون أصليَّة، نحو1 مُرَّان. فإِن الخليل ذهب إِلى أنَّ نونه أصليَّة؛ لأنه مشتقٌّ من المَرانة التي هي اللِّين.
ومنهم من شَرطَ ألَّا يكون ما قبل الألف مضاعفًا، ممّا قبلَ الألف منه ثلاثةُ أحرف2، وألَّا يكون3 مع ذلك مضمومَ الأوَّل اسمًا لنباتٍ، نحو رُمَّان؛ لأنَّ مثل هذا عنده ينبغي أن تكون نونه أصليَّة، ويكون وزنه "فُعَّالًا"؛ لأنه قد كثُر في أسماء النَّبات "فُعَّالٌ"، نحو: حُمّاض وعُنّاب وقُثّاء فحَمَلَه على ما كثرَ فيه.
وهذا فاسد؛ لأنَّ زيادة الألف والنون في الآخر أكثرُ من مجيء اسم النبات على "فُعَّال"؛ ألا ترى أنَّ ما جاء من الأسماء –أعني4 أسماء النبات- على غير وزن "فُعَّال" لا ينضبط كثرةً, وإِن كان "فُعَّال" قد كثر واطّرد.
وذهب السيرافيُّ إِلى أنَّ النون إِذا أتت في الآخر، بعد ألف زائدة، فإِنه لا يخلو أن يكون جعلها أصليَّة يؤدِّي إِلى بناء غير موجود، أو إلى بناء موجود. فإن أدَّى إلى بناء غير موجود قُضي عليها بالزيادة، نحو: كَرَوان وزَعفَران؛ ألا ترى أنَّ النون فيهما لو كانت أصليَّة لكان وزن كَروان: "فَعَلالًا"، ووزن "زَعفَران": "فَعْلَلالًا"، وهما بناءان غير موجودين. وإن أدَّى ذلك إلى بناء موجود قُضي عليها5 بالأصالة، نحو: دِهقان6 وشَيطان؛ لأنَّ نون دِهقان إذا جُعلتْ أصليَّة كان وزنه "فِعْلالًا"، ونون شَيطان إذا كانت أصليَّة كان وزنه "فَيعالًا". وهما بناءان موجودان، نحو: شِملال وبَيطار7.
وهذا الذي ذهب إليه –من أصالة النون8 فيما يُؤدِّي جعلُ النون فيه أصليَّةً إلى بناء موجود –باطلٌ؛ لأنه جعل دليله على ذلك كون سيبويه قد جعل النون أصليَّة في دِهقان وشَيطان. ولم يفعل ذلك سيبويه، لِما ذكر من أنَّ جعل النون فيهما أصليَّةً يؤدِّي إلى بناء موجود، بل لقولهم: تَدَهقَنَ وتَشَيطَنَ؛ لأنه ليس في كلامهم "تَفَعْلَنَ". فدلَّ ذلك على أصالة النون. فأمَّا: تَدَهَّقَ
__________
1 ف: فأما.
2 سقط "مما قبل ... أحرف" من النسختين، وألحق بحاشية ف.
3 ف: "ويكون". وصوب في الحاشية عن نسخة الخفاف كما أثبتنا.
4 سقط "الاسماء أعني" من م.
5 م: على النون.
6 الدهقان: القويُّ على التصرف مع شدة وخبرة.
7 الشملال: السريعة الخفيفة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن الفينان الوافر الشعر من الفَنَن. وهو الغصن. فوزنه فَيعال.
8 سقط "من أصالة النون" من م.
(1/173)

وتَشَيَّطَ فليس في قوَّة تَدَهقَنَ وتَشَيطَنَ1؛ لأنَّ أبا عليٍّ2 قد دفعهما من طريق الرواية3.
فإذا جاءت النون بعد ألف زائدة، فيما لا تَعرف له اشتقاقًا4، بالشرطين المذكورين، فاقضِ بالزيادة حَملًا على الأكثر. وكذلك تَفعل إذا احتَملَتِ الكلمةُ اشتقاقين، تكون5 في أحدهما أصليَّة، وفي الآخر زائدة. فينبغي6 أن تحمله على الذي تكون فيه زائدة، حملًا على الأكثر، نحو: "دُكَّان"7. فإنه يحتمل أن يكون مشتقًّا من: دَكَنتُه أَدكُنُه دَكْنًا، إذا نَضَدتَ بعضَه فوق بعض، فتكون نونه أصليَّة. ويحتمل 8 أن يكون مشتقَّا9 من قولهم: أَكمةٌ دَكَّاءُ، إذا كانت مُنبسطة، وناقةٌ دَكَّاءُ إذا كان سنامها مفترِشًا في ظهرها، فتكون نونه زائدة. لكنَّ الذي ينبغي أن يُحمل عليه هذا الاشتقاقُ الآخر، لما ذكرناه من الحمل على الأكثر.
وأمَّا النون إذا وقعت ثالثة ساكنة، غير مُدغَمة10، في كلمة على خمسة أحرف، نحو: جَحَنفَل وعَبَنقَس11، وأمثال ذلك، فإنه ينبغي أن تَقضي عليها12 بالزيادة، وإن لم تعرف13 للكلمة اشتقاقًا ولا تصريفًا؛ لأنَّ كلَّ ما عُرف14 له اشتقاقٌ أو تصريف من ذلك وُجدت النون فيه زائدة، فيُحملُ15 ما لم يُعرف اشتقاقه على ما عُرف اشتقاقه.
فما عُرف اشتقاقه فوُجدت النون فيه زائدة: جَحَنفَل وجَرَنفَش16؛ لأنَّ الجحنفل: الكثير، والجحفل: الجيش الكثير. فهما بمعنى واحد. والجحنفل أيضًا: العظيم الجحفلة17. فهو
__________
1 ف: تشيطن وتدهقن.
2 ف: أباكا.
3 انظر المنصف 1: 135.
4 م: لا يعرف له اشتقاق.
5 م: يكون.
6 م: ينبغي.
7 انظر المنصف 1: 135.
8 م: ومحتمل.
9 وهذا قول الأخفش، رواه عنه الأشنانداني. المنصف 1: 135.
10 أراد بالمدغمة نحو: عجنّس. فالنون المدغمة مكررة من أصل. انظر ص175 و176. وسقط "غير مدغمة" من م.
11 العبنقس: السيئ الخلق.
12 م: عليهما.
13 م: وإن يعرف.
14 م: ما علم.
15 م: فحمل.
16 الجرنفش: الرجل الضخم، وهو في م بالسين، وفي ف بالسين والشين معًا.
17 الجحفلة: مشفر البعير. وفي حاشية ف عن الزبيدي أن الجحنفل هو العظيم الشفة. انظر ص35 من الاستدراك على سيبويه.
(1/174)

[25 ب] من لفظ الجحفلة1، فنونه زائدة. وقالوا: جُرافِش، في 2 "جَرَنفَش". ومثل ذلك كثير إِلَّا أني لم أُكثر من ذلك، لِما فيه من التَّطويل. فلمّا كان الأمر، فيما له اشتقاقٌ أو تصريف3، على ذلك حُمِل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف4 نحو: عَبَنْقَس, على ذلك، فقُضي على النون بالزيادة.
فإن5 كانت مدغمة فيما بعدها، نحو "عَجَنَّس"، لم يُقضَ عليها بالزيادة6 لأنه لم تكثر زيادتها فيما عرف له اشتقاق أو تصريف، إِلَّا إذا كانت غير مدغمة.
وزعم ابن جنِّي7 أنه إن جاء مثل "حَزَنْزَنٍ" أو "عَصَنْصَنٍ"8 فإنه تُجعل نونه مُحتمِلةً، فلا يُقضى عليها بالأصالة ولا بالزيادة، إِلَّا بدليل. وإِنَّما احتَمَلَ هذا النحوُ أن تكون النون فيه أصليَّة وزائدة؛ لأنك إذا جعلت النون أصليَّة كان من باب: صَمَحْمَح9 ودَمَكمَك10 وإن كانت زائدةً كان من باب: عَقَنْقَل11. وبابُ صَمَحْمح أكثر وأوسع12. فإزاء كون النون ساكنةً ثالثةً كونُ باب صَمَحْمَح أوسعَ من باب عَقَنقَل.
وهذا الذي ذهب إليه عندي فاسد. بل ينبغي أن يُقضى عليها بالزيادة؛ لأنَّ زيادة النون ثالثةً ساكنة لازمةٌ فيما عُرف له اشتقاق، فلا ينبغي أن يجعل بإزائه كونُ باب صَمَحْمَح أوسعَ من باب عَقَنْقَل؛ لأنَّ دليل اللزوم أقوى من دليل الكثرة13.
وإنما14 لزمت زيادتها إذا كانت على ما ذُكر، لشبهها بحرف المدِّ واللين، إذا وقع في هذا الموضع. فكما أنَّ حرف المدِّ واللين إذا وقع في اسم على خمسة أحرف ثالثًا مثل جُرافِس كان
__________
1 م: الجحفل.
2 زاد في ف "جمع"، ثم ضرب الناسخ عليها بالقلم.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن هذا مثل عقنقل من العقل، ودلنظى من الدلظ، وألندد من اللدد، وعفنجج من العفج.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان: "كغضنفر". وهذا فيه نظر؛ لأنه يقال: غضفر، إذا ثقل.
5 سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
6 يريد أنها مكررة من أصل. وأبو حيان يرى أن النونين زائدتان. الارتشاف 1: 101.
7 المنصف 1: 137.
8 م: "عصنصر". وفي المنصف: فدندن.
9 الصمحمح: الغليظ.
10 الدمكمك: الشديد القوي.
11 العقنقل: الكثيب العظيم المتداخل الرمل.
12 م: أوسع وأكثر.
13 في حاشية ف أن رد ابن عصفور فاسد؛ لأنَّ باب صمحمح لا يخالف اللزوم الذي ذكر، ولابن جني أن يجعل هذا مما يحتمل وروده على أوسع البابين لعدم الاشتقاق. بل القضاء بباب صمحمح أولى لكثرته.
14 سقط حتى قوله "أشبهت بها حرف العلة" من م، ومن نسخة الخفاف كما جاء في حاشية ف.
(1/175)

زائدًا، فكذلك ما كان بمنزلته. ولذلك حذفوا نون عَرَنقُصان1 تخفيفًا، فقالوا: عَرَقُصان، كما حذفوا الألف من عُلابِط2 وهُدابِد3 وأمثالهما، حين قالوا: عُلَبِط وهُدَبِد.
ووجه الشبه بينهما أنَّ في النون غُنَّةً في الخياشيم، كما أنَّ في حروف المدِّ واللين مدًّا، والغُنَّة والمدّ كلُّ واحد منهما فضلُ صوت في الحرف. ولذلك إذا جاءت النون ثالثة ساكنة، فيما هو على خمسة أحرف، إِلَّا أنها مدغمة نحو: عَجَنَّس4، لم تكن إِلَّا أصليَّة5؛ لأنها إذ ذاك تَشَبَّثُ بالحركة، والنون إذا تحرَّكت كانت من الفم وضعفت الغُنَّة فيها.
ولذلك لم تُزَد ثالثة ساكنة قبل حرف الحلق؛ لأنها إذ ذاك تكون من الفم وتضعف فيها الغُنَّة، فلا تشبه حرف العلَّة. ولو ورد في الكلام مثل "جَحَنْعَل" مثلًا لجُعلت النون فيه أصليَّة كما جُعلت في "عجنَّس" كذلك، لمفارقتها إذ ذاك الغُنَّة التي أشبهت بها حرف العلَّة.
فهذه جملة الأماكن التي يُقضى على النون فيها بالزيادة. وما عدا ذلك قُضي عليه بالأصالة، ولا يقضى عليه بالزيادة إِلَّا بدليل6:
فممّا زيدت فيه النون أوَّلًا لقيام الدليل على زيادتها: نَرْجِسٌ7, وزنه "نَفْعِلٌ". وإنَّما لم تكن نونه أصليَّة؛ لأنه ليس في كلامهم "فَعْلِل"8.
فإن قيل: وكذلك ليس في كلامهم "نَفْعِل". فالجواب أنه قد تَقدَّم أنَّ الحرف إذا كان جعله زائدًا يؤدِّي إلى بناء غير موجود، وكذلك9 جعله أصليًّا، قُضِيَ عليه بالزيادة، للدخول في الباب الأوسع؛ لأنَّ أبنية المزيد أكثرُ من أبنية الأصول.
وزعم ابن جنِّي أنَّ النون في نِبراس10 زائدة ووزنه "نِفْعال"، وجعله مشتقًّا من البِرْس وهو القطن؛ لأنَّ الفتيل يُتَّخذ في الغالب من القطن. وذلك اشتقاقٌ ضعيف جدًّا. بل لِقائل أن يقول: الغالب في الفتيل ألَّا يكون من القطن.
__________
1 العرنقصان: نبات.
2 العلابط: الضخم الغليظ.
3 الهدابد: اللبن الخاثر.
4 العجنس: الجمل الضخم الصلب الشديد ووزنه: فَعَلَّلٌ.
5 يريد أنها مكررة من نون أصليَّة
6 وهذا هو القسم الثاني الذي أشار إليه في مستهل الباب.
7 المنصف 1: 104. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن من ذلك نَهاوِش ونَهابر؛ لأنهما من الهوش والهبر.
8 كذا. وقد ذكر في الرباعيِّ المجرد بناء فَعْلِل ومثَّل له بطحربة. انظر ص54.
9 م: ولذلك.
10 النبراس: المصباح.
(1/176)

وكذلك قولهم1: نِفْرِجةُ القلب، وزنه عنده2 "نِفْعِلةٌ"؛ لأنَّ النِّفرِجة؛ الجبان الذي3 ليست له جلادة ولا حزم. واستدلَّ على ذلك بقول العرب: رَجُلٌ أَفرَجُ وفَرِجٌ4. إذا كان لا يكتم سِرًّا، فجعل نِفرِجة القلب مشتقًّا5 منه؛ لأنَّ إفشاء السِّرِّ من قِلَّة الحزم. وهذا الاشتقاق أيضًا ضعيفٌ؛ لأنَّ إفشاء السِّرِّ ليس بقلَّة حزم6، بل هو بعض صفات القليل الحزم. وأيضًا فإنَّ7 الأفرَج والفَرِج لا يراد بهما الجبان كما يراد بنفرجة القلب. فدلَّ ذلك على ضعف هذا الاشتقاق. فينبغي أن تجعل النون فيها أصليَّةً.
وزيدت ثانيةً في: قِنعاس8 وقِنفَخر9 وعَنبَس10 وعَنْسَل11 وعَنتَرِيس12 وخَنفَقِيق13 وكَنَهبُل14 وجُندب بضمِّ الدال وفتحها وعُنصَر وقُنْبَر وكِنْثأْو15 وحِنْطأْو16 وسِنْدأْو17 وقِنْدأْو18.
فأمَّا قِنعاس فنونه زائدة؛ لأنه من القَعْس، وقِنفَخر لأنه يقال في معناه [26أ] : قُفاخِرِيّ، وعَنبَس من العُبوس، وعَنسَل من العَسَلان، وعَنتَرِيس من العَتْرسة وهي الشِّدَّة، والخَنفَقِيق من الخَفْق.
وأمَّا كَنَهْبُل فنونه زائدة19؛ لأنها لو جعلت أصليَّةً لكان وزن الكلمة "فَعَلُّلًا". وهو بناء غير
__________
1 سقط من م.
2 م: عنده وزنه.
3 م: التي.
4 م: "وفروج" هنا وفيما يلي.
5 م: مشتقة.
6 م: "الحزم". وفي حاشية ف أن هذا المعنى كاف للدلالة على الاشتقاق، مع أنه روي تفرجة، وزيادة التاء تعني زيادة النون.
7 م: فإنه.
8 القنعاس: الضخم العظيم.
9 القنفخر: الفائق في نوعه.
10 العنبس: الأسد.
11 العنسل: الناقة السريعة.
12 العنتريس: الناقة الوثيقة الغليظة الصلبة.
13 الخنفقيق: السريعة الجريئة.
14 الكنهبل: شجر.
15 الكنثأو: الوافر اللحية. م: كنثاء.
16 الحنطأو: الوافر اللحية.
17 السندأو: الحديد الشديد.
18 القندأو: الغليظ القصير.
19 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون في كنهبل وهندلع زائدة، وإن أدى ذلك إلى بناء مهمل؛ لأنَّ أبنية المزيد أكثر من أبنية المجرد، وقد جاء منه نحو: خَنضرِف وشَفَنترَى وشَمَنصِير وسَلَنحفاء.
(1/177)

موجود في كلامهم.
وأمَّا1 جُندَب وعُنصَر وقُنبَر فيدلُّ على زيادة النون فيها أنك لو جعلتها أصليَّةًَ لكان وزن الكلمة "فُعْلَلًا". وهو نباء غير موجود في كلامهم. فأمَّا جُؤذَر2 فأعجميّ. وبُرقَع وجُخدَب3 مخفَّفان من بُرقُع وجُخدُب بالضمِّ. وأيضًا فإنَّ هذه النون قد لزمت هذا البناء، وهي حرف زيادة، فدلَّ ذلك على زيادتها، إذ لو كانت أصلًا لجاز أن يقع موقعَها غيرُها من الأصول.
وأيضًا فإنَّ ما جاء من هذا النحو, وعُلم له تصريف، وُجِدَتِ النونُ فيه زائدةً نحو: قُنبَر؛ لأنهم يقولون في معناه: قُبَّرٌ، فيحذفون النون. فيُحمَل4 ما جُهِل تصريفه على ما عُلِم. وأمَّا جِندب بكسر الجيم وجُندُب بضمِّ الجيم والدال5 فنونه زائدة؛ لأنه في معنى "جُندَب" المضموم الجيم. فينبغي أن تكون نونه زائدة كما هي في المضموم الجيم.
وأمَّا كِنْثأْوٌ6 وأَخواته فنونه زائدة، بدليل أنَّ هذه الأسماء فيها ثلاثةُ أحرفٍ من حروف الزيادة: النون والهمزة والواو. فقُضِي على الهمزة بالأصالة، لقلَّة زيادتها غيرَ أَوَّل. وقُضِي على الواو بالزيادة، لملازمتها المثال7.
فإن قيل: فإن الهمزة أيضًا قد لازمت المثال: فالجواب أنه لا يمكن أيضًا8 القضاء بزيادتها مع زيادة النون، لئلَّا يؤدِّي إلى بقاء الاسم على أقلِّ من ثلاثة أحرف، إذ الواو زائدة. فلمّا تعذّرت زيادتهما معًا قُضِي بزيادة النون؛ لأنَّ زيادة النون غيرَ أوَّلٍ أكثرُ من زيادة الهمزة.
فإن قيل: فهلَّا جَعلتَ الواو أصليَّة وقَضيتَ على النون والهمزة بالزيادة. فالجواب أنَّ القضاء على الواو بالزيادة أَولى من القضاء على الهمزة والنون بذلك؛ لأنَّ زيادة الواو أكثر من زيادة النون والهمزة9 غيرَ أوَّل.
__________
1 المنصف 1: 137-138. وفي حاشية ف عن ابن سيده أن النون مع الفتح زائدة عند سيبويه. الكتاب 2: 350 و401.
2 الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.
3 الجخدب: ضرب من الجنادب.
4 م: قالوا في معتله قبر فحذفوا النون فحمل.
5 سقط "وجندب بضم الجيم والدال" من م.
6 المنصف 1: 164-165.
7 المنصف: لملازمتها هذا الموضع من هذا المثال.
8 سقط من م.
9 ف: الهمزة والنون.
(1/178)

وممّا يدلُّ على زيادة النون في هذه الأسماء أنَّه قد تقرَّر في كِنْثأْو زيادةُ النون بالاشتقاق؛ لأنهم1 قد قالوا: كَثّأَتْ لحِيتُه، إذا كانت كنثأوًا، فحذفوا النون. قال الشاعر2:
وأنتَ امرُؤٌ, قَد كَثّأَتْ لَكَ لِحْيةٌ ... كأنَّكَ, مِنها, قاعِدٌ في جُوالِقِ
فينبغي أن يُحمل ما لم يُعلم له اشتقاق، من هذه الأسماء، على ما عُلِم له ذلك.
وأمَّا3 خِنزِيرٌ فنونه أصليَّة. وليس في قوله4:
لا تَفخَرُنَّ, فإِنَّ اللهَ أَنزَلَكُم ... خُزْرَ تَغلِبَ, دارَ الذُّلِّ والهُونِ
دليل على أنَّ النون زائدة؛ لأنَّ خُزْرًا ليس بجمع خِنزير، بل هو جمع أَخْزَر؛ لأنَّ كلَّ خِنزيرٍ عندهم أخزرُ، خلافًا لأحمدَ بن يحيى، فإنه يجعل خُزْرًا جمع خِنزير. وذلك فاسد؛ لأنه ليس قياس خِنزير أن يجمع على خُزْر. فمهما أمكن أن يُحمل على المطّرِد5 كان أولى.
وزيدت ثالثةً غيرَ ساكنة في نحو: فِرْناس وذُرْنُوح6. أمَّا ذُرنُوح فإنهم يقولون في معناه: ذُرُّوح فيحذفون النون. وأمَّا فِرناس الأسد فإنه مشتقٌّ من فَرَسَ يَفرِسُ؛ لأنَّ الافتراس من صفة الأسد7.
وزيدت رابعةً8 في: رَعْشَنٍ9 وعَلْجَنٍ وضَيفنٍ وخِلَفْنة10 وعِرَضْنة11 فأمَّا رَعْشَنٌ فمن الارتعاش. وعَلْجَنٌ من العِلْج –وهو الغليظ- لأنَّ العَلجَن: الناقة الغليظة. ورجلٌ خِلَفْنةٌ وذو خِلَفْنة12 أي: في أخلاقه خلاف13. وعِرَضْنة14 من التعرُّض.
__________
1 سقط من م حتى الشاهد، واستبدل به "لأنه للكث اللحية".
2 المنصف 1: 165 و3: 26 وشرح المفصل 6: 125 وشرح الملوكي ص148 واللسان والتاج "كثأ" والأمالي 2: 79. وهو في الإبدال 2: 55 برواية:
كأنكَ منها بينَ تَيسَينِ قاعدُ
3 ف: فأما.
4 التاج "خزر". والخزر: جمع أخزر. وهو الضيق العينين كالخنزير.
5 م: "فمهما أمكن حمله على المطرد". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون في حنظلة وسنبل زائدة لقولهم: حَظِلَ البعير وأسبل الزرع.
6 الذرنوح: دويبة. وقد أنكر في ص86 أن تكون النون في ذرنوح زائدة.
7 المنصف 1: 167.
8 المنصف: 1: 167-168.
9 الرعشن: الجبان الذي يرتعش.
10 م: خلقنّة.
11 العرضنة: الذي يعترض الناس بالباطل. م: عرضنّة.
12 م: ورجل خلقنة وذو خلقنّة.
13 م: "اختلاف". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون زائدة في سُحَفْنِية –وهو المحلوق الرأس- لأنه من السحف. وهو الحلق.
14 العرضنة: الذي يعترض الناس بالباطل. م: عرضنّة.
(1/179)

وأمَّا ضَيفَنٌ ففيه خلاف: منهم من جعل نونه زائدة1؛ لأنه الذي يجيء مع الضيف. فهو راجع إلى معنى الضيف. ومنهم من ذهب إلى أنَّ نونه أصليَّةٌ –وهو أبو زيد- وحكى من كلامهم: ضَفَنَ الرَّجلُ يَضفِنُ، إذا جاء ضيفًا مع الضيف. فضَيفنٌ على هذا المذهب "فَيْعَلٌ" وهذا الذي ذهب إليه أبو زيد أقوى. ويقوِّيه أيضًا2 أنَّ باب النون ألَّا تكون في مثل هذا إِلَّا أصليَّة. وأيضًا فإنَّ نونه إذا كانت زائدة كان وزنه "فَعْلَنًا"، و"فَيْعَلٌ" أكثرُ من "فَعْلَنٍ".
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أن هذا مذهب الخليل، واختار ابن مالك مذهب أبي زيد.
2 م: ويقوي أيضًا مذهب أبي زيد.
(1/180)

باب التاء:
التاء تنقسم قسمين1: قسمٌ يُحكم عليه بالأصالة، ولا يحكم [26 ب] عليه بالزِّيادة إِلَّا بدليل، وقسم يُحكم عليه بالزِّيادة أبدًا، ولا يكون أصلًا.
فالقسم2 الذي يحكم عليه بالزيادة:
التاء التي في أَوائل أَفعال المُطاوَعة3، نحو قولك: كسَّرتُه فتَكسَّرَ وقطَّعتُه فتَقطَّعَ ودَحرَجتُهُ فتَدحرَج.
والتاء في أول "تَفاعَلَ"، نحو: تَغافَلَ وتَجاهَل، وما تصرَّف من ذلك.
والتاء التي هي من حروف المُضارَعة، نحو: تَقُومُ وتَخرُجُ.
والتاء التي في "افتَعَلَ" و"استَفْعَلَ"، وما تصرَّف منهما.
والتاء التي للخطاب في نحو: أنتَ وأنتِ و4 أنتما وأنتم وأنتنّ.
وتاء التأنيث نحو: قامتْ وخَرَجَتْ، وقائمةٌ وخارِجةٌ، ورُبَّتَ وثُمَّتَ ولاتَ.
ومع "الآن"5، في نحو قوله6:
نَوِّلِي, قَبلَ نأيِ دارٍ, جُمانا ... وصِليِنا, كَما زَعَمتِ, تَلانا
__________
1 انظر سر الصناعة 1: 174-188 والكتاب 2: 347-349. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن سيبويه جعل تاء تربوت أصلًا وكذلك تاء تِنبال.
2 الكتاب 2: 349.
3 كذا. وفاته ذكر ما تصرف من هذه الأفعال.
4 م: وفي.
5 ف: وتلان.
6 البيت لجميل بثينة، وينسب إلى عمرو بن أحمر. ديوان جميل ص229 وسر الصناعة 1: 185 والإنصاف ص110 والخزانة 2: 149 واللسان "حين" و"تلن" والتاج "تلن" والمزهر 1: 237.
(1/181)

أراد: الآنَ1. وحكى أبو زيد أنه سمع مَن يقول: حَسبُكَ تَلانَ، يريد: حسبُكَ الآنَ. [فزادَ التاء] 2.
ومع الحين، في أحد القولين، في نحو قوله3:
العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ... والمُسبِغُونَ نَدًى إِذا ما أَنعَمُوا
جميع هذا يُحكم على التاء فيه بالزيادة، ولا يُحتاج في ذلك إلى دليل، لوضوح كونها زائدةً فيه.
وأمَّا القسم الذي يُحكم عليه بالأصالة، ولا يكون زائدًا إِلَّا بدليل، فما عدا ذلك. وإنما قضينا على التاء بالأصالة، فيما عدا ذلك، لكثرة تَبيُّن أصالة التاء فيما يُعرف له اشتقاق أو تصريف4، نحو: تَوءَم –فإنَّ تاءه أصليَّة؛ لأنك تقول في الجمع: تُؤامٌ. وتُؤامٌ: "فُعالٌ" فتاؤه أصل – وأمثالِ ذلك. ويقلُّ وجودُها زائدةً فيما عُرف له اشتقاق أو تصريف. فلمّا كان كذلك حُمل ما جُهل أصله على الكثير، فقُضي على تائه بالأصالة.
فممّا جاءت فيه التاء زائدة أوَّلًا: تألَبٌ وتُرتَبٌ5 وتُدْرأٌ6 وتِجفافٌ7 وتَعضُوض8 وتِمثالٌ وتِبيانٌ وتِلقاءٌ وتِضرابٌ9 وتِهواءٌ10 من الليل وتِمساحٌ للكذَّاب وتِمْرادٌ لبيت الحمام ورَجل تِقوالةٌ.
فالدليل11، على زيادتها في تَأْلَب اسم الحِمار، أنه12 مأخوذٌ من [قولك] 13: أَلَبَ الحِمارُ أُتُنَه يألِبُها، إذا طردها. وكذلك14 تُرتَبٌ: "تُفْعَلٌ" مِن الشيء الرَّاتب. وتُدرأٌ15 من:
__________
1 قال صاحب التاج "تلن": قال شيخنا رحمه الله تعالى: وجزم ابن عصفور رحمه الله في الممتع بزيادة التاء.
2 من م.
3 البيت لأبي وجزة السعدي. الخزانة 2: 147-150 وسر الصناعة 1: 180 والإنصاف ص108 والصحاح واللسان والتاج "حين" ورواه السيرافي: "العاطفونة حين".
4 المنصف 1: 102-103. وغفل عن نحو: اتمهلَّ واتمأرَّ واتمألَّ.
5 الترتب: الشيء الراتب الثابت.
6 التدرأ: الدرء والدفع. ف: وتدرأ وترتب.
7 التجفاف: ما جلل الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح.
8 التعضوض: تمر أسود.
9 التضراب: الناقة التي ضربها الفحل.
10 التهواء: القطعة.
11 المنصف 1: 103-104.
12 م: فإنه.
13 من م.
14 الكتاب 2: 348 والمنصف 1: 103-104.
15 م: تدر.
(1/182)

دَرأتُ، أي: دَفَعتُ. وأيضًا فإِنه لا يمكن جعل التاء في تُرتبٍ وتُدرأ أصلًا؛ لأنه ليس في كلامهم "فُعْلَلٌ".
وكذلك تَتْفُلٌ1 تاؤه زائدة؛ لأنها لو كانت أصليَّة لكان وزن الكلمة "فَعْلُلًا". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. ومن قال: تُتْفُلٌ، بضمِّ التاء فهي عنده أيضًا زائدة، لثبوت زيادتها في لغة مَن فَتَحَ التاء.
وكذلك2 تِجفاف وتَعضُوض وتِبيان وتِلقاء وتِمساح وتِقوالة وناقة تِضراب، هي3 مشتقَّة من: الجُفُوف والعَضِّ والبَيان واللّقاء والمَسحِ والضِّراب والقَول. وتِمرادٌ4؛ لأنه من ماردٍ أي: طويل. ومنه: قَصرٌ ماردٌ. وتِهواءٌ من الليل من قولهم: مَرَّ هَوِيٌّ5 من الليل.
وكذلك التاء في تِنبال زائدة؛ لأنَّ التِّنبال هو القصير، والنَّبَلُ هم القِصار، فيكون التِّنبال6 منه. وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل اللغة7.
وزيدت آخِرًا8 في سَنبَتة، بدليل قولهم: مَرَّتْ عليه9 سَنبةٌ من الدهر، بمعنى سَنبتة أي: قِطعة –فيحذفون التاء- وفي رَغَبُوت ورَهَبُوت وطاغُوت10 ورَحَمُوت ومَلَكُوت وجَبَرُوت؛ لأنها بمعنى الرغبة والرهبة والرحمة والمُلك والتجبُّر والطُّغيان. [وقد] 11 قالوا: رَغَبُوتَى ورَهَبُوتَى ورَحَمُوتَى12، والتاء فيها أيضًا13 زائدة.
__________
1 التتفل: ولد الثعلب. وانظر 6أ.
2 الكتاب 2: 348.
3 ف: فهي.
4 التمراد: بيت الحمام.
5 الهوي: الهزيع.
6 م: التبيان.
7 قال صاحب التاج "نبل": "ذهب ثعلب إلى أنه من النبل. وبه صرح الشيخ أبو حيان وجزم ابن هشام في شرح الكعبية والسهيلي في الروض، وأقره البغدادي شيخ مشايخنا في الحاشية التي وضعها على شرح ابن هشام المذكور، وهي عندي. وجعله سيبويه رباعيًّا".
8 الكتاب 2: 348 والمنصف 1: 139. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن سنبتة تحتمل كونها من السبت وهي المدّة؛ لأنَّ فعلتة لا نظير لها وفنعلة معروفة في حنظلة.
9 م: عليهم.
10 م: "وطاغوت ورهبوت". وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن سيبويه جعل التاء الأولى من تربوت أصلية لمناسبة التراب –وهذا لا يكفي لكنه يقوى بكثرة بناء فَعَلوت–وجعل زون سُبْروت هو فعلول. فكأنه ناقض نفسه لاحتمال أن يكون من السبر. وغير سيبويه يرى تاء تربوت بدلًا من دال دربوت.
11 من م.
12 م: رغبوتي ورهبوتي ورحموتي.
13 ف: والتاء أيضًا فيها.
(1/183)

فأمَّا الثَّلَبُوت1 من قول لبيد2:
بأحِزَّةٍ الثَّلَبُوتِ, يَربأ فَوقَها ... قَفْرَ المَراقِبِ, خَوفُها آرامُها
فالتاء فيه أصل. وأجاز ابن جنِّي أن تكون التاء زائدة، حملًا على جَبَرُوت وأَخواته. قال: وليس ذلك بالقويِّ3. والصحيح أنه لا يَسوغ جعلُ التاء فيه زائدةً، لقِلَّة ما زيدت فيه التاء, ممّا هو على وزنه، إذ لا يُحفظ منه إِلَّا سِتَّةُ الألفاظ المذكورة4.
وكذلك هي في عَنكَبُوت زائدة. واستدلَّ على ذلك سيبويه5، بقولهم في جمعه: عَناكِب. ووجه الدليل من ذلك أنهم كَسَّرُوا عنكبوتًا من غير استكراه. أعني: من غير أن يُكلَّفوا ذلك6.
ولو كانت التاء أصليَّة لكان من بنات الخمسة. وهم لا يكسّرون بنات الخمسة إِلَّا بعد استكراه. فدلَّ ذلك على أنه ليس من بنات الخمسة، وأنَّ تاءه زائدة. وأيضًا فإنهم يقولون في معناه7. العَنكباء. وذلك قاطع [27أ] بزيادة التاء.
وفي8 عِفرِيت وغِزوِيت9. أمَّا غِزوِيت فالدليل على زيادة تائه أنك لا تخلو من أن تجعل التاء والواو أصليَّتين. أو تجعل التاء أصليَّة والواو زائدة10 أو العكس. فجعلهما أصليَّتين11 يؤدِّي إلى كون الواو أصلًا12، في بنات الأربعة [من غير المضعَّفات] 13. وذلك فاسد. وجعل الواوِ زائدةً14 والتاءِ أصليَّة يؤدِّي إلى بناء غير موجود. وهو "فِعوِيل". فلم يبق إِلَّا أن تكون تاؤه زائدة وواوه أصليَّة. وأمَّا عِفريت فتاؤه زائدة، بدليل قولهم في معناه: عِفرِيةٌ.
__________
1 م: التلبوت.
2 من معلقته. ديوانه ص305. والأحزة: جمع حزيز. وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ. وفي حاشية ف عن الجوهري: "الثلبوت اسم واد بين طيئ وذبيان": الصحاح "ثلب" ويربأ: يعلو. والمراقب: جمع مرقب. وهو المرتفع. وخوفها أي: خوف الأتن. والآرام: الأعلام. يصف حمار وحش مع أتنه.
3 المنصف 1: 139.
4 كذا. وقيل: بَرَهُوت.
5 الكتاب 2: 348 والمنصف 1: 139.
6 سقط من م.
7 زاد في المنصف: العنكب.
8 في حاشية ف بخط أبي حيان: "سقط من هنا إلى قوله: "وزيدت أيضًا في أول الكلمة"، في نسخة الخفاف".
9 الغزويت: الداهية. وهو العزويت أيضًا. انظر المنصف 1: 169 و3: 28.
10 م: زائد.
11 م: أصليين.
12 م: الواو والتاء.
13 من م.
14 سقط من م.
(1/184)

وزيدت أيضًا في أوَّل الكلمة وآخِرها في1 تَرنَمُوتٍ، ووزنه "تَفْعَلُوتٌ". وهو: صوتُ ترنُّمِ القوسِ عند الإِنباض. قال الراجز2:
تَجاوَبَ القَوسِ بِتَرنَمُوتِها
أي: بِتَرنُّمِها.
__________
1 الكتاب 2: 348 والمنصف 1: 139.
2 سر الصناعة 1: 157 والمنصف 1: 139 وشرح الملوكي ص197 وشرح المفصل 9: 158 وشرح شواهد الشافية ص283 والصحاح واللسان والتاج "رنم".
(1/185)

باب الألف:
الألف لا تكون أبدًا أصلًا1. بل تكون زائدة، أو منقلبةًً عن ياء أو واو –فمثال الزائدة ألف ضارِبٍ لأنه من الضَّرْب. ومثال المنقلبة عن الياء ألف "رَمَى" لأنه من الرَّمْي. ومثال المنقلبة عن الواو ألف "غَزا" لأنه من الغَزْو – إِلَّا فيما لا يدخله التصريف، نحو الحروف، والأسماء المتوغلة في البناء، فإنه ينبغي أن يُقضى على الألف فيه بأنها أصليَّة. إذ لا دليل على جعلها زائدة، ولا يُعلم لها أصلٌ في الياء ولا في الواو، فيُقضى على الألف بأنها منقلبة عن ذلك الأصل. وممّا يُبيِّن ذلك وجودُ "ما" و"لا" وأمثالهما في كلامهم. وقد تَقدَّم تَبيِينُ ذلك2.
والألف لا تخلو3 أن يكون معها حرفان أو أزيد. فإِن كان معها حرفان قَضيتَ4 عليها بأنها منقلبة من أصل، إذ لا بدَّ من الفاء والعين واللَّام، ونحو: رَمَى وغَزا.
وإن كان معها أزيدُ فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوعٌ بأصالتها، فصاعدًا، أو حرفانِ مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، أو محتَمِلٌ أن يكون أصلًا وأن يكون زائدًا.
فإن كان معها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، كانت الألف منقلبة عن أصل، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف أصول، كما تقدَّم. وذلك نحو: أَرطًى5، في لغة من يقول: أَدِيمٌ مَرْطِيٌّ؛ ألَا ترى أنَّ قوله مَرْطِيٌّ يقضي بزيادة الهمزة؟ وإذا ثَبَتَتْ زيادتها ثَبَتَ كون الألف منقلبةً عن أصل.
__________
1 المنصف 1: 118 والكتاب 2: 344-346. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن الألف تكون أصلًا في الحروف نحو بلى، مع ذكر مواضع زيادتها في الأسماء والأفعال.
2 انظر: ص35-36.
3 م: لا يخلو.
4 في النسختين: قطعت.
5 الأرطى: شجر يدبغ به.
(1/186)

وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون ميمًا أو همزة في أوَّل الكلمة، أو نونًا ثالثة ساكنة فيما هو على خمسة أحرف، أو غيرَ ذلك من الزوائد.
فإن كان ميمًا أو همزة [أولًا] 1، أو نونًا ثالثة ساكنة، قَضيتَ على الألف بأنها منقلبةٌ من أصل، وعلى الميم أو الهمزة أو النون بالزيادة. وذلك نحو: أَفعًى ومُوسًى، ونحو عَقَنقًى إن ورد في كلامهم، إِلَّا أن يقوم دليل على أصالتها2 وزيادة الألف، وذلك قليل لا يحفظ منه إِلَّا أَرطًى، في لغة من قال: أدِيمٌ3 مأروطٌ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء قضَيتم بزيادة الميم والهمزة والنون، وقضيم على الألف أنها منقلبة عن أصل؟ فالجواب أنَّ الذي حَمل على ذلك أشياءُ.
منها أنَّ ما عُرِف له اشتقاق، من ذلك, وُجد الأمر فيه على ما ذكرنا من زيادة الميم والهمزة والنون، نحو: أَعمَى وأَعشَى ومَلهًى ومَغزًى4.
ومنها أنَّ الميم والهمزة5 والنون قد سبقت، فقُضِي عليها بالزيادة لسَبقها إلى موضع الزيادة. فلمّا قُضي عليها بالزيادة وَجب القضاء على الألف بانقلابها عن أصل.
ومنها أنَّ الميم والهمزة والنون قد ساوت الألفَ، في كثرة الزيادة، وفَضَلَتْها بقوَّة الاختصاص؛ ألا ترى أنَّ الميم والهمزة قد كثرت زيادتهما أوَّلًا6، كما كثرت زيادة الألف، واختصَّتا7 بالزيادة أوَّلًا، وليست الألف كذلك، وأنَّ النون كثرت زيادتها، ثالثةً ساكنة، فيما هو على خمسة أحرف، وبعد الألف الزائدة قبل آخر الكلمة8، بالشرطين المتقدِّمين في فصل9 النون، واختصَّت بالزيادة في هذين الموضعين، وليست الألف كذلك؟
وإن كان غيرَ ذلك من الزوائد قَضيتَ على الألف بالزيادة, وعلى ما عداها بالأصالة، إِلَّا ما
__________
1 سقط من النسختين.
2 م: أصالتهما.
3 سقط من م.
4 م: معزى.
5 ف: أن الهمزة والميم.
6 م: أولين.
7 ف: اختصا.
8 سقطت بقية الفقرة من م.
9 كذا. والصواب: باب.
(1/187)

شذَّ1، نحو: عُزَّى2، إِلَّا أن يقوم دليل على أنَّ الألف منقلبة عن [27 ب] أصل. وذلك نحو: قَطَوطًى3 وشَجَوجًى4 وذَلَولًى5. الألف في جميع ذلك أصل6.
وذلك أنَّ الألف لو جُعلت زائدة لم تخلُ الواو من أن تكون أصلًا أو زائدة. فلو جعلتها زائدة لكان وزنها7 "فَعَولًى". وذلك8 بناء غير موجود. ولو جعلتَ الواو أصليَّة لم تخل من أن9 تجعل المُضعَّفين أصلين، أو أحدَهما أصلًا والآخَرَ زائدًا. فلو جعلتهما أصلين لم يجز؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى جعل الواو أصلًا، في بنات الأربعة، وذلك لا يجوز إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ10 وقَوقَيتُ11، على ما يُبيَّنُ بعدُ، إن شاء الله. ولو جعلتَ أحدَهما أصلًا والآخَرَ زائدًا لكان وزنها "فَعَلعًى". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. فثَبَتَ أنَّ الألف بدلٌ من أصل.
وإذا ثَبَتَ ذلك احتملت هذه الأسماء أن تكون الواو فيها زائدة. من غير لفظ اللَّام، وأن تكون من لفظ اللَّام. فإن كانت من غير لفظ اللَّام كان وزن هذه الأسماء "فَعَوعَلًا" نحو: عَثَوثَلٍ12 وغَدَودَنٍ13 وإن كانت من لفظ اللَّام كان وزنها "فَعَلْعَلًا" نحو: صَمَحْمَحٍ14 ودَمَكْمَكٍ15. وحملها على أن تكون من باب صَمَحْمَحٍ أولى؛ لأنه أوسع من باب عَثَوثَل. وهو الظاهر من كلام سيبويه، أعني أنها تحتمل ضربين16 من الوزن، وباب صمحمح أولى بها.
__________
1 سقط "إِلَّا ما شذ" من م.
2 العزى: اسم صنم. وهو مما لم يشذ لأنه من العزة. ف: معزى.
3 القطوطى: المتبختر.
4 الشجوجى: المفرط في الطول.
5 الذلولى: المسرع المستخفي.
6 الكتاب 2: 345. والمراد أن الألف غير زائدة؛ لأنها منقلبة عن أصل. وهو الواو التي قلبت ياء ثم ألفًا.
7 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القوطية: فَعَولَى عَدَولَى. قرية بالبحرين، وناقة شَطَوطَى: عظيمة الشطِّ أي السنام.
8 ف: وهو.
9 ف: لم يخل أن.
10 ضوضيت: من الضوضاء والجلبة.
11 قوقيت: من قوقت الدجاجة إذا صاحت.
12 العثوثل: الشيخ الثقيل.
13 الغدودن: المسترخي.
14 الصمحمح: الشديد القوي.
15 الدمكمك: الشديد.
16 وزعم الرضي أن المبرد هو الذي جعلها من باب "فعلعل"، وأنَّ سيبويه جعلها من باب "فعوعل" فقط. انظر الكتاب 2: 329 و345-346 وشرح الشافية 1: 253.
(1/188)

وأمَّا مَن زعم أنَّ قَطَوطًى وذَلَولًى1 لا يكون وزنهما إِلَّا "فَعَوعَل"2، واستدلَّ على ذلك بأنَّ اقطَوطَى واذلَولَى وزنُهما "افعَوعَلَ"، وزعم أنَّ سيبويه لو حفظ3 "اقطَوطَى" لم يُجِزْ في قَطَوطًى إِلَّا أن يكون "فَعَوعَلًا"، فلا يُلتفَتُ إليه، إذ ليس قَطَوطًى باسم جارٍ على "اقطَوطَى"، فيلزمَ أن تكون الواو الزائدة فيه من غير لفظ اللَّام، كما هي في اقطَوطَى.
بل لا يلزم، من كونهم قد اشتقُّوا "اقطَوطَى"، من لفظ قَطَوطًى، أكثرُ من أن تكون أصولُهما واحدةً. وذلك موجود فيهما؛ لأنَّ قَطَوطًى إذا كان وزنُه "فَعَلعَلًا" كانت إحدى العينين وإحدى اللَّامين زائدتين، فتكون حروفه الأصول: القاف والطاء والواو. وكذلك "اقطوطَى" الواو وإحدى الطائين زائدتان، وحروفه الأصول: القاف والطاء والواو التي انقلبت ألفًا. والدليل على أنَّ حروفه الأصول ما ذكرنا قولهم: قَطَوانٌ، في معناه.
وإنْ كان مع الألف ثلاثةُ أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا قُضي على الألف أنها زائدة، إِلَّا في مضاعف بنات الأربعة فإنَّ الألف يُقضى عليها بالأصالة؛ لأنَّ الألف لا تكون أصلًا في بنات الأربعة4 كما ذكرنا، إِلَّا منقلبة عن ياء أو واو، والياء والواو لا يكونان أصلين في بنات الخمسة إِلَّا فيما شَذَّ ممَّا يُبيَّنُ5 في بابه، ولا في بنات الأربعة إِلَّا في المضاعف نحو: قَوقَى6 وضَوضَى7.
فإن قيل: وما الديل على أنَّ الألف ليس زائدة8 في: ضَوضَى وقَوقَى؟ فالجواب9 أنَّ جَعل الألف زائدة يؤدِّي إلى الدخول في باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل. وأيضًا فإنهم قد قالوا:
__________
1 م: دولى.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان: "هو قول ش، وأباه ح. وقد أباه أيضًا فا في الشيرازيات، وإن كان قد قال في الإيضاح بالوجهين". والمراد بالحرف "ش" هو أبو علي الشلوبين. وبالحرفين "فا" أبو علي الفارسي. وكان السيرافي قد سبق الشلوبين في قوله. الارتشاف 1: 98.
3 قال الرضي: "قال سيبويه: جاء منه اقطوطى إذا أبطأ في مشيه". شرح الشافية 1: 253. قلت: ولم أقف على ما نسبه الرضي إلى سيبويه في كتابه. انظر الكتاب 2: 241-242 و329 و345. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن سيبويه أجاز أن يكون قطوطى فعلعلًا وفعوعلًا. وأمَّا اقطوطى فهو افعوعل، وليس في كلام العرب افعلعل، فالمادة واحدة والمعنى واحد والحكم مختلف.
4 سقط "في بنات الأربعة" من م.
5 ف: مما يتبين.
6 قوقت الدجاجة: صاحت.
7 ضوضى: من الضوضاء والجلبة.
8 ف: بزائدة.
9 المنصف 1: 168-172.
(1/189)

ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ1 كقَلقال وصَلصال. ولا نحفظ2 في بنات الثلاثة اسمًا على "فَعْلاء" نحو "سَلقاءٍ" و"ضَرباءٍ"3 منوّنًا. فدلَّ مجيء ضَوضاءٍ وغَوغاءٍ على أنَّ "ضَوضَى"4 و"قَوقَى" من بنات الأربعة كـ"صَلصَلَ"5، و"قَلقَلَ"6.
__________
1 الغوغاء من "غوغيت" ولم يذكره بعد، وإنما يمثِّل لـ"قوقى"، فكان عليه أن يذكر هنا قوقاء.
2 كذا. وانظر ص373. ف: ولا يُحفظ.
3 م: صرباء.
4 ف: ضوضيت.
5 م: صلصال.
6 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
(1/190)

باب الياء:
الياء1 أيضًا لا تخلو من أن يكون معها حرفان أو أزيدَ. فإن كان معها حرفان كانت أصلًا، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف، نحو: ظَبْيٍ ورَمْيٍ. وإن كان معها أزيدُ من حرفين فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها، فصاعدًا، أو حرفان مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوع بزيادته، أو محتملٌ أن يكون أصلًَا وأن يكون زائدًا.
فإن كان معها حرفان مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوع بزيادته فالياء أصل، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف أصول2، نحو: ياسِرٍ ويافِعٍ، من اليُسرِ ومن يَفَعة.
وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن تكون الميم أوّلًا أو الهمزة، أو غير ذلك من الحروف الزوائد. فإن كان الميم أو الهمزة [أوّلًا] 3 قَضيتَ على الياء بالأصالة، وعلى الميم والهمزة بالزيادة، كما فعلت بهما إذا اجتمعا مع الألف. والسبب في ذلك ما قدَّمناه في فصل4 الألف. وذلك نحو: أَيدَع5 ومِيراث. ولا يُحكم على [28أ] الهمزة ولا على الميم بالأصالة، ويُحكم 6 على الياء بالزيادة، إِلَّا أن يقوم دليل على ذلك نحو: أَيصَرٍ7. وقد تَقدَّم الدليل على أصالة همزته في فصل8 الهمزة.
وإن9 كان غير ذلك من الزوائد قضيتَ على الياء بالزيادة، وعلى ما عداها بالأصالة، نحو:
__________
1 الكتاب 1: 346-347. وفي حاشية ف بخط أبي حيان مواضع زيادة الياء عن ابن القطاع في الاسم والفعل.
2 سقط من م.
3 تتمة يقتضيها السياق.
4 كذا. والصواب: باب.
5 الأيدع: صبغ أحمر.
6 سقط من م.
7 الأيصر: الحشيش.
8 كذا. والصواب: باب.
9 سقط حتى "يأجج" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
(1/191)

يَرْمَعٍ1، إِلَّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك، نحو: ضَهْيأ ويأجَج2.
وإن كان معها ثلاثة أحرف فصاعدًا مقطوعًا بأصالتها قُضي عليها بالزيادة؛ لأنَّ الياء لا تكون أصلًا في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة، إِلَّا أن يشِذَّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه، أو في مضاعف بنات الأربعة، نحو حَيحَى3.
والدليل، على أنَّ الياء في "حَيحَى" أصليَّة، أنك لو جعلتها زائدة لكان "حَيحَى" من باب دَدَنٍ. وذلك قليل جدًّا. فجعلنا الياء أصليَّة، إذ قد قام الدليل على أنَّ الواو والياء4 يكونان أصلين5 في مضاعفات بنات الأربعة، نحو: ضَوضَيتُ وقَوقَى6.
والذي شَذَّ من غير المضاعف، فجاءت الياء فيه أصليَّة، نحو7: يَستَعُور8. وذلك أنَّ السين والتاء9 أصلان، إذ ليست السين في موضع زيادتها، ولم يقم دليل على زيادة التاء. فلو جعلنا10 الياء زائدة لأدَّى ذلك إلى شيئين: أحدهما أن يكون وزن الكلمة "يَفْعَلُول"11. وذلك بناء غير موجود. والآخَر لحَاق بنات الأربعة الزيادةُ من أوَّلها، في غير الأسماء الجارية على الأفعال. وذلك غير موجود في كلامهم12. فلمَّا كان جعلها زائدة يؤدِّي إلى ما ذُكِرَ جعلناها أصلًا.
فإن قيل: فإنَّ في جعلها أصلًا أيضًا خروجًا عما استقرَّ في الياء، من كونها لا تكون أصلًَا في بنات الأربعة فصاعدًا إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ13. فالجواب أنه لمَّا كان جعلُها زائدةً يؤدِّي إلى الخروج عما استقرَّ، من أن الزيادة لا تلحق بنات ألاربعة فصاعدًا من أوَّلها، وجعلُها أصليَّةً يؤدِّي [أيضًا] 14 إلى الخروج عمَّا استقرَّ للياء، من أنها لا تكون أصلًا في بنات الأربعة15 إِلَّا في
__________
1 اليرمع: حصى بيض تلمع.
2 يأجج: اسم موضع.
3 حيحيت: بالغنم: صوَّتُّ. وهو أصل حاحيت.
4 ف: الياء والواو.
5 م: أصليين.
6 م: وقوقيت.
7 سقط من م.
8 اليستعور: شجر. وانظر المنصف 1: 145.
9 م: والياء.
10 م: جعلت.
11 م: يفعلون.
12 سقط "وذلك غير موجود في كلامهم" من م.
13 كذا. والصواب "حيحيت". وكذلك ما يلي في أول ص193.
14 من م.
15 سقط "في بنات الأربعة" من م.
(1/192)

باب: ضَوضَيتُ، كان الذي يؤدِّي إلى الأصالة1 أولى.
وأيضًا فإنَّ الياء قد تكون أصلًا في مضاعف بنات الأربعة، ولا تلحق بناتِ الأربعة فصاعدًا الزيادةُ من أوَّلها، في موضع من المواضع. وأيضًا فجعلها أصلًا يؤدِّي إلى بناء موجود –وهو "فَعْلَلُول"2 نحو: عَضرَفُوط3- وجعلها زائدة يؤدِّي إلى بناء غير موجود. وهو "يَفْعَلُول".
وزعم أبو الحسن أيضًا أنَّ الياء في شِيراز4 أصل، وهي بدلٌ من واوٍ، بدليل قولهم في الجمع: شَوارِيز.
فإن قيل: وما الذي حمله على جعلها أصليَّةً؟ فالجواب أنَّ الذي حمله على ذلك أنه إن جعل الواو، التي الياءُ5 بدلٌ منها، أصلًا أدَّى ذلك على بناء موجود. وهو "فِعْلال" نحو: سِرداحٍ6. وإن جعلها زائدة أدَّى ذلك إلى بناء غير موجود. وهو "فِوْعال". فحملَها على ما يؤدِّي إلى بناء موجود.
فإن قيل: وفي جعلها أصليَّة خروج أيضًا عن المعهود فيها. فالجواب أنه لمَّا كان الوجهان كلاهما يُفضيان إلى الخروج عن المعهود كان ما يُفضي إلى الأصالة أولى؛ لأنه مهما قُدِر على أن يُجعل الحرف أصلًا لم يُجعل زائدًا. وأيضًا فإنه لم يثبتْ7 زيادة الواو في أوَّل أحوالها ساكنة بعد كسرة. فلذلك كان الأولى عنده أن تكون أصليَّة.
__________
1 م: الأصل.
2 م: فعلول.
3 العضرفوط: ذكر العظاء. م: عرفوط.
4 الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه.
5 ف: إن جعل الياء التي الواو.
6 السرداح: الناقة الكريمة.
7 م: لم تثبت.
(1/193)

باب الواو:
الواو1 أيضًا لا يخلو أن يكون معها حرفان أو أَزيدُ. فإن كان معها حرفان كانت أصلًا، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف. وإن كان معها أزيدُ فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها، فصاعدًا –أي2: أزيدَ- أو حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته أو محتمل للأصالة والزيادة.
فإن كان معها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، كانت الواو أصلًا، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف، نحو: واقِدٍ وواعِدٍ.
وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون3 الميم أو الهمزة أوَّلًا، أو غير ذلك من حروف الزيادة4. فإن كان الميم أو الهمزة [أوّلًا] 5 قَضيتَ عليها بالزيادة وعلى الواو بالأصالة، لِما ذكرناه في فصل6 الألف، وإن لم يُعلم الاشتقاق نحو: الأَوتَكَى. وهو ضرب من التمر. إِلَّا أن يقوم دليل على أصالة الهمزة، من اشتقاق أو تصريف أو غير ذلك كأَولَقٍ، فتَجعل الواو إذ ذاك [28 ب] زائدة.
وإن كان غير ذلك من حروف الزيادة قَضيتَ على الواو بالزيادة، وعلى ذلك الغير7 بالأصالة. إِلَّا أن يقوم دليل على أصالة الواو، نحو: غِزْوِيتٍ8. فإنَّ واوه أصليَّة وتاءَه زائدة،
__________
1 الكتاب 2: 347. وفي حاشية ف بخط أبي حيان مواضع زيادة الواو في الاسم والفعل عن ابن القطاع.
2 في النسختين: أو.
3 م: تكون.
4 ف: من الحروف الزوائد.
5 تتمة يقتضيها السياق.
6 كذا. والصواب: باب.
7 الغير: المغاير. ولا بأس في تحلية "غير" بـ"أل" في مثل هذا المعنى؛ لأنها غير مضافة. بل يجوز أيضًا ذلك فيها مع الإضافة إلى نكرة، فتكون أل اسمية موصولة حذف صدر صلتها. انظر شرح قواعد الإعراب ص95 و211.
8 الغزويت: الداهية.
(1/194)

لِما ذُكر في فصل1 التاء.
وإن كان معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا قَضيتَ على الواو بالزيادة؛ لأنَّ الواو لا تكون أصلًا في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة2 إِلَّا في المضعَّف3، نحو: قَوقَيتُ وضَوضَيتُ، فإنَّ الواو فيه أصل. وقد تَقَدَّم الدليل على ذلك، بقول4 العرب: ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ، في فصل5 الألف. ولا تُجعل أصليَّةً، فيما عدا باب ضَوضَيتُ، إِلَّا أن يقوم على ذلك دليل، فيكون شاذًّا نحو وَرَنتَلٍ6. فإنَّ الواو فيه أصليَّة ووزن الكلمة "فَعَنْلَلٌ"7، ولا تُجعل زائدةً؛ لأنَّ الواو لا تُزادُ أوَّلًا أصلًا.
فإن قيل: وفي جعلها أيضًا أصلًا خروجٌ عمَّا استقرَّ لها، من أنها لا تكون أصلًا إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ. فالجواب أنه قد تَقَدَّمَ أنه متى كان في الكلمة وجهان شاذَّانِ، أحدهما يؤدِّي إلى أصالة الحرف، والآخر يؤدِّي إلى زيادته، كانت الأصالة أَولَى.
وأيضًا فإن الواو قد جاءت أصلًا في ضرب8 من بنات الأربعة –وهو المضاعف- ولم تُزَد أوَّلًا9 في موضع من المواضع. وأيضًا فإنَّ جعلها زائدةً يؤدِّي إلى بناء غير موجود –وهو "وَفَنْعَلٌ"10- وجعلها أصليَّةً يؤدِّي إلى بناء موجود. وهو "فَعَنْلَلٌ" نحو: جَحَنفَل11.
فإن قال قائل: إنكم استدللتم على أن "ضَوضَيتُ" وبابه من بنات الأربعة، بقولهم ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ؛ لأنه لم يوجد مثل "فَعْلاءٍ" في كلامهم، ولا دليل في ذلك لاحتمال أن تكون الواو زائدة، ويكون وزن الكلمة "فَوعالًا" كتورابٍ12. فالجواب أنه لو كان "فَوعالًا" لكان من باب "دَدَنٍ" -أعني مما فاؤه وعينه من جنس واحد- وذلك قليل جدًّا، وباب ضَوضاء وغَوغاء وضَوضَيتُ وغَوغَيتُ كثير، ولا يُتصوَّرُ حملُ ما جاء كثيرًا على بابٍ لم يجئ منه إِلَّا اليسير.
__________
1 كذا. والصواب: باب.
2 ف: لا تكون أصلًا في بنات الأربعة ولا في بنات الخمسة.
3 م: المضاعف.
4 في الورقة 27. م: يقول.
5 كذا. والصواب: باب.
6 الورنتل: الشر والأمر العظيم.
7 ف: فعنللًا.
8 م: ضروب.
9 م: ولم يرد أوَّلًا.
10 م: فنعل.
11 الجحنفل: العظيم الشفة.
12 التوراب: التراب.
(1/195)

وأيضًا فإنَّ "فَوعالًا" كتَوراب قليلٌ جدًّا1. وإذا كانت الواو أصلًا كان وزن الكلمة "فَعْلالًا" كصَلصالٍ وقَلقالٍ. وذلك بناء موجود في المضعَّف كثيرًا2. فحمله على ذلك أولى3.
__________
1 ف: فوعالًا قليل جدًّا كتوراب.
2 ف: كثير.
3 سقط من م. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع: باب ما زيد من غير حروف الزيادة. وفيه أمثلة كثيرة من زيادة العين والقاف والفاء والحاء والطاء ...
(1/196)

باب: ما يزاد من الحروف في التضعيف
اعلم أنَّ التضعيف لا يخلو أن يكون من باب إدغام المتقارِبَينِ1، أو من باب إدغام المِثلَينِ2. فإن كان من باب إدغام المتقاربين فلا يلزم أن يكون أحد الحرفين زائدًا. بل قد يمكن أن يكون زائدًا، وأن يكون أصلًا. وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المِثلين كان أحد المثلين زائدًا، إِلَّا أن يقوم دليل على أصالتهما3، على ما يُبيَّنُ.
فإن قيل: فِيمَ يَمتاز4 إدغام المتقاربَينِ من إدغام المِثلَينِ؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: إذا وُجِد حرف مضعَّف فينبغي أن يُجعل من إدغام المِثلَينِ، ولا تجعله من إدغام المتقاربينِ إِلَّا أن يقوم على ذلك دليل؛ لأنه لا يجوز أن يُدغَم الحرف في مُقارِبه من5 كلمة واحدة، لئلَّا يلتبس بأنه من إدغام المِثلَينِ؛ ألا ترى أنك لا تقول في أَنمُلَة6: "أَمُّلة"؛ لأنَّ ذلك مُلبِس7، فلا يُدرَى: هل هو في الأصل أَنمُلَة أو "أمْمُلَة"؟
فإن كان في الكلمة بعد الإدغام ما يدلُّ على أنه من إدغام المتقاربَينِ جاز الإدغام. وذلك نحو قولك: امَّحَي الكتابُ، أصله "انْمَحَى" بدليل أنه لا يمكن أن يكون من باب8 إدغام المِثلَين. إذ لو كان كذلك لكان "افَّعَلَ", و"افَّعَلَ" ليس من أبنية كلامهم. فلمَّا لم يمكن حمله على أنَّ9 الإدغام فيه من قَبيل إدغام المِثلَينِ تبيَّن أنه في الأصل "انمَحَى"؛ لأنَّ في كلامهم "انفَعَلَ".
__________
1 م: المثلين.
2 م: "المتقاربين". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن اللباب بيان لزيادة الحرف بالتضعيف. انظر ص263-264 من ابن عصفور والتصريف.
3 ف: أصالته.
4 م: يختار.
5 م: في.
6 الأنملة: المفصل الأعلى من الإصبع.
7 م: يلبس.
8 سقط من م.
9 سقط من م.
(1/197)

فأمَّا "هَمَّرِش"1 فينبغي أن يُحمل2 على أنَّ إدغامه من قَبيل إدغام المِثلَينِ، ويكون وزن الكلمة "فَعَّلِلًَا"3، فتكون ملحقة بجَحَمرِشٍ4، لمِا ذكرناه من أنَّ الأصل في كلِّ إدغام، يكون في كلمة واحدة، أن يُحمل على أنه من قَبيل إدغام المِثلَينِ، إِلَّا أن يمنع من ذلك مانع. فإذا صَغَّرتَ هَمَّرِشًا على هذا القول أو كسَّرتَه قلتَ: هُمَيرِشٌ وهَمارِشُ. فتحذف إحدى الميمين لأنها زائدة.
وأمَّا أبو الحسن فزعم5 أنَّ هَمَّرِشًا حُروفُه كلُّها أُصول، وأنَّ الأصل "هَنْمَرِشٌ" بمنزلة [29 أ] جَحْمَرِش، ثمَّ أُدغمت النون في الميم. وجاز الإدغام عنده لعَدمِ اللَّبس. وذلك أنَّ هذه البِنية –أعني "فَعْلَلِلًا"- لم تُوجد في موضع من المواضع قد لحقتها زوائد6 للإلحاق.
فيُعلَمُ بذلك أنَّ هَمَّرشًا في الأصل "هَنْمَرِشٌ". إذ لو لم يُحمل على ذلك، وجُعل من إدغام المِثلَين، لكان أحد المِثلَين زائدًا، فيكون ذلك كَسرًا لما ثَبَتَ في هذه البِنية واستقرَّ، من أنها لا تلحقها الزوائد للإلحاق. فتقول على هذا في تصغيرِ هَمَّرِش7 وتكسيره: هُنَيْمِرٌ وهَنامِرُ. فتردُّ النون إلى أصلها، لمَّا زال الإدغام، وتَحذف الآخِر لأنَّ حروف الكلمة كلَّها أصول.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد8؛ لأنه مبنيٌّ على أنَّ هذه البِنية لم تلحقها زيادة للإلحاق في موضع. وقد وُجِد هذا الذي أَنكر، قالوا: جِرْوٌ نَخْوَرِشٌ أي: إذا كَبِرَخَرَشَ9؛ ألا ترى أنَّ الواو زائدة10، وأنَّ الاسم ملحق بجَحمَرِش؟ فإذا تقرَّر أنَّ هذه البِنية قد لحقتها الزوائد للإلحاق وجب القضاء على إدغام هَمَّرِشٍ، بأنه11 من قَبيل إدغام المِثلَينِ.
__________
1 الهمرش: العجوز الكبيرة المسنة. وانظر شرح الشافية 2: 364-365.
2 م: يجعل.
3 م: "فعَّلَلًا". وفعّلِل لم يذكره المؤلف في الأبنية.
4 الجحمرش: العجوز الكبيرة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن أبي عبيدة عن ابن العلاء زيادة حروف الإلحاق في الاسم والفعل.
5 سقط من م.
6 ف: زائدة.
7 م: همرس.
8 م: باطل.
9 م: خرّش.
10 في حاشية ف بخط أبي حيان: "قد ادَّعى في الأبنية أن الواو في نخورش أصل، وأن حروفه كلها أصول، وأن وزنه فَعلَلِل نحو جحمرش. وهو مخالف لما ردَّ به على الأخفش هنا". انظر ص71. وقال صاحب التاج: "قال شيخنا: وقد تعارض فيه كلام ابن عصفور في الممتع، فحكم مرة بأصالة الواو زاعمًا أنه ليس لهم فعللل – [في المطبوعة: فعوعل. ولعلها: نفوعل]- غيره. وزعم مرة أنها زيدت للإلحاق". قلت: وابن عصفور لم يزعم أنه ليس لهم فعللل غير نخورش. انظر ص56.
11 م: وجب القضاء على همرش بأن إدغامه.
(1/198)

فإذا1 كان الإدغام من جِنس إدغام المتقاربين فالذي ينبغي أن يُحكم به على الحرفين المتقاربين الأصالةُ، إِلَّا أن يقوم دليل من الأدلة المتقدِّمة على الزيادة.
وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المِثلَين فلا يخلو من أن يكون اللفظ من ذوات الثلاثة، أو من ذوات الأربعة، أو من ذوات الخمسة.
فإن كان من ذوات الثلاثة قُضي على المِثلَين بالأصالة، إذ لا بدَّ من الفاء والعين واللام، نحو: رَدَّ وفَرَّ.
وإن كان من ذوات الأربعة فإنه لا يخلو أن يكون المضعَّف بين الفاء واللام نحو: ضَرَّبَ، أو في الطرف بعد العين نحو: قَرْدَدٍ2 أو غير ذلك. فإن كان المضاعف على ما ذكرنا3 كان أحد المِثلَين زائدًا. وذلك أنَّ كلَّ ما له اشتقاق من ذلك يوجد أحدُ المِثلَين منه زائدًا4، نحو "ضَرَّبَ"، فإنه من الضَّرْبِ، و"قُعْدُدٍ"5 فإنه من القُعود. فحُمِل ما ليس له اشتقاق، نحو: سُلَّمٍ وقِنَّبٍ، على أنَّ أحد المِثلَينِ منه زائد.
وإن لم يكن المضعَّف على ما ذُكر كان كلُّ واحد منهما أصلًا. وذلك نحو: صَلصَلٍ6 وفَرفَخٍ7 وقُربُقٍ8 ودَيدَبُونٍ9 وشَعَلَّعٍ10 والذي أوجب ذلك أنه لم يثبت زيادة أحد المِثلَين في مثل11 ما ذُكر، باشتقاق أو تصريف في موضع من المواضع, فيُحملَ ما ليس فيه اشتقاق على الزيادة. بل الواجب أن يُعتقد في المِثلَين الأصالة، إذ الزيادة لا تُعتقد12 إِلَّا بدليل.
وأيضًا فإنك لو جعلت أحد المِثلَينِ في جميع ذلك زائدًا لكان13 وزن فَرفَخ: "فَعفَلًا"،
__________
1 م: وإذا.
2 القردد: الوجه.
3 م: ما ذكر.
4 م: زائد.
5 القعدد: القاعد عن المكارم.
6 الصلصل: ناصية الفرس.
7 في حاشية ف: فرفخ هي البقلة الحمقاء.
8 القربق: الحانوت.
9 الديدبون: اللهو واللعب.
10 في حاشية ف: "الشعلع: الطويل". وفي كل من ديدبون وشعلع أكثر من أربعة أحرف. وهو خلاف ما يتكلم عليه المؤلف. ثم إن إحدى اللامين في شعلع زائدة.
11 وكذلك في نسخة الخفاف كما جاء في حاشية ف ف: "كلّ".
12 م: لا تثبت.
13 سقط من م حتى قوله "أصلين كان".
(1/199)

ووزن قُربُق: "فُعلُفًا"، ووزن دَيدَبُون: "فَيفَعولًا"، ووزن شَعَلَّع: فَعَلَّعًا"، وهي أبنية لم تثبت في كلامهم. وإذا جعلت المِثلَينِ أصلين كان وزن فَرفَخ1: "فَعْلَلًا"2، ووزن "قُربُق": "فُعْلُلًا"، ووزن دَيدَبون: "فَيْعَلُولًا"3، ووزن شَعَلَّع: "فَعَلَّلًا"، وهي أبنية موجودة في كلامهم. وما يؤدِّي إلى مثال موجود أولى.
وأمَّا صَلصلٌ وبابه فلو جعلتَ كلَّ واحد من المِثلَين زائدًا لأدَّى ذلك إلى بقاء الكلمة على أقلَّ من ثلاثة أحرف. ولو جعلت إحدى الصادين أو اللامين من صَلصَلٍ زائدة، لا مجموعهما، لم يجز ذلك لأنه إن جُعل إحدى الصادين4 زائدة لم يخل من أن تكون الأُولى أو الثانية: فإن كانت الزائدة الأُولى كان وزن الكلمة "عَفْعَلًًا"5، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنَّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب: سَلِسَ وقَلِقَ –أعني ممَّا لامه وفاؤه من جنس واحد- وذلك قليل.
وإن كانت الثانية كان وزن الكلمة "فَعْفَلًا"6، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإن الكلمة إذ ذاك تكون من باب ما ضوعفت فيه الفاء، نحو: مَرْمَرِيس؛ لأنَّ وزنه "فَعْفَعِيل". وذلك قليل جدًّا، لا يُحفظ منه إِلَّا مَرمَرِيس7، ومَرمَرِيت بمعناه.
وإن جعلتَ اللام زائدة لم تخل8 من أن تكون الأُولى، أو الثانية. فإن كانت الأُولى كان وزن الكلمة "فَلْعَلًا"9، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنَّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب دَدَن. أعني ممَّا فاؤه وعينه من جنس واحد، وإن كانت الثانية كان وزن الكلمة "فَعْلَعًا"10 وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنه يكون من باب: سَلِس وقَلِق؛ لأنَّ فاء الكلمة إذ ذاك ولامها الصاد، وقد تَقَدَّم [29 ب] أنه بناء قليل.
فلمَّا ثَبَتَ أنَّك كيفما فعلتَ في جعلِ أحد الحرفين زائدًا يؤدِّي إلى بناء معدوم، ودخولٍ في
__________
1 م: فرفج.
2 في النسختين: فعلل.
3 ف: "فعللولًا". م: "فعلول". وكلاهما خلاف ما وزنه به قبل، حيث أثبت أن الياء زائدة وليست أصلًا.
4 سقط "أو اللامين ... الصادين" من م.
5 م: عفعل.
6 م: فعفل.
7 المرمريس: الداهية. قلت: وقد تكون الفاء مكررة في: بربيطياء وقرقيسياء وفشفارج وشفشليق وصهصلق وسلسبيل وصفصلَّى ...
8 م: لم يحد.
9 م: فلعل.
10 م: فعلع.
(1/200)

باب قليل، وكان باب صَلصَلٍ كثيرًا، جُعِلَتْ حروفُه كلُّها أصولًا، وجُعِلَ صِنفًا برأسه، ولم يَدخل في باب من الأبواب المذكورة.
وإن كان من ذوات الخمسة فلا يخلو من أن يكون المضعَّف منه حرفًا واحدًا أو أَزْيدَ. فإن كان المضعَّف منه حرفًا واحدًا فلا يخلو أن يفصل بينهما أصل أو لا يَفصل. فإن فَصلَ بينهما أصلٌ كان كلُّ واحد من المِثلَينِ أصلًا نحو: دَردَبِيس1 وشَفشَلِيق2؛ ألا ترى أنَّ الراء والفاء قد فصلتا3 بين المِثلَين، وليستا4 من حروف الزيادة؟
وإنما جُعل المثلان أصلين في مثل هذا؛ لأنه لم يَثبت زيادة أحد المثلين في مثل ذلك، في موضع من المواضع باشتقاق ولا تصريف، فحُملَ ما ليس له5 اشتقاق ولا تصريف على ذلك, وأيضًا فإنك لو جَعلتَ أحد المثلين زائدًا لكان وزن شَفشَلِيق::فَعْفَلِيل"، وذلك بناء غير موجود.
وإن لم يَفصِل بينهما أصلٌ بل زائد، أو لم يقع بينهما فاصل، كان أحد المثلين زائدًا. وذلك نحو: شُمَّخْرٍ6 وخَنفَقِيقٍ7، إحدى القافين وإحدى الميمين زائدتان8. وذلك أنَّ كلَّ ما عُلِم له من ذلك اشتقاقٌ أو تصريف وُجد9 أحد المضعَّفَين منه زائدًا؛ ألا ترى أنَّ "اشمَخَرَّ" يدلُّ على أنَّ إحدى الميمين من شُمَّخْر زائدة؟ فحُمِل ما ليس له اشتقاقٌ على ذلك.
وإن كان المضعَّفُ أزيدَ كان كلُّ واحد من المِثلين زائدًا، نحو: صَمَحْمَحٍ10 ودَمَكمَكٍ11، إحدى الميمين وإحدى الحاءين أو الكافين زائدتان12، بدليل أنَّ ما له اشتقاق أو تصريف من ذلك وُجِد13 كلُّ واحد من المِثلَين فيه زائدًا، فحمل ما ليس له اشتقاق على ذلك، نحو: مَرمَرِيس. فإنه14 من المَراسة15، فإحدى الميمين وإحدى الراءين زائدتان.
__________
1 الدردبيس: الداهية. وفيه ستة أحرف لا خمسة.
2 الشفشليق: العجوز المسترخية اللحم. وفيه ستة أحرف أيضًا. م. سفسليق.
3 م: فصلت.
4 في النسختين: وليسا.
5 م: ولا تعريف فيحمل ما ليس فيه.
6 الشمخر: الطامح النفس المتكبر. وفيه ستة أحرف. ف: شمخز.
7 الخنفقيق: الداهية والخفيفة من النساء الجريئة. وفي ستة أحرف.
8 م: زائدتين.
9 م: وجرى.
10 الصمحمح: الشديد القوي. وفي حاشية ف بخط أبي حيان تفصيل مذهب البصريين والكوفيين في وزنه وما زيد فيه.
11 الدمكمك: الشديد.
12 في النسختين: زائدة.
13 م: وجر.
14 م: كأنه. وفي مرمريس ستة أحرف.
15 الكتاب 2: 353.
(1/201)

فإن قيل: فأيُّ الحرفين هو الزائد؟ فالجواب أنَّ في ذلك خلافًا1:
فمذهب الخليل2 أنَّ الزائد الأوَّل، فاللام الأُولى من سُلَّمٍ هي الزائد، وكذلك الزاي الأولى من بَلِزّ3. وحُجَّتُهُ أنَّ الأَوَّلَ قد وقع موقعًا تكثر4 فيه أُمَّهات الزوائد. وهي الياء والألف والواو؛ ألا ترى أنَّ حروف العلَّة الثلاثة قد تَقع ثانيةً زائدةً نحو: حَومَلٍ5 وصَيْقَلٍ وكاهِلٍ؟ فإذا قضينا بزيادة اللام الأولى من سُلَّمٍ كانت واقعةً موقعَ هذه الزوائد وساكنةً مثلها. وكذلك أيضًا قَد تقع هذه الحروف ثالثةً نحو: كِتاب وعَجُوز وقَضِيب. فإذا جعلنا الزاي الأولى من بِلِزّ زائدة كانت واقعةً موقع هذه الزوائد وساكنةً مثلها.
ومذهبُ يُونُس6 أنَّ الثاني هو الزائد. واستدلَّ على ذلك أيضًا بأنه إذا كان الأمر على ما ذُكر وقعت الزيادة موقعًا تكثر فيه أُمَّهات الزوائد؛ ألا ترى أنَّ الياء والواو قد تَقَعان زائدتين متحرِّكتين ثالثتين، نحو: جَهوَرٍ7 وعِثْيَرٍ؟ 8 فإذا جعلنا اللام الثانية من سُلَّمٍ هي الزائدة كانت واقعةً موقع الياء من عِثيَرٍ والواو من جَهوَرٍ ومتحرِّكةً مثلهما. وكذلك أيضًا تكثرُ زيادتُهما9 رابعتَينِ مُتحرِّكتين نحو: كَنَهوَرٍ10 وعِفْرِيَةٍ11. فإذا جعلنا الزاي الثانية12 من بِلِزٍّ13 زائدة كانت واقعةً موقع الواو من كَنَهوَرٍ، والياء من عِفْرِيَةٍ، ومُتحرِّكةً مثلهما.
قال سيبويه: وكلا القولين صحيحٌ ومذهبٌ14.
وهذا القدر الذي احتجَّ به الخليل ويونس لا حُجَّةَ لهما فيه؛ لأنه ليس فيه أكثرُ من التأنيس بالإتيان بالنظير، وليس فيه دليل قاطع15.
__________
1 شرح الشافية 2: 365-366.
2 الكتاب 2: 354.
3 البلز: الضخمة م: بلزز.
4 م: يكثر.
5 حومل: اسم موضع. ف: "حوقل". والحوقل: الذكر اللين.
6 الكتاب 2: 354 وشرح الشافية 2: 365 ويونس: ابن حبيب الضبي، إمام في اللغة والنحو للبصريين، توفي سنة 182. أخبار النحويين البصريين ص32.
7 الجهور: الجريء الماضي المقدم.
8 العثير: التراب.
9 ف: زيادتها.
10 الكنهور: العظيم المتراكب من السحاب.
11 العفرية: الخبيث المنكر.
12 ف: الواحدة.
13 م: بلزز.
14 في الكتاب 2: 354: وكلا الوجهين صواب ومذهب.
15 شرح الشافية 2: 366.
(1/202)

وزعم الفارسيُّ1 أنَّ الصحيح ما ذهب إليه يُونُس، من زيادة الثاني من المِثلَين، واستدلَّ على ذلك بوجود "اسحَنكَكَ"2 و"اقعَنسَسَ"3 وأشباههما في كلامهم. وذلك أنَّ النون في "افعَنْلَلَ" من الرباعيّ لم توجد قطُّ إِلَّا بين أصلين، نحو: احرَنجمَ4. فينبغي أن يكون ما أُلحق به من الثلاثيِّ5 بين أصلين؛ لئلَّا يُخالف الملحَقُ ما أُلحِقَ به. ولا يمكن جعل6 النون في "اسحَنكَكَ"7 و"اقعَنسَسَ" وأشباههما بين أصلين، إِلَّا بأن يكون الأوَّلُ من المثلين هو الأصل، والثاني هو الزائد. وإذا ثَبَتَ في هذا الموضع أنَّ الزائد من المثلين هو الثاني حُملت سائر المواضع عليه.
وهذا الذي استدلَّ به لا حجَّة فيه؛ لأنه [30 أ] لا يَلزمُ أن يوافق الملحَقُ ما أُلحِقَ به في أكثرَ من موافقته له في الحركات والسَّكنات وعددِ الحروف؛ ألا ترى أنَّ النُّونَ في "افعَنلَلَ" من الرباعيِّ بعدها حرفانِ أصلانِ، وليس بعدها فيما أُلحِقَ به من الثلاثيِّ إِلَّا حرفان، أحدُهما أصليٌّ والآخر زائد؟ فكما خالف الملحَقُ الملحَقَ به في هذا القَدْر، فكذلك يجوز أن يُخالفه في كون النون في الملحق به واقعة بين أصلين، وفي الملحق واقعة بين أصل وزائد8.
والصحيح عندي ما ذهبَ إليه الخليلُ، من أنَّ الزائد منهما هو الأوَّلُ، بدليلين:
أحدهما: أنهم لمّا صَغَّروا صَمحمَحًا قالوا: صُمَيمَحٌ9، فحذفوا الحاء الأُولى: ولو كانت الأُولى هي الأصليَّة والثانية هي الزائدة لوجب حذف الثانية؛ لأنه لا يُحذف في التصغير الأصلُ ويبقى الزائد.
فإن قال قائل: فلعلَّ الذي مَنعَ من حذف الحاء الأخيرة، وإن كانت هي الزائدة، ما ذكره الزَّجَّاج من أنكَ لو فَعلتَ ذلك لقلت "صُميحِمٌ"، ويكون تقديره من الفعل "فُعَيلِعٌ"، وذلك بناء غير موجود. فالجواب أنَّ هذا القدر ليس بمُسوِّغٍ حذفَ الأصليِّ، وتركَ الزائد؛ لأنَّ البناء الذي يُؤدِّي إليه التَّصغيرُ عارضٌ لا يُعتدُّ به، بدليل أنك تقول في تصغير افتِقار: فُتَيقِيرٌ10، فتحذف
__________
1 م: المازني.
2 اسحنكك الليل: اشتدت ظلمته.
3 اقعنسس: رجع وتأخر.
4 احرنجم القوم: اجتمعوا.
5 في النسختين: الثلاثة.
6 م: حمل.
7 امحنكك.
8 في حاشية ف بخط أبي حيان تعليل لمذهب الخليل ونقد لتعليل ابن عصفور.
9 م: صميميح.
10 م: فتيقر.
(1/203)

همزة الوصل، وتصير كأنك صغَّرت "فَتقارًا", و"فَتْعال" ليس من أبنية كلامهم. فكذلك كان ينبغي أن يقال "صُمَيحِمٌ"، وإن أدَّى إلى بناء غير موجود.
والآخرُ: أنَّ العين إذا تَضعَّفتْ، وفَصلَ بينهما حرف، فإنَّ ذلك الفاصل أبدًا لا يكون إِلَّا زائدًا نحو: عَثَوثَلٍ1 وعَقَنقَلٍ2؛ ألا ترى أنَّ الواو والنون الفاصلتين بين العينين زائدتان؟ فإذا ثَبَتَ ذلك تبيَّن أنَّ الزائد من الحاءين في صَمحمَحٍ هي الأُولى؛ لأنها فاصلة بين العينين. فلا يُتصوَّرُ أن تكون أصلًا، لئلا يكون في ذلك كسرٌ لِما استقرَّ في كلامهم، من أنه لا يجوز الفصل بين العينين إِلَّا بحرف زائد. وإذا ثَبَتَ أنَّ الزائد من المِثلين، في هذين الموضعين، هو الأوَّل حُمِلتْ سائر المواضع عليهما3.
وإذ قد فرغنا من تبيين الحروف الزوائد، والأدلَّة الموصلة إلى معرفة الزائد من الأصليِّ، فينبغي أن أضع4 عَقِبَ ذلك بابًا أُبيِّنُ فيه كيفيَّة وِزان الأسماء والأفعال، والخلافَ الذي بين النحويِّين في ذلك.
__________
1 العثوثل: الشيخ الثقيل.
2 العقنقل: الكثيب العظيم من الرمل.
3 م: "عليها". وفي حاشية ف بخط أبي حيان اعتراض على ما جزم به ابن عصفور هنا.
4 ف: نضع.
(1/204)

باب التمثيل:
اعلم أنَّك إذا أردتَ أن تُبيِّنَ وزن الكلمة من الفِعل1 عمدت إلى الكلمة، فجعلت في مقابلة الأُصول منها الفاء والعين واللام؛ فتجعل الفاء في مقابلة الأصل الأوَّل، والعينَ في مقابلة الثاني، واللامَ في مقابلة الثالث. فإن فَنِيَتِ الفاء والعين واللام ولم تفنَ الأصول كرَّرتَ اللام في الوزن، على حَسَبِ ما بقي لك من الأُصول2، حتَّى تَفنَى.
وأمَّا الزوائد3 فلا يخلو أن تكون مكرَّرة من لفظ الأصل، أو لا تكون. فإن لم تكن مكرَّرة من لفظ الأصل أبقيتَها في المثال على لفظها، ولم تجعل في مقابلتها شيئًا. وإن كانت مكرَّرة من لفظ الأصل وزنتَها بالحرف الذي تَزِن به الأصلَ الذي تكرَّرتْ منه.
فعلى هذا إذا قيل لك: ما وزنُ زَيد من الفِعل؟ قلتَ: "فَعْلٌ"؛ لأنَّ حروفه كلَّها أُصول، وهي ثلاثة. فتجعل في مقابلتها الفاء والعين واللام.
فإن قيل لك: ما وزن جَعفَر من الفِعل؟ قلتَ: "فَعْلَلٌ"؛ لأنَّ حروفه كلَّها أُصولٌ أيضاً4. فجعلتَ في مقابلتها الفاء والعين واللام، فبقي حرفٌ من الأُصول، فكرَّرت اللام كما تَقَدَّم.
__________
1 شرح الشافية 1: 10-32.
2 ف: الأصل.
3 في حاشية ف استدراكان لأبي حيان. أمَّا الأول فهو ما يلي: "الزائد يعبر عنه بلفظه" إِلَّا المبدل من تاء الافتعال فبالتاء. فلا تقول في مثل ازدجر واضطرب: افدَعَلَ ولا افطَعَلَ، ولكن: افتَعَلَ، كراهية الاستثقال أو قصدًا لبيان أصل الزنة. وإلا المكرر للإلحاق أو لغيره فبالحرف الأصلي الذي قبله، فصل بينهما زيادة أو لم، كان التكرير من حروف الزيادة أو لم. فيقولون في جلببَ واحمرَّ وعلَّمَ: فعلَلَ وافعَلَّ وفعَّلَ". انظر شرح الشافية 1: 10.
وأمَّا الاستدراك الثاني فهو قوله: "إن كان في الموزون قلب قلبتَ الزنة مثله، كقولك آدُرٌ: أعفُلٌ. ويعرف القلب بالأصل نحو: ناءَ يَناءُ، هو مأخوذ من النأي، وهو المصدر وهو أصل له، فجعلوا اللام موضع العين، والعين موضعها. وأمثلةِ اشتقاقه كالجاه فإنه من الوجه، والحادي لأنك تقول: واحِدٌ وتَوَحَّدَ، وهو منه، والقِسِيّ لأنك تقول: قوسٌ وتَقَوَّسَ. وبصحته كأيِسَ لأنه يقال: يَئسَ. فأيسَ مقلوب منه، إذ لو كان أصلًَا لقيل: آسَ؛ لأنَّ العين المتحركة وهي ياء ... ".
4 م: لأنَّ حروفه أيضًا كلها أصول.
(1/205)

فإن قيل لك: ما وزن أحمَد؟ قلتَ: "أَفْعَلُ"؛ لأنَّ أحمد همزته زائدة، فأبقيتَها في الوزن بلفظها، وسائر حروفه كلّها أصول، فجعلتَ في مقابلتها الفاء والعين واللام.
فإن قيل لك: ما وزن عَقَنقَل؟ 1 قلتَ: "فَعَنْعَلٌ"؛ لأنَّ حرفين من حروفه زائدان –وهما النون وإِحدى القافين- وسائر حروفه أصليَّة2، فجعلتَ3 في مقابلة الأصول الفاء والعين واللام. وبقَّيتَ النون في المثال بلفظها لأنها زائدة4، وجَعلتَ في مقابلة القاف الزائدة العينَ، ولم تزنها بلفظها؛ لأنها تكرَّرت من لفظ العين [30 ب] ، فكرَّرتَها5 في المثال من لفظ العين, حتَّى يوافق المثالُ الممثَّلَ.
فإن قيل: وما الفائدة في وزن الكلمة بالفِعل؟ فالجواب أنَّ المراد بذلك الإعلام بمعرفة الزائد من الأصليِّ، على طريق الاختصار؛ ألا ترى أنك إذا وزنت أحمد بـ"أَفْعَل" أغنى ذلك عن قولك6: الهمزة من "أحمد" زائدة، وسائر حروفه أُصول. وكان أخصرَ منه.
فإن قيل: فلمَ كَنَوا عن الأُصول بالفاء والعين واللام:؟ فالجواب أنَّ الذي حَملهم على ذلك أنَّ حروف الـ"فعل" أُصول، فجعلوها لذلك في مقابلة الأُصول.
فإن قيل: فهلَّا كنَوا عن الأُصول بغير ذلك من الألفاظ التي حروفها أصول، كـ"ضرب" مثلًا؛ ألا ترى أنَّ الضاد والراء والباء أُصول؟ فالجواب أنهم لمَّا أرادوا أن يَكنوا عن الأُصول كنَوا بما مِن عادة العرب أن تَكنِيَ به، وهو "الفعل"؛ ألا ترى أنَّ القائل يقول لك: هل ضربتَ زيدًا؟ فتقول: فَعَلتُ. وتكني بقولك "فعلتُ" عن الضرب.
وزعم أهل الكوفة أنَّ نهاية الأُصول ثلاثة، فجعلوا الراء من "جعفر" زائدة، والجيم واللام من "سفرجل" زائدتين، وجعلوا وزن جعفر من الفِعل "فَعْلَلًا"، ووزن سفرجل: "فَعَلَّلًا"7 كما فعلناه نحن، وأمَّا الكسائيُّ منهم فجعل الزيادة من جعفر وأشباهه ما قبلَ الآخِر.
وكان الذي حملهم على ذلك أن رأَوُا المثال يلزم ذلك فيه؛ ألا ترى أنَّ إحدى اللَّامين من "فَعْلَل" زائدة؟ وكذلك "فَعَلَّل" اللَّامان من هذه الثلاثة زائدتان. هكذا قياس كل مضعَّف. أعني أن يُحكم على أحد8 المِثلَين أو الأمثال بالأصالة، وعلى ما عداه بالزيادة. فلمَّا رأى ذلك لازمًا
__________
1 العقنقل: الكثيب العظيم من الرمل.
2 م: أصليات.
3 م: فجُعلت.
4 سقط من م حتى "ولم تزنها بلفظها لأنها".
5 سقط من م.
6 ف: قولهم.
7 سقط "ووزن سفرجل فعللًا" من م.
8 م: إحدى.
(1/206)

في المثال قضى على الممثَّل بمثل1 ما يلزم في المثال.
وذلك فاسدٌ2 من وجهين:
أحدهما: أنه لا يُحكم بزيادة حرف إِلَّا بدليل، من الأدلَّة المتقدِّمة الذكر3: أعني الاشتقاق والتصريف وأخواتهما4. ولا شيء من ذلك موجود في جعفر ولا سفرجل. فالقضاء بالزيادة فيهما تَحكُّمٌ محض.
والآخر: أنَّ قياس المثال أن يبقى الزائد فيه بلفظه، إذا لم يكن من لفظ الأصل. فكان ينبغي أن يُجعل وزن جعفر من الفعل على هذا: "فَعْلَر"5 عند من يجعل الآخِرَ زائدًا، و6 "فَعْفَل" عند من يجعل الزائد ما قبل الآخِر، وأن يُجعل وزن سَفَرجَل: "فَعَلْجَل" [أو "فَعَرْجَل"] 7.
ومن أهل الكوفة من ذهب إلى ما ذكرناه من أنَّ الأُصول ثلاثة، إِلَّا أنه وَزَن ما عدا الأصول بلفظه، فجعل8 وزن جعفر: "فَعْلَر"9، وسفرجل: "فَعَلْجَل".
ومنهم من قَضى بزيادة ما عدا الثلاثة إِلَّا أنه لا يَزِنُ. فإن قيل له: ما وزن جعفر وفَرَزدَق؟ 10
قال: لا أدري.
وكلُّ11 ذلك باطلٌ، لِما ذكرناه من أنه لا ينبغي أن يُقضى على حرف بزيادة، إِلَّا بدليل.
فالصحيح في النظر، والجاري في تمثيل الكلمة بالفِعل، ما ذهب إليه أهل البصرة.
نجز القسم الأول12.
__________
1 ف: مثل.
2 انظر المسألة 114 من الإنصاف.
3 في الورقات 3-6.
4 م: وأخواتها.
5 م: فعلن.
6 م: أو.
7 تتمة يقتضيها السياق.
8 م: فجُعل.
9 م: فعلن.
10 م: أو فرزدق.
11 م: وكان.
12 سقطت العبارة من م.
(1/207)

ذكر القسم الثاني من التصريف:
الإبدال:
حُرُوفُ الإبْدَال:
فمن ذلك حروف البدل لغير1 إدغام، وهي الحروف التي يجمعها قولك: "أُجُدٌ طُوِيَتْ مَنهلا"2. فهذه الحروف تُبدَل من غير إدغام، على ما يُبيَّنُ3 بعدُ، إن شاء الله. فإن كان البدل لأجل إدغام لم يكن مختصًّا بهذه الحروف. بل جائزٌ في كلِّ حرف يُدغم في مُقاربه أن يُبدل حرفًا من جنس مُقاربه الذي يُدغم فيه، على ما يُبيَّنُ4 في الإدغام، إن شاء الله.
__________
1 م: "بغير". وانظر شمس العلوم 1: 1-16 والأمالي: 186-187 وشرح الشافية 4: 197-233 وشرح المفصل 10: 1-45.
2 في حاشية ف قول آخر يجمع تلك الحروف هو: طال يوم أنجدته.
3 ف: يتبين.
4 ف: يتبين.
(1/213)

إبدال الهمزة:
[باب إبدال الهمزة من الألف] :
فأمَّا الهمزة فأُبدِلت من خمسة أحرفٍ. وهي الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين.
فأُبدلت1 من الألف على غير قياس، إذا كان بعدها ساكنٌ، فِرارًا من اجتماع الساكنين، نحو ما حُكي عن أيوبَ السِّختيانيِّ2، من أنَّه قرأ: "ولا الضَّأََلِّينَ"3 –فهَمز الألف وحرَّكها بالفتح؛ لأنَّ الفتح أخفُّ الحركات- ونحو ما حَكى أبو زيد في كتاب الهمزِ4 من قولهم: شَأَبَّةٌ ودَأَبَّةٌ.
وأنشدتِ الكافَّةُ5:
يا عَجَبَا, لَقَد رأَيتُ عَجَبا ... حِمارَ قَبَّانٍ, يَسُوقُ أَرنَبا
خاطمها زأَمَّها، أن تَذهَبا
أراد "زامَّها" فأبدل. وحكى6 المبرّد عن المازنيِّ, عن أبي زيد، قال: سمعتُ عمَرو بن عُبيد يقرأ: "فيَومَئذٍ لا يُسأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ ولا جأَنٌّ"7، فظننتُ أنه قد لحن، حتَّى سمعتُ العربَ تقول: دأَبَّةٌ وشَأَبَّةٌ. [31 أ] .
__________
1 انظر سر الصناعة 1: 82-106.
2 تابعي من البصرة، سيد فقهاء عصره، ثقة من حفاظ الحديث. تهذيب التهذيب 1: 397-399.
3 الآية 7 من سورة الفاتحة. وانظر الخصائص 1: 281 والإبدال 2: 544 والبحر المحيط 1: 30 وشرح الشافية 2: 248 وشرح شواهدها ص168-169.
4 ذكر البغدادي أن هذا في آخر كتاب الهمز. شرح شواهد الشافية ص168. ولكن مطبوعة كتاب الهمز ببيروت خالية منه.
5 الرجز مما تحكيه العرب على ألسنة البهائم. الخصائص 3: 148 والضرائر ص222 والمنصف 1: 281 وسر الصناعة 1: 82 وشرح الشافية 2: 248 وشرح شواهده ص167-174 واللسان "زمم". م: "وأنشد الكلابي". وحمار قبان: دويبة. وخاطمها أي: يقودها من أنفها. وزامها مثل خاطمها.
6 في الخصائص والمنصف وسر الصناعة والمحتسب وشرح الشافية والبحر المحيط.
7 الآية 39 من سورة الرحمن.
(1/214)

ومن ذلك قولُ الشاعر1:
وبَعدَ انتِهاضِ الشَّيبِ, مِن كُلِّ جانِبٍ ... علَى لِمَّتِي, حَتَّى اشْعأَلَّ بَهِيمُها
يريد "اشعالَّ" من قوله تعالى: {واشتَعلَ الرأسُ شَيبًا} 2. وقال دُكين3:
راكِدةٌ مِخلاتُهُ, ومَحلَبُهْ ... وجُلُّهُ, حَتَّى أبيأَضَّ مَلبَبُهْ
يريد: ابياضَّ. وقال كُثيّر4:
ولِلأرضِ: أمَّا سُودُها فتَجَلَّلَتْ ... بَياضًا, وأمَّا بِيضُها فادهأَمَّتِ
يريد: فادهامَّت.
وقد كاد يتسع هذا عندهم5. إِلَّا أنه مع ذلك لم يكثر كثرة تُوجب القياس. قال أبو العبَّاس6: قلتُ لأبي عُثمانَ: أَتَقيسُ هذا النحوَ؟ قال: "لا، ولا أَقبلُه". بل ينقاس ذلك عندي، في ضرورة الشعر. ومن هذا القَبيل جَعَلَ ابنُ جنِّي7 قولَ الراجز8.
من أيِّ يَومَيِّ مِنَ المَوتِ أَفِرْ ... أيَومَ لم يُقدَرَ أم يَومَ قُدِرْ؟
وذلك9 أنَّ الأصل "أيومَ لم يُقدَرْ أَم يَومَ"، فأُبدلت الهمزة ألفًا، وإن كان قبلها ساكن، على حدِّ قولهم في المَرْأة: "المَراة"، وفي مُتْأر: "مُتار"10. قال:
إِذا اجتَمَعُوا علَيَّ, وأَشقَذُونِي ... فصِرتُ كأنَّنِي فَرَأٌ, مُتارُ11
وذلك بأن أَلقَوا حركة الهمزة على الساكن، ولم يحذفوا الهمزة، بل جاءت ساكنة بعد الفتحة،
__________
1 سر الصناعة 1: 83 والمقرب 3: 161 وشرح المفصل 9: 130 و10: 12 والضرائر ص 223 وشرح شواهد الشافية ص169 واللسان والتاج "شعل". والانتهاض: الانتشار. واللمة: شعر الرأس يجاوز شحمة الأذن. والبهيم: الأسود.
2 الآية 4 من سورة مريم.
3 سر الصناعة 1: 83 والخصائص 3: 48 والمحتسب 1: 320 والضرائر ص222 والإبدال 2: 545 وسمط الآلي ص586-587. وفي النسختين: "رائدة مخلاته". والتصويب من المصادر المذكورة. والراكدة: الساكنة الدائمة. والمخلاة: ما يوضع فيه طعام الدابة. والمحلب: إناء الحليب. والملبب: موضع اللبة. والأصل: الملبّ بالإدغام. يصف إكرامه لفرسه.
4 ديوانه 2: 113 وسر الصناعة والخصائص وشرح شواهد الشافية. وادهامت: اشتد سوادها.
5 في سر الصناعة وشرح شواهد الشافية: عنهم.
6 هو المبرد. المنصف 1: 281.
7 الخصائص 3: 94-65 وسر الصناعة 1: 85.
8 النوادر ص13 والضرائر ص112 والمحتسب 2: 366 والخصائص 3: 94 وسر الصناعة 1: 85 والخزانة 4: 589 ووقعة صفين ص 395. ونسب في الأخير إلى الإمام علي برواية: أيومَ ما قُدّرَ.
9 م: ومن ذلك.
10 م: وفي مثأر مثار.
11 عامر بن كثير المحاربي. سر الصناعة 1: 87 والخصائص 2: 176 و3: 149 واللسان "تأر" و"تور" و"شقذ" وأشقذوني: طردوني. والفرأ: حمار الوحش. والمتار. المضروب بالعصا ليطرد.
(1/215)

فأبدلت ألفًا كما فُعل ذلك بـ"كاس"، فصار "يُقدَرَامْ", فاجتمعت الألف مع الميم الساكنة، فأبدلت همزة مفتوحة فرارًا من اجتماع الساكنين. وقد تَقَدَّمَ في "الضرائر"1 أنه ممّا حُذف2 منه النون الخفيفة، نحو قول الآخر3:
اضرِبَ عَنكَ الهُمُومَ, طارِقَها ... ضَرْبَكَ بالسَّوطِ قَونَسَ الفَرَسِ
وأُبدلت أيضًا من الألف، وإنْ لم يكن بعدها ساكن. وذلك قليل جدًّا لا يُقاس لقلَّته في الكلام ولا في الضرورة. فقد رُوِيَ أنَّ العجَّاج يَهمِزُ "العالَم" والخاتَم"4. قال:
يا دارَ سَلمَى, يا اسلَمِي, ثُمَّ اسلَمِي
ثمَّ قال5:
فَخِندِفٌ6 هامةُ هذا العأْلَمِ
وحُكِي عن بعضهم: تأْبَلتُ القِدرَ، إذا جعلتَ فيها التَّابَلَ7.
وتكون الهمزة ساكنةً. إِلَّا أن تكون الألفُ في النِّيَّة متحرِّكةً فإنَّ الهمزة إذ ذاك تكون متحرِّكةَ بالحركة التي للألف في الأصل. فمن ذلك ما حكاه بعضهم مِن قولهم: قَوقأَتِ الدَّجاجةُ، وحَلَّأْتُ8 السَّويقَ، ورثَأَتِ المرأةُ زَوجَها، ولَبَّأَ الرَّجلُ بالحجِّ. ومنه قول ابن كَثْوة9:
ولَّى نَعامُ بَنِي صَفوانَ, زَوزَأَةً ... لَمَّا رأَى أَسَدًا, في الغابِ, قَد وثَبَا
ومنه ما أَنشده الفرَّاء، من قول الآخر10:
__________
1 يريد كتابه الموسوم بالضرائر. انظر ص112 منه.
2 م. "متى حذفت". ويريد ابن عصفور أن الرجز المذكور حمله في كتاب الضرائر على حذف النون.
3 ينسب إلى طرفة، وقيل إنه مصنوع عليه. ديوان طرفة ص195 والنوادر ص13 وسر الصناعة1: 93 واللسان والتاج "قنس". وقونس الفرس: عظم ناتئ بين أذنيه. واضربَ أي: اضربَنْ. والطارق: الآتي ليلًا.
4 م: "العألم والجأر". وانظر سر الصناعة 1: 102 وشرح الشافية 3: 204 وشرح شواهده ص428.
5 ديوان العجاج ص58-60 وشرح الشافية 3: 205 وشرح شواهدها ص428 وسر الصناعة 1: 101. وذكر ابن عصفور في "الضرائر" أن العجاج همز الألف هنا ضرورة، ليجنب البيت السناد. انظر ص223 منه.
6 في النسختين: وخندف.
7 التابل: أبزار الطعام. وقد تهمز. الخصائص 2: 145 وسر الصناعة 1: 102.
8 الخصائص 3: 146. قلت: التمثيل بقولهم "حلأْتُ" سهو؛ لأنَّ الهمزة فيه ساكنة لا متحركة.
9 في النسختين: "قول كثير". والتصويب من الخصائص وسر الصناعة. والشاعر هو زيد بن كثوة. الخصائص 3: 145 وسر الصناعة 1: 102 والحيوان 6: 116 والضرائر ص221 والمقرب 2: 160 والمحتسب 1: 310 والصحاح واللسان والتاج "كثو" و"نعم" و"زوي". جعل أعداءه كالنعام. وهو إزاءهم كالأسد. والزوزأة من قولك: زوزى، إذا نصب ظهره وأسرع.
10 رؤبة. سر الصناعة 1: 102 وشرح الشافية 2: 250 و3: 204 وشرح شواهدها ص175-176. والدكاديك: مع دكداك. وهو الرمل المتلبد في الأرض. والبرق: جمع برقة. وهي غلظ فيه حجارة ورمل.
(1/216)

يا دارَ مَيٍّ, بِدَكادِيكِ البُرَقْ ... صَبرًا, فقَد هَيَّجتِ شَوقَ المُشتَئِقْ
وحَكى أيضًا من كلامهم: رَجُلٌ مَئِلٌ1، من المال. والأصل في ذلك: قَوقَى وحَلَّى ورَثَى ولَبَّى والزَّوزاة والمُشتاق ورَجلٌ مالٌ2.
وأُبدلت من الألف باطِّراد في الوقف، نحو قولك في الوقف3 على حُبلَى ومُوسَى ورأيتُ رجلًا: حُبلأْ، ومُوسأْ، ورأيتُ رَجُلأْ. وقد تَقَدَّم ذلك في باب الوقف4.
وأُبدلت أيضًا باطِّراد من الألف الزائدة، إذا وقعت بعد ألف الجمع، في نحو "رسائل" في جمع رسالة, هروبًا من التقاء الساكنين: ألف الجمع وألف"رسالة", فقُلبت همزةً لأنَّ الألف لا تقبل الحركة، والهمزةُ قريبةُ المخرج5 من الألف لأنها معًا من حُروف الحلق. وحُرِّكت الهمزة بالكسر، على أَصل التقاء الساكنين. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا البدل.
ومن هذا القبيل، عندي6، إبدالُها من الياء والواو، إذا وقعتا طرفًا بعد ألف زائدة، نحو: كِساءٍ ورِداءٍ. وذلك أنَّ الأصل "كِساوٌ" و"رِدايٌ"، فتحرَّكتِ الواو والياء7 وقبلهما فتحة، وليس بينهما وبينها حاجز إِلَّا الألف، وهي حاجز غير حصين لسكونها وزيادتها، والياء والواو في محلِّ التغيير –أعني طَرَفًا- فقُلبتا8 ألفًا. فاجتمع ساكنان: الألف المبدلة من الياء أو الواو9 مع الألف الزائدة. فقُلبت همزة. ولم تُرَدَّ إلى أصلها من الواو والياء10 لئلّا يُرجع إلى ما فُرَّ منه.
فإن كان بعد الياء أو الواو تاء التأنيث، أو زيادة التثنية، فلا يخلو أن تكون الكلمة قد بُنيت على التاء أو الزيادتين أو لا تُبنى. فإن بُنيت عليها بقيت الياء والواو على أصلهما ولم يُغيَّرا، نحو: رِماية وشَقاوة وعَقَلتُه بثِنايَينِ11. وإن لم تُبن عليها وجُعلت كأنها12 ليست في الكلمة قُلبت، نحو: عَظاءة13 وصَلاءة14 وكِساءانِ ورداءانِ.
__________
1 أي: كثير المال.
2 كذا. والأصل الأول "مَوِل" قلبت الواو ألفًا.
3 الكتاب 2: 285 والإبدال 2: 545.
4 كذا. ولم يتقدم للوقف باب في هذا الكتاب. وانظر ص68 و78 و81-82 و113.
5 م: قريبة في المخرج.
6 م: "أعني". وسقطت من ف.
7 ف: الياء والواو.
8 م: "فقلبتها". ف: فقلبت.
9 ف: والواو.
10 م: من الياء والواو.
11 عقلت البعير بثنايين أي: عقلت يديه بحبل أو بطَرَفَي حبل. انظر التاج "ثني".
12 م: كأنهما.
13 العظاءة: دويبة.
14 الصلاءة: مدقُّ الطيب.
(1/217)

وقد يُفعل ذلك بالياء والواو، وإن كانتا بعد ألف غير زائدة، نحو قولهم في آية وثاية1 وطاية2 في النسب: [31 ب] آئيّ وثائيّ وطائيّ، تشبيهًا للألف غير الزائدة بالألف الزائدة.
ومن هذا القبيل أيضًا، عندي3، إبدالُهم الهمزةَ من الياء والواو، إذا وقعتا عينينِ في اسم الفاعل بعد ألف زائدة، بشرط أن يكون الفعل الذي أُخذ منه اسم الفاعل قد اعتلَّت عينه، نحو: قائم وبائع. الأصل فيهما "قاوِمٌ" و"بايِعٌ"، فتحرَّكت الواو [والياء] 4 وقبلهما فتحة، وليس بينها وبينهما حاجز إِلَّا الألف الزائدة -وهي كما تَقَدَّم حاجزٌ غيرُ حصينٍ- وقد كانت الياء والواو قد اعتلَّتا في الفعل في "قامَ" و"باعَ"، فاعتلَّتا5 في اسم الفاعل حملًا على الفعل، فقُلبتا6 ألفًا فاجتمع ساكنان، فأُبدل من الثانية همزة، وحُرِّكت 7 هروبًا من التقاء الساكنين. وكانت حركتها الكسر على أصل التقاء الساكنين.
وزعم8 المبرّد أن ألف "فاعِل" أُدخلت قبل الألف المنقلبة، في "قالَ" و"باعَ" وأمثالهما، فالتقى ألفان –وهما لا يكونان إِلَّا ساكنين- فلزم الحذفُ لالتقاء الساكنين أو التحريكُ. فلو حذفتَ لالتبس9 الكلام وذهب البناء، وصار الاسم على لفظ الفعل. فتحرَّكت العين لأنَّ أصلها الحركة، والألف إذا تحرَّكت صارت همزة.
فإن صحَّ حرف العِلَّة في الفعل صحَّ في اسم الفاعل، نحو: عاوِر10، المأخوذ من "عَوِرَ"11، على ما يُحكم في باب القلب12.
فالهمزة في هذا الفصل والذي قبله، وإن كانت مبدلة من الياء والواو، من جنس ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف؛ لأنهما لا تُبدل منهما همزةٌ إِلَّا بعد قَلبهما ألفًا كما تَقَدَّم، ولا يجوز اللفظ بالأصل في "قائم" وبائع" وبابهما، لا تقول "قاوِمٌ" ولا "بايِعٌ"13.
__________
1 الثاية: مأوى الغنم والبقر.
2 الطاية: مربد التمر.
3 سقط من م.
4 من م.
5 في النسختين: فاعتلت.
6 في النسختين: فقلبت.
7 م: وحركة.
8 سقط حتى قوله "صارت همزة" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف على طيارة. وقد نقل جهل مالكي النسخة هذا الطيارة إلى موضع آخر من الكتاب، فأثبتناها هنا على الصواب. وانظر المقتضب 1: 99.
9 ف: لا التبس.
10 ف: مُعاود.
11 ف: عاوَدَ.
12 كذا. وفي باب القلب أحال على ما هنا، دون بيان. انظر الورقة 42.
13 ويجوز فيما كانت فاؤه أن تبدل الهمزة بعد الألف فيه ياء، نحو: آيِبٌ وآيِمٌ وآيِلٌ وآيِنٌ.
(1/218)

ومن قبيل ما أُبدلت الهمزة فيه من الألف باطِّراد إبدالُهم الهمزة من ألف التأنيث، في نحو: صَحراء وحَمراءَ وأشباههما. الهمزة في جميع هذا مبدلةٌ من ألف التأنيث.
فإن قال قائل: وما الدليل على ذلك؟ فالجواب أن تقول1: الدليل على ذلك أنَّ الهمزة لا تخلو من أن تكون للتأنيث بنفسها، أو بدلًا من ألف التأنيث. فباطلٌ أن تكون بنفسها للتأنيث لأمرين:
أحدهما: أنَّ الألف قد استقرَّت للتأنيث في "حُبلَى" وأشباهه، والهمزة لم تَستقرَّ له، إذ قد يمكن أن تجعل بدلًا من ألف. وإذا أمكن حمل الشيء على ما استقرَّ وثَبَتَ كان أَولَى من أن يُدَّعى أنه خلاف الثابت والمستقرِّ2.
والآخر: أنهم قالوا في جمع صحراءَ: صَحارِيٌّ، وفي بطحاءَ: بَطاحِيٌّ. قال الوليد بن يزيد3:
لَقَد أَغدُو, على أَشقَـ ... ـرَ, يَغتالُ الصَّحارِيَّا
وقال غيره4:
إِذا جاشَتْ حَوالِبُهُ تَرامَتْ ... ومَدَّتْهُ البَطاحِيُّ, الرِّغابُ
ولو لم تكن هذه الهمزةُ مُبدلةً من ألف التأنيث لوجب، في لغة من يُحقِّقُ، أن يُقال: "بَطاحِيءُ" و"صَحارِيءُ"، كما قالوا: قُرَّاءٌ5 وقَرارِيءُ. لكن لمَّا كانت مبدلة، لأجل الألف التي قبلها، وجب رجوعها إلى أصلها لزوال مُوجب القلب في الجمع6، وهو الألف التي قبلها، فصار "صحارِيْ ا"، فوقعت الياء الساكنة قبل الألف التي للتأنيث، فقلبت الألف ياء لوقوع الياء والكسرة قبلها، ثمَّ أُدغمت الياء في الياء.
فإن قال قائل: إِنَّما يدلُّ قولهم "صحاريّ" على أنَّ الهمزة مبدلةٌ من غيرها، إذ لو لم7 تكن بدلًا لقالوا "صَحارِيءُ"8. فأمَّا أنها مبدلة من الألف فليس على ذلك دليلٌ. إذ لعلَّها بدلٌ من ياء أو واو. فالجواب أنه إذا ثَبَتَ أنها بدلٌ فينبغي أن تجعل بدلًا من ألفٍ؛ لأنَّ الألف قد ثَبَتَتْ
__________
1 م: يقول.
2 م: خلاف المستقر.
3 ديوانه ص58 وسر الصناعة 1: 97 والإنصاف ص816 وشرح الشافية 1: 194 وشرح شواهده ص95 وشرح الملوكي ص269 وشرح المفصل 5: 58 والخزانة 3: 324-326. وأغدو: أذهب صباحًا. والأشقر: فرس حمرته صافية. ويغتال: يقطع بسرعة فائقة.
4 سر الصناعة 1: 97 والخزانة 3: 325 وشرح المفصل 5: 58. وجاشت: اضطرمت. والحوالب: منابع العرق. والبطاحي: جمع بطحاء والرغاب: الواسعة.
5 القراء: الناسك المتعبد.
6 سقط "في الجمع" من م.
7 سقط من م.
8 ف: صحاريّ.
(1/219)

للتأنيث، كما1 ذكرنا في "حُبلَى" وأمثاله، ولم تثبتِ الياء ولا الواو للتأنيث، في موضع من المواضع.
فهذا2 جميع ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، مَقيسًا ذلك فيه، وغيرَ مَقيس3.
__________
1 م: لما.
2 م: هذا.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
(1/220)

باب إبدال الهمزة من الواو: 1
الواو2 لا يخلو من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت متحرِّكة فلا يخلو من أن تكون أوَّلًا أو غير أوَّل. فإن كانت أوَّلًا فلا يخلو أن تكون وحدها، أو ينضاف إليها واو أُخرى. فإن انضاف إليها أُخرى أُبدلت الأُولى3 همزةً، هروبًا من ثقل الواوين. وذلك نحو قولهم في جمع واصِل: أَواصِلُ4. أصله "ووَاصِلُ" فقلبت الواو همزة. وكذلك أُوَلٌ أصله "وُوَلٌ"؛ لأنه "فُعَلٌ"5 من لفظ أَوَّلَ، وأَوَّل فاؤه وعينه واو. فقُلبت الواو الأُولى همزة. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا الهمز.
فإن كانت وحدها فلا يخلو6 من أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة. فإن كانت مكسورة أو مضمومة جاز أن تُبدِل منها همزةً، فتقول في "وُعِدَ": أُعِدَ، وفي "وُقِّتَتْ": أُقِّتَتْ، وفي "وِسادة": إِسادة، وفي "وِعاء": إِعاء. وقد [32 أ] قُرئ: "ثُمَّ استَخرَجَها مِن إِعاءِ أَخِيهِ"7. وكذلك تَفعل بكلِّ واوٍ تقع أوَّلًا مكسورةً أو مضمومة.
وإنَّما فعلتَ ذلك، لثقل الضَّمَّة والكسرة في الواو. وذلك أنَّ الضَّمَّة بمنزلة الواو، والكسرة بمنزلة الياء. فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع واوان. وإذا كانت مكسورة فكأنه قد
__________
1 سقط "باب" من ف.
2 سقط من م. وانظر سر الصناعة 1: 104-113 والكتاب 2: 313. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك وغيره أحكام إبدال الواو همزة إذا كانت أوَّلًا أو حشوًا. انظر الارتشاف 1: 126-127.
3 م: الأول.
4 م: "قولهم أواصل في جمع واصل". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: أُوَيصِل تصغير واصل أصله: وُوَيصِل.
5 م: "وكذلك أولى أصله وولى لأنه فعلى". ومثله في سر الصناعة 1: 111 وفي نسخة الخفاف كما جاء في حاشية ف.
6 م: فلا تخلو.
7 الآية 76 من سورة يوسف. وهذه قراءة سعيد بن جبير. انظر البحر المحيط 5: 332، حيث ذكر أبو حيان أن هذه لغة هذيل. وانظر المنصف 1: 230.
(1/221)

اجتمع لك ياء وواو. فكما أنَّ اجتماع الواوين، والياء والواو1، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمَّة، والواو والكسرة.
وزعم المازنيُّ2 أنه لا يجوز همز الواو المكسورة بقياس، بل يُتَّبع في ذلك السماع. وهذا الذي ذهب إليه فاسد، قياسًا وسماعًا:
أمَّا القِياس فلِما ذكرنا من أنَّ الواو المكسورة بمنزلة الياء والواو، فكما يكرهون اجتماع الياء والواو، حتَّى يَقلِبونَ الواو إلى الياء، تَقَدَّمتْ أو تأخَّرتْ، فيقولون: "طَوَيتُ طَيًّا" والأصل "طَوْيًا"، ويقولون: "سَيِّدٌ" والأصلُ "سَيْوِدٌ". فكذلك ينبغي أن يكون النُّطقُ بالواو المكسورة مستثقلًا3.
فإن قال قائل: هلَّا قِستم "وشاحًا" وأخواتِه على وَيح ووَيس وأمثالهما. فكما أنَّ الواو والياء إذا اجتمعتا في أوَّلِ الكلمة لم يوجب ذلك قلب الواو همزة، فكذلك الواو مكسورة. فالجواب أنَّ الواو المكسورة إنَّما تُشبه الواو الساكنة إذا جاءت بعدها ياء نحو طَيّ. وذلك أنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف. وسيقام الدليل على ذلك في موضعه. فالكسرة إذًا من وِشاح في النيِّة بعد الواو، وهي بمنزلة الياء، وتبقى الواو ساكنة. فكما أنه إذا كانت الواو قبل الياء، وكانت ساكنة، يجب إعلالها. نحو طَيّ، فكذلك يجب إعلال ما أشبهها، نحو: وِشاح.
فإن قيل: فهلَّا أُعلَّت بقلبها ياء, كما فُعل بها في طَيّ. فالجواب أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنَّ المقصود بالإعلال التخفيف، والكسرة في الياء ثقيلة، فأُعلَّت بإبدال الهمزة منها4.
وأمَّا السماع فلأنهم 5 قد قالوا: إسادةٌ وإشاح وإعاء وإفادة. وكثُرَ ذلك كثرةً، توجب القياس في كل واو مكسورة وقعت أوَّلًا.
وإنْ كانت مفتوحةً لم تُهمز إِلَّا حيثُ سُمِعَ؛ لأنَّ الفتحة بمنزلة الألف. فكما لا تُستثقَل6 الألف والواو,7 في نحو: عاوَدَ8، وأمثاله فكذلك لا تُستثقل الواو المفتوحة. والذي سُمِع من
__________
1 م: والواو والياء.
2 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بنص، نقله من "الشرح الصغير" على الجمل لابن عصفور. وفيه أن مذهب المازني هو خلاف ما يذكره ابن عصفور هنا، وأن الجرميَّ هو الذي منع القياس في هذه المسألة. وفي الحاشية أيضًا بخطه أن أكثر النحاة على القياس في ذلك. وأن همز أحد وأناة شاذ باتفاق. وفي الارتشاف1: 127 أن همز المكسورة وعدم همزها مرويان عن الجرمي والمازني.
3 م: مستقبلًا.
4 سقط "فإن قال قائل هلا قستم ... بإبدال الهمزة منها" من م.
5 ف: فإنهم.
6 م: لا تستقبل.
7 كذا، فهو يقيس الواو المفتوحة على اجتماع الألف والواو. والفتحة هناك هي بعد الواو، والألف هنا هي قبلها. وبين الوجهين ما ترى من الفارق. وانظر ما احتج به في قياس وشاح على طيّ ص222.
8 كذا بحمل الواو المفتوحة أوَّلًا على "عاود"، وسيحمل فيما بعد "عاود" على الواو المفتوحة أوَّلًا. انظر ص223-224.
(1/222)

ذلك: أَجَمَ في "وَجَمَ"، و1 امرأة أَناةٌ وأصله "وناةٌ" من الوُنِيِّ وهو الفُتور، وأَحَدٌ في "وَحَدٍ"، وأسماءُ في "وَسماءَ".
فإن وقعت غير أوَّل فلا يخلو من أن تكون مكسورة أو مفتوحة أو مضمومة. فإن كانت مضمومة جاز إبدالها همزة، بشرط أن تكون الضَّمَّة لازمة، وألَّا يمكن تخفيفها بالإسكان. قالوا2 في جمع نارٍ: "أَنْؤُرٌ"، ودارٍ: "أَدْؤُرٌ"، وثَوبٍ: "أَثْؤُبٌ". قال3.
لِكُلِّ حالٍ، قَد لَبِستُ أَثؤُبا
وإنَّما قُلبت همزة لِما ذكرنا من استثقال الضَّمَّة في الواو، مع أنه لا يمكن تخفيفها بالإسكان، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى التقاء الساكنين. ولو أمكن ذلك لم تُبدل همزةً، نحو قولهم: سُوُر4، في جمع سِوار.
فإن كانت الضَّمَّة غيرَ لازمة لم تُبدل الواو همزة، لا تقول: هذا "غَزْءٌ" تريد: هذا غَزْوٌ، ولا تقول: "لَؤُ استَطَعنا" تريد: لوُ استَطَعنا؛ لأنَّ الضَّمَّة في غزو إعراب، وفي واو "لو" لالتقاء الساكنين, وحركة الإعراب وحركة التقاء الساكنين عارضتان5، فلا يُعتدُّ بهما.
وزعم ابن جنِّي أنه لا يجوز قلب الواو المضمومة همزة إذا كانت زائدة، وإن اجتمع الشرطان؛ فلا يقال: "التَرَهْؤُكُ" في مصدر تَرَهوَكَ. والسبب في ذلك عنده أنها إذا كانت أصليَّة فإنَّ تصريف الكلمة، أو اشتقاقها، يدلُّ على أنَّ الهمزة مبدلة من واو، ولا يُتصوَّر ذلك فيها إذا كانت زائدة. فلو أُبدلت لأدَّى ذلك إلى الإلباس، في بعض المواضع، فلم يُدرَ: أزِيدَتِ ابتداءً، أم زِيدَتِ الواو أوَّلًا ثمَّ أُبدلت الهمزة منها؟ فلمَّا كان إبدال الزائدة يؤدِّي إلى الإلباس، في بعض المواضع، رُفض إبدالها. وممّا يقوِّي هذا المذهب أنها لا تُحفظ من واو زائدة مبدلةً6.
وإن كانت مفتوحةً لم يجز قلبُها أصلًا؛ لأنَّ قلبها في أوَّل الكلمة –كما ذكرنا- لا يُقاس.
__________
1 المنصف 1: 231-232. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: جاء في الحديث: "فقد ذهبتْ أَبَلَتُه" –وذلك من الثقل والوخامة– وقولهم: استوبلت البلد. وانظر الفائق والنهاية "أبل". وبخطه أيضًا عن ابن الخشاب أن أناة تحمل على كونها من "ء ن ي"، وأحد من الوحدة مع ورود "أحِّدْ أحِّدْ"، وأبلة من الوبالة، وناقة أفْتٌ للسريعة فيه قلب مكاني وإبدال لأنه في الأصل فوت مصدر وصف به، فقدمت الواو وأبدلت همزة. قلت: الصواب أنَّ الأفت لا قلب فيه ولا إبدال.
2 المنصف 1: 284.
3 معروف بن عبد الرحمن. الكتاب 2: 185 والمقتضب 1: 29 و132 و2: 199 وسر الصناعة ص804 وديوان حميد بن ثور ص61 ومجالس ثعلب ص371-372 والمنصف 1: 284 واللسان "ثوب" والعيني 4: 522.
4 م: أسؤر.
5 م: عارضتين.
6 سقط "وزعم ابن جني أنه ... زائدة مبدلة" من م. وفي الارتشاف 1: 126-127 أن هذا الحكم خلاف لابن جني.
(1/223)

[32 ب] فإذا كانت لا تُهمز في أوَّل الكلمة إِلَّا حيث سُمِعَ، مع أنَّ أوَّلَ الكلمة طرف، فالتغيير إليه أسرع من التغيير إلى الحشو، فالأحرى ألَّا تنقلب1 حشوًا. فلا تقول في عاوَدَ: "عاءَدَ"، ولا في ضَوارِب: "ضآرِب". ولا يُحفظ من كلامهم شيء من ذلك.
فإن كانت مكسورةً، أو واقعة موقعَ حرف مكسور، فلا يخلو أن تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أو لا تقع. فإن2 لم تقع بعدها لم تُهمز. وهي في مثل قائم بدل من ألف لا من واو. فإن وقعت بعدها فلا يخلو أن يكون قبل الألف ياء أو واو أو لا يكون. فإن كان3 قبلها واو أو ياء لزم قلب الواو همزة، إن كانت تلي الطرف. فتقول في جمع أوَّل: أَوائلُ، وفي جمع سَيِّد: سَيائدُ. والأصل "أَواوِل" و"سَياوِد"، فقُلبت الواو همزة لاستثقال الواوين والألف، أو الياء والواو والألف، وبناء الجمع الذي لا نظير له في الآحاد.
هذا مذهب جمهور النحويين، إِلَّا أبا الحسن الأخفش، فإنه كان لا يهمز من ذلك إِلَّا ما كانت الألف منه بين واوين، ويجعل ذلك نظيرًا للواوين إذا اجتمعا في أوَّل الكلمة. فكما أنك تهمز الأُولى منهما للعِلَّة التي تقدَّم ذكرها. فكذلك تهمز الواو الآخرة في أوائل وأمثاله. ولا يرى مثل ذلك، إذا اجتمعت ياءان أو واو وياء. ويقول: لأنه إذا التقى الياءان أو الياء والواو أوَّلًا، نحو بَيْن اسم موضع، ووَيل ويَوم، لم يلزم الهمز. فكذلك لا يُهمز عنده مثل: سَيائق4 وسَيائد5.
ما لم تَصِحَّ الواو في المفرد، في موضع ينبغي أن تعتلَّ6 فيه، أو تكونُ الواو في نيَّة ألَّا تَلِيَ الطرف، فإنها تصحُّ إذ ذاك ولا يجوز أن تُبدل منها الهمزة. فتقول7 في جمع ضَيْوَنٍ8: ضَياوِنُ. ولا تقلب الواو همزةً لصحَّة الواو في ضَيْوَن، إذ قد9 كان ينبغي أن يكون ضَيَّنًا وتقول10 في جمع عُوَّارٍ11، إذا قَصرته للضرورة: عَواوِرُ؛ لأنَّ الأصل فيه "عَواوِير"، فلا تكون
__________
1 م: "ألا يقلب". وقد حمل ههنا الواو حشوًا عليها أوَّلًا، وكان قد حمل قبلُ الواو أوَّلًا عليها حشوًا، انظر ص222-223.
2 سقط حتى "لا من واو" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف عن نسخة الخفاف.
3 المنصف 2: 43-46.
4 السيائق: جمع سيّقة. وهي ما سيق من النهب وطرد.
5 سقط: "هذا مذهب جمهور النحويين.. وسيائد" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. والسيائد: جمع سيّد وسيّدة. وانظر آخر هذا الباب.
6 م: تعمل.
7 المنصف 2: 46-46.
8 الضيون: السنَّور الذكر.
9 م: "إذ وقد". وانظر ص150 و204 و224 و329 و430.
10 المنصف 2: 47-50.
11 العوار: القذى أو الرمد.
(1/224)

الواو تلي الطرف في التقدير. قال1:
وكَحَّلَ العَينَينِ, بالعَواوِرِ2.
فلم تُهمز لأنَّ الأصل "العواوير".
وإن كانت الواو لا تَلي الطرف لم تهمز أصلًا نحو: عواوير في جمع عُوَّار، وطَواوِيس في جمع طاووس؛ لأنها قد قَويت ببُعدها عن محلِّ التغيير. وهو الطَّرفُ. إِلَّا أن تكون في نيَّة أن تَلِيَ الطَّرف، فإنه يلزمُ همزُها. وذلك نحو: أوائيل3 في جمع أوَّل، إذا اضطُررت إلى زيادة هذه الياء قبل الآخِر في الشعر؛ لأنَّ هذه الياء زِيدت للضَّرورة فلم يُعتدَّ بها.
فإن لم يكن قبل الألف واو، ولا ياء، فلا يخلو من أن تكون الواو في المفرد زائدة للمدِّ أو لا تكون. فإن كانت زائدة للمدِّ قُلبتْ همزة، نحو: حَلُوبة4 وحَلائب. وسبب ذلك أنها اجتمعت ساكنةً مع ألف الجمع، ولا أصل لها في الحركة فتُحَرَّكَ، فأُبدلت همزةً؛ لأنَّ الهمزة تَقبلُ الحركة.
وإن لم تكن زائدةً للمدِّ لم تُقلب همزةً أصلًا، إِلَّا حيث سُمع شاذًّا. والذي سُمع من ذلك: أَقائيمُ5 في جمع أَقوام. وأصله "أَقاويم"، فأُبدل من الواو المكسورة همزة، وإن كانت غير أوَّل، تشبيهًا لها بالواو المكسورة إذا وقعت أوَّلًا.
وأمَّا مَصائبُ في جمع مُصِيبة فكان القياس فيها "مَصاوِب"، على ما يُبيَّن في باب القلب6.
فإمَّا أن يكونوا همزوا الواو المكسورة غير أوَّلٍ شذوذًا، فتكون مثل أقائيم في جمع أقوام –وهو مذهب الزَّجَّاج- وإمَّا أن يكونوا غَلِطوا فشبَّهوا ياء مُصيبة، وإن كانت عينًا، بالياء الزائدة في نحو صحيفة، فقالوا: مَصائب، كما قالوا: صَحائف. وهو مذهب سيبويه7. والأوَّلُ أَقيسُ عندي؛ لأنَّه قد ثَبَت له نظيرٌ. وهو أَقائيم8.
فإن9 لم تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، أو وقعت بعدها في غير الأماكن.
__________
1 جندل بن مثنى الطهوي. الكتاب 2: 364 والمنصف 2: 49 والخصائص 1: 195 و3: 164 و326 وشرح الشافية 3: 131 وشرح شواهده ص374-376.
2 م: بالعواوير.
3 في النسختين: أوائل.
4 الحلوبة: ذات الحليب من الأنعام. م: حُلوبه.
5 م: أقائم.
6 انظر ص323.
7 الكتاب 2: 367.
8 م: أقائم.
9 سقط من م حتى قوله "إبدال الهمزة من الألف".
(1/225)

المذكورة، لم تُهمز أصلًا، بلا خلاف في شيء من ذلك. إِلَّا أن تقع بعد ألف زائدة، في اسم مفرد يوافق الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، في الحركات وعدد الحروف، وقد تقدَّم الألفَ ياءٌ أو واو، فإنَّ في ذلك خلافًا. فمذهب سيبويه إجراء ذلك مُجرى الجمع لقربه منه، فتُبدل الواو همزة. ومذهب الزَّجَّاج أنه لا يجوز إبدالها لأنَّ الاسم مفرد، وإنَّما ثَبَتَ إبدالها في المجموع. فتقول في "فُواعِل" من القوَّة، على مذهب سيبويه:" قُواءٍ". وعلى مذهب الزَّجَّاج: "قُواوٍ". وهذا النوع لم يَرِد به سماع، لكنَّ القياس يقتضي ما ذهب إليه سيبويه. أعني من1 أنه إذا قوي الشبه بين شيئين حُكِم لكلِّ واحد منهما بحكم الآخر.
فأمَّا قائم وأمثاله فمن قَبيل ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، وقد تقدَّم ذلك في فصل2 إبدال الهمزة من الألف.
فإن كانت الواو ساكنةً لم تُهمز إِلَّا في ضرورة، بشرط أن يكونَ ما قبلها حرفًا مضمومًا، فتُقدَّر الضَّمَّة على الواو، فتُهمز كما تُهمز الواو المضمومة. فتقول [33 أ] في الشعر في3 مثل مُوعِد: مُؤعِدٌ. قال4:
أَحَبُّ المُؤقِدِينَ إليَّ مُؤسَى ... [وجَعْدةُ, إِذ أضاءهُما الوَقُودُ]
__________
1 كذا.
2 كذا.
3 سقط من م.
4 خرجناه في ص69. وفي حاشية ف بخط أبي حيان.
لَحَبَّ المؤقِدانِ إليَّ مُوسَى ... وجَعْدةُ, إذ أضاءهُما الوَقُودُ
(1/226)

باب إبدال الهمزة من الياء:
الياء1 تُبدل همزةً باطِّراد، إذا وقعت بعد الألف التي في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد, في مذهب سيبويه2، بشرط أن تكون قد زيدت في المفرد للمدِّ، نحو: صَحِيفة وصَحائف وكَتِيبة وكَتائب.
فإن لم تكن الياء زيدت3 في المفرد للمدِّ لم تُهمز، إِلَّا بشرط أن تكون تلي الطرف لفظًا أو نيَّة، وبشرط أن يكون ألف الجمع يلي واوًا أو ياءً. فتقول4 في جمع عَيِّلٍ5: عَيائل، فتهمز لثقل البناء مع ثقل اجتماع حروف العلَّة –وهي الياءان6 والألف– مع قرب الياء من محلِّ التغيير. وهو الطرف. وكذلك لو اضطُرِرتَ فقلتَ في جمعه7: عَيائيل، فزدت ياءً لَهمزتَ؛ لأنَّ الياء في النِّيَّة تلي للطرف، ولا يُعتدُّ بالياء المزيدة لأنها عارضة في الجمع، إنَّما أُتي بها للضرورة. فإذا زالت من محلِّ الضرورة حذفتَ الياء. قال الشاعر8:
فِيها عَيائيلُ أُسُودٍ, ونُمُرْ
فهمز.
وكذلك لو بنَيتَ9 "فَوعَلًا" من البَيع لقلت: بَيَّعٌ. أصله "بَويَعٌ"، فقلبتَ الواو ياء لأجل الإدغام. فإذا جمعته قلت: بَوائعُ، فتهمز الياء لما ذكرنا من ثقل البناء، وثقل اجتماع حروف
__________
1 انظر سر الصناعة 1: 104-113 والكتاب 2: 313.
2 سقط "في مذهب سيبويه" من النسختين وأُلحق بحاشية ف بخط أبي حيان.
3 م: مزيدة.
4 المنصف 2: 43-45.
5 العيل: واحد العيال. وهي الأولاد الذين يعال بهم.
6 م: الياء.
7 ف: "في جمع". وألحق في الحاشية "عيل".
8 حكيم بن معية الربعي. الكتاب 2: 179 وشرح أبياته 2: 396 والمخصص 11: 7 والمقتضب 2: 203 وشرح المفصل 5: 18 و10: 91 وشرح الشافية 3: 132 وشرح شواهده ص377-381. وروي: عياييل.
9 المنصف 2: 44.
(1/227)

العلَّة –وهي الياء والواو والألف- مع القرب من محل التغيير. وهو الطرف. وكذلك لو اضطررت فزدت ياء قبل الآخر، فقلتَ: بَوائيعُ، لهمزت لأنَّ الياء عارضة كما تَقَدَّم.
ولو جمعتَ مثل "بَيَّاع" لقلت "بَيايِيعُ"1، ولم تهمز. وإن قدَّرتَ بَيَّاعًا: "فَوعالًا" قلت: بَوايِيعُ، ولم2 تهمز أيضًا لبعد الياء من الطرف لفظًا ونيَّةً.
وزعم 3 أبو الحسن الأخفش أنه لا يجوز قلب الواو همزة، إِلَّا إذا اكتنف ألفَ الجمع واوان4، نحو أوَّل وأوائل. فأمَّا إن اكتنفها ياءان، أو واو وياء، فلا يحوز عنده قلب حرف العلَّة الذي بعد الألف. بل يقول في جمع "فَوعَل" من البيع: بَوايِعُ، وفي جمع بَيَّن: بَيايِنُ، وفي جمع سيِّد المتقدِّم في فصل5 الواو: سَياوِدُ. وحجَّته على ذلك أنَّ الواوين أثقل من الياءين، ومن الواو والياء، والقلبُ لم يُسمع إِلَّا في الواوين، نحو قولهم في جمع أوَّل: أوائلُ. فلا يقاس عليه ما ليس من رتبته من الثقل.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد، بدليل ما حكاه المازنيُّ عن الأصمعيِّ. من قولهم في جمع عَيِّل: عَيائلُ بالهمزة، ولم تكتنف ألفَ الجمع واوان. فدلَّ ذلك على أنَّ العرب استثقلت في هذا وأمثاله اكتناف ألف الجمع حرفا علَّة.
فإن قال قائل: فلعلَّ قولهم في [جمع] عَيِّل: "عَيائلُ" شاذّ. لذلك لم يُسمع من ذلك إِلَّا هذه اللفظة، فلا ينبغي أن يقاس عليه. فالجواب أنه، وإن لم يُسمع منه إِلَّا هذه اللفظة، لا ينبغي أن يُعتقد فيه الشذوذ؛ لأنه لم يرد له نظير غير مهموز،6 فيُجعلَ الهمز في هذا شذوذًا. بل جميع ما أتى من هذا النوع هذا اللفظُ –وهو مهموز- فكان جميع ما أتى من هذا الباب مهموزًا. إذ هذا اللفظ هو جميع ما أتى من هذا الباب.
وقد جعل أبو الحسن مثل هذ أصلًا يقاس عليه. وذلك أنه قال في النسب إلى فَعُولة: "فَعَلِيّ"7، نحو: رَكَبِيّ في النسب إلى رَكُوبة، قياسًا على قولهم في النسب إلى شَنُوءة: شَنَئيَ. ثم أورد اعتراضًا على نفسه فقال: فإن قال قائل: فإنَّ قولهم [شَنَئيّ] شاذّ، فلا ينبغي أن
__________
1 م: بيائيع.
2 ف: فلم.
3 سقط من م حتى قوله "ولا موافقًا أصلًا يقاس عليه". وانظر ص224 والمنصف 2: 45-46.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك مذهب الأخفش، مع جمعه صايدة على صوايِد، وبنائه مثل عُوارض من القول "قُواوِل" لأنه في مفرد لا جمع.
5 كذا. والصواب: باب.
6 كذا أيضًا. وقالوا: أيِّم وأيايم، وأيِّل وأيايل، وفي جمع عيِّل عيايل.
7 كذا. وهو مذهب سيبويه لا الأخفش. انظر الكتاب 2: 70 وشرح الشافية 2: 23 وشرح المفصل 5: 148 وحاشية الصبان 4: 134.
(1/228)

يقاس عليه إذ لم يجئ غيره. فالجواب أنه جميع ما أتى من هذا النوع. فجعله، لمّا لم يأت غيره مخالفًا له ولا موافقًا، أصلًا يقاس عليه.
فهذا جميع ما تُبدل فيه الياء همزة باطِّراد. فأمَّا مثل بائع ورِداء فإنَّ الهمزة فيهما1 وأمثالهما بدل من ألف، وإن كان الأصل "بايِع" و"رِداي" كما تَقَدَّمَ.
وأُبدلت منها، من غير اطِّراد، في: أَدْيٌ. وأصله "يَدْيٌ"، فردَّ اللَّام، ثمَّ أُبدلت الياء همزةً. حُكي من كلامهم: قَطَع الله أَدْيَه. وقالوا: في أسنانِه ألَلٌ. وأصله يَلَلٌ2، فأبدلوا الياء همزة. وقالوا: رِئبال. وأصله رِيبال3، فأُبدلت الياء همزة. وكذلك قالوا: الشِّئمة، يريدون4 الشِّيمة -ومعناها الخليقة- فأبدلوا أيضًا الياء همزة.
وإنَّما جعلنا الهمزة في أَلَل ورِئبال والشِّئمة5 [23 ب] بدلًا من الياء، ولم تُجعل أصلًا بنفسها؛ لأنَّ الأكثر في كلامهم: يَلَلٌ ورِيبال وشِيمة6 بالياء، واستعمال هذه الأسماء بالهمزة قليل. فدلَّ ذلك على أنَّ الهمزة بدل، وأنَّ الياء هي الأصل.
فهذا [أيضًا] 7 جميعُ ما جاءت فيه الهمزة بدلًا من الياء، على غير اطِّراد.
__________
1 كذا. والضمير يعود على "مثل".
2 اليلل: قصر الأسنان والتزاقها وإقبالها إلى داخل الفم.
3 الريبال: الأسد.
4 في النسختين: يريد.
5 الحق في حاشية ف: وضئزى.
6 ألحق بعدها في ف: "وضيزى". والقسمة الضيزى: الناقصة الجائرة.
7 من م.
(1/229)

باب إبدال الهمزة من الهاء:
أُبدلت الهمزة من الهاء1 في ماء. وأصله "مَوَهٌ"، فقلبت الواو ألفًا والهاء همزة. والدليل على ذلك قولهم في الجمع: أَمواهٌ. وقد أُبدلت الهاء أيضًا2 همزة في جمع ماء3، فقالوا: أَمواءٌ. قال4:
وبَلدةٍ, قالِصَةٍ أَمواؤُها ... تَستَنُّ, في رأْدِ الضُّحَى, أَفياؤُها
وإنَّما جُعلت الهاء هي الأصل؛ لأنَّ أكثر تصريفِ الكلمة عليها. قالوا: أَمواهٌ ومِياهٌ، وماهَتِ5 الرَّكِيَّةُ. إلى غير ذلك من تصاريفها.
وأُبدلتْ أيضًا منها في آل. أصله أَهْل، فأبدلت الهاء همزة فقِيل "أَأْل"، ثمَّ أُبدلت الهمزة ألفًا فقيل: آلٌ.
فإن قيل: فهلَّا جعلتَ الألف بدلًا من الهاء أوَّلًا. فالجواب أنه لم يَثبت إبدال الألف من الهاء في غير هذا الموضع، فيُحملَ هذا عليه. وقد ثَبَتَ إبدال الهمزة من الهاء في ماء، فلذلك حُمل آلٌ على أنَّ الأصل فيه أهل، ثمَّ "أأْل" فأبدلت الهاء همزة.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ على أنَّ الأصل أهل، وهلَّا جعلتَ الألف منقلبة عن واو. فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على ذلك قولُهم في التصغير: أُهَيلٌ. ولو كانت الألف منقلبة عن واو لقيل في تصغيره6 "أُوَيلٌ". وممَّا يؤيِّد7 أنَّ الأصل أَهلٌ أنهم إذا أضافوا إلى المضمر قالوا: أَهلُكَ وأَهلُهُ.
__________
1 انظر المنصف 2: 149-152 وسر الصناعة 1: 113-120.
2 م: وأبدلت أيضًا الهاء.
3 ف: الماء.
4 سر الصناعة 1: 113 والمنصف 2: 151 ورصف المباني ص84 والمخصص 15: 106 واللسان والتاج "موه" وشرح الشافية 3: 208 وشرح شواهده 437-440. والقالصة: المفقودة. وتستنَّ: تجري في السنن. وهو وجوه الطريق. ورأد الضحى: ارتفاع النهار. والأفياء: جمع فيء. يريد: ليس فيها ماء ولا ظل.
5 ماهت: ظهر ماؤها وكثر.
6 م: التصغير.
7 م: ومما يؤكد.
(1/230)

لأنَّ المضمر يردُّ الأشياء 1 إلى أصولها. ولا يقال: آلُكَ وآلُه، إِلَّا قليلًا جدًّا، نحو قوله2:
وانصُرْ, عَلى دِينِ الصَّلِيـ ... ـبِ, وعابِدِيهِ, اليَومَ, آلَكْ
وقول الآخر 3:
أنا الرَّجُلُ الحامِي حَقِيقةَ والِدِي ... وآلِي، كَما تَحمِي حَقِيقةَ آلِكا
ونحو قول الكِنانِيِّ: رَجلٌ من آلِكَ وليس منك.
وممّا 4 يدلُّ، على أنَّ الألف في آل بدل من الهمزة المبدلة من الهاء، أنَّ العرب تجعل اللفظ فيه بدل من بدل مختصًّا بشيء بعينه؛ ألا ترى أنَّ تاء القَسَم لمّا كانت بدلًا من الواو المبدلة من باء القسم لم تدخل إِلَّا على اسم "الله" –تعالى- ولم تدخل على غيره من الأسماء الظاهرة، ولا دخلت أيضًا على مضمر؟
وكذلك: أَسنَتَ الرَّجلُ. لمّا كانت التاء فيه بدلًا من الياء المبدلة من الواو؛ لأنَّ "أسنَتَ" من الفظ السَّنة، ولام سنة واو5 بدليل قولهم في جمعها: سنوات، جعلوها مختصَّة بالدخول في السنة الجدبة، وقد كان "أسنَى" قبل ذلك عامَّة، فيقال: أسنَى الرَّجلُ، إذا دخل في السنة، جدبة أو غير جدبة.
فكذلك آل. لمّا لم يُضف إِلَّا إلى الشريف، فيقال: آل اللهِ وآلُ السلطانِ، بخلاف "الأهل" الذي يُضاف إلى الشريف وغيره، دلَّ ذلك [على] أنَّ الألف فيه بدل من الهمزة المبدلة من الهاء، كما تَقَدَّمَ. وإنَّما خصَّت العرب ما فيه بدل من بدل بشيء؛ لأنه فرعُ فرعٍ، والفروع لا يُتصرَّف فيها تصرُّف الأصل، فكيف فرعُ الفرع؟
وأُبدلت أيضًا من الهاء في "هَلْ"، فقالوا: أَلْ فَعلتَ كذا؟ [يريدون: هل فعلتَ كذا] ؟ 6 حكى ذلك قُُطربٌ7 عن أبي عُبيدة. والأصل "هل" لأنه الأكثر.
__________
1 م: الأسماء.
2 عبد المطلب جد النبي, صلى الله عليه وسلم. الأشباه والنظائر 2: 207 وشرح التسهيل 3: 344 وهمع الهوامع 2: 50 والدرر اللوامع 3: 62 والتاج "أهل". وهو من أبيات قالها يوم غزا الأحباش مكة. السيرة 1: 51 والكامل 1: 159.
3 خفاف بن ندبة. ديوانه ص64 وشرح التسهيل 3: 244 والمساعد 2: 347 وشرح الكافية الشافية ص954 والخزانة 2: 471. م: آلك.
4 سقط من م حتى قوله "فكيف فرع الفرع ".
5 وقيل: إنها تاء.
6 من م.
7 محمد بن المستنير النحوي، أخذ عن سيبويه وكان عالِمًا ثقة، توفي سنة 206. إنباه الرواة 3: 219.
(1/231)

وأُبدلت أيضًا من الهاء في "هذا"، فقالوا: آذا. قال1:
فقالَ فَرِيقٌ: آأَذا، إِذ نَحَوتُهم, ... نَعَم, وفَرِيقٌ: لَيمُنُ اللهِ ما نَدرِي
أراد "أهذا" فقلب الهاء همزة، ثمَّ فصل بين الهمزتين بألف.
فأمَّا قولهم: تُدْرأٌٌ وتُدْرَةٌ، للدَّافع عن قومه فليس أحدُ الحرفين فيهما بدلًا من الآخر، بل هما أصلان بدليل مجيء تصاريف الكلمة عليهما. فقالوا: دَرأهُ ودَرَهَهُ ومِدْرأٌ2 ومدْرَهٌ.
__________
1 نصيب بن رباح. ديوانه ص94 والأزهية ص21 وتخليص الشواهد ص219 ورصف المباني ص43 والمقتضب 1: 228 و2: 90 و330 والأمالي 2: 208 والمغني ص101 وشرح شواهده ص104 وشرح أبياته 2: 268 والكتاب 2: 147 وشرح أبياته 2: 288 وشرح بانت سعاد ص32-33 والصناعتين ص341 ونقد الشعر ص149 وتهذيب الإيضاح 1: 144 والمنصف 1: 58 وسر الصناعة 1: 120 و130 والإنصاف ص407 والصحاح واللسان والتاج "يمن". ويلاحظ أنه خفف فأسقط الألف بعد الهاء. ونحوتهم: قصدتهم. ونعم أي: وقال فريق: نعم. وما ندري أي: ما عندنا علم بذلك.
2 م: درأة ودُرهة ومُدرأ.
(1/232)

باب إبدال الهمزة من العين:
لم يجئ من ذلك إِلَّا قولُهم:1 أُبابٌ، في قولهم: عُباب. والأصل العين لأنَّ عُبابًا أكثر استعمالًا من أُباب. قال2:
أُبابُ بَحْرٍ، ضاحِكٍ زَهُوقِ
__________
1 سر الصناعة 1: 121. وفيه يرى ابن جنِّي أنَّ الوجه الأرجح أن تكون الهمزة في "أباب" أصلًا. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أنَّ من هذا الإبدال نحو "عما" في "أما". وانظر الارتشاف 1: 130.
2 سر الصناعة 1: 121 وشرح الشافية 3: 207 وشرح شواهده ص432-436 والمفصل 2: 254 وشرحه 10: 15 والأشموني 4: 297 والمقرب 2: 164 واللسان والتاج "أبب". م: "أباب مجر". وفي النسختين: "ضاحك زخور". والتصويب من المفصل. والعباب: ارتفاع الموج وكثرته. وقوله ضاحك كناية عن امتلائه. والزهوق: المرتفع. ويُروى: "هزوق" وهو المستغرق في الضحك.
(1/233)

باب الجيم:
وأمَّا الجيم1 فأُبدلت من الياء لا غيرُ، مُشدَّدةً ومُخفَّفةً. فيُبدلون من الياء المشدَّدة جيمًا مشدَّدة، ومن الياء المخفَّفة [34 أ] جيمًا مخفَّفة.
فمن البدل من الياء المشدَّدة ما أنشده الأصمعيُّ عن خَلَفٍ2, قال: أَنشدني رجلٌ من أهل البادية3:
خالِي عُوَيفٌ, وأبُو عَلِجِّ ... المُطعِمانِ اللَّحمِ, بالعَشِجِّ
وبالغَداةِ, فِلَقَ البَرنِجِّ4
يريد: وأبو عليٍّ، وبالعَشِيِّ وفِلَقَ البَرنِيِّ ومنه أيضًا ما حكاه5 أبو عمرِو بنُ العلاء من أنه لقي أعرابيًّا [كان حنظليًّا] 6، فقال له: ممَّن أنتَ؟ فقال: فُقَيمِجّ. فقال له: مِن أيِّهم؟ فقال: مُرِّجّ. يريد: فُقَيمِيّ، ومُرِّيّ.
وهو مطَّرد في الياء7 المشدَّدة. قال يعقوب8 "وبعض العرب إذا شَدَّد الياء صَيَّرَها جيمًا. وأنشد
__________
1 سر الصناعة1: 192-195 والكتاب 2: 314. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الإبدال لأبي الطيب1: 258 أن هذا الإبدال في بني دبير وتميم وطيئ بخلاف بينهم. انظر ص266 من ابن عصفور والتصريف.
2 هو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر، راوية علامة بالشعر واللغة، توفي في حدود 180. بغية الوعاة 1: 554.
3 سر الصناعة 1: 192 وشرح الملوكي ص248 و329 والتصريف الملوكي ص50 والمقرب 2: 29 والمنصف 2: 178 و3: 79 وشرح الشافية 2: 287 وشرح شواهده ص212-215 والكتاب 2: 288 والمفصل 2: 265 وشرحه 9: 74 و10: 55 والعيني 4: 585 وشمس العلوم 1: 15 والإبدال 1: 257.
وألحق أبو حيان بحاشية ف بالرجز بيتًا رابعًا، وذكر عن شيخه الرضي عن الفراء أن بعض بني أسد يقول في مَسجِد: مَسْيِد.
4 الغداة: الصباح. والبرني: ضرب من التمر.
5 الأمالي 2: 77 والإبدال 1: 259. وأبو عمرو هو زبان بن العلاء الخزاعي المازني، أحد القراء السبعة وحافظ للغة والأخبار، توفي سنة 154. غاية النهاية 1: 288.
6 تتمة من حاشية ف بخط أبي حيان.
7 م: الجيم.
8 القلب والإبدال ص29. ويعقوب هو ابن إسحاق ويعرف بابن السكيت، إمام في اللغة والنحو والأدب. توفي سنة 245. البلغة ص288.
(1/234)

ابن الأعرابيِّ1:
كأنَّ في أذنابِهِنَّ الشُّوَّلِ ... مِن عَبَسِ الصَّيفِ, قُرُونَ الأُجَّلِ
يريد: الأُيَّل.
ومن إبدال الجيم من الياء المخفَّفة2 ما أنشده أبو عمرِو بنُ العلاء، لهِميان بن قُحافة من قوله3:
يُطِيرُ عَنها الوَبَرَ, الصُّهابِجا
يريد: الصُّهابِيَ، من الصُّهبة. وأصلُه الصُّهابِيَّ, فحذف4 إحدى الياءين. ومن ذلك ما أنشده الفرَّاءُ من قول الشاعر5:
لاهُمَّ, إِن كُنتَ قَبِلتَ حَجَّتِجْ ... فلا يَزالُ شاحِجٌ يأتِيكَ بِجْ
أَقمَرُ, نَهَّاتٌ, يُنَزِّي وَفرَتِجْ
يريد: حَجَّتي، ويأتيكَ بِي، ويُنَزِّي وَفرَتِي.
ومن ذلك أيضًا قولُهُ6:
حَتَّى إِذا ما أَمسَجَتْ, وأَمسَجا
يريد: "أَمسَيَتْ وأَمسَيا"7، فأبدل من الياء جيمًا ولم يُبدلها ألفًا. وهو غيرُ مطَّرد في الياء الخفيفة، بل يوقف في ذلك عند السماع8.
__________
1 لأبي النجم. سر الصناعة 1: 193 والأمالي 2: 78 وشمس العلوم 1: 15 والإبدال 1: 259 وشرح الشافية 3: 229 وشرح شواهده ص485 والمفصل 2: 265 والسمط ص712 واللسان والتاج "عبس" و"أجل" و"أول" و"شول". والشوّل: الأذناب المرتفعة. والعبس: ما يبس على هلب الذنب من البول والبعر. والأيل: ذكر الأوعال. وابن الأعرابي هو أبو عبد الله محمد بن زياد، إمام في اللغة والنحو والأخبار, توفي سنة 231. البلغة ص221.
2 م: الخفيفة.
3 الأمالي 2: 77 والإبدال 1: 260 والسمط ص712 وسر الصناعة 1: 193 وشرح شواهد الشافية ص216 واللسان والتاج "صهب" و"صهبج".
4 ف: فخفف بحذف.
5 رجل من اليمن. النوادر ص164 ومجالس ثعلب ص143 وسر الصناعة 1: 193 والإبدال 1: 260 والمفصل 2: 266 وشرحه 90: 75 و10: 50 والدرر 2: 214 والمحتسب 1: 75 والعيني 4: 570 وشرح الشافية 2: 287 وشرح شواهده ص215-218 واللسان والتاج "ج". ولا هم أي: اللهم. والشاحج: الحمار أو البغل. والأقمر: الأبيض. والنهات: النهاق. وينزي: يحرك. والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن. وكنى بالوفرة عن نفسه.
6 العجاج. ديوانه 2: 298 وشرح شواهد الإيضاح ص627 والمقرب 2: 166 والتصريف الملوكي ص51 وشرحه ص329 و331 وسر الصناعة 1: 194 والمفصل 2: 266 وشرح الشافية 3: 230 وشرح شواهده ص486-487 وشمس العلوم 1: 15 واللسان والتاج "مسي" والعيني 4: 570.
7 م: وأمسينا.
8 قال البغدادي: "وذهب ابن عصفور في كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيمًا خاص بالشعر. ولم أره لغيره". شرح شواهد الشافية ص216 وضرائر الشعر ص231-232.
(1/235)

باب الدال:
وأمَّا الدال1 فأُبدلت من التاء والذال. فأُبدلت من تاء "افتَعَلَ" باطِّراد، إذا كانت الفاء زايًا. فتقول في "افتَعَلَ" من الزَّينِ: ازدانَ، ومن الزُّلفَى: ازدَلَفَ، ومن الزَّجرِ: ازدجَرَ، ومن الزِّيارة: ازدارَ. والأصل "ازتانَ" و"ازتَجَرَ" و"ازتَلََفَ" و"ازتارَ"، فرفضوا الأصل وأبدلوا من التاء دالًا.
والسبب في ذلك أنَّ الزاي مهجورةٌ والتاء مهموسة، والتاء شديدة والزاي رخوة، فتباعد ما بين الزاي والتاء, فقرَّبوا أحد الحرفين من الآخر ليقرب النطق بهما، فأبدلوا الدال من التاء؛ لأنها2 أخت التاء في المخرج [والشِّدَّة] 3، وأختُ الزاي في الجَهر.
وكذلك تُبدل فيما تَصرَّف من "افتَعَلَ". فتقول: مُزدَلِفٌ ومُزدَجِرٌ ومُزدانٌ ومُزدارٌ، وازدِجارٌ وازدِيانٌ وازدِيارٌ وازدِلافٌ. ومن كلام ذي الرُّمَّة في بعض أخباره4. هل عِندَكَ مِن ناقةٍ فتَزدار عليها مَيًّا؟
وكذلك5 أيضًا تبُدل منها، إذا كانت الفاء دالًا. إِلَّا أنَّ ذلك من قَبيل البدل الذي يكون للإدغام. فتقول في "افتَعَلَ" من الدَّين: ادّانَ.
وقد قُلبتْ تاء "افتَعَلَ" دالًا، بغير اطِّراد، مع الجيم في: اجتمعُوا واجتَزَّ6، فقالوا: اجدَمَعُوا واجدَزَّ7. والأكثر التاء. قال8:
__________
1 سر الصناعة 1: 200-202 والكتاب 2: 314.
2 م: من الفاء فإنها.
3 من م.
4 مجالس ثعلب ص39 والأغاني 16: 124 ومصارع العشاق 2: 186 وتزيين الأسواق ص79.
5 سقط من النسختين حتى قوله "ادّان"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر سر الصناعة 1: 202 وفي حاشية ف أيضًا بخط أبي حيان أن من يقول "حَفِظْطُ" يقول في مثل فُزتُ وأجدتُ وأخذتُ: فُزدُ وأجَدُّ وأخذدُ. فيبدل التاء دالًا.
6 م: اجتر.
7 م: اجدر.
8 مضرس بن ربعي الأسدي أو يزيد بن الطثرية. سر الصناعة 1: 201 وتأويل مشكل القرآن ص224 والأشباه والنظائر 8: 85 والمقرب 2: 166 وشرح الشافية 3: 228 وشرح شواهده ص481-484 والمفصل 2: 26 والعيني 4: 591 والصحاح واللسان والتاج "جزز". واجدز: اقطع. والشيح: نبات له رائحة طيبة.
(1/236)

فقُلتُ لِصاحِبِي: لا تَحبِسَنَّا ... بِنَزعِ أُصولِهِ, واجدَزَّ شِيحا
يريد "واجتزَّ". ولا يُقاس ذلك، فلا يقال في "اجتَرأ": اجدَرأ،1 ولا في "اجترَحَ": اجدَرَحَ.
وأُبدلت أيضًا من تاء "افتَعَلَ"، إذا كانت الفاء ذالًا، من غير إدغام. فقالوا: اذْدَكَرَ ومُذْدَكِرٌ2. حكى ذلك أبو عمرو. وقال أبو حِكاك3:
تُنحِي علَى الشَّوكِ جُرازًا مِقضَبا ... والهَرْمَ تُذْرِيهِ, اذدِراءً عَجَبا
يريد: "اذتراءً"، وهو "افتِعال" من: ذراه يَذريه. فأمَّا "ادَّكَرَ" فالدال فيه مبدلة من الذال لأنه إبدالُ إدغامٍ4، فلا يُذكرُ5 هنا.
وأُبدلتْ من التاء في غير "افتَعَلَ" بغير اطِّراد في تَولَجٍ6، فقالوا: دَولَجٌ، فأبدلوا الدال من التاء المبدلة من الواو؛ لأنَّ الأصل "وَوْلَج"؛ لأنه من الوُلُوج. ولا تُجعلُ الدال بدلًا من الواو؛ لأنه قد ثَبَتَ إبدال الدال من التاء في "افتَعَلَ"، كما تَقَدَّمَ، ولم يثبت إبدالها من الواو في موضع من المواضع.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الدال من التاء.
وأُبدلتْ من الذال في ذِكَرٍ جمع ذِكْرةٍ، فقالوا: دِكَرٌ.7 قال ابن مقبل8:
يا لَيتَ لِي سَلوةً, تُشفَي النُّفُوسُ بِها ... مِن بَعضِ ما يَعتَرِي قَلبِي, مِنَ الدِّكَرِ
بالدال9. كذا رواه أبو عليٍّ. وكأنَّ الذي سَهَّلَ ذلك قلبهم لها في "ادَّكَرَ" و"مُدَّكِر"، فأُلِفَ فيها القلب10 فَقَلبها دالًا، وإن كان مُوجِبُ القلب قد زال. وهو الإدغام11.
__________
1 م: أجدر.
2 سقط من م.
3 سر الصناعة 1: 202 والمقرب 2: 166 وشرح المفصل 10: 49 و150 والمفصل 2: 299 وشرح التفتازاني ص16 واللسان والتاج "ذكر". ف: "ينحي". وفي النسختين "عن الشول حوارًا". والتصويب من سر الصناعة واللسان والتاج وشرح المفصل. وتنحي: توجه وتلقي. وأراد بالجراز أسنانها. والهرم: ضرب من نبات الحمض. وتذريه: تطيره.
4 في النسختين: "فأمَّا ادَّكر فإبدال إدغام". وقد صوبه أبو حيان في حاشية ف كما أثبتنا.
5 م: فلا يتكلم فيه.
6 التولج: كناس الوحش.
7 م: ذكر.
8 ديوانه ص81 وسر الصناعة 1: 302 والخصائص 1: 351 والمنصف 3: 140. ويعتري: يصيب.
9 م: بالذال.
10 سقط من م.
11 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
(1/237)

باب الطاء:
وأمَّا الطاء1 فأُبدلتْ من التاء لا غيرُ. أُبدلت2 باطِّرادٍ البتَّةَ، ولا يجوز غير ذلك، من تاء "افتَعَلَ" إذا كانت الفاء صادًا أو ضادًا أو طاء أو ظاء. فتقول في "افتَعَلَ" من الصَّبر: اصطَبَرَ، ومن الضَّرب: اضطَرَبَ، ومن الظَّهرِ اظطَهرَ،3 و4 من الطَّرْدِ: اطَّرَدَ، [34 ب] فتُدغِم لأنك لمّا أبدلتَ التاء طاء اجتمع لك مِثلان، الأوَّلُ منهما ساكنٌ، فأدغمت. ولم تُبدِلِ التاءَ لأجل الإدغام، بل للتباعد الذي بين الطاء والتاء، كما فعلتَ ذلك مع الضاد والظاء والصاد؛ ألا ترى أنك أبدلت من التاء طاء ولم تُدغِم، لمَّا لم يجتمع لك مثلان؟
والتباعدُ الذي بين التاء وبين هذه الحروف أنَّ التاء منفتحةٌ مُنسفلةٌ، وهذه الحروف مُطبَقةٌ5 مُستعلِيةٌ. فأبدلوا من التاء6 أُختَها في المخرج، وأختَ هذه الحروف في الاستعلاء والإطباق وهي الطاء.
وأُبدلتْ بغير اطِّراد، من تاء الضمير بعد الطاء والصاد، 7 فقالوا: فَحَصْطُ وخَبَطُّ وحَفِظْطُ وحِضْطُ8، يريدون: فَحَصتُ وخَبَطتُ وحَفِظتُ وحِضتُ9. والأكثر التاء. والعِلَّة في الإبدال كالعِلَّة في "افتَعَلَ" من التباعد الذي ذكرنا بين التاء وبين الصاد والطاء، فقرَّبوا ليسهل النُّطقُ.
__________
1 انظر سر الصناعة 1: 223-231 والكتاب: 2: 314 وفي حاشية ف بخط أبي حيان مواضع إبدال الطاء التاء عن ابن القطاع.
2 سقط من م.
3 م: "اضطهر". ويقال اظطهر بحاجتي، إذا استخف بها وجعلها وراء ظهره.
4 أقحم أبو حيان في حاشية ف: "إذا كانت الفاء طاء كان ذلك من قبيل البدل الذي يكون بسبب الإدغام، فتقول في افتعل". وهذا يناقض ما يذكره ابن عصفور بعد. وانظر سر الصناعة 1: 223.
5 سقط من م. وانظر شرح الشافية 3: 226.
6 م: الياء.
7 ضرب عليهما في ف واستبدل بهما: "هذه الحروف". يريد: الصاد والضاد والطاء والظاء.
8 سقط "وحفظط وحضط" من م. وفي الكتاب 2: 314: فحصط وحصط.
9 سقط "يريدون ... وحضت" من م.
(1/238)

ومن ذلك قوله1:
وفي كُلِّ حَيٍّ, قَد خَبَطَّ بِنِعمةٍ ... فحُقَّ لِشأسٍ، مِن نَداكَ, ذَنُوبُ
رواه أبو عليٍّ عن أبي بكر عن أبي العبَّاس: "خَبَطَّ"، على إبدال الطاء من التاء.
__________
1 علقمة الفحل. ديوانه ص37 وسر الصناعة 1: 225 وشرح اختيارات المفضل ص1598. وخبطت: أنعمت. وشأس هو أخو علقمة. والذنوب: النصيب.
(1/239)

باب الواو:
وأمَّا الواو فأُبدلت من ثلاثة أحرف. وهي الهمزة والألف والياء. إِلَّا أنَّ الذي يُذكر هنا إبدالها من الهمزة؛ لأنَّ إبدالها من الياء والألف1 يذكر في باب القلب.
فتُبدل من الهمزة باطِّراد، إذا كانت مفتوحةً وقبلَها حرفٌ مضمومٌ، نحو: جُؤَن2 وسُؤَلة3, تقول في تخفيفهما4: جُوَن وسُوَلة. ولا يلزم ذاك.
وتُبدل أيضًا باطِّراد، إذا كانت ساكنةً وقبلها ضَمَّةٌ، ولا يلزم ذلك أيضًا. نحو بُؤْس ونُؤْي5، تقول فيهما إذا أردت التخفيف: بُوسٌ ونُويٌ.
وتُبدل أيضًا باطِّراد، إذا كانت قبل الألف في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، بشرط أن يكتنف ألفَ الجمع همزتان، نحو: ذَوائب، في جمع ذُؤابة. أصله "ذآئب"، فأُبدلت الهمزة واوًا هروبًا من ثِقل البناء، مع ثقل اجتماع الهمزتين والألف؛ لأنَّ الألف قريبة من الهمزة لأنها من الحلق، كما أنَّ الهمزة كذلك. فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاثُ هَمَزات، فالتزموا لذلك إبدال الهمزة واوًا.
وأُبدلت أيضًا باطِّراد على اللزوم، إذا كانت للتأنيث في ثلاثة مواضع: التثنية، والجمع بالألف والتاء، والنسب. نحو: صَحراوَينِ وصَحراوات وصَحراويّ6.
وباطِّراد من غير لزوم، في الهمزة المبدلة من أصل، أو من حرف زائد مُلحِق بالأصل، إذا كانت طرفًا بعد ألف زائدة، نحو: كِساء ورِداء وعِلباء ودِرحاء7, حيث قُلبت همزة التأنيث8، نحو: عِلباوَينِ
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن بعض طيئ يبدل الألف واوًا في الوقف، نحو: أفعَوْ، وحُبْلَوُ. انظر ص382.
2 الجؤن: جمع جؤنة. وهي سلة مستديرة مغشاة جلدًا يجعل فيها الطيب والثياب.
3 السؤلة: الكثير السؤال. وانظر الكتاب 2: 314.
4 ف: تخفيفها.
5 النؤي: الحفير حول الخيمة يمنع عنها ماء المطر ويبعده.
6 ف: صحراوي وصحراوين وصحراوات.
7 العلباء: عصب عنق البعير. والدرحاء: الدرحاية. وهو اللئيم الخلقة.
8 يشير إلى ما في الفقرة المتقدمة.
(1/240)

وكِساوَينِ ورِداوَينِ ودِرحاوَينِ، وعِلباوِيٌّ وكِساوِيٌّ ورِداويٌّ، ودِرحاوات في جمع دِرحاءة.
ومن الهمزة الأصليَّة إذا وقعت طرفًا بعد ألف زائدة –وذلك قليل1- حيث قُلبت همزة التأنيث أيضًا، نحو: قُرَّاءٍ2, لأنه من "قَرَأَ". فإنه قد حُكي: قُرَّاوِيٌّ، وفي التثنية: قُرَّاوانِ.
وأُبدلت من غير اطِّراد، في: واخَيتُ. أصلُه: آخَيتُ، فأُبدلت الهمزة واوًا. ولا يمكن أن يُدَّعى أنَّ الواو في "واخيتُ" أصلٌ، وليست3 ببدل من الهمزة؛ لأنَّ اللام من "واخَيتُ" واو؛ لأنه من الأُخُوَّة، وإنَّما قُلبت ياء4 في واخَيتُ لوقوعها رابعةً، كما قُلبتْ في "غازيت"، على ما يُبيَّنُ في بابه5. فإذا تَبيَّنَ أنَّ اللَّام واو لم يمكن أن تكون الفاء واوًا؛ لأنه لم يجئ في كلامهم مثل "وَعَوتُ".
وتُبدل 6 أيضًا واوًا على غير اللزوم، إذا وقعت بعد الواو الزائدة للمدِّ، فتقول في مَقرُوء: مَقرُوّ.
وتُبدل أيضًا إذا وقعت بعد الواو، ,وإن لم تكن زائدة للمدِّ، فتقول في سَوْءة: سَوَّة. إِلَّا أنَّ ذلك قليل جدًّا.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الهمزة واوًا، إذا لم تنضمَّ إليها همزة أُخرى. فإن انضمَّ إليها همزة أُخرى فلا يخلو أن تكون الثانية ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فإنه يلزم إبدالها واوًا، إذا كانت الهمزة الأُولى مضمومة. فتقول في "أُفْعِلَ" من "أَتى": أُوتِيَ7. وأصله "أُؤْتِيَ". إِلَّا أنه رُفض الأصل، هروبًا من اجتماع الهمزتين، فلزم البدل.
فإذا كانت الثانية متحرِّكةً فإنها تُبدل واوًا، إذا كانت [35 أ] متحرِّكة بالضمِّ أو بالفتح. فتقول في مثل أُبْلُم8 من "أَمَمْتُ": أُوُمٌّ9. أصله "أُؤْمُمٌ"، فنَقلتَ ضمَّة الميم إلى الهمزة، وأدغمتَ فقلتَ: "أُؤُمٌّ". ثمَّ أَبدلت الهمزة واوًا لانضمامها، فقلت: أُوُمٌّ. ولزم ذلك.
وتقول10 في "أَفْعَل"11 من "أَمَمْتُ": أَوَمُّ. وأصله "أَأْمَمُ"، ثمَّ نَقلتَ فتحة الميم إلى الهمزة، [وأدغمتَ] فقلتَ:12 "أَأَمُّ"13. ثمَّ أبدلتَ الهمزة واوًا، فقلت: أَوَمُّ. كما أنهم لمَّا اضطُرُّوا إلى
__________
1 كذا. والصواب أنه سماعي لا يقاس عليه.
2 القراء: الناسك المتفقه القارئ.
3 ف: وليس.
4 م: تاء.
5 في الورقة 51. وسقط "على ما يبين في بابه" من م.
6 سقط من م حتى قوله "قليل جدًّا".
7 ف: أؤتي.
8 الأبلم: خوص المقل.
9 انظر المنصف 2: 315.
10 المنصف 2: 315-323.
11 وهو اسم تفضيل كما جاء في المنصف. ولكن ناسخ م جعله فعلًا ماضيًا.
12 ف: فقلبت.
13 م: أؤمّ.
(1/241)

ذلك، في جمع آدَمَ، قالوا: أَوادِمُ، فأبدلوا الهمزة واوًا.
وسواء كان ما قبل هذه الهمزة المفتوحة مفتوحًا أو مضمومًا،1 في التزام إبدالها واوًا2.
فمثال انضمام ما قبلها: "أُواتِي" في مضارع "آتَى": "فاعَلَ" من الإتيان. أصله "أؤاتِي"، ثمَّ التزموا البدل هروبًا من اجتماع الهمزتين. ثمَّ حملوا "يُواتِي" و"نُواتِي" [وتُواتِي] 3 و"مُواتٍ"، على أُواتِي في التزام البدل4.
وزعم المازنيُّ5 أنَّ الهمزة إذا كانت مفتوحة، وقبلها فتحة، أنها تُبدل ياءً. فقال في"أَفْعَل" من "أَمَمْتُ": أَيَمُّ، كما تُبدَلُ إذا كانت مكسورة، نحو أَيِمَّة جمع إمام؛ لأنَّ الفتحة أختُ الكسرة، فالأقيسُ أن يكون حكم الهمزة المفتوحة كحكم المكسورة في الإبدال، لا كالمضمومة في إبدالها واوًا. ورأى أنه لا حُجَّة في "أَوادِم"؛ لأنهم لمَّا قالوا في المفرد "آدَمُ" صار بمنزلة تابَل، فأجرَوُا الألفَ المبدلة مُجرى الزائدة. فكما قالوا: تَوابِلُ6 فكذلك قالوا: أَوادِمُ. فالواو عنده بدلٌ من الألف لا من الهمزة. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ الألف المبدلة لو كانت تجري مجرى الألف الزائدة لجاز أن يُجمع بينها وبين الساكن المُشَدَّد، فكنتَ تقول في جمع إمام: "آمَّة"، فيكون أصله "أَأْمِمَة"، فتُبدل الهمزة ألفًَا فيصير "آمِمَة"، ثمَّ تُدغِمُ الميمَ في الميم فتَسكنُ الأُولى7 لأجل الإدغام، فتقول "آمَّة"، وتجمع بين الألف والساكن المُشَدَّد، كما جاز ذلك في دابَّة8. فقول العرب: أيِمَّةٌ، ونقلهم الحركة إلى ما قبلُ، دليلٌ على أنها لم تُجرَ مُجرى الألف الزائدة9.
__________
1 م: مفتوح أو مضموم.
2 كذا، ومثله في المقرب 2: 168. وهو خطأ بما مثَّل له فيه تعميم من أصل صحيح. وإنَّما يجب إبدال هذه الهمزة واوًا إذا كانت الهمزة التي قبلها لغير المضارعة, ويكون في نحو أُوَيدِم تصغير آدَم، وفيما يصنع لبيان الحكم، نحو أن تصوغ من "أمم" على وزن "أُصْبَع". وذلك "أُؤْمَم" في الأصل، فتنقل حركة الميم الأولى إلى الساكِن قبلها وتدغم فيصير "أُؤَمّ". وهذا يجب فيه إبدال الهمزة الثانية واوًا: أُوَمّ. فإذا كانت الهمزة الأولى للمضارعة جاز إبدال الثانية وتحقيقها. وهذا قل من تنبه إليه أو نبه عليه من النحاة. انظر التسهيل ص302 وحاشية الصبان 4: 301 وحاشية الخضري 2: 196. فالمضارع: أؤاتي، أؤاسي، أُؤاكل, أُؤَمّن، أُؤَلّف، أُؤَدّي، أُؤَمَّر، أُؤَجَّل ... يجوز في همزته الثانية البدل. وقد جاء تحقيق الهمزة في مثله. ومنه قول ملك الموت عن الأرواح: "أُؤَيِّه بها كما يُؤيَّهُ بالخيل فتجيبني"، وقول المرأة لعائشة: "أُؤَخِّذُ جملي"؟ وروي هذا أيضًا مع لفظ همزة الاستفهام، فكان فيه ثلاث همزات مجتمعة. انظر الفائق والنهاية واللسان والتاج "أخذ" و"أيه".
3 من م.
4 كذا أيضًا. والبدل جائز لا لازم.
5 المنصف 2: 316-318.
6 التوابل: الأبزار.
7 ف: فيسكن الأول.
8 م: دآبة.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان حوار بين ابن جنِّي والفارسي، يجعل قياس المازني "أيمّ" على أيمّة فاسدًا، ويوجب عليه أن يكون كالأخفش في قوله: "أوَمّ" بإبدال الهمزة واوًا.
(1/242)

فكذلك أيضًا آدَمُ، لا ينبغي أن تُجرى هذه الألف مُجرى الألف الزائدة. فينبغي أن يُعتقد أنها تُرَدُّ إلى أصلها من الهمزة، إذا جَمَعْتَ لزوال موجب إبدالها ألفًا. وهو سكونها وانفتاح ما قبلها. فإذا رُدَّتْ إلى أصلها قالوا "أآدِمُ"، فاستثقلوا الهمزتين فأبدلوا الثانيةَ واوًا. فإذا تَبَيَّنَ أنهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة واوًا في أَوادِم وجب أن يقال في "أَفْعَلَ" من "أَمَمْتُ": "أَوَمُّ". وهو مذهب الأخفش.1
وهذا 2: أيضًا جميع ما أُبدلت فيه الهمزة واوًا، إذا التقت مع همزة أُخرى.
__________
1 المنصف 2: 315-318.
2 م: فهذا.
(1/243)

باب الياء:
وأمَّا الياء فتُبدل من ثمانيةَ عشرَ حرفًا. وهي: الألف، والواو، والسين، والباء، والراء والنون، واللام، والصاد، والضاد، والميم، والدال، والعين، والكاف، والتاء، والثاء، والجيم، والهاء، والهمزة. إِلَّا أنه لا يذكر هنا إبدالها من الألف1 والواو؛ لأنَّ ذلك من باب القلب.
فأُبدلت من السين من غير لزوم2، في سادِس وخامِس. فقالوا: "سادِي" و"خامِي". قال الشاعر3:
إِذا ما عُدَّ أربَعةٌ, فِسالٌ ... فزَوجُكِ خامِسٌ, وحَمُوكِ سادِي
أي: سادسٌ. وقال الآخر4:
مَضَى ثَلاثُ سِنينَ, مُنذُ حُلَّ بِها ... وعامُ حُلَّتْ, وهذا التَّابِعُ الخامِي
أي: الخامسُ.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن الألف تبدلها طيئ ياء في الوقف إذا كانت طرفًا. قلت: هذه لغة فزارة وبعض قيس. أمَّا طيئ فتبدلها في الوصل والوقف.
2 صرح ابن عصفور في الضرائر أن هذا الضرب من الإبدال ضرورة. شرح شواهد الشافية 448 وضرائر الشعر ص225-227.
3 ينسب إلى النابغة الجعدي يهجو ليلى الأخيلية وإلى الحادرة وامرئ القيس. شرح الشافية 3: 213 وشرح شواهده 446-448 والمفصل 2: 258 والإبدال 2: 217 وتهذيب الألفاظ ص591 والضرائر ص151 والهمع 2: 153 والدرر 2: 213 والألفباء2: 574 والصحاح واللسان والتاج "فسل". والفسال: جمع فسل. وهو الرذل من الرجال.
4 الحادرة. ديوانه ص359 وتهذيب الألفاظ 591 والإبدال 2: 218 وشرح شواهد الشافية ص447 والقلب والإبدال ص60 والضرائر ص151 والدرر اللوامع 2: 212 والمخصص 17: 112 واللسان والتاج "خمس" و"خما". يصف الديار. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن من هذا الإبدال "دسَّاها" في الآية 10 من سورة الشمس، أصله دسَّسَها، أبدلت السين الثالثة ياء كراهية التضعيف، ثمَّ قلبت الياء ألفًا. ومنه:
وأنتَ الَّذي دَسَّيتَ عَمرًا فأصبَحَتْ ... حَلائلُهُ مِنهُ أرامِلَ جُوَّعا
قلت: هذا يحسن ذكره مع تسريت. ودسيت: أغريت.
(1/244)

وأُبدِلت من الباء1 على غير لزوم، في جمع ثَعْلَبٍ وأَرنَبٍ، في الضرورة. أنشد سيبويه2:
لَها أَشارِيرُ، مِن لَحمٍ، تُتمِّرُهُ ... مِنَ الثَّعالِي, ووَخْزٌ مِن أَرانِيها
أراد الثعالب3 وأرانب،4 فلم يمكنه5 أن يُسكِّن الباء فأبدل منها ياء.
وأُبدلت أيضًا من الباء على اللزوم، في دِيباج. وأصله "دِبّاجٌ"، فأبدلوا الباء الساكنة ياءً هروبًا من اجتماع المِثلين. والدليل على ذلك قولهم في الجمع: دَبابيج،6 فرَدُّوا الباء لمَّا فَرَّقتِ الألف بين المِثلين.
وأُبدِلت أيضًا من الباء الثانية هروبًا من التضعيف، وفي "لا وَرَبِّكَ"، فقالوا: لا وَرَبْيِكَ. حكى ذلك أحمد بن يحيى7.
وأُبدِلت من الراء على اللزوم، في قِيراطِ وشِيراز8 والأصل "قِرّاط" و"شِرّاز" [فأبدلوا الياء من الراء الأولى هروبًا من التضعيف] 9. والدليل على أنَّ الأصل "قِرّاط" و"شِرّاز"10 قولُهم قَرارِيط وشَرارِيز، [35 ب] فردُّوا الراء لمَّا فَصلت الألف بين المِثلين11.
وأُبدلت أيضًا في: تَسرَّيتُ وأصله "تَسَرَّرتُ"12 لأنه "تَفعَّلْتُ" من السُّرِّيَّة. والسُّرِّيَّة "فُعْلِيَّة".
__________
1 م: الياء.
2 لأبي كاهل اليشكريّ. وينسب إلى النمر بن تولب. الكتاب 1: 344 وشرح الشافية 3: 212 وشرح شواهده ص443-446 ومجالس ثعلب ص229 والمفصل 2: 258 والإبدال 1: 90 والهمع 1: 181 والصحاح واللسان والتاج "تمر" و"شرر" و"وخز". والأشارير: القطع من اللحم يجفف للادخار. وتتمره: تجففه. والوخز: قطع من اللحم. يصف عقابًا. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي عن كتاب "العروض" لابن القطاع: صوابه: وذُخرٌ من أرانِيها.
3 وقال ابن عصفور في الضرائر ص226: "وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة، فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثعائل، إِلَّا أنه قلب". شرح شواهد الشافية ص443.
4 م: الأرانب.
5 ف: فلم يمكن.
6 م: "دبابج". وانظر شرح الشافية 3: 210-211.
7 انظر شرح الشافية 3: 210 واللسان "ربب".
8 الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه. وانظر الكتاب 2: 313-314.
9 من م.
10 ف: والدليل على ذلك.
11 شرح الشافية 3: 211.
12 وهذا قول ابن السكيت. انظر القلب والإبدال ص59. واللسان "سري".
(1/245)

من السرور لأنَّ صاحبها يُسَرُّ بها، أو من السِّرِّ لأنَّ صاحبها يُسِرُّ أمرها عن حُرَّتِه1 وربَّة منزله. ومن جعل سُرِّيَّة "فُعيِّلة"2 من سَراة الشيء –وهو أعلاه- كانت اللام من "تَسَرَّيتُ" واوًا أُبدلت ياء، لوقوعها خامسة؛ لأنَّ السَّراة3 من الواو بدليل قولهم في جمعه: سَرَوات. قال4:
وأَصبَحَ مُبيَضُّ الصَّقِيعِ كأنَّهُ ... علَى سَرَواتِ البَيتِ,5 قُطنٌ مُنَدَّفُ
والذي ينبغي أن يُحمل عليه سُرِّيَّة أنه "فُعلِيَّةٌ" من السِّرِّ، أو من السُّرور. فقد دفع أبو الحسن اشتقاقَها من سَراة الشيء -وهو أعلاه- بأن قال: إنَّ الموضع الذي تُؤتَى6 منه المرأة ليس أَعلاها وسَراتها. وهذا الدفع صحيح، واشتقاقه من السِّرِّ أو السرور واضح, فلذلك كان أَولى.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الياء من الراء.
وأُبدلت من النون على اللزوم7، في دِينار. أصلُهُ "دِنّارٌ" فأُبدلت الياء من النون الأُولى هروبًا من ثِقل التضعيف، بدليل قولهم: دنَانيرُ في الجميع8 ودُنَِنيرٌ في التحقير.
وأُبدلت أيضًا من نُون إنسان الأُولى9، على غير اللزوم10، فقالوا: إِيسانٌ11. قال عامر بن جُؤين12:
فيا لَيتَني, مِن بَعدِ ما طافَ أَهلُها ... هَلَكتُ, ولَم أَسمَعْ بِها صَوتَ إِيسانِ
__________
1 م: حرمته.
2 ف: فعليّة.
3 م: السرواة.
4 الفرزدق. ديوانه ص559.
5 كذا، والمشهور: "النّيبِ". والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة.
6 ف: يؤتى.
7 شرح الشافية 3: 211 والكتاب 2: 313.
8 م: في الجمع دنانير.
9 ف: الأول.
10 م: على غير لزوم.
11 وهذه لغة طيئ. انظر الإبدال 2: 461 واللسان "أنس".
12 م: "عامر بن جوي". والبيت في سر الصناعة ص757 والمحتسب 2: 203 والمقرب 2: 171 واللسان "أنس" والتاج "أيس".
(1/246)

وقالوا في الجميع1: أَياسِينُ2، بالياء. والأصل النون لأنَّ إنسانًا وأَناسيَّ بالنون أكثر منه بالياء.
وأُبدلت أيضًا على اللزوم من نون ظَرِبان3 ونون إنسان التي بعد الألف، في الجمع فقالوا: أَناسِيُّ وظَرابِيُّ، فعاملوا النون معاملة همزة التأنيث لشبهها بها. فكما يُبدِلون من همزة التأنيث ياءً، فيقولون في صَحراء: "صَحارِيُّ"، كذلك فعلوا بنون إنسان وظَرِبان، في الجمع.
وأُبدلت أيضًا من النون في: تَظَنَّيتُ4؛ لأنه "تَفَعَّلْتُ" من الظَّنِّ. فأصله "تَظَنَّنتُ"، فأُبدلت النون ياءً هروبًا من اجتماع الأمثال.
وأُبدلت أيضًا على اللزوم من النون في: تَسنَّى، بمعنى: تَغيَّرَ. ومن ذلك قوله تعالى: {لَم يَتَسَنَّ} 5، فحُذفت6 الألف المبدلة من الياء للجزم. والأصل "يَتَسَنَّنْ"، فأُبدلت النون [ياء] 7 هروبًا أيضًا من اجتماع الأمثال. والدليل على ذلك قوله تعالى: {مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ} 8 أي: مُتغيِّر. فقوله تعالى: {مَسْنُون} يدلُّ على أنَّ "يَتَسَنَّ"9 في الأصل من المُضَعَّف كمَسنُون، وليس من قَبيل المُعتلِّ.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الياء من النون.
وأُبدلت من اللام في: أَملَيتُ الكِتابَ10 إنَّما أصله "أَملَلتُ"، فأُبدلت اللام الأخيرة ياءً هروبًا11 من التضعيف. وقد جاء القرآن باللغتين جميعًا. قال تعالى: {فهِيَ 12 تُملَى عَليهِ بُكْرةً وأَصيلًا} . وقال عزَّ وجلَّ: {ولْيُمْلِل ِ13 الَّذِي عَليهِ الحَقُّ} 14. وإنَّما جعلنا اللام هي الأصل لأنَّ "أَملَلتُ" أكثرُ من "أَملَيتُ".
__________
1 م: الجمع.
2 ويقال: أياسيّ أيضًا.
3 الظربان: دابة. وانظر شرح الشافية 3: 211-212.
4 الإبدال 2: 459-460 وشرح الشافية 3: 210.
5 الآية 259 من سورة البقرة. وهذه قراءة عامة أهل الكوفة. تفسير الطبري 5: 460.
6 م: فحذف.
7 من م.
8 الآيات 26 و33 و38 من سورة الحجر.
9 م: يتسنن.
10 شرح الشافية 3: 210. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن بعض العلماء جعل "تَنسَلِي" من معلقة امرئ القيس أصله تَنسَلّ، أبدلت اللام الثانية ياء وكسر الأولى من أجل الياء. فهو مطاوع سَلَّ يَسُلُّ. قلت: كسر اللام الأولى هو الأصل، ظهر لما فك الإدغام لإبدال الثانية. وليس مجتلبًا لأجل الياء.
11 م: هربًا.
12 الآية 5 من سورة الفرقان. م: هي.
13 في النسختين: فليملل.
14 الآية 282 من سورة البقرة.
(1/247)

وأُبدلت من الصاد على غير اللزوم، في: قَصَّيتُ أَظفاري1: بمعنى: قَصَّصت. فأبدلوا من الصاد الأخيرة ياء هروبًا من اجتماع الأمثال. حكى ذلك اللِّحيانيُّ.
وأُبدلت من الضاد، في قول العجَّاج2:
تَقَضِّيَ البازِي, إِذا البازِي كَسَرْ
إنَّما هو "تَفَعُّل" من الانقضاض. وأصله "تقَضُّض"، فأُبدلت الضاد الأخيرة ياء. وقالوا أيضًا: تَفضَّيتُ، من الفِضَّة. وهو مثل: تَقضَّيت.
وأُبدلت من الميم في: يأتَمي3, على غير اللزوم4 في الشعر. قال5:
تَزُورُ امرَأً أمَّا الإله فيَتَّقِي ... وأمَّا, بِفِعلِ الصَّالِحِينَ, فيأتَمِي
أصله "يأتَمُّ" فأُبدل من الميم الثانية ياء هروبًا من التضعيف.
وأُبدلت أيضًا ف6: تُكُمُّوا؛ لأنه "تُفُعِّلُوا" من: كممْتُ الشيءَ إذا سترتَه. فأصله "تُكُمِّمُوا"، فأبدلوا من الميم الأخيرة ياءً فقالوا "تُكُمِّيُوا"، فاستُثقلت الضَّمَّة في الياء فحُذِفَت، فبقيت الياء ساكنةًَ، فحُذِفَت لالتقائها مع واو الضمير الساكنة، فصار: تُكُمُّوا7. قال الراجز8:
بَل لَو شَهِدْتَ النَّاسَ, إِذ تُكُمُّوا ... بقَدَرٍ, حُمَّ لَهُم, وحُمُّوا
وأُبدلت أيضًا من الميم الأولى في: أمَّا،9 فقالوا "أَيْما" هروبًا من التضعيف. وقد رُوِي بيتُ ابن أبي ربيعة10 [36 أ] :
رأتْ رَجُلًَا, أيما إِذا الشَّمسُ عارَضَتْ ... فيَضحَى, وأيما بالعَشِيِّ فيَخصَرُ11
__________
1 شرح الشافية 3: 210. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد: يمكن أن يكون معناه: أخذتُ أقاصيها. فلا يكون بدلًا. انظر الارتشاف 1: 153.
2 ديوانه ص17. وكسر: ضم جناحيه للانقضاض.
3 الإبدال 2: 453. م: يأتمّ.
4 م: على غير لزوم.
5 البيت لكثير عزة من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز. ديوانه 2: 122 والإبدال 2: 453 واللسان والتاج "أمم" والاقتضاب ص138.
6 اللسان والتاج "كمم".
7 أغفل ضمَّ الميم لتسلم واو الجماعة.
8 العجاج. ديوانه ص63. وحم: قضي. وحموا أي: قدروا له وقضوا.
9 الإبدال 2: 453 والمغني ص55-56.
10 ديوانه ص86. ويضحى: يظهر للشمس. ويخصر: يبرد.
11 م: فيحصر.
(1/248)

وأُبدلت أيضًا من الميم الأولى في ديماس، هروبًا1 من التضعيف. وأصله دِمَّاس، بدليل قولهم في الجمع: دَمامِيس.
وأُبدلت من الدَّال2 في قوله تعالى3: {إِلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً} , والتصدية: التصفيق والصوت. و"فَعَلتُ" منه: صَدَدْتُ أصِدُّ4. ومنه قوله تعالى5: {إِذا قَومُكَ منهُ يَصِدُّونَ} أي: يَعِجُّون ويَضِجُّون. فأصله "تَصْدِدَة"، فحُوِّلت إحدى الدالين ياء هروبًا من اجتماع المثلين. وليس قول من قال إنَّ الياء غير مبدلة من دال، وجعله من الصَّدَى الذي هو الصوت، بشيء، وإن كان أبو جعفر الرّستَمِيُّ6 قد ذهب إليه؛ لأنَّ الصَّدَى لم يُستعمل منه فِعْل. فحمله على أنه من هذا الفعل المستعمل أولى.
وأُبدلت من العين فيما أنشده سيبويه، من قوله7:
ومَنهلٍ لَيسَ لَهُ حَوازِقُ ... ولِضَفادِي جَمَّهِ نَقانِقُ
يريد: ولِضفادِع، فَكرِهَ أن يُسكِّن العينَ في موضع الحركة، فأبدل منها ما يكون ساكنًا في حال الجرِّ. وهو الياء.
وأُبدلت أيضًا من العين في8 "تَلَعَّيتُ"9 من اللُّعاعة10 تَلعِيةً. والأصل11 "تَلعَّعتُ تَلِععَةً"، فأُبدلت العين الأخيرة ياءً هروبًا 12 من اجتماع الأمثال.
__________
1 شرح الشافية 3: 210-211. والديماس: الكن والحمَّام. م: هربًا.
2 الإبدال 1: 397.
3 الآية 45 من سورة الأنفال. والمكاء: الصفير.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن هذا التفسير لأبي عبيدة. انظر مجاز القرآن 1: 246 والارتشاف 1: 154.
5 الآية 57 من سورة الزخرف.
6 لعله محمد بن رستم غلام المازني وشيخ الزجاجي، كان نحويًّا وله كتاب في غريب القرآن. وقيل هو أحمد بن محمد بن رستم. إنباه الرواة 1: 128 وتاريخ بغداد 5: 125 ونزهة الألباء ص239 والارتشاف 1: 154 والإيضاح ص78.
7 صنعه خلف الأحمر. الكتاب 1: 344 وشرح أبياته 2: 31 والموشح ص98 والمقتضب 1: 247 وسر الصناعة ص762 وشرح الشافية 3: 212 والإبدال 2: 315 والمفصل 2: 257 وشرحه 10: 24. والحوازق: جمع حازق. وهو الحاجز. والجم: الكثرة والاحتشاد. والنقانق: جمع نقنقة. وهي الصوت.
8 الإبدال2: 325 والصحاح واللسان والتاج "لعي".
9 تلعيت: رعيت. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد: حُكي عن العرب: خرجنا نتلعَّى أي: نرعى اللعاع. وهو أول ما يظهر من النبت.
10 اللعاعة: أصل النبت.
11 ف: فالأصل.
12 م: فرارًا.
(1/249)

فإن1 قال قائل: فلعلَّ "تَلَعَّيتُ": "تَفَعلَيتُ" والياء زائدة مثلها في "تَجَعبَيتُ"، فلا تكون إذ ذاك بدلًا. فالجواب أنَّ التاء إنَّما دخلت على "لعَّيتُ"، ولَعَّيتُ: "فَعَّلتُ"، بدليل قولهم "تَلعِيَة"، إذ لا يجيء المصدر على "تَفْعِلة" إِلَّا إذا كان الفعل على وزن "فَعَّلَ". فإذا تبيَّن أنَّ التاء دخلت على "فَعَّلتُ" ثَبَتَ أنَّ تَلَعَّيتُ: "تَفعَّلتُ"، وأنَّ الياء بدل من العين.
وأُبدلت من الكاف فيما حكاه أبو زيد، من قولهم: مَكُّوكٌ2 ومَكاكِيُّ. وأصله "مَكاكِيكُ"، فأُبدلت الياء من الكاف الأخيرة هروبًا أيضًا من ثقل التضعيف3.
وأُبدلت من التاء. أَنشد بعضهم4:
قامَتْ بِها, تُنشِدُ كُلَّ مُنشَدِ ... فايتَصلَتْ, بِمثلِ ضَوءِ الفَرقَدِ.
يريد: فاتَّصلَتْ، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهيةَ التَّشديد.
وأُبدلت من الثاء في ثالث5، فقالوا: الثالي. قال الراجز6:
يَفدِيكَ, يا زُرْعَ, أبِي وخالِي ... قَد مرَّ يَومانِ, وهذا الثّالِي
وأنتَ, بالهِجرانِ, لا تُبالِي
أراد: وهذا الثالث.
وأُبدلت من الجيم في جمع دَيجُوج7 فقالوا: الدَّياجِي. وأصله "دياجِيجُ", فأُبدلت الجيم الأخيرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفًا.
وأُبدلت من الهاء في8: دَهدَيتُ الحَجَرَ أي: دَحرجتُه. وأصله "دَهدَهتُهُ"؛ ألا تراهم قالوا:
__________
1 سقط من م حتى قوله "وأن الياء بدل من العين".
2 المكوك: طاس يشرب به.
3 يريد: تكرار الكاف.
4 سر الصناعة ص764 والمقرب 2: 173 وشرح الملوكي ص248 وضرائر الشعر ص224 والأشموني 4: 337 واللسان والتاج "وصل" والمفصل 2: 257 وشرحه 10: 26. وتنشد: تغني. والمنشد: الغناء. والفرقد: نجم.
5 شرح الشافية 3: 212-213.
6 سر الصناعة ص764 وضرائر الشعر ص227 وشرح الملوكي ص255 والهمع 2: 157 والدرر 2: 224 والأشموني 4: 337. وشرح الشافية 3: 213 وشرح شواهده ص448 والمفصل 2: 259 وشرحه 10: 28. وزرع: مرخم زرعة. وقال البغدادي: "وخصه ابن عصفور بالضرورة" يريد أنه خصه بذلك في كتابه الضرائر ص227.
7 الديجوج: الليل المظلم.
8 الإبدال 2: 531.
(1/250)

دُهدُوهَةُ الجُعَلِ، لما يُدَحرجُه؟ قال أبو النَّجم1:
كأنَّ صَوتَ جَرْعِها المُستَعجَلِ ... جَندَلةٌ, دَهدَيتَها بِجَندَلِ
وقالوا في "صَهصَهتُ بالرَّجلِ" إذا قلتَ له "صَهْ صَهْ": صَهصَهيتُ، فأبدلوا من الهاء ياء
وأُبدلت من الهمزة باطِّراد، إذا كانت ساكنة وقبلها كسرة. فتقول في ذِئب وبِئر ومِئرة2 ذِيبٌ وبِيرٌ ومِيرةٌ, ولا يلزم ذلك، إِلَّا أن يكون3 الحرف المكسور الذي قبل الهمزة الساكنة همزةً أُخرى4، نحو: إيمان وإيتاء في مصدر: آمَنَ وآتَى. وأصلُهما "إئمان" و"إئتاء".
وأُبدلت من الهمزة المفتوحة المكسورِ ما قبلها، نحو: مِيَر وأُريدُ أن أُقرِيَكَ5، على غير لزوم. وقد مضى السبب في ذلك في باب تخفيف الهمز6.
وكذلك أيضًا تُبدل7 من الهمزة المضمومة المكسورِ ما قبلها، عند الأخفش، نحو: هو يُقرِيكَ8، [في "يُقرِئُكَ"] 9 على غير لزوم أصلًا. وقد تَقَدَّمَ الدليل على بطلان هذا المذهب, في باب تخفيف الهمز10 أيضًا.
وتُبدل منها أيضًا إذا وقعت بعد ياء "فَعِيلٍ" ونحوه، ممّا زِيدت فيه لمدٍّ، وبعد ياء التحقير، على غير لزوم، فيقولون في خَطِيئة: خَطِيَّةٌ، وفي نَسِيء: نَسِيٌّ، وفي تحقير أَفؤُس: أُفَيِّسٌ11.
وإذا التقت همزتان، وكانت الثانية متحرِّكة بالكسر، قُلبت الثانية ياءً على اللزوم12، نحو قولهم: أيِمّةٌ في جمع "إمام". أصله "أَأْمِمَةٌ"، ثمَّ أَدغمتَ فقلتَ: أَئِمَّةٌ، ثمَّ أَبدلتَ من الهمزة المكسورة ياء.
__________
1 الجندلة: الحجر. م: "خنذية". والخنذية: رأس الجبل. والرجز في الطرائف الأدبية ص65 والمنصف 2: 176 وسر الصناعة ص233 وشرح المفصل10: 26.
2 المئرة: العداوة.
3 زاد في ف: ذلك.
4 سقط من م.
5 م: أقربك.
6 كذا. ولم يتقدم لتخفيف الهمز باب. م: "الهمزة". وانظر ص217.
7 ف: وكذلك تبدل أيضًا.
8 م: يقرئك.
9 من م.
10 كذا. ولم يتقدم لتخفيف الهمز باب. م "الهمزة". وانظر ص217.
11 م: أبؤس أبيّس.
12 هذا اللزوم شرطه أيضًا في الفعل ألا تكون الهمزة الأولى للمضارعة. انظر ص242. فالمضارع: أئزّ وأئطّ وأئلّ وأئن وأئيد وأئيم وأئين، يجوز فيه إبدال الهمزة ياء ولا يجب. وفي حاشية الخضري 2: 196: "لم أر من ذكرها على الخصوص". قلت: نص عليها ابن مالك في التسهيل ص302. أمَّا أئمة فيجوز فيها تحقيق الهمزتين أيضًا، ويجوز إدخال ألف بينهما محققتين، أو جعل الثانية بين بين، أو إشمامها الياء. انظر النشر 1: 378-381.
(1/251)

وتُبدل أيضًا من الهمزة الواقعة طرفًا بعد ألف زائدة، في التثنية، في لغة لبعض بني فَزارة، فيقولون في تثنية كِساء [36 ب] ورِداء: كِسايانِ ورِدايانِ. حكى ذلك أبو زيد عنهم.
وأُبدلت بغير اطِّراد في: قَرأتُ وبَدأتُ وتَوضَّأتُ، فقالوا: قََرَيتُ وتَوضَّيتُ وبَدَيتُ. وعلى "بَدَيتُ" جاء قول زهير1:
جَرِيءٍ, مَتَى يُظلَمْ يُعاقِبْ بِظُلمِهِ ... سَرِيعًا, وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ
فحَذَفَ الألف المنقلبة عن الياءِ المبدلةِ من الهمزة، للجزم في "يُبْدَي".
وقالوا في واجِئ2: واجٍ، فأبدلَ3 الهمزة ياء، وأجراها مُجرى الياء الأصليَّة. الدليل على ذلك أنه جعلها وصلًا لحركة الجيم، في قوله4:
وكُنتَ أَذلَّ مِن وَتِدٍ بِقاعٍ ... يُشَجِّجُ رأسَهُ, بالفِهرِ, واجِي
وأجراها مُجرى الياء الأصليَّة في قوله قبلُ5
ولَولاهُم لكُنتَ كَحُوتِ بَحرٍ ... هَوَى, في مُظلِمِ الغَمَراتِ, داجِي
ولو كانت الهمزة منويَّة عنده لم يجز أن تكون الياء6 وصلًا كما لا يجوز ذلك في الهمزة. ونحو من ذلك قول ابن هرمة7:
إِنَّ السِّباعَ لَتَهدَى في مَرابِضِها ... والنَّاسُ لَيس بِهادٍ شَرُّهُم أَبَدا
فأبدل الهمزة من "هادئ" ياءً ضرورة. وجميعُ هذا لا يقاس عليه إِلَّا في ضرورة شعر.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة في أَعْصُر اسم رجل8، فقالوا: يَعْصُر. قال أبو عليٍّ: إنَّما سُمِّيَ
__________
1 من معلقته. ديوانه ص24 وشرح الشافية 1: 26 وشرح شواهده ص10-11. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع: "بَدَيت بالشيء وبَدِيت به ... وبه بَدِينا". الأفعال 1: 99-100. وعن الجوهري: "أهل المدينة يقولون: بَدِينا ... دِينا". الصحاح "بدي". وفي الحاشية أيضًا أن الياء ليست مبدلة من الهمزة لأنها أصل.
2 الواجئ: الضارب في أي موضع كان.
3 كذا، بإفراد الضمير هنا وفيما يلي.
4 سقط من م حتى نهاية البيتين التاليين. وهما لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، من قصيدة يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص. الكتاب 2: 170 وشرح أبياته 2: 306 وشرح شواهد الشافية ص341 والوحشيات ص227 والكامل ص149 و288 و289 "مطبوعة ليبسيغ" والعقد الفريد 6: 148. والقاع: الأرض المستوية الطيبة الطين. والفهر: حجر صلب يدق به. والواجئ: الذي يدق ويكسر.
5 الغمرة: الموجة. والداجي: المظلم.
6 م: الواو.
7 ديوانه ص97 واللسان والتاج "هدأ" حيث روي: "عن فرائسها". م: "عن مرابضها". والمرابض: جمع مربض. وهو مكان الإقامة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "أراد: لتهدأ وبهادئ، فأبدل ... يجوز الزحاف". اللسان والتاج "هدأ".
8 وهو منبه بن سعد بن قيس عيلان.
(1/252)

أَعصُرًا لقوله1:
أَبُنَيَّ, إِنَّ أباكَ شَيَّبَ رأسَهُ ... كَرُّ اللَّيالِي, واختِلافُ الأعصُرِ2
__________
1 م: "بقوله". والبيت في طبقات فحول الشعراء ص29 والخصائص 2: 86 و3: 182 والمحتسب 1: 20 وسر الصناعة ص740 والتاج "عصر". وقال ابن سلام: "فبهذا البيت سمِّي أعصر. وقد يقول قوم: يعصر. وليس بشيء". والأعصر: جمع عصر. وهو الزمن.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان: "بلغت المقابلة". وفيها عن الجوهري: "يعصر وأعصر ... باهلة". الصحاح "عصر".
(1/253)

باب التاء:
وأمَّا التاء1 فأُبدلت من ستَّة أحرف. وهي: الواو، والياء، والسين، والصاد، والطاء، والدال.
فأُبدلت من الواو2 على غير اطِّراد3، في تُجاهٍ وهو "فُعال" من الوجه، وتُراثٍ: "فُعال" من وَرِثَ، وتَقِيَّةٍ: "فَعِيلَة" من وَقَيتُ، والتَّقوَى: "فَعلَى" منه، وتُقاةٍ: "فُعَلَة" منه.
وتَوراةٌ4 عندنا "فَوعَلَةٌ" من وَرِيَ الزندُ يَرِى. وأصله "وَوْراةٌ" فأبدلوا الواو الأُولى تاء؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لأبدلوا منها همزة هروبًا من اجتماع الواوين في أوَّل الكلمة. وكذلك تَولَجٌ5: "فَوعَلٌ" من الوُلوج أصله "وَوْلَجٌ". وهو عند البغداذيِّين "تَفْعَل"، والتاء زائدة وحملها6 على "فَوعَلٍ" أَولى، لقِلَّة "تَفْعَل" في الكلام [وكثرة "فَوعَل"] 7. وكذلك تَوراة8.
وكذلك تُخَمةٌ لأنها من الوَخامة، وتُكَأةٌ لأنها من: تَوكَّأتُ، وتُكْلانٌ لأنه من: تَوكَّلتُ، وتَيقُورٌ9 "فَيعُولٌ" من الوَقار، أصله "وَيقُورٌ". ومن أبيات الكتاب10.
فإِن يَكُنْ أَمسَى البِلَى تَيقُورِي
يريد: وقاري. ورجلٌ تُكَلةٌ من: وَكَلَ يَكِلُ.
__________
1 سر الصناعة 1: 161-174 والكتاب 2: 314.
2 المنصف 1: 225-228 وشرح الشافية 3: 219-220.
3 ف: "قياس". وصوبت في الحاشية كما أثبتنا.
4 م: نوراة.
5 التولج: كناس الوحش.
6 كذا، بتأنيث الضمير.
7 من م.
8 سقط "وكذلك توراة" من م.
9 التيقور: الوقار. م: وتكلان أيضًا وتيقور.
10 للعجاج. ديوانه ص27 والكتاب 2: 356 وسر الصناعة 1: 162 والمنصف 1: 227 وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "أصله ويقور من الوقار. ابن جنِّي في شرح البيت. أي: فإن يكن أمسى وقاري للبلى".
(1/254)

وقالوا: أَتلَجَهُ أي1 أَولَجَهُ. وكذلك ما تصرَّف, نحو: مُتْلِج، و"أَتكأَهُ" وما تصرَّف منه لأنه من: تَوكَّأتُ، أيضًا.
وأُبدلت2 من واو القسم في نحو: تاللهِ؛ لأنَّ3 الأصل الباء، بدليل أنك إذا جررتَ المضمر أتيتَ بالباء فقلت: به وبك؛ لأنَّ المضمرات تردُّ الأشياء إلى أصولها، ثمَّ أُبدلت الواو من الباء4, ثمَّ أُبدلت التاء من الواو.
فإن قال قائل: ولعلَّها أُبدلت من الباء. فالجواب أنَّ إبدال التاء من الواو قد ثَبَتَ. ولم يثبت إبدالها من الباء، فكان الحمل على ما له نظير أولى. وأيضًا فإن العرب لمَّا لم تَجُرَّ بها إلَّا اسم الله –تعالى- دلَّ ذلك على أنها بدلٌ من بدل؛ لأنَّ العرب تخصُّ البدلَ من البدل بشيء بعينه. وقد تَقَدَّمَ تبيين ذلك5.
وكذلك التَّلِيدُ والتَّلادُ من: وَلَدَ وتَتْرَى: "فَعْلَى" من المُواتَرة وأصلها "وَتْرَى"، وأُختٌ لأنه من الأُخُوَّة، وبِنْتٌ لأنه من البُنُوَّة، وهَنْتٌ لقولهم في الجمع: هَنَوات، و"كِلتا" لأنه لا يُتصوَّر أن تكون أصلًا لحذفها في "كِلا"6، ولا زائدةً للتأنيث لسكون ما قبلها وهو حرف صحيح، ولكونها حشوًا، ولا زائدةً لغير تأنيث لأنَّ التاء لا تُزاد حشوًا7.
فلم يبق إِلَّا أن تكون ممّا انقلبت عنه ألف "كِلا" –وهو الواو- لأنَّ الألف إِذا جُهِل أصلها حُملت على الواو؛ لأنه الأكثر. وأيضًا فإنَّ إبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.
وأُبدلت باطِّراد من الواو في "افتَعَلَ" وما تَصرَّف منه، إذا كانت فاؤه واوًا، نحو: اتَّعَدَ واتَّزَنَ واتَّلَجَ، فهو مُتَّعِدٌ ومُتَّزِنٌ ومُتَّلِجٌ، ويَتَّعِدُ ويَتَّزِنُ ويَتَّلِجُ، واتِّعادٌ واتِّزانٌ واتِّلاجٌ.
قال8:
فإِن تَتَّعِدْنِي أَتَّعِدْكَ مَواعِدًا9 ... وسَوفَ أَزِيدُ الباقياتِ القَوارِصا
وقال طرفة10:
__________
1 سقط من م.
2 م: وأبدل.
3 سقط من م حتى قوله "وقد تقدم تبيين ذلك". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب "الجماهير" لقطرب: وزعم قوم أن التاء في تالله بدل من الواو، وهو مذهب. إِلَّا أنه يضعف لأنه يقال: وأبيك لا أفعل. ولا يقال: تأبيك لا أفعل. فلو كانت بدلًا منها جرت مجراها.
4 كذا. ولم يذكره في باب الواو. انظر ص240-243.
5 انظر ص231.
6 م: وكلتا لا يتصور أن تكون أصلًا في كلا.
7 كذا. وانظر ص183.
8 الأعشى يهجو علقمة بن علاثة. ديوانه ص101.
9 في م وحاشية ف عن نسخة أخرى: "بمثلها". وهي رواية سر الصناعة1: 163.
10 ديوانه ص182 وسر الصناعة 1: 163. وسكن ياء القوافي للتخفيف.
(1/255)

فإِنَّ القَوافِيْ يَتَّلِجْنَ مَوالجًِا ... تَضايَقُ, عَنها, أن تَوَلَّجَها الإِبَرْ
وقال سُحيمٌ1:
وما دُمْيةٌ, مِن دُمَى مَيْسَنا ... نَ, مُعْجِبةٌ نَظَرًا واتِّصافا [37 أ] .
والسبب في قلب الواو في ذلك تاءً أنهم لو لم يفعلوا ذلك لوجب أن يقلبوها ياءً، إذا انكسر ما قبلها، فيقولوا:2 ايْتَعدَ3 وايْتَزنَ وايْتَلَجَ، وإذا انضمَّ ما قبلها رُدَّت للواو فيقولون: مُوتَعِدٌ ومُوتَزِنٌ ومُوتَلِجٌ، وإذا انفتح ما قبلها قُلبت ألفًا فيقولون: ياتَعِدُ وياتَزِنُ وياتَلِجُ. فأبدلوا منها التاء؛ لأنها حرف جلدٌ لا يَتغيَّرُ لِما قبله، وهي مع ذلك4 قريبةُ المخرجِ من الواو؛ لأنَّها من أصول الثنايا والواو من الشفة.
فإن5 قلت: إنَّ التاء بدل من ... 6 وهي قريبة منها. فالجواب أنها ليست من حروف البدل. فلذلك لم تدل منها. ومن العرب من يجريها على القلب ولا يُبدِلها تاء7.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الواو تاء.
وأُبدلت من الياء على قياس، في "افتَعَلَ"، إذا كانت فاؤه ياءً، وفيما تَصَرَّف منه. فقالوا في "افتَعَلَ" من اليُسرِ: اتَّسَرَ، ومن اليُبس: اتَّبَسَ8. والعِلَّة في ذلك ما ذكرناه في الواو، من عدم استقرار الفاء على صورة واحدة؛ لأنك تقلبها واوًا إذا انضمَّ ما قبلها نحو: مُوتَسِر ومُوتَبِس، وألفًا9 متى انفتحَ ما قبلها في نحو: ياتَسِرُ وياتبِسُ. فأبدلوها تاء لذلك، وأَجروها مُجرى الواو. ومن العرب من لا يُبدِلها تاء، بل يُجريها على القلب.
فإن10 قال قائل: فلأيِّ شيء قُلبت الياء في مثل "ياتَسِرُ" إذا انفتح ما قبلها؟ فالجواب أنه
__________
1 ديوانه ص42 والخصائص 1: 282 و2: 437 وسر الصناعة 1: 163. وميسنان: اسم موضع فيه قبر عزير النبي، تخدمه اليهود وتأتيه النذور.
2 في النسختين: "فيقولون". والتصويب من سر الصناعة 1: 164.
3 م: ايتَّعد.
4 ألحق في حاشية ف: أقرب الزوائد من الفم إلى الواو.
5 سقط من النسختين حتى "لم تبدل منها"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
6 هنا كلمات مخرومة لم أتبينها.
7 في حاشية ف بخط أبي حيان عن المسائل الإسكندرانية لابن الخشاب: "أن ذلك لغة الحجازيين ... من الوطء". انظر ص265 من ابن عصفور والتصريف.
8 م: من اليسر واليبس اتسر واتبس.
9 م: والفاء.
10 سقط من م حتى قوله "مثل ايتعد وموتعد".
(1/256)

لمَّا وجب في حرف العِلَّة أن يكون على حسب ما قبله إذا انكسر أو انضمَّ، فتقول: ايتَبَسَ ومُوتَبِسٌ، حملوا الفتح على الكسر والضمِّ، فجعلوا حرف العِلَّة إذا كان ما قبله مفتوحًا ألفًا. فيكون موافقًا للحركة التي تقدَّمته، كما كان ذلك في حين انكسار ما قبله وانضمامه. ولهذه العِلَّة بنفسها قُلبت الواو ألفًا في مثل "ياتَعِدُ" من الوعد. أعني أنه حُملَ الفتح على الكسر والضمِّ في مثل: ايتَعَدَ ومُوتَعِد.
وأُبدلت من الياء1 على غير اطِّراد، في قولهم: ثِنتانِ. ويَدلُّ على أنها من الياء أنها من "ثَنَيتُ"؛ لأنَّ الاثنين قد ثُنِيَ أحدهما إلى صاحبه. وأصله "ثَنَيٌ". يدلُّ على ذلك جمعُهم إيَّاه على أثناء بمنزلة أبناء وآخاء. فنقلوه من "فَعَلٍ" إلى "فِعْلٍ"، كما فعلوا ذلك2 في بِنْتٍ.
وأَبدلوا من الياء في: كَيْتَ وكَيْتَ وذَيْتَ وذَيْتَ، وأصلهما: كَيَّة وكَيَّة وذَيَّة وذَيَّة. ثمَّ إنَّهم حذفوا التاء3 وأبدلوا من الياء التي هي لامٌ تاءً.
وأُبدلت من السين على غير اطِّراد في سِتٍّ [في العدد] 4. وأصله "سِدْسٌ"، بدليل قولهم في الجمع: أَسداس، وفي التصغير: سُدَيسَةٌ5. وسيُذكر السبب في ذلك في الإدغام6.
وقد أَبدلوها أيضًا من السين في الناس وأكياس. أنشد أحمد بن يحيى7:
يا قاتَلَ اللهُ بَنِي السِّعلاةِ ... عَمرِو بنِ يَربُوعٍ شِرارِ النَّاتِ
غَيرِ أَعفَّاءَ ولا أَكياتِ
وإنَّما أُبدِلت من السين لموافقتها إيَّاها في الهمس8، والزيادة وتجاور المخرج.
وأُبدِلت أيضًا منها في طَسٍّ فقالوا: طَسْتٌ. وإنَّما جُعلت التاء في طَسْت بدلًا [من السين] 9.
__________
1 م: الفاء.
2 سقط من م.
3 في م وسر الصناعة. الهاء.
4 من م.
5 إنما زيدت التاء في التصغير لأنَّ "ستّ" عدد لما هو مؤنث. ف: سديس.
6 في الورقة 67.
7 لعلباء بن أرقم اليشكري. النوادر ص104 و147 والقلب والإبدال ص42 وسر الصناعة 1: 172 والإنصاف ص119 والإبدال 1: 117 وشرح الشافية 3: 221 وشرح شواهده ص469-472 والخصائص 2: 53 والأمالي 2: 71 والسمط ص703 والمفصل 2: 261 وشرحه 10: 36 والجمهرة 3: 33 والمخصص 3: 26 و13: 283 واللسان "أنس" و"مرس" و"نوت" و"سعل". والسعلاة: أنثى الغيلان. وزعموا أن عمرو بن يربوع تزوج سعلاة.
8 م: الهمز.
9 من م.
(1/257)

ولم تُجعل أصلًا؛ لأنَّ طَسًّا أكثرُ استعمالًا من طَسْت.
وأُبدلت من الصَّاد في لِصْتٍ1 ولُصُوتٍ –والأصل لِصٌّ ولُصُوصٌ- لأنهما أكثر استعمالًَا بالصاد من التاء.
وأُبدلت من الطاء في فُستاط –والأصل فُسطاط- بدليل قولهم: فَساطِيطُ، ولا يقولون "فَساتيطُ"2، وفي "أَسْتاعَ يُستِيعُ" والأصل: أَسْطاعَ يُسْطِيعُ.
وأُبدلت من الدَّال في قولهم: ناقةٌ تَرَبُوتٌ، والأصل دَرَبُوتٌ أي: مُذلّلةٌ3؛ لأنه من الدُّرْبة.
__________
1 ضبط أولها في ف بالتثليث وفوقه: معًا.
2 هذا قول ابن جني في سر الصناعة 1: 174. وعلَّق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: "في كتاب الإبدال لأبي الطيب اللغوي الحلبي، رحمه الله: التاء والطاء: يقال فسطاط وثلاثة فساطيط. وفستاط وثلاثة فساتيط". انظر الإبدال 1: 132.
3 م: مدربة.
(1/258)

باب الميم:
وأمَّا الميم فأُبدلت من أَربعة أحرف وهي: الواو، والنون، والياء، واللَّام.
فأُبدلت من الواو1 في قولهم: فَمٌ. والأصل "فَوْهٌ"، فحُذِفَت الهاء تخفيفًا. فلمَّا صار الاسم على حرفين، الثاني منهما حرف لين، كرهوا حذفه للتنوين فيجحفوا به2، فأبدلوا من الواو ميمًا لقُرب الميم من الواو، وقد تُشَدَّدُ الميم في ضرورة الشعر، نحو قوله3:
يا لَيتَها قَد خَرَجَتْ, مِن فَمِّهِ ... حَتَّى يَعُودَ البَحرُ في أُسْطُمِّهِ
رُوي بفتح الفاء من فمِّهِ وضمِّها. والدليل على أنَّ الأصل فيه5 "فَوْهٌ" قولهم: أَفواهٌ وفَوهاءُ6 وأَفوَهُ ومُفَوَّهٌ.
وأُبدلت باطِّراد7 من النون الساكنة عند الباء في نحو: عَمْبَرٍ وشَمْباءَ8. وذلك لأنَّ النون أُخت الميم وقد أُدغِمَت في الميم, فأرادوا إعلالها أيضًا مع الباء كما أعلُّوها مع الميم بالإدغام. وسنُبيِّن ذلك بأكثر من هذا في [37 ب] الإدغام9, إن شاء الله تعالى.
__________
1 شرح الشافية 3: 215-216 والإبدال 2: 378-381 والكتاب 2: 314. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن "الجماهير" لقطرب أن بعض النحاة جعل الميم بدلًا من الهاء مع حذف الواو، وآخرين قالوا: هي عوض من الواو والهاء معًا بدليل قولهم: أفواه. انظر الارتشاف 1: 159.
2 نصب الفعل بـ"أن" مضمرة. والمصدر المؤول معطوف على المصدر حذف.
3 محمد بن ذؤيب العماني الفقيمي. الخصائص 2: 211 وسر صناعة الإعراب ص415 والمحتسب 1: 79 والهمع 1: 139 والدرر 1: 109 والخزانة 2: 283 والصحاح والمقاييس "فمم" واللسان والتاج "فمم" و"فوه". وانظر ص89 من ديوان العجاج. وأسطم البحر: معظمه.
4 الرواية المشهورة: حتى يعود الملك.
5 م: أن أصل فم.
6 م: فوها.
7 شرح الشافية 3: 216.
8 الشمباء: العذبة الفم. م: عنبر وشنباء.
9 في الورقة 65.
(1/259)

وقد أُبدلت من نون البَنان، فقالوا: البَنامُ. قال1:
يا هالَ ذاتَ المَنطِقِ التَّمتامِ ... وكَفِّكِ, المُخَضَّبِ البَنامِ
يريد البَنان.
وأُبدلت أيضًا من الباء في قولهم2: بَناتُ بَخْرٍ وبَناتُ مَخْرٍ. وهنَّ سحائب يأتين قُبُلَ الصَّيفِ3، بيضٌ مُنتصباتٌ في السَّماء. قال طرفة4:
كَبَناتِ المَخْرِ, يَمأَدْنَ كَما ... أَنبَتَ الصَّيفُ عَسالِيجَ الخَضِرْ
وإنَّما جُعلت الباء الأصل؛ لأنَّ البَخْر مشتقٌّ من البُخار؛ لأنَّ السحاب إنَّما ينشأ عن بُخار البحر.
وأُبدلت أيضًا من الباء فيما حكاه أبو عمرو الشيبانيُّ, من قولهم5: ما زالَ راتِمًا على كذا، وراتِبًا أي: مُقيمًا، من الرُّتبة.
وأُبدلت أيضًا من الباء، في قولهم6: رأيتُه مِن كَثَبٍ، ومن كَثَم أي: من قُرب. ثمَّ قالوا: قد أَكثَبَ هذا الأمرُ أي قَرُبَ، ولم يقولوا: "أَكثَمَ". فدلَّ ذلك على أنَّ الباء هي الأصل.
وأُبدلت أيضًا من الباء، في نُغَب جمع نُغْبة7، فقالوا: نُغَمٌ. قال الشاعر8:
فبادَرَتْ شِربَها, عَجلَى مُثابِرةً ... حَتَّى استَقَتْ, دُونَ مَحنَى جِيدِها, نُغَما
وأُبدلت من النون9 فيما حكاه يعقوب عن الأحمر10 من قولهم: طانَهُ اللهُ على الخَيرِ,
__________
1 ينسب إلى رؤبة. ديوانه ص183 وسر الصناعة ص422 والأشموني 4: 319 والتصريح 2: 392 والعيني 4: 401 وشرح الشافية 3: 216 وشرح شواهده ص455-459 والمفصل 2: 260 وشرحه 10: 33. وهال في حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي: "هو ترخيم هالة". والتمتمام: الذي يتردد في نطق التاء.
2 الإبدال 1: 41 وشرح الشافية 3: 217.
3 سقط "قبل الصيف" من م.
4 ديوانه ص74. ويمأدن: يتحركن ويتثنين. والعساليج: تخرج في الصيف تنقاد كما ينقاد الخيزران. والخضر: نبات أخضر.
5 الإبدال 1: 48 وشرح الشافية 3: 217.
6 الإبدال 1: 49 وشرح الشافية 3: 218.
7 النغبة: الجرعة من الماء.
8 سر الصناعة ص426 والمقرب 2: 178 واللسان والتاج "نغب" والمفصل 2: 26 وشرحه 10: 33.
9 كذا. وحق هذه الفقرة أن تقدم وتلحق بإبدال الميم من النون فيما مضى بعد: البنان.
10 القلب والإبدال ص20 والإبدال 2: 428 وشرح الشافية 3: 217. والأحمر هو علي بن المبارك صاحب الكسائي وأول من دوَّن عنه، أعلم من الفراء بعلل النحو ومقاييس التصريف. توفي سنة 194. إنباه الرواة 2: 313.
(1/260)

وطامَهُ أي: جَبَلَه1، وهو يَطينُه. ولا يقال "يَطِيمُه". فَدَلَّ ذلك على أنَّ النون هي الأصل.
وأنشد2:
[لَقَد كانَ حُرًّا, يَستَحِي أن تَضُمَّهُ] ... ألا تِلكَ نَفْسٌ, طِينَ مِنها حَياؤُها
وأُبدلت3 من لام التعريف. ومنه قوله، عليه السلام: "لَيسَ مِنَ امْبَرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ"4.
__________
1 م: "حمله". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الجوهري: "ابن السكيت: طامه ... مثل طانه". الصحاح "طيم".
2 الإبدال 2: 428 والقلب والإبدال ص20 وشرح الشافية 3: 217 وشرح شواهده ص459-460 والصحاح واللسان والتاج "طين". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن بري: "صوابه: إلى تلك ... إلى تلكَ نفسٌ طِينَ فيها حَياؤها". اللسان "طين" وابن عصفور والتصريف ص272. وطين فيها أي: هو من جبلتها وسجيتها.
3 سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف. وانظر الإبدال 2: 378-382 وشرح الشافية 3: 216.
4 ذكر ابن جني أن هذا الحديث رواه النمر بن تولب ولم يرو غيره. وانظر صحيح مسلم ص786 وسنن ابن ماجه ص532 وسنن النسائي 4: 175-176 والجامع الصغير 2: 232 وشرح المفصل10: 34 وحاشية الأمير على المغني 1: 47 وحاشية الدسوقي 1: 51. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب الإبدال لأبي الطيب: ذلك في لغة حِمير ... والسَّلِمة.
(1/261)

باب النون:
وأمَّا النُّونُ فأُبدلت من اللَّام في1 "لعلَّ"، فقالوا: لَعَنّ. قال أبو النجم2:
اغْدُ لَعَنَّا3 في الرِّهانِ نُرسِلُهْ
وإنَّما جُعِل الأصل "لعلَّ" لأنه أكثر استعمالًا.
وأُبدلت من الهمزة، في النسب إلى4 صَنعاء وبَهراء، فقالوا: صَنعانِيٌّ وبَهرانِيٌّ.
وزعم بعض النحويِّين أنَّ النون في "فَعْلان" الذي مؤنَّثه "فَعْلَى" بدل من الهمزة5، واستدلُّوا على ذلك بأنهما قد تشابها -أعني فَعلان وفعلاء6- في العدد والتوافق في الحركات والسَّكَنات والزيادتين في الآخِر، وأنَّ7 المذكَّر [في البابين] 8 بخلاف المؤنَّث، وأنَّكَ تقول في جمع سَكران: سَكارَى، كما تقول في جمع صَحراء: صَحارَي.
والصحيح أنها ليست ببدل؛ إذ لم يَدْعُ إلى الخروج عن الظاهر داعٍ؛ لأنه لا يلزم من توافقهما في الوزن, ومخالفة المذكَّر للمؤنَّث9، أن يشتبها في أن يكون كلُّ واحد منهما مؤنَّثًا بالهمزة. وأمَّا جمعهم "فَعْلان" على "فَعالَى" فللشَّبه الذي بينه وبين "فَعْلاء"10 فيما ذُكر،
__________
1 شرح الشافية 3: 218 والإبدال 2: 296 والمفصل 2: 261 وشرحه 10: 36.
2 الإبدال 2: 297 والأمالي 2: 134 والسمط 328 و758. وهو من أرجوزة في العقد 1: 118. واغد أي: اذهب باكرًا.
3 في الإبدال: "اغد لغنا". والأمالي: اغد لعلْنا.
4 شرح الشافية 3: 218.
5 يريد: بدل من الهمزة في فعلاء لأنَّ فعلى مقصور من فعلاء. وفسَّر ابن جنِّي هذا الزعم، على غير ما ذهب إليه ابن عصفور. انظر المنصف 1: 158.
6 م: فعلى.
7 م: فإن.
8 من م.
9 م: المؤنث.
10 م: فعلى.
(1/262)

لا أنه في الأصل "فَعْلاء". وأيضًا فإنَّ النون لا تُبدل من الهمزة إِلَّا شذوذًا، نحو: بَهرانِيّ1 وصَنعانِيّ2 لا يُحفظ غيرهما3.
__________
1 م: نهراني.
2 م: ضبعاني.
3 كذا. وانظر شرح الشافية 2: 54-58 وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الإبدال لأبي الطيب: "الفراء: يقال: هو الحِنَّاء والحِنَّان، لهذا الذي يختضب به ... والسين". وانظر التاج "حنأ".
(1/263)

باب الهاء:
وأمَّا1 الهاء فأُبدلت من خمسة أحرف. وهي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، والتاء.
فأُبدلت من الهمزة، في2 "إِيَّاكَ"، فقالوا: هِيَّاكَ. أنشد أبو الحسن3:
فهِيَّاكَ والأَمرَ الَّذِي إِن تَوَسَّعَتَ ... مَوارِدُهُ ضاقَتْ, علَيكَ, مَصادِرُهْ
ويقال أيضًا: أَيَّاكَ وهَيَّاكَ، بالفتح.
وطَيِّئ تُبدِل همزة4 "إن" الشرطيَّة هاء، فتقول: هِنْ فَعَلتَ فَعَلتُ، تُريد5 "إنْ".
وأُبدلت أيضًا من الهمزة في6 "إنَّ" مع اللام، على اللزوم، فقالوا: لَهِنَّكَ7. قال الشاعر8:
ألا يا سَنا بَرقٍ، علَى قُلَلِ الحِمَى ... لَهِنَّكَ, مِن برقٍ, عَلىَّ كَرِيمُ
وقرأ بعضهم9: "طَهْ، ما أَنزَلْنا علَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى"، وقالوا: أَراد "طَأِ الأرضَ بقدمَيك
__________
1 انظر الكتاب 2: 313 وشرح المفصل 10: 42-45. ف "فأما" وفي الحاشية تعليقه بخط أبي حيان مخروم أكثرها تعذرت قراءتها.
2 الإبدال 2: 596-570 وشرح الشافية 3: 223.
3 لطفيل الغنوي أو مضرس بن ربعي. ديوان طفيل ص10 والمحتسب 1: 40 وشرح الملوكي ص283 و304 و364 وشرح المفصل 8: 118 و10: 42 والإنصاف ص215 وشرح الحماسة للمرزوقي ص1152 وللتبريزي 3: 151 وشرح الشافية 3: 223 وشرح شواهده ص476-477 وشمس العلوم1: 16.
4 شرح الشافية 3: 222-223.
5 ف: يريد.
6 شرح الشافية 3: 222-223.
7 الكتاب 1: 474 والنوادر ص27.
8 محمد بن مسلمة أو محمد بن يزيد بن مسلمة. الأمالي1: 22 ونثار الأزهار ص79 ومجالس ثعلب 113 والزهرة ص227 والخصائص 1: 315 و2: 195 وأمالي الزجاجي ص250 وديوان المعاني 2: 192 وشرح شواهد المغني ص205 وشرح أبياته 4: 347 والجنى الداني ص129 والهمع 1: 141 والدرر 1: 118 والخزانة 3: 339- 341 واللسان والتاج "لهن" و"قذي" وشرح المفصل 8: 63 و10: 42. والسنا: الضوء. والقلل: جمع قلة. وهي أعلى الجبل.
9: جماعة منهم الحسن وعكرمة وأبو حنيفة وورش. البحر المحيط 6: 224.
(1/264)

جميعًا"؛ لأنَّ النبيَّ -عليه السَّلام- كان يَرفع إحدى رجليه في صلاته.
وقالوا: أَيا وهَيا، في النداء1. والهاء بَدَلٌ من الهمزة؛ لأنَّ "أَيا" أكثرُ من "هيا". قال2:
وانصَرَفَتْ, وهْيَ حَصانٌ مُغضَبَهْ ... ورَفَعَتْ, بِصَوتِها: هَيا أَبَهْ
يريد: أَيا أَبَهْ.
وقالوا: هَمَا واللهِ لقد كان كذا، يريدون: أَما واللهِ لقد كان كذا.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة، في:3 أَثَرتُ التُّرابَ4 وأَرَحتُ الماشيةَ، وأَرَقتُ الماءَ وأَرَدتُ الشَّيء، وفيما يتصرَّف منها، فقالوا: هَثَرتُ وهَرَحتُ وهَرَقتُ وهَرَدتُ، وأُهَثِيرُ وأُهَرِيحُ وأُهَرِيقُ وأُهَرِيدُ، ومُهَثِيرٌ ومُهَرِيحٌ ومُهَرِيقٌ ومُهَرِيدٌ.
وتُبدل أيضًا من همزة الاستفهام، فيقولون5: هَزَيدٌ مُنطلِقٌ؟ يريدون: أزيد منطلق؟ وأَنشد الفرَّاء6:
وأَتَى صَواحِبُها فقُلنَ: هَذا الَّذِي ... مَنَحَ المَوَدَّة غيرَنا, وجَفانا؟
يريد: أذا الذي.
وأُبدلت من الألف في "هُنا" في الوقف، فقالوا: هُنَهْ. قال الراجز7:
قَد وَرَدَتْ, مِن أَمكِنَهْ ... مِن ههُنا, ومِن هُنَهْ
وأُبدلت من الياء في 8 "هذِي"، فقالوا: هذِهْ، [38 أ] في الوقف. وقد تُبدل أيضًا منها في
__________
1 الإبدال 2: 569. م: أيا في النداء وهيا.
2 الأغلب العجلي. ديوانه ص148 ومجمع الأمثال 2: 134 وفصل المقال ص218 وسر الصناعة ص554 والإبدال 2: 569 وشرح المفصل 8: 119. والحصان: العفيفة.
3 الإبدال 2: 569 -570 وشرح الشافية 3: 222-223.
4 في شرح الشافية وشرح المفصل والإبدال "أنرت الثوب" أي: جعلت له علمًا. وفي الكتاب: همرت.
5 شرح الشافية 3: 223-224.
6 أنشده اللحياني عن الكسائي لجميل بن معمر. اللسان والتاج "ذا". وانظر المفصل 2: 262 وشرحه 10: 43 ورسالة الملائكة ص93 والصحاح والقاموس والتاج "ها" وشرح الشافية 3: 224 وشرح شواهده ص447 حيث قال البغدادي: "وقائله مجهول، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فإن في غالب شعره أنَّ النساء يتعشَّقنه". قلت: وليس في ديواني عمر وجميل المطبوعين، والصواحب: جمع صاحبة.
7 سر الصناعة 1: 182 وشمس العلوم 1: 16 والمفصل 2: 262 وشرحه 10: 43 وشرح الشافية 3: 224 وشرح شواهده ص479-480 والمنصف 2: 156 وشرح الملوكي ص312 و315 والمقرب 2: 32 ورصف المباني ص163 والمحتسب 1: 277 والأشموني 4: 334 والدرر 1: 52 والهمع 1: 78. يذكر إبلًا. وبعدهما:
إنْ لم أُرَوِّها فَمَهْ
أي: فما أصنع؟
8 الكامل ص842-843 والإبدال 2: 530 والمنصف 3: 139.
(1/265)

الوصل. والدليل على أنَّ الياء هي الأصل قولهم في تحقير ذا: "ذَيَّا" [وفي تحقير ذِي: تَيَّا] 1. و"ذي" إِنَّما هو تأنيث "ذا"، فكما لا تجد الهاء في المذكَّر أصلًا فكذلك المؤنَّث.
وأُبدلت أيضًا من الياء في تصغير هَنَة2: هُنَيهة. والأصل "هُنَيْوةٌ" لقولهم في الجمع: هَنَواتٌ، ثمَّ "هُيَنَّةٌ" لأجل الإدغام، ثمَّ أبدلوا من الياء الثانية هاء فقالوا: هُنَيهةٌ.
وأُبدلت من الواو في هَناه3. والأصل "هَناو"4، فأُبدلت الواو هاء، وهو من لفظ "هَنٍ". ولا تُجعل الهاء التي بعد الألف أصلًا؛ لأنه لا يُحفظ تركيب "هَنَهَ". وأيضًا فإنه لو كان كذلك لكان من باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل.
وذهب أبو زيد5 إلى أنَّ الهاء إنَّما لَحِقتْ في الوقف لخفاء الألف، كما لحقت في الندبة في "زَيداهْ"، ثمَّ شُبِّهت بالهاء الأصليَّة فحُرِّكت. فيكون ذلك نظير قوله6:
يا مَرحَباهُ, بِحِمارِ ناجِيَهْ ... إِذا أَتَى قَرَّبتُهُ, لِلسَّانِيَهْ
فيكون ذلك من باب إجراءِ الوصل مُجرى الوقف المختصِّ بالضَّرائر. ويكون، على القول الأوَّل، قد أُبدلت فيه الواو هاء. وذلك أيضًا شاذٌّ لا يُحفظ له نظير.
والوجه عندي أنها زائدة للوقف؛ لأنَّ ذلك قد سُمِع له نظير في الشعر، كما ذكرتُ لك. وأيضًا فإنَّ ابن كَيسان -رحمه الله- قد حكى في "المختار"7 له أنَّ العرب تقول "يا هناه"8 بفتح الهاء الواقعة بعد الألف، وكسرها وضمِّها. فمن كسرها فلأنها9 هاء السَّكت، فهي في الأصل ساكنة، فالتقت مع الألف، فحرّكت بالكسر، على أصل التقاء الساكنين. ومَن حرَّكها10 بالفتح فإنه أَتبعَ حركتَها حركةَ ما قبلها. ومن ضمَّ فإنه11 أجراها مُجرى حرف
__________
1 زيادة من الكامل ص843.
2 المنصف3: 140.
3 المنصف 3: 140-143. م: هناة.
4 وهذا مذهب البصريين عدا أبي زيد والأخفش. شرح الشافية 3: 225 وشرح الكافية 2: 138.
5 المنصف 3: 142.
6 الخصائص 2: 358 والمنصف 3: 142 وشرح الملوكي ص201 والأشباه والنظائر 2: 380 ورصف المباني ص400 وشرح المفصل 9: 46 والهمع 2: 157 والدرر 2: 248 والخزانة 1: 400 واللسان والتاج "سني". والسانية: الدلو العظيمة.
7 كتاب في علل النحو. وهو في ثلاث مجلدات. معجم الأدباء 17: 137.
8 ذكر ابن جنِّي أنه لم يسمع فيها إِلَّا الضمَّ. المنصف 143. م: يا هناة.
9 م: فلامها.
10 ف: ومن حرك.
11 م: فلأنه.
(1/266)

من الأصل، فضمَّها1 كما يُضَمُّ آخرُ المنادى. ولو كانت الهاء بدلًا من الواو لم يكن للكسر والفتح وجه، ولوجبَ2 الضمُّ كسائر المنادَيات.
وأُبدلت من تاء التأنيث في الاسم، في حال الإفراد في الوقف، نحو: طَلحهْ وفاطمهْ3. وحكى قُطرب عن طَيِّئ أنهم يفعلون ذلك بالتاء من جمع المؤنث السالم، فيقولون: "كيف الإِخْوةُ والخَواهْ؟ وكيف البَنُونَ والبَناهْ"؟
__________
1 ف: فضم.
2 م: والوجه.
3 في النسختين: طلحة وفاطمة.
(1/267)

باب 1 اللَّام:
وأمَّا اللَّام فأُبدلت من الضاد2 في "اضطجعَ". قال الراجز3.
لَمَّا رأَى أنْ لا دَعَهْ، ولا شِبَعْ ... مالَ إِلى أرطاةِ حِقفٍ, فالطَجَعْ
[يريد: فاضطَجع] 4.
وأَبدلوا اللَّام من النون، في5 أُصَيلان تَصغير أُصْلان، فقالوا: أُصَيلانًا وأُصَيلالًا.
__________
1 ف: "حرف". وسقط من م.
2 شرح الشافية 3: 226 وشرح المفصل 10: 45.
3 منظور بن حبة الأسدي. شرح الشافية 2: 324 و3: 226 وشرح شواهده ص274-276 و480 والخصائص 1: 63 و263 و3: 163 والمخصص 8: 24 والمحتسب 1: 124 والأشموني 4: 280 و332 والتصريح 2: 367 والأشباه والنظائر 2: 340 وإصلاح المنطق ص95 وتهذيب الإصلاح 1: 167 وشرح شواهد الإصلاح الورقة 90 والمنصف 2: 329 والمفصل 2: 264 وشرحه 9: 143 و10: 46 والعيني: 584 والصحاح واللسان والتاج "أرط". والدعة: الخفص والطمأنينة. والأرطاة: شجرة. والحقف: التل المعوج من الرمل.
4 من م.
5 الكتاب 2: 314 وشمس العلوم 1: 15 وشرح الشافية 3: 226 والمفصل 2: 263 وشرحه 10: 46.
(1/268)

باب 1 الألف:
وأمَّا الألف فأُبدلت من أربعة أَحرف. وهي: الهمزة، والياء, والواو، والنون الخفيفة. إِلَّا أنَّ الذي يُذكر هنا إبدالها من الهمزة والنون؛ لأنَّ إبدالها من الياء والواو من باب القلب.
فأُبدلت من الهمزة2 باطِّراد، إذا كانت ساكنة وقبلها فتحة، نحو: رأس وكأس، تقول فيهما [إِذا خَفَّفتَهما] 3: كاسٌ وراسٌ. إِلَّا أنه إذا كان الحرف المفتوح الذي تليه الهمزة الساكنة همزةً التُزم قلب الهمزة الساكنة ألفًا، نحو: آدَم وآمَنَ. أصلهما "أَأْدَم"4 و"أَأْمَن". إِلَّا أنه لا يُنطق بالأصل، استثقالًا للهمزتين في كلمة واحدة.
وأُبدلت، على غير قياس، من الهمزة المفتوحةِ المفتوحِ ما قبلها. وإنَّما يُحفظ حفظًا، نحو قوله5:
إِذا مَلا بَطنَهُ ألبانُها حَلَبًا ... باتَتُ تُغَنِّيهِ وَضرَى ذاتُ أَجراسِ
يريد: مَلأَ، فأَبدل من الهمزة ألفًا6. ومن أبيات الكتاب7.
راحَتْ، بِمَسلَمةَ، البِغالُ عَشِيَّةً ... فارعَيْ, فَزارةُ, لا هَناكِ المَرتَعُ
يريد: لا هَنَأَكِ, فأبدل الهمزة ألفًا. ومن أبيات الكتاب أيضًا8.
__________
1 ف: "حرف". وسقط من م. وانظر الكتاب 2: 33 والمفصل 2: 256 وشرحه 10: 16-21.
2 شرح الشافية 3: 209 والإبدال 2: 548.
3 من م.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان عن اللباب أن الهمزة الثانية في التصغير والجمع تبدل واوًا، للثقل ولأنَّ حركتها عارضة.
5 سر الصناعة ص666 والمبهج ص30 والمحتسب 2: 162 وضرائر الشعر ص230 واللسان والتاج "وضر". والوضرى: المرأة الوسخة.
6 ف: فأبدلت الهمزة.
7 للفرزدق. الكتاب 2: 17 وديوان الفرزدق ص508. قال هذا حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق، ووليها عمر بن هبيرة الفزاري.
8 لحسان بن ثابت. ديوانه ص34 والكتاب2: 130 و170 والمفصل 2: 243. ويروى: "بما جاءت" و"بما سالت". يعرِّض حسان بهذيل لأنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يباح لها الزنى.
(1/269)

سالَتْ هُذَيلٌ رَسُولَ اللهِ فاحِشةً ... ضَلَّتْ هُذَيلٌ بِما قالَت, ولَم تُصِبِ
يريد: سأَلَتْ، فأبدل.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة المفتوحة الساكنِ ما قبلها، إذا كان الساكن ممّا يمكن نقل الحركة إليه1، نحو "المرَاة" في المرأَة، و"الكمَاة" في الكَمْأَة. وذلك أنهم نقلوا الفتحة إلى الساكن قبلها، ولم يحذفوا الهمزة، بل أبقوها ساكنة، فجاءت ساكنة بعد فتحة فقلبت ألفًا.
وأُبدلت من النون الخفيفة، في ثلاثة مواضع:
أحدها: في الوقف على المنصوب2 المنوَّنِ [38 ب] غيرِ المقصور3، نحو: رأيتُ زيدًا، وأَكرمتُ عَمْرًا. وقد بُيِّنَ في الوقف لِمَ4 كان ذلك، وأنهم قَصدوا بذلك5 التَّفرقةَ بين النونِ الزائدة على الاسم بعد كماله، والنونِ التي هي من كمال الاسم.
فإن كان الاسم مقصورًا فإنك تقفُ عليه بالألف نحو6: عَصا، ورَحَى. لكن اختلفوا في الألف:
فمنهم من ذهب إلى أنَّها بدلٌ من التنوين، في الرفع والنصب والخفض. وهو مذهب المازنيِّ، وحُجَّتُه أنَّ الذي مَنعَ7 أنْ يُبدل من التنوين في الرفع والخفض إنَّما هو الاستثقال؛ لأنه إنَّما ينبغي أن تُبدِل من التنوين حرفًا من جنس الحركة التي قبله. فلو أَبدلتَ في الرفع لقلت8 "زَيدُو", وفي الخفض لقلت9 "زَيدِي", والياء والواو ثقيلتان. وأمَّا في النصب فتُبدِل لأنَّ الذي قَبلَ التنوين فتحة. فإذا أَبدلت فإنَّما تُبدِل الألف -وهي خفيفة- نحو: رأيتُ زيدًا. فلمَّا كان ما قبلَ التنوين في المنقوص10 فتحةً في جميع الأحوال ساوى الرفعُ والخفضُ النصبَ، فوجب الوقف عنده في الأحوال الثلاثة بالألف.
وهذا الذي ذَهب إليه باطلٌ، إذ لو كان الأمر على ما زَعمَ لم تَقعِ الألف من المقصور قافيةً؛ لأنَّ مجيء الألف المبُدلة من التنوين قافيةً لا يجوزُ.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أنه إذا كان قبل الهمزة ألف تعذر النقل، نحو: الهناءة والمساءة.
2 م: منصوب.
3 شرح الشافية 2: 279-280.
4: ف: "لما". ولم تتقدم إشارة إلى هذه المسألة قبل. وانظر ص217 و251.
5 سقط من م.
6 شرح الشافية 2: 280-284.
7 م: منع من.
8 م: لقلنا.
9 م: لقلنا.
10 كذا.
(1/270)

ومنهم من ذهب إلى أنَّ الألف هي1 الأصل، والمبدلة من التنوين محذوفة في جميع الأحوال. وهو الكسائيُّ، وحجَّتُه2 أنَّ حذفَ الألف الزائدة أَولى من حذف الأصليَّة.
وذلك باطل؛ لأنَّ الزيادة لمعنى، فإبقاؤها أَولى من إبقاء الأصل. وممّا يدلُّ على ذلك أنهم إذا وصلوا قالوا: هذه عَصًا مُعْوجَّةٌ، فحذفوا الألف الأصليَّةَ وأَبقَوْا التنوينَ، فكذلك يجب في الوقف أن يكون المحذوف الألفَ الأصليَّةَ، ويكون الثابت3 ما هو عوضٌ من التنوين.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ الألف في حال الرفع والخفض هي الألفُ الأصليَّةُ والتنوينُ محذوفٌ، وفي النصب هي الألف المبدلةُ من التنوين والألفُ الأصليَّةُ محذوفةٌ، قياسًا للمعتلِّ على الصحيح. وهو مذهبُ سيبويه4، وهو الصحيح. وممّا يؤيِّد ذلك كونُ المنقوص5 يُمال في حال الرفع والخفضِ، ولا يُمال في حال النصب، ومجيءُ الألف قافيةً في الرفع والخفض، ولا تكون قافية في حال النصبِ إِلَّا قليلًا جِدًّا، على لغة من قال: رأيتُ زَيدْ.
قال العجَّاج:
خالَطَ, مِن سَلمَى, خَياشِيمَ وفَا
والثاني: الوقف على النون الخفيفة7 اللَّاحقة للأفعال المضارعة [للتأكيد] 8، نحو: هل تَضرِبَنْ؟ فإنك إذا وقفتَ عليه قلت: هل تَضرِبا؟ والسببُ في ذلك أيضًا ما ذكرناه في التنوين، من قصدِ التفرقةِ بين النون التي هي من نفس الكلمة، والنون التي تلحق الكلمةَ بعد كمالها، نحو قوله:9
فإيَّاكَ والمَيْتاتِ، لا تَقرَبَنَّها ... ولا تَعبُدِ الشَّيطانَ, واللهَ فاعبُدا
يريد: فاعبُدَنْ.
__________
1 م: أن الألف ألف.
2 م: وحجتهم.
3 م: التأنيث.
4 كذا. وهو ليس مذهب سيبويه. انظر الكتاب 2: 290 وشرح الشافية 2: 280-284.
5 كذا.
6 ديوانه ص83 والمقتضب1: 240 والمخصص 1: 136-138 و14: 96 و15: 78 والعيني 1: 152 والخزانة 2: 6 والهمع 1: 40 والدرر 1: 14 وإصلاح المنطق ص84 وشرح أبيات سيبويه 1: 204 واللسان والتاج "فوه". والخياشيم: جمع خيشوم. وهو أقصى الأنف.
7 شرح الشافية 3: 379-380.
8 من م.
9 الأعشى. ديوانه ص103 حيث رُوي كما يلي:
فإيَّاك والمَيْتِاتِ، لا تأكلَنَّها ... ولا تأخُذَنْ سَهمًا حَدِيدًا، لِتَفصِدا
وذا النُّصُبِ المَنصُوبَ لا تَنسكنّهُ ... ولا تَعبُدِ الشَّيطانَ، واللهَ فاعبُدا
وانظر العيني4: 340- 341 والمغني ص372 والإنصاف ص657.
(1/271)

والثالث: الوقفُ على نون1 "إِذنْ". تقولُ "أَزُورُكَ إِذا" تُريد: إِذن2. وإنَّما جاز ذلك في "إِذن"، وإن كانت النون من نفس الكلمة، لمضارعتها نون الصَّرفِ ونونَ التأكيد في السكون، وانفتاحِ ما قبلها، وكونها قد جاءت بعد حرفين. وهما أقلُّ ما يكون عليه الاسم المتمكِّن نحو: يَد ودَم. وليست كذلك [في] : أنْ ولنْ [وعنْ] 3. لمجيئها بعد [حرف] 4 واحد، فلم تُشْبِه5 لذلك التنوينَ.
فهذه جملة النونات التي أُبدلت منها الألف6.
__________
1 شرح الشافية 2: 279 -280. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: سواء أُعملت أو أُلغيت. وقال الفراء: إذا أُعملت لم تبدل، لئلا تلتبس بـ"إذا" الزمانية.
2 في النسختين: إذًا.
3 من م.
4 من م.
5 سقط من م.
6 سقط من م.
(1/272)

[ما لم يذكره سيبويه من حروف الإبدال] :
وزاد1 بعض النَّحويِّين في حروف البدل: السين، والصاد، والزاي، والعين، والكاف، والفاء، والشين.
فأمَّا السين2 فأُبدلت من الشين في الشَّدَهِ ومَشدُوه، فقال: السَّدَه ومَسدُوه3. فأمَّا قول نُصيب4:
فلَو كُنتُ وَردًا لَونُهُ لَعَسِقْتِنِي ... ولكِنَّ رَبِّي سانَنِي، بِسَوادِيا
فلم يُبدِلِ السينَ من الشين في "عشقتني" ولا في "شانني"، بل كان له لَثَغٌ في الشين، فكان يَتعذَّرُ عليه النُّطقُ بها حتَّى يجعلها سينًا5.
وأمَّا الصاد فتبدل من السين6 إذا كان بعدها قاف أو خاء أو طاء أو غين. فتقول في سَقَر وسِراط وسَخِرَ وأَسبَغَ: صَقَرٌ وصِراطٌ وصَخِرَ وأَصبَغَ؛ والسبب في ذلك أنَّ القاف والطاء والخاء والغين7 حروفُ استعلاء، والسين حرف مُنسفِل، فكرهوا الخروج من تَسفُّل إلى تَصعُّد، فأبدلوا من السين صادًا ليتجانس الحرفان.
وأمَّا الشين8 فأُبدلت [39 أ] من كاف المؤنث في [نحو] "ضَربتُكِ"، فقالوا: ضَرَبتُشِ. ومنه
__________
1 شرح الشافية 3: 199-203 و230-233. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن إبدال أبي الطيب أن العرب يبدلون الميم باء في ما اسمك؟ فقط، فيقولون: بااسمك؟ وعن المحتسب1: 280: قراءة الأعمش: "فشَرِّذْ بِهِم" ... مجهوران متقاربان.
2 سر الصناعة 1: 210-214 والإبدال 2: 154-172.
3 ف: "الشِّدّة ومشدود فقالوا السدّة ومسدود". والتصويب من المبدع وسر الصناعة 1: 210 والإبدال 2: 164.
4 كذا. وهو لسحيم عبد بني الحسحاس. ديوانه ص26 وسر الصناعة 1: 214 والمحكم واللسان والتاج "عسق".
5 في اللسان والتاج "عسق" أن هذا الادعاء فيه نظر.
6 سر الصناعة 1: 220 وشرح الشافية 3: 230 والإبدال 2: 172-196 وشرح المفصل 10: 51.
7 م: والعين.
8 شرح الشافية 3: 199 وسر الصناعة 1: 215-217، والإبدال 2: 230-232 و1: 226-229.
(1/273)

قوله1:
فعَيناشِ عَيناها، وجِيدُشِ جِيدُها ... خَلا أنَّ عَظمَ السَّاقِ مِنشِ، دَقِيقُ2
وأُبدلت3 من الجيم في مُدْمج فقالوا: مُدْمَشٌ. وذلك في الشعر ضرورة. قال4:
إِذْ ذاكَ, إِذ حَبلُ الوِصالِ مُدْمَشُ
يريد: مُدْمَجُ.
وقالوا: جُعشُوشٌ وجُعسُوسٌ، أي: صغير ذليل. والأصل السينُ بدليل قولهم في الجمع: جَعاسِيسُ. فلا يأتون بالشين.
وأمَّا الزاي5 فأُبدلت من الصاد، إذا كان بعدها قاف أو دال6، فقالوا في مَصْدَق ومَصدُوقة: مَزْدَقٌ ومَزدُوقةٌ. وإنَّما تَفعَلُ ذلك كَلْبٌ. قال7:
يَزِيدُ, زادَ اللهُ في خَيراتِهِ ... حامِي نِزارٍ, عِندَ مَزدُوقاتِهِ
وقال الآخَر8:
ودَعْ ذا الهَوَى قَبلَ القِلَى، تَركُ ذِي الهَوَى ... مَتِينَ القُوَى, خَيرٌ مِنَ الصَّرْمِ مَزدَرا
وأمَّا العين9 فأُبدلت من همزة "أنْ" فقالوا: عَنْ. قال الشاعر10:
أَعَن تَوَسَّمتَ، مِن خَرقاءَ, مَنزِلةً ... ماءُ الصَّبابةِ، مِن عَينَيكَ, مَسجُومُ؟
__________
1 مجنون ليلى يخاطب ظبية. ديوانه ص207 وسر الصناعة 1: 216 والكامل ص859 وذيل الأمالي ص64 والإبدال 2: 231 والخزانة 4: 595-597 الجمهرة 1: 5 والتمام ص37 وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن أمالي ثعلب: "أنشدني ابن الأعرابي ... المكسورة لا غير". انظر مجالس ثعلب ص116 وابن عصفور والتصريف ص265.
2 م: رقيق.
3 سقط من م حتى قوله "وقالوا جعشوش". وانظر الإبدال 1: 226-229 و2: 160.
4 سر الصناعة 1: 215 وضرائر الشعر ص232 والأشموني 4: 335 واللسان "دمج". والمدمج: المحكم الفتل والشدِّ.
5 الإبدال 2: 122-133 وسر الصناعة 1: 208 والمفصل 2: 267 وشرحه 10: 52-54 وشرح الشافية 3: 231-232.
6 سقط من م وسر الصناعة.
7 سر الصناعة 1: 208 والمقرب 2: 181 واللسان "صدق" والتاج "زدق". والمزدوقات: المصدوقات، جمع مصدوقة. وهي الصدق.
8 سر الصناعة 1: 208 وأمالي ابن الحاجب 1: 312 والمفصل 2: 297 وشرحه 10: 52 واللسان والتاج "صدر". وفي النسختين "ترك ذا الهوى ... من الصرم مزدقا". والتصويب من سر الصناعة. والقلى: البغض. والصرم: القطيعة.
9 سر الصناعة 1: 234-246 والإبدال 2: 552-556.
10 ذو الرمة. ديوانه ص567 وسر الصناعة 1: 234 والخصائص 2: 111 ومجالس ثعلب ص101 والخزانة 4: 495 وشرح شواهد الشافية ص427. وسقط "الشاعر" من م وروي فيها: "منسجم". وتوسمت: تخيلت وتفرست. وخرقاء: اسم امرأة. والصبابة: العشق. والمسجوم: المصبوب.
(1/274)

يريد: أََأَن [توسَّمتَ] ؟ 1 وقال آخَر2:
أعَن تَغَنَّتْ, علَى ساقٍ, مُطَوَّقةٌ ... وَرقاءُ, تَدعُو هَدِيلًا فَوقَ أَعوادِ؟
[يريد: أَأَنْ تَغنَّتْ] ؟ 3.
وقد أُبدلت من همزة "أنَّ"، فقالوا: يُعجِبُني عَنَّ عَبدَ اللهِ قائمٌ، [يريدون: "أنَّ عبدَ اللهِ قائمٌ] 4. وأُبدلت من الهمزة في "مُؤتلِي"، فقالوا: "مُعتلي". قال الشاعر5:
فنَحنُ مَنَعْنا، يَومَ حَرْسٍ, نِساءكُم ... غَداةَ دَعانا عامِرٌ, غَيرَ مُعتَلِي6
يُريدُ: غيرَ مُؤتلي.
وأُبدلت الفاء من الثاء7 في "ثُمَّ" و"جَدَثٍ"8. فقالوا: قامَ زيدٌ فُمَّ عَمرٌو. والأصل الثاء لأنَّ "ثُمَّ" أكثر استعمالًا من "فُمَّ". وقالوا: "جَدَفٌ" في جَدَث. والأصل الثاء لقولهم في الجمع: أَجداث، ولم يقولوا: أجداف9.
وأُبدلت الكاف10 من تاء ضمير المخاطب في "فَعلْتَ" فقالوا: فَعَلْكَ. وأُنشِدَ سُحيمٌ قصيدةً فقال: أَحسنْكَ واللهِ، يريد: أَحسنَتَ واللهِ. وأَنشد أبو الحسن لبعضهم11:
ديا بنَ الزُّبَيرِ، طالَما عَصَيكا ... وطالَما عَنَّيْتَنا, إِلَيكا
لَنَضرِبَنْ, بِسَيفِنا, قَفَيكا
والسبب في أنْ لم يذكر سيبويه -رحمه الله- هذه الحروفَ السبعة في حروف البدل
__________
1 من م.
2 ابن هرمة. ديوانه ص105 والخصائص 2: 11 وسر الصناعة 1: 235 ومجالس ثعلب ص101 والخزانة 4: 495. والمطوقة: الحمامة. والهديل: ذكر الحمام.
3 من م.
4 من م.
5 طفيل الغنوي. ديوانه ص37 وسر الصناعة 1: 240 والأمالي 2: 79 والإبدال 2: 554. والمؤتلي: المقصر.
6 في النسختين. "جرس". وفي حاشية ف: "صوابه حرس بالحاء المهملة وهو ماء لبني عقيل. وقيل جبل في بلاد عامر بن صعصعة. وبالحاء ذكره أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم والحازمي في ما اتفق وافترق مسماه".
7 سر الصناعة 1: 250-252 وشرح الشافية 3: 201 والإبدال 1: 181-200. م: التاء.
8 الجدث: القبر.
9 هذا قول ابن جني في المحتسب وسر الصناعة. وخالفه أبو الطيب في الإبدال1: 192.
10 سر الصناعة 1: 281 والإبدال 1: 140-142.
11 الراجز من حمير. النوادر ص105 وسر الصناعة1: 281 وشرح الشافية 3: 202 وشرح شواهده ص425-427 والعيني 2: 257 والأشموني 1: 267 و4: 283 والمغني ص164 وشرح أبياته 3: 347 والجني الداني ص468 والمقرب 2: 183 والإبدال 1: 141 وأمالي الزجاجي ص236 والخزانة 2: 257. وقفيكا: أصله قفاكا، قلبت فيه الألف ياء. ورُوي "عنَّيكنا" بدل: عنَّيتنا.
(1/275)

أنها تنقسم قسمين: قسمٌ: الإبدالُ فيه2 مرادٌ3 به تقريبُ الحرف من غيره، فبابه أن يُذكر في البدل الذي يكون بسبب الإدغام لأنه يشبهه. وهو إبدال الصاد من السين، إذا كان بعدها طاء أو خاء أو غين أو قاف. وقد تَقَدَّمَ تبيين ذلك. وقسم: الإبدال فيه قليلٌ جدًّا أو في لغة بعض العرب، فلم يعتبره. وهو ما بقي من سبعة الأحرف. فأمَّا الكاف والسين والشين والفاء فإبدالها قليل جدًّا. وأمَّا العين فإبدالها من الهمزة قليل، ولا يفعل ذلك إِلَّا بنو تميم4. وكذلك إبدال الزاي من الصاد إنَّما تفعله كَلْبٌ5.
__________
1 الجملة الاعتراضية ليست في م.
2 في النسختين: فيها.
3 ف: المراد.
4 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: "قال أبو الطيب: وقبائل من قيس. وأنشد: ـ أعن توسّمتَ ... البيتَ. قال: ورَوَوا بيت الشماخ:
نُبِّئتُ أنَّ رُبَيعًا عَن رَعَى إِبلًا ... يُهدِي إليَّ خَناهُ ثانيَ الجيدِ
يريد: أن رعى إبلًا". وانظر ص267 من ابن عصفور والتعريف.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
(1/276)

القلب والحذف والنقل
مدخل
...
باب 1: القَلْب وَالحَذْف وَالنَّقْل
وإنما أَفردتُ لذلك بابًا واحدًا؛ لأنَّ جميع ذلك إنما يُتَصوَّر باطِّراد في حروف العلَّة. فإنْ جاء شيء من الحذف أو القلب، في غير حروف العلَّة، أو في حروف العلَّة في خلافِ ما يتضمَّنه هذا الباب، فيُحفَظ ولا يُقاس عليه، وسيُذكر من ذلك شيء عند الفراغ من هذا الباب.
فحُروف العلَّة هي الواو والياء والألف. وهذا الحروف تكون أُصولًَا وزوائدَ، فليُقدَّمِ الآن الكلامُ على الأصول. وقد بُيِّنَ، فيما تَقَدَّم2، أنََّ الألف لا تكون أصلًا بنفسها، بل تكون منقلبةً عن ياء أو واو. فعلى هذا لا يخلو أن تقع الياء والواو فاءينِ أو عَينينِ أو لامينِ.
__________
1 انظر الكتاب 2: 355-392 وشرح الشافية 3: 66-196 والمفصل 2: 268-287 وشرحه 10: 54-120.
2 في الورقة 27.
(1/279)

[المعتلّ الفاء] :
فإن وقعت الواو فاءً فلا يخلو من أن تقع فاء في فعل على وزن "فَعَلَ"، أو "فَعِلَ"، أو "فَعُلَ"، أو لا تَقَع.
فإن وقعت فاءً في فعل على وزن "فَعَل" فإنها تُحذَف في المضارع1. فتقول في مضارع "وَعَدَ": يَعِدُ، وفي مضارع "وَزَنَ": يَزِنُ. وإنَّما حُذفتِ الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرة، وهما ثقيلتان. فلمَّا انضاف ذلك إلى ثِقَل الواو وَجب الحذف. وحَذفوا مع الهمزة والنون والتاء، فقالوا: تَعِدُ وأَعِدُ ونَعِدُ، حملًا2 على الياء، كما أنهم قالوا: أُكرِمُ، وأصله "أُؤَكْرِمُ" فحذفوا الهمزة الثانية استثقالًا لاجتماع الهمزتين، ثم حملوا يُكرِمُ وتُكرِمُ ونُكرِمُ على "أُكرِمُ".
فإن قيل: فلأيِّ شيء حُذفتِ الواو في "يَضَعُ" مضارع "وَضَعَ"، ولم تقعْ [39 ب] بين ياءٍ وكسرة؟ فالجواب أنها في الأصل وقعتْ بين ياء وكسرة؛ لأنَّ الأصل "يَوْضِعُ". لكن فُتحتِ العينُ3 لأجل حرف الحلق. ولولا ذلك لم يجئ مضارع "فَعَلَ" على "يَفعَلُ" بفتح العين. فلمَّا كان الفتحُ عارضًا لم يُعتدَّ به، وحُذفتِ الواو رَعيًا للأصل.
فإن قيل: لو كان وقوع الواو بين ياء وكسرة يُوجِب حذف الواو لوجب حذفُها في "يُوعِدُ" مضارع "أَوعَدَ"؛ فالجواب4 أنَّ الأصل في يُوعِدُ: "يُؤَوْعِدُ"5 فالواو إنَّما6 وقعت في التقدير بين همزة وكسرة, فثَبَتتْ لذلك، ولم يُلتفَت إلى ما اللفظ الآن عليه، كما لم يُلتفَت إلى اللفظ في "يَضَعُ".
__________
1 المنصف 1: 184 و188.
2 المنصف 1: 191-192.
3 أي: عين الفعل وهي الضاد.
4 المنصف 1: 194.
5 م: يؤعد.
6 م: قالوا وإنما.
(1/280)

فإن قيل: فلأيِّ شيء التزموا1 في مضارع "فَعَلَ" الذي فاؤه واو "يَفْعِل" بكسر العين، وقد كان نظيره من الصحيح يجوز فيه "يَفعُل" و"يَفعِل"، بضمِّ العين وكسرها؟ فالجواب2 أنهم التزموا "يَفعِل" لأنَّه يؤدِّي إلى حذف الواو، فيَخِفُّ اللفظ.
فإن قيل: لو ضمُّوا العين في "يَفْعلُ"، فقالوا "يَوعُدُ"، لوجب حذفُ الواو لوقوعها بين ياء3 وضمَّة، وهما ثقيلان؛ ألا ترى أنهم لمَّا شَذُّوا من ذلك في حرف واحد، فجاءوا به على "يَفعُلُ"، حذفوا الواو فقالوا: وَجَدَ يَجُدُ؟ 4 قال الشاعر5:
لَو شِئتِ قَد نَقَعَ الفُؤادُ بِشَربةٍ ... تَدَعُ الصَّوادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلًا.
فالجواب أنَّ وقوع الواو بين ياء وضمَّة لا يُوجِبُ الحذف، بدليل قولهم في مضارع "وَطُؤَ" و"وَضُؤَ": يَوطُؤ ويَوضُؤ6، فلا يحذفون. فأمَّا حذفُهم في "يَجُدُ" فلأنَّ "يَجُدُ" شاذٌّ، فالضمُّ فيه عارض7، فحُذفَت فيه8 الواو، كما حُذفتْ في "يَضَعُ".
فإن قال قائل: فلعلَّ9 الواو في "يَجُدُ" حُذفت للثقل، ولم تُحذف في "يَوضُؤ" و"يَوطُؤ" مضارع "وَطُؤ" و"وَضُؤ" لأنهم التزموا في مضارع "فَعُلَ" طريقةً واحدةً10 ألا ترى أنه إنَّما يجيء على "يَفعُلُ" بضمِّ العين خاصَّةً؟ فكرهوا الحذفَ لئلَّا يتَغيَّر المضارِع عن أصله، كما التُزمَ الضمُّ في غير المضارع لذلك. فالجواب أنَّ الحذف ليس بمُغيِّر لمضارع "فَعُلَ" عن أصله.
ألا ترى أنك إذا خفَّفتَ "يَوضُؤ"، ثمَّ أَدخلت الجازم، حذفتَ الواو للجزم في11 أحد الوجهين، على حدِّ قوله12:
[جَرِيءٍ مَتَى يُظلَمْ يُعاقِبْ بِظُلمِهِ ... سَرِيعًا] وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ
فخفَّف همزة "يُبدأ"، ثمَّ أجراها مُجرى حروف العلَّة، فحذفها للجازم. فكما أنَّ هذا القدر غير مُعتدٍّ به، فكذلك حذفُ الواو في مثل "يَوضُؤ" و"يَوطُؤ" لا يكون تغييرًا. فدلَّ ذلك على أنَّ الواو
__________
1 ف: ألزموا.
2 المنصف 1: 185-186.
3 م: واو.
4 م: يجِد.
5 تقدم في ص122. م: لا يجِدنَ.
6 م: يوضؤ ويوطؤ.
7 المنصف 1: 187.
8 م: منه.
9 ف: لعل.
10 هذا مذهب المازني وابن جني. انظر المنصف 1: 209-210.
11 سقط من م حتى قوله "فحذفها للجازم".
12 زهير بن أبي سلمى. انظر ما تقدم في ص252.
(1/281)

لا تُستثقل بين الياء والضمَّة، وأنها إنَّما حُذفت في "يَجُدُ" لِما ذكرناه.
وإنَّما لم يكن ثقل الواو بين الياء والضمَّة كثقلها بين الياء والكسرة؛ لأنَّ الكسرة والياء مُنافِرتان للواو -ولذلك إذا اجتمعت الواو والياء وسَبقت إحداهما بالسُّكون قُلبت الواو ياءً وصُيِّرَ اللفظُ بهما واحدًا- فإذا وقعت الواو بينهما كانت واقعةً بين شيئين ينافرانها، وإذا وقعت بين ياء وضمَّة كانت واقعة بين مُجانس ومُنافر. فلذلك كان وقوعها بين ياء وضمَّة أخفُّ من وقوعها بين ياء وكسرة.
فإذا رددتَ الفعل إلى ما لم يُسمَّ فاعله لم تَحذفِ الواو، فقلتَ: يُوعَد1. فإن قيل: ولِمَ لمْ تحذف الواو، وأنتم تزعمون أنَّ الفعل المبنيَّ للمفعول مغيَّرٌ من فِعل الفاعل، ولذلك لم تُدغم العرب الواو في الياء في "بُويِعَ" و"سُويِرَ" وأمثالهما2؛ لأنَّ الأصل "بايعَ" و"سايَر". فكذلك كان يَنبغي أن يقال "يُعَدُ" و"يُزَنُ"؛ لأنَّ الأصل "يَعِدُ" و"يَزِنُ"؟ فالجواب أنَّ كلَّ فعلٍ مضارع ثلاثيٍّ مبنيٌّ للمفعول يأتي أبدًا على وزن "يُفعَلُ"، بضمِّ حرف المضارعة وفتح العين، ولا يَنكسر ذلك في شيء منه، فأشبهَ مضارعَ "فَعُلَ" في أنه يُلزَمُ [فيه] 3 طريقةٌ واحدةٌ.
ألا ترى أنَّ مضارع "فَعُلَ" إنَّما يأتي أبدًا على "يَفعُلُ"، بفتح حرف المضارعة وضمِّ العين، فحُمل4 عليه لذلك. وأيضًا فإنَّ العرب قد تَعتدُّ بالعارض، ولا تلفت إلى الأصل، فيكون قول العرب "يُوعَدُ" من قبيل الاعتداد بالعارض، فلذلك لم يُحمل على فِعل الفاعل. ويكون "سُويِرَ" من قبيل ترك الاعتداد بالعارض، فلذلك حُمل على "سايَر"، فلم تُحذف5 الواو منه6 كما لم تُحذف من مضارع7 "فَعُلَ".
ويأتي مصدر "فَعَلَ" الذي فاؤه واو أبدًا8 على وزن "فِعْلَة"، أو "فَعْل" في الغالب9، نحو: وَعْد [40أ] ووِعْدَة، ووَزْن ووِزْنة. وقد 10 يأتي على خلاف هذين البناءيَن، ممّا يَرِد عليه الصحيح، نحو: وَرَدَ الماءَ وُرودًا.
__________
1 المنصف1: 210.
2 م: وأمثالها.
3 من م.
4 سقط من م حتى قوله "على ساير".
5 م: فلم يحذف.
6 أي: من يُوعد.
7 يريد: من يوضؤ ويوطؤ.
8 كذا. وهو يخالف ما سيذكره بعد.
9 سقط "في الغالب" من م.
10 سقط من م حتى قوله "ورودًا".
(1/282)

فأمَّا "فَعْلٌ" فلم تُحذف الواو منه لخِفَّة الفتحة. وأمَّا "فِعْلَةٌ" فحُذفت الواو منه لثقل الكسرة في الواو، مع أنَّ المصدر لفعل قد1 حُذفت منه الواو، فقالوا في "وِعْدة": عِدة، فألقوا كسرة الواو على ما بعدها وحذفوها.
فإن قيل: وهلَّا حَذفوا الواو بكسرتها. فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لاحتاجوا إلى تكلُّفِ وصلٍ؛ لأنَّ ما بعد الواو ساكن. ولزمت التاء لأنها جُعلت كالعوض من الواو.
فإن قيل: ولأيِّ شيء التُزمَ في المصدر هذان البناءان. وقد كان الصحيح يجيء على غير ذلك من الأبنية؟ فالجواب أنهم التزموهما لخفَّتهما؛ ألا ترى أنَّ "فَعْلًا" على ثلاثة أحرف، وهو أخفُّ أبنية الأسماء الثلاثيَّة2، وأكثرها وُجودًا؟ وأمَّا "فِعْلَةٌ" فلأنه يؤدِّي إلى حذف الواو، وهو حرف مستثقَل، كما أنهم التزموا في المضارع "يَفْعِل" بكسر العين؛ لأنَّه يؤدِّي إلى التخفيف، ولو جاء على غير ذلك، من الأوزان التي يجيء عليها مصدرُ الفعل الثلاثيِّ الصحيح3، لم يكن في خفَّة ذلك.
وإن4 وقعت [الواو فاء] 5 في فِعل على وزن6 "فَعِلَ" بكسر العين فإنَّ مضارعه يجيء على قياسه من الصحيح، وهو "يَفعَلُ"، ولا تُحذف الواو لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، نحو: وَجِلَ يَوجَلُ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يجيئوا بمضارعه على "يَفعِلُ" بكسر العين، فيكونَ ذلك سببًا للتخفيف بحذف الواو؟ فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لخرجوا عن قياس مضارع "فَعِلَ"؛ ألا ترى أنه لا يجيء على "يَفعِلُ" إِلَّا شاذًّا، نحو: حَسِبَ يَحسِبُ؟ وليس كذلك "فَعَلَ"؛ لأنَّ "يَفعِل" مَقيسٌ فيه.
ومن العرب من يقلب هذه الواو طلبًا للتخفيف، فيقول7: ياجَلُ وياحَلُ8. وأيضًا فإنه أراد أن يُغيِّرَ الواو في مضارع "فَعِلَ"، كما غيَّرَها في مضارع "فَعَلَ"، فأبدل منها أخفَّ حروف العلَّة، وهو الألف.
__________
1 م: "مع أن المصدر قد". وانظر المنصف 1: 195.
2 م: أبنية الثلاثة.
3 سقط من م.
4 ف: فإن.
5 زيادة يقتضيها السياق.
6 المنصف 1: 201-202.
7 المنصف 1: 202-203.
8 ياحل: مضارع وحِل أي: وقع في طين يضطرب فيه. م: ويوجل.
(1/283)

ومنهم من يُبدل الواو ياءً، فيقول1: يَيجَلُ ويَيحَلُ. وذلك أنه قد اجتمع له واو وياء، وإحداهما ساكنة، فأشبه "يَوجَلُ" وبابُه لذلك طَيًّا مصدر "طَويتُ". فكما قَلب الواو ياءً في طيّ، وأصله "طَوْيٌ"، فكذلك2 فعل في "يَوجَلُ". ثمَّ حمل "تَفعَلُ" و"نَفعَلُ" و"أفعَلُ" على "يَفعَلُ".
ومنهم من أراد أن يجعل قلب الواو لمُوجِب3 على كلِّ حال، فاستعمل لغة من يكسر حرف المضارعة من "فَعِلَ" فيقول "تِعْلَمُ"4، فقال: تِيجَلُ ونِيجَلُ [وإِيجَلُ] 5 ويِيجَلُ، فكَسرَ حرفَ المضارعة إذا كان ياء استثقالًَا للفتحة6 في الياء، فجاءت الواو بعد كسرة فقُلبتْ ياء.
فإن قيل: فإنهم لا يقولون "يِعلَمُ"، فيكسرون7 حرف المضارعة إذا كان ياء, استثقالًا للكسرة في الياء. فالجواب أنهم احتَملوا هذا القَدْر من الثقل؛ لأنه يؤدِّي إلى التخفيف بقلب8 الواو ياء.
إِلَّا أن يكون9 مضاعفًا فإنه لا تُغيَّرُ10 الواو فيه، نحو: وَدِدْتُ أَوَدُّ. ولا تقول "آدُّ" ولا "أَيَدُّ: ولا "إِيَدُّ" لقوَّة الواو بالحركة.
وقد شذَّت ألفاظ، فجاء المضارع منها على11 "يَفعِل"، فحُذفَت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. وهي: وَرِث يَرِثُ ووَرِيَ الزَّندُ يَرِي ووَفِقَ يَفِقُ ووَغِمَ يَغِمُ 12 ووَمِقَ يَمِقُ ووَثِقَ يَثِقُ ووَحِرَ صَدرُه يَحِرُ ووَغِرَ يَغِرُ13 ووَعِمَ يَعِمُ ووَسِعَ يَسَعُ ووَطِئَ يَطَأُ14.
__________
1 المنصف 1: 202-203.
2 م: كذلك.
3 م: بالموجت.
4 م: "يعلم" وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شرح الثمانيني لتصريف ابن جني اختلاف العرب في كسر حرف المضارعة. انظر 267-268 من ابن عصفور والتصريف.
5 من م.
6 سقط "إذا كان ... في الياء" من م. ف: للضمة.
7 كذا، بإثبات النون. وهو جائز مرجوح. انظر شرح القصائد العشر ص273.
8 ف: لقلب.
9 يريد: مضارع "فَعِلَ يَفعَل" الذي فاؤه واو.
10 م: لا يغير.
11 المنصف1: 207.
12 وغم: حقد.
13 وغر صدره: امتلأ غيظًا.
14 وزاد في المنصف: ورم يرم ووله يله.
(1/284)

فإن قيل: وما الدليل على أنَّ يَسَعُ ويَطَأُ: "يَفعِلُ" بكسر العين؟ وهلَّا وُقف فيهما مع الظاهر وهو "يَفعَلُ" لأنَّ العين مفتوحة، وأيضًا فإنَّ قياس مضارع "فَعِلَ": "يَفعَلُ"، فما الذي دعا إلى جعل "يَسَعُ" و"يَطَأُ" شاذَّين؟ فالجواب1 أنَّ الذي حمل على ذلك إنَّما هو حذف الواو، إذ لو كانا "يَفعَلُ" لكانا2 "يَوطَأُ" و"يَوسَعُ". فدلَّ حذفُ الواو على أنهما في الأصل "يَوطِئُ" و"يَوسِعُ" فحُذفتِ الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثمَّ فُتحتِ العين لأجل حرف الحلق، ولم يُعتدَّ بالفتح لأنه عارض.
وإنَّما كان الشاذُّ من "فَعِل يَفعِلُ" فيما فاؤه واو أكثرَ من الشاذِّ منه في الصحيح؛ لأنَّه شذوذ يؤدِّي إلى تخفيف اللفظ بالحذف.
وزعم الفرَّاءُ أنَّ موجِبَ الحذف إنَّما هو التَّعدِّي3 نحو: يَعِدُ ويَزِنُ، وموجبَ الإثبات إنَّما هو عدمُ التَّعدِّي نحو: يَوجَلُ ويَوحَلُ4.
وهذا [40ب] الذي ذهب إليه فاسدٌ5؛ لأنه خارج عن القياس؛ ألا ترى أنَّ الحذف إنَّما القياس فيه أن يكون لأجل الثقل؟ وأيضًا فإنهم قالوا: وَأَلَ زيدٌ ممّا كان يَحذرُه يَئِلُ ووَبَلَ المطرُ يَبِلُ ووَقَدَتِ النَّارُ تَقِدُ ووَحِرَ صَدرُه يَحِرُ ووَغِرَ يَغِرُ. فحذفوا الواو في جميع ذلك، وإن كان غيرَ متعدٍّ، لمَّا وقعت بين ياء وكسرة6.
وإن وقعت [الواو فاء] 7 في فعل على وزن "فَعُلَ" فإن مضارعه لا تحذف8 منه الواو، نحو:9 يَوضُؤ ويَوطُؤ، لِما ذكرنا10 من أنَّ الواو بين الياء والضَّمَّة أخفُّ منها بينَ الياء والكسرة.
وما عدا ذلك، ممّا تقع الواو فيه فاء، من اسم أو فعل على ثلاثة أحرف أو أزيد، فإنها لا تُقلب ولا تُحذف، إِلَّا أن تَقَعَ:
ساكنةً بعد كسرةٍ، فإنها تُقلب ياء، نحو: ميزان ومِيعاد. الأصل فيهما "مِوْزان" و"مِوْعاد"؛ لأنهما من الوزن والوعد، فقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
__________
1 المنصف 1: 207-208.
2 ف: لكان.
3 المنصف 1: 188.
4 م: يوجِل ويوجَل.
5 المبرد هو الذي تصدى للفراء. انظر الكامل ص78 والمنصف 1: 118.
6 في م تقديم وتأخير وتصرُّف.
7 زيادة يقتضيها السياق.
8 م: لا يحذف.
9 المنصف 1: 209.
10 في ص 281-282.
(1/285)

أو ساكنةً بعد فتحة في مضارع1 "افتَعَلَ"، فإنها تُقلب ألفًا نحو: يا تَعِدُ. أصله "يَوْتَعِد"؛ لأنَّه من الوعد، فقُلبت الواو ألفًا لأنها تُقلب ياءً بعد الكسرة في ايتَعَدَ، وتَثبتُ بعد الضَّمَّة2 في مُوتَعِد. فلمَّا كانت بعد الكسرةِ والضَّمَّةِ على حَسَبهما3 كانت بعد الفتحة على حسَبها، فقُلبت ألفًا بالحمل.
وأمَّا الياءُ إذا وقعت4 فاء فلا تُقلب، إِلَّا أن تقع ساكنةً بعد ضمَّة فإنها تقلب واوًا، نحو: مُوقِن. أصله "مُيْقِنٌ"؛ لأنه من اليقين، فقُلبتْ واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها. أو تقعَ ساكنةً بعد فتحة في مضارع "افتعَلَ" نحو: يا تَئِسُ، من اليأس. أصله "يَيتَئِسُ"، فقُلبت الياءُ5 ألفًا، للعلَّة التي قلبت الواو في "ياتَعِدُ" ألفًا. أعني: الحملَ على: ايتأسَ ومُوتَئس6.
ولا تُحذف أصلًا إِلَّا في لفظتين شَذَّتا وهما: يَبِسُ7 ويَئِسُ، في مضارع يَبِسَ ويَئِسَ. وأصلهما "يَيبِسُ" و"يَيئِسُ"8، فحُذفت الياء لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفت الواو من "يَعِدُ"، تشبيهًا بها في أنهما حرفا علَّة، وقد وقعا بين ياء وكسرةٍ9. وإنَّما لم تحذف الياء باطِّراد، إذا وقعت بين ياء وكسرة؛ لأنها أخفُّ من الواو.
وكذلك جاء المصدر على قياسه من الصحيح، فجاء على "فُعْلٍ" نحو: يُنْع10, وعلى "فُعال" نحو: يُعار11, وعلى 12 "فُعُول" نحو: يُنُوع13.
__________
1 المنصف 1: 205-206.
2 م: الواو.
3 م: حسبها.
4 المنصف: 1: 195.
5 ف: "الواو". وقيل أيضًا: يَبِسَ يابَسُ. فقلبت الياء ألفًا.
6 م: مؤتئس.
7 المنصف 1: 196. وقيل أيضًا: يَسِرُ.
8 م: يبس.
9 سقط "في أنهما ... وكسرة" من م.
10 الينع: إدراك الثمر وحينونة قطافه.
11 اليعار: صوت الغنم والمعز.
12 سقط من م.
13 في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
(1/286)

[المعتل العين] :
فإن وقعتِ الواو والياء عينين فلا يخلو من أن يكونا عينين، في كلمة على ثلاثة أحرف، أو على أزيدَ. فإن كانت الكلمة على ثلاثة أحرف فلا يخلو أن تكون اسمًا أو فعلًا. فإن كانت الكلمة فِعلًا فإنَّ الفعل لا يخلو من أن يكون مبنيًّا للفاعل، أو مبنيًّا للمفعول.
فإن كان مبنيًّا للفاعل1 فإنَّ الفعل من ذوات الواو يكون على "فَعَلَ" و"فَعِلَ" و"فَعُلَ"، بضمِّ العين وفتحها وكسرها. فـ"فَعَلَ": قامَ، و"فَعُل": طالَ، و"فَعِلَ": خافَ. ومن ذوات الياء على "فَعَلَ" و"فَعِل"، بفتح العين وكسرها. ولا يجوز الضمُّ استثقالًَا له في الياء. فـ"فَعَلَ": باع. َ و"فَعِلَ": كادَ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء اعتلَّت هذه الأفعال؟ وهلَّا بقيت على أُصولها، فكنتَ تقول "قَوَمَ" و"طَوُلَ" و"خَوِفَ" و"بَيَع" و"كَيِد". فالجواب أنَّ "فَعُل" و"فعِل" قُلِبت فيهما الواو والياء استثقالًا للضَّمَّةِ في الواو، والكسرةِ في الواو والياء، فقُلِبت الواو والياء إلى أخفَّ حروف العلَّة وهو الألف، ولتكون العَينات من جنس حركة الفاء وتابعةً لها. وأمَّا "فَعَلَ" فقُلِبت الواو والياء فيها2 ألفًا لاستثقال حرف العلَّة، مع استثقال اجتماع المِثلَينِ -أعني: فتحةَ الفاء وفتحةَ العين- فقالوا في "قوَمَ" و"بَيَع": قامَ وباعَ، فقلبوا الواو والياء ألفًا لخفَّة الألف، ولتكون العين حرفًا3 من جنس حركة الفاء.
هذا حكم هذه الأفعال، إذا أُسندت إلى ضمير غَيبة، نحو: زيد4 قامَ وعمرٌو باعَ، أو إلى ظاهر نحو: قامَ زيدٌ وباعَ عمرٌو الطعامَ. إِلَّا فعلَينِ شذَّت العرب5 فيهما -وهما كادَ وزالَ-
__________
1 المنصف 1: 233-244.
2 م: فيهما.
3 سقط من م.
4 سقط من م.
5 المنصف 1: 252-253.
(1/287)

فأعلُّوها بنقل حركة الكسرة من العين إلى الفاءِ، فقالوا: كِيْدَ ومازِيْلَ. قال1:
وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتِي ... وكِيدَ خِراشٌ, يومَ ذلِكَ, يَيتَمُ
فأجرَوهما على ما يُجرَيان عليه، إذا أُسند الفعل إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطب. وسنبيِّن حكم هذه الأفعال، إذا أُسنِدت إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطب.
فإن أُسند الفعل [41أ] إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب2 فإنه لا يخلو أن يكون على "فَعِلَ" أو "فَعُلَ" أو "فَعَلَ". فإن كان على "فَعِل" أو "فَعُلَ"، بضمِّ العين وكسرها، فإنك تنقل حركة العين إلى الفاء قبلها، وتحذف العين لالتقاء الساكنين، أعني: حرف العلَّة مع ما بعده. فتقول: خِفتُ وكِدْتُ وطُلتُ، فتكسر الفاء من "فَعِل"، وتضمُّ الفاء من "فَعُل".
فإن قيل: فلأيِّ شيء، لمَّا حذفوا العين، نَقلوا حركتها إلى الفاء؟ فالجواب أنهم لمَّا اضطُرُّوا إلى الحذف كان الأسهل عندهم ألَّا يحذفوا الحرف بحركته، وأن يُبقوا الحركة التي كانت في العين، فنقلوها إلى الفاء لذلك. وأيضًا فإنهم أرادوا أن يفرِّقوا بين حذف عين الفعل المتصرِّف3، وغير المتصرِّف. فلمَّا كانوا لا ينقلون في غير المتصرِّف4، فيقولون "لَستُ" في "لَيسَ"، نقلوا في المتصرِّف.
فإن قيل: ليست5 عين "ليس" متحرِّكة، فلم يكن فيها ما يُنقل. فالجواب أنَّ أصلها6 "لَيِسَ" نحو "صَيِدَ" ثمَّ خُفِّفتْ، والتُزم فيها التخفيفُ لثقل الكسرة في الياء.
فإن قيل: وما الدليل على ذلك؟ فالجواب أنه قد ثبَتَ أنها7 فِعل، والأفعال الثلاثيَّة لا تخلو من أن تكون على وزن "فَعَلَ" أو "فَعِلَ" أو "فَعُلَ". فلا بدَّ لها من أن تكون على وزن من هذه الأوزان. وباطلٌ أن تكون مفتوحة العين في الأصل؛ لأنَّ الفتحة لا تُخفَّف8. وباطل أن تكون
__________
1 أبو خراش الهزلي. المنصف 1: 252 وشرح المفصل 10: 72 عن الأصمعي. م "خُراش". والقف: ما ارتفع من الأرض وغلظ. وضبطت التاء من "ييتم" بالفتح والضمِّ والكسر في ف. ورُوي في ديوان الهذليين 2: 148. كما يلي:
فتَقعُدُ أو تَرضَى مكاني خَلِيفةً ... وكادَ خِراشٌ, يَومَ ذلِكَ, يَيتَمُ
وكذلك رواية شرح أشعار الهذليين، وفيه الرواية التي أثبتها ابن عصفور، مقدمًا لها بالعبارة التالية: قال أبو سعيد: وسمعت من ينشد.
2 كذا، بإغفال نون النسوة الغائبات. وانظر ص293، 295، 296، 307.
3 المنصف 1: 234.
4 يعني الجامد. م: غير المنصرف.
5 م: أليست.
6 المنصف 1: 258-259.
7 ف: أنه.
8 م: لا تحذف.
(1/288)

مضمومة العين؛ لأنَّ "فَعُلَ" ممّا عينه ياء لم يُوجد1، فلم يبق إِلَّا أن تكون في الأصل مكسورة العين.
فإن كان الفعل على "فَعَلَ" فإنه لا يخلو أن يكون من ذوات الياء أو من ذوات الواو. فإن كان من ذوات الواو حوَّلتَه إلى "فَعُل"2، بضمِّ العينِ، ثمَّ نقلتَ حركة العين إلى الفاء. فتقول: قُلتُ وقُلتَ. وإن كان من ذوات الياء حوَّلتَه إلى "فَعِلَ"3، بكسر العين، ثمَّ نقلتَ حركة العين إلى الفاء. فتقول: بِعتُ وبِعتَ.
فإن قيل: ولأيِّ شيءٍ حوَّلتَ "فَعَل" إلى "فَعُلَ" في ذوات الواو، وإلى "فَعِلَ" في ذوات الياء؟ فالجواب أنه لو نَقلنا الفتحة من العين إلى الفاء، ولم نُحوِّلها كسرة ولا ضمَّة، لم يُدْرَ: هل الفتحة التي في الفاء هي الفتحة الأصليَّة التي كانت قبل النقل أو فتحة العين؟ بخلاف "فَعِلَ" و"فَعُلَ"؛ لأنَّه إذا انضمَّت الفاء أو انكسرت، بعد أن كانت مفتوحة، عُلم أنَّ الحركة التي في الفاء حركة العين نُقلت. فلذلك حُوِّلت الفتحة إلى غيرها, ليُعلم أنَّ الحركة التي في الفاء هي حركة العين, وحُوِّلت حركة العين4 في ذوات الواو إلى الضَّمَّة وفي ذوات الياء إلى الكسرة، ليحصل بذلك الفرقُ بين ذوات الواو وذوات الياء؛ لأنَّ الضَّمَّة تدلُّ على الواو لأنها منها، والكسرةَ تدلُّ على الياء لأنها أيضًا منها.
فإن قيل: فما الدليل على أنَّ قال:5 "فَعَلَ" في الأصل، ثمَّ نُقل6 إلى "فَعُلَ"؟ وهلَّا ادُّعي أنه "فَعُل" في الأصل. فالجواب7 أنَّ الذي يدلُّ على أنه ليس بـ"فَعُل" في الأصل تَعَدِّيه نحو قُلتُه -و"فَعُلَ" لا يتعدَّى- ومجيءُ اسم الفاعل منه على "فاعِل" إِلَّا شاذًّا8 نحو: حَمُضَ فهو حامِضٌ9. فأمَّا "قام" وأمثالُه، ممّا هو غير متعدٍّ، فالذي يدلُّ على أنه "فَعَلَ" بفتح العين مجيءُ اسم الفاعل منه على "فاعِل" نحو: قائم.
فإن قيل: وما الدَّليل على أنَّ باعَ: "فَعَلَ" في الأصل؟ وهلَّا ادَّعيتُم أنه "فَعِلَ" بكسر العين في
__________
1 كذا. وقالوا: هَيُؤَ. انظر ص302.
2 المنصف: 1: 235-236.
3 المنصف: 1: 242-244.
4 سقط "وحولت حركة العين" من م.
5 م: ذلك.
6 م: ونقل.
7 المنصف 1: 236-238.
8 ف: شاذ.
9 في الخصائص 1: 382 أن هذا من تداخل اللغات.
(1/289)

الأصل، ولم تدَّعوا أنَّ هذا الكسرة في "بِعتُ"1 أُبدلت من الفتحة. فالجواب2 أنَّ الذي يدلُّ عل ذلك أنَّ المضارع "يَفعِلُ" نحو: يَبِيعُ، و"يَفعِلُ" لا يكون مضارعَ "فَعِلَ" إِلَّا شاذًّا.
وأمَّا "خافَ" و"كادَ" فالذي يدلُّ على أنهما "فَعِلَ" مجيءُ مضارعهما على "يَفعَلُ" بفتح العين، نحو: يَكادُ ويَخافُ.
وأمَّا "طالَ"3 فالذي يدلُّ على أنه "فَعُلَ" في الأصل مجيءُ اسم الفاعل منه على "فَعِيل". فتقول: طَويل.
فأمَّا مضارعُ "فَعُلَ" المضمومة العين فعلى "يَفعُلُ" بضمِّ العين، على قياس نظيرها من الصحيح. لم يشذَّ من ذلك شيء.
وأمَّا "فَعِلَ" المكسورةُ العين فيجيء مضارعها أبدًا على "يَفعَلُ" بفتح العين، نحو: كِدتَ تَكادُ وزِلتَ تَزالُ. ولم يشذَّ من ذلك شيء إِلَّا لفظتان، وهما: مِتَّ تَمُوتُ ودِمتَ تَدُومُ، فجاء مضارعهما على "يَفعُلُ" بضمِّ العين. على أنه يمكن4 أن يكون هذا من تداخل اللُّغات5 وذلك أنهم قد قالوا: مُتَّ [41ب] ودُمتَ كـ"عُدتَ"6، فيكون "تدوم" و"تموت"7 مضارعين لـ"دُمتَ" و"مُتَّ". ومن قال8 "مِتَّ" بالكسر و"دِمتَ" لم يستعمل لهما مضارعًا9، بل اجترأ بمضارع "مُتَّ" و"دُمتَ" عنه.
وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الياء فمضارعها أبدًا على "يَفعِلُ" بكسر العين، نحو: باعَ يَبِيعُ. ولم يشذَّ من ذلك شيء.
وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الواو فمضارعها أبدًا على "يَفعُل" بضمِّ العين، نحو: قالَ يَقُولُ. ولم
__________
1 سقط "في بعت" من م.
2 المنصف 1: 242-244.
3 المنصف 1: 238-241. المراد ما كان معناه: امتدَّ. أمَّا طاله بمعنى ناله فهو على "فَعَلَ". انظر البحر المحيط 3: 220-221. وكذلك ما كان معناه: غلبه في الطول. واسم الفاعل من هذين: طائل. ولعل منهما قولهم: طائل وطائلة.
4 ف: ممكن.
5 الخصائص 1: 374-381 والمنصف 1: 256-257.
6 م: قلت.
7 م: يدوم ويموت.
8 م: ومن ذلك.
9 كذا. وفي الخصائص 1: 380 أن مضارعهما هو "تَماتُ وتَدامُ". وانظر اللسان والتاج "دوم" والمنصف1: 256 وأضداد ابن الأنباري ص12.
(1/290)

يشذَّ من ذلك شيء إِلَّا لفظتان، وهما1: طاحَ يَطِيحُ وتاهَ يَتِيهُ، في لغة من قال: ما أَطوَحَهُ وما أَتوَهَهُ! 2 ولا يمكن أن يكونا3 على هذا "فَعِلَ"4 بكسر العين؛ لأنَّ "فَعِل يَفعِلُ" شاذٌّ من الصحيح والمعتلِّ، و"فَعَلَ يَفعِلُ" وإن كان شاذًّا فيما عينُه واو فليس بشاذٍّ في الصحيح. فحملُهما على ما يكون مَقيسًا في حالٍ أَولَى.
فأمَّا من قال "ما أَتيَهَهُ"! فقوله "يَتِيهُ" على القياس. والدليل أيضًا على أنَّ "تاهَ" قد يكون من ذوات الياءِ قولهم5: وَقَعَ في التُّوهِ والتِّيه. فقولهم "في التِّيه" دليلٌ على أنه من ذوات الياء، بقاءً مع الظاهر. وكذلك أيضًا "تَيَّهَ" يدلُّ على أنَّ "تاهَ" من ذوات الياء.
فإن قيل: فلعلَّ تَيَّهَ: "فَيعَلَ"6، وهي7 من ذوات الواو، والأصل "تَيْوَهَ" فقُلبت الواو ياءًَ وأُدغمت الياء في الياء. فالجواب8 أنَّ "فَعَّل" أكثرُ من "فَيعَلَ"، فيجبُ أن يُحمل "تَيَّهَ" على "فَعَّل" لذلك. وأيضًا فإنَّ "تَيَّه" للتكثير، فينبغي أن يكون على "فَعَّل"؛ لأنَّ "فَعَّلَ" من الأبنية التي وضعتها العربُ للتكثير، نحو: قَطَّعَ وكَسَّرَ.
وأيضًا فإنهم يقولون فيه إذا ردُّوه لِما لم يُسمَّ فاعلُه: تُيِّهَ9. ولو كان "فَيعَلَ" لقالوا10 "تُوْيِهَ" إن كان من ذوات الياء، و"تُوْوِهَ" إن كان من ذوات الواو11 كـ"بُوْطِرَ". ولم يجز الإدغام كما لم يُدغم مثل "سُوْيِرَ"؛ لأنَّ الواو مَدَّة. وسيُبيَّن ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى12.
فإن قيل: فلأيِّ شيء قالوا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الواو: "يَفعُلُ"، ومن ذوات الياء: "يَفعِلُ"، وقد
كان "فَعَلَ" من الصحيح يجوز في مضارعه "يَفعُلُ" و"يَفعِل"، نحو: يَضرِبُ ويَقتُلُ؟ فالجواب عن ذلك شيئان:
__________
1 المنصف 1: 261-262.
2 في م تقديم وتأخير وتصرف.
3 ف: يكون.
4 مذهب الخليل أن تاه وطاح هما على "فعِل يفعِل". المنصف 1: 261-262.
5 رواه المازني عن أبي زيد في المنصف 1: 265.
6 المنصف 1: 262-263.
7 م: وهو.
8 المنصف 1: 263-264.
9 وأنشد فيه المازني وابن جني لرؤبة.
تُيِّهَ في تِيهِ المُتيَّهِينْ
10 ف: لقال.
11 سقط "إن كان من ذوات الياء ... الواو" من م.
12 سقط من م. وانظر الورقة 45.
(1/291)

أحدهما: أنه لمَّا حُوِّلَ "فَعَلَ" من ذوات الواو إلى "فَعُلَ"1 جاء مضارعه كمضارع "فَعُل"، فالتزموا فيه "يَفعُلُ" بضمِّ العين. وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الياء فلمَّا حُوِّلَ إلى "فَعِل" أشبَهَ "فَعُلَ" من ذوات الواو, في أنَّ بناءهما في الأصل "فَعَلَ" مفتوح العين، وأنَّ كلَّ2 واحدٍ منهما حُوِّلت3 حركة عينه الأصليَّة إلى حركة من جنس العين. فكما التزموا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الواو أن تكون حركة العين من جنسها، كذلك التزموا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الياء أن تكون حركة العين من جنسها.
فإن قيل: فهلَّا لمَّا حوَّلوا "فَعَلَ" من ذوات الياء إلى "فَعِلَ" جعلوا مضارعه "يَفعَلَ" بفتح العين، كمضارع "فَعِلَ"، ثمَّ حملوا "فَعَل"4 من ذوات الواو على "فَعَل" من ذوات الياء. فالجواب أنَّ "فَعِل" المكسورَ العين قد شذُّوا في مضارعه. فجاء على "يَفعِلُ" نحو: حَسِب يَحسِبُ ونَعِمَ يَنعِمُ, وعلى "يَفعُلُ" بضمِّ العين نحو: فَضِلَ يَفضُلُ. فإذا فعلوا ذلك فيما عينه مكسورة في الأصل فالأحرى أن يجيء ذلك فيما عينه في الأصل مفتوحة. وأمَّا "فَعُل" فلم يشِذُّوا في شيء من مضارعه. فلذلك لمَّا حُوِّلتْ "فَعَلَ" إليها التزموا في المضارع "يَفعُل" بضمِّ العين.
وأيضًا فإنهم إذا جعلوا مضارع "فَعَلَ"5 من ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين لم يُخرجوه عمَّا كان يجوز فيه قبل نقله6 إلى "فَعُلَ"؛ لأنَّ "يَفعُلُ" مضارعُ "فَعَلَ" في فصيحِ الكلامِ. بل يكون قد التُزم فيه أحد البناءين اللذين كانا له في نظيره من الصحيح. ولو جعلتَ مضارع "فَعَلَ" ممّا عينه ياء على "يَفعَلُ" بفتح العين7 لكنتَ قد جعلت مضارعه بعد النقل خارجًا عن قياس ما كان عليه قبل النقل.
والآخر8: أنهم أَرادوا التفرقة بين ذوات الواو وذوات الياء، فالتزموا في ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين؛ لأنَّ الضَّمَّة9 من جنس الواو، وفي "فَعَلَ" من ذوات الياء "يَفعِلُ" بكسر العين؛ لأنَّ الكسرة من جنس الياء.
__________
1 يريد: عندما اتصل بضمير رفع متحرك.
2 م: كان.
3 سقط من م.
4 م: فعِل.
5 سقط من م.
6 م: قلبه.
7 وهو خاص بحلقي العين أو اللام.
8 ذكر السبب الأول في الفقر الثلاث المتقدمة.
9 ف: الضم.
(1/292)

وهذا الوجه الآخر أَولى؛ لأنهم قد فعلوا مثل ذلك في المعتلِّ اللام1: التزموا في "فَعَلَ" من ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين نحو: يَغزُو، وفي مضارع "فَعَلَ" من ذوات الياء "يفعِلُ" بكسر العين نحو: يَرمِي، تفرقةً بين الياء والواو. وسنبيِّنُ ذلك بعدُ2، إن شاء الله.
فإن قيل: فهلَّا فرَّقوا في مضارع [42أ] "فَعِلَ" المكسورةِ العين، بين ذوات الياء والواو، فالتزموا في مضارع ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين، وفي مضارع "فَعِلَ" من ذوات الياء "يَفعِلُ" بكسر العين، كما فعلوا3 في "فَعَلَ". فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارع "فَعِلَ" المكسورِ العين عن قياسِهِ؛ لأنَّ المضارع منه إنَّما يأتي على "يَفعَلُ" بفتح العين. وليس كذلك "فَعَلَ"، بل مضارعه يأتي على "يَفعُلُ" و"يَفعِلُ". فالتزمنا في ذات الواو أحد الجائزين، وهو "يَفعُلُ" المضموم4 العين، وفي ذوات الياء أيضًا أحد الجائزين، وهو "يَفعِلُ" المكسور العين.
فإن قيل: فإنَّ5 الأصل "يَقْوُمُ و"يَصْوُلُ" و"يَبْيِعُ" و"يَكْيَدُ" و"يَخْوَفُ". فحرفا العلَّة -وهما الواو والياء- قد أُسكن6 ما قبلهما، وإذا أُسكن 7 ما قبلَ حرف العلَّة صَحَّ نحو: ظبْي وغزْو. وهذا في المعتلِّ اللام، فالأحرى أن يكون ذلك في المعتلِّ8 العين؛ لأنَّ العين أقوى من اللام وأقربُ إلى أن تَصِحَّ. فالجواب9 أنهم أَعلُّوا المضارع حملًا على الماضي، فلم يمكنهم أن يُعِلُّوا بقلب حرف العلَّة ألفًا، مع إبقاء سكون ما قبل حرف العلَّة، فأعلّوا بالنقل، فنقلوا حركة العين10 إلى الفاء، كما نقلوها في إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم والمخاطب11.
فلمَّا نقلوا في "يَقْوُلُ" و"يَطْوُلُ" صارا: يَقُولُ ويطُولُ. ولمَّا نقلوا في "يَبْيِعُ"12 صار: يَبِيعُ. ولمَّا نقلوا في "يَكْيَدُ" و"يَخْوَفُ" صارا "يَكَيْدُ" و"يَخَوْفُ". ثمَّ قلبوا الواو والياء ألفًا، لتحرّكهما13 في الأصل قبل النقل، وانفتاحِ ما قبلَهما في اللفظ، ولم يعتدُّوا بالسكون؛ لأنَّه
__________
1 المنصف 1: 245-246.
2 في الورقة 50.
3 ف: كما جعلوا.
4 م: المضمومة.
5 ف: إن.
6 م: سكن.
7 م: سكن.
8 م: في المعتل اللام فكيف في المعتل.
9 المنصف 1: 247.
10 ف: فأعلوا بنقل حركة العين.
11 كذا، بإغفال ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص288، 295، 296، 307.
12 م: يَبِيع.
13 م: لتحركها.
(1/293)

عارض بسبب النقل، والعارضُ الغالبُ فيه ألَّا يُعتدَّ به.
وكذلك: قُمْ وبِعْ، وأصلُهما "اقْوُمْ" و"ابْيعْ"، ثمَّ نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فتحرَّك1 فذهبت همزة الوصل؛ لأنها إنَّما أُتي بها لأجل الساكن، فزالت بزواله، ثمَّ سكَّنوا الآخِر، وحذفوا حرفَ العلَّة لالتقاء الساكنين.
ويُحكى2 أنَّ أبا عُمرَ3 الجَرميَّ -رحمه الله- دخل بغداذ، وكان بعض كبار الكوفيِّين يغشاه ويكثر عليه المسائل - ويقال هو الفرَّاء4- وهو يجيبه. فقال له بعض أصحابه: إنَّ هذا الرجل قد ألحَّ عليك بكثرة المسائل فلمَ لا تسأله؟ فلمَّا جاءه قال له: يا أبا فلان، ما الأصل في "قُمْ"؟ فقال له: "اقْوُمْ". فقال له: فما الذي عملوا به؟ فقال: استثقلوا الضَّمَّة على الواو، فأسكنوها. فقال له: أخطأت لأنَّ القاف قبلها ساكنة. فلم يَعُدْ إليه الرجل بعدها.
فأمَّا اسم الفاعل من "فَعَلَ" فـ"فاعِلٌ" نحو: قائم وبائع. وقد ذكرنا من أيِّ شيء أُبدلت الهمزة5، في باب البدل.
وأمَّا من "فَعُلَ" المضمومة العين فعلى قياس الصحيح. فتقول: طَويل، كما تقول: ظَريف.
وأمَّا مِن "فَعِل"، إن جاء على "فاعِل"، فإنك تُبدل الهمزة من العين نحو "خائف"، وقد ذكر في البدل6، وإن جاء على "فَعِل" فإن حرف العلَّة ينقلب ألفًَا لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، كما فُعِل بالفعل7، نحو: خافٍ8 ومالٍ، اسما فاعل من "خافَ9 الرجلُ"، و"مالَ" إذا كثر ماله. جاء على "فَعِل" على حدِّ قولهم: حَذِرَ يَحذَرُ فهو حذِرٌ، في الصحيح10.
فإن كان الفعل مبنيًّا للمفعول11 صيَّرتَه على "فُعِلَ"، فتضمُّ فاءه وتكسر عينه، فتقول "قُوِلَ"
__________
1 م: إلى فاء قبلها فتحركت.
2 المنصف 1: 248.
3 م: أبا عمرو.
4 كان بين الفراء والجرمي مناظرات. انظر إنباء الرواة 2: 81 وتاريخ بغداد 9: 313-315. والقصة هذه في الخصائص 3: 299 والمزهر 2: 377-378.
5 في الورقة 31.
6 في الورقة 31.
7 المنصف 1: 333.
8 م: جاف.
9 م: جاف.
10 سقط "جاء على فعل ... في الصحيح" من م.
11 المنصف 1: 248-250.
(1/294)

و"بُيِع". فتُستثقل الكسرة في الياء والواو:
فمنهم من يحذفها فيُسْكن الواو فتصيرُ: قُوْلَ، ويُسْكن الياء، فتصير ساكنة بعد ضمَّة فتُقلب واوًا، فيقول1: بُوْعَ. وجُعلت العين في هذا الوجه تابعة لحركة الفاء، كما كانت في فعل الفاعل.
ومنهم من ينقل الكسرة من العين إلى الفاء، فيقول: بِيْعَ. وأمَّا "قُوْلَ" فينقل2 الكسرة من العين إلى الفاء فتصير الواو ساكنة بعد كسرة فتَنقلب ياءً، فيقول3: قِيْلَ.
وإنَّما جاز نقل حركة العين إلى الفاء، في فعل المفعول، من غير أن يُسند إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطَب4، ولم يجز ذلك في فعل الفاعل إِلَّا في "كاد" و"زال" كما تقدَّم -تشبيهًا5 للكسرة التي في عين "فُعِل" بالكسرة التي في عين "فَعِل" من ذوات الياء إذا حُوِّلت، من جهةِ أنَّ كلَّ واحدة من الكسرتين أصلها الفتح؛ ولأنَّ في نقل حركة العين إلى الفاء تخفيفًا بقلب الواو ياءً، والياءُ أخفُّ من الواو، فتصير ذوات الواو والياء بلفظ واحد. وفي نقل حركة العين إلى الفاء في فِعل الفاعل تثقيلٌ؛ لأنك تقول: كِيْدَ وزِيلَ، و"كادَ" و"زالَ" أخفُّ؛ لأنَّ الألف أخفُّ من الياء. ولذلك كان النقل في "فُعِلَ"6 أحسنَ من حذف الكسرة [42ب] من العين؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى قلب الياء واوًا، فتقول "بُوْعَ"، فتُخرِجُ الأخفَّ إلى الأثقل.
ومن العرب7 من إذا نقل الكسرة من العين إلى الفاء أشمَّ الفاءَ الضَّمَّةَ، دليلًا على أنَّ8 الفاء مضمومة في الأصل. وذلك بأن تضُمَّ شفتيك ثمَّ تَنطق بالفعل، ولا تلفظَ بشيء من الضَّمَّة. ولو لفظتَ بشيء من الضَّمَّة لكان رَومًا لا إشمامًا. قال الزَّجاجيُّ: "وذلك لا يُضبَطُ إِلَّا بالمُشافهة"9. إشارةً إلى أنه لا يُسمَعُ بل يُرى. وأمَّا بعضُ النَّحويِّين. وكافَّةُ القُرَّاء فإنهم يجعلون الكسرةَ بينَ الضَّمَّة والكسرة. والذي عليه المُحقِّقون من النحويِّينَ ما ذكرتُ لك. ولذلك سَمَّوه إشمامًا.
__________
1 م: فتقول.
2 سقط "الكسرة من العين ... فينقل" من م.
3 م: فتقول.
4 م: "ضمير متكلم أو مخاطب". وأغفل ابن عصفور ذكر ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص288، 293، 296، 307.
5 سقط من النسختين حتى قوله "أصلها الفتح"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر الورقة40.
6 م: فَعِل.
7 المنصف 1: 248-251.
8 سقط من م.
9 الجمل في النحو ص76. والزجاجي هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق النحوي، توفي سنة340. البلغة ص121.
(1/295)

هذا ما لم تُسنِدِ الفعلَ إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطَب 1. فإن أَسندته إليهما2 فإنَّ الذي يُخلِصُ الضمَّ، فيقول: بُوعُ وكُولَ3 زيدٌ الطعامَ. يقول: بُعتُ وكُلتُ الطعامَ، فيُخلِص الضمَّ4 أيضًا. والذي يقول: بِيعَ وكِيلَ، فيُشِمُّ يَقُول: بِعتُ وكِلتُ فيُشِمُّ. والذي يقول: بِيعَ وكِيلَ، فيُخلص الكسر يقول: بِعتُ وكِلتُ، فيُشمُّ، تَفرقةً بين فعل الفاعل وفعل المفعول. ومنهم من يُخلص الكسر -وذلك قليل- ويَتَّكلُ في التَّفرقة على القرائن وما يَتَّصل بالفعل، من قبلُ أو بعدُ.
فإذا بَنَيتَ منه المضارع ضممتَ أَوَّلَه وفتحتَ ما قبلَ آخِره، فقلت "يُقْوَلُ" و"يُبْيَعُ". ثمَّ تُعِلُّه حملًا على الماضي، كما كان ذلك في مضارع فعل الفاعل، فتنقل فتحة العين إلى الفاء، فيصير "يُقَوْلُ" و"يُبَيْعُ". فتُقلَب الواو والياء ألفًا، لانفتاح ما قبلهما ولتحرُّكهما5 في الأصل؛ لأنَّ السكون عارض بسبب النقل، والأحسن في العارض ألَّا يُعتدّ به، فيقال: يُقالُ ويُباع.
وأمَّا اسم المفعول 6 فإنَّه يأتي على وزن "مَفعُول" على قياس الصحيح، نحو "مَبْيُوع" و"مَقْوُول". فيُعلُّ حملًا على فعله، فتُنقَل حركة العين إلى الساكن قبل، فيصير "مقُوْوْل" و"مَبُيْوْع" فيجتمع ساكنان: واو "مَفعول" والعينُ، فتُحذَف واو "مَفعول"، فيُقال: مَقُولٌ، في ذوات الواو. وأمَّا "مَبُيْوْعٌ" فإنه إذا حُذِفت واو "مَفعول" قُلبت الضَّمَّة التي قبل العين كسرةً، لتصِحَّ الياء، فتقول: مَبِيعٌ. هذا مذهب الخليل وسيبويه7.
وأمَّا أبو الحسن 8 فإنه ينقل9 الحركة من العين إلى الفاء، في ذوات الواو، فيلتقي له ساكنان، فيحذف العين فيقول: مَقُول. وفي ذوات الياء نحو "مَبْيُوع" ينقل10 الضَّمَّة من الياء
__________
1 كذا، بإغفال ضمير الغائبات. وانظر ص288، 293، 296، 307.
2 المنصف 1: 253-255.
3 كول: أُعطي بالكيل.
4 م: الضَّمَّة.
5 م: ما قبلها لتحركها.
6 انظر المنصف 1: 269-272 والمقتضب لابن جني ص1-27. وقد سماه الناشر "المغتصب" خطأ.
7 الكتاب 2: 263 والمنصف 1: 287 والمقتضب ص 1.
8 المنصف 1: 287-288 والمقتضب ص 2.
9 م: فانه يقول ينقل.
10 م: تنقل.
(1/296)

إلى ما قبلها، ثمَّ يقلب1 الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء فيلتقي الساكنان2: الياء وواو "مفعول"، فتُحذف الياء، فتجيء الواو ساكنة بعد كسرة، فتقلب الواو ياء، فيقول3 مَبِيعٌ.
فممَّا يُحتَجُّ4 به للخليل أنَّ الساكنين، إذا اجتمعا في كلمة، حُرِّك الثاني منهما دون الأول5، فكما يُوصل إلى إزالة التقائهما بتحريك الثاني منهما، كذلك يوصل إلى إزالة التقائهما بحذف الثاني منهما. وأيضًا فإنَّ حذف الزائد أسهل من حذف الأصل. فلذلك كان حذف واو "مفعُول" أسهلَ من حذف العين.
وأيضًا فإنهم [قد] 6 قالوا7: "مَشِيبٌ" في مَشُوب، و"غارٌ مَنِيلٌ"8 في مَنُول، و"أرضٌ مَمِيتٌ عليها" في مَمُوت، و"مَرِيحٌ"9 في مَرُوح. فقلبوا الواو ياء شذوذًا. فدلَّ ذلك على أنَّ الواو المُبقاةَ هي العين، وأن المحذوفة واوُ "مفعول"؛ لأنهم قد قلبوا الواو التي هي عين ياءً، فقالوا "حِيرٌٌ" في حُور. أنشدَ أبو زيدٍ10.
عَيناءُ حَوراءُ, مِن العِينِ الحِيْرْ
ولا يُحفَظ قلب واو "مَفعول" ياءً، إِلَّا أن يُدغَم11 نحو: مَرمِيّ. وأيضًا فإن واو "مَفعُول" أقرب إلى الطَّرَف فحَذفُها أَسهلُ.
وأمَّا أبو الحسن فيستدلُّ12، على أنَّ المحذوف هو العين، بأنها لغَيرِ معنًى، وواوُ "مَفعولٍ" حرفُ معنًى13 يدلُّ على المفعوليَّة. فحَذفُ ما لا معنى له أسهلُ، كما أنَّه لمَّا اجتمعت التاءان
__________
1 م: ثم تقلب.
2 م: ساكنان.
3 بالياء والتاء في ف.
4 انظر المنصف1: 209-291 وأمالي ابن الشجري 1: 200-210.
5 ومثله في المنصف 1: 290. وذلك نحو لم يردَّ ولم يلْدَهُ، ورُدَّ وانطلقَ في صيغة الأمر، حرك فيه الثاني لالتقاء الساكنين. وزاد ابن جني في المنصف "ولأبي الحسن أن يردَّ هذا ويقول: إنهما إذا التقيا في كلمة واحدة حذف الأول نحو: خفْ وقُلْ وبعْ. لا سيما إذا كان الثاني منهما جاء لمعنى نحو التنوين في غازٍ". وانظر أمالي ابن الشجري 1: 277-208 وشرح الشافية 2: 238-240.
6 من م.
7 الكتاب2: 363 والمنصف1: 289 و300 والمقتضب ص2-3.
8 المنيل: الذي ينال ما فيه.
9 الغصن المريح: الذي حركته الريح.
10 لمنظور بن مرثد. شرح المفصل 4: 114 و10: 79 والمخصص 1: 119 و4: 124. وكتاب مسائية بذيل النوادر ص236 والمنصف 1: 288 وأمالي ابن الشجري 1: 209 واللسان "حور". والحير: جمع حوراء.
11 زاد في م: "معًا". الصواب: في ياء.
12 أمالي ابن الشجري 1: 205.
13 سقط من م.
(1/297)

في "تَذَكَّرُونَ" ونحوه حُذفتِ الثانية، ولم تُحذف الأولى حيث كانت لمعنًى.
وللخليل أن يَفرق بينهما فيقول:1 إنَّ التَّاء الأولى في "تَذَكَّرُونَ" وأمثاله حرف منفرد, فلو حُذفتْ لم يبق ما يدلُّ على المعنى الذي كانت التاء تعطيه. وأنت إذا حذفت واو "مَفعُول" أبقَيتَ الميم تدلُّ على معنى المفعوليَّة.
فإن قال2: إنَّ الزِّيادة التي لمعنى إذا كانت معها زيادة أُخرى فإنهما يجريان مجرى الزِّيادة الواحدة؛ ألا ترى أنَّ المعنى يقع بمجموعهما؟ فإذا وقع3 بمجموعهما لم يَجُز أن تُحذف واحدة منهما، كما لم يجز أن تُحذف [43أ] الزيادة الواحدة؛ ألا ترى أنَّ الزيادتين إذا لحَقتا لمعنًى فحُذفت إحداهما حُذفت الأُخرى، نحو زيادتي "سَكران" إذا رخَّمته اسم رجل؟ وكذلك الزيادتان في "مَفعُول"، لو حذفتَ واحدة منهما للزمكَ حذفُ الأخرى. فللخليل أن يقول4:
لا تجري الزِّيادتان مجرى الزيادة الواحدة. بل يجوز حذف إحداهما وإبقاءُ الأُخرى، لتدلَّ على الأُخرى المحذوفة؛ ألا ترى أنهم قالوا: اسطاعَ يَسطِيعُ5، فحذفوا إحدى الزيادتين -وهي التاء6- وأبقوا السين، وهما جميعًا زِيدا لمعنًى، كما أنَّ الميم والواو في "مَفعول" كذلك؟ فأمَّا "سكران" وبابُه فإنَّما حُذفتا فيه معًا، لوقوعهما طرفًا غير مُفترقتينِ. فكان الحذف أغلب عليهما، إذ كان الطرف موضعًا تُحذف7 فيه الأصول في الترخيم والتكسير8. فالزِّيادتان في "مَفعول" أشبه بالزِّيادتين في "اسطاعَ" من زيادتي سَكران، لكونهما حشوًا في "مَفعول" كما أنهما في "اسطاع" كذلك.
فإن قيل: فقد9 وجدناهم حذفوا الأصل وأَبقَوُا الزيادة، لمَّا كانت لمعنًى، فقالوا "تَقَى" في اتَّقَى، فحذفوا التاء الأصليَّة وأبقوا تاء "افتعل". فالجواب أنَّ الذي حَمل على ذلك كونُ الزيادة مُنفَردةً.
وممَّا يدلُّ على صحَّةِ مذهب سيبويه والخليل، وفسادِ مذهب الأخفش، أنَّك إذا نقلتَ الضَّمَّة من العين إلى الفاء، في "مَفُعول" من ذوات الياء, اجتمع لك ساكنان: واو "مفعول"
__________
1 أمالي ابن الشجري 1: 205.
2 المنصف 1: 289 وأمالي ابن الشجري 1: 205-206.
3 في النسختين: وقعت.
4 أمالي ابن الشجري 1: 205-207.
5 م: يُستطيع.
6 م: الياء.
7 م: "حذف". ونقل ابن عصفور نص أمالي ابن الشجري.
8 زاد في الأمالي: والتحقير.
9 أمالي ابن الشجري 1: 205 والمنصف 1: 290. م: قد.
(1/298)

والياءُ، فتحذف واو "مفعول" فتجيء1 الياء ساكنة بعد ضمَّة, قريبةً من الطرف، فتقلبُ الضَّمَّة كسرة، على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضَّمَّة إذا كانت تَلي الطرف، فإنه تُقلب الضَّمَّة كسرة، مفردًا كان الاسم أو جميعًا، نحو "بِيض" جمع أبيضَ. أصلُه "بُيْضٌ" نحو حُمْر، ثمَّ قُلبتِ الضَّمَّة كسرة. وكذلك لو بَنيتَ من البياض2 اسمًا على "فُعْلٍ" لقلت: بِيضٌ. فالأصل في مَبِيع على أصله:3 "مَبْيُوْعٌ" ثمَّ "مَبُيْوعٌ" ثمَّ "مَبُيْعٌ" ثمَّ مَبِيْعٌ.
وأمَّا أبو الحسن الأخفش فيلزمه4، على مذهبه، أن يقول: مَبُوعٌ. وذلك أنَّ الأصل "مَبْيُوعٌ". فإذا نُقلت الضَّمَّة اجتمع له5 ساكنان، فيحذف الياء، فيلزمه أن يقول6: مَبُوعٌ. فإن قال: لا أحذف إِلَّا بعد قلب الضَّمَّة كسرة. فالجواب أن يقال له: لِمَ تَقلبُ الضَّمَّة كسرة, وأنت تزعم أنَّ الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمَّة في مُفرد فإنَّ الياء هي التي تُقلب واوًا، بشرط القرب من الطرف؟ فأمَّا مع البُعد فلا يجوز قلب الضَّمَّة كسرة، في مذهب أحد من النحويِّين.
فإن قلتَ7: فإنَّما قَلبتُ الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء؛ لأنِّي لو لم أفعل ذلك، فقلت "مَبُوعٌ"، لالتبستْ ذوات الياء بذوات الواو. فالجواب أنَّ هذا القَدْر لو كان لازمًا لوجب أن تقول8 "مِيقنٌ" في مُوقِن, لئلَّا يلتبس بذوات الواو. فكما أنَّ العرب لم تفعل ذلك في مُوقِن، فكذلك لا تفعله في مَبِيع وأمثاله.
وثمرة9 الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف مَسُوء وأمثاله. قال أبو الفتح في "القدّ"10 له: سألني أبو عليٍّ عن تخفيف مَسُوء. فقلت: أمَّا على قول أبي الحسن فأقول: رأيتُ مَسُوًّا11؛ لأنها عنده واو "مَفعول". وأمَّا على مذهب سيبويه فأقول: رأيت مَسُوًا، بتحريك الواو لأنها عنده العين. فقال لي أبو عليٍّ: كذلك هو، اللهمَّ إِلَّا أن تقول: إنهم حملوا الماضي على المضارع. وإذا كانت العرب قد حملت المضارع في الإعلال على
__________
1 م: لمجيء.
2 أمالي ابن الشجري 1: 209 والمنصف 1: 300.
3 أي: على مذهبه والأصل الذي يعتمده في الإعلال.
4 م: فيلزم.
5 ف: لك.
6 أمالي ابن الشجري: 209.
7 أمالي ابن الشجري: 1: 209.
8 ف: يقول.
9 سقط من النسختين حتى قوله "في ثبات الواو"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
10 القدّ: كتاب لابن جنِّي، يُسمى أيضًا "ذا القدِّ". الخزانة 2: 129.
11 علق عليه في الحاشية بما يلي: كما تقول في مقروء: مقروّ.
(1/299)

الماضي، مع أنَّ الأكثر على أنَّ المضارع ... 1 فالأحرى أن يُحمل الماضي على المضارع في ثبات الواو.
ويجوز الإتمام2 في "مَفعُول" من ذوات الياء، وهي لغة بني تميم. قال3:
وكأنَّها تُفَّاحةٌ, مَطْيُوبةٌ
وقال علقمة4:
[حَتَّى تَذكَّرَ بَيضاتٍ, وهَيَّجَهُ] ... يَومُ رَذاذٍ, علَيهِ الرِّيحُ, مَغْيُومُ.
والإِعلالُ أَفصحُ.
ولا يجوز الإتمام5 في ذوات الواو إِلَّا فيما سُمع. والذي سُمع من ذلك6: مِسكٌ مَدْوُوفٌ، قال الراجز7.
والمِسكُ في عَنبَرِه المَدْوُوفُ
والأشهر: مَدُوف. وقالوا: رَجلٌ مَعْوُودٌ وفَرَسُ مَقْوُودٌ وثَوبٌ مَصْوُونٌ وقولٌ مَقْوُولٌ. وإنَّما لم يَجزِ الإتمامُ8 في "مُفْعُول" من ذوات الواو، إِلَّا فيما شذَّ؛ لأنَّ الواو أثقل من الياء.
وخالفَ المبرّد9 كافَّة النَّحويِّين10، فأجاز الإتمام11 في ذوات الواو قياسًا على ما ورد.
__________
1 كلمة مخرومة لم أتبينها.
2 م: الإشمام.
3 أنشده الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء. المقتضب ص3 وشرح المفصل 10: 8 وشرح الملوكي ص353 والخصائص 1: 261 ومقتضب المبرد 1: 101 والمنصف 1: 286 وأمالي ابن الشجري 1: 210 والعيني 4: 574 والصحاح واللسان والتاج "طيب".
4 من مفضلية له. ديوانه ص56 والمفضلية 120 والمنصف 1: 286 وأمالي ابن الشجري 1: 210.
5 م: الإشمام.
6 المقتضب ص3 والمنصف 1: 285- 287 وأمالي ابن الشجري 1: 209.
7 المقتضب ص3 والمنصف 1: 285 والخصائص 1: 261 وشرح المفصل 10: 80 وشرح الملوكي ص355. واللسان والتاج "دوف". المدووف: المسحوق أو الممزوج أو المبلول. م: "المذروف" بالذال وكذلك فيما يلي.
8 جعله سيبويه مكروهًا. انظر الكتاب 2: 363 والخصائص 1: 98. م: الإشمام.
9 كذا. والصواب أنه الكسائي. انظر شرح الشافية 4: 149-150 والمقتضب 1: 99-103. وقد نقل أبو حيان إلى حاشية ف من خط ابن عصفور ما يلي: هذا الذي ذكرته عن المبرد هو الذي حكاه أبو الفتح عنه. وأمَّا الذي ذهب إليه أبو العباس في تصريفه فخلاف هذا. وذلك أنه إنَّما أجاز رد مبيع إلى أصله في الضرورة، ولم يجعله قياسيًّا، وحكى عن النحويين أجمعين أنهم يجيزون إتمام مفعول من ذوات الواو في الضرورة. وأجاز ذلك هو عند الضرورة، واحتج أنه قد جاء في الكلام مثله، لكنه معتل لاعتلال الفعل، والذي جاء في الكلام ليس على فعل. فإذا اضطر الشاعر أجرى هذا على ذلك. فمما جاء منه: النَّوُور وقولهم: سُرتُ سُوُورًا. ثمَّ قال: وهذا أثقل من مفعول من الواو؛ لأنَّ فيه واوين وضمَّة، وإنَّما ثَمَّ واوان بينهما ضمَّة.
10 انظر المقتضب ص3-4 والمنصف 1: 285.
11 م: إلاشمام.
(1/300)

منه، وقال: ليس بأثقلَ من: سُرتُ سُوُورًا1 وغارتْ عَينُه غُوُورُا؛ لأنَّ في "سُوُور" و"غُوُور" واوين وضمَّتين، وليس في "مَعْوُود"2 مع الواوين إِلَّا ضمَّة واحدة. وهذا الذي ذهب إليه باطل3؛ لأنَّ ما ورد من الإتمام4 في ذوات الواو من القلَّة بحيث لا يُقاس عليه.
وأمَّا احتجاجه بـ"سُوُور" و"غُوُور" فباطل؛ لأنَّ مثل "سُوُور" شاذٌّ، ولو لم يُسمع لما قيل. وأيضًا فإنَّ الضَّرورة دعت إلى ذلك في مثل "سُوُور"؛ لأنهم لو أَعلُّوا فأسكنوا الواو الأُولى، وبعدها واو ساكنة، لوجب حذف إحداهما، فيصير لفظ "فُعُول" و"فُعْل" واحدًا، فيقع اللَّبس. وكذلك أيضًا لو أَعلُّوا الواو في مثل "قَوُول" فقلبوها [43ب] ألفًا لالتقى ساكنان: الألف والواو، فيجب حذف أحد الساكنين، فيصير "فَعُول" و"فَعْل"5 في اللفظ واحدًا.
فيقع اللَّبس؛ لأنَّ المصدر قد يأتي على "فُعْل" كظُلْم، وكذلك الصفة قد تأتي على "فَعْل" كضَخْم. ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال "مفعول"؛ لأنَّ اسم المفعول لا يأتي أبدًا من الفعل الثلاثي إِلَّا على وزن "مفعول". فإذا أعللته عُلم أنه مُغيَّر من ذلك6.
فإن وقعت الواو والياء عينين، في اسم على ثلاثة أحرف، فإنه لا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الأفعال، أو لا يكون.
فإن كان على وزن7 من أوزان الأفعال أُعلَّ الفعل، فقلبت الواو والياء ألفًا نحو: باب ودار وساق. فإنها في الأصل "بَوَبٌ" و"دَوَرٌ" و"سَوَقٌ"8، على وزن "فَعِلٍ"، فاستُثقل حرف العلَّة واجتماعُ المِثلَينِ -أعني الفتحتين- فقُلب حرف العلَّة ألفًا، كما فُعِل بـ"قالَ" و"باعَ". وكذلك: رجلٌ خافٌ ومالٌ، وكبشٌ صافٌ. الأصل فيها "خَوِفٌ" و"مَوِلٌ" و"صَوِِفٌ"، فاستُثقلت الكسرة في حرف العلَّة، فقُلب حرف العلَّة ألفًا، كما فَعلوا في الفعل نحو: خافَ وهابَ.
وكذلك لو أردت بناء اسم على "فَعِل" من البيع أو القول، لقلت: باعٌ وقالٌ، على قياس9: خافٍ وصافٍ. وكذلك لو جاء10 من المعتلِّ العين شيء على وزن "فَعُل"، بضمِّ العين،
__________
1 م: سؤورًا.
2 م: مصوون.
3 المنصف 1: 285 والمقتضب ص3.
4 م: الإشمام.
5 م: وفَعَلَ.
6 م: فيقع اللبس ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال مفعول.
7 سقط "من أوزان ... على وزن" من م.
8 المنصف 1: 332.
9 م: على وزن.
10 المنصف 1: 334-335.
(1/301)

لوجب قلب حرف العلَّة ألفًا، كما وجب ذلك في "فَعَلٍ" و"فَعِلٍ" بفتح العين وكسرها، وإن لم يُحفظ1 شيء من ذلك في كلامهم.
فإن قيل: وما الدليل على أنَّ بابًا ودارًا وساقًا وأمثالها على "فَعَلٍ" بفتح العين، في الأصل، ولعلَّها مضمومة في الأصل أو مكسورة؟ فالجواب أنه لا بدَّ من ادِّعاء أنَّ العين متحرِّكة في الأصل؛ لأنَّ الألف لا تكون أبدًا أصلًا، إلَّا مُنقلبةً عن ياء أو واو، ولا يُمكن أن يُدَّعى قلبُ الألف في باب ودار وساق إِلَّا عن حرف علَّة متحرِّك، إذ لو كان ساكنًا في الأصل لصحَّ كما صحَّ قَوْلٌ وبَيْنٌ. فإذا ثَبَت أنه متحرِّك2 في الأصل فأولى ما يُدَّعى من الحركات الفتحةُ؛ لأنها أخفُّها؛ ولأنَّ "فَعَلًا"3 المفتوحَ العين أكثرُ من "فَعُلٍ" و"فَعِلٍ"، بضمِّ العين وكسرها.
وأمَّا4 خافٌ ومالٌ وصافٌ فالذي يدلُّ على أنَّها "فَعِلٌ"، في الأصل, أنَّها أَسماءُ فاعلِينَ، من "فَعِلَ" نحو: خافَ يَخافُ وصافَ يَصافُ ومالَ يَمالُ. فمجيء المضارع على "يَفعَلُ" دليلٌ على أنَّ الماضي على "فَعِلَ". واسم الفاعل من "فَعِلَ" يأتي على "فَعِلٍ" بكسر العين، نحو: فَرِقَ فهو فَرِقٌ وحَذِرَ فهو حَذِرٌ. ولا يأتي على "فَعَلٍ" ولا "فَعُلٍ" بضمِّ العين أو فتحها.
ولا تصحُّ العين في شيء، مما جاء على وزن الفعل، إِلَّا فيما5 كان مصدرًا لفعل لا يعتلُّ، نحو: العَوَرِ والصَّيَدِ؛ لأنهما مصدران لـ"عَوِرَ" وصَيِدَ"، فصَحَّا كما صحَّ فعلُهما. أو ما جاء شاذًّا6 -نحو: القَوَدِ والحَوَكةِ ورَوِعٍ وحَوِلٍ- فإنَّ العين صحَّت فيها7، وكان القياس إعلالها كما تَقَدَّمَ. وفي ذلك مَنْبَهة على ما ادَّعينا من أنَّ الأصل في باب: "بَوَبٌ"، وفي مال: "مَوَلٌ"، وأمثالهما.
فإن8 قال قائل: لأيِّ شيء لم تَجرِ هذه الأسماء التي هي على وزن الفعل، على أصلها فتصحَّ، ليكون ذلك فرقًا بينها وبين الفعل، كما فعلوا ذلك فيما لحقته الزوائد، فقالوا "هو أطوَلُ منه" فصحَّحوا، فرقًا بينه وبين "أطالَ" على ما تبيَّن في موضعه؟ 9 فالجواب أنَّ ما لحقته زيادة.
__________
1 في حاشية ف بخط أبي حيان: "حُفظ: هَيُؤَ الرجلُ فهو هَيِّئ: حَسُنَتْ هيئته. نقله ابن مالك". قلت: وهذا وهم، فالحاشية ليس لها علاقة بما يذكره ابن عصفور؛ لأنه يتحدث عن الاسم الذي على وزن "فعُل"، وما في الحاشية هذه خاص بالفعل. انظر ص289.
2 سقط من م.
3 ف: فعل.
4 المنصف 1: 333.
5 م: إِلَّا ما.
6 المنصف: 1: 333-334.
7 ف: فيهما.
8 سقط من النسختين حتى قوله "فأمن اللبس"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
9 انظر ص313.
(1/302)

من الأسماء تبلغ به زِنةَ الأفعال لا ينصرف، فلو أعللته لالتبس بالفعل؛ لأنه لا يدخله خفض ولا تنوين كما أنَّ الفعل كذلك، وما كان على ثلاثة أحرف فالتنوين والخفض يفصلانَ بينه وبين الفعل، فأُمِنَ اللَّبس.
فإن لم يكن على وزن فعل من الأفعال فإنه لا يعتلُّ، ولا يُغيَّر عن بنائه الأصليِّ1 بل يجري مجرى الصحيح نحو: سُوَلةٍ2 وعُيَبةٍ3 وحِوَلٍ4 وصِيَرٍ5، وكذلك إذا بنيت6 من القول أو البيع مثل "إِبِل" قلتَ7: قِوِلٌ وبِيِعٌ. إِلَّا أن يكون الاسم على "فُعُل" بضمِّ العين والفاء من الواو، أو "فُعْلٍ" من الياء بضمِّ الفاء وإسكان العين، أو "فِعَلٍ" من الواو بكسر الفاء وفتح العين، جمعًا لاسم قد اعتلَّت عينه فقُلبت الواو فيه ألفًا وياء، أو "فِعْلٍ" من الواو بإسكان العين وكسر الفاء.
فإن كان على "فُعُلٍ" من الواو فإنه يخالف الصحيح، في التزام إسكان عينه8. فتقول في جمع نَوارٍ: "نُوْرٌ"، وعَوانٍ: "عُوْنٌ"، وسِوارٍ: "سُوْرٌ"، بالإسكان ليس إلَّا. وليس كذلك الصحيح، بل يجوز فيه التحريك والإسكان نحو: رُسْل ورُسُل. وذلك أنه لمَّا انضاف إلى ثقل الضَّمَّة ثقلُ الواو لم يجزْ إِلَّا السكونُ؛ لأنَّه كلَّما كثر الثقل كان أدعى للتخفيف.
ولا يجوز تحريك العين من "فُعُلٍ" المعتلِّ العين، إِلَّا في ضرورة، نحو، قوله9:
عَن مُبْرِقاتٍ بالبُرِينَ, وتَبـ ... ـدُو في, الأكُفِّ اللَّامِعاتِ, سُوُرْ10
وقولِ الآخر11:
أَغَرُّ الثَّنايا, أحَمُّ اللِّثا ... تِ, تَمنَحُهُ سُوُكَ الإِسحِلِ
__________
1 المنصف 1: 335-336.
2 السولة: الكثير السؤال، من: سِلتَ تَسالُ.
3 العيبة: الكثير العيب للناس.
4 الحول: التحول والحذق.
5 الصير: جمع صيرة، وهي الحظيرة. م: "صيَد" وفي حاشية ف "سيبويه: وبِيَع ودِيَم". انظر الكتاب 2: 368.
6 م والمنصف: إذا أردت.
7 م: فقلت.
8 المنصف 1: 336 والكتاب 2: 368-369.
9 عدي بن زيد. ديوانه ص127 والكتاب 2: 368 وشرح الشافية 2: 127 و3: 146 وشرح شواهده ص121-125 والمنصف 1: 338 ورسال الغفران ص179 وشرح المفصل 10: 84. والمبرقات: النساء المتزينات المتعرضات. والبرون: جمع برة. وهي الخلخال.
10 م: بالبرير وتبدو وفي.
11 عبد الرحمن بن حسان. ديوانه ص48 والمقتضب 1: 113 وشرح شواهد الشافية ص122 والمنصف 1: 338 وشرح المفصل 10: 84 واللسان والتاج "سوك" والعيني 4: 350-351. والأحمّ: من الحمّة، وهي لون بين الدهمة والكمتة. والإسحل: شجر تتخذ منه المساويك.
(1/303)

وليس الأمر كذلك1 في "فُعُلٍ" الذي عينه ياء. بل يجوز [فيه] 2 التحريك والتسكين، نحو: عِيَان3 وعُيُن. وقالوا: بَيُوضٌ4 وبُيُضٌ. فإذا سَكَّنتَ الياء [44أ] كان حكمه حكم "فُعْلٍ" بسكون العين، ممّا عينه ياء، وسيُبيَّنُ حكمه.
فإن قيل: ولأيِّ شيء لم يَفِرُّوا من الواو المضمومة في [مثل] 5 سُوُك إلى الهمزة، كما قالوا: أدْؤُرٌ وأَنْؤُرٌ، في جمع دار ونار؟ فالجواب6 أنه لا يُبدل من الواو المضمومة همزة، إِلَّا حيث لا يمكن تخفيفها بالإسكان نحو أَدْوُر؛ لأنَّك لو سكَّنت7 الواو لالتقى ساكنان. وليس كذلك سُوُر وعُوُن. وقد يجوز أن تُبدل الواو همزة، وإن أمكن التسكين. فقد حُكي: جَوادٌ وجُؤُدٌ وجُوْدٌ، بالهمزة وبإسكان الواو.
فإن كان على "فُعْلٍ" وعينه ياءٌ فلا يخلو من أن يكون مفردًا أو جمعًا.
فإن كان جمعًا قُلبتِ الضَّمَّة كسرة، لتصحَّ الياء، نحو: أَبيَض وبِيض. أصله "بُيْضٌ" كحُمْر، فقُلبت الضَّمَّة كسرة. وذلك أنَّ الياء8 لمَّا كانت تلي الطَّرف عُوملت معاملة الطرف. فكما أنَّ الياء إذا كانت طرفًا وقبلها ضمَّة تُقلب9 الضَّمَّة كسرة نحو "أَظْبٍ" في جمع ظَبْيٍ، أصله "أَظْبُيٌ" نحو "أَفْلُس"، فكذلك إذا كانت تلي الطرف، لا خلاف بين النَّحويِّين في ذلك.
وإن كان مفردًا فحكمه عند سيبويه والخليل كحكم الجمع. فإذا بنيتَ من البياض اسمًا على "فُعْل" قلتَ: بِيضٌ. فـ"ديكٌ"، على مذهب سيبويه، يحتمل أن يكون "فُعْلًا" و"فِعْلًا". وأبو الحسن يَقلب الياء واوًا، ويقرّ الضَّمَّة، فيقول: بُوضٌ. ولا يكون "دِيك" عنده إِلَّا "فِعْل". وحجَّته أنَّ قلب الضَّمَّة كسرة قد استقرَّ في الجمع, نحو "بِيض" في جمع أَبيَض, ولم يستقرَّ في المفرد, والقياس10 يقتضي التفرقة؛ لأنَّ الجمع أثقل من الواحد, فهو أدعى للتخفيف. فلذلك قُلبت الضَّمَّة كسرة في الجمع لتصحَّ الياء، ولم تُقلب الياء واوًا؛ لأنَّ الياء أخفُّ من الواو. وأمَّا المفرد فلِكونه أخفَّ من الجمع يُحتمل فيه الواو.
__________
1 المنصف 1: 339-340 وشرح الشافية 3: 87.
2 سقط من النسختين.
3 العيان: حديدة في متاع الفدان. م: عَيان.
4 البيوض: الدجاجة الكثيرة البيض.
5 من م.
6 المنصف 1: 337-338.
7 ف: أسكنت.
8 م: الواو.
9 م: نقلت.
10 المنصف 1: 299-300.
(1/304)

والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، بدليل ما ذكرناه1 في مَبِيع وأمثاله, من أنه لمَّا اجتمع ساكنان وحُذفت الواو -على مذهب سيبويه- جاءت الياء ساكنةً، وقبلها ضمَّة تلي الطَّرف، فقُلبت الضَّمَّة كسرة لتصِحَّ الياء. وقد تَقَدَّمَ الديل على صحَّةِ ذلك. فكذلك في "فُعْل" من الياء, ينبغي أن تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء. فأمَّا2 قوله3.
وكُنتُ, إِذا جارِي دَعا لِمَضُوفةٍ, ... أُشَمِّرُ, حَتَّى يَنصِفَ السَّاقَ مِئزَرِي
فقَلبَ الياء من مَصُوفة واوًا، وأَقَرَّ الضَّمَّة مع كون الياء تلي الطَّرف؛ لأنَّ الأصل "مَضْيُفةٌ" لأنَّه من "ضافَ يَضِيفُ"، ثمَّ نُقلت الضَّمَّة إلى الساكن قبلها4، فصار "مَضُيْفة" فجاءت الياء ساكنة بعد ضمَّة5، ثمَّ قُلبت الياء واوًا، فشاذٌّ لا يُعرَّج عليه. بل ينبغي أن يُعوَّل على باب: مَبِيع ومَكِيل؛ لأنَّه مطَّرد.
وكذلك ما حكاه6 الأصمعيُّ، من أنهم يقولون للريح الحارَّة: هَيْفٌ وهُوْفٌ. فلا حجَّةَ فيه لأبي الحسن، في قوله في "فُعْل" من البيع: "بُوْعٌ"، فيَقلبَ الياء واوًا [ويُقرَّ الضَّمَّة] 7، لاحتمال أن يكونا لغتين، فيكون هَيْفٌ من ذوات الياء، وهُوْفٌ من ذوات الواو، نحو:8 التِّيهِ والتُّوهِ. ويحتمل أن يكون الهَيفُ والهُوفُ معًا من ذوات الواو، فيكون أصل هَيْف: "هَيْوِف" مثل مَيّت, ثمَّ أُدغمت الياء في الواو فقُلبت الواو ياء فصار "هَيِّف" وحُذفتْ، فقالوا9: هَيْف، كما قالوا: مَيْت.
وإن كان10 على "فِعَل" من الواو، بكسر الفاء وفتح العين، جَمعًا لِما قُلبت فيه الواو ياءً أو ألفًا، فإنَّ الواو تَنقلب فيه ياءً لانكسار ما قبلها، مع أنهم أرادوا أن تعتلَّ في الجمع كما اعتلَّت في المفرد. وذلك [نحو] 11: قامَة وقِيَم ودِيمَة ودِيَم وقِيمَة وقِيَم. والأصل "قِوَمٌ" و"دِوَمٌ"؛ لأنهما من: قامَ يَقُومُ ودامَ يَدُومُ.
__________
1 في الورقة 43.
2 المنصف 1: 300-301.
3 لأبي جندب الهذلي. خرجناه في شرح اختيارات المفضل ص120.
4 ف: قبله.
5 سقط "فجاءت الياء ساكنة بعد ضمة" من م.
6 المنصف 1: 299.
7 من م.
8 م: ونحو.
9 م: مثل ميت فقلبت الواو وحذفت فقالوا.
10 المنصف 1: 344-345 وشرح الشافية 3: 137-139.
11 سقط من النسختين.
(1/305)

فإن كانت الواو لم تعتلَّ في المفرد لم تعتلَّ في الجمع1، نحو: زَوج وزِوَجة وعُود وعِوَدة، إِلَّا لفظةً واحدةً شَذَّتْ وهي: ثَورٌ وثِيَرةٌ. فذهب2 أبو بكر إلى أنَّ الذي أوجب قلبَ الواو ياءً أنَّ الأصل "ثِيارَةٌ" كحِجارة وذِكارة3، فقلبت الواو ياء لأجل الألف التي بعدها. كما قلبت4 في سياط جمع سوط، على ما يُبيَّن بعدُ5. فلمَّا قَصَره منه6 بقيت الياء، تنبيهًا على أنَّه مقصور من ثِيارة7, كما صَحَّ "عَوِرَ"8 حملًا على "اعْوَرَّ".
وذهب9 المبرّد إلى أنهم أرادوا أن يفرِّقوا بين جمع "ثَور" الذي هو الحيوان، والثَّور الذي يراد به القطعة من الأَقِط10، فقالوا في الحيوان: ثِيَرة، وفي الأقط: ثِوَرة، كما قالوا: نَشيانُ للخَبَرِ11، وأصله نَشْوان، فرقًا بينه وبين نَشوانَ بمعنى سكران.
ومنهم من 12 ذهب إلى أنَّ الأصل "ثِوْرة" بالإسكان، فقُلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، ثمَّ حرّك بالفتح [44ب] ، وأُبقي13 الياء؛ لأنَّ الأصل الإسكان.
ومنهم من علَّل ذلك بأنهم قد قالوا ثِيْرة وثِيرانٌ فقلبوا الواو ياء، فأحبُّوا أن يُجروا جمعه كلَّه على الياء، فقالوا: ثِيَرة، كما قالوا: ثِيْرة14 وثِيران، كما حملوا: أَعِدُ وتَعِدُ ونَعِدُ، على "يَعِدُ".
وكلُّ ذلك توجيهُ شذوذٍ.
وكذلك لو كان "فِعَلٌ" من ذوات الواو مفردًا لم تقلب واوه ياء، نحو: طِوَل15.
فإن كان الاسم على "فِعْلٍ" من الواو، بكسر الفاء وإسكان العين، قُلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، نحو: قِيْلٍ. أصله "قِوْلٌ" لأنَّه من القول.
__________
1 المنصف 1: 345-349.
2 المنصف 1: 347.
3 الذكارة: جمع الذكر. م: دكارة.
4 م: تقلب.
5 في الورقة 46.
6 المنصف: فلما قصرت الكلمة بحذف الألف.
7 م: ثيار.
8 م: "عِور". وانظر ص309.
9 المنصف 1: 346-347 وشرح المفصل 10: 88.
10 الأقط: ضرب من الطعام.
11 النشيان للخبر: الذي يتخبر الخبر أول وروده.
12 كذا. ونسب ابن جني هذا المذهب إلى المبرد أيضًا، انظر المنصف 1: 346-347 و349 حيث ضبطت "ثورة" بفتح الواو خطأ.
13 م: وإبقاء.
14 سقط "كما قالوا ثيرة" من م.
15 الطول: الحبل الطويل جِدًّا.
(1/306)

فإن وقعت الواو أو الياء1 عينًا في فعل، على أزيدَ من ثلاثة أحرف، فإنه لا يخلو أن يكون ما قبل حرف العلَّة ساكنًا أو متحرِّكًا.
فإن كان متحرِّكًا -وذلك في "انفَعَلَ" و"افتَعَلَ" نحو: انقادَ واقتادَ واختارَ- فإنك2 تُعامل ما بعد الساكن معاملةَ فعل، على ثلاثة أحرف. وذلك أنَّ الأصل "انقَوَدَ" و"اقتَوَد" و"اختَيَرَ"، فعاملتَ "قادَ" مِن "انقاد"، و"تادَ" مِن" اقتاد"، و"تارَ" مِن "اختار"، معاملة: قالَ وباعَ، فأعللتَ كما أعللتهما.
ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، إِلَّا أن يكون في معنى ما لا يعتلُّ، نحو3: اجتَوَرُوا واهتَوَشُوا واعتَوَنُوا؛ لأنها في [معنى] 4: تَجاوَرُوا وتَعاوَنُوا وتَهاوَشُوا؛ ألا ترى أنَّ الفعل فيه ليس فعلَ واحدٍ؟ فبابُه أن يكون على وزن "تَفاعَلَ". وكذلك جميع ما يأتي على معنى "تَفاعَلَ" لا يُعلُّ شيء منه كما لم يعلَّ: عَوِرَ وصَيِدَ؛ لأنهما في معنى5: اعوَرَّ واصيَدَّ.
إِلَّا أنك إذا أسندتَهما6 إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب7 لم تُحوِّل الفتحة التي في العين إذا كانت واوًا ضمَّة، أو ياءً كسرةً، كما فعلتَ ذلك في "قُلتُ" و"بِعتُ" بل تقول: انقَدْتُ واختَرْتُ8، فتُسكِّن آخر الفعل للضمير، وما قبلَه ساكن فتحذفُه لالتقاء الساكنين من غير تحويل.
وإنَّما لم تُحوِّل لأنك لو حوَّلتَ في ذوات الواو حركة العين ضمَّةً لنقلتَ "انفَعَلتُ" و"افتَعَلتُ" إلى "انفَعُلَ" و"افتَعُلَ"، وهما بناءان غير موجودين. وكذلك لو حوَّلتَ في ذوات الياء حركة العين كسرةً لنقلتَهما إلى "انفَعِل" و"افتَعِل"9، وهما بناءان غير موجودين. فلمَّا كان النقل يؤدِّي إلى بناء غير موجود لم يجُز. وليس10 كذلك "فَعَلَ"؛ لأنَّه إذا حُوِّل إلى "فَعُلَ" بضمِّ العين، أو "فَعِلَ" بكسرها، كان محوَّلًا إلى بناءٍ موجودٍ.
__________
1 ف. والياء.
2 المنصف 1: 306.
3 المنصف 1: 305-306.
4 من م.
5 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "حَمَلَ بعدُ افعلَّ على عَوِرَ وصَيِدَ. فانظره" قلت: انظر ص312.
6 المنصف 1: 292-294.
7 أغفل نون النسوة الغائبات. وانظر ص288 و293 و296 و297.
8 زاد ههنا في ف: "فتنقل الحركة من حرف العلة إلى ما قبله". وهذا وهم.
9 م: افتعَل.
10 م: وليست.
(1/307)

وإذا بَنيتَه للمفعول1 عاملت ما بعد الساكن معاملة الفعل على ثلاثة أحرف. فمن قال في "قال" و"باع". قِيلَ وبِيعَ، قال: انقِيْدَ اختِيْرَ واقتِيْدَ. ومن أشار إلى الضَّمَّة هنالك فأشَمَّ أَشَمَّ هنا. ومن قال: قُوْلَ وبُوْعَ، قال: انقُوْدَ واختُوْرَ واقتُوْدَ2.
وكذلك إذا أسندته إلى ضمير المفعول المتكلِّم أو المخاطَب3 قلت: "اختُرْتُ"، على لغة من قال: اختُوْرَ. ومن أَشَمَّ فقال: اختِيْرَ، قال "اختِرْتُ" فأشَمَّ. ومن تَرك الإشمام فقال: اختِيْرَ، تركَ الإشمام فقال: "اختِرْتُ"؛ لأنَّه لا يدخله لبس كالذي يدخل في "بِعْتُ". والعمل في إعلال ذلك كلِّه كالعمل في إعلال: قِيلَ وبيعَ، وقد تَقَدَّمَ4.
وكذلك المستقبلُ5 مبنيًّا كان للفاعل أو المفعول واسمُ الفاعل والمفعولِ، يجري ما بعد الساكن في جميع ذلك مجرى الفعل على ثلاثة أحرف، فتقول: يَنقادُ ويُنقادُ ويَقتادُ ويُقتادُ6 ومُقتادٌ ومُنقادٌ. فتُجري7 "قادَ" و"تادَ" في جميع ذلك مُجرى: قالَ وباعَ.
وإن كان ما قبل حرف العلَّة ساكنًا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علَّة، أو حرفًا صحيحًا. فإن كان حرفَ علَّةٍ فإن العين لا تعتلُّ أصلًا. وذلك نحو8 "فاعَلتُ" و"تَفاعَلتُ"9 و"فَعَّلتُ"10 و"فَيعَلتُ"، جميعُ ذلك لا تعتلُّ11 فيه العين, وذلك نحو: سايَرتُ وتَسايَرَ وعاوَنتُ وتَعاوَنَ وقَوَّمتُه ومَيَّزتُه12. وإنَّما لم تَعتلَّ العين؛ لأنَّ ما قبلها ساكن. فلو أسكنتها لالتقى ساكنان فيجب الحذف، فيصير لفظ "فاعَلَ" كـ"فَعَلَ"، نحو: سايَرَ لو قلبتَ الياء ألفًا ثمَّ حَذفتَها لالتقاء الساكنين لقلتَ "سارَ". وكذلك "فَعَّل" و"فَيعَلَ" لو أعللتَ العين، فقلبتها ألفًا ثمَّ حَذفتَها، أو الساكنَ قبلها، لصار اللفظ بهما كاللفظ بـ"فَعَل" أو بـ"فَعْلَ". فكنت
__________
1 المنصف 1: 293-294.
2 م: انقَود واختَور واقتَود.
3 أغفل ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص288و293 و296 و297.
4 في الورقة 42.
5 المنصف 1: 293.
6 م: وتقتاد.
7 م: فيجري.
8 المنصف 1: 302-303.
9 في المنصف: تفاعلنا.
10 زاد في المنصف "تفعَّلنا" ولم يذكر "فيعلت".
11 ف: لا يعل.
12 ف: صيرته.
(1/308)

تقول في: مَيَّزَ1 وقَوَّمَ، لو حذفت الساكن الأوَّل بعد إعلال العين2: "مازَ"3 و"قامَ". ولو حذفت العين لقلت: "مَيْزَ"4 و"قَوْمَ". فلمَّا كان الإعلال يؤدِّي إلى لحذف والإلباس لم تُعِلَّ شيئًا5 من ذلك. إِلَّا أنك تقلب الواو ياء في "فَيْعَلَ" ممّا عينه واو، لاجتماع الياء والواو وسبقِ الياء بالسكون، فتقول في "فَيْعَلَ" من القَول: قَيَّلَ.
وكذلك [45أ] تصحُّ6 في المضارع، وفي الفعل المبنيِّ للمفعول، واسم الفاعل والمفعول، كما صحَّت في الفعل [الماضي المبنيِّ للفاعل] 7، فتقول8 في الماضي المبنِيِّ للمفعول: سُوْيِرَ وعُوْوِنَ9، وتُسُوْيِرَ وتُعُوْوِنَ، وقُوِّمَ ومُيِّزَ. وفي "فُيْعِلَ"10 من القول: قُوْوِلَ، فتقلب ياءَ "فُيْعِل" واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها11، كما فعلت ذلك في بُوطِرَ.
ولا تُدغِم الواو من: سُوْيِرَ وعُوْوِنَ وتُسُوْيِرَ وتُعُوْوِنَ؛ لأنها بَدَلٌ من الألف في "سايَرَ" و"تَسايَرَ" و"عاوَنَ" و"تَعاوَنَ". فكما لا تُدغم الألف في الياءِ [أو الواو] 12 فكذلك ما هو بدل منها، وكذلك [أيضًا] 13 لا تدغم الواو من "قُوْوِلَ" في الواو التي بعدها؛ لأنها لمَّا صارت مَدَّة أَشبهتِ الواو المنقلبة من الألف في "سُوْيِرَ" وأمثالِه، فلم تُدغِم كما لم تُدغِم 14 واو "سُوْيِرَ" فيما بعدها.
وكذلك حكم كلِّ حرف قد كان لغير المدِّ ثمَّ صار في بعض المواضع مدَّة، لا يُدغَم لشَبَهِه بالألف في "فاعَلَ"، من حيث هو للمدِّ ولا يلزم كما لم تلزم الألف. فإن كان حرف المدِّ لازمًا أُدغم نحو: مَغْزُوّ، أُدغِمت واو "مفعول" في الواو التي بعدها، لمَّا كانت لازمة لكونها في لفظ لا يتصرَّف.
[وتقول] ، في المضارع واسم الفاعل والمفعول: يُسايِرُ15 ويُسايَرُ ويُعاوِنُ ويُعاوَنُ,
__________
1 م: مير.
2 ف: بعد الإعلال في العين.
3 م: مار.
4 م: مير.
5 ف: لم يعل شيء.
6 ف: يصح.
7 تتمة يقتضيها السياق.
8 زاد في م: سوير.
9 ف: "عوور" بالراء. وكذلك فيما يلي.
10 كذا. دون قلب الياء واوًا، لبيان لفظ الأصل.
11 م: لسكون ما قبلها.
12 تتمة يقتضيها السياق.
13 من م.
14 م: لم يدغم.
15 م: ويسايِر.
(1/309)

[ويَتسايَرُ] 1 ويُتسايَرُ، ويَتعاوَنُ ويُتعاوَنُ، ويُقَوِّمُ ويُقَوَّمُ، ويُمَيِّزُ ويُمَيَّزُ، ومُسايِرٌ ومُسايَرٌ2، ومُعاوِنٌ ومُعاوَنٌ، ومُتسايِرٌ ومُتسايَرٌ، ومُتعاوِنٌ ومُتعاوَنٌ عليه، ومُقَوِّمٌ ومُقَوَّمٌ3، ومُميِّزٌ ومُميَّزٌ. فلا تعتلُّ العين في شيء من ذلك.
وتقول في المضارع من "فَيعَلَ" واسم الفاعل واسم المفعول: يُقَيِّلُ ويُقَيَّلُ ومُقَيِّلُ ومُقَيَّل. فتُدغم ياء "فَيْعَلَ": في الواو فتقلبها ياءً، ولا تُعِلّ4 العينَ بأكثرَ من قلبها ياءً، كما كان ذلك في الماضي المبنِيِّ للفاعل.
وإن كان الساكن حرفًا صحيحًا فلا يخلو أن يكون الفعل على وزن "افعَلَّ" أو "افعالَّ"، أو على غير ذلك من الأوزان.
فإن كان على غير ذلك من الأوزان -وذلك "أَفْعَلَ" و"استَفْعَلَ"- فإنك تنقل الفتحة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، وتقلب حرف العلَّة ألفًا. وذلك نحو: أقامَ واستَقامَ وأبانَ واستَبانَ. الأصل "أَقْوَمَ" و"استَقْوَمَ" و"أَبْيَنَ" و"استَبْيَنَ". فنقلتَ الفتحة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، فصار "أَقَوْمَ" و"استَقَوْمَ" و"أَبَيْنَ" و"استَبَيْنَ". فانْفَتحَ ما قبل الواو والياء في اللفظ، وهما متحرِّكان في الأصل, والسكونُ عارضٌ، فقَلبتَ حرف العلَّة ألفًا، لانفتاح ما قبله في اللفظ وتحرُّكه في الأصل.
فإن قيل: ولأيِّ شيءٍ أُعِلَّ حرف العلَّة وما قبله ساكن؟ فالجواب أنَّه حُمِلَ عليه قبل لحاقِ الزِّيادة له؛ لأنَّ الزِّيادة في "أَقامَ" و"استَقامَ" لحقَتْ "قامَ". وكذلك ما كان نحوَهما.
وكذلك أيضًا تفعل بالمضارع، فتقول: يُقِيمُ ويُقامُ، ويَستَقِيمُ ويُستَقامُ. والأصل "يُقْوِمُ" و"يُقْوَمُ"، و"يَستَقْوِمُ" و"يُستَقْوَمُ". فنقلتَ حركةَ حرف العلَّة إلى الساكن قبله، حملًا على مضارع الثلاثيِّ غير المزيد نحو: يَقُومُ ويَخافُ.
فإن جاءت الواو ساكنة بعد كسرة قُلبت ياء، نحو: يُقِيمُ ويَستَقِيمُ. وإن جاءت الياء5 ساكنة بعد كسرة ثَبَتَتْ، نحو: يُبِينُ ويَستَبِينُ.
وإنْ جاءت الياء أو الواو بعد فتحة قُلبت6 ألفًا، لانفتاح ما قبلها في اللفظ وتحرُّكها7 في
__________
1 تتمة يقتضيها السياق.
2 م: ومسايَر ومسايِر.
3 زاد في م: عليه.
4 ف: ولا تعتلّ.
5 سقط "ساكنة بعد كسرة ... الياء" من م.
6 م: قبلتا.
7 م: وتحركهما.
(1/310)

الأصل، نحو: يُقامُ ويُستَقامُ، ويُبانُ ويُستَبانُ.
وكذلك اسم الفاعل واسم المفعول، تُعِلُّهما حملًا على الفعل. وذلك نحو: مُستَبِين ومُستَبان، ومُستَقِيم ومُستَقام، ومُقِيم ومُقام، ومُبِين ومُبان, الأصل "مُستَقْوِمٌ" و"مُستَقْوَمٌ"1، و"مُستَبْيِنٌ" و"مُستَبْيَنٌ"، و"مُقْوِمٌ" و"مُقْوَمٌ"، و"مُبْيِنٌ" و"مُبْيَنٌ". فعَمِلتَ بهما ما عملت بالمضارع.
ولا يصحُّ شيء من ذلك، إِلَّا أن يكون فعلَ تعجُّب2، نحو: ما أَقْوَلَهُ وما أَطْوَلَهُ! وأَقْوِلْ به وأطْوِلْ بِهِ! فإنه يصحُّ لشَبَهِه بـ"أَفْعَلَ" التي للمفاضلة، نحو: هو أَقوَلُ منه وأَطوَلُ. ووجه الشَّبه بينهما أنهما لا يُبنيان إِلَّا من شيء واحد، وأنَّ فعلَ التعجُّب فيه تفضيل للمتعجَّب منه على غيره3، كما أنَّ "أَفعَلَ" يقتضي التفضيل، وأنَّ فعل التعجُّب لا مصدر له ولا يتصرَّف، فصار بمنزلة الاسم4 لذلك.
وما عدا فِعلَ التعجُّب لا يصحُّ إِلَّا فيما شذَّ. والذي شذَّ من5 ذلك: استَنْوَقَ الجَمَلُ واستَصْوَبتُ6 رأيَهُ -حكاهما ابنُ مِقسَم عن ثعلب7- واستَتيَسَتِ الشَّاةُ واستَرْوَحَ8 واستَحْوَذَ. ولا يُحفَظُ في شيء من ذلك [45ب] المجيءُ على الأصل.
وشذَّ من "أَفْعَلَ": أَطْيَبَ وأَجْودَ وأَغْيَلَتِ المَرأة وأَطْوَلْتَ. قال9:
صَدَدْتَ, فأطْوَلتَ الصُّدُودَ, وقَلَّما ... وِصالٌ, علَى طُولِ الصُّدُودِ, يَدُومُ
وقد سُمِعَ: أَطالَ وأَجادَ وأَطابَ. وأمَّا "أَغْيَلَ" فلا يحفظُ فيه كافَّةُ النَّحويِّين إِلَّا التَّصحيحَ، إِلَّا أبا زيد الأنصاري فإنه حكى: أغْيَلَتِ المرأةُ وأَغالَتْ بالتَّصحيح والإعلال.
وجميع هذه الشواذِّ مَنْبَهةٌ على ما ادَّعيناه، من أنَّ أصل10 أَقامَ: "أَقْوَمَ"، واستقامَ: "استَقْوَمَ".
__________
1 ف: يستقوم ويُستقوم.
2 المنصف 1: 315-321.
3 سقط "على غيره" من م.
5 المنصف 1: 276- 279.
6 م: استضويت.
7 مجالس ثعلب ص470 والمنصف 1: 277.
8 سقط من م.
9 ينسب إلى عمر بن أبي ربيعة والمرار الفقعسي. الكتاب 1: 12 و459 وشرح أبياته 1: 104 والأغاني 10: 315 والمقتضب 1: 84 والإنصاف ص84 والمغني ص339 وشرح شواهده ص717 وشرح أبياته 5: 246 وديوان المرار ص480 والمنصف 1: 191 و2: 69 والمحتسب 1: 96 والخصائص 1: 143 و257 وديوان عمر ص 494 والخزانة 4: 287-290 وشرح المفصل 10: 76. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن إيجاز التعريف لابن مالك بعض ما شذ في تصحيحه تنبيهًا على خفته، وأنَّ أبا زيد جعله قياسيًّا لا سماعيًّا.
10 المنصف 1: 190-191.
(1/311)


وإن كانَ على وزن "افعَلَّ" أو "افعالَّ"، نحو: ابيَضَّ وابياضَّ، واعوَرَّ واعوارَّ، فإنَّ العين تصحُّ ولا تَعتلُّ1. وإنَّما لم تعتلَّ؛ لأنَّك لو أعللتَ "ابيَضَّ" و2 "اعوَرَّ" لقلتَ "باضَّ" و"عارَّ"، فيلتبس بـ"فاعَلَ". وذلك أنك كنت تنقل الفتحة من الياء والواو إلى الساكن قبلهما، وتحذف ألف الوصل لزوال الساكن، وتقلب الواو والياء ألفًا، لتحرُّكهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما في اللفظ.
وكذلك لو أَعللَت "ابياضَّ" واعوارَّ" لَلِزمك أن تقول "باضَّ" و"عارَّ" فيلتبس بـ"فاعَلَ". وذلك أنك إذا فعلت بهما3 ما فعلتَ بـ"افعَلَّ" التقى ساكنان: ألف "افعالَّ" والألفُ المبدلة، فتحذف إحداهما، فيصير اللفظ "باضَّ" و"عارَّ".
وممّا يوجب أيضًا تصحيحَ "افعلَّ" و"افعالَّ" أنَّ المزيد إنَّما اعتلَّ بالحمل على غير المزيد، [وغيرُ المزيد] 4 ممّا هو في معنى "افعَلَّ" و"افعالَّ" لا يعتلُّ5 نحو: عَوِرَ وصَيِدَ. فليس لـ"افعَلَّ" و"افعالَّ" ما يُحملان عليه في الإعلال.
فإن كان الاسم على أزيدَ من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون موافقًا للفعل في وزنه، أو لا يكون. فإن كان موافقًا للفعل في وزنه6 -وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه موافقًا لعدد حروف الفعل، وحركاتُه كحركاته وسكناتُه كسكناته– فلا يخلو من أن يكون موافقًا للفعل في جنس الزيادة فلا7 يخلو من أن يكون إعلاله إعلالَ الفعل مصيِّرًا له على لفظ الفعل، أو لا يكون.
فإن لم يكن مصيِّرًا له على لفظه أعللته لأمن اللَّبس. وذلك نحو أن تبني من القول اسمًا على "يُفْعُلٍ" بضمِّ الياء والعين، فإنك تقول "يُقْوُلٌ". وكذلك إن بنيته من البيع قلتَ "يُبِيْعٌ". والأصل "يُبْيُعٌ"، فنقلت الضَّمَّة من الياء إلى الباء، فصارت الياء ساكنة بعد ضمَّةٍ، فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، كما فعلوا في بِيْض ومَبِيع، في مذهب8 [سيبويه في إعلالهما. هذا مذهب جماعة
__________
1 المنصف 1: 304-305.
2 م: أو.
3 م: به.
4 من م.
5 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "قد نبهنا على هذا قبل، فانظره". يريد أن ابن عصفور حمل ههنا المزيد على غير المزيد في الاعتلال، مع أنه كان قد حمل من قبلُ غير المزيد على المزيد في ذلك. انظر ص305 و307 و362.
6 سقط "أو لا يكون ... في وزنه" من م.
7 سقط من النسختين إلى قوله "لم يعلَّ لئلَّا يلتبس"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
8 انظر الكتاب 2: 365-366.
(1/312)

النحويِّينَ ... لكونه] 1 ليس مبنيًّا على فعل. والصحيح ما ذهب إليه من أنك تُعلُّ، لموافقته "يُفعلُ" في الوزن، وإن لم يكن مبنيًّا على الفعل. وسيقام الدليل على صحَّة ذلك، فيما زيادته مخالفة لزيادة الفعل.
وإن كان الإعلال مصيِّرًا له على لفظ الفعل لم يُعلَّ، لئلَّا يلتبس الاسم بالفعل. وذلك نحو قولك:2 هذا أطوَلُ منك؛ ألا ترى أنك لو أعللتَ فقلت "أطالَ" لالتبس بلفظ الفعل؟ وكذلك3 لو بَنَيتَ مثل "يَفْعَلٍ"4 و"تَفعَلٍ"، من القول والبيع، لقلت "يَقْوَلٌ"5 و"يَبْيَعٌ"6، و"تَقْوَلٌ" و"تَبْيَعٌ". وكذلك أيضًا لو ألحقتَ التاء لم تَعتدَّ بها، وصَحَّحتَ الاسم، فكنت تقول "يَقْوَلةٌ"7 و"يَبْيَعةٌ"8، و"تَقْوَلَةٌ" و"تَبْيَعةٌ".
أو9 أَلِفَيِ التأنيث أو الألف والنون الزائدتين المشبهتين لهما أو ياءي النسب أو علامة التثنية [والجمع السالم] ، لم تعتدَّ بهما وصححت الاسم. قالوا: تَدوِرةٌ، في اسم مكان. وقالوا أخيَليٌّ، في النسب إلى أخيل، وأبيضِيٌّ، ويومٌ أروَنانٌ وهَيّنٌ وأهوِناءُ. وقالوا في اسم موضع: [أبْيَنُ، وفي جمع بَيِّن] : أبْيِناءُ. وقال بعضهم أبِيْناءُ، فأعلّ وهو شاذٌّ، ووجهه أنه أعلّه لكونه على وزن الفعل، واعتدَّ بأَلِفَي التأنيث في رفع العلَّة الموجبة للتصحيح قبل لحاقها. وهو خوف اللبس بالفعل؛ ألا ترى أنه لا يمكن التباسه بالفعل بعد لحاقهما؟
وكذلك حكم ما لفظه لفظ الفعل10، وزيادتُه كزيادة الفعل. قال الشاعر11:
جاءُوا بِتَدْوِرةٍ، يُضيءُ وُجُوهَنا ... دَسَمُ السَّلِيطِ، علَى فَتِيلِ ذُبالِ
فأمَّا12 "يَزِيدُ" اسمَ رجلٍ فإنَّما اعتلَّ من قِبَل أنه كان فِعلًا لَزِمَه الإعلال، ثمَّ نُقِلَ من الفعل فسُمِّي به. فهو في المعتلِّ نظيرُ "يَشكُرَ" في الصحيح. وكذلك "تَزِيدُ" بالتاء.
__________
1 ما بين معقوفين مخروم تتعذر قراءته.
2 م: قوله.
3 الكتاب 2: 365. وانظر المنصف 1: 322.
4 الكتاب: تُفعل.
5 الكتاب: تُقول.
6 الكتاب: تُبيع.
7 الكتاب: تَقوِلة.
8 الكتاب: تَبيِعة.
9 العطف على "التاء". وسقطت الفقرة من النسختين وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
10 المنصف 1: 324-325. وفي النسختين: "ما هو على وزن الفعل". والتصويب من حاشية ف.
11 ابن مقبل. ديوانه ص257 والكتاب 2: 365 والمنصف 1: 324 واللسان "دور" و"ذبل". والتدورة: مكان مستدير تحيط به جبال. والسليط: الزيت.
12 من المنصف 1: 279 حتى قوله "في الصحيح".
(1/313)

قال أبو ذؤيب1:
يَعثُرْنَ في حَدِّ الظُّباتِ, كأنَّما ... كُسِيَتْ بُرُودَ بَنِي تَزِيدَ الأذرُعُ
وإن كان مخالفًا له في جنس الزيادة فإنه يُعَلُّ إعلال الفعل الذي يكون على وَفقه، في الحركات وعدد الحروف؛ لأنه قد أُمن التباسه بالفعل. فتقول في "مَفْعَلٍ" من القول والقيام: مَقالٌ ومَقامٌ. والأصل "مَقْوَلٌ" و"مَقْوَمٌ"، فأعللتَهما كما أَعللت "يَخافُ". وكذلك "مَفْعِلَةٌ"2 من البَيع تقول فيها: مَبِيْعةٌ3. فتنقل الكسرة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، كما فعلتَ ذلك في نظيره من الفعل وهو "يَبِيعُ".
وكذلك تقول في "مَفْعُلَةٍ" من البيع، على مذهب سيبويه4؛ لأنك إذا نقلت الضَّمَّة من الياء5 إلى الساكن قبلها جاءت الياء ساكنة بعد ضمَّةٍ قريبةٍ من الطرف. فعلى مذهب سيبويه تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، وعلى مذهب الأخفش تُقلب الياء واوًا؛ لأنه مفرد. ولا تُقلب الضَّمَّة عنده كسرة لتصحَّ الياء، إِلَّا في الجمع. فتقول على مذهبه: مَبُوعةٌ. وتقول في "مَفْعُلَةٍ" من القول: مَقُولةٌ، فتُعِلُّها كما تُعِلُّ "يَقُولُ".
وكذلك تفعل بما خالفت زيادتُه زيادةَ الفعل، أو كان6 فيه ما يقوم مقام الانفراد بالزيادة، نحو بنائك من القول والبيع مثل تِحْلِئ7، إِلَّا "مِفْعَلًا"8 فإنك لا تُعلُّه. وذلك نحو: مِقْوَل ومِتْيَح9. وذلك لأنه مقصورٌ من "مِفْعالٍ". فلم يَعَلَّ كما لا يُعَلُّ "مِفْعالٌ" نحو: مِقْوال, كما لم يُعَلَّ "عَوِرَ" لأنَّه في معنى "اعوَرَّ".وممّا يُبيِّن أنَّ "مِفْعَلًا" يمكن أن يكون مقصورًا من "مِفْعال" كونُهما في معنًى واحد من المبالغة -تقول: رَجلٌ مِطْعَنٌ ومِطعانٌ، إذا وصفته بكثرة الطعن- وكونُهما قد يتعاقبان على معنًى واحد نحو: مِفتَح ومِفتاح.
وقد شذَّتْ [46أ] ألفاظ فجاءت مصحَّحة، وبابُها أن تعتلَّ10 وهي: مَزْيَدٌ ومَرْيَمُ ومَكْوَزةُ ومَقْوَدةٌ. وحكى أبو زيد: وقَعَ الصَّيدُ في مَصْيَدَتِنا، وشَرابٌ مَبْوَلةٌ، وهي مَطْيَبةٌ للنفس. وقرأ بعض
__________
1 من مفضليته المشهورة. المنصف1: 279 وديوان الهذليين 1: 10 وتزيد هو ابن حلوان بن عمران وكان تاجرًا يبيع البرود بمكة. يصف أبو ذؤيب أتنًا صبغتها طرائق الدماء.
2 المنصف 1: 324.
3 م: مبْيعة.
4 الكتاب 2: 346.
5 م: الواو.
6 سقط حتى قوله "تحلئ" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
7 التحلئ: القشرة على وجه الجلد.
8 المنصف 1: 323.
9 المتيح: من يتعرض لما لا يعنيه.
10 المنصف 1: 296-297. م: تعلّ.
(1/314)

القُرَّاءِ1: "لَمَثْوَبةٌ مِن عِندِ اللهِ خَيرٌ".
وذهب أبو العبَّاس2 إلى أنَّ نحو: مَقام ومَباع، إنَّما اعتلَّ لأنه مصدرٌ للفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل. وجعل "مَزْيَد" و"مَرْيَم" و"مَكْوَزة" على القياس؛ لأنها ليس لها أفعالٌ فتُحملَ في الإعلال عليها، إنَّما هي أسماءٌ أعلامٌ.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّه إن زعم أنه3 لا يُعَلُّ إِلَّا أسماء المصادر، وأسماء الأزمنة والأمكنة، فقد أعلَّت العرب "مَعِيْشة" وهو اسم ما يعاش به، وليس باسم مصدر، ولا زمان ولا مكان. وكذلك "المَثُوبة" وهو اسم ما يُثاب به من خير أو شرٍّ، وإن زعم أنَّ الذي يُعَلُّ ما هو جارٍ على الفعل -أعني مشتقًّا منه4 بقياس مطَّرد- فباطلٌ؛ لأنهم قد أعلُّوا مثل "مَعِيْشة"5، وليس "مَفِعْلةٌ" ممّا عينه ياء ممّا يُقال باطِّراد. وإن زَعَم أنَّ الذي يُعَلُّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل فهذه الأسماء، وإن كانت أعلامًا، فإنها منقولة في الأصل ممّا أُخِذ من الفعل. فمَزْيَدٌ في الأصل مصدَرٌ قد شُذَّ في تصحيحه، وحينئذ سُمِّي به. وكذلك مَرْيَمُ ومَكْوَزةُ.
هذا هو المذهب الصحيح في الأعلام، أعني أنها كلَّّها منقولة، سواء عُلِم لها أصلٌ نُقِلت منه أو لم يُعلم؛ لأنَّ الأسماء الأعلام كلَّها يُحفظ لها في النكرات أصولٌ نُقِلت منها، وما لا يُحفظ له أصلٌ منها يُحمل على الأكثر فيُقضى بأنَّ له أصلًا، وإن لم يحفظ. قال أبو عليٍّ: وممّا يُبيِّن أنَّ الإعلال قد يكون في الاسم، بمجرَّد كونه على وزن الفعل، إعلالُهم نحو باب ودار، ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثرَ من الوزن. فإذا تَبيَّن أنَّ الوزن موجِب للإعلال وجب أن يُحملَ مَزْيَدٌ وأخواته على الشذوذ، لكونها لم تَعتلَّ، وهي على وزن الفعل.
فإن6 قال قائل: لعلَّ إعلال دار وأمثاله ليس بالحمل على الفعل، بل الموجب له في الموضعين استثقال حرف العلة مع المثلين -أعني الفتحتين- وليس كذلك في مقام وأمثاله؛ لأنَّ حرف العلَّة إذا سكن ما قبله في الاسم حكمه أن يصحَّح نحو: عِثْيَر وحِذْيَم. فقد كان الواجب على هذا تصحيح مَقام وأمثاله، لولا حمله على أقامَ. فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على إعلال دار وأمثاله بالحمل على الفعل شيئان: أحدهما أنَّ الثلاثيَّ المجرَّد من الزيادة إذا لم يكن على وزن الفعل لا يُعلُّ باتفاق. وأبو العبَّاس ممن يوافق على ذلك، نحو: حِوَل وبِيَع
__________
1 الآية 103 من سورة البقرة. وهذه قراءة قتادة. انظر التبيان1: 386.
2 انظر المقتضب 1: 107-112.
3 سقط من النسختين حتى قوله "أو شرّ وإن زعم". وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
4 أي: من مصدره.
5 م: مَعْيِشة.
6 سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
(1/315)

وصُوَر. وكذلك لو بنيتَ من القول مثل إبِل لقلتَ: قِوِلٌ، فصحَّحتَ. فلمَّا وجدناهم يعلُّونه إذا كان على وزن الفعل، ويمتنعون من إعلاله إذا لم يكن على وزنه، دلَّ ذلك على أنَّ إعلاله بالحمل عليه. والآخر تصحيحهم مثل: صَوَرَى وحَيَدَى وأشباههما، بزوال الشبه الذي بين الاسم والفعل، لمَّا لحقت ألف التأنيث الخاصَّة بالأسماء.
وإن كان الاسم على غير وزن الفعل فلا يخلو من أن يكون جاريًا على الفعل، أو لا يكون، ونعني بالجاري: ما يكون للفعل من الأسماء باطِّراد. فإن كان جاريًا أُعلَّ بالحمل على الفعل. وذلك نحو "إِفعال"1 مصدر "أُفْعَلَ"، و"استِفعال"2 مصدر "استَفْعَلَ". فإنك تنقل الفتحة من العين إلى الفاء الساكنة قبلُ، ثمَّ تَقلب3 حرف العلَّة، لتحرُّكه في الأصل وانفتاح ما قبله في اللفظ، فيلتقي ألفان: الأف المبدلة من حرف العلَّة والألف الزائدة قبل الآخر، فتحذف الواحدة لالتقاء الساكنين. فمذهب الخليل وسيبويه أنَّ المحذوفة الزائدة، ومذهب الأخفش أنَّ المحذوفة الأصليَّة4. وقد تَقَدَّمَ:5 أيُّ المذهبين أحسنُ في مسألة "مَفْعول" ممّا عينه حرف علَّة، إذ الأمر فيهما واحد.
فإذا حُذفتْ عُوِّض منها تاء التأنيث، إذ كانت التاء ممَّا يُعوَّض من المحذوف نحو: زنادقة، وكانت أيضًا ممَّا لا يمتنع منها6 المصادر إذا أردت المرَّة الواحدة، نحو "ضَرْبة" لفظه لفظ الضرب وزيادته كزيادة الفعل. وذلك [نحو] 7: إقامة مصدر "أَقامَ"، واستِقامة مصدر "استَقامَ".
وكذلك "انفِعالٌ" مصدر "انفَعَلَ"8 المعتلِّ العين، إن كان من ذوات الواو قُلِبت الواو ياء، وذلك نحو: انقِياد مصدر "انقادَ". أصله "انقِواد"، فجعلت "قِواد" من "انقِواد" بمنزلة قِيام، فقَلبت الواو ياء كما فعلتَ ذلك في قِيام. وسيُبيَّنُ لِمَ قُلبتِ الواو ياء في "قيام" وأمثاله9.
__________
1 المنصف 1: 291-292.
2 م: استفعل.
3 وقيل: إنه يحذف أحد الساكنين دون قلب حرف العلة.
4 المنصف 1: 291-292.
5 في الورقتين 42 و43.
6 كذا، على تأنيث الضمير العائد إلى "ما". وسقط "إذا كانت.. كزيادة الفعل" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
7 من م.
8 م: الفعل.
9 في الورقة 46 ب.
(1/316)

فإن كانت هذه المصادر لفعل لم تَعتلَّ عينه صحَّت كما يصحُّ فعلها. وذلك نحو: استِحْواذ وإغيال مصدر: استحْوَذَ وأَغيَلَتْ.
وإن كان غيرَ جار فلا يخلو من أن يسكن ما قبل حرف العلَّة، أو ما بعده، أو ما قبله وما بعده، أو يتحرَّكَ ما قبله وما بعده.
فإن تحرَّك ما قبله وما بعده فلا يخلو من أن تكون العين ياءً ساكنة وقبلها ضمَّة أو واوًا ساكنة وقبلها كسرة، أو لا تكون. فإن لم تكن كذلك صحَّت، وذلك نحو: صَوَرَى1 وحَيَدان2 ومَيَلان3. وذلك أنَّ ألف التأنيث لمَّا لَحِقَت "صَوَرَ"، والألف والنون لمَّا لَحِقَتا "حَيَدَ و"مَيَلَ" -وهي من خواصِّ الأسماء- أزالَتِ الشَّبَهَ الذي بين هذه الأسماء في الوزن وبين الفعل، فلم تعتلَّ4.
إِلَّا ألفاظ شذَّت تُحفَظ، ولا يقاس عليها. وهي: دارانُ5 وهامانُ6 وحادانُ7. وذلك أنهم شَبَّهوا في هذه الأسماء الألفَ والنون بتاء التأنيث8. فكما أنَّ تاء التأنيث لا تَمنع الإعلال في مثل: دارة ولابة وقارة، فكذلك الأف والنون. ووجهُ الشَّبه بينهما أنك تحذفهما في الترخيم كما تحذف التاء. وكذلك أيضًا تُحقِّر الاسم ولا تَعتدُّ بالألف والنون، كما تفعل بالاسم الذي فيه تاء التأنيث [46ب] .
فإن قيل: وما الدليل على أنَّ دارانَ وهامانَ وحادانَ: "فَعَلان"؟ وهلَّا جعلتها9 "فاعلًا" نحو: ساباط. فالجواب أنَّ حمله على "فَعَلان" أولى، لكثرته وقلَّة "فاعال". وأيضًا فإِن مَنْعَ صرفها يدلُّ على أنها "فَعَلان".
فإن10 كانت الواو ساكنة بعد كسرة فإنها تقلب ياء نحو: ثِيران جمع ثَور. أصله "ثِوْران" فقلبت الواو ياء. وإن كانت الياء ساكنة بعد ضمَّة فإنها تقلب واوًا، وإن كانت بعيدة من الطرف.
__________
1 م: "فإن تحرك ما قبله وما بعده صح وذلك نحو صورى". وصورى: اسم موضع.
2 الحيدان: مصدر حاد عن الشيء إذا عدل عنه. م: جيدان.
3 الميلان: مصدر مال يميل.
4 شرح الشافية 3: 105-106.
5 داران: اسم علم من دار يدور.
6 هامان: اسم علم من هام يهيم. وفي النسختين والمبدع: ماهان.
7 حادان: اسم علم من حاد يحيد. م: "جاذان". وفي شرح الشافية: حالان من حال يحول.
8 هذا هو مذهب المبرد. شرح الشافية 3: 106.
9 م: جعلتهما.
10 سقط من م حتى قوله: "فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصح الياء".
(1/317)

نحو: عُوْطَط1. أصله "عُيْطَط"؛ لأنهم يقولون: عاطَ يَعِيطُ وعَيَّطتُه، فقلبت الياء واوًا. إِلَّا "فُعْلَى" ممَّا عينه ياء فإنه لا يخلو أن يكون اسمًا أو صفة. فإن كان اسمًا قلبت الياء واوًا نحو: طُوبَى وكُوهَى2، على القياس؛ لأنها بعيدة من الطرف.
وإن كانت صفة قلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء قالوا: قِسمةٌ ضِيزَى3. وأصله "ضُيْزَى"، على وزن "فُعْلَى" بضمِّ الفاء، والدليل على ذلك أنه لا يحفظ في الصفات "فِعْلَى" بكسر الفاء، بل بضمِّها نحو: حُبلَى. وإنَّما قُلبت الضَّمَّة كسرة؛ لأنهم لم يعتدُّوا بألف التأنيث، فجرت لذلك مُجرى القريبة من الطرف، واعتدُّوا بها في الاسم كما اعتدُّوا بها في: صَوَرَى وحَيَدَى، فلم ينقلب حرف العلَّة ألفًا، وكأنَّ الذي سنَّ ذلك فيهما كون الصفة أثقلَ من الاسم، إذ الصفة من العلل الموانع للصرف، فهي أدعى للتخفيف، والياء أخفُّ من الواو، فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء.
فإن سَكنَ ما قبله أو ما بعده، أو ما قبله وما بعده، صَحَّ4 إِلَّا ما يُستثنى بعدُ. وذلك نحو: خِوان5 وصِوان6 وقَوام وحُوَّل7 ومِقْوال ومِشْوار8 والتَّجْوال وأَقوال وأَدواء. وكذلك أَهْوِناءُ9, إنَّما صحَّ لسكون ما قبله، لا لأنَّ زيادته كزيادة الفعل؛ لأنَّ ألف التأنيث أزالت عنه الالتباس الذي كان يكون فيه بالفعل، لو أُعلَّ قبل لحاقها.
وإنَّما صحَّت العين في مثل هذه الأسماء؛ لأنها لو قُلبتْ ألفًا لالتقى ساكنان، فتحذف الألف، فكان ذلك تغييرًا كثيرًا10، وكان مؤدِّيًا في بعض المواضع11 إلى الإلباس؛ ألا ترى أنَّك لو أَعللتَ قَوُولًا فقلبت واوه ألفًا ثمَّ حذفتها لصار اللفظ قَوْلًا على وزن "فَعْل"، ولم يُعلَم: هل هو "فَعُول" في الأصل؟ وأيضًا فإنه ليس لها ما يُوجب إعلالها، إذ ليست على وزن الفعل ولا جاريةً عليه.
__________
1 العوطط: الناقة التي لم تحمل سنين من غير عقم. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "في تحقير عوطط: عُيَيْطِط. لا تقرّ الواو، والواو مبدلة من ياء. من المحتسب".
2: الكوهى: طائر.
3 الضيزى: الجائرة. وانظر الآية 22 من سورة النجم.
4 المنصف 1: 314-315.
5 م: "حوار". والحوار: ولد الناقة.
6 م: "صوار" والصوار: القطيع من البقر.
7 الحول: ذو الحيلة والتجربة.
8 المشوار: المحجن يجذب به العسل.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان: أهوناء: جمع هيّن". وفيها بخطه أيضًا نقلًا عن خط ابن عصفور: فأمَّا أهوناء فإنما صحَّ لأنَّ زيادته كزيادة الفعل، لا لسكون ما قبله؛ لأنَّ أَلِفَي التأنيث لا يعتدّ بهما ولذلك صحت العين.
10 م: ذاك كثيرًا.
11 م: في بعض هذه الأسماء.
(1/318)

وقد أُعلَّ من هذا الفصل أشياءُ1 لأسباب أَوجبتْ ذلك فيها، وأنا أذكرها لك, إن شاء الله.
فمن ذلك "فِعالٌ"2 إذا كان مصدرًا لفعل معتلِّ العين بالواو، أو جمعًا لمفرد عينُه واوٌ، وقد سَكَنَتْ الواو في مفرده، أو اعتلَّت بقلبها ألفًا، فإنك تقلب الواو ياءً. وذلك نحو: قامَ قِيامًا وسَوط وسِياط ودار ودِيار. والأصل "قِوامٌ" و"سِواطٌ" و"دِوارٌ":
فقُلبت الواو في "قِوام" ياءً، لانكسار ما قبلها، مع الحمل على الفعل في الاعتلال، مع أنَّ الواو بعدها ألفٌ وهي قريبة الشَّبه من الياء. فلمَّا اجتمعت هذه الأسباب خُفِّف اللفظ بقلب الواو ياء. ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تُقلب الواو ألفًا؛ ألا ترى أنَّ لِواذًا3 صحَّت واوه لصحَّتها في "لاوَذَ"، وحِوَل4 صَحَّت واوه لكونها ليس بعدها ألف، والقَوام صحَّت واوه؛ لأنها ليس قبلها كسرة؟
وقُلبت الواو في سِياط ودِيار لانكسار ما قبلها، وكونِ الألف بعدها وهي تشبه الياء, وكون الواو قد توهَّنتْ في مفرد سِياط بالسكون، وفي مفرد دِيار بقلبها ألفًا، وكون الكلمة جمعًا والجمعُ ثقيل. ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تُقلب الواو ياء؛ ألا ترى أنَّ زِوَجة 5: صحَّت واوه؛ لأنها ليس بعدها ألف، وطِوال صَحَّت واوه؛ لأنها متحرِّكة في المفرد، وجَوارِب6 جَمع جَوربٍ صَحَّت واوه؛ لأنها ليس قبلها كسرة؟
وزاد أبو الفتح في الشروط ألَّا تكون العين في المفرد مُضعَّفة. فإن كانت مضاعفة لم تنقلب الواو في الجمع ياء نحو: رِواء في جمع رَيَّانَ. وإنَّما 7 صَحَّت لاعتلال اللام بانقلابها همزة، فكرهو إعلالها، لِما يلزم عن ذلك من توالي إعلالين. ويجوز عندي أن يكون رِواءٌ جمعَ رَوِيٍّ لا جمع رَيَّانَ، فتكون صِحَّة الواو في الجمع لمِا ذكرناه8، ولتحرُّكها في المفرد.
وقد قُلبت الواو في جمع طَويل، فقالوا: طِيالٌ. وذلك في الشعر ولا يُقاس عليه. قال الشاعر9:
__________
1 في حاشية ف: جملتها أربعة: فِعال كقيام، وفُعّل كصُيّم، وفيعِل كسيِّد، وفيعلولة ككيّنونة.
2 المنصف 1: 341-343.
3 اللواذ: مصدر لاوَذته.
4 الحول: التحول.
5 الزوجة: جمع زوج.
6 م: جوارية.
7 سقط من النسختين حتى قوله "توالى إعلالين"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
8 سقط من النسختين "لما ذكرناه"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
9 أنيف بن زبان النبهاني. المنصف 1: 342 والكامل 82 و865 وعيون الأخبار 4: 54 والمحتسب 1: 184 وشرح شواهد الشافية ص385-387 والعيني 4: 588 والمفصل 2: 275 وشرحه 88:10 واللسان والتاج "طول" ومجالس ثعلب ص412 والحماسة البصرية 1: 35. وانظر شرح الحماسة للمرزوقي ص169 وللتبريزي 1: 166. والقماءة: صغر الجسم.
(1/319)

تَبَيَّنَ لِي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أَشدَّاءَ الرِّجالِ طِيالُها
ومن ذلك "فُعَّلٌ"1 إذا كان جمعًا، ولم يكن معتلَّ اللام، فإنه يجوز قلب الواو الأخيرة ياء، ثمَّ تُقلب [47أ] الواو الأولى ياء، وتدغم الياء في الياء حملًا للعين على اللام. وذلك نحو: صائم وصُيَّم وصُوَّم، وجائع وجُيَّع وجُوَّع. قال الشاعر2:
ومُغَرَّضٍ, تَغلي المَراجلُ تَحتَهُ, ... عَجَّلتُ طَبختَهُ, لرَهطٍ جُيَّعِ
يريد "جُوَّعًا". والوجه ألَّا تُقلب.
وذلك أنك كنت تقول في جمع عات: عُتِيّ، فتقلب في الجمع لا غير، للعلَّة التي تذكر في موضعها3. فلمَّا كانت قريبة من الطرف شُبِّهت باللام. ولك أيضًا أن تقلب الضَّمَّة كسرة، إذا قلبت الواو ياء، فتقول: صِيَّمٌ، كما فعلتَ ذلك في عُصِيٍّ4. ولا يلزم ذلك5، كما لَزمَ في عُصِيٍّ لبعد العين6 من الطَّرف.
فإن كان مفردًا7 لم يجز القلب. وذلك نحو قولك: رجلٌ حُوَّلٌ. وإنَّما لم يجز القلب؛ لأنَّ الوجه فيما اعتلَّت لامه فكانت واوًا أن تثبت في المفرد، نحو قولك: عَتا يَعتُو عُتُوًّا. قال تعالى: {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} 8. وإذا كان الوجه في اللام، أن تثبت لم يجز في العين إِلَّا الثبات؛ لأنَّ العين أقوى من اللام. وكذلك أيضًا لا يجوز قلب الواو الواقعة عنها في الجمع، إذا كانت اللام معتلَّة، كراهيةَ توالي الإعلال من جهة واحدة. وذلك نحو: شاوٍ وشُوًّى.
فأمَّا "فُعَّالٌ"9، نحو: صُوَّام، فلا تُقلبُ الواو فيه ياء لبعدها من الطَّرف. وقد جاء حرفان شاذَّان وهما10 قولُهم: فلان في صُيَّابةِ قومِه, يريدون "صُوَّابة"، أي: صَميمهم وخالصهم. وهو من: صابَ يَصُوبُ، إِذا نَزَل. كأنَّ عِرقَهُ فيهم قد شاع وتمكَّن، وقولُهم11: نُيَّام، بمعنى نُوَّام
__________
1 المنصف 2: 1-4.
2 الحادرة من مفضلية له. ديوانه ص 317 وشرح اختيارات المفضل ص228 والمنصف 2: 3. والمغرض: اللحم الطريّ، والرهط: الجماعة.
3 في الورقة 52.
4 فوقها في ف: "عتيّ". وهو ما مثَّل به ابن جني في المنصف.
5 أي: قلب الواوين والإدغام.
6 في النسختين: الفاء.
7 سقط من النسختين حتى قوله: "إذا كانت اللام معتلَّة"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف واستبدل به فيهما: فإن كان معتل اللام لم يجز قلب الواو ياء.
8 الآية 21 من سورة الفرقان. ف: كثيرًا.
9 المنصف 2: 4-5.
10 م: "وقد جاء حرف واحد شاذ وهو". وكذلك في المنصف.
11 سقط من م: "وقولهم نيام ... " مع ما أنشده ابن الأعرابي. وكذلك في بعض نسخ المنصف.
(1/320)

جمع نائم. أنشد ابن الأعرابيِّ1:
ألَا طَرَقَتْنا مَيَّةُ بنةُ مُنذِرٍ ... فما أرَّقَ النُّيَّامَ إِلَّا سَلامُها
ومن ذلك "فَيْعِل"، نحو: سَيِّد ومَيِّت ولَيِّن. فإنَّه إن كان من ذوات الياء أُدغمت الياء في الياء من غير تغيير. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء. فمن ذوات الياء: لَيِّنٌ، ومن ذوات الواو: سَيِّدٌ ومَيِّتٌ. وإن شئت حذفت الياء المتحرِّكة تخفيفًا فقلت: سَيْدٌ ومَيْتٌ ولَيْنٌ، لاستثقال ياءين وكسرة.
والفارسيُّ لا يرى التخفيف في ذوات الياء2 قياسًا، فلا تقول في بَيِّنٍ: "بَيْنٌ"، قياسًا على لَيْنٍ، ويقيس ذلك في ذوات الواو. وحجَّته أنَّ ذوات الواو قد كانت الواو فيها قد قلبت ياء فخُفِّفت بحذف إحدى الياءين منها؛ لأنَّ التغيير يأنَس بالتغيير؛ ألا ترى أنهم يقولون في النسب إلى "فَعِيل": "فَعِيلىّ" فلا يحذفون الياء، ويقولون في النسب إلى "فَعِيلة": "فَعَلِيّ" فيحذفون الياء، لحذفهم3 التاء.
وزعم البغداذيون4 أنَّ سَيِّدًا ومَيِّتًا وأمثالهما في الأصل على وزن "فَيْعَلٍ" بفتح العين، والأصل "سَيَّدٌ و"مَيَّتٌ"، ثمَّ غُيِّرَ على غير قياس، كما قالوا في النَّسبِ إلى بَصرة: "بِصرِيّ"، فكسروا الباء. والذي حملهم على ذلك أنه لم يوجد "فَيْعِلٌ" في الصحيح مكسورَ العين، بل يكون مفتوحَها5، نحو: صَيرَف وصَيقَل.
وهذا الذي ذهبوا إليه فاسدٌ؛ لأنه لا ينبغي أن يُحمل على الشذوذ ما أمكن. وأيضًا فإنه لو كان كتغيير "بِصريّ" لم يطَّرد. فاطِّرادُه6، في مثل سَيِّد ومَيِّت ولَيِّن وهَيِّن وبَيِّن، دليلٌ على بطلان ما ذهبوا إليه. فأمَّا مجيئُه على "فيعِلٍ" مع أنَّ الصحيح لم يجئ على ذلك فليس بموجبٍ لادِّعاءِ7 أنه في الأصل مفتوحُ العين؛ لأنَّ المعتلَّ قد ينفرد في كلامهم ببناء لا يوجد في الصحيح8.
__________
1 لذي الرمة. ديوانه ص38 والمنصف 2: 5 وشرح الشافية 3: 43 و173 وشرح شواهده ص381-383 وشرح المفصل 10: 93 والعيني 4: 578. ونسبه الأخير إلى أبي عمر الكلابي. وطرقت: جاءت ليلًا.
2 كذا. وانظر التكملة للفارسي ص260. ف: الياء المتحرِّكة.
3 ف: بحذفهم.
4 المنصف 2: 16.
5 ف: مفتوحًا.
6 م: لم يطرد باطراده.
7 م: الادعاء.
8 الكتاب 2: 371 والمنصف 3: 16-17.
(1/321)

وذلك نحو قَرْية قالوا في جمعه: قُرًى، ولا يُجمع "فَعْلٌ" من الصحيح على "فُعَلٍ" بضمِّ الفاء1 أصلًا. وكذلك قاضٍ وغازٍ قالوا في جمعهما: قُضاةٌ وغُزاةٌ، فجمعوهما على "فُعَلَة" بضمِّ الفاء، ولا يجمع الصحيح اللام2 إِلَّا بفتح الفاء، نحو: ظالم وظَلَمة وكافِرٍ وكَفَرة.
فإن قيل: إنَّ قُضاة على ما ذهب إليه الفرَّاءُ3، من أنها "قُضًّى" في الأصل نحو: ضارِب وضُرَّب، ثمَّ أَبدلوا من أحد المضعّفين ألفًا4 فقالوا "قُضاا"5، فالتقى ألفان: الألف التي هي لام، والألف المبدلة من أحد المضعّفين، فحذفوا إحداهما ثمَّ أبدلوا منها التاء. فالجواب أن يقال: إنَّ6 إبدال الألف من أحد7 المضعّفين ليس بقياس. واطِّراد قُضاة وغُزاة ورُماة يدلُّ على بُطلان ما ذهب إليه، إذ لو كان كما ذهب إليه لم يطَّرد.
وذهب الفرَّاء8 إلى أنَّ الأصل في سَيِّد: "سَوِيْدٌ" على وزن "فَعِيْل"، ثمَّ قُلِب فأُدغم9. وكذلك ما كان نحوه. وحَمَلَه على ذلك عدمُ "فَيْعِلٍ" بكسر العين في الصحيح.
وهذا الذي ذهب إليه فاسدٌ؛ لأنَّ القلب ليس بقياس، وأيضًا فإنه لم يجئ على الأصل في موضع. ولو كان الأمر كما ذكر لسُمعَ "سَوِيدٌ" و"مَوِيتٌ". وأيضًا فإنَّ "فَعِيلًا" لا يحفظ ممّا عينه ياء ولامه حرفُ صحَّة؛ ليس في كلام العرب مثل "كَيِيل". فإذا حَمَلَ بَيِّنًا ولَيِّنًا على أنَّ الأصل فيهما "لَيِيْنٌ" و"بَيِيْنٌ" فقد ادَّعى شيئًا لا يُحفظ في كلام العرب مثله.
وقد بيَّنَّا أنَّ المعتلَّ ينفرد بالبناء لا يكون للصحيح10، فينبغي أن يُبقَى في11 سَيِّد وبابه على الظاهر من أنَّه "فَيْعِلٌ". وأيضًا فإنَّ الفرَّاء والغداذيِّين إنَّما رامُوا أن يجعلوا المعتلَّ على قياس [47ب] الصحيح، ولا يُفردَ المعتلُّ بما لا يكون في الصحيح، ثمَّ حَملواه على ما لم يثبت في الصحيح؛ ألا ترى أنَّ "فَيْعَلًا" في الصحيح لا تُكسر عينه، وكذلك [عين] 12 "فَعِيلٍ" في
__________
1 سقط "بضم الفاء" من م.
2 في النسختين: العين.
3 شرح الشافية 3: 154.
4 م: أبدلوا ألفًا من إحدى المضعّفين.
5 م: قضا.
6 سقط "يقال إن" من م.
7 م: من إحدى.
8 شرح الشافية 3: 154.
9 سقط من م. والمراد بالقلب هنا تقديم الياء على الواو.
10 انظر ص321.
11 م: مثل.
12 تتمة يقتضيها السياق.
(1/322)

الصحيح لا تقلبُ. فدلَّ ذلك على فسادِ مذهبهم.
ومن ذلك "فَيْعَلُولةٌ"1 فإنه إن كان من ذوات الياء أُدغمت الياء في الياء، ثمَّ حُذفت الياء المتحرِّكة، استثقالًا للياءين مع طول البناء. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، ثمَّ أُدغمت الياء في الياء، ثمَّ حُذفت الياء المتحرِّكة. وإنَّما التُزم في "فَيعَلُولة" الحذفُ؛ لأنه قد بلغ الغاية في العدد إِلَّا حرفًا واحدًا؛ ألا ترى أنَّه على ستَّة أحرفٍ2، وغايةُ الأسماء أن تنتهي بالزيادة إلى سبعة أحرف. فلمَّا كان الحذف في "فَيْعِل" جائزًا3 لم يكن في هذا الذي قد زاد ثِقلًا، بالطول، إِلَّا الحذفُ. وذلك نحو: كَيَّنُونة وقَيَّدُودة4.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ على [أنَّ] 5 كَيْنُونة6 وقَيْدُودة7 وأمثالهما في الأصل "فَيْعَلُولةٌ"؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على ذلك شيئان: أحدهما أنهما من ذوات الواو، فلولا أنَّ الأصل ذلك لقيل "قَودُودةٌ" وكَونُونةٌ"، إذ لا مُوجِب لقلب الواو ياء. والآخر أنَّه ليس في كلام العرب "فَعْلُولةٌ"، على ما تَقَدَّمَ في الأبنية.
فإن قيل: فإنهما مصدران، وليس في المصادر ما هو على وزن "فَيْعَلُولة". فالجواب أنَّ "فَيعَلُولة" قد ثَبَتَ في غير المصادر، نحو: خَيسَفُوجة8، ولم يثبت "فَعْلُولة" في موضع من المواضع. فحملُه على ما ثَبَتَ في بعض المواضع أحسن، إن أَمكن. وإِلَّا فقد يجيء المعتلُّ على بناء لا يكون للصحيح كما قَدَّمنا9.
وزعم الفرَّاء10 أنهما في الأصل "كُونُونَةٌ" و"قُودُودةٌ" [بضمِّ الفاء] 11، وكذلك "صُيرُورةٌ" وطارَ "طُيرُورةً"، ثمَّ قُلبت الضَّمَّة فتحة في صَيرورة وطَيرورة، لتصحَّ الياء. ثمَّ حُملت ذوات الواو على ذوات الياء، ففتحوا الفاء وقلبوا الواو ياء؛ لأنَّ مجيء المصدر على "فَعْلُولة"12 أكثرُ [ما
__________
1 المنصف 2: 9-15 وشرح الشافية 3: 154-155 وأمالي الزجاجي ص144-149.
2 وذلك دون اعتبار تاء التأنيث.
3 م: جائز.
4 سقط "وذلك نحو كينونة وقيدودة" من م.
5 سقط من النسختين وألحق بحاشية ف.
6 الكينونة: مصدر كان يكون.
7 القيدودة: مصدر قاد يقود.
8 الخيسفوجة: سكان السفينة.
9 انظر ص321.
10 المنصف 1: 12 وشرح الشافية 3: 154.
11 من م.
12 م: فُعلولة.
(1/323)

يكون] 1 في ذوات الياء2، نحو: صَيرُورة وسَيرُورة وطَيرُورة وبَينُونة.
وهذا الذي ذهب إليه فاسدٌ من جهات:
منها أنَّ ادِّعاء قلب الضَّمَّة فتحة لتصحَّ الياءُ مخالفٌ لكلام العرب. بل الذي اطَّرد في كلامهم أنه3 إذا جاءت الياء ساكنة بعد ضمَّة قُلبتْ واوًا، نحو قولهم: مُوقِنٌ وعُوطَطٌ4، وهما من اليقين والتَّعيُّط.
ومنها أنَّ الضَّمَّة إذا قُلبتْ لتصحَّ الياء فإنَّما تُقلب كسرة، كما فعلوا في بِيضٍ، لا فتحةً. فإن قيل5: لم يقلبوها كسرة، استثقالًا للخُروج من كسر إلى ضَمٍّ. فالجواب أنَّ الكسر إذا كان عارضًا فلا يكرهون الخروج منه إلى ضمٍّ، نحو: بِيُوت وشِيُوخ.
ومنها أنَّ حمله ذواتِ الواو على ذوات الياء ليس بقياس مطَّرد. أعني أنَّه إذا كثُر أمر ما في ذوات الياء، ثمَّ جاء منه في ذوات الواو شيء، لم يُوجِبْ ذلك حملَ ذوات الواو على الياء، وإنْ فُعِلَ ذلك فشذوذًا6؛ ألا ترى أنَّ كثرة 7 "فِعالة" في المصادر من ذوات الياء نحو: السِّقاية8 والرِّماية والنِّكاية9, وقلَّتَها من ذوات الواو10، لم تُخرِج "جِباوة" عن الشذوذ؟
ومنها أنَّ ما ادَّعاه, من أنَّ "فَعْلُولة" في ذوات الياء قد كثر، غيرُ مُسَلَّم. بل هذا الوزن في المصادر قليل في ذوات الياء والواو، وما جاء11 منه في ذوات الواو كالمُعادِلِ لما جاء منه في ذوات الياء.
وممّا يدلُّ على صحَّة مذهب سيبويه12 ما حُكِي من مجيء "كَيَّنُونة" على الأصل. أَنشدَ المبرّد13.
__________
1 من م.
2 ف: الواو.
3 م: أن.
4 العوطط: الناقة لم تحمل سنين من غير عقم.
5 م: "فإن قال". المنصف: فإن قال قائل.
6 م: فشذوذ.
7 م: أن قلة.
8 م: السعاية.
9 زاد في م: وكثرتها.
10 م: الياء.
11 سقطت الواو من م.
12 الكتاب 2: 372.
13 المنصف 2: 15 والإنصاف ص797 واللسان "كون" وشرح الشافية 3: 152 وشرح شواهده ص392 والاقتضاب ص282 والأشباه والنظائر 5: 205 و6: 14. وشحطت: بعدت.
(1/324)

قَد فارَقَتْ قَرِينَها القَرِينَهْ ... وشَحَطَتْ, عَن دارِها الظَّعِينَهْ
يا لَيتَ أنَّا ضَمَّنا سَفِينَهْ ... حَتَّى يَعُودَ الوَصلُ كَيَّنُونَهْ
وما عدا هذا المستثنياتِ1 ممَّا سَكَن ما قبلَه، أو ما بعدَه، أو ما قبلَه وما بعدَه، فلا يُعلُّ أَصلًا بأكثرَ من أن تُقلب الواو فيه ياء، إِذا اجتمعت مع الياء وقد2 تَقَدَّمَ أَحدُهما بالسكون. فإذا قَلبتَ الواو ياء أدغمتَ الياء في الياء. وذلك نحو "فَيْعُول"3 من القيام، تقول فيه: قَيُّومٌ. وكذلك "فَيْعال"4 نحو: قَيَّام5. الأصلُ فيهما "قَيْوُوْمٌ" و"قَيْوامٌ"، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
وكذلك تَفعل في كلِّ عينٍ، تكون واوًا فتجتمع مع ياء، ويَسبِقُ أحدُهما بالسكون، إِلَّا أن يَشِذَّ من ذلك شيء نحو6 ضَيْوَنٍ7، أو يكون أحدُهما مَدَّةً فإنك لا تُدغم. فلو بَنَيتَ مثل "فُوعَل"8 من القول لقلت "قُوْوَلٌ"9 ولم [48أ] تُدغم؛ لأنَّ الواو مدَّة، وقد تَقَدَّمَ السبب في ذلك في الفعل.
فإن جمعتَ اسمًا معتلَّ العين10 على وزن "مَفاعِلَ" أو "مَفاعِيلَ" فإنك تُبقي العين على أَصلها، من ياء أو واو، ولا تُعِلُّ. إِلَّا أن تَقَعَ في الجمع على حَسَبِ ما كانت عليه في المفرد معتلَّة -نحو قولك في قائم: "قَوائم"، فتَقلِب العينَ همزةً كما قلبتَ في "قائم"؛ لأنها بعد ألف زائدة في الجمع كما كانت في المفرد- أو يكتنفَ ألفَ الجمع واوان أو ياءان أو واو وياء، بشرط القرب من الطَّرَف. وقد تَقَدَّمَ إحكام ذلك في البدل.11 وذلك نحو قولك في جمع "فُعَّل"12 من القول نحو قُوَّل: "قَوائل"، وفي [جمع] 13، "فَيْعَل" نحو قَيَّل: "قَيائل"، وفي
__________
1 م: المستثنات.
2 سقط من م.
3 المنصف 2: 17-18.
4 م: فعال.
5 المنصف 2: 18-19.
6 المنصف 2: 46-47.
7 الضيون: السنَّور.
8 وهذا بناء صناعي لم يذكره في الأبنية.
9 كذا، وليس في المثال ياء. فلعله يريد من البيع، فيكون: بُويَعٌ.
10 المنصف 2: 43-46.
11 في الورقتين 32 و33.
12 م: "فَعَّل". المنصف: فيعل.
13 من م.
(1/325)

[جمع] 1 "فُعَّل"2 من البيع: "بَيائع".
فإن لم تقع في الجمع على حَسَب ما اعتلَّت عليه في المفرد، ولا اكتنفَ ألفَ الجمع حرفا علَّة، فإنك تُبقي العين على أصلها من واو أو ياء. فتقول في جمع مِقْوَل: "مَقاوِلُ"، وفي جمع مَقام: "مَقاوِمُ"، وفي جمع مَعِيشة: "مَعايش"، إِلَّا لفظةً واحدةً شَذَّت فيها العرب -وهي3 مُصيبة- قالوا في جمعها: "مَصائِبُ" فهمزوا العين، وكان ينبغي أن يقال في جمعها "مَصاوِبُ"؛ لأنها من ذوات الواو.
ووجه إبدالهم من العين همزةً أنهم شَبَّهوا الياء في "مُصِيبة" لسكونها وانكسار ما قبلها، بالياء الزائدة في مثل صَحِيفة. فكما قالوا في صَحيفة: صَحائفُ، فكذلك قالوا في مُصِيبة: مَصائبُ. هذا مذهب سيبوبه، ومذهب الزَّجَّاج أنهم قالوا "مَصاوِبُ"، ثمَّ أبدلوا من الواو المكسورة همزة تشبيهًا لها، حشوًا، بها في أوَّل الكلام. وقد تَقَدَّمَ في البدل4 ترجيحُ مذهب الزَّجَّاج على مذهب سيبويه.
هذا حكم العين المعتلَّة، إذا كانت اللام حرفًا صحيحًا ليس الهمزة. فإن كانت اللام همزة5 فلا تخلو الفاء، إذ ذاك من أن تكون همزة أو لا تكون.
فإن كانت همزة فإنه لا يجيء6 منه شيء في الأفعال؛ لأنَّ حروفه كلَّها تعتلُّ؛ ألا ترى أنَّ الألف من حروف العلَّة، وكذلك الهمزتان7. فكما لا تكون حروف الفعل كلُّها معتلَّة، فكذلك لا تكون عينه حرف علَّة وفاؤه ولامه همزتان. وإنَّما يجيء في الأسماء؛ قالوا "آءُ" وهو شجر. ونظيره من الأسماء في اعتلال جميع حروفه "واو".
وإن لم تكن الفاء همزة فحكمه حكم ما لامُه غير همزة، إِلَّا فيما أَستثنيه لك:
من ذلك8 اسم الفاعل في نحو "جاءَ"، فإنه يُخالف اسم الفاعل من "قامَ" وأمثاله، في أنَّك إذا أَبدلتَ من العين همزة كما فعلتَ ذلك في قائم وأمثاله، اجتمع لك همزتان: الهمزة التي هي لام والهمزة المبدلة من العين، فتُبِدل من الهمزة الثانية ياء، لانكسار ما قبلها. هذا مذهب
__________
1 من م.
2 م: "فَعَّل". وفي المنصف: فيعل.
3 المنصف 1: 309-311 وشرح الشافية 3: 134. وشذَّ أيضًا معائش ومنائر وأقائيم. جمع معيشة ومنارة وأقوام.
4 انظر ص225.
5 سقط من النسختين حتى قوله "وإن لم تكن الفاء"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
6 علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: جاء في الأسماء والأفعال.
7 يريد أن الهمزة تشبه أحرف العلَّة، لكثرة التصرف فيها.
8 المنصف 1: 309-311 وشرح الشافية 3: 124.
(1/326)

سيبويه. ومذهب الخليل1 أنهم قَلبوا اللَّام في موضع العين، فلم تَلتق همزتان.
فإن قيل: وما الذي حَمل الخليل على ادِّعاءِ القلب؟ فالجواب أنَّ الذي حمله على ذلك كثرةُ العمل الذي في مذهب سيبويه؛ ألا ترى أنَّ جائيًا في مذهب سيبويه أصله "جايِئٌ" ثمَّ2 "جائئٌ" ثمَّ "جائِيٌ" ثمَّ "جاءٍ"3، وفي مذهب4 الخليل أصله "جايِئٌ"، فقُلب فصار "جائِيٌ" ثمَّ "جاءٍ"؟ فمذهب سيبويه فيه زيادٌ [عملٍ] 5 على مذهب الخليل. فلذلك تكلَّف القلب، إذ كانوا يقلبون فيما لا يؤدِّي فيه عدم القلب إلى اجتماع همزتين، نحو قولهم: شاكٍ ولاثٍ. والأصل فيهما: شائكٌ ولائثٌ.
وكلا المذهبين عند سيبويه حسن. ورَجَّحَ الفارسيُّ6 مذهب الخليل على المذهب الأوَّل، بأنه يلزم في مذهب سيبويه توالي إعلالين على الكلمة من جهة واحدة. وهما قلب العين همزةً، وقلب الهمزة التي هي لام ياءً. وتوالي إعلالين على الكلمة، من جهة واحدة، لا يوجد في كلام العرب إِلَّا نادرًا أو في ضرورة الشعر7، نحو قوله8:
وإِنِّي لأَستَحْيي,9 وفي الحَقِّ مُستَحًى, ... إِذا جاءَ باغِي العُرفِ, أن أَتَنَكَّرا
أصل مُستَحًى: "مُستَحْيَيٌ" فتحرَّكت الياء الأخيرة وما قبلها مفتوح، فقلبت10 ألفًا فصار "مُستَحْيًا". ثمَّ أَعلُّوا الياء التي هي عين، بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وقَلبِها ألفًا، فالتقَى ساكنان فحذف أحدهما. ولا يلزم في مذهب الخليل إِلَّا القلب، والقلب أكثر في كلام العرب من توالي الإعلالين على الكلمة، حتى إنَّ يعقوب قد وضع كتابًا في "القلب والإبدال"11.
وهذا الترجيح حسن. إِلَّا أنَّ السماع يشهد للمذهب الأوَّل. وذلك أنَّ من العرب من يقول12: شاكٌ ولاثٌ، فيحذف العين من شائك ولائث. ومنهم من يقول: شاكٍ ولاثٍ، كما تَقَدَّمَ فيقلب13. والذي من لغته القلب ليس من لغته الحذف، وكلّهم يقول: شائكٌ
__________
1 الكتاب 2: 378.
2 كذا. وقد أغفل "جااءٌ".
3 م: جائي ثمَّ جايئ ثمَّ جاءَ.
4 م: ومذهب.
5 من م.
6 المنصف 2: 53.
7 في النسختين "إِلَّا في ضرورة شعر". وفي حاشية ف تصويب كما أثبتنا.
8 التمام ص70 و163. وانظر ص370 والباغي: الطالب. والعرف: المعروف.
9 م: استحى.
10 م: قلبت.
11 نشر عام 1905م. واستشهاد ابن عصفور به وهم؛ لأنَّ القلب الذي فيه هو إعلالي، لا مكاني كما في المسألة المعنية.
12 المنصف 2: 54. وانظر ص391.
13 م: ويقلب.
(1/327)

ولائثٌ. فلمَّا وَجدنا العرب كلَّها تقول: جاءٍ، ولا تَحذف1، علمنا أنه في لغة الحاذفين على أصله. إذ ليس من لغتهم القلب، ومن لغتهم البقاء على الأصل. وأمَّا في لغة القالِبينَ في: شاكٍ ولاثٍ فيحتمل أن يكون مقلوبًا، ويحتمل [48ب] أن يكون باقيًا على أصله. فقد حصل إِذًا ما ذهب إليه سيبويه سماعًا. وما ذهب إليه الخليل ليس له من السماع ما يقطع به، فهو محتمل.
ومن ذلك الجمعُ، فإنه يوافق جمع ما لامه غير همزة، في جميع ما ذُكر. فتقول في جمع جاءٍ: "جَواءٍ"، كما تقول في جمع قائم:"قَوائم". والأصل "جَوائِئٌ"2، فقُلبت الهمزة الثانية ياءً لاجتماع الهمزتين. وعلى مذهب الخليل: "جَوايِئُ" فقُلبت الهمزة3. وتقول في جمع مَجِيء: "مَجايِئُ"4 كما تقول في جمع مَبِيع: "مَبايِع".
إلا5 أن يؤدِّي الجمع إلى وقوع همزة عارضة بعد ألف الجمع -أعني لم تكن6 في حال الإفراد- فإنك إذا قلبتَ الهمزة الثانية ياء فإنك تُحوِّل كسرة الهمزة التي هي عين7 فتحةً، فتجيء8 الياء متحرِّكة وما قبلها مفتوح فتُقلب9 ألفًا، فتجيء الهمزة متوسِّطة بين ألفين، والهمزة قريبة الشَّبَه من الألف، فتجيء الكلمة كأنها اجتمع فيها ثلاثةُ أمثال، فتقلب الهمزة ياءً فرارًا من اجتماع الأمثال. وذلك نحو10 "فُعَّل"11 من المجيء نحو: جُيَّأ12. فإنك تقول في جمعه: جَيايا.
والأصلُ "جَيايِئُ"، فاكتنف ألفَ الجمع ياءان، فقلبت الثانية همزة فقالوا "جَيائِئُ"، فقلبت13 [الهمزة] الثانية ياء لاجتماع الهمزتين وانكسار ما قبل الثانية فقالوا "جَيائِيُ"، ثمَّ حوَّلوه إلى "جَياءَيُ"، فتحرَّكت الياء وما قبلها مفتوح فقلبت ألفًا، فصار "جَياءَى" -وكان هذا التحويل لازمًا إذ كانوا قد يحوِّلون في مثل "صحارَى" مع أنه أخفُّ من "جياءَى"؛ لأنه لم تَعرِض فيه همزة كما عرضت في "جياءَى". وإنَّما لَزمَ تحويله، لمَّا عرضت فيه الهمزة؛ لأنَّ
__________
1 يريد: ولا تقول "جاءُ" فتحذف عين فاعل. وفي حاشية ف بيان لما كان للفظ في الحذف.
2 م: جوئيٌ.
3 أي: قدمت الهمزة على الياء.
4 م: مجائئ.
5 م: إلى.
6 م: لم يكن.
7 م: غير.
8 م: فجاءت.
9 م: فقلبت.
10 المنصف 2: 60-62.
11 في النسختين: "فَعّل" وفي حاشية المبدع: فَعال.
12 م: جياء.
13 سقط "الثانية ... فقلبت" من م.
(1/328)

عُروضها تغيير، والتغير يأنس بالتغيير– ثمَّ قُلبت الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين فصار جَيايا.
وإنَّما لزم قلب الهمزة ياء لمَّا وقعت بين ألفين؛ لأنَّ مخرج الهمزة يقرب من مخرج الألف، فكان كالتقاء ثلاث ألفات. وكذلك تَفعل بكلِّ ما تَعرِضُ فيه الهمزة من الجمع. فأمَّا قوله1:
سَماءُ الإلهِ فَوقَ سَبعِ سَمائيا.
فإنه ردَّه إلى أصله، لمَّا اضطرَّ، كما تُرَدُّ جميع الأشياء إلى أصلها عند الضرورة.
ومن ذلك "أشياءُ"2. فمذهب سيبويه والخليل3 أنَّها "لَفْعاءُ" مقلوبة من "فَعْلاء"، والأصل "شَيْئاء" من لفظ شيء، وهو اسم جمع كقَصْباء4 وطَرْفاء5 ومذهب الكسائيِّ أنها "أَفعال" جمع شيء. ومذهب الفرَّاء والأخفش أنها "أَفعِلاء"6، والأصل "أَشيِئاء"، فحذفت الهمزة التي هي لام وانفتحت الياء لأجل الألف.
ويخالف الفرَّاءُ أبا الحسن في "شيء" الذي هو مفرد أشياء. فمذهب أبي الحسن أنه "فَعْل" كبَيت، ومذهب الفرَّاء أنه مخفَّف من "فَيْعِل"، والأصل "شَيِّئٌ" فخُفِّف كما خفَّف هَيِّنٌ ومَيِّتٌ فقالوا: هَيْنٌ ومَيْتٌ.
فالذي يُردُّ به على الكسائيِّ أنه لو كان "أَفعالًا" لكان مصروفًا، كأبيات وأجمال وأعباءٍ، إذ لا موجب لمنع الصرف. فإنه احتَجَّ بأنهم لمَّا جمعوه بالألف والتاء، فقالوا: أشياوات، أَشبَه "فَعْلاءَ" فمُنع الصرف. فالجواب أنَّ "أَفعالًا" لا يُجمع بالألف والتاء. فإِذ قد7 جَمعوا أشياء بالألف والتاء فذلك دليل على ما ادَّعى الخليل من أنها "فَعلاء". وبتقدير أنها "أفعال" جُمعت بالألف والتاء فإنَّ هذا القَدر لا يُوجب منع الصرف8؛ لأنَّ ذلك لم يستقرَّ في العلل المانعة للصرف.
وأمَّا الفرَّاء والأخفش فالذي يَدلُّ على فساد مذهبيهما أنَّ حذف اللام لم يجئ منه
__________
1 عجز بين لأمية بن أبي الصلت صدره:
لَهُ ما رأتْ عَينُ البَصِيرِ, وفَوقَهُ.
ديوانه ص70 والكتاب 2: 59 وشرح أبياته 2: 304. وسمائي: مجرور بالفتحة عوضًا عن الكسرة، جمع سماء على وزن فَعائل.
2 المنصف 2: 94-102 وشرح الشافية 1: 21-32 والإنصاف ص812-820.
3 الكتاب 2: 174 و379-380.
4 القصباء: القصب.
5 الطرفاء: شجر.
6 كذا، وهو ميزان الأصل قبل الحذف. والصواب: أفعاء.
7 في النسختين "فإذ وقد". وانظر ص150 و205 و268 و435.
(1/329)

إِلَّا "سُؤتُه1 سَوايةً". والأصل سَوائِيَة كرَفاهية2. وحكى الفرَّاءُ "بُراءُ" ممنوعَ الصرف3، والأصل بُرَآءُ فحُذفت الهمزة التي هي لام. وذلك من القلَّة بحيث لا يقاس عليه، والقلب4 أوسع منه.
وأيضًا فإنه لو كان الأصل "أَفعِلاء" لكان من أبنية جموع الكثرة، وجموعُ الكثرة لا تُصغَّر على لفظها، بل تُردُّ إلى جموع القِلَّةِ إن كان للاسم جمع قلَّة. وإلَّا تُردُّ على المفرد، ثمَّ يُصغَّر المفرد ويجمع بالواو والنون إن كان مذكَّرًا، وبالألف والتاء إن كان مؤنثًا. فتقول في تصغير فُلُوس: أُفَيلِسٌ، وفي تصغير رجال: رُجَيلُون، وفي تصغير دَراهم: دُرَيهِمات. وهم قد قالوا في تصغير أشياء: أُشَيَّاء فصغَّروها على لفظها. فدلَّ ذلك على فساد مذهبيهما.
ولا يُردُّ بالتصغير على الكسائيِّ؛ لأنَّ "أَفعالًا" من أبنية جموع القلَّة، وجموع القلَّة تصغَّر على ألفاظها. وكذلك لا يُردُّ على الخليل بذلك؛ لأنَّ أسماء الجموع تُصغَّر على لفظها.
وأيضًا فإنَّ "أَفعِلاء" لا يكون جمعًا لـ"فَعْل"5 ولا لـ"فَيْعِل". فأمَّا قولهم: هَيِّنٌ وأَهوِناءُ، فشاذٌّ لا يقاس عليه. ولا حجَّة للأخفش فيما ذَكَر، من أنَّ "أَفعِلاء" أختُ "فُعَلاء". يعني أنهما يشتركان في كونهما جمعين لـ"فَعِيل"، فكما جمعوا سَمْحًا، وهو "فَعْلٌ"، على سُمَحاء، فكذلك جمعوا شَيئًا، وهو "فَعْلٌ"، على "أَفعِلاء". وذلك أنَّ جمع سَمْح على سُمْحاء شاذٌّ، لا يقاس عليه مثلُه، فكيف نظيره.
فإن قيل: فإنَّ الفرَّاء قد ذهب [49أ] إلى أنَّ "فَيْعِلًَا" في الأصل "فَعِيْل" فقُلب. فإذا كان كذلك فبابه أن يُجمع على "أَفعِلاء". فاجواب أنه تَقَدَّمَ الدليل6 على فساد مذهبه في ذلك.
وممّا يدلُّ أيضًا على فساد مذهب الفرَّاء أنَّه ادَّعى أنَّ الأصل في شيء: "شيِّئ". وذلك لم يُنطق به في موضع من المواضع. ولو كان شَيء كمَيْتٍ وهَيْنٍ لجاء على أصله، في موضع من المواضع.
فثَبَتَ إذًا أنَّ الأحسن مذهب الخليل، إِذ ليس فيه أكثر من القلب، والقلب كثير في كلامهم.
__________
1 م: سواة
2 في حاشية ف: لحق مخروم أكثره يتعذر إدراكه.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان "المحفوظ: بُراءٌ، مصروف. قال كثيِّر:
فسِيرُوا بُراءً, في تَفرُّقِ مالِكٍ
بِنَصرٍ, وأرحامٍ يَئطُّ قَرِيبُها".
انظر ديوان كثيِّر ص269.
4 يعني القلب المكاني.
5 كذا. والصواب "فَيْل" لأنَّ العين حذفت وبقيت الياء الزائدة.
6 في الورقة 47.
(1/330)

ومن ذلك1 "أَشاوَى" في معنى أشياءَ. حُكي من كلامهم: إنَّ لكَ عِندي لأشاوَى. وفيها خلاف أيضًا.
فمذهب المازنِيِّ2 أنها جمع أشياءَ. وكان الأصل أن يقال "أشايا"3، فأُبدلت الياء واوًا4 شذُوذًا, كما قالوا: جَبَيتُ الخَراجَ جِباوةً. ففيها على هذا شذوذان: قلب اللام إلى أوَّل الكلمة، وقلب الياء واوًا.
ومذهب سيبويه5 أنها جمع "إشاوة"، وإن لم يُنطق بها. وتكون "إِشاوة" المتوهَّمة كأنها في الأصل "شِياءَة" فقلبت اللام إلى أوَّل الكلمة، [وأُخِّرت العين إلى موضع اللام] 6، وأُبدِلت الياء واوًا. فلمَّا جمعوا فعلوا به ما يُفعل بـ "عِلاوة"7 -وسيُذكر ذلك في المعتلِّ اللَّام- فقالوا: أَشاوَى، كما قالوا: عَلاوَى.
ورأى سيبويه أنَّ هذا أَوْلى، ليكونَ الشُّذوذ في المُتوهَّم -وهو المفرد الذي لم يُنطق به- ثمَّ يجيء الجمع على قياس المفرد. وإذا جعلنا أَشاوَى جمع أشياءَ كان الشُّذوذُ في الملفوظ به. وأيضًا8 فإنَّ أبا الحسن الأخفش حكى أنَّ العرب التزمت فيه الفتح9، فلم يقولوا "أشاوٍ" كصحارٍ، فدلَّ ذلك على أنَّه ليس جمع أشياء بل جمع إِشاوة. ولذلك التزم فيه الفتح كما التزم في جمع إِداوة وهِراوة وأمثالهما.
وذهب بعض النَّحويِّين10 إلى أنَّ أَشاوَى غير مقلوب، وأنَّ الواو غير مبدلة [من ياء] 11، وجعله من تركيب "أش و". وقد جاء12 ذلك في قول الشاعر13:
وحَبَّذا, حِينَ تُمسِي الرِّيحُ بارِدةً, ... وادِي أُشَيٍّ, وفِتيانٌ بِهِ, هُضُمُ
__________
1 المنصف 2: 9-100 والإنصاف ص807 وشرح الشافية 1: 31
2 المنصف 2: 94.
3 م: "أشائي". ف: "أشاي". وفي حاشيتها: "أشاوِيُّ". والتصويب من المنصف 2: 99.
4 ف: الواو ياء.
5 الكتاب 2: 379-380.
6 من شرح الشافية 1: 31.
7 العلاوة: أعلى الرأس. وانظر الورقة 57.
8 سقط حتى قوله: "وأمثالهما" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف.
9 كذا. وجاء عنهم الكسر. التاج "شيأ".
10 المنصف 2: 99-100.
11 من م.
12 م: وقد وجدنا.
13 زياد بن منقذ أو زياد بن حمل. وينسب إلى المرار بن منقذ وبدر بن سعيد. المنصف 2: 99 وشرح الحماسة للمرزوقي ص1390 وللتبريزي 3: 325 والأغاني 9: 154 وزهر الآداب 4: 195 والعيني 1: 257 وشرح شواهد المغني ص49 والخزانة 2: 391-393 ومعجم البلدان 1: 267 و5: 359 ومعجم ما استعجم ص161 واللسان والتاج "هضم". والهضم: جمع هضوم. وهو الذي ينفق ما له في الشتاء.
(1/331)

فأُشَيٌّ في الأصل "أُشَيْوٌ"؛ لأنَّ اللام الغالبُ عليها إذا كانت حرف علَّة أن تكون واوًا. فتكون على هذا موافقة لأَشياء في المعنى، ومخالفة لها في الأصل، فيكون ذلك من باب لؤلؤ ولأال، وسَبِط وسِبَطر. وذلك قليل جِدًّا.
ومن ذلك1 سَوايَةٌ. أعني أنه شَذَّ عن القياس، بحذف الهمزة منه التي هي لام. والأصل "سَوائِيَةٌ". وقد تَقَدَّمَ2.
ومن ذلك ما حكاه أبو زيد3 من قولهم: غَفَر الله مسائِيَتَكَ، جمع مَساءَة. والأصل "مساوِئتَكَ"، فقُلب فصار "مَسائِوتَك"، فجاءت الواو طرفًا بعد كسرة فقُلبت ياءً، وأُلحقت التاء التي تلحق لتأنيث الجمع، فصار مسائيتك.
فهذه المستثنيات لا يقاس على شيء منها.
__________
1 المنصف 2: 91-93.
2 انظر ص329.
3 في حاشية ف: "حكاه سيبويه فلا حاجة إلى أبي زيد". وانظر النوادر ص232 والمنصف 2: 93 والكتاب 2: 379.
(1/332)

[المعتلُّ اللام] :
فأمَّا المعتلُّ اللام فلا يخلو أن يكون اسمًا أو فعلًا. فإن كان فعلًا فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف، أو على أزيد. فإن كان على ثلاثة أحرف فإنَّه يكون على "فَعَلَ" و"فَعُلَ" و"فَعِلَ" بفتح العين وضمِّها وكسرها:
أمَّا المفتوحة العين والمكسورتها فإنها تكون في ذوات الواو والياء. فمثال "فَعَلَ"1 من الياء: رَمَى، ومن الواو: غَزا. ومثال "فَعِلَ"2 من الواو: شَقِيَ،3 ومثاله من الياء: عَمِيَ.
وأمَّا المضمومةُ4 العين فلا توجد إِلَّا في الواو نحو: سَرُوَ. ولا تُوجد في الياء5 إِلَّا في التعجُّب نحو: لَقَضُوَ الرَّجُلُ! 6 أصله "لقَضُيَ"، فقُلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها؛ لأنَّ الياء وقبلها الضَّمَّة بمنزلة الياء والواو. فكما أنَّ اجتماع الياء والواو ثقيل فكذلك الياء إذا كان قبلها ضمَّة، لا سيَّما والياء في محل التغيير. وهو الطَّرف. فلم يكن بدٌّ من قلب الياء حرفًا من جنس الضَّمَّة وهو الواو، أو قلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، فلم يمكن قلبُ7 الضَّمَّةِ كسرة كراهيةَ أن يلتبس "فَعُلَ" بـ"فَعِلَ"، فقُلبت الياء واوًا.
فإن قيل: ولأيِّ شيء امتنع بناءُ "فَعُلَ" من ذوات الياء؟ فالجواب8 أنَّ الذي مَنَعَ من ذلك أنهم لو فعلوا ذلك لأدَّى9 إلى الخروج من الخفيف إلى الثقيل؛ لأنه يلزم فيه كما ذكرنا قلبُ.
__________
1 المنصف 2: 111-112.
2 المنصف 2: 112.
3 م: سقي.
4 المنصف 2: 112 -113.
5 كذا، وقالوا: نَهُوَ يَنهُو. وهو من اليائيِّ.
6 تقول: لقضو الرجل، إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء. المنصف 1: 307.
7 م: وهو الواو وقلب.
8 المنصف 1: 113.
9 زاد في م: ذلك.
(1/333)

الياء واوًا، والياء أخفُّ من الواو، مع أنَّه يلزم أن يكون المضارع على "يَفعُلُ". فكنت تقول "رَمُوَ يَرْمُو"، فيجتمع لك في الماضي والمضارع ضمَّةٌ وواو وذلك ثقيل. وليس كذلك ذوات الواو؛ لأنَّه لا يلزم فيها1 أكثر من ثقل الواو والضَّمَّة نحو: "سَرُوَ يَسْرُو"، إذ ليس يلزم فيها خروج من خفيف إلى ثقيل.
وإنَّما ساغ ذلك في فعل التعجُّب؛ لأنَّه لا مضارع له، فقَلَّ فيه الثقل لذلك. وأيضًا فإنه يشبه الأسماء، ولذلك صَحَّحوا الفعل في نحو: ما أَطوَلَهُ! تشبيهًا له بـ"أطوَلَ منه". فكذلك أيضًا قَلَبوا الياء في مثل "رَمُوَ"2، إذا أرادوا التعجُّب، واوًا تشبيهًا له [49ب] بـ"فَعُلَة"3، ممّا لامه ياء، إذا بُنيَتْ على التأنيث، نحو "رَمُوة"4 من الرمي.
فإن قيل: وكيف شُبِّهت الياء المُتطرِّفة في الفعل بالياء غير المتطرِّفة في الاسم؟ بل كان يجب أن تُشبَّه5 بالياء المتطرِّفة. فكما أنَّ الياء المضموم ما قبلها، إذا كانت في آخر الاسم6، تُقلب الضَّمَّة كسرة نحو: أظْبٍ جمع ظَبْيٍ، فكذلك كان يجب فيما أشبهه من الفعل. فالجواب7:
أنَّ الذي مَنَعَ من قلب الياء المضموم ما قبلها واوًا في آخر الاسم [أنَّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الاسم] 8 مستثقلة، وهي مع ذلك معرَّضة لأن تليها ياء النسب وياء الإضافة، نحو "أَدْلُوِيّ" و"أَدْلُوِيْ"9 لو ثَبَتَتِ الواو. والفعل ليس بمعرَّض لذلك، فلم يُستثقل أن يكون آخره واوًا مضمومًا ما قبلها، كما استُثقل10 ذلك في الاسم. فلذلك شُبّه "رَمُوَ" في التعجُّب بـ"فَعُلَة" من الرَّمي نحو "رَمُوَة"؛ لأنَّ الواو إذ ذاك لا تليها ياءُ الإضافة كما أنَّ الفعل كذلك.
فإن كان الفعل على "فَعُلَ" بضمِّ العين فإنَّ لامه تصحُّ نحو "سَرُوَ"، إذ لا موجب للإعلال فيه؛ لأنَّ الضَّمَّة مع الواو بمنزلة واوين. فكما تصحُّ الواوان في مثل عدوّ، فكذلك تصحُّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الفعل11. إِلَّا أن يكون من ذوات الياء فإنه يُصنع به ما ذكرنا من
__________
1 م: فيه.
2 م: رموا.
3 م: فُعلة.
4 م: رُموة.
5 م: يشبه.
6 ف: اسم.
7 المنصف 2: 117-118.
8 من م.
9 م: أدلو.
10 م: استثقلت.
11 سقط "فكما تصح ... آخر الفعل" من م. وانظر تعليقة لنا في ص348.
(1/334)

قلب الياء واوًا، لِما تَقَدَّمَ من ثقل الياء وقبلها الضَّمَّة، نحو: لَقَضُوَ الرَّجُلُ!
فإن خَفَّفتَ1 العين فقلتَ: لقَضْوَ الرَّجلُ! أَبقيتَ الواو على أصلها؛ لأنَّ التسكين عارض. وأيضًا فإنَّ الفعل إذا لَزم فيه الإعلال في بعض المواضع حُملت سائر المواضع على ذلك، وإن لم يكن فيها موجب، نحو: أَغزَيتُ2، قُلبت فيه الواو ياء حملًا على: يُغْزِي، وإن لم يكن في "أغزَيتُ" ما في "يُغزِي" من انكسار ما قبل الواو المتطرِّفة. فكذلك قُلبت الياء في "لَقَضْوَ" [واوًا] 3 حملًا على "لَقَضُوَ"، وإن لم يكن في لغة المخفِّف ما قبل الياء مضمومًا.
فإن كان الفعل على "فَعِلَ" بكسر العين فلا يخلو من أن يكون من ذوات الياء، أو من ذوات الواو:
فإن كان من ذوات الياء بقي على أصله ولم يعتلَّ، نحو: غَنِيتُ" في الغُنية، كما لم يعتلَّ ما في آخره واو قبلها ضمَّة. بل إذا صحَّت الواو في مثل: سَرُوَ، فالأحرى أن تصحَّ الياء في مثل: غَنِيَ؛ لأنَّ الياءَ وقبلها الكسرة أخفُّ من الواو وقبلها الضَّمَّة.
وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، نحو: شَقِيَ ورَضِيَ4؛ لأنَّ الواو وقبلها الكسرة بمنزلة الياء والواو؛ لأنَّ الكسرة بعضُ الياء. فكما أنَّ الياء والواو إذا اجتمعتا5 في مثل سيِّد ومَيِّت قلبت الواو ياء، والأصلُ "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"، فكذلك يُفعل بالكسرة مع الواو. فإن سكَّنتَ العينَ6 قلتُ: شَقْيَ7 ورَضْيَ، ولم تَردَّ الواو؛ لأنَّ الإسكان عارضٌ. وأيضًا فإنك تَحمِل التخفيف على التحريك، كما فعلتَ ذلك في "لَقَضْوَ" للعلَّة التي ذكرنا.
وإن كان الفعل على وزن "فَعَلَ" بفتح العين فإنك تقلب حرف العلَّة ألفًا، ياءً كان أو واوًا، نحو: غَزا ورَمَى، من الغَزْو والرَّمْي. والسبب8 في ذلك اجتماع ثقل المِثلَينِِ -أعني فتحة العين واللام- مع ثقل الياءِ أو الواو9، فقلبت الياء والواو ألفين10 لخفَّة الألف؛ ولأنها لا تتحرَّك فيزولُ اجتماع المِثلَينِ؛ ولأنَّه ليس للياء والواو ما يقلبان إليه، أقربُ من الألف.
__________
1 م: لقضو الرجل خُففت.
2 م: أغريت.
3 من م.
4 م: "زكي". وضرب عليها بقلم مخالف، وأثبت في الحاشية: رضي.
5 م: اجتمعت.
6 سقط من م.
7 م: سقي.
8 المنصف 2: 116-117.
9 ف: والواو.
10 م: والعين.
(1/335)

لاجتماعهما معها1 في أنَّ الجميع حروف علَّة ولِين.
وأيضًا فإنَّه لَمَّا قُلبت الواو، إذا كان قبلها كسرةٌ، حرفًا من جنس الحركة التي قبلها -وهو الياء في نحو: رَضِيَ- والياءُ المضمومُ ما قبلها حرفًا2 أيضًا من جنس الحركة التي قبلها -وهو الواو في نحو: لَقَضُوَ- كذلك قُلبت الياء والواو، إذا انفتح ما قبلهما، حرفًا من جنس الحركة التي قبلهما. وهو الألف.
فإن3 بُنِي شيءٌ، من هذه الأوزان الثلاثة، للمفعول4 صُيّر الفعلُ على وزن "فُعِلَ" بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه. فإن كان من ذواتِ الياء لم يَعتلَّ، كما لم يَعتلَّ "فَعِلَ"، نحو: عُنِيَ بزيدٍ ورُمِيَ السَّهمُ. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها، نحو: شُقِيَ به وغُزِيَ العدُوُّ، كما قُلبت في "فَعِلَ" نحو: شَقِيَ.
فإن خُفِّفَتِ5 العينُ بقيت الياء ولم ترجع الواو، نحو: غُزْيَ، كما لم تَرجع في "رَضِيَ" إذا خُفِّفَتْ. والدليل، على أنَّ الفعل بعد التخفيف يبقى على حكمه قبل التخفيف، قوله6:
تَهزأُ مِنِّي أُختُ آلِ طَيسَلَهْ ... قالَتْ: أَراهُ دالِفًا, قَد دُنْيَ لَهْ
يريد: قد7 دُنِيَ له -وهو من "دَنوتُ"- فأسكن [50أ] النون وأَقرَّ الياء بحالها.
فإن اتَّصل بشيء من هذه الأفعال علامةُ تأنيث فإنه يبقى على ما كان عليه، إن كان لامه في اللفظ ياءً أو واوًا -نحو: سَرُوَ ورَضِيَ وغُزِيَ- نحو: سَرُوَتِ المرأةُ ورَضِيَتْ هِندٌ وغُزِيَتِ الأعداءُ. وإن كان لامه ألفًا حُذفت لالتقاء الساكنين، نحو: رَمَتْ هِندٌ. وإن تحرَّكت التاء
__________
1 م: لاجتماعهما معهما.
2 م: حرف.
3 م: وإن.
4 م: لما لم يسمّ فاعله.
5 المنصف 2: 124-125.
6 من أرجوزة تنسب إلى صخير بن عمير التميمي. ونسبها بعضهم إلى الأصمعي وإلى خلف الأحمر. وهي ذات الرقم 24 في الزيادات من كتابي المفضليات والأصمعيات. الأصمعيات ص273-278 والأمالي 2: 284 و285 والسمط ص929-930 وإرشاد الأريب 3: 4-5 وديوان المعاني 2: 73 والمنصف 2: 125 واللسان والتاج "طسل" والتاج "بلط" و"دنو". والشطر الثاني في اللسان "دنو" معلقًا عليه بما يلي: "وكان الأصمعي يقول في هذا الشعر الذي فيه هذا البيت: هذا الرجز ليس بعتيق، كأنه من رجز خلف الأحمر أو غيره من المولدين". وطيسلة: اسم علم، والدالف: الذي يقارب الخطو في المشي.
7 سقط من م.
(1/336)

لالتقاء الساكنين لم ترجع الألف؛ لأنَّ التحريك عارض، نحو: رَمَتِ المرأةُ والهِندانِ رَمَتا.
ومن العرب من يَعتدُّ بالحركة في "رَمَتا"، وإن كانت عارضةً, لشدَّة اتِّصال الضمير بما قبله حتَّى كأنَّه بعضه، فيردُّ الألف فيقول: رَماتا. وذلك ضرورة, لا يجيء إِلَّا في الشعر. وعليه قوله1:
لَها مَتنَتانِ, خَظاتَا, كَما ... أَكَبَّ, علَى ساعِدَيهِ, النَّمِرْ
أراد: خَظَتا. وقد يجوز أن يكون تثنية خَظاة2، كأنَّه قال: خظاتانِ. ولكنه حذف النون ضرورة، فيكون كقوله3:
ومَتْنانِ, خَظاتانِ ... كَزُحلُوقٍ, مِنَ الهَضْبِ
ومِن حذف نون الاثنين ضرورةً قولُه4:
هُما خُطَّتَا: إِمَّا إِسارٌ ومِنَّةٌ ... وإِمَّا دَمٌ, والقَتلُ بالحُرِّ أَجدَرُ
أراد: هما خُطَّتانِ -وممّا يُعزَى إلى كلام البهائم قولُ الحَجَلةِ للقطا: "قَطا قَطا، بَيضُك ثِنتا، وَبيضِي مِائتا" أي: ثِنتانِ5 ومِائتانِ- وقولُ الآخر6:
لَنا أَعنُزٌ, لُبْنٌ ثَلاثٌ,7 فبَعضُها ... لأولادِ ها ثِنتا, وما بَينَنا عَنْزُ
والأوَّل8 أَولى؛ لأنَّ له نظائر كثيرة من الاعتداد بالعارض، في الكلام وحذف نون الاثنين للضرورة قليل جدًّا.
فإن أُسند شيء من هذه الأفعال إلى ضمير رفع فلا يخلو أن يكون المسند ما في آخره ألف، أو ما في آخره ياء أو واو:
__________
1 هو امرؤ القيس. ديوانه ص164 وشرح الشافية 2: 20 وشرح شواهده ص156-160. يصف فرسًا. وخظا: ارتفع. وقوله كما أكب على ساعديه النمر أي: كأن فوق متنها نمرًا باركًا لكثرة لحم المتن.
2 من قولك: خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه.
3 لأبي داود الإيادي. شعره ص288 وشرح شواهد الشافية ص157. والزحلوق: الحجر الأملس. ونسب البيت إلى عقبة بن سابق الجرمي في الخيل ص158 لأبي عبيدة.
4 لتأبط شرًّا من حماسية. ديوانه ص89 وشرح الحماسة للمرزوقي ص79 وللتبريزي 1: 78 والإسار: الأسر. والمنة: المن بإطلاق السراح.
5 م: بيضك بيت وبيضي مائتا أي بيتان. وانظر المغني ص238.
6 الخصائص 2: 430 وشرح الحماسة للمرزوقي ص80 وللتبريزي 1: 78 وضرائر الشعر ص107 وسر الصناعة ص487 وشرح القصائد السبع ص305 وشرح شواهد الشافية ص159. واللبن: جمع لبون، وهي ذات اللبن. وثنتا: ثنتان. وهو بدل من بعض.
7 في النسختين: سمان.
8 يعني الاعتداد بالحركة العارضة في نحو: رماتا. م: فالأول.
(1/337)

فإن كان ما في آخره ألف فإنه إن أُسند إلى ضمير غائب مفرد بقي على ما كان عليه قبل الإسناد، نحو: زيدٌ غَزا وعمرٌو رَمَى. وإنْْ أُسند إلى ضمير غائبَينِ رُدَّت الألف إلى أصلها، نحو: غَزَوَا ورَمَيا، ولم تُحذف لالتقاء الساكنين1، لئلَّا يلتبس فعل الاثنين بفعل الواحد.
وإن أُسند إلى ضمير غائبِينَ حُذفت لالتقاء الساكنين وعدم اللَّبس، نحو: غَزَوْا ورَمَوْا. وإن أُسند إلى ضمير غائبات رُدَّتِ2 الألف إلى أصلها، ولم تعتلَّ، نحو: غَزَوْنَ ورَمَيْنَ؛ لأنَّ ما قبل نون3 جماعة المؤنَّث ساكنٌ أبدًا، وحرف العلَّة إذا سكن وانفتح4 ما قبله5 لم يعتلَّ إِلَّا في "يَوْجَلُ" خاصَّة6.
وإن أُسند إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب، كائنًا ما كان، رددتَ 7 الألف إلى أصلها من الياء أو الواو، نحو: رَمَيتُ وغَزَوتَ، ورَمَيتُما وغَزَوتُما، ورَمَيتُم وغَزَوتُم، وَرَمَيْتُنَّ وغَزَوتُنَّ، ورَمَينا وغَزَونا؛ لأنَّ ما قبل ضمير المتكلِّم أو المخاطَب أبدًا ساكن أيضًا.
وإن كان8 ما في آخره ياء أو واو فإنه إن أُسند إلى ضمير غائب9 أو مخاطَب أو متكلِّم بقي10 على حاله لا يتغيَّر، نحو: رَضِيَ وسَرُوَ، ورَضِيا وسَرُوَا، ورَضِيْنَ وسَرُوْنَ، ورَضِيْتَ ُِوسَرُوتَ ُِ, ورَضِيتُما11 وسَرُوتُما، ورَضِيتُم وسَرُوتُم، ورَضِيتُنَّ وسَرُوتُنَّ ورَضِينا وسَرُونا. إذ لا موجب لتغييرها عن حالها، إِلَّا أن يكون الضمير ضمير جماعة مذكَّرينَ غائبين12 فإنك تحذف الواو والياء، وتضمُّ ما قبل واو الجمع13 نحو: رَضُوْا وسَرُوْا.
وسبب ذلك أنَّ الواو يتحرَّك ما قبلَها أبدًا بالضمِّ14 نحو: ضَرَبُوا. فلو قلتَ "رَضِيُوا"15 و"سَرُوُوا"16 لاستَثقلتَ الضَّمَّة في الياء والواو لتحرُّك ما قبلهما، فيجب حذفُها فيجتمع.
__________
1 في حاشية ف أن الساكنين هما الألف المنقلبة عن لام الفعل وألف الاثنين.
2 ف: رددت.
3 سقط من م.
4 م: أو انفتح.
5 سقط من م.
6 كذا. وانظر ص286.
7 سقط من م.
8 سقط من م.
9 م: غائبات.
10 سقط من م.
11 م: رضوتما.
12 م: عاقلين.
13 م: الجميع.
14 م: بالضمَّة.
15 م: رَضيوا.
16 م: سروا.
(1/338)

ساكنان: واو الضمير والياء والواو اللتان قبلها1. فتَحذف ما قبل واو الضمير؛ لأنَّ حذف الحرف أسهل من حذف الاسم، فتقول: "سَرُوا". وتَضمُّ بعد الحذف ما قبل الواو في مثل "رَضِيَ" فتقول رَضُوا، لتسلم واو الضمير؛ لأنك لو أَبقيتَ الكسرة لانقلبتْ واو الضمير ياء, لسكونها وانكسار ما قبلها، فكنتَ تقول "رَضِي", فيلتبس الجمع بالمفرد.
هذا ما لم يكن ما قبل الياء والواو ساكنًا. فإن كان ما قبلهما ساكنًا نحو: رَضْيَ وسَرْوَ، فإنَّ الياء والواو يجريان مجرى الحرف الصحيح، فلا يحذفان أصلًا، نحو: رَضْيُوا وسَرْوُوا2. ولا تُردُّ [الياءُ] 3 إلى أصلها من الواو في "رَضْيُوا" كما لم تُردَّ4 في المفرد.
وأمَّا حكم المضارع من هذه الأفعال فإنَّ الماضي إن كان على "فَعُلَ" أتى مضارعه أبدًا على "يَفْعُلُ"، كما كان ذلك في الصحيح، فتقول: يَسْرُو. وإن كان على "فَعِل" فإنَّه يأتي مضارعه على "يَفْعَلُ"، فيتحرَّك حرف العِلَّة، وما قبلَه مفتوحٌ, فينقلب ألفًا5. [50ب] نحو: يَرْضَى، على قياس الصحيح. فإن كان على "فَعَلَ" فإنَّ مضارعه، إنْ كان من ذوات الياء، على "يَفْعِلُ" بكسر العين6 نحو: يَرْمِي، وإن كان من ذوات الواو، على "يَفْعُلُ" نحو: يَغزُو.
فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يجئ مضارع "فَعَلَ" على قياس الصحيح، كما جاء ذلك في "فَعِلَ" و"فَعُلَ"، فيكونَ تارة على "يَفْعِلُ" وتارةً على "يَفْعُلُ" بالضمِّ والكسر، في ذوات الياء وذوات الواو؟ فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لالتبست ذوات الياء بذوات الواو؛ ألا ترى أنَّ مضارع "غَزا" لو جاء على "يَفْعِلُ" لكان "يَغزِي"، فيصير كـ"يرمي". وكذلك مضارع "رَمَى"، لو جاء على "يَعفُلُ" لقلتَ "يَرمُو" كـ"يَدعُو".فالتزموا في مضارع ذوات الواو "يَفْعُلُ"، وفي مضارع ذوات الياء "يَفْعِلُ"، لئلَّا تختلط ذوات الياء بذوات الواو.
فإن قيل: فهلَّا فَعلوا ذلك في مضارع "فَعِلَ" و"فَعُلَ". أَعني يلتزمون "يَفْعُلُ" في ذوات الواو7، و"يَفْعِلُ" في ذوات الياء، خوفَ الالتباس. فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارعهما عن قياس نظائرهما من الصحيح؛ لأنَّ "يَفْعلُ" من "فَعُلَ" المضمومِ العين في
__________
1: م: قبلهما.
2 م: سروا.
3 من م.
4 م: كما لم تردها.
5 أغفل انقلاب الواو ياء حملًا على الماضي. فهو يَرضَوُ، ثمَّ يَرضَيُ، ثمَّ يَرضَى. انظر ص355.
6 سقط "بكسرِ العين" من م.
7 م: الياء.
(1/339)

الصحيح إنَّما يأتي مضموم العين، و"يَفْعلُ" من "فَعِلَ" المكسور العين إنَّما يأتي على "يَفْعَلُ" بفتح العين، إِلَّا ما شذَّ نحو: حَسِبَ يَحسِبُ. وليس كذلك "فَعَلَ"، بل يأتي على "يَفْعِلُ" و"يَفْعُلُ"، بضمِّ العين وكسرها. فإذا التزموا في ذوات الياء "يَفْعِلُ" وفي ذوات الواو "يَفْعُلُ"، لم يخرجوا عن قياس المضارع، بل أَتَوا بأحد الجائزين.
وأيضًا فإنَّ المعتلَّ اللام أُجري مُجرى المعتلِّ العين. فكما أنَّ "فَعَلَ" المعتلَّ العين يُلتَزَمُ1 في ذوات الواو منه "يَفْعُلُ" بضمِّ العين، وفي ذوات الياء "يَفْعِلُ" بكسرها، فكذلك المعتلُّ اللام. إِلَّا ما شذَّ من ذلك فجاء على "يَفْعَلُ" بفتح العين نحو: أَبَى يأبَى، أو ما كان عينه حرف حلق نحو: نأَى يَنأَى، فإنَّ المضارع يأتي أبدًا على "يَفْعَلُ" بفتح العين، كما كان ذلك في الصحيح.
ووجه مجيء2 مضارع" أبَى" على "يَفْعَلُ" تشبيه الألف بالهمزة، لقربها منها في المخرج. فكما أنَّ ما لامه حرف حلق من "فَعَلَ" يأتي مضارعه على "يَفْعَلُ"، نحو: يقرأُ، فكذلك3 ما لامه ألفٌ.
وما كان من ذلك لِما لم يُسمَّ فاعله فإن مضارعه أبدًا يأتي على "يُفْعَلُ" بفتح العين وضمِّ أوَّل الفعل، نحو: يُرْضَي ويُغْزَى، على قياس الصحيح، ثمَّ يُقلب حرف العلَّة ألفًا4، لتحرُّكه وانفتاح ما قبله.
وحكمُه5 أبدًا إذا أُسند إلى الألفِ التي هي ضمير المثنَّى، أو الواو التي هي ضمير جماعة المذكَّرِينَ، أو النونِ التي هي ضمير جماعة المؤنَّثات، حكمُ الماضي المعتلّ اللام إذا أُسند إلى شيء من ذلك. وقد تَقَدَّمَ إِلَّا أنَّك إذا قلبتَ الألف في الماضي رددتها إلى أصلها من ياء أو واو نحو: غَزَوَا ورَمَيا، وإذا قلبتَ الألف في المضارع رددتَها أيضًا إلى أصلها، من ياء أو واو، نحو: "يَخشَى" تقول: يَخشَيانِ، وفي 6 "يَبْأى" من البأْو: 7 يَبْأَوانِ.
إِلَّا أن تكون الواو قد قُلبت ياء في الماضي، فإنَّ المضارع يَجري على قياس الماضي، فتُردُّ الألف إلى الياء فتقول في "يَرضَى": يَرضَيانِ، وفي "يَشقَى": يَشقَيانِ، كما قالوا: رَضِيَ وشَقِيَ.
__________
1 م: يلزم.
2 م: ذلك في الصحيح العين فيجيء.
3 م: وكذلك.
4 أغفل انقلاب الواو ياء حملًا على الماضي. فهو يُغزَوُ، ثمَّ يُغْزَيُ، ثمَّ يُغْزَى.
5 أي: حكم المضارع.
6 سقط من م.
7 البأو: الفخر والتكبر.
(1/340)

فحَملوا المضارع على الماضي في الإعلال، وإن لم يكن في المضارع كسرةٌ قبل الواو تُوجب قلبها ياء، كما كان ذلك في الماضي. وإذا حملوا اسم الفاعل والمفعول على الفعل في الإعلال، في نحو: قائل وبائع ومَقُول ومَبِيع، فحملُ الفعلِ أَوْلى.
إِلَّا لفظةً واحدةً شذَّت فقُلبت الألف فيها ياء وأصلها الواو، ولم تُقلب في الماضي ياء، وهي1: شأَى2 يَشْأَى، من الشَّأو3, فإنهم قالوا: يَشْأَيانِ، وكان القياسُ "يَشْأَوانِ". لكنَّهم شذُّوا فيه فقلبوا الألف ياء لغير مُوجِب. وعلَّل ذلك أبو الحسن بأن قال: لمَّا كان "شأَى": "فَعَلَ"، وجاء مضارعه على "يَفعَلُ" نحو: "يَشأَى" -و"يَفعَلُ" إنَّما هو مضارع "فَعِلَ" المكسور العين- عاملوه معاملة مضارع "فَعِلَ" من ذوات الواو، نحو: رَضِيَ4 يَرضَى. فكما قالوا: "يَرضَيانِ" قالوا: يَشْأَيانِ.
وهذا الذي علَّل به أبو الحسن باطلٌ؛ لأنَّ "شأَى" عينه5 حرف حلقٍ، وما عينه حرف حلق فإنَّ قياس مضارعه أن يجيء على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: جأرَ يَجأرُ. ولو كان هذا القَدْر يوجب قلب الألف ياء لوجب أن تَثبُت الواو في مثل: يَطأُ ويَسَعُ، كما يُفعَلُ6 ذلك في [51أ] مضارع "فَعِلَ" الذي فاؤه7 واو، نحو وَجِلَ يَوْجَلُ. فكما لم يُرْع هنا شَبَهُه بـ"فَعِلَ"، فكذلك ينبغي أن يُفعل في "يَشأَى".
وكأنَّ أبا الحسن أخذ هذا التعليل من سيبويه، حيث علَّل كسرَ أوَّل "تِئبَى"، وإن8 كان الماضي على "فَعَلَ"، وإنَّما يُكسر أوَّل المضارع من "فَعِلَ"، بكون المضارع جاءَ على "يَفْعَلُ"9. فلمَّا جاء مضارعُه كمضارعِ "فَعِلَ" المكسور العين كُسر أوَّل المضارع، كما يُكسر أَوَّل المضارع من "فَعِلَ".
وليس ما ذهب إليه أبو الحسن مثل ما ذكر سيبويه؛ لأنَّ "أَبَى" ليس لامه10 حرفَ حلق، فكان قياس مضارعه أن يجيء على "يَفعِلُ" بكسر العين، فجاء مضارعه مفتوح العين كمضارع "فَعِل". فتوهُّمُ ماضي "يأبَى" على "فَعِل" توهُّمٌ صحيح.
__________
1 في النسختين: وهو.
2 سقط من م. وشأى القوم: سبقهم.
3 م: الشأى.
4 سقط من م.
5 سقط من م.
6 ف: كما تفعل.
7 م: لامه.
8 انظر الكتاب 2: 256 م: ولو.
9 م: يفعُل.
10 كذا. والصواب: ليس عينه أو لامه.
(1/341)

وما كان من هذه الأفعال المضارَعة في آخره واو أو ياء فإنه يكون في موضع الرفع1 ساكنَ الآخر نحو: يَغزُو ويَرمِي. فتُحذف الضَّمَّة لاستثقالها في الياء والواو؛ لأنها مع الواو بمنزلة واوين، ومع الياء بمنزلة ياء وواو. وذلك ثقيل.
ويكون2 في موضع الجزم محذوف الآخِر، نحو: لم يَرمِ ولم يَغْزُ. وإنَّما حُذفت الياء والواو في الجزم، لئلَّا يكون لفظ المرفوع كلفظ المجزوم لو أُبقيَت الياء والواو. وأيضًا فإنَّ الياء والواو لمَّا عاقبَتا الضَّمَّة فلم تظهر معهما، أُجريَتا مُجرى الضَّمَّة، فحُذفتا للجزم كما تُحذف الضَّمَّة.
ويكون3 في موضع النَّصب4 مفتوح الآخِر، نحو: لن يَغزُوَ ولن يَرمِيَ؛ لأنَّ الفتحة خفيفة. وقد تُسْكِن الياء والواو في موضع النصب ضرورةً5، تشبيهًا لها بالضَّمَّة أو للياءِ والواوِ بالألف, فتقول: لن يَغزُوْ ولن يَرمِيْ. ومن ذلك قولُه6:
وأَن يَعرَيْنَ, إِن كُسِيَ الجَوارِي ... فتَنبُوْ العَينُ, عن كَرَمٍ, عِجافِ.
يريد: فتَنبُوَ العينُ. وقولُ7 الأخطل8:
إِذا شئتَ أن تَلهُوْ, بِبَعضِ حَدِيثِها, ... رَفَعْنَ, وأَنزَلْنَ القَطِينَ, المُوَلَّدا
كما أنهما قد تُثبِتُ فيهما الضَّمَّة، ولا تَحذف في الجزم آخرَ المعتلِّ، وتجريه مُجرى الصحيح9 -وذلك في الضرورة أيضًا- نحو: يَغزُوُ ويَرمِيُ. وعلى ذلك قوله10.
ألَم يأتِيكَ, والأنباءُ تَنمِي ... بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
__________
1 المنصف 2: 113-114.
2 م: وتكون.
3 في النسختين: وتكون.
4 المنصف 2: 114-115.
5 هذا هو الشائع لدى جمهور النحاة. والصواب أنه ليس ضرورة. بل هو للتخفيف.
6 هو عيسى بن فاتك الخارجي أو أبو خالد القناني أو سعيد بن مسحوج أو عمران بن حطان. اللسان "كرم" و"كسا" والخصائص 2: 212 و342 واللسان والتاج "عجف" والكامل ص895 وشرح شواهد المغني ص300 وعيون الأخبار 3: 97 والوحشيات ص90 ومعجم الشعراء ص95-96 والأغاني 16: 146. وكرم: كريمات. يذكر بناته وأنهن كن سبب قعوده عن نصرة الخوارج.
7 في النسختين: وقال.
8 ديوانه ص90 والمنصف 2: 115 والخزانة 3: 529. ورفعن: سرن سيرًا دون العدو. والقطين: الخدم. يقول: إذا أردت أن تلهو بحديثهن أسرعن السير وأنزلن خدمهن لئلا يسمعوا حديثهن.
9 م: "ولا تحذف إجراء للمعتل مجرى الصحيح". وكذلك في إحدى النسخ كما جاء في حاشية ف.
10 قيس بن زهير العبسي. الكتاب 2: 59 والمنصف 2: 114-115 والمغني ص108 وشرح شواهده ص113 والإنصاف ص30 وشرح الشافية 3: 184. وشرح شواهدها ص408 والعيني 1: 230-234 واللسان والتاج "أتي". يفخر بنهبه إبل بني زيد وبيعها. واللبون: ذات اللبن من النوق.
(1/342)

وقولُ الآخر1:
هَجَوتَ زَبَّانَ, ثُمَّ جِئتَ مُعتَذِرًا ... مِن هَجْوِ زَبَّانَ, لَم تَهجُو, ولَم تَدَعِ
فكأنهما قبلَ دخول الجازم عليهما كانا "يأتيُكَ" و"تَهجُوُ"2، فدخل الجازم فحذف الحركة. ومنهم من حمل "ألم يأتيك" و"لم تهجو" على حذف الضَّمَّة المقدَّرة. وما قَدَّمناه أَولى، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى كون المجزوم والمرفوع على صورة واحدة.
وما كان منها في آخره ألف فإنَّه يكون في موضع الرفع والنصب ساكنَ الآخر، لتعذُّر الحركة في الألف، وفي موضع الجزم محذوفَ الألف، لمعاقبتها الحركةَ. فكما أنَّ الجازم يَحذف الحركة فكذلك ما عاقبها.
وزعم بعض النحويِّينَ3 أنَّ العرب قد تُثبِتُ الألف في الجزم ضرورةً، فتَحذف الحركة المقدَّرة، وتُجريها في الإثبات مُجرى الياء والواو، وإن لم يكن تحريكها كتحريكهما. واستدلَّ على ذلك بما أنشده أبو زيد من قوله4:
إِذا العَجوزُ غَضِبَتْ فطَلِّقِ ... ولا تَرضَّاها, ولا تَمَلَّقِ
وبقراءة حمزةَ: "لا تَخَفْ دَرَكًا ولا تَخشَى"5، بجزم "تَخَفْ" وإثبات الألف في "تَخشَى"؛ ألا ترى أنَّ "تَخشَى" معطوف على "لا تخفْ" وهو مجزوم؟ وكذلك أيضًا "تَرضَّاها" في موضع جزم بـ"لا"؛ ألا ترى أنَّه قد عُطِفَ عليه "ولا تملَّقِ" وهو مجزوم؟.
ولا حجَّة عندي في شيء من ذلك: أمَّا قوله تعالى "ولا تَخشَى" فيحتمل أن يكون خبرًا مقطوعًا، كأنَّه قال: وأنت لا تَخشَى، امتثالًا لنهينا لك. وكذلك "ولا تَرضَّاها" يحتمل أن يكون جملة خبريَّة، في موضع الحال، كأنه قال: فطَلِّقْ وأنت لا تَرضَّاها. ويكون "ولا تَمَلَّقِ" نهيًا معطوفًا على جملة الأمر التي هي: فطلِّقِ.
__________
1 ينسب إلى أبي عمرو بن العلاء واسمه زبان، مخاطبًا به الفرزدق. المنصف 2: 115 والإنصاف ص24 وشرح الشافية 3: 184 وشرح شواهدها ص406-407 والعيني 1: 234-236. يريد: هجوتني ثمَّ اعتذرت. فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو.
2 م: يهجو.
3 في حاشية ف: هو ابن بابشاذ.
4 ينسب إلى رؤبة. ديوانه ص179 والمنصف 2: 115 و2: 78 والخصائص 1: 307 والضرائر ص174 والعيني 1: 236 وشرح المفصل 10: 106 والإنصاف ص10 وشواهد التوضيح ص20 وسر الصناعة 1: 29 والدرر واللوامع 1: 28 واللسان والتاج "رضو". وانظر ديوان سلامة بن جندل ص173.
5 الآية 77 من سورة طه.
(1/343)

فإن كان الفعل على أزيد من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل أو للمفعول.
فإن كان مبنيًّا للفاعل فإنَّ حرف العلَّة1 ينقلب ألفًا. لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، إن كان ياء نحو: استَرمَى ورامَى ووَلَّى. وإن كان حرف العلَّة واوًا قُلب ياء، ثمَّ قُلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، نحو: أَغزاه واستَدعاه واستَدناه. أصلها "أَغْزَوَ" و"استَدْعَوَ" و"استَدْنَوَ". ثمَّ قلبت الواو ياء فصار "أَغزَيَ" و"استَدْعَيَ" و"استَدْنَيَ". ثمَّ قلبت الياء [51ب] ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، كما كان ذلك فيما كان على ثلاثة أحرف إذا انفتح ما قبلَ حرف العلَّة.
فإن قيل: ولأيِّ شيء قُلبت الواو في الفعل ياء، إذا وقعت طرفًا رابعة فصاعدًا، وليس معها ما يوجب قلبها ياء؟ فالجواب أنها في ذلك محمولة على المضارع، نحو: يُغزي ويَستَدنِي ويَستَدعِي. وقُلبت في المضارع ياء لانكسار ما قبلها، كما قلبت في مثل: شَقِيَ2 ورَضِيَ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء انقلبت الواو ياء في مثل "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ"، نحو: تَرَجَّى وتَغازَى، وليس لها ما يوجب قلبها في الماضي ولا في المضارع؟ ألا ترى أنَّ ما قبل الآخِر3 في المضارع مفتوح، كما أنَّ الماضي كذلك، نحو: يَتغازَى ويَتَرجَّى؟ فالجواب أنَّ التاء في "تَرجَّى" و"تَغازَى" وأمثالهما إنَّما دخلت على "رَجَّى" و"غازَى". وقد كان وجبَ قلبُ الواو ياء في "غازَى" و"رَجَّى"، حملًا على: يُرَجِّى ويُغازِى4. فلمَّا دخلت التاء5 بقي على ما كان عليه.
فإن رددتَ شيئًا من ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعله ضممتَ الأوَّل وكسرت ما قبل الآخِر، وصارت الألف التي كانت في الآخِر ياء، نحو: أُغْزِيَ واستُرْمِيَ واستُدْعِي واستُدْنِيَ، من ذوات الواو6 كان الفعل أو من ذوات الياء7 وإنَّما قُلبت الواو ياء إمَّا بالحمل على فِعل الفاعل، أو لأجل انكسار ما قبلها كما قلبت في مثل: شَقِيَ8.
وأمَّا المستقبل9 فيجيء أبدًا على قياس نظيره من الصحيح. فإن كان ما قبل حرف العلَّة فتحةً قُلب ألفًا10، نحو: يَتغازَى ويَتَرَجَّى، ويُغزَى ويُستَدعَى ويُستَرمَى. وإن كان ما قبله كسرةً
__________
1 يريد: في الفعل الماضي.
2 م: سقي.
3 م: الأحرف.
4 م: تغازى.
5 م: الياء.
6 م: الياء.
7 م: الواو.
8 م: سقى.
9 المبني للفاعل والمبني للمفعول.
10 كذا. والواو تُقلب ياء، ثمَّ تُقلب الياء ألفًا.
(1/344)

ثَبَتَ، إن كان ياء نحو: أَستَرمِي، وإن كان واوًا قُلبت ياء نحو: يُغزِي ويَستَدعِي ويَستَدنِي.
ويكون حكم ما في آخره ألف، من الماضي أو المضارع المزيد، في الإسنادِ إلى الضمير المرفوع، أو اتصالِ تاء التأنيث بالماضي، كحكم غير المزيد في القلب والحذف والإثبات، وحكم ما في آخره ياء قبلها كسرة كحكم الماضي غير المزيد في الإثبات والحذف. إِلَّا أنك إذا قلبت الألف لم تَرُدَّها في المزيد إلى أصلها، بل تَردُّها إلى الياء، من ذوات الياء كان الفعل أو من ذوات الواو، نحو: أَغزَينا واستَدنَينا واستَدعَينا، للعِلَّة التي ذكرنا من الحمل على المضارع.
وإن كان المعتلُّ اسمًا فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيدَ. وكيفما كان فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبل حرف العلَّة، ياء كان أو واوًا، ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علَّة أو حرفًا صحيحًا.
فإن كان الساكن حرفًا صحيحًا1 جرت الياء والواو مجرى حرف2 الصِّحَّة، ولم تَتغيَّرا3، نحو: غَزْوٍ وظَبْيٍ.
إِلَّا أن يكون [الاسم] 4 على [وزن] 5 "فَعْلَى"6 ممّا لامه ياء. وذلك قولهم: شَرْوَى وتَقْوَى7 وفَتْوَى. فإنَّ العرب تُبدل من الياء واوًا في الاسم، والصفةُ تُتركُ على حالها نحو: خَزْيا وصَدْيا ورَيّا8.
وإنَّما فعلوا ذلك تفرقةً بين الاسم والصفة. وقلبوا الياء واوًا في الاسم دون الصفة؛ لأنَّ الاسم أخفُّ من الصفة؛ لأنَّ الصفة تُشبه الفعل، والواو أثقل من الياء. فلمَّا عزموا9 على إبدال الياء واوًا جعلوا ذلك في الاسم لخِفَّته، فكان عندهم من أجل ذلك أَحمل للثقل
وكأنَّ العرب جَعلَت قلب الياء واوًا في هذا عِوضًا من غلبة الياء على الواو؛ ألا ترى أنَّ انقلاب الواو إلى الياء أكثر من انقلاب الياء إلى الواو؟ , وإِلَّا فليس ذلك بقياس. أعني قلب الأخفّ
__________
1 المنصف 2: 122.
2 م: حروف.
3 م: لم تتغير.
4 من م.
5 من م.
6 المنصف 2: 157-160.
7 كذا. و"تقوى" من المعتل الفاء واللام.
8 كذا. و"ريا". من المعتل العين واللام.
9 م: لأنَّ الصفة تشبه الواو والفعل أثقل من الواو فيما زعموا.
(1/345)

-وهو الياء- إِلى الأثقل. وهو الواو. ولولا ما ورد1 السماع به لم يُقَل. لكنَّ الذي لحظت2 العرب في ذلك -والله أعلم- ما ذكرنا. وإنَّما خصُّوا بها الفعل المعتلَّ اللام دون المعتلِّ العين أو الفاء؛ لأنها أَقبَلُ للتغيير لتأخُّرها وضعفها.
والشَّرْوَى3 من [شَرَيتُ] 4، والتَّقْوَى من "وَقَيتُ"، والفَتْوَى من ذوات الياء بدليل قولهم: الفُتْيا5، بالياء، ولا تحمل6 الفُتْيا على القُصْيا -أعني ممّا قُلبت فيه الواو ياء- لأنه7 لا نعلم8 لها أصلًا في الواو. ومع هذا فإنَّ الفُتْيا تقوية9 لنفس المستفتي، فهو من معنى الفتَى10 والفَتاء11.
أو يكونَ12 الاسم على وزن13 "فُعْلَى" وتكونَ لامه واوًا. فإنَّ العرب تبدل من الواو ياء في الاسم. وذلك نحو: العُلْيا والدُّنْيا والقُصْيا. الأصل فيها "الدُّنْوَى" و"العُلْوَى" و"القُصْوَى". فقُلبت الواو ياء. والدليل على ذلك14 أنَّ الدُّينا من الدنوِّ، والعُليا من "عَلوتُ"، وأنهم قد قالوا في القُصيا: "القُصْوَى"، فأظهروا الواو.
فإن قال قائل: فإنَّ القُصيا والعُليا والدُّنيا صفات. فالجواب أنها قد استُعملت استعمال الأسماء [52أ] في وِلايتِها العواملَ وتركِ إجرائها تابعةً15. فلذلك قُلبت فيها16 الواو ياء.
__________
1 يريد: ولولا ورود. انظر ص291.
2 م: لحظته.
3 م: السروى.
4 من م.
5 م: الفتي.
6 م: ولا يحمل.
7 المنصف 2: 158: لأنا.
8 ف: لا يعلم.
9 المنصف 2: 158: فإن في الفتيا تقوية.
10 في النسختين: الفتا.
11 أُقحمت بعده مسألتا "ريّا" و"العوّى" في م وبعض النسخ، كما جاء في حاشية ف وفي طيارة أُلحقت بها. وسترد هاتان المسألتان في المعتلِّ العين واللام. فكأنَّ ابن عصفور تابع ابن جني في المنصف 2: 158-160، فأقحمهما سهوًا في المعتلِّ اللام. ثمَّ استدرك فنقلهما إلى المعتلِّ العين واللام. فكان هذا الخلاف في النسخ. والعجب أن بعض النسخ أثبتت هاتين المسألتين مع غيرهما في خاتمة المعتلِّ العين.
12 معطوف على قوله "يكون" في ص342. وقد جاء هذا النص من هنا إلى قوله "سائر أبيات القصيدة" مثبتًا على الطيارة بعد مسألتي "ريّا" و"العوّي"، مع أنه وارد في موضعه هنا في ف. فهو مكرر سهوًا.
13 المنصف 2: 161-163.
14 في م والطيارة: ألا ترى.
15 المنصف: قد أُخرجت إلى مذاهب الأسماء بتركهم إجراءها وصفًا في أكثر الأمر، واستعمالهم إياها استعمال الأسماء.
16 في النسختين والطيارة: فيه.
(1/346)

فإن كانت صفة بقيت على لفظها ولم تُقلب الواو ياء، نحو:1 خُذِ الحُلْوَى وأَعطِه المُرَّى.
وقد شَذَّ من "فُعْلَى" الاسم شيءٌ، فلم تُقلب فيه الواو ياء. وذلك: القُصْوَى2 وحُزْوَى اسمَ موضع. وكأنَّ القُصْوَى -والله أعلم- إنَّما صَحَّت فيه الواو تنبيهًا على أنَّه في الأصل صفة.
وإنَّما قُلبت الواو ياء في الاسم دون الصفة، فرقًا بين الاسم والصفة. وكان التغيير هنا3 في الاسم دون الصفة4، كما5 كان التغيير في "فَعْلَى" من الياء في الاسم دون الصفة6، ليكون قلب الواو هنا ياء كالعِوَض من قلب الياء [هنالك] 7 واوًا. وهذا أحسن -أعني قلب الواو إلى الياء- لأنَّ في ذلك تخفيفًا للثقل؛ لأنَّ الياء أخفُّ من الواو. وهو مع ذلك على غير قياس؛ لأنَّه قلب لغير موجِب. ولولا وُرود السماع بذلك لما قيل.
فأمَّا "فُعْلَى"8 من الياء، اسمًا كانت أو صفة، فإنها لا تُغيَّر عما تكون عليه؛ لأنهم إذا كانوا يفِرُّون فيها من الواو إلى الياء فإذا وجدوا الياء فينبغي ألَّا يُجاوزوها، كما أنَّ "فَعْلَى" من الواو لا تُغيَّر عمَّا تكون عليه، اسمًا أو صفةً، لكونهم يفِرُّون فيها من الياء إلى الواو. فإذا وجدوا الواو فينبغي ألَّا يُعدَل عنها.
وأمَّا "فِعْلَى"9 فينبغي أن يَبقَى10 على الأصل ولا يُغيَّر11, من الياء كان أو من الواو؛ لأنَّ التغيير في "فَعْلَى" و"فُعْلَى" على غير قياس، ولولا السماع لما قيل به، ولم يرد سماع بتغيير في "فِعْلَى". فينبغي أن يبقى على الأصل. وأيضًا فإنَّ التغيير إنَّما وقع في هذا الباب فرقًا بين الاسم والصفة، و"فِعْلَى" لا يكون12 صفة13. فلا ينبغي أن يُغيَّر؛ لأنَّه لا يحصل بتغييره فرق بين شيئين.
__________
1 المنصف 2: 162-163.
2 القصوى: طرف الوادي.
3 أي: في فُعلى.
4 ف: الوصف.
5 سقط من م حتى "دون الصفة".
6 ف: الوصف.
7 أي: في فَعْلَى. وهذه الكلمة زيادة من م والطيارة.
8 م: فَعلى.
9 المنصف 2: 163.
10 ف: أن تبقى.
11 ف: ولا تغير.
12 ف: لا تكون.
13 كذا. وذكر في ص67 أنه يجيء صفة بالهاء نحو: رَجلٌ عِز هاةٌ. وذكره ابن القطاع بغير هاء. انظر المزهر2: 14. وكذلك كِيصَى. انظر التاج "عزه".
(1/347)

وإن كان الساكن حرف علَّة فلا يخلو أن يكون ياء أو واوًا أو ألفًا. فإن كان ألفًا فإنَّ الياء والواو يُقلبان بعدها همزة، إذا وقعتا1 طرفًا نحو: كِساء وسِقاء؛ لأنهما من "كَسَوتُ" و"سَقَيتُ". وإنَّما فُعل ذلك بهما لوقوعهما في محلِّ التغيير -وهو الآخر- مع أنَّ ما قبلهما مفتوح، وليس بين الفتحة وبينهما إِلَّا حرف ساكن زائد من جنس الفتحة. فكأنه لم يقع بينهما وبين الفتحة حاجز. فكما أنَّ الياء والواو يُقلبان إلى الألف، إذا انفتح ما قبلهما وكانا2 في الطرف، فكذلك قلبا في هذا الموضع. فلمَّا قُلبت الياء والواو ألفًا التقى ساكنان: الألف المبدلة والألف الزائدة قبلها، فقُلبت الثانية همزة لالتقاء الساكنين؛ إذ لا بدَّ من التحريك، وتحريكُ الألف لا يمكن3. فقُلبت إلى أقرب الحروف لها، ممّا يقبل الحركة. وهو الهمزة4.
وكذلك تفعل أيضًا, إذا دخل على الكلمة تاءُ التأنيث، أو علامة التثنية، أو ياءا النسب، نحو [كِساءة] 5 وسِقاءة6, وكِساءانِ وسِقاءانِ، وكِسائي ّ وسِقائيّ. إِلَّا أنه يجوز مع علامة التثنية وياءيِ النسب أن تُبدِل من الهمزة واوًا، فتقول: كِساوانِ وكِساويّ، على ما تَقَدَّمَ7 في النسب8.
إِلَّا أن يُبنى9 الاسم على التاء أو علامة التثنية، فإنَّ حرف العلَّة لا يُبدل إذ ذاك منه همزة، نحو: عِلاوة ونِهاية وإداوة10؛ ألا ترى أنَّ الكلمة هنا مبنيَّة على التاء11، [وأنه لا يجوز12 أن تُحذف هذه التاء] ، فتقولَ: "عِلاء" و"نِهاء" و"إِداء"13. وكذلك [قول العرب] 14 "عَقَلتُه بِثِنايَينِ". كأنه15 تَثنيةُ "ثِناء" وإن لم يُنطق به، بل الواحد في هذا لم يُسمع إِلَّا مثنًّى.
__________
1 المنصف 2: 137-139. وفي ف والطيارة: وقعت.
2 ف: وكان.
3 في النسختين: "لم يكن". والتصويب من الطيارة.
4 م: "الألف". وأقحم بعدها في الطيارة: "فكما تصح الواو في مثل عدوّ فكذلك تصح الواو المضموم ما قبلها في آخر الفعل". انظر ص334.
5 سقط من النسختين والطيارة.
6 م: سقاء.
7 م: "ما أحكم". وفي الطيارة: ما يحكم.
8 كذا. ولعله يريد "في الإبدال". انظر ص240.
9 المنصف 2: 127 و134-135.
10 الإداوة: إناء من جلد يتخذ للماء.
11 سقط ما بين معقوفين من ف.
12 في الطيارة: لا ينبغي.
13 م: فتقول علاونها وإذا.
14 سقط من ف. وانظر المنصف 2: 102.
15 زاد في ف: قال.
(1/348)

فأمَّا قوله1:
إِذا ما المَرْءُ صَمَّ, ولَم يُكَلَّمْ, ... ولَم يَكُ سَمعُهُ إِلَّا دُعايا2
وسائر أبيات [هذه] 3 القصيدة4 فضرورة، ولم يُسمع مثله في غير هذا الموضع. ووجهه أنه أجرى ألف الإطلاق مُجرى تاء التأنيث التي بُنيت عليها الكلمة. فكما لم تُقلب الواو ولا الياء, في مثل: إِداوة ونِهاية، همزة فكذلك لم تُقلب في "دُعايا" وأخواته5.
فإن كان الساكن ياء أو واوًا أدغمتَ6 فيما بعده. فإن كان الساكن مخالفًا للام -أعني بأن يكون أحدهما واوًا والآخر ياء- قُلبت الواو ياء تَقدَّمتْ أو تأخَّرتْ، وأُدغمت الياء في الياء نحو: بَغِيّ وسَرِيّ. أصلهما "بَغُوْيٌ" و"سَرِيْوٌ"7، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء8 في الياء, ثمَّ قُلبت الضَّمَّة التي في العين من "بَغيّ" كسرة، لتصحَّ الياء. والدليل على أنَّ بَغِيًّا: "فَعُول" كونه للمؤنَّث بغير تاء. قال الله تعالى9: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} . ولو كان بَغِيّ10: "فَعِيل" لكان بالتاء كظريفة.
فإن كان الساكن موافقًا للام أدغمتَ من غير قلب. وذلك نحو: عَدُوّ ووَلِيّ. وقد حُكي القلب في الواو -وهو قليل- قالوا11: أَرضٌ مَسنِيَّةٌ، من "يَسنُوها [52ب] المطَرُ"12 وقالوا: مَعْدِيٌّ، من "عَدَوتُ". قال13:
__________
1 أعصر بن سعد بن قيس عيلان أو المستوغر بن ربيعة. المنصف 2: 156 وضرائر الشعر ص230 وطبقات فحول الشعراء ص29-30 وحماسة البحتري ص203 وسر الصناعة 1: 183 واللسان "حمي". وذكر عجزه في حديث لابن عوف: النهاية واللسان والتاج "ودي" و"ندي".
2 م: "دعابا". وتحتها في الطيارة. "ندايا". وهذه رواية أخرى.
3 من م. ورواية حماسة البحتري للأبيات بالهمزة رويًا لا بالياء.
4 سقط من م حتى قوله "في دعايا وأخواته".
5 ألحق أبو حيان بحاشية ف: "وإن كان [الساكن] ياء أو واوًا فإنك تدغمها في الياء والواو اللتين تكونان لازمتين. إِلَّا أنه إذا كانت اللام ياء وما قبلها ياء أدغمت الياء في الياء من غير تغيير، نحو: وليّ. وإن كانت اللام واوًا والساكن قبلها ياء، أو اللام ياء". وقد تعذر عليّ إلحاقه بالمتن؛ لأنه يخل بالتعبير، وسيرد مضمونه بعد.
6 م: وأدغمت.
7 في النسختين: "وسروي". وفي حاشية ف بقلم مخالف. وسريو لأنه من سرو.
8 سقط من م.
9 الآية 28 من سورة مريم.
10 م: بمعنى.
11 المنصف 2: 127-178. والمسنية: المسقيَّة.
12 م: يسنو ماء المطر.
13 عبد يغوث الحارثي. شرح اختيارات المفضل ص771 والكتاب 2: 382 والمنصف 1: 118 و2: 122 وشرح الشافية 3: 172 وشرح شواهده ص400-401 والخزانة 1: 616 والاقتضاب ص467.
(1/349)

وقَد عَلِمتْ عِرسِي مُلَيكةُ أنَّنِي ... أنا اللَّيثُ, مَعْدِيًّا علَيهِ, وعادِيا
وإنَّما جاز القلب، على قلَّته، لكون1 الواو متطرِّفةً لم يَفصِل بينها2 وبين الضَّمَّة إِلَّا حاجز غير حصين. وهو الواو الساكنة الزائدة الخفيَّة3 بالإدغام. فكما قُلبت الواو ياء إذا تَطرَّفت وقبلها الضَّمَّة، وتُقلب الضَّمَّة التي قبلها كسرة، فكذلك تُقلب هنا.
وزعم الفرَّاء أنه إنَّما جاز في مَسنِيَّة ومَعدِيّ؛ لأنهما مبنيَّان على "سُنِيَ"4 و"عُدِي"5. فكما قُلبت الواو ياء في الفعل فكذلك فيما بُني عليه. وهذا باطل؛ لأنهم قد فعلوا ذلك في غير اسم المفعول، فقالوا: عَتا عُتِيًّا. قال الله تعالى6: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} .والمصدر ليس مبنيًّا7 على فعل المفعول. فدلَّ ذلك على أنَّ العِلَّة فيه ما ذكرنا.
إِلَّا في "فُعُول"8 جمعًا فإنه يلزم قلب الواو الثانية ياء، ثمَّ تُقلب الواو الأولى ياء لإدغامها9 في الياء، ثمَّ تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، وذلك: عُصِيّ ودُلِيّ. والسبب في ذلك ثقل الجمعيَّة, مع شبهه بأجْرٍ وأَدْلٍ, كما تَقَدَّمَ.10 ومن العرب من يكسر حركة الفاء11 إِتباعًا لحركة العين، فيقول: عِصِيٌّ. وضمُّها أفصح وأَكثر.
وقد شذَّ من ذلك جمعان12، فجاءا على الأصل. وهما نُحُوٌّ13 وفُتُوٌّ جمع فَتًى ونَحْوٍ. حُكي عن بعض العرب أنه قال: إِنكم لتَنظُرونَ في نُحُوٍّ كثيرةٍ. وقال الشاعر14:
__________
1 م: ليكون.
2 م: بينهما.
3 م: الساكنة الواحدة الحقته.
4 م: سَني.
5 م: عَدي.
6 الآية 8 من سورة مريم.
7 ف: يبنى.
8 المنصف 2: 124. م: فَعول.
9 م: الواو الأولى بالإدغام.
10 في الورقة 47.
11 م: حركته.
12 في شرح الشافية 3: 171 شواذ أخر. وفي م والمبدع وحاشية ف عن نسخة أخرى: "حرفان". وفي حاشية ف بخط أبي حيان أنهم جمعوا البهو والأب والأخ والابن على: بُهُوّ وبُهِيّ وأُبُوّ وأُخُوّ وبُنُوّ، مع شاهد شعري على الأبوّ للقناني. انظر شرح المفصل 5: 36.
13 في حاشية ف بخط أبي حيان أيضًا: جمع نَجْو -وهو السحاب- على نُجُوّ. مع شاهد من شعر جميل بثينة. ديوانه ص217.
14 من أبيات لجذيمة الأبرش. شرح شواهد المغني ص135 وشرح أبياته 3: 163 وتاريخ الطبري 2: 29 والخزانة 4: 567 وكتاب الاختيارين ص718. والرابئ: الذي يرقب الأعداء لجماعته.
(1/350)

في فُتُوٍّ، أنا رابِئُهُم ... مِن كَلالِ غَزْوةٍ, ماتُوا
فإن كان ما قبل حرف العلَّة حركة فلا يخلو أن تكون الحركة فتحة أو ضمَّة أو كسرة.
فإن كانت فتحة قلبتَ1 حرف العلَّة ألفًا، لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، كما فعلت ذلك في الفعل، تَطرَّفَ حرف العِلَّة نحو: عَصًا [ورَحًى] 2 وفَتًى، أو لم يتطرَّف نحو: قَطاة. إِلَّا أن يؤدِّي الإعلال إلى الإلباس فإنك تُصحِّح. وذلك3 نحو: قَطَوانٍ ونزوانٍ. فإنك تُصحِّح الواو؛ لأنك لو أعللتها4 فقلبتها ألفًا لالتقى ساكنان -الألف المبدلة من حرف العِلَّة، والألف التي من "فَعَلان"5 -فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين، فتقول: "نَزانٌ" و"قَطانٌ"، فيلتبس "فَعَلانٌ" بـ"فَعال".
ومثل ذلك6: رَحَيانِ وعَصَوانِ. صحَّحتَ لأنك لو أعللت لحذفتَ لالتقاء الساكنين، فكان يلتبس تثنية المقصور بتثنية المنقوص، فيصير "رَحانِ" و"عَصانِ"، كيَدَين ودَمَين.
فإن كانت الحركة كسرة قلبتَ الواو ياء، تطرَّفت نحو: غازٍ وداعٍ من الغزو والدَّعوة، أو لم تتطرَّف نحو: مَحْنِيَة من: حَنا يَحنُو، للعِلَّة التي ذُكرت في الفعل. بل إذا كانوا قد قلبوا الواو في المعتلِّ العين نحو: ثِيَرة وسِياط، مع أنَّ العين أقوى من اللام، فالأحرى أن يقلبوها إذا كانت لامًا. فأمَّا قولهم: مَقاتِوَةٌ7، فشاذٌّ.
وإن كان حرف العِلَّة ياء لم يُغيَّر8 نحو: رامٍ وقاضٍ ومَعْصِية ومَحْمِية. إِلَّا أنَّ الياء المكسور ما قبلها إذا كانت حرف إعراب فإنه لا يظهر الإعراب فيها إلَّا في النصب, نحو: رأيتُ قاضيًا وغازيًا. وأمَّا في حال الرفع والخفض فيكون الإعراب مقدَّرًا فيها، استثقالًا للرفع والخفض [في الياء] 9، فتسكن الياء لذلك. فإن لقيها ساكن حُذفت، وإن لم يلقها ساكن ثَبَتَتْ. وذلك نحو: هذا قاضٍ ومررت بقاضٍ -حُذفتِ الياء، لمَّا اجتمعت ساكنة مع التنوين- وهذا القاضي ومررت بالقاضي. أُثبتت10 الياءُ، لمَّا لم يلها ساكن تُحذف من أجله.
__________
1 ف: قلب.
2 من م.
3 سقط من م. وفي حاشية ف: "وكذلك تصحح ما كانت حركة حرف العِلَّة فيه عارضة لتسهيل الهمزة بعده. وذلك: جَيَل، المخفَّف من جَيئل".
4 م: أعللتهما.
5 م: وألف فعال.
6 م: ومثله.
7 المقاتوة: جمع مَقتويّ. وهو الخادم. شرح الشافية 3: 161-164.
8 م: لم تقلب.
9 من م.
10 م: أثبت.
(1/351)

هذا إن كان الاسم منصرفًا. فإن كان الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة غيرَ منصرف فإنَّ الفتحة تظهر، في الياء في حال النصب لخفَّتها، نحو: رأيتُ جَواريَ وأُعَيمِيَ1. وأمَّا في حال الرفع والخفض فإنَّ العرب تستثقل الرفع والخفض فيها2، مع ثقل الاسم الذي لا ينصرف، فتحذف الياء بحركتها3 فينقص البناء, فيدخل التنوين فيصير التنوين عوضًا4 من الياء المحذوفة، فتقول: هذه جَوارٍ، ومررت بجوارٍ، وهذا أُعَيمٍ5 ومررت بأُعيمٍ.
هذا مذهب سيبويه، ومذهب أبي إسحاق أنَّ6 المحذوف أوَّلًا إنَّما هو الحركة في الرفع والخفض استثقالًا، فلمَّا حُذفت الحركة عُوِّض منها التنوين، فالتقى ساكنان -الياء والتنوين- فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
والصحيح7، ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنَّ تعويض الحرف8 من الحرف أكثر في كلامهم9 من تعويض الحرف من الحركة. وأيضًا فإنه كان يجب10 أن يُعوَّض التنوين من الحركة التي [قد] 11 حذفت في الفعل نحو [53أ] : يَقضِي ويَرمِي. فإن قيل: إنَّما منع من ذلك أنَّ12 التنوين لا يدخل الفعل. قيل له: وكذلك التنوين لا يدخل الأسماء التي لا تنصرف.
وأيضًا فإنه كان يجب13 أن يُعوَّض من الحركة المحذوفة التنوينُ14 في مثل حُبلَى. بل كان يجب أن يكون العِوَض في حُبلَى أَلزم؛ لأنه لا تظهر الحركة في حُبلَى في حال، وقد تظهر في "جَوارٍ وأُعيمٍ وأمثالهما15 في حال النصب. فإنْ لم يفعلوا ذلك دليل على فساد مذهب أبي إِسحاق.
__________
1 الأعيمي تصغير أعمى.
2 م: منها.
3 م: لحركتها.
4 ف: ويصير عوضًا.
5 م: أغيم.
6 سقط من م.
7 المنصف 2: 67-80 والكتاب 2: 56-57.
8 الحرف هذا يراد به التنوين؛ لأنه نون ساكنة. ف: الحركة.
9 م: في كلامهم أكثر.
10 أي: على مذهب أبي إسحاق.
11 من م.
12 ف: لأن.
13 م: ينبغي.
14 سقط من ف وألحق بحاشيتها بعد "حبلى".
15 سقط من م.
(1/352)

وممّا يدلُّ، على أنَّ التنوين في جَوارٍ وغَواشٍ1 وأمثالهما عِوَضٌ من الحرف المحذوف، أنهم لا يحذفون في مثل الجواري والأُعَيمِي وجَوارِيك وأُعَيمِيك؛ لأنهم لو حذفوا لم يكن لهم سبيل إلى العوض؛ لأنَّ التنوين لا يمكن اجتماعه مع الإضافة، ولا مع الألف واللام. وهم قد عزموا على ألَّا يحذفوا إِلَّا بشرط العِوَض، فامتنع الحذف لذلك.
وقد تُجري العرب الاسمَ الذي في آخره ياء مكسور ما قبلها مُجرى الصحيح الآخِر، في الأحوال كلِّها، فتُظهر الإعراب. وذلك في ضرورة الشعر، نحو قوله2.
فيَومًا يُوافِينَ الهَوَى, غَيرَ ماضِيٍ ... ويَومًا تَرَى, مِنهُنَّ, غُولًا تَغَوَّلُ
فجرَّ الياء من "ماضي".
وقال الآخر3:
تَراهُ, وقَد فاتَ الرُّماةَ, كأنَّهُ ... أَمامَ الكِلاب مُصْغِيُ الخَدِّ أَصلَمُ
فرفع الياء من "مُصغي". وقال الآخر4:
خَرِيعُ دَوادِيَ, في مَلعَبٍ ... تأزَّرُ طَورًا, وتُرخِي الإِزارا
ففتح "دوادي" في موضع الخفض. وكذلك قول الآخر5:
قَد عَجِبَتْ مِنِّي, ومِن يُعَيلِيا ... لَمَّا رأتْنِي خَلَقًا, مُقلَولِيا
بفتح الياء من "يُعَيلي"6 في موضع الخفض7.
وكذلك أيضًا قد يُجرون المنصوب من ذلك مُجرى المرفوع والمخفوض، فيُسْكِنون في
__________
1 م: "عواش". والأرجح أن يكون بدلًا منها "أُعَيمٍ"؛ لأنَّ "غواش" لم ترد قبل ولا بعد. فكأن ابن عصفور سها، وهو ينقل من المنصف 2: 70، فأثبت "غواش" تبعًا لابن جني.
2 جرير. ديوانه ص355 والخصائص 3: 159 والكتاب 2: 59 وضرائر الشعر ص42 والنوادر ص203 والخزانة 3: 534 واللسان 14: 21 والمنصف 2: 80. وانظر العيني 1: 228 واللسان "مضى" ونقائض جرير والأخطل ص64. وتغول: تتلون.
3 أبو خراش الهذلي. ديوان الهذليين 2: 146 والمنصف 2: 81 والخصائص 1: 258. والمصغي: المائل. والأصلم: المستأصل الأذنين. يصف ظليمًا. وفي ديوان الهذليين وشرح أشعار الهذليين ص219 روي "مصغي" بالنصب. وقال السكري: نصب "مصغي" على الحال.
4 الكميت. ديوانه 1: 90 والكتاب 2: 60 وضرائر الشعر ص42 والمنصف 1: 80. يصف جارية. والخريع: اللينة المعاطف. والداودي. موضع تسلق الصبيان ولعبهم. ومعنى المصراع الثاني أنها لا تبالي لصغرها كيف تلعب.
5 الكتاب 2: 59 وضرائر الشعر ص43 والمنصف 2: 68 والخصائص 1: 6 واللسان "قلو". ونسبه محقق الخصائص والشنقيطي في الدرر 1: 11 إلى الفرزدق. ويعيلٍ تصغير يَعلى. والمقلولي: الذي يتململ على الفراش حزنًا.
6 م: ففتح فعيليا.
7 م: في موضع الجر.
(1/353)

الشعر، نحو قوله1:
وكَسَوتُ عارٍ لَحمُهُ، فتَرَكتُهُ ... جَذلانَ، يَسحَبُ ذَيلَهُ. ورِداءهُ
يريد: عارِيًا لحمُه.
ويجوز2 في لغة طيِّئ أن تُحوَّل الكسرة التي قبل الياء فتحة، فتنقلب الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، فيقال في باقية وناصية: "باقاةٌ" و"ناصاةٌ". وأمَّا غيرهم من العرب فلا يُجيز ذلك إِلَّا فيما كان من الجموع على مثال "مَفاعِل"، نحو قولك في مَعايٍ جمع مُعْيِية: "مَعايا"، وفي مَدارٍ جمع مِدْرًى:"مَدارَى".
وإنَّما لم يجيزوا ذلك إِلَّا فيما ذكرنا، لثقل الكسرة قبل الياء وثقل البناء، مع أمنهم اللَّبس إذا خفَّفوا بقلب الكسرة فتحة والياء ألفًا؛ لأنه لا يكون [شيء] من الجموع التي هي على مثال "مَفاعِل" أصلُ بنائه فتح ما قبل آخره، وليس كذلك رامٍ وغازٍ؛ لأنهما إذا فُعِل [بهما ذلك] التبسا في [اللفظ] بـ"رامَى" و"غازَى".
وإن كانت الحركة ضمَّة، وكان حرف العلَّة متطرِّفًا، قلبتَها كسرة وقلبتَ حرف العِلَّة، إن كان واوًا، ياءً3. ثمَّ يصير حكمه في الإعراب حكم الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة. وذلك نحو: أَظْبٍ جمع ظَبْي، وأَحْقٍ جمع حَقْو، أصلهما "أَظبُيٌ" و"أَحقُوٌ".
فأمَّا4 أَظبٍ فاستُثقلت فيه الضَّمَّة قبل الياء، كما تُستثقل الواو قبل الياء في مثل طَيّ أصله "طَوْيٌ"، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء. وأمَّا أَحقٍ فاستثقلوا فيه الواو المتطرِّفة المضموم ما قبلها، وإن لم تُستثقل في الفعل؛ لأنَّ الاسم تلحقه ياءا النسب، ويضاف إلي ياء المتكلِّم. فلو أُقِرَّت فيه الواو لكان داعيًا إلى اجتماع واو وضمَّة قبلها5 مع ياءيِ النسب أو ياء المتكلِّم والكسرة التي قبلهما6. وذلك ثقيل. فقُلبت الواو ياء، والضَّمَّة كسرة.
وإن كان حرف العِلَّة غير متطرِّف فإنَّ الواو تثبت. وذلك نحو: أُفعُوان. وذلك أنَّ الموجب لقلبها قد زال، وهو كونها معرَّضة للحاق ياءيِ النسب وياء المتكلِّم. وأمَّا الياء فإنها تقلب واوًا للضَّمَّة التي قبلها، كما فُعل ذلك في الفعل في نحو: لقَضُوَ الرَّجلُ! فتقول في جمع كُلْية، على7
__________
1 ضرائر الشعر ص93 وشرح القصائد السبع ص282 والهمع 1: 53 والدرر 1: 29. وروي "عاريْ لحمِه". وزعم أبو حاتم أنَّ السكون للتخفيف لغة فصيحة، والجذلان: الفرح.
2 سقط حتى قوله "بِرامَي وغازَى" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
3 المنصف 1: 117-118.
4: م. قلبا.
5 في النسختين: إلى اجتماع ضمة وواو قبلها.
6 م: قبلها.
7 زاد في م: غير.
(1/354)

قياس من قال: "رُكُبات": كُلُوات.
إِلَّا أنَّ العرب التزمت التسكين أو الفتح1 في لام "كلية" لئلَّا يخرجوا من الأخفِّ -وهو الياء- إلى الأثقل وهو الواو. وإنَّما قلبت هنا، ولم تقلب في مثل عُيَبة2؛ لأنها في عُيَبة عين، والعين أقوى من اللام.
وحكم الاسم في جميع ما ذُكر، على ثلاثة أحرف كان أو على أزيد، حكمٌ واحدٌ. إِلَّا أنَّ الواو إذا وقعت متطرِّفة رابعة فصاعدًا، في اسم يمكن أن تصوغ منه لفظ فعل، فإنها تُقلب ياء. وذلك نحو: مَلهًى ومَغزًى. تقول في تثنيتهما: مَلهَيان ومَغزَيان، فتقلب الألف ياء، وإن كانا3 من اللهو والغزو؛ لأنك لو صغت منهما فعلًا فقلت "مَلهَيت" و"مَغزيتَ" على حدِّ "مَرْحَبَكَ ومَسْهَلَك"لأمكن. فكما تقلب الواو رابعة فصاعدًا في الفعل ياء فكذلك في الاسم حملًا على الفعل. وقد تَقَدَّمَ4 السبب في ذلك في الفعل.
فإن لم يمكن أن يُصاغ من الاسم فعل لم تقلب الواو ياء5 نحو: مَغزُوّ؛ ألا ترى أنَّ الفعل لا يكون قبل آخره حرف مدٍّ ولين زائدًا. وكذلك أيضًا لو لم تقع طرفًا لم تُقلب ياء، لامتناع بناء فعل إِذ ذاك ممّا تكون6 فيه، نحو: أُفعُوان7 وأُرجُوان.
انتهى حكم الاسم والفعل الذي أحد أصوله حرف عِلَّة.
__________
1 يريد: في الجمع السالم.
2 شرح الشافية 3: 87. والعيبة: الكثير العيب للناس. م: عيْبة.
3 في النسختين: وإن كان.
4 في الورقة 51.
5 كذا. ويرد عليه نحو: مستدعَيات ومرتضَيات ومشتهَيات ومنجلَيات ...
6 م: مما يكون.
7 كذا. وهو تكرار لما تقدم قبل فقرتين.
(1/355)

ما أعتل منه أكثر من أصل واحد:
[ما اعتلَّت جميع أُصوله] :
فإن كان المعتلُّ منه أكثرَ من أصل واحد فإنه لا يخلو من أن يكون معتلَّ الفاء1 والعين صحيحَ اللام، أو معتلَّ اللام والعين صحيح الفاءِ، أو معتلَّ [53ب] الفاء واللام صحيح العين2، أو معتلَّ الجميع.
فأمَّا اعتلال الجميع فلم يوجد منه إِلَّا كلمة واحدة، وهي3 "واو"4. وفيما انقلبت عنه5 هذه الألف خلاف:
فمنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن الواو؛ لأنَّ ما عُرف أصله من المعتلِّ العين أكثر ما تكون الألف فيه منقلبة عن الواو6. فحمل المجهول الأصل على الأكثر. ومنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن ياء. وإلى هذا القول كان يذهب أبو عليٍّ، ويعتمد في ذلك على أنه لا ينبغي أن تكون حروف الكلمة كلُّها من موضع واحد، إذ ذلك مفقود في الصحيح. فأمَّا بَبَّة فقليل جِدًّا، وهو7 أيضًا ممّا يجري مجرى حكاية الصوت8. وكذلك دَدَدٌ؛ لأنه مستعمل في ضرب من اللَّعِب، فهو حكاية صوت عندهم9. وإذا كانت الألف منقلبة عن ياء كان ممّا فاؤه ولامه من جنس واحد، وقد جاء ذلك في الصحيح قليلًا. نحو: سَلِس وقَلِق. فحمله على ما جاء مثله في الصحيح أَولى.
__________
1 م: الياء.
2 سقط "صحيح الفاء ... صحيح العين" من م.
3 في النسختين: وهو.
4 كذا. والياء أيضًا تحتمل أن يكون أصل لفظها ثلاث ياءات. انظر التاج "ياء" والارتشاف 1: 90.
5 سقط من م.
6 سقط "لأنَّ ما عرف ... عن الواو" من م.
7 م: فأمَّا فيه فقليل جِدًّا هو.
8 م: الضرب.
9 وجاء عن العرب تصرف في: ررّ وقق وصصّ وههّ. الارتشاف 1: 89-90.
(1/356)

وله [أيضًا] 1 أن يستدلَّ، بأن يقول: قد جاءت الياء فاء ولامًا في قولهم: يَدَيْتُ إليه يدًا. والياء أُخت الواو؛ فينبغي أن تحمل عليها في ذلك. والصحيح عندي الأوَّل. وذلك أنه إذا جعلت فيه الألف منقلبة عن ياء اجتمع فيه حمل الألف على الأقل2 فيها، من كونها منقلبةً عن ياء، مع حمل الكلمة على باب "وَعَوتُ" -أعني ممّا3 لامه وفاؤه واو، وذلك معدوم في كلامهم- ومع حمل الكلمة على باب "حَيَوتُ" -أعني أن يكون عينها ياء ولامها واوًا- وذلك أيضًا لم يجئ في كلامهم. وإذا جعلت الألف منقلبة عن الواو كان حملًا على الأكثر فيها، ويكون في ذلك دخول في باب واحد معدوم، وهو كون أصول الكلمة كلِّها واوات.
__________
1 من م.
2 م: الأول.
3 م: أعني ما.
(1/357)

[المعتلُّ الفاء واللام] :
فأمَّا اعتلال الفاء واللام وصِحَّة العين فالذي يتصوَّر في ذلك أن تكون الفاء واللام واوين، أو ياءين، أو واوًا1 وياء: وأمَّا أن تكون الفاء والواو واللام ياء أو العكس.
فأمَّا كون الفاء واللام واوين فلم يجئ من ذلك شيء. وأمَّا كونهما2 ياءين فلم يجئ من ذلك إلَّا: يَدَيتُ إليه يدًا. وأمَّا كون الفاء واوًا واللام ياء فكثير في كلامهم، نحو: وَقَيتُ3 ووَشَيتُ ووِليتُ. وأمَّا عكسه فلم يجيء. وجميع ما جاء من المعتلِّ اللام والفاء فيحمل4 أوله على باب "وَعَدَ"، وآخره على باب "رَمَى"، في جميع أحكامهما5.
__________
1 م: واوان أو ياءان أو واو.
2 م: كونها.
3 م: رقيت.
4 م: محمل.
5 م: أحكامها.
(1/357)

[المعتلُّ الفاء والعين] :
وأمَّا [اعتلال] الفاء والعين فإنه لا يخلو من أن يكون حرفا العِلَّة واوين، أو ياءين، أو الفاء واوًا1 والعين ياء أو العكس.
فأمَّا كون الفاء والعين واوين فلم يجئ منه فِعل، لمَّا يلزم فيه من الاعتلال، ولم يجئ منه اسم2 إِلَّا "أوَّل"3. وسبب قلَّته أنَّ باب "سَلِس" أكثر من باب "دَدَن". فإذا لم يجئ في
__________
1 في النسختين: أو الواو فاء.
2 سقط "فعل لما يلزم ... منه اسم" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
3 شرح الكافية 2: 208.
(1/357)

كلامهم مثل "وَعَوتُ"1 فالأحرى ألَّا يجيء مثل أوَّل؛ لأنَّ "وَعَوتُ" مثل "سَلِس"2، وأوَّل مثل دَدن.
فإن قال قائل: إنَّما يكون ما ادَّعيته في "أوَّل" صحيحًا, من أنَّ فاءه وعينه واوان، إذا كان وزنها "أفعَل". فما تُنكر أن يكونَ وزنها "فَعَّل"، فتكونَ الواو عينًا مضعَّفة؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أنها "أفعَل" لزوم "مِن" لها، فتقول: لقيتُه أوَّلَ مِن أمسِ، كما تقول: زيدٌ أفضلُ مِن عمرو3، مع منع الصرف.
فإن قيل: وما تُنكر أن4 يكون "أَفعَل" من "وأَلتُ" أو مِن "أُلْتُ"5 كما ذهب إليه الفرَّاءُ، فيما حكاه ثعلب عنه، والأصل "أَوْأَل" إن كان من "وألتُ"، أو "أَأْوَل" إن كان من "أُلتُ"، ثمَّ أُبدل من الهمزة واو6 وأُدغمتِ الواو في الواو؟ فالجواب أنه لو كان في الأصل "أوْ أل" لجاز أن يجيء على أصله، في موضع من المواضع، ولم نسمعهم نطقوا به هكذا.
فإن قلت: فلعلَّه التُزم التخفيف فيه7، كما فُعل في النبيِّ والبريَّة. قيل: ذلك قليل، مع أنَّ قياس تخفيف "أَوْأَل": "أَوَل"8 بإلقاء حركة الهمزة على الواو، وحذف الهمزة.
فإن قيل: فلعلَّهم خفَّفوه على قياس: شَيّ وضَوّ. فالجواب أنَّ ذلك أيضًا لا يُقاس، وإنَّما القياس: شَيٌ وضَوٌ. وأيضًا فإنَّا إنَّما قلنا: "إنَّ النبيَّ والبريَّة ممّا أُلزِم التخفيف البتة" لقِيام الدليل على ذلك، لكونهما من النبأ ومن "برأ اللهُ الخلقَ"، ولم يقم دليل على أنَّ أوَّل من "وألَ"، فتزعمَ أنه أُلزم9 التخفيف.
فإن قيل: الذي يدلُّ على أنَّ العين من أوَّل همزة قراءةُ من قرأ "وأَنَّهُ أَهلَكَ عادًا الُّؤْلَى"10، فتكون همزة العين دالَّة على أنَّ الأصل الهمزة. قيل: القراءة شاذَّةٌ، وإِذا ثَبَتَ بها رواية فقياسها أن تُحمل على قول الشاعر11:
أحَبُّ المُؤقِدِينَ إِلىَّ مُوسَى ... وجَعْدةُ, إِذ أَضاءَهُما الوَقُودُ
__________
1 م: رعوت.
2 م: ملس.
3 م: من عمر.
4 ف: من أن.
5 ف: "أالت". وصوب في حاشيتها بخط أبي حيان عن نسخة أُخرى كما أثبتنا. وألت: من آل يؤولُ.
6 ف: واوًا.
7 سقط من م.
8 م: أوّل.
9 م: فيزعم أنه التزم.
10 الآية 50 من سورة النجم. وهذه قراءة قالون. انظر القراءات الأربع عشرة ص403 والبحر المحيط 8: 169 والتبيان 9: 437.
11 تقدم تخريجه في ص69. وانظر ص226.
(1/358)

وذلك أنه أبدل [54أ] الواو الساكنة المضموم ما قبلها همزة؛ لأنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف، فكأنَّ الضَّمَّة في الواو. فثَبَت أنه لا يمكن أن يكون من "وألتُ".
ولا يمكن أيضًا أن يكون من "أُلتُ"1؛ لأنه لو كان منه لكان "أَأْوَل"2، فأمَّا أن تُبدل الهمزة، أو الألف المنقلبة عن الهمزة، واوًا فغير معروف. والقول الأوَّل كأنَّه أشبَهُ3 فأمَّا همز "أوائل"4 فقد ذكرتُ العِلَّة فيه، فلا حجَّةَ فيه.
ولم يستعملوا منه5 فعلًا؛ لأنه لو كان الفعل على وزن "فَعَلَ" بفتح العين لوجب، من حيث عينه واو، أن يكون مضارعه "يَفعُل" بضمِّ العين كـ"قالَ يقُولُ". وكون فائه واوًا يلزم مجيئَه على "يَفعِل" بكسر العين، حتَّى تُحذف6 الواو كـ"يَعِدُ". فلمَّا كان ذلك يؤدِّي إلى التدافع رُفض، مع ما فيه من ثقل الواوين. ولو كان على وزن "فَعُلَ" بضمِّ العين لكان المضارع بضمِّ العين, فكنت تقول: والَ يَوُوْلُ7, فيؤدِّي ذلك إلى اجتماع واوين وضمَّة، مع ياء المضارعة أيضًا في حال الغَيبة. فرُفض ذلك لثقله. فلمَّا امتنع "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفض أيضًا "فَعِلَ" بالحمل عليهما.
وأمَّا كون الفاء والعين ياءين فلم يجئ منه فعل أصلًا، لِما يلزم في ذلك من توالي الإعلال، ولم يجئ منه اسم إِلَّا "يَيْن" اسم موضع8.
وأمَّا كون الفاء واوًا والعين ياء نحو: وَيل ووَيح ووَيب ووَيس، أو بالعكس نحو: يَوم، فإنَّ ذلك قليل جِدًّا، ولم يجئ منه فعل أصلًا؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى ما يُستثقل من توالي الإعلال. وذلك أنك لو بنيتَ من مثل وَيل فعلًا على وزن "فَعَلَ" مفتوح العين لكان المضارع على وزن "يَفعِلُ" بكسر العين، فيجب حذف الواو كما تحذف في باب "وَعَدَ يَعِدُ"، ويجب إعلال العين كما تُعلّ 9 في باب "يَبِيعُ". ولا يُتصوَّر بناؤه على "فَعُلَ" مضموم العين؛ لأنَّ "فَعُلَ" لا يجيء
__________
1 ف: "أألت". وصوب في حاشيتها عن نسخة أُخرى كما أثبتنا.
2 كذا. والصواب: "آوَل" لأنَّ الهمزة الثانية تبدل ألفًا وجوبًا.
3 الأشبه: الأصح.
4 يريد الهمزة الثانية. انظر الورقة 32.
5 م: فيه.
6 م: تخفف.
7 ف: "يوؤل". م: يؤول.
8 في النسختين: "وأمَّا كون الفاء والعين ياءين فلم يجئ منه شيء".أمَّا ما أثبتناه فقد ألحقه أبو حيان بحاشية ف بعد ما فاؤه واو وعينه ياء أو بالعكس، وقدمناه نحن فأثبتناه هنا تبعًا للمبدع؛ لأنَّه يوافق النسق الذي قدم به ابن عصفور لما اعتلَّ فاؤه وعينه في ص357.
9 م: يعل.
(1/359)

فيما عينه ياء1. فلمَّا تَعذَّرَ "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفِض "فَعِلَ"2 بالحمل عليهما.
وكذلك أيضًا "يَوم" لو بُني منه فعل على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ" بفتح العين أو ضمِّها لكان المضارع على "يَفعُلُ"، فكنت تقول "بَيُوْمُ"3، فتجتمع ياءان في إحداهما ضمَّة وواو. وذلك ثقيل. فلمَّا تعذَّر "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفِضَ أيضًا "فَعِلَ" بالحمل عليهما.
فأمَّا ما أنشدوا4 من قوله5:
فما والَ، ولا واحَ ... ولا واسَ أبُو هِندِ
فمصنوع صَنعه النحويُّون. وأنشدوا بيتًا آخر، وهو قوله6:
تُوَيِّلُ, إِذ مَلأتُ يَدِي وكَفِّي ... وكانَتْ لا تُعَلَّلُ, بالقَلِيلِ7.
وهذا كأنه أشبَهُ؛ لأنه جاء على "فَعَّلَ8، فأُمِن فيه الحذف والقلب. فأمَّا قول رؤبة9:
عَولةُ ثَكلَى، ولَوَلَتْ بَعدَ المأَقْ
فمعنى ولولت: دَعَت بالويل. وليس من لفظ الويل، بل قريبٌ منه كلأّال10 من لؤلؤ. ولو كان منه لكان "وَيْلَلَتْ" لأنه "فَعْلَلَتْ"11.
__________
1 كذا. وقالوا: هَيُؤَ يَهيُؤُ.
2 م: وفُعِلَ رفض فَعَلَ.
3 م: يقوم.
4 م: ما أنشد.
5 المنصف 2: 198 والمزهر: 43 والتصريح 1: 330.
6 اللسان والتاج "ويل" والمنصف 2: 198.
7 م: "فويْل". اللسان: "تَويّل".
8 م: فَعَل.
9 ديوانه ص107 والمنصف 2: 199. والمأق. أن يأخذ الإنسانَ عند البكاء والنشيج شبهُ فواق.
10 م: كلأل.
11 م: "فعلنت". وألحق أبو حيان بعده في حاشية ف نصًّا أثبتناه قبل. انظر ص359.
(1/360)

[المعتلُّ العين واللام] :
وأمَّا إذا كانت العين واللام معتلَّتين فإنه لا يخلو من أن يكونا واوين، أو ياءين، أو يكون العين واوًا واللام ياء، أو العكس.
فأمَّا أن يكون العين ياء واللام واوًا نحو "حَيَوتُ" فلا يُحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل. فأمَّا الحيوانُ وحَيْوَة فشاذَّان، والأصل فيهما "حَيَيَان" و"حَيَّة"، فأبدلوا من إحدى الياءين واوًا. وزعم المازنيُّ أنَّ هذا ممّا جاءت عينه ياء ولامه واو، وأنه اسم لم يُستعمل منه فعل، كما قالوا:
(1/360)

فاظ1 الميِّتُ يَفِيظُ فَيظًا وفَوظًا، فاستعملوا الفعل ممّا عينه ياء، ولم يستعملوه ممّا عينه واو.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه قد ثَبَتَ إبدالهم الياء واوًا2 شذوذًا، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو3. وأيضًا فإنَّ الحيوان من الحياة، ومعنى الحياة موجود في الحَيا المطر4؛ ألا ترى أنه يُحيي الأرض والنبات، كما قال تعالى5: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} ؟ وهذا كثير في القرآن والشعر. وهم يقولون في تثنيته "حَيَيانِ"6 [بالياء] 7 لا غيرُ. فثَبَتَ بذلك8 أنَّ الواو في حيوان بدل من ياء، وأنَّ ما ذهب إليه المازنيُّ فاسد.
وأمَّا ما عينه واو ولامه ياء فكثير، نحو: شَوَيتُ وطَوَيتُ، وحكمُ اللام فيه حكمها في باب "رَمَيتُ"، في جميع الأحكام. وأمَّا العين فصحيحة ولا يجوز إعلالها. إِلَّا أن يؤدِّي تصريف إلى وقوع واو ساكنة قبل الياء فإنَّ الواو تُقلب ياء، وتُدغم الياء في الياء، نحو: شَوَيتُ9 شَيًّا وطَوَيتُ طَيًّا.
إلا10 أن يكون اسمًا على وزن "فَعْلَى" فإن الياء تقلب فيه واوًا. فمن ذلك العَوَّى11 اسم النجم، هو في الأصل12 "عَوْيا"، فقُلبت الياء واوًا كما فُعل ذلك بالمعتلِّ اللام خاصَّة نحو: شَرْوَى -وقد تَقَدَّمَ السبب في ذلك- ثمَّ أُدغمت الواو في الواو. واشتقاقها من "عَوَيتُ يَدَه" أي: لَويتُها؛ لأنها [54ب] كواكب ملتوية.
فإن قيل: فهلَّا كانت العَوَّى: "فَعَّلًا" من "عَوَيتُ"، فلا يكون على ذلك ممّا قلبت فيه الياء13 واوًا. فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه ليس من أبنية كلامهم ["فَعَّلٌ"] 14. فأمَّا
__________
1 فاظ: مات.
2 م: إبدالهم الواو ياء.
3 م: ولا واو.
4 م: للمطر.
5 الآية 11 من سورة ق.
6 م: حيان.
7 من م.
8 ف: لذلك.
9 في حاشية ف أن هذا متصل بقوله: "والسبب في أن اعتلت اللام في هذا الباب وصحت العين". انظر ص363.
10 سقطت مسألتا "العوّى" و"ريّا" في م من هنا، وأقحمتا في المعتلِّ اللام مقدمة ثانيتهما على الأولى. انظر تعليقنا في ص346.
11 م: العوا.
12 المنصف 2: 159 وسر الصناعة 1: 98-100.
13 م: الفاء.
14 من م.
(1/361)

شَلَّمُ1 وبَذَّرُ2 وبَقَّمٌ فأعجميَّات3.
وقد مدَّ بعضهم فقال: العَوَّاءُ. وهو قليل، ويحتمل ذلك ضربين من الوزن:
أحدهما: أن يكون "فَعْلاء"، والأصل "عَوْياء" فقُلبت الياء واوًا وأُدغمت الواو في الواو. وإنَّما قلبوا الياء واوًا في "فَعْلاء" الممدودة، وليس قياسها ذلك؛ لأنَّ الأصل والأكثر فيه4 القصر. وكأنهم لمَّا مدُّوه من قصر أبقَوُا الواو فيه المنقلبة5 عن الياء، تنبيهًا على أنَّ المدَّ فيه عارض، كما صحَّ "عَوِرَ" لأنه في معنى: اعْوَرَّ. ويكون قلبهم الياء واوًا فيه شذوذًا، كما قالوا: عَوَى الكلبُ عَوَّةً، والأصل "عَوْيَة" فقلبت الياء واوًا. حكى ذلك ابن مِقسمٍ عن ثعلب6.
والآخر: أن يكون "فَعَّالًَا"، وكأنه في الأصل "عَوَّاي"، ثمَّ قلبت الياء همزة لتطرُّفها ووقوعها بعد ألف زائدة، فصار "عَوَّاء". وكأنه ذُهِب به7 إلى معنى المنزل ولذلك ذُكِّرَ، وذُهِب بـ"عَوَّى" المقصورة إلى معنى المنزلة ولذلك أُنِّثت.
وأمَّا "رَيّا" التي يُراد بها الرائحة، من قوله8:
[إِذا التَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُها, ... نَسِيمَ الصَّبا] , جاءتْ بِرَيّا القَرَنفُلِ
فصفة من معنى: رَوِيَتْ. وكان الأصل فيه "رائحة رَيَّا"9 أي: ممتلئة طيبًا. ولو كانت اسمًا لكانت "رَوَّى"10؛ لأنَّ أصلها "رَوْيا"، فكنتَ11 تُبدل الياء واوًا كما فعلتَ ذلك في "عَوَّى"12 ثمَّ تُدغم الواو في الواو. فلمَّا لم يقولوا ذلك علمنا أنها صفة أصلها "رَوْيا"، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء.
فإن قيل13: فهلَّا ادُّعِيَ أنَّ "رَيَّا" اسم وأنها في الأصل "رَيْيا" فيكون 14 من باب ما عينه
__________
1 شلم: اسم موضع بالشام.
2 بذر: اسم ماء من مياه العرب. وانظر معجم البلدان "بذّر".
3 البقم: العندم. وهو صبغ معروف. وانظر التاج "بقم" والمعرب ص60-61.
4 أي: في العواء.
5 م: فكأنهم مدوه من قصر فلذلك أبقوا الواو فيه منقلبة.
6 مجالس ثعلب ص123 والمنصف 2: 160.
7 م: ذهب بعواء.
8 من معلقة امرئ القيس. ديوانه ص150. وتضوع: انتشر. والريح: الرائحة. والصبا: الريح اللطيفة تأتي من المشرق.
9 سقط من م: "أي ممتلئة طيبًا" وزاد فيها: انقلبت إلى باب ما اعتل لامه وعينه.
10 م: روّا.
11 م: وكنت.
12 م: شروى.
13 م: فإن قال قائل.
14 م: فهي.
(1/362)

ولامه ياء، ثمَّ قُلبت اللام واوًا فصار "رَيْوَى"، ثمَّ اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه لا يُحفظ من كلامهم تركيب1 "ري ي"،2 ومن كلامهم تركيب "روي"3 نحو: رَوِيتُ؛ ألا ترى أنَّ قوله4 "ريّا المُخَلخَلِ" معناه: ممتلئةَ المخلخلِ؟ فهو من معنى "رَوِيَتْ"5.
والسبب، في أن اعتلَّت اللام في هذا الباب6 وصحَّت العين7، أنك لو أعللتَهما جميعًا لأدَّى ذلك إلى الإعلال بعد الإعلال والحذف؛ ألا ترى أنَّك لو قلبتَ الواو من "طَوَيتُ" ألفًا، والياء ألفٌ8، لتوالى الإعلال. ثمَّ يلتقي الألفان وهما ساكنان، فيؤدِّي ذلك على الحذف. فلمَّا لم يمكن إعلالهما معًا أعللتَ إحداهما، وكانت الأَوْلى بالإعلال9 اللام؛ لأنها طرف.
وأيضًا فإنك لو أعللتَ العين وصحَّحتَ اللام لكنتَ تقول: شايَ يَشِيُّ وطايَ يَطِيُّ10 فتقلب الواو التي هي عين ياء وتُدغمها في الياء، وتدخل اللام الضَّمَّة؛ لأنها تجري مُجرى الصحيح، فكان يلزم في ذلك تغيير وتبديل كثير. فرُفِض لذلك.
وقد شذَّ من ذلك شيء، فأُعِلَّت عينه وصُحِّحت لامه، وجاء 11 ذلك في الاسم لقوَّته وتمكُّنه12. وذلك نحو: طاية13 وثاية14؛ لأنهما 15 من: طَوَيتُ وثَوَيتُ.
وأمَّا ما عينه ولامه واوان16 فإنَّ العين منه تجري مَجرى [الحرف] 17 الصحيح أبدًا. وأمَّ
__________
1 سقط من م.
2 م: ريوى.
3 م: روّى.
4 قسيم بين لامرئ القيس من معلقته في ديوانه ص15، وتمامه:
إذا قُلتُ: هاتِي نَوِّلِينِي, تَمايَلَتْ ... عليَّ, هَضِيمَ الكَشحِ, رَيَّا المُخَلخَلِ
5 ألحقت مسألتا "ريّا" "والعوّى" بنسخة ف على طيارة مقحَمتين في المعتلِّ اللام. وقد أَلحق ههنا أبو حيان على الطيارة ما يلي: إِلَّا أنَّ الاسم الذي على وزن فعلى تقلب الياء فيه واوًا.
6 يريد: باب طوى وشوى.
7 م: والسبب في ذلك.
8 كذا. فلعله يريد الفعل قبل اتصاله بالضمير؛ لأنَّ ألفه منقلبة عن ياء. وهو: طَوَى.
9 م: بإعلال.
10 م: طاير يطير.
11 زاد في م هنا: "في". وموضعها بياض في ف.
12 م: في الاسم تقوية للاسم وتمكنته.
13 الطاية: سقف البيت.
14 الثاية: حجارة تكون للراعي حول الغنم تأوي إليها.
15 م: "لأنها". وسيذكر المؤلف "طاية" و"ثاية" في ص368، ويزيد أيضًا "راية".
16 م: واو.
17 من م.
(1/363)

اللام فتجري مَجرى اللام في باب "غَزَوتُ"، في جميع ما ذُكر، مزيدًا كان الاسم أو الفِعل أو غيرَ مزيد. إِلَّا أنَّ الفِعل إذا كان على ثلاثة أحرف لم يُبنَ إِلَّا على "فَعِلَ"، بكسر العين، بخلاف باب "غَزَوتُ".
والسبب في ذلك أنَّك لو بَنَيتَ الفِعل على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ"، بضمِّ العين أو فتحها، لكنتَ تقول: "قَوَوتُ" و"قَوُوتُ"1، فتجمع بين واوين إذا رددتَ الفعل إلى نفسك. وكذلك المضارع كنت تقول فيه: "يَقْوُو"، فتجمع أيضًا بين واوين. فلمَّا تَعذَّرا عُدِل إلى "فَعِلَ"؛ لأنَّ الواو تنقلب ياء لتطرُّفها ووقوع الكسرة قبلها نحو: قَوِيَ، ويجيء المضارع على "يَفعَلَ" نحو: يَقْوَى، فيَخِفُّ اللفظ.
فأمَّا الاسم فلا يلزم2 "فَعِل" بكسر العين. بل قد تكون العين مفتوحة، فلا يلزم قلبُ اللام ياء نحو التَّوَى3. وهو الهلاك، وهو مصدر: تَوِيَ يَتْوَى4 كـ"قَوِيَ يَقْوَى". وهو من مضعَّف الواو، يدلُّك على ذلك قولهم: التَّوّ للمفرد، والمعنى واحد لأنَّ الهلاك أكثر ما يكون مع الوحدة والانفراد. هكذا قال أبو علي.
وإنَّما لم يُستنكر مجيء الاسم على "فَعَلٍ"، وإن كان يلزم في التثنية [55أ] اجتماع الواوين نحو "تَوَوَين"5، كما يلزم ذلك في الفِعل إذًا رددتَه إلى نفسك -لأنَّ الفعل أثقل, فاستُخفَّ في الاسم لخِفَّته ما لم يُستخفَّ في الفعل لثِقَله. وأيضًا فإنَّ الفِعل يَتصرَّف فيلزم فيه الثقل في مضارعه, وإذا رددتَ الفعل إلى نفسك. ولا يلزم في الاسم إِلَّا في حال التثنية.
وصحَّت العين في نحو "قَوِيَ" للعِلَّة التي تَقَدَّمت6 في نحو: طَوَيتُ وشَوَيتُ.
وأمَّا ما عينه ولامه ياءان فإنَّ العين منه تجري مَجرى حرف صحيح، للعِلَّة التي تَقَدَّمت أيضًا في باب: طَوَيتُ. وأمَّا الياء التي هي لام فتجري مَجرى الياء فيما عينه صحيحة نحو: "رَمَى"، في جميع الأحكام، سواء كان الاسم أو الفعل7 مزيدًا أو غير مزيد. إِلَّا ما يَعرِض في هذا الباب من الإدغام, بسبب اجتماع المِثلَين، على ما يُبيَّن:
وذلك أنَّ المِثلَين إذا اجتمعا في هذا النوع فلا يخلو من أن يكون الثاني ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا لم يجز الإدغام؛ لأنه لا يجوز الإدغام في ساكن، لما يُذكر8 في باب الإدغام.
__________
1 م: قوْوت.
2 م: فلا يعرى منه.
3 م: الثواء.
4 م: ثوى يثوى.
5 م: ثووي.
6 في الورقة 54.
7 م: الفعل أو الاسم.
8 انظر الورقة 61.
(1/364)

وذلك نحو: حَيِيتُ وأَحيَيتُ، وأشباه ذلك.
وإن كان الثاني متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون ما قبله مفتوحًا أو غير مفتوح.
فإن كان مفتوحًا قلبت الياء الثانية ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وزال الإدغام لاختلاف الحرفين، نحو: أَحيا واستَحيا.
فإن كان ما قبله غير مفتوح فلا تخلو الياء الثانية من أن تكون حركتها إعرابًا1 أو بناء. فإن كانت الحركة إعرابًا لم تُدغَم2؛ لأنَّ الإعراب عارض، يزول في حال3 الرفع والخفض فيَسكن الحرف، فلا يمكن الإدغام فيه، فيُحمل النصب في امتناع الإدغام على الرفع والخفض. وذلك [نحو] : لن4 يُحْيِيَ ورأيتُ مُحْيِيًا. فلا تُدغِم كما لا تُدغِم في: هو يُحيِي، ولا في: هو مَحْيِيك.
وإن5 كانت الحركة بناء فلا يخلو من أن تكون متطرِّفة أو غير متطرِّفة. فإن كان متطرِّفة جاز الإظهار والإدغام6 نحو: أُحْيِيَ وأُحِيَّ، وحَيِيَ وحَيَّ، وحُيِيَ وحُيَّ7. ومن قال: "بِيعَ"، قال: "حِيَّ". وهو الأكثر لأنه أخفُّ.
وقد قرأ بعض القراء "ويَحْيا مَن حَيِيَ عَن بَيِّنةٍ"8. وبعضهم: {ويَحْيا مَن حَيَّ} 9 بالإدغام. فمن أدغم فلأنَّ الحركة لازمة، ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء من "حَيِيَ" هي الياء الساكنة في "يَحْيا" التي قُلبت ألفًا. وكذلك الياء في "أُحْيِيَ" هي الياء في "يُحْيا" التي قُلبت ألفًا. فلمَّا كانت هذه الياء في موضع قد تَسكن لم يُعتدَّ بحركتها.
ومن قال: حَيَّ وعَيَّ، أجراهما مُجرى "ردَّ"10، فكما تقول: "رَدُّوا"، كذلك تقول: حَيُّوا.
__________
1 م: إعراب.
2 المنصف: 2: 192-193.
3 سقط من م.
4 سقط من م.
5 سقط من م.
6 المنصف 2: 188- 189.
7 سقط "حيي وحيّ" من م.
8 سقط "عن بينة" من م.
9 الآية 42 من سورة الأنفال. وقرأ المدنيان ويعقوب وخلف والبزي وأبو بكر بالإظهار، وغيرهم بالإدغام. النشر 2: 266 والبحر المحيط 4: 501 ومعاني القرآن 1: 411 والتبيان 5: 147.
10 كان عليه أن يذكر هنا "وَدّ" لأنه على "فَعِلَ" مثل عَيِيَ وحَيِيَ.
(1/365)

وعَيُّوا. قال1
عَيُّوا, بأمرِهِمُ, كَما ... عَيَّتْ, بِبَيضتِها, الحَمامَهْ
ومن قال: حَيِيَ، أجراه مُجرى: رَضِيَ. فكما تقول: رَضُوا، تقول: حَيُوا. قال2:
وكُنَّا حَسِبناهُم فَوارِسَ كَهمَسٍ ... حَيُوا, بَعدَ ما ماتُوا مِنَ الدَّهرِ أَعصُرا
فإن لم تكن متطرِّفة فلا يخلو أن يكون بعدها علامتا التثنية، أو علامتا الجمع، أو تاء التأنيث. فإن كان بعدها3 علامتا التثنية أو علامتا الجمع لم يجز إِلَّا الإظهار. وذلك نحو4: مُحْيِيانِ وحَيِيانِ5 ومُحْيِيات. والسبب في ذلك أنَّ زيادتي الجمع إنَّما دخلت على الإفراد. فلمَّا كان المفرد لو لم يلحقه شيء لا يجوز فيه الإدغام؛ لأنَّ الحركة إعراب، حُملت التثنية والجمع عليه.
فإن كان بعدها6 تاء التأنيث فلا يخلو أن تلحق التاء لفظ المفرد أو بناء الجمع. فإن لحقت بناء الجمع، نحو7: حَياء وأَحيِية وعَيِيّ وأَعيِية، جاز الإظهار8 والإدغام نحو: أَحِيَّة وأَعِيَّة فمن أدغم فلأنَّ الحركة بناء، ولم تدخل على بناء قد امتنع فيه الإدغام قبل لحاقها. ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء هي التي تَسكن في: يَعيا ويَحيا.
والإدغام في أَعِيَّة أقوى منه في أَحِيَّة؛ لأنَّ الياء9 في أَعيية تلزمها الحركة في الجمع والمفرد نحو: عَيِيّ. وأمَّا أَحيِية10 فالحركة تلزم في الجمع. وأمَّا في المفرد فلا تثبت الياء، بل تقول: حياء، فتنقلب الياء همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة.
__________
1 عبيد بن الأبرص. ديوانه ص126 والكتاب2: 487 والمنصف 2: 191 وشرح الشافية 3: 114 وشرح شواهدها ص356-343 وديوان سلامة ص248 و303. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شرح القصائد التسع ص643 للنحاس خلاف البصريين والفراء في إدغام نحو: عيّوا. انظر ص264 من ابن عصفور والتصريف.
2 الوليد بن حنيفة أبو حزابة الحنظلي, وينسب إلى مودود العنبري. الكتاب 2: 387 والمنصف 2: 190 والأغاني 19: 157 وشرح الشافية 3: 116 وشرح شواهدها ص363-367 والصحاح واللسان والتاج "كهمس". وكهمس: اسم علم. قيل هو أبو حي من العرب. وقيل أحد الخوارج.
3 م: فلا يخلو أن يكون بعدها.
4 الكتاب 2: 388 والمنصف 2: 193-194.
5 ومثله في الكتاب. وضبط في المنصف بفتح الياء الأولى، على أنه مثنى "حَيا" المطر.
6 م: بعد.
7 الكتاب 2: 387 والمنصف 2: 190-192.
8 في م زيادة ونقص, وفي ف تقديم وتأخير.
9 يريد: الياء الثانية.
10 م: أحياء.
(1/366)

فإن لحقت المفردَ فلا يخلو من أن تكون عِوضًا من محذوف أو غير عِوَض. فإن لم تكن عِوَضًا لم يجز إِلَّا الإظهار، نحو1: مُحْيِية ومُعْيِية. والعِلَّة في ذلك كالعِلَّة في: مُحْيِيات ومُحْيِيَينِ، من أنَّ العلامة دخلت على بناء لا يجوز فيه الإدغام، وهو: مُحْيٍ ومُعْيٍ.
فإن كانت التاء عِوَضًا فإنه لا يجوز إِلَّا الإغام، نحو2: تَحِيَّة مصدر "حَيَّا". الأصل [55ب] "تَحْيِيْيًا"3، فحُذفت ياء4 "تَفعِيل"، وعُوِّضت التاء منها على حدِّ تَكرِمة فصار "تَحْيِية"5 فصارت هذه التاء لأجل العِوَضيَّة كأنها جزء من الكلمة فلزمت، فصارت الحركة لازمة لذلك، فلزم الإدغام.
وزعم المازنيُّ6 أنه يجوز الإظهار، واستدلَّ على ذلك بجواز الإظهار في أَحْيِية7، مع أنَّ الهاء من أَحْيِية لازمة لـ" أَفْعِلة"؛ لأنها لم تدخل على "أَحِيّ"8، كما أنها في تَحِيَّة كذلك إذ لم تدخل على "تَحِيّ". وهذا الذي ذهب إليه ضعيف9؛ لأنَّ الفرق بين تَحِيَّة10 وأَحْيِية بيِّنٌ. وذلك أنَّ التاء 11 من تَحيَّة صارت عِوَضًا من حرف من نفس الكلمة12، فصارت كأنها حرف من نفس الكلمة لذلك. وأيضًا فإنَّ أَحْيِية جمع، والجمع فرع على الواحد، والفروع قد لا تُلحظ وقد تُلحظ. وأمَّا تَحِيَّة فمصدر، والمصدر أصل، فينبغي أن يُلحظ في نفسه.
وإذا أَظهرتَ الياءين ولم تُدغِم، كان الإدغام جائزًا مع الإظهار أو لم يكن، فإنَّ إخفاء الحركة من الياء الأُولى13 أفصح من الإظهار14؛ لأنه وسيطة بين الإظهار15 والإدغام، فكان أعدل لذلك.
__________
1 المنصف 2: 193-194.
2 المنصف 2: 194-195.
3 م: تحيية.
4 م: تاء.
5 م: تحييّة.
6 المنصف 2: 195-196.
7 الأحيية: جمع حياء.
8 في المنصف: أحيي.
9 المنصف 2: 196-197.
10 م: حية.
11 م: الياء.
12 سقط من م حتى "نفس الكلمة".
13 م: إخفاء حركة الياء الأولى.
14 وكذلك في نسخة أخرى كما جاء في حاشية ف. والمراد إظهار الحركة. وفي النسختين: الإدغام.
15 أي: عدم الإدغام.
(1/367)

والإخفاء فيما حركة الياء الأُولى منه كسرةٌ أحسنُ1 من الإخفاء فيما2 حركتها منه فتحة. فالإخفاء في مُحيِيَينِ أحسن من الإخفاء في مُحيَيَينِ؛ لأنَّ الكسرة في الياء أثقل من الفتحة، فتكون الداعية إلى التخفيف مع الكسرة أشدَّ.
وقد شذَّ أُليفاظ3 في هذا الفصل، فاعتلَّت فيها العين. منها: آية وراية وثاية وغاية وطاية. وكان حقُّها أن يعتلَّ منها اللام ويصحَّ العين4. والذي سَهَّل ذلك كونُ هذه الأُلفاظ5 أسماءً، فلا تتصرَّف فيلزمَ فيها من الإعلال والتغيير ما يلزم في الفعل.
وفي "آية" ثلاثة أقوال للنحويِّينَ6:
فمذهب الخليل7 ما ذكرناه، من اعتلال العين وصحَّة اللام شذوذًا.
ومذهب الفرَّاء أنَّ وزنها "فَعْلة"، وأنَّ الأصل "أيَّة"، فاستثقلوا اجتماع ياءين، فأبدلوا من الساكنة ألفًا تخفيفًا. قال: وإذا كانوا يفعلون ذلك بالياء الساكنة وحدها، في نحو: عَيبٌ وعابٌ وذَيمٌ وذامٌ8, فالأحرى أن يفعلوا ذلك إذا انضاف إليها ياء أُخرى. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه إعلال العين، مع أنَّ العين9 معتلَّة كما في مذهب الخليل، مع أنَّ إبدال الياء الساكنة ألفًا ليس بمستمرٍّ. وأمَّا العاب والعَيب والذام والذَّيم10 فهما ممّا جاء على "فَعْلٍ" تارة، وعلى "فَعَلٍ" أُخرى.
ومذهب الكسائيِّ أنَّ وزنها "فاعِلة" والأصل "آيِيَة"، فحُذفَتِ استثقالًَا لاجتماع الياءين، إذ حذفوها وحدها في "بالَة"11 وقد تَقَدَّمَ. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه أيضًا ما في
__________
1 المنصف 2: 194.
2 كرر ناسخ م: "فيما حركة الياء الأولى منه كسرة أحسن من الإخفاء فيما".
2 في النسختين "لفظان". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان نقلًا عن خط المصنف.
4 في النسختين: "أحدهما آية وكان القياس أياة". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان، وفيه تكرار لما تَقَدَّمَ في ص363.
5 في النسختين: "اللفظة". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان نقلًا عن خط المصنف.
6 شرح الشافية 3: 118.
7 الكتاب 2: 388.
8 الكتاب 2: 388.
9 في النسختين: اللام.
10 م: الدام والديم.
11 لم يَتَقَدَّمْ لها ذكر من قبل. وهي مصدر باليت وأصلها بالية مثل عافية حذفت منها الياء تخفيفًا. انظر المنصف 2: 238 والصحاح واللسان والتاج. "بلو".
(1/368)

مذهب الخليل من إعلال العين؛ لأنَّ الحذف إعلال، مع أنَّ حذف الياء التي هي عين ليس بمطَّرد، مع أنَّه ادَّعى أصلًا لم يُلفظ به، ولا مانع يمنع لو كان ذلك1.
فتَبيَّن أنَّ الأَولى ما ذَهَب إليه الخليل. وهذه المذاهب إنَّما تجري في آية؛ لأنها من ذوات الياء بدليل قوله2:
قِفْ, بالدِّيارِ, وُقوفَ زائرْ ... وتَأَيَّ, إِنَّكَ غَيرُ صاغِرْ
فمعنى تأيَّ: انظُرْ آياتِها. فلو كانت عينها واوًا لقال "وتَأوَّ" كما تقول: تَلوَّ وتَسَوَّ3.
وكذلك غاية في أحد القولين؛ لأنَّ أبا زيد حكى: غَيَّيتُ الغايةَ وأَغيَيتُها. فهذه دلالة قاطعة على أنها من الياء4. فعلى هذا تجري فيها5 المذاهب الثلاثة التي في آية.
وشذَّ من ذلك الفعل6 "استَحَى"، وكان القياس "استَحْيا"، لكن شذُّوا فيه، فأجرَوه مُجرى: استَبانَ، فنقلوا حركة الياء التي هي عين إلى الساكن قبلها، وقلبوا الياء ألفًا، فصار: استَحَى.
فأمَّا المازنيُّ فيزعم أنَّ الألف حُذفت تخفيفًَا7، كما حذفت من عُلَبِط8 وهُدَبِد9.
وأمَّا الخليل فيزعم أنه لما اعتلَّت العين سُكِّنت، وسُكِّنت اللام أيضًا كذلك بعدها بالإعلال، فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يردُّوا المحذوف في المضارع، فيقولون10: "يَستَحِيُّ"، ويرفعون الياء التي هي لام، ويُدغمون فيها العين؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنهم لو فعلوه11 لرفعوا ما لا يرتفع مثله في كلامهم؛ لأنَّ الأفعال المضارعة إذا كان آخرها معتلًّا لم يدخلها الرفع في شيء من الكلام12. [فأمَّا قول الشاعر13:
__________
1 سقط من م. ف: ولا مانع يمنع لو كان من ذلك.
2 الكميت. ديوانه 1: 223 والمنصف 2: 142 وإصلاح المنطق ص336 واللسان والتاج "أيي".
3 م: تشد.
4 م: الواو.
5 ف: فيه.
6 المنصف 2: 204-206 وشرح الشافية 3: 119-120.
7 المنصف 2: 204 ونظَّر لها هناك بـ"أحَست وظِلت ومِست".
8 العلبط: اللبن الخاثر الغليظ المتلبد.
9 الهدبد: اللبن الخاثر.
10 كذا بإثبات النون. وانظر ص284.
11 م: لو فعلوا.
12 ما بين معقوفين ألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المنصف. وسيرد بعد قليل.
13 نسب في التاج "عيي" إلى الحطيئة، وأنشده الفراء في معاني القرآن 1: 412. وانظر ص370 والمنصف2: 206 والتبيان 5: 147 ورسالة الملائكة ص105 والمحتسب 2: 269 والهمع 1: 53 والدرر 1: 31 والأشموني 4: 349 واللسان "عيي". وسدة البيت: فناؤه. يصف امرأة وأنها منعمة، فلو مشت بفناء بيتها لتعبت.
(1/369)

وكأنَّها، بَينَ النِّساءِ، سَبِيكةٌ, ... تَمشِي1, بِسُدَّةِ بَيتِها, فتُعِيُّ
فبيت شاذٌّ وقد طُعن على قائله] .
وردَّ المازنِيُّ2، مذهب الخليل، بقول العرب في التثنية: استَحَيا. قال: فلو كان الحذف لالتقاء الساكنين لوجب الردُّ هنا؛ لأنَّ اللام قد تحرَّكت لأجل ألف التثنية، فكانوا يقولون: "استَحايا". فلمَّا لم يقولوا ذلك دلَّ على أنَّ الحذف تخفيفٌ3.
ولقائل [56أ] أن يقول4: لَمَّا حُذف عين "استَحَى"5 أَشبَهَ "افتَعَلَ"، فصُرِّفَ كتصريف ما أشبهه. ومذهب المازنِيِّ أقوى.
وجميع ما يجري على "استَحَى" مثلُه في اعتلال عينه، من اسم فاعل واسم مفعول ومضارع، [نحو] 6: استَحَى يَستَحِي فهو مُستَحٍ ومُستَحًى منه. قال7 الشاعر:
وإِنِّي لأستَحيِي, وفي الحَقِّ مُستَحًى, ... إِذا جاءَ باغِي العُرفِ, أن أَتَنكَّرا
ولم يستعملوا الفعل8 معتلَّ العين إِلَّا بالزيادة، فلا يقال "حايَ" ولا "يَحَيُّ". فأمَّا9 قول الشاعر:
وكأَنَّها, بَينَ النِّساءِ, سَبِيكةٌ ... تَمشِي, بِسُدَّةِ بَيتِها, فتَعَيّ10
فبيتٌ شاذٌّ، وقد طُعن على قائله.
وأمَّا11 اللام فتجري في اعتلالها مَجرى لام "رَمَى"، فلا تصحُّ إِلَّا أن تضعِّفها. فإنك إذ ذاك
__________
1 ف: تمسي.
2 المنصف 2: 204.
3 م: تخفيفًا.
4 انظر المنصف 2: 205-206.
5 م: استحيى.
6 من م. وفيها: في إعلال عينه من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مضارع.
7 م: "قول". والبيت تَقَدَّمَ في ص327.
8 يريد: فعل حيي وما أشبهه.
9 بقية الفقرة ساقطة من إحدى النسخ كما جاء في ف. والبيت خرجناه في ص369.
10 ضبط في ف بقلم آخر بضمِّ التاء وكسر العين. وكذلك هو في معاني القرآن والمنصف والتبيان واللسان والتا