Advertisement

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين 003



الكتاب: نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين
المؤلف: آمال صادق - فؤاد أبو حطب
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: الرابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] بعض الأمراض الشائعة لمرض معين، ومن ذلك مثلًا أن الحمى قد لا تظهر دائمًا في الأمراض المعدية التي هي من أعراضها المعروفة.
5- في الأمراض القابلة للشفاء "كالأمراض الحادة" يستغرق المسنون وقتًا أطول لاستعادة صحتهم, وذلك بسبب عدم التوازن الهوميوستازى؛ فمن المعروف أن الراشد الصحيح بدنيًّا يعيش في توازن مع بيئته وتعمل أجهزته بكفاءة في نشاط الخلايا وتجديدها, ومع الشيخوخة تصبح عملية تجديد الخلايا أقل فعالية, وحينئذ تموت الخلايا وتصبح الأعضاء أقل فعالية, أضف إلى ذلك أن نقص الغذاء وسوء التغذية قد ينتجان تغيرات أيضية تتداخل مع الخلل السابق في نشاط الخلايا, وهكذا إذا أضيف إلى الشيخوخة المرض والحرمان والصدمات وغيرها من الضغوط, فإن ذلك يؤدي إلى نقص الاحتياطي الفسيولوجي لدى الإنسان, ويؤدي نقص التوازن الهوميوستازي بالمسنين إلى أن يصبحوا أكثر تعرضًا لنقص البلازما أو الدم, والجفاف, ونفاذ البوتاسيوم, واضطراب عمليات الأيض بالطبع, ومن الأمثلة التي توضح بطء الشفاء في هذه المرحلة أن المضادات الحيوية يحدث أثرها لدى الراشدين الأصغر سنًّا خلال فترة من 24-26 ساعة, بينما هذا الأثر لا يظهر لدى المسنين إلّا بعد انقضاء فترة من 48-72 ساعة على الأقل, ولهذا فإن الأمراض الحادة على الرغم من أنها لدى الصغار تأتي فجاةً, ثم تمضي, ونادرًا ما تسبب العجز أو الوفاة، إلّا أن منها لدى المسنين ما قتل.
6- الأمراض النفسية المصاحبة للاضطرابات الجسمية لدى المسنين أكثر شيوعًا منها لدى من هم أصغر سنًّا؛ فالعلاج طويل الأمد بالعقاقير يسبب مرض مزمن قد يؤدي إلى حدوث بعض الآثار النفسية الجانبية؛ كالدوار والخلط الذهني، بل إن بعض الأعراض الذهانية قد تنتج من هذا النوع من العلاج, بل إن بعض الأمراض المزمنة قد تؤدي إلى بعض الأمراض الذهانية، وأشهرها الاكتئاب, بالإضافة إلى أن نقص تدفق الدم إلى المخ قد يؤدي إلى تغيرات في النشاط العقلي؛ مثل الخلط المكاني, ونقائص الذاكرة، والتقلب المزاجي، وضعف الأداء الذهني, وبهذا قد يسرع المسنون الخطى إلى الطور الأخير من حياتهم وهو "أرذل العمر".
ويوجد عدد قليل من الأمراض يمكن اعتبارها من أمراض الشيخوخة, إلّا أن بعض الأمراض الأخرى أكثر حدوثًا في هذه المرحلة من سواها، ومن النوع الأخير نجد الإمساك، والبواسير، واضطرابات الجهاز الهضمي من مختلف الأنواع ومختلف صور أمراض القلب, أما الأعراض التي تخص الشيخوخة فهي اضطرابات الجهاز الدوري وخاصةً الأوعية الدموية, وعلى وجه أخص تصلب
(1/542)

الشرايين، واضطرابات الأيض، واضطرابات المفاصل والعظام، ومختلف أنواع الأورام وخاصةً السرطان, وفي هذه المرحلة يكون أيّ مرض أكثر خطورة من أيّ مرحلة سابقة؛ لأن أعضاء الجسم كما أشرنا تجدد خلاياها ببطء شديد, وبالإضافة إلى الأمراض الحقيقية فإن المسنين يعانون أيضًا من الأمراض المتوهمة، ويركزون على أيّ صداعٍ أو ألمٍ ويبالغون فيه, كما أن الحديث عن الآلام والأوجاع والطب والأطباء حديث مفضل لدى معظمهم لقضاء الوقت, ويفيد ذلك كوسيلة لجذب الانتباه إليهم، وكسب المشاركة الوجدانية من الآخرين.
والعلاقة بين الصحة والتوافق في هذه المرحلة هي علاقة ارتباط لا علاقة سببية؛ فالصحة السيئة تؤدي إلى تدهور التكيف الجيد، كما أن التكيّف السيئ يؤثر جزئيًّا في الصحة الجيدة, وتكيف المسنين للقيود التي تفرض على الأنشطة التي كانوا يمارسونها من قبل بسبب ضعف الصحة لا يتم إلّا بمقاومة كبيرة؛ لأنهم يشعرون بأن فرص العودة إلى هذه الأنشطة قليلة, إن لم تكن معدومة، فالتدهور بالطبع يزداد معدله مع الأيام, ومقاومة التكيف هذه مصدر آخر للشكوى المستمرة من المرض, وتزداد هذه الشكوى عند النساء أكثر من الرجال. ومن الطريف أن نلاحظ أن هذه الشكوى تقل مع التقدم في السن, وترى هيرلوك Hurlock "1980" أن هذا لا يعني التوافق الجيد مع المرض باعتباره من حقائق الشيخوخة، وإنما السبب في ذلك أن "عتبة المرض" ترتفع مع التقدم في السن, ولهذا فإن المسنين لا يشعرون كثيرًا بالآلام الجسمية كما كانوا يفعلون من قبل. وبالطبع فإن بعض المسنين يتكيفون مع الاضطرابات الجسمية في الشيخوخة، والبعض لا يفعلون, بل إنهم يشعرون دائمًا بالأسى على أنفسهم, ويتحسرون غالبًا على "الشباب الضائع", وتؤدي بهم هذه المشاعر إلى فشل أيّ محاولة للتكيف مع هذه الاضطرابات الجسمية, كما قد تؤدي ببعضهم إلى استخدامها في الضغط على الآخرين والتأثير فيهم، فبها يحصلون على اهتمام أفراد الأسرة ورعايتهم.
ويعاني المسنون من أمراض سوء التغذية، إلّا أن معظم هذه الحالات ترجع إلى أسبابٍ نفسية وليست اقتصادية، فهم يأكلون طعامًا قد لا يتفق مع حاجات الجسم في هذه المرحلة، وخاصةً نوعية الطعام اللازم لاستمرار الكفاءة الجسمية والعقلية، ومن أهم هذه العوامل النفسية نقص الشهية نتيجةً للقلق والاكتئاب، وقد يكون ذلك نتيجةً للعزلة, فضعف الميل إلى الطعام قد يكون بسبب اضطرار المسن إلى الأكل وحيدًا، أو نتيجة لرفض الطعام بسبب عوامل انفعالية أحدثتها خبرات غير سارة في مراحل سابقة من العمر, وكذلك فإن مشكلات الأسنان تضاف إلى
(1/543)

المشكلات النفسية, وتزيد من حدة مشكلة التغذية في هذه المرحلة, فتناول القليل من البروتين والكثير من السوائل الكربوهيدراتية بسبب صعوبات المضغ تؤدي إلى بلع الطعام على نحوٍ يؤدي إلى بعض الاضطرابات في الجهاز الهضمي.
ويعاني بعض المسنين من السمنة, ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الإسراف في الطعام, مع عدم القيام بنشاط يستهلك مقدارًا كافيًا من السعرات الحرارية، وكذلك تناول الطعام غير المتوازن, ونحن في حاجة إلى بعض الدراسات العلمية التي تصف لنا عادات الطعام في هذه المرحلة.
وأكثر الحوادث شيوعًا في هذه المرحلة حوادث السقوط التي قد تسبب تعويقًا للمرء معظم ما بقي له من عمره, ويقع معظم هذه الحوادث داخل البيوت: في غرف النوم والحمامات وعلى السلالم, وبعض هذه الحوادث قد يكون لأسبابٍ خارجية "عوائق يصطدم بها المسن مثلًا"، وبعضها قد يرجع إلى أسباب داخلية مثل ضعف البصر والإصابة بالدوار والتهاب المفاصل والضعف العام.
(1/544)

التغير في الوظائف الحسية:
ليست الحواس استثناءً من التدهور العام في هذه المرحلة، ويمكن القول أن جميع حواس الإنسان تتعرض لنقص الكفاءة, وفي كثير من الأحيان يكون هذا النقص امتدادًا للمشكلات التي تَعَرَّضَ لها المسن في طور منتصف العمر، ولكنها تصبح في مرحلة الشيخوخة أكثر تسارعًا, وعند بعض المسنين قد تنشأ مشكلات حسية جديدة لم يتعرضوا لها من قبل، بينما تستقر عند البعض الآخر, وتثبت المشكلات القديمة.
فإذا بدأنا بحاسة الإبصار فإننا نجد أن العين تطرأ عليها سلسلة من التغيرات البنوية والتشريحية, تؤدي إلى ضعف حاسة البصر, ومن ذلك إن طول النظر يزيد مع العمر, والذي ينتج أساسًا عن التغيرات التي تطرأ على عدسة العين، كما تتناقص القدرة على التكيف للظلام, أضف إلى ذلك أن التغيرات التي تطرأ على الشبكية والجهاز العصبي تؤدي إلى نقص الدقة البصرية "ضعف البصر", ونقص القدرة على تمييز الألوان. وكثير من المسنين لديهم صعوبات كبيرة في الرؤية في الظلام، ويؤدي ذلك إلى جعل قيادة السيارات أثناء الليل بالنسبة لهم مخاطرة, وبعض القصور البصري يرجع في جوهره إلى التغيرات التي تطرأ على العين نفسها, ومن ذلك نقصان المواءمة البصرية, وانكماش حجم إنسان العين, الذي يعني بدوره قلة مقدار الضوء الذي يسقط على الشبكية، والصفرة والكمدة في العدسات.
(1/544)

ثم تزداد هذه التغيرات استفحالًا بتكوين المياه البيضاء "الكاتاراكت" الذي يؤدي إلى إعتام عدسة العين, وهو العجز الأكثر شيوعًا في مرحلة الشيخوخة, يليه مرض الجلوكوما, ومن العلامات الأخرى تلف بعض الميكانيزمات العصبية في مركز الإبصار مع التقدم في السن.
وقد يكون التدهور الأكثر ارتباطًا بمرحلة الشيخوخة ما يحدث لحاسَّةِ السمع, فحوالي 17% من الأشخاص الذين يبلغون سن 65 عامًا وما بعدها, يظهرون علامات النقص السمعي المسمى presbycusis, والذي يرجع في جوهره إلى تدهور الجهاز السمعي ذاته, وهذا النقص يقتصر أساسًا على الأصوات ذات التردد العالي، ويشمل ذلك معظم أصوات الكلام, وكثير من المتحدثين يحاولون تعويض هذا الضعف السمعي لدى المسنين بالحديث بصوتٍ عالٍ, إلّا أن زيادة جهارة volume صوت المتحدث، التي تصل أحيانًا إلى حدِّ الصراخ، لا تفيد، بل قد تؤدي إلى حجب الأصوات التي يمكن للمستمع المسن أن يدركها, ولتحسين التواصل السمعي مع المسنين الذين يعانون من صعوبات السمع يجب أن يخفض المتحدث صوته لا أن يرفعه؛ لأن ذلك يؤدي إلى خفض حدة الصوت أو شدته intensity, وكذلك درجته pitch, وهي الخصائص التي تمثل صعوبة جوهرية لدى المسنين, وفي هذا الصدد نشير إلى أنه لقياس هذا التطور السمعي يحلل الصوت إلى مكونيه الأساسيين هما: التكرار "التردد" والسعة، واللذين يمكن تنويعهما بشكلٍ مستقلٍّ, ويشير التردد أو التكرار إلى عدد الدورات في الثانية التي يتخذها الصوت "أو النغمة"، أما السعة فتعني مدى أو شدة حدوث الموجة الصوتية, وتدل على الحساسية الصوتية, وتؤكد نتائج البحوث أن التدهور يكون ضئيلًا في الحساسية "السعة" الخاصة بالترددات المنخفضة, ويكون هذا التدهور حادًّا للترددات التي مقدارها 2000 ذبذبة في الثانية أو أعلى من ذلك, ويكون ضعف السمع أكثر حدوثًا في الذكور منه في الإناث, وقد يرجع هذا إلى الفروق بين الجنسين في التعرض للضوضاء, ولعلّ خطورة ضعف السمع تتمثل في ارتباطها بضعف النشاط العقلي من ناحية، وبظهور بعض الأعراض الذهانية "كالبارانويا" من ناحية أخرى, وكلما ازداد السمع ضعفًا ازداد معدل تحوّل المسن إلى الطور الأخير من حياته, وهو أرذل العمر.
وتُوجَدُ أدلة على أن الحواس الأخرى تتدهور أيضًا مع التقدم في السن؛ فبالنسبة لحاسة الذوق وجد بعض الباحثين أن عتبات المذاقات الأربعة الأساسية "المر، الحلو، الحامض، المالح" تزيد مع العمر, وخاصةً بعد سن الخمسين، إلّا أن
(1/545)

البعض الآخر يرى أن نتائج الدراسات التي أجريت على حاسة الذوق متناقضة, ومثلها نتائج حاسة الشم, ويوجد فرضٌ شائعٌ في هذا الميدان, وهو أن التدهور يلحق الأجزاء الطرفية من عضو الحس بينما الأجزاء المركزية فيه لا تتأثر, إلّا أن بعض الأدلة الحديثة تؤكد أن عمليات التجهيز المركزي للمعلومات الحسية تتأثر أيضًا وبشكل مستقلٍّ عن الأجزاء الطرفية, وقد يرجع ذلك إلى أن الخلايا الوظيفية في الجهاز العصبي يتناقص عددها مع التقدم في العمر, وتُوجَدُ نتائج علمية تؤكد أن مستوى النشاط العصبي العشوائي يزيد مع العمر، وقد يحدث ذلك نتيجةً لبطء التحرر من آثار الاستثارة السابقة, وهذه التغيرات جميعًا تؤدي إلى نقصان كفاءة الجهاز العصبي في تمييز الإشارات "المثيرات".
ويرى بعض الباحثين الآخرين أن التدهور في حاستي الذوق والشم خاصةً, قد يرجع في جوهره إلى بعض الظروف المرضية, أو إلى بعض العادات المتأصلة مثل التدخين أو إدمان المسكرات والمخدرات, وعلى كلٍّ فإنه نتيجة لصعوبات الذوق والشم يعاني المسنون من فقدان الاهتمام بالطعام, مما يؤدي إلى بعض مشكلات التغذية, والإصابة بالأمراض على النحو الذي أشرنا إليه فيما سبق.
وإذا كان معظم هذه التغيرات الحسية يقدم لنا صورة متشائمة من الشيخوخة، فإننا يجب أن نوضح أنه باستثناء الحالات المتطرفة -التي تحدث عادة في طور أرذل العمر- فإن هذه التغيرات لا تمنع المسن العادي من أن يعيش حياته الطبيعية, وكثير من الابتكارت التكنولوجية الحديثة؛ مثل: التليفونات التي تكبر الصوت والمعينات السمعية والنظارات الطبية, أعانت المسنين على أن يعيشوا حياة راضية, على الرغم من الكفاءة المتناقصة للجسم. وفي الواقع فإنه لا تحدث مشكلات توافق حسي للمسنين إلّا تحت شروط الضغط والإجهاد, وحينئذ تصبح النقائص المرتبطة مصدرًا لسوء التوافق لديهم, ففي حالة الحزن الشديد لوفاة صديق أو قريب يشعر المسن بالعجز عن فهم ما يسمع، وقد يؤدي به ذلك إلى الانسحاب إلى الذات, وغلق نوافذ الاتصال بعالمٍ يشعر أنه مختلط مخيف يحيط به من كل جانب.
(1/546)

التغير في النشاط الحركي:
يدرك المسنين أنهم أبطأ حركة, وأقل تآزرًا, وأضعف ثقةً في حركاتهم, مما كانوا عليه في مراحل السابقة, والسبب في ذلك هو نقص القوة والطاقة الذي يصاحب التغيرات الجسمية التي وصفناها آنفًا.
وقد يكون وراء هذا التدهور بعض العوامل النفسية؛ فالمُسِنُّ يعلم أنه قد دخل مرحلة "الأفول"، كما يعلم أن هناك قيمًا اجتماعية تركز على المهارة والقوة والسرعة, وهي جميعًا خصائص "الشباب" الذي ولَّى، بالإضافة إلى أن هناك ما يُذَكِّرُهُ دائمًا بنقصه إزاء من هم أصغر سنًّا, والأثر الانفعالي الناشئ عن هذه العوامل النفسية قد يسرع بالفعل بالتدهور في القدرات الحركية للفرد، أو يهبط بدوافع الفرد لأداء ما يستطيع أداءه, ومع ذلك فإن من حقائق النمو الإنساني في هذه المرحلة أن القدرات الحركية لا يمكن أن تكون على النحو الذي كانت عليه من قبل.
فالواقع أن جميع القدرات الحركية تتعرض للتدهور مع التقدم في السن، إلّا أن بعض هذه القدرات يكون التدهور فيه أسرع من سواه, ولعل أخطر هذه التغيرات ما يطرأ على القوة والسرعة والمهارة.
فبالنسبة للقوة وُجِدَ أن معدل التدهور في قوة قبضة اليد يصل في سن الستين إلى 17% من معدلها الأقصى الذي كانت عليه في طور الشباب، وعندما يبلغ المرء سن الخامسة والسبعين تكون القوة القصوى لقبضة اليد معادلة تقريبًا لها عند المراهقين المبكرين في سن بين 15-16سنة, وبالطبع فإن التدهور في القوة الجسمية يختلف تبعًا لمجموعة العضلات، وأكثر صور الضعف شيوعًا ما يطرأ على عضلات الساعدين، والعضلات التي ترفع الجسم ككل, وأوضح علامات نقص القوة ما يلاحظ على المسنين من سرعة تعرضهم للتعب الجسمي؛ فمع أقل جهد, وفي أقصر وقت, تبدأ الشكوى عند المسنين من هذا التعب.
وفي حالة السرعة نجد أن اختبارات زمن الرجع تبين لنا أن المسنين أكثر بطأً في الاستجابة ممن هم أصغر سنًّا، ويزداد هذا البطء مع زيادة صعوبة العمل الذي يُؤَدَّى, ومن العوامل التي تؤثر في ذلك التعب والضغط والتوتر.
بل إن المهارات التي سبق للمُسِنِّ أن تعلمها في مراحل عمره السابقة تصير أكثر بطيأً أيضًا مع التقدم في السن, ومن ذلك مهارة الكتابة مثلًا, والسبب في ذلك بالطبع هو صعوبات التآزر الحركي المشهودة في هذه المرحلة, ويسير اتجاه تدهور المهارة في عكس اتجاه اكتسابها وتكوينها؛ فالمهارات التي تكونت أولًا تبقى لفترة أطول, بينما المهارات الأحدث تزول بسرعة, إلّا أنه مع التقدُّمِ في السن تتدهور حتى المهارات جيدة التكوين, ويصير المرء في حالةٍ من العجز أشبه ما يكون بعجز الطفولة القديم, ومع ذلك فإن الاستمرار في ممارسة المهارة أو السرعة في بعض التعلُّم الحركي يرجئ حدوث هذا التدهور إلى حين.
(1/547)

والواقع أن تعلُّم مهارات حركية جديدة في مرحلة الشيخوخة يُعَدُّ من الخبرات غير العادية، ليس لأن التعلم في ذاته أصبح أكثر صعوبة فحسب، وإنما بسبب نقص الدافعية لدى الأفراد أيضًا, ولهذا يجب أن يشعر المسن في تعلُّمِه لأي مهارة حركية بأن هذا التعلُّم مفيد له شخصيُّا، وقد يؤدي به ذلك إلى بذل الجهد الممكن, وهذا في ذاته مؤشر جيد حتى ولو سار هذا التعلُّم بمعدل أبطأ, وكان عائده أقل من المراحل العمرية السابقة, ومما يفيد التعلُّم الحركي في هذه المرحلة أن تكون اليد والذراع على درجة كافية من الثبات.
والسؤال هو: لماذا يحدث البطء في السلوك الحركي في هذه المرحلة؟ الواقع أن هذا البطء لا يقتصر على النشاط الحركي, وإنما يشمل السلوك الإدراكي والمعرفي والفسيولوجي أيضًا؛ لأنها جميعًا أنماط استجابة للمثيرات الخارجية, وقد اقتَرَح بعض الباحثين المبكِّرين أن السبب في ذلك هو العمليات الطرفية في الجهاز العصبي المركزي, ومن ذلك نقص كفاءة أجهزة الاستقبال، وبطء سرعة التوصيل العصبي, إلّا أن بعض الباحثين المحدثين، ومنهم "Botwinick, 1973" رفضوا هذا التفسير واقترحوا فرضًا بديلًا يرجع بطء الاستجابة إلى التغيرات في العمليات المركزية مع التقدم في العمر, وقد وجدوا بالفعل أن هذا البطء السلوكي يرجع من ناحية إلى التدهور الحسي والإدراكي على ما وصفناه في القسم السابق، والذي يؤدي بدوره إلى صعوبة التمييز بين المثيرات، كما يرجع من ناحية أخرى إلى هبوط سرعة التوصيل العصبي, وتأكد أن المسنين أبطأ ممن هم أصغر سنًّا في جميع سرعة التوصيل العصبي, وتأكَّدَ أن المسنين أبطأ ممن هم أصغر سنًّا في جميع مستويات صعوبة المهام التي يؤدونها, وأن زمن رجع المسنين يزداد "أي: تقل السرعة" مع زيادة صعوبة تمييز المثير، وأن الفروق بين الأعمار تزداد مع زيادة هذه الصعوبة, ومعنى ذلك أن العوامل الإدراكية "الطرفية" ليست وحدها هي المسئولة عن بطء الاستجابة مادام هذا البطء يظهر فيها حتى مع ضبط متغير القدرة على التمييز؛ فحينما تَمَّ التكافؤ بين المجموعات العمرية المختلفة في شدة المثير لم يؤدِّ ذلك إلى زوال الفروق بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا في بطء الاستجابة, وعلى ذلك فإن أعضاء الحسِّ ليست وحدها المسئولة عن البطء في زمن الرجع الذي يظهر في مرحلة الشيخوخة.
ومع ذلك فحين حاول الباحثون اختبار فرض دور سرعة التوصيل العصبّي كعامل رئيسي في البطء, ثبت أنه غير صحيح؛ فحين تمت المقارنة بين المسنين في المهام التي تتطلَّبُ مسارًا عصبيًّا أطول من غيرها لم تظهر فروق بينها، ومعنى ذلك أن بطء الاستجابة حالة عامة, سواء كانت المهمة تَتَطَلَّبُ مسارًا عصبيًّا
(1/548)

طويلًا "وبالتالي يكون التوصيل العصبي بطيئًا" أو العكس.
ومن ناحيةٍ ثالثة حاول الباحثون تحديد دور ميكانيزمات الجهاز العصبي في بطء الاستجابة, وفي هذه الدراسات حلَّلَ الباحثون زمن الرجع إلى مكونين رئيسيين هما: زمن الحركة motor time, ويُقْصَدُ به الوقت الذي ينقضي بين تشغيل العضلة وإتمام الاستجابة، والزمن السابق على الحركة premotor, ويُقْصَدُ به الوقت الذي ينقضي بين حدوث المثير وتشغيل العضلة, ويتضمن الزمن السابق على الحركة ثلاث عمليات منفصلة: النقل الحسي للمثير، والتفسير المركزي للمثير، واتخاذ قرار الاستجابة, وقد وَجَدَ الباحثون أن هذا المكوّن يستغرق حوالي 84% من الزمن الكلي للرجع, وعلى ذلك فإن العوامل الحركية تكاد تكون مستبعدة في أثرها, وهذا يؤدي إلى استناج أن بطء زمن الرجع يرجع في جوهره إلى عوامل معرفية تفسيرية متضمنة في عمليات اتخاذ القرار, وقد دعمت تجارب بوتوينك هذا الفرض.
ويُؤَكِّدُ هذا الفرض مصدر آخر للمعلومات, جاء من البحوث التي استخدمت الرسام الكهربائي للمخ "EEG", فقد وجد الباحثون من أصحاب هذا الاتجاه أن هناك معامل ارتباط بين البطء الذي تظهره الرسوم الكهربائية للمخ, وبطء الاستجابة كما يتمثل في زمن الرجع، وقد اقترحت في هذا الصدد علاقة سببية بينهما؛ حيث المخ هو المسبب للبطء العام للاستجابة "وليس العكس بالطبع", وهذه العلاقة، كما ترى "Kermis, 1984"، من الفروض السببية القليلة التي ثبتت صحتها في ميدان سيكولوجية المسنين.
ويرى بعض الباحثين أن التمييز بين النشاط النفسيحركي psychomotor, وغيره من أنواع النشاط النفسي ليس كبيرًا, وإذا كان النشاط النفسيحركي يدل على المهارات البسيطة -كما بينا آنفًا- بحيث يتطَلَّب قليلًا من نشاط العمليات المركزية "كالتفكير وحل المشكلة" في علاقتها بالنشاط الحركي ذاته، فإننا نجد أن هذا التمييز ليس سهلًا؛ لأن جميع الأنشطة النفسية تطلب بعض الميكانيزمات المعرفية المركزية, وكما بينَّا فإن السهولة أو الصعوبة وكذلك البساطة أو التعقد الباديتين على المهمة, لا علاقة لهما بدرجة صعوبة وتعقد العمليات الطرفية أو المركزية المعرفية المتضمنة, ومع ذلك, فإن بعض النتائج الطريفة أمكن التوصل إليها عن علاقة النشاط الحركي بالعمر.
فمن الملاحظات الشائعة أن الأفراد يميلون إلى البطء الحركي بالتدريج مع العمر, إلّا أن سبب ذلك ليس واضحًا, وبالإضافة إلى هذا, فإن المسنين لا يؤدون
(1/549)

الأعمال الحركية أبطأ من الراشدين الصغار فحسب، ولكن أيضًا إذا كانت تعليمات المهمة توجه المفحوصين إلى العمل ببطء, فإنهم يعملون ببطءٍ أشد من الذين هم أصغر سنًّا.
ومن الدراسات الكلاسيكية حول علاقة الأداء الحركي بالعمر, تلك التي قام بها "Miles, 1931", فقد حصل على الأداء الحركي لعينةٍ تتألف من 231 من الذكور تمتد أعمارهم بين 6-95 عامًا, في ستة أعمال حركية مختلفة, تقيس السرعة اليدوية وزمن الرجع, وتؤكِّد نتائج هذا البحث ظهور التدهور في السرعة مع التقدم في السن؛ ففي السرعة اليدوية كان أولئك الذين بلغوا الثمانينات أبطأ من الشباب في العشرينات بمعدل يمتد بين 50%-60%, بينما كانت نتائج زمن الرجع أفضل، فلم تظهر بعض مقاييسه تدهورًا مع العمر إلّا عند سن السبعين.
ومن الملاحظ بصفةٍ عامَّةٍ أن آثار التقدم في السن في النشاط الحسي والكفاءة الحركية عند الراشدين الأصحاء أقل مما نلاحظه من هذه الآثار بالنسبة إلى كفاءة العمليات العصبية المركزية "ومنها العمليات المعرفية التي سوف نتناولها فيما بعد"، وهي العلميات التي تنظم المعلومات التي تستقبلها الحواس, وأنماط النشاط التي يتم التعبير عنها بالحركة أو الكلام، وبالتالي ربط الفرد بالبيئة.
العلاقة بين العمر والمهارة:
من أفضل الدراسات حول العلاقة بين المهارة والتقدُّمِ في السن ما قام به فريق من علماء النفس الإنجليز بقيادة ولفورد "Welford, 1958" "والتي نشرت عام 1958 كتقرير نهائي لوحدة بحوث نفيلد حول مشكلات المسنين", ويبدأ هذا التقرير بالقول بأن أعضاء الجسم وعملياته تزود الإنسان "بالميكانيزمات البيولوجية" التي تجعل الأداء الماهر ممكنًا، فالذراع يمتد, والأصابع تمسك بمقبض الفنجان, ثم تحمله إلى الشفتين، والعينان تمسحان الطريق أثناء قيادة السيارة, وتسجلان ظهور سيارة أخرى, ويحاول علماء النفس الربط بين مفاهيمهم ومناهجهم وتلك التي تتوافر عند علماء الفسيولوجيا والتشريح، وقد توجد هذه الرابطة صريحةً في بعض الأحيان "كما هو الحال في زمن الرجع والتعلّم"، أو مضمرة "كما هو الحال في بعض صور الذاكرة والتفكير".
والواقع أن سلوك الفرد هو نتاج جزئي لسلسلة معقدة طويلة من التفاعلات بين الميكانيزمات الفسيولوجية والبيئة المحيطة, وتبدأ هذه كما أشرنا كثيرًا منذ لحظة تكوين الجنين, ولا تنتهي إلّا بالموت.
ولدراسة مشكلة آثار التقدُّم في السن قام ولفورد وزملاؤه بفرض أنواع
(1/550)

مختلفة من الضغوط والقيود على أداء الفرد, ثم ملاحظة كيف يتغير نمط السلوك, وفي هذا يختبر المفحوصون حتى يصلوا إلى الحدود الفسيولوجية لأدائهم لعملٍ معينٍ, أو إلى ما يقرب من هذه الحدود, ويمكن الكشف عن أيّ ضعفٍ في أدائهم من عدد من المؤشرات هي:
1- التغيرات في أنواع الأخطاء وعددها.
2- التغيرات في تنظيم السلوك.
3- التغيرات في مقدار الزمن المطلوب لأداء العمل وتوزيع هذا الزمن.
ولكيّ نوضِّح طريقة ولفورد وزملائه في البحث نعطي مثالًا من إحدى تجاربه النموذجية, وفيها يرى المفحوصون مثيرات تتألف من مجموعة متحركة من الخطوط المتوازية التي تتعرج بطريقة غير متوقعة على نحوٍ شبيهٍ بمنحنيات طريق غير مألوف, ويقدّم للمفحوص عجلة قيادة وبدال سرعة يستخدمها لتحريك مؤشر بين الخطوط المتوازية, وفي مثل هذا العمل يمكن اختزال آثار التتبع بإحدى طرق ثلاث:
1- إبطاء معدل حركة العرض البصري.
أو2- زيادة المسافة الأمامية بما يسمح للمفحوص بالرؤية الواضحة.
أو 3- تغيير حساسية جهاز التحكم في حركة المؤشر.
ويمكن للباحث تغيير هذه الشروط وغيرها؛ بحيث يختبر المفحوص عند حدود قدرته, وقد وجد الباحثون أن الخلل الذي يطرأ على ميكانيزمات البصر والسمع والتآزر العضلي "مما أشرنا إليه فيما سبق" يمثل بالطبع قيودًا على المستوى الأقصى لأداء الفرد, أما نقصان القدرة فإنه لا يظهر بوضوحٍ إلّا إذا حدث تدهور فسيولوجي سريع يؤدي إلى عجز قدرات الفرد عن مقابلة مطالب المهام المعتادة، أو كانت المطالب المتشددة تفرض من خلال مهام صعبة؛ بحيث أن الحدود يمكن أن تظهر بوضوح "في صورة خطأ أو حذف أو إرجاء للأداء". وباختصارٍ, فإن أداء الأعمال في الظروف المعتادة لا يظهر بالضرورة تدهورًا في قدرات الشخص المتقدم في السن, ولكن حين يختبر هذا الشخص عند حدود قدرته, فإن تدهور القدرة يكون أكثر وضوحًا.
ومعدل الأداء الذي يجده الفرد طبيعيًّا وملائمًا وكفؤًا يُسَمَّى السرعة المثلى optimum pace، وهي السرعة التي يؤدي بها الفرد العمل بكفاءة دون أن يشعر
(1/551)

بأنه تحت ضغطٍ أو إلحاحٍ, أما معدل الأداء الذي يستطيع الفرد أن يصل إليه ولا يتعداه فيُسَمَّى السرعة القصوى maximum pace, وهو الحد الأعلى للمعدل الذي يعمل به الفرد, والعمل عند هذه الحدود العليا أو بالقرب منها, يفرض قيودًا وضغوطًا تؤدي إلى الخلط والتعب والتوتر والخطأ والحذف والتذبذب في الأداء, وبالطبع فإن آثار التدهور الجسمي والعقلي المرتبطة بالعمر يمكن دراستها بوضوحٍ في علاقتها بالأداء الأقصى؛ لأن معظم أعمال الحياة اليومية تفرض مطالب أدنى من المستوى الأقصى, وبالطبع نحن ندفع أنفسنا أحيانًا إلى هذا الحد "كما هو الحال في الألعاب الرياضية"، ولكننا في أغلب الأحوال نشعر أن الأداء "الأمثل" هو الأفضل، وندخر أداءنا الأقصى لتلك المواقف التي تحتاج لبذل جهد خاصٍّ، أو حين نريد "اختبار حدودنا" في الأداء.
ومع التقدُّم في السن تتناقص الفروق بين المستويين الأمثل والأقصى, فإذا سألنا مجموعتين متكافئتين؛ إحداهما من الراشدين الشباب, والأخرى من المسنين, أن يكتبوا الحروف الأبجدية بسرعتهم العادية والطبيعية, فإننا نرى أن المعدل العادي للمسنين أقل قليلًا من الشباب, فإذا طلبنا من المجموعتين كتابة هذه الحروف بأسرع ما يمكن, سنجد أن الشباب يظهرون زيادة كبيرة في الأداء, بينما المسنين لا يتحسن إنتاجهم إلّا قليلًا. وهكذا نستطيع القول أن الفروق في الأعمار تزيد في الأداء الأمثل، ويفسر لنا هذا ما لوحظ أن المسنين يظهرون كفاءةً في بعض المواقف دون البعض الآخر, كما أن التذبذب في القدرة "أي: أن يظهر الشخص كفاءة في بعض المواقف دون البعض الآخر" يزيد أيضًا مع التقدم في السن.
والتغيرات في الأداء الماهر التي ترتبط بالعمر تغيرات تدريجية تراكمية، وقد لا يعي الشخص المسن أحيانًا ما طرأ على سلوكه؛ لأن من النادر أن يواجه المواقف التي تختبر قدرته, وقد يشعر بالدهشة أو الإحباط حين يكتشف أنه يحتاج إلى نظارة أو سماعة أذن، أو أنه لا يستطيع المنافسة المتكافئة في الألعاب الرياضية مع أشخاص أصغر منه سنًّا.
ويميز ولفورد عدة آثار للتغيرات المرتبطة بالعمر في النواحي البيولوجية وهي:
1- فشل التوافق كلية: فالشخص المتقدم في السن قد لا يستطيع تعلم تشغيل آلة جديدة أو القيام بعمل جديد.
2- قد لا يفشل تمامًا إلّا أن الكفاية قد تقلُّ فتظهر أخطاء أكثر.
(1/552)

3- قد تستمر كفاية التوافق بالرغم من نقصان الاستعدادات البيولوجية، فقد يغيّر الشخص المسن من سلوكه أو محيطه ويعوّض نقائصه.
4- قد لا يظهر الشخص المسن أيّ نقصان في الأداء؛ لأن العمل لا يزال في متناول استعداداته السيكولوجية والبيولوجية.
5- قد يلجأ الشخص إلى المبالغة في تعويض نقصان الكفاءة, ويحقق بذلك تحسنًا فعليًّا في الأداء, وذلك باستخدام التمرينات البدنية وتغيير نظام التغذية، والإقلاع عن التدخين على سبيل المثال، وبهذا يتحسّن أداؤه عَمَّا كان عليه من قبل.
وبالطبع يمكن للمسنين أن يحسنوا أداءهم الحركي, وذلك بإعادة التدريب على المهارات التي أهملت في الماضي, إلّا أننا يعوزننا الدليل الإيجابي على هذه المسألة، فقد أوضحنا أن الموارد الجسمية والعقلية عند الراشدين تتدهور مع العمر، ومع ذلك يمكن القول: إن بعض المسنين ربما يكونون قد تدربوا في صغرهم على استخدام مواردهم بطرق أكثر فعالية, وقد أشرنا إلى أن الفرق بين الأداء "الأمثل" والأداء "الأقصى" يكون كبيرًا عند صغار الراشدين، وبهذا يمكن القول: إن من السهل تحقيق تحسينات جزئية في الأداء عن طريق بذل جهد أكبر, أو استخدام طريقة أفضل.
ومن المعلوم أن الشخص الذي يكون انتباهه واهتمامه مركَّزَيْنِ على عملٍ ما, لا يستطيع الانتباه لأشياء أخرى حين تكون مطالب المهمة عند حدود القدرة أو تتعداها، وفي هذه الحالة لا يستطيع حتى أن يفكر في التفاصيل للمهمة ذاتها، والشخص المسن الذي يؤدي أداء يقترب من حده الأقصى, لا تتوافر لديه موارد جديدة يوزعها على أنشطة أخرى غير ذلك تلك التي ينشغل بها.
المهارات المعقدة:
من المهارات التي اهتم بها ولفورد عام 1958 في تحليله الشهير للتعلُّم الحركي وعلاقته بالعمر, ما يسميه عملية الترجمة Translation, وفيها تستخدم قواعد ذهنية معينة متعلمة لأداء المهمة قبل صدور الاستجابات الملائمة, وفي بعض الأحيان قد تكون قواعد العمل محددة وموصفة؛ كما هو الحال في تعليمات الاختبارات, أو في العروض البصرية التي يدركها المفحوص, ومعنى الترجمة هنا أن الشخص يحوّل النص اللغوي إلى أداء عملي عند القيام بالمهمة, إلّا أنه في شئون الحياة اليومية تكون هذه القواعد مضمرة؛ فقائد السيارة لا يقودها وأمامه كتاب "كيف تقود السيارة", إلّا أنه في كثير من
(1/553)

المجالات الصناعية والمهنية حيث تكون الأخطاء خطيرة ومكلفة يعتمد مشغلو الآلات اعتمادًا كبيرًا على تعليمات شكلية مكتوبة.
وتؤكد التجارب التي أجراها ولفورد أن المسنين لا يستفيدون كثيرًا من التعليمات المكتوبة لأنها تضيف تعقيدات إلى الأعمال الصعبة, وهذه التعليمات أكثر جدوى حين يكون الفرد على درجة ملائمة من الكفاءة، فتفيد في زيادة سرعة أدائه وإنقاص المخاطرة بالخطأ، إلّا أنها ليست بديلًا عن المهارة العملية ذاتها, وهكذا فإن سبب عدم استفادة المتقدمين في السنِّ من التعليمات الصريحة ليس في أن هذه التعليمات غير مفيدة، ولكن لأنها سابقة للأوان؛ فالمسنون يفضلون تعلُّم المهارة على طريقتهم وبسرعتهم الخاصة، حتى أنه في المراحل المبكرة للتعلُّم نجد أن الأساليب الروتينية "التي يمكن أن يحصِّلُوها مع الوقت" لا تكون ملائمة دائمًا لهم, وحيث إن معينات الذاكرة عادةً ما تكون مفيدة في الأداء الماهر, فلا بُدَّ من تدريب الأفراد المسنين على استخدامها، وخاصةً حين يكون هناك الكثير مما يجب تذكره، وحين يكون ترتيب سلسلة الأفعال هامًّا، وحين يكون الوقوع في الخطأ خطيرًا.
ويصف ولفورد تجربة يطلب فيها من المفحوصين أن يقذفوا بحلقات قصيرة من سلسلة وتصويبها إلى صندوق يقع على مسافة بعيدة نسبيًّا, وفيها وجد أنه لا تُوجَد فروق عمرية في الأداء, بشرط أن تكون العلاقة بين العرض الإدراكي والاستجابة مباشرة، إلّا أنه حين تكون هذه العلاقة غير مباشرة, وذلك عن طريق إخفاء الهدف بشاشة, وإجبار المفحوص على رؤيته في مرآة، لُوحِظ أن الأشخاص الأكبر سنًّا يكونون أقل دقة وأكثر بطأً في التصويب.
وإذاكان على المفحوص "ترجمة" الموقف, فإن أيّ تعقيدٍ يطرأ عليه يؤدي إلى مزيدٍ من البطء, ويزيد أيضًا من احتمال الخطأ, ويصدق هذا على الراشدين الصغار أيضًا، إلّا أنه أكثر وضوحًا عند المسنين, فإذا تعارضت عملية الترجمة مع قواعد العمل المحددة تحديدًا مسبقًا, فإن صعوبات جديدة سوف تنشأ, ويُسَمَّى هذا أحيانًا بالانتقال السالب لأثر التدريب, فليس من المستغرب أن نلاحظ بعض التصلُّب والجمود في النشاط الحركي للراشدين الأكبر سنًّا الذين يعملون في مثل هذه الظروف، ولهذا يكون من الصعب عليهم التخلي عن طريقة خاطئة والتحول إلى طريقة صحيحة للعمل, ومن الشائع أيضًا أن نجد أن الراشدين الكبار لا يرغبون في أغلب الأحوال في استبعاد طرق قليلة الكفاية يمارسونها ممارسةً متكررةً, وإحلال طرق جديدة أكثر فعالية محلها.
(1/554)

وفي مواقف الاختبار -وكذلك في مواقف التدريب- يكون الراشدون الصغار أكثر استرخاءً وتحررًا من التوتر، بينما نجد المسنين أكثر اندماجًا في العمل, ويظهرون اهتمامًا أكبر به, وقد يفسِّرُ هذا نقصان القدرة عند الفئة الأخيرة، وقد يحدث هذا نتيجة رغبة الشخص المسِنِّ في أن يقلل من المخاطرة بالخطأ، وقد يكون دفاعًا انفعاليًّا ضد الفشل.
وفي مهام التعلُّم التي يظهر فيها المسنون أداءً أقل جودةٍ من الراشدين الصغار, يبدو أن هذه الفروق تكون في الدرجة وليس في النوع؛ فالوقت المستغرَق في تتبع مسار معينٍ, أو في الاستجابة معكوسة "كما يرى الشكل في المرآة" مثلًا يتحسن بالممارسة, وبالطبع فإن أداء الراشدين الصغار يكون أفضل من أداء الكبار، إلّا أن الاتجاه نحو التحسُّن خلال التعلُّم هو نفسه عند كلٍّ منهما. وقد قام بروملي "Bromley, 1958" بتجربة يتعلم فيها الفرد سلسلة من الاستجابات الاعتباطية نسبيًّا, وبشرط أن يكون ترتيب ظهور كل استجابة هامًّا, فوجد أن تعلُّمَ الاستجابات المبكرة والمتأخرة في السلسلة أسهل من الاستجابات المتوسطة، ويُسَمَّى هذا في ميدان علم النفس التجريبي "أثر الموضع التسلسلي" serial position effect, وهو أكثر ظهورًا حين تكون السلسلة طويلة, أو يكون الأداء سيئًا, وقد وجد بروملي أن التعلم الصم عند الراشدين الكبار أقل كفاءة منه عند الراشدين الصغار، إلّا أن أثر الموضع التسلسلي لم يتغير في الحالتين, ومعنى هذا أنه يصعب علينا التمييز بين أداء الفريقين في التعلُّم الصم إذا كانت درجاتهما قابلة للمقارنة, إلا أن هذا لا يعني أن أنواع الأداء الأخرى تتشابه عند المجموعتين في عدم التمييز؛ فالتقدم في السن ينتج تغيرات في "بنية" الأداء أو "كيفه".
ويؤكد ولفورد أن العمليات الحسية والحركية في المهارة أقل أهميةً نسبيًّا بالمقارنة بعمليات الترجمة المضمرة التي تتوسط بينهما, والروابط غير المباشرة بين عرض المثيرات وقواعد فهمهما, أو الاستجابة لها لا تقتصر على الأعمال المعملية؛ فبعض الأعمال الواقعية يتضمن درجة من "المسافة النفسية" بين الإنسان والعالم الحقيقي, والإنسان يتعامل مع العالم بواسطة عملية الترجمة التي أشرنا إليها، وهذه العملية تمتد في مدى واسع ابتداءً من علاقة الترابط والتداعي بين المثير والاستجابة, وهي علاقة بسيطة نسبيًّا، إلى المفاهيم والطرق الرمزية, وفي هذا يجب التمييز بين مرحلتين: مرحلة الاكتساب والإنتاج, ومرحلة الاستخدام والاحتفاظ والاسترجاع؛ فالمرحلة الأولى تتطلَّب قدرًا من الاستعداد.
(1/555)

العام للتعلم حتى يمكن للفرد أن يكتسب قواعد الترجمة، بينما لا تتطلب المرحلة الثانية ذلك, ولهذا فإن أداء مهام المهارة المعقدة "كالتعامل مع الأشكال كما تبدو في المرآة" قد يكشف في نفس الوقت العجز العقلي عند المسنين, بينما لا تفيد في ذلك المهام التي لا تتطلّب أكثر من الحفظ والاسترجاع.
ويوجد نوعٌ آخر من "الترجمة" يتمثّل في الانتقال من أحد وسائط الحس إلى وسيط آخر؛ ففي بعض الألعاب الرياضية يكون للإحساس بالتوازن وإحساساتنا من العضلات والمفاصل أهميةً في تحديد الاستجابة، إلّا أن المهارة قد تتطلَّب استخدام معلومات حواس البصر أو السمع، أو ما يُسَمَّى التغذية الراجعة الحسية، التي هي في جوهرها من نوع تعزيز التعلم, ومن الطريف أن نذكر أن هذا النوع من التعزيز ليس له أثرٌ يذكر في أداء المسنين، والسبب في هذا لا يرجع في جوهره إلى الفشل في استخدام هاتين الحاستين, وإنما إلى الفشل في الترجمة الملائمة من المثير البصريّ أو السمعيّ إلى الإحساس بالحركة والشعور بالتوازن, وكثير من مواقف العمل تتطلب هذا التعقد في الأداء من بدء العمل حتى اكتماله, وبالطبع فإن المهارات رفيعة المستوى تتطلب ترجماتٍ كثيرةٍ بين وسائط حسية عديدة, ولذلك فإن هذه المهارات المعقَّدَةِ يصعب على المسنين إتقانها أو الاحتفاظ بها.
ويوجد نوع ثالث من الترجمة يتصل بنظام عرض المثيرات وطرق الاستجابة؛ فمثلًا قد تتطلَّب المهمة أن يكون عرض المثيرات رأسيًّا وأن تصدر الاستجابات أفقيًّا، كما هو الحال عند التعامل مع صور شاشة أفقية للرادار. ويصف ولفورد تجربةً استخدم فيها جهاز يتألف من سطرٍ من اللمبات الأفقية أرقامها "منتظمة" بالترتيب من 1-12, يتم تشغيلها بسطرٍ من المفاتيح الأفقية أيضًا مرقمة "عشوائيًّا", وهيأ ولفورد ثلاثة شروط مرتبة حسب درجة الصعوبة "من الأصعب إلى الأسهل" كما يلي:
1- توضع بطاقة بأرقام المفاتيح فوق لوحة المفاتيح مباشرة.
2- توضع هذه البطاقة في منتصف المسافة بين اللمبات والمفاتيح.
3- توضع هذه البطاقة تحت اللمبات.
وقد وجد الباحث أن في هذا الموقف التجريبي تصدر عن المسنين أنواع مختلفة من الأخطاء، ومن ذلك أن المفحوصين قد يربطون بين البطاقة المرجعية واللمبات بدلًا من المفاتيح، أو يستغنون عن استخدام البطاقة، أو يستخدمونها
(1/556)

مرتين, وقد ينشأ بعض هذه الأخطاء من المحاولات الطبيعية عند المفحوصين لتبسيط العمل "حتى يجعلوه في نطاق كفاءتهم" مما ينجم عنه سلوك مضطرب أو غير ملائم, وقد لاحظ ولفورد أن كلًّا من الوقت المطلوب للأداء والأخطاء التي تصدر عن المفحوص, يزيدان زيادةً حادةً عند المسنين حين يعملون في الظروف الصعبة. وكان الظرف الأول هو أصعب الظروف بالطبع, ومنشأ الصعوبة فيه أنه يتطلب عمليتين مختلفتين، أولاهما: ترجمة رمزية من مصدر الضوء إلى الرقم المسجَّل في البطاقة المرجعية، وثانيتهما: الترجمة المكانية من الموضع في بطاقة مرجعية بعيدة إلى نفس الموضع أيضًا في صف المفاتيح, وفي رأي ولفورد أن كلًّا من هاتين الترجمتين على حدةٍ تؤدي إلى نقصٍِ كبيرٍ في الأداء مع التقدم في السن، إلّا أن استخدامهما معًا يؤدي إلى نقص أقل مع زيادة العمر, وقد لوحظ أن إضافة صعوبة جديدة للعمل يؤدي إلى مزيدٍ من التدهور في أداء المسنين, ويُعَدُّ ذلك أحد العوامل التي يجب مراعاتها في تدريب المسنين على المهارات الحركية, ولا شكَّ في أن الزيادة في الوقت المستغرق في الأداء, وفي عدد الأخطاء التي تصدر عن المفحوصين المسنين عند أداء الأعمال التي تتطلب عمليات معقدة من الترجمة والتنظيم, قد ترتبط بالفقدان التدريجي والتراكمي لخلايا المخ.
وحين توضع بطاقة أرقام المفاتيح مباشرة تحت الأضواء "الظرف الثالث وهو أسهل الشروط الثلاثة" لم يجد ولفورد فروقًا دالَّةً بين الراشدين الصغار والمسنين في زمن الرجع وفي درجة الخطأ, أما حين تتحرّك الأضواء بعيدًا إلى الخلْف يزيد زمن رجع المسنين, بينما تقل أخطاؤهم، وحين أدير صف الأضواء ليصبح أفقيًّا، مع بقاء صف المفاتيح أفقيًّا, ووجود بعض المسافة بينه وبين الأضواء, فإن زمن رجع المسنين يزداد زيادة كبيرة، إلّا أن أخطاءهم ظلت متساوية تقريبًا مع أخطاء الراشدين الصغار.
وفي عدة تجارب أخرى مماثلة وجد ولفورد أن الفروق في العمر -سواء بالنسبة للزمن أو عدد الأخطاء- عند اكتساب المهارة لا تكون دالة حين يكون كلٌّ من العرض البصريّ والحركات في المستوى الأفقي، إلّا أن هذه الفروق تزداد زيادة كبيرة حين يصبح العرض رأسيًّا والحركات في المستوى الأفقي, وهي نتائج تؤكد أن العجز الملاحظ في الأداء الماهر مع التقدُّم في السن يرجع في جوهره إلى تدهور عمليات الترجمة المركزية, وليس إلى القصور الحسي أو الحركي في ذاتهما. وعلى كلٍّ فهذه النتائج لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحوث لتدعيمها، كما أنها في حاجةٍ إلى اختبارٍ في بيئتنا وثقافتنا.
(1/557)

التغير العقلي المعرفي
مدخل
...
التغير العقلي المعرفي:
إن الصورة النمطية للمسنين أنهم يفقدون معظم يقظتهم الذهنية وقدرتهم العقلية مع التقدم في السن, فمن الشائع مثلًا أن المسنَّ لا يستطيع أن يلتقط الأفكار بسرعة أو يتذكرها بدقة, كما يتوقع منه ألّا يكون قادرًا على "إنتاج الأفكار" أو المبادأة بها، كما لا يُتَوقَّعُ منه أن يكون مبدعًا, وللتحقق من هذه الصورة النمطية قام علماء النفس في السنوات الأخيرة بسلسلةٍ كبيرةٍ من البحوث حول الذكاء والنشاط المعرفي في مرحلة المسنين, وعلى الرغم من أن نتائج البحوث في هذا المجال لا تزال خلافية، إلّا أنها هيَّأَتْ لنا الفرصة للوصول إلى استنتاجٍ واضحٍ للغاية, خلاصته أن التدهور العقلي السريع ليس حتميًّا بالضرورة لدى الشخص المسن السوي.
والمكون الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام من النشاط العقليّ لدى المسنين هو الأداء في اختبارات الذكاء, وكما أوضحنا في الباب السابق يوجد خلافٌ حادٌّ حول التدهور الملاحظ في الذكاء خلال منتصف العمر, وكذلك في الشيخوخة؛ فالدراسات المستعرضة تسجّل تناقصًا في الأداء الاختباري, يبدأ مبكرًا منذ العقد الثالث من حياة الإنسان، بينما تدل الدراسات الطولية على استقرار نسبي في معظم الوظائف العقلية حتى العقد الخامس من العمر، بعده يلاحظ تدهور بطيء ولكنه منتظم, وبالإضافة إلى ذلك فإنه حتى حين يُلَاحَظُ النقص في أداء الاختبارات العقلية، فإن ذلك لا يحدث عادةً إلّا في المجالات التي تقيس القدرات الإدراكية والذاكرة والاستدلال الاستقرائي "أو ما يُسَمَّى الذكاء السائل", وكذلك المجالات التي تؤكد المهارات الحركية وسرعة الاستجابة, أما المعرفة الاجتماعية والقدرة اللغوية والاستدلال الحسابي "وكلها من نوع الذكاء المتبلور", فإنها لا تتأثر إلّا قليلًا بعملية التقدم في السن في ذاتها، ولا يظهر التدهور فيها إلّا في أواخر السبيعنات من العمر "1944 ,Schaie".
وإذا كان الأداء العقلي يتناقص في الشيخوخة -حتى ولو كان في مجالات معينة -فإنه يبدو صحيحًا أن نقول: إن هذا النقص يظهر بنفس الدرجة عند جميع الناس, ومن الفروض الطريفة أن "التقدم في السن لا يؤثر كثيرًا في الأشخاص الأكثر قدرة منذ البداية، أي: أن المفحوصين ذوي القدرة العالية منذ شبابهم يظهرون تدهورًا أقل في الشيخوخة إذا قورنوا بالأشخاص الأقل قدرة, وحيث إن القدرات العالية تميل إلى الارتباط بالمستويات العالية من التعليم, فقد اقترح أيضًا أن الأشخاص الأعلى في المستوى التعليمي يتعرضون لتدهور أقل في الشيخوخة.
(1/558)

ومن الدراسات التي دعَّمَت هذين الفرضين تلك التي قام بها Blum & Jarvik 1975" في دراسة تتبعية استمرت عشرين عامًا حتى وصل مفحوصوهما من ذوي المستويات المختلفة من القدرة إلى سن الثمانين.
ويرى الباحثان أن محافظة المرء على نفسه بأن يظل يقظًا ذهنيًّا ونشطًا عقليًّا طوال حياته, تساعده على مقاومة ما يمكن أن يطرأ على نشاطه العقلي من تدهور, بل إن المسنين الذين تتوافر فيهم هذه الشروط قد يكون أداؤهم العقلي أفضل ممن هم أصغر سنًّا, وخاصةً في المواقف التي تتطلَّب الاستفادة بالخبرة, ومعنى ذلك أن الجزء المتأخر من حياة الإنسان "الشيخوخة" يقدم من خلال الخبرة حمايةً له من التدهور العقلي, وقد دعمت هذا الرأي دراسة تالية قام بها "Schultz, et al., 1980" الذين وجدوا أن الأفراد الذين استمروا في استخدام وتوظيف قدراتهم العقلية على نحوٍ منتظمٍ طوال سنوات عمرهم المتأخرة, كان تدهور الذكاء لديهم أقل احتمالًا في الحدوث.
وبالطبع هناك فروق فردية في معدلات التدهور العقلي والمعرفي لدى المسنين, وتوجد عوامل تؤدي لذلك؛ بعضها يمكن أن يكون موضوعًا للتدخل التجريبي, ويلخص "Schaie, 1994" هذه العوامل فيما يلي:
1- التحرر النسبي من أمراض الجهاز الدوري والأمراض المزمنة.
2- توافر بيئة ملائمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
3- الاندماج في بيئة عقلية معقدة ومثيرة للاهتمام.
4- توافر أسلوب مرن للشخصية, وخاصةً في مرحلة منتصف العمر.
5- وجود رفيق عمر من مستوى معرفي مرتفع.
6- المحافظة على مستوى سرعة التجهيز الإدراكي.
ونعرض فيما يلي نماذج من البحوث التي أجريت حول بعض المسائل في هذا الموضوع الهام.
(1/559)

أولًا: التدهور في القدرات العقلية
من المعتاد أن يبدأ تدهور القدرات العقلية في مرحلة منتصف العمر "التي وصفناها في الباب السابق"، ويستمر بعد ذلك، وكما هو الحال في كل صور التدهور الجسمي والسلوكي في مرحلة الشيخوخة, توجد اختلافات فردية واسعة في العمر الذي يبدأ عنده التدهور العقلي، ولا يوجد عمر واحد ثابت يبدأ عنده هذا التدهور عند الجميع، كما لا يوجد نمط عام لهذا التدهور نجده في جميع المسنين أيضًا ويتحكم في هذه الفروق الفردية التي عرضناها توًّا, إلّا أننا بصفة عامة نقول -كما قلنا من قبل: إن معدل هذا التدهور يكون أقل لدى ذوي القدرات العقلية العليا من ناحيةٍ, ولدى أولئك الذين يواصلون نشاطهم العقلي في العمر الثالث من حياتهم من ناحيةٍ أخرى.
ويعتمد معدل التدهور العقلي إلى حدٍّ كبير على الظروف الجسمية والصحية للإنسان, كما أن نقصان الاستثارة البيئية يترك آثاره في الإسراع بمعدل هذا التدهور, كما تؤكد الدراسات أن المسنين الذين يستمرون في أداء عملٍ ما, تظل وظائف المخ لديهم في حالة نشاط، وبالتالي يؤدون أداءً جيدًا في اختبارات الذكاء. ولعلنا ننبه هنا إلى أن الأنشطة العقلية التي تعتمد على عنصري الزمن والسرعة تعتبر غير ملائمة للمسنين، وهو مبدأ يتفق مع ما ذكرناه آنفًا عن البطء النسبي في سلوك المسن وحركاته.
الذكاء العام والإستدلال:
تؤكد البحوث التي أجريت على الذكاء العام أن الكفاءة العقلية العامة للمرء تظل ثابتة نسبيًّا حتى أوائل الخمسينات, ثم تبدأ في التدهور ببطء مع تقدم الإنسان نحو سن الستين, ومن تحليل القدرات العقلية المختلفة المتضمنة في اختبارات الذكاء التي تطبَّقُ على المسنين, وُجِدَ أن أوضح صور التدهور تظهر في الاختبارات التي تتطلَّبُ التعلُّم وإدراك علاقات جديدة، وتكون أقل ما تكون في اختبارات المعلومات العامة واستخدام الأعداد والمفردات اللغوية, ويفسر ذلك بأنه في المهامِّ التي تتطلّب من المسنِّ نوعًا من التعليم الجديد؛ فإنه يكون أكثر حذرًا, ويتطلّب وقتًا أطول ليحدث التكامل بين استجاباته، ويكون أقل قدرة على التعامل مع المواد الجديدة التي لا تتكامل مع خبراته السابقة.
ومع زيادة تركيب العمل وتعقده يحتاج المسنون إلى وقت أطول لأدائه، ومع ذلك يكونون أقل دقة "كما يتمثّل ذلك في زيادة عدد الأخطاء"، ويزداد عندهم الخلط الذي يعوق تنظيم موضوع التعلُّم على نحوٍ له معنى.
وتتدهور القدرة على الاستدلال بمعدَّلٍ أسرع من القدرات اللغوية والعددية, وهذا التدهور يظهر في كلٍّ من الاستقراء والاستنباط على حَدٍّ سواء, ويفتقد المسنون تدريجيًّا القدرة على التفكير المستقل والتفكير الابتكاري, ويظهرون قدرةً محدودةً على أداء الأعمال المجردة.
ومن الدراسات الهامة التي أجريت على الاستدلال المنطقي تلك التي قام بها "Papalia, 1972", والتي عرض فيها على عينات من المفحوصين تمتد أعمارهم
(1/560)

بين 6 سنوات، 65 سنة وما بعدها, بطريقة من مهامِّ بياجيه من نوع بقاء الكم "تشمل الأعداد والكتلة والوزن والحجم", وقد وجد الباحث أن المسنين أظهروا مستوى أداء أكثر انخفاضًا من غيرهم من جماعات الراشدين, وخاصةً بالنسبة للمفاهيم الأكثر صعوبة، وعلى وجه الخصوص بقاء الحجم؛ حيث لم يجب إجابة صحيحة إلّا 6% فقط من أفراد المجموعة العمرية التي بلغت 65عامًا وما بعدها, وقد وجد أيضًا أن أشد تدهور في الأداء والذي أظهر اتساقًا واضحًا لدى المسنين, ما يتصل بقدرات التفكير باستخدام العمليات الصورية، وهو أرقى صور الاستدلال في نموذج بياجيه "Clayton & Overton, 1976", وقد أدت هذه النتائج إلى صياغة فرض طريف وهامٍّ, وهو أن القدرات الأكثر حداثة في الظهور في نموِّ الإنسان -ومنها العمليات الصورية، هي الأسرع في التدهور خلال العمر الثالث للإنسان, والسؤال الآن: هل يحدث هذا التدهور الذي يعود بالإنسان إلى مراحل نموه الأولى من جديد, ويتحقق فيه قول الله -سبحانه وتعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 18] بالتتابع, أم أنه يحدث طفرة؟ سؤال يحتاج إلى إجابة تجريبية واضحة عليه.
التصلب المعرفي والتعلم:
ويزداد في هذه المرحلة التصلّب المعرفي الذي تظهر بوادره في مرحلة وسط العمر, وتوجد في هذه الخاصية فروق بين الجنسين؛ فالرجال بصفة عامة أكثر مرونة من النساء، وقد يرجع ذلك إلى الفرص الأكثر عددًا وتنوعًا التي تتاح لهم خلال مرحلة الرشد, مما يجعلهم في تكيفهم للمواقف الجديدة أكثر قدرة من النساء, ويعين هذا على مزيدٍ من المرونة المعرفية, وترجع الزيادة في التصلُّب المعرفي بوجهٍ عامٍّ في هذه المرحلة إلى بطء التعلّم وصعوبته، ولهذا نجد المسنّ يلجأ في تناول المشكلات إلى الحلول الروتينية المعتادة التي يألفها.
ففي دراسة قام بها "Craik & Tereub, 1980" Battes & Willis واهتما فيها بدرجة المرونة العقلية لدى المسنين عرفًا, هذه المرونة بمدى الأداء العقلي الذي يظهره الشخص في شروط بيئية مختلفة, فبعد استخدام إجراءات مكثفة للتدريب على إثراء النشاط العقلي للمفحوصين, وجدا أن المسنين لديهم مستوى مرتفع نسبيًّا من المرونة العقلية، أي: أن أداءهم للقدرات غير المستخدمة يمكن أن يتحسن بشكل واضح خلال برامج التدخل والتدريب, وهذه النتائج لها تضمينات عملية واضحة لتعليم, وإعادة تدريب المسنين. والقول بتعليم المسنين ليس غريبًا؛ ففي السنوات الأخيرة -مع التوسع في فتح فصول الخدمة العامة
(1/561)

والتدريب المستمر- يلتحق بعض الشيوخ بعد تقاعدهم في هذه الفصول، على الرغم من القول الذي شاع لقرون طويلة من أنك "لا تستطيع أن تعلِّم المسن حيلًا جديدة", فإن هذا القول إن صدق على الحيوان فلا يمكن تطبيقه بكلِّ تأكيدٍ على الإنسان في مرحلة الشيخوخة؛ فالمسنون يستمرون في استقبال المعلومات الجديدة, ويقومون بتوافقات ملائمة للحياة حتى نهايتها، وتطرأ على سلوكهم تعديلات مستمرة، وهذا هو جوهر التعلّم.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن ذلك لا يعني أن التعلُّمَ لدى المسنين يشبه تمامًا تعلُّمَ الراشدين الأصغر سنًّا؛ فنتائج البحوث التي تراكمت طوال العقود الماضية تؤكِّدُ أنه يوجد نقص مرتبط بالعمر في القدرة على اكتساب وتذكر المعلومات, والمسألة الحاسمة بالنسبة لعلماء النفس ليست ما إذا كان المسنون يتعلمون أم لا، ولكن كيف يجهزون المعلومات في سياق التعلّم, وما هي الشروط التي يحدث فيها خلل في تجهيز هذه المعلومات؟
تؤكد البحوث أن المسنين يواجهون صعوباتٍ كبيرة في تجهيز المعلومات الإدراكية إذا قورنوا بالراشدين الأصغر سنًّا, ومن أسباب ذلك أن القدرة على تجهيز المعلومات البصرية تصبح أبطأ مع التقدم في السن "Hoyer & Plude, 1980", ويمكن التحقق من ذلك بسهولة في تجارب الحجب البصري Visual masking, ومن أمثلة ذلك عرض مثير بصري معين "وليكن شكلًا مربعًا أحمر" لفترة قصيرة, ثم إتباعه في الحال بمثير بصري آخر "وليكن شكلًا مثلثًا أزرق"، فإن إدراك الشخص للمثير الأول "المربع الأحمر" يكون قد اختفى obscured أوحجب masked, والسبب في ذلك أن الأمر يتطلب بعض الوقت لتجهيز المعلومات بصريًّا "أو بأي وسيط آخر", وحين يُعْرَضُ المثير الثاني عقب المثير الأول مباشرةً يكون الشخص غير قادر على التجهيز الكامل للمثير الأول, وقد أكدت نتائج بحث هوير وبلود, أن المسنين أكثر تعرضًا للحجب البصريّ من الأصغر سنًّا؛ لأنهم لا يستطيعون تجهيز المثير الأول بسرعةٍ كافيةٍ لتجنب أثر التداخل أو الحجب, وبالإضافة إلى البطء في تجهيز المعلومات البصرية يعاني المسنون أيضًا من صعوبةٍ أكبر من الراشدين الأصغر سنًّا في تبين detection الأجزاء المنفصلة التي تكون مندمجة embeded داخل خلفية من مثير أكبر, فمثلًا لو كان هناك شكل هندسي مألوف؛ كالمثلث, مخبأ داخل تصميم أكثر تعقيدًا، فإن المسن يستغرق وقتًا أطول في تحديد موضعه من الشخص الأصغر سنًّا.,ومن المفترض أن المسنين أكثر حساسية للمنبهات السياقية في حل المشكلات, وحين يكون السياق أو الخلفية
(1/562)

يؤديان إلى غموض المثير أو التداخل مع مثيرٍ آخر, فإن أداء المسنين يتدهور.
ويرى بعض الباحثين أن نقائص التجهيز الإدراكي في مرحلة الشيخوخة قد ترتبط بمشكلات الانتباه, ويوجد مكونان للانتباه يستحقان الاهتمام في هذه المرحلة؛ هما: الانتباه الموزع والانتباه الانتقائي, ويدل الانتباه الموزع على القدرة على تجهيز أكثر من مصدرٍ واحد للمعلومات في وقتٍ واحد, ومن ذلك مثلًا: الانتباه إلى حوارات متعددة بين أشخاص مختلفين تتم في وقت واحد في موقف اجتماعي. أما الانتباه الانتقائي فعلى العكس يشير إلى قدرة الشخص على الانتباه إلى المعلومات المرتبطة وتجاهل المعلومات غير المرتبطة، ومن ذلك مثلًا: التركيز على الحديث مع شخص معين, وتجاهل الحوارات الأخرى غير المرتبطة, وضجيج الخلفية التي توجد في البيئة المباشرة, وقد أكدت بحوث "Craik, 1977" أن المسنين يعانون صعوباتٍ جمَّةٍ في المواقف التي تتطلّب توزيع الانتباه على مصدرين أو أكثر من المعلومات, كما لَوْ لُوحِظَ أيضًا ظهور نقائص الانتباه الانتقائي "تركيز الانتباه" بين المسنين، إلّا أنها تظهر خاصةً حين يكون من الصعب التمييز بين المعلومات المرتبطة وغير المرتبطة، أي: حين يكون نوعا المعلومات على درجة كبيرة من التشابه "Farkad & Hoyer 1980", ولذلك نلاحظ على الشخص المسنِّ أنه يعاني من صعوبة الاستماع إلى نشرة الأخبار في التليفزيون أو الراديو, بينما يتحدث الآخرون الموجودون في الحجرة في نفس الوقت.
ومن الواضح أن الراشدين يستمرون في التعلُّم في هذه المرحلة, إلّا أنه من الواضح أيضًا أن التعلُّم في طور الشيخوخة يتأثر بعدد من العوامل الهامة وهي:
1- المعدل Pacing: أي: الوقت المسموح للشخص أن يفحص فيه المثير, أو يصدر الاستجابة, ومن المؤكَّد أن شروط المعدل السريع تضع المسن في موقف صعب, وأن الزيادة في زمن الفحص والاستجابة تؤدي إلى إنقاص فروق الأداء بين الراشدين الصغار والمسنين، وقد تلغيها تمامًا, وفي الواقع فإن البحوث تؤكد أن تعلم المسنين يتأثر تأثرًا سلبيًّا بالظروف التي تتطلّب المعدل السريع, وعلى أية حالٍ حين يحدث التعلّم بمعدل بطيء, وحين يسمح للمسنين باستخدام معدلهم الذاتي فإن أداءهم يتحسن, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن مستوى الأداء المتزايد تحت شروط المعدل الذاتي لا يساوي مستوى أداء الراشدين الأصغر سنًّا.
2- الإفراط في الاستثارة الفسيولوجية Physiological over arousal: وهو عامل اقترحه بعض الباحثين لتفسير نقص أداء المسنين في مهام
(1/563)

التعلم بالمقارنة بأداء الراشدين الأصغر سنًّا, ويقصد بذلك القلق والعصبية الزائدان، وهو شرط يعرف عنه أنه يتداخل مع عملية التعلّم.
3- معنى موضوع التعلم: يلعب هذا العامل دورًا هامًّا في أداء المسنين؛ فقد أكدت البحوث التي أجرتها "Hulicka, 1967" أن كثيرًا من المفحوصين المسنين يقاومون بشدة تعلّم المواد التي لا يستطيعون فهمها, أو التي تبدو لهم غير مثيرة للاهتمام, بل إنها وجدت أن الأغلبية الساحقة من المسنين رفضت المشاركة بسبب إدراكهم لمواد التعلّم على أنها "لغو" أو لا معنى لها, فإذا علمنا أن كثيرًا من تجارب التعلّم المعملية تستخدم موادًّا اصطناعية "كالمقاطع عديمة المعنى وغيرها من المثيرات غير الطبيعية, أو التي تبدو غير مثيرة للاهتمام بشكلٍ صريحٍ" فإننا يجب أن نتحفظ على ما إذا كان نقص أداء المسنين في مثل هذه المهام يمثل قدرة متناقصة, أو أنه نقص في الدافعية والاهتمام.
4- تدهور الذاكرة: وهذا عامل مهم سوف نتناوله بالتفصيل فيما بعد.
5- التفكير الطفولي: تظهر بوادر هذا التفكير عند المسنين في السبعينات والثمانينات من العمر، حيث يصبحون أكثر نسيانًا، وأبطأ في الفهم، وأقل نضجًا من الوجهة الانفعالية، ولديهم ميول "إحيائية"، أي ينزعون، كما ينزع الأطفال، إلى خلع صفات الحياة على الأشياء الجامدة, ولعل أكثر معالم هذه "الطفولة" وضوحًا الميل إلى العيش في الماضي "الجميل", وتجاهل الحاضر والمستقبل.
6- الابتكارية: الإنجازات الهامة في النشاط الابتكاري أقل حدوثًا في الشيخوخة منها في مرحلة الرشد، وخاصة الرشد المبكر, ويطرأ على كيف العمل تدهورٌ أسرع من كمه كلما تَقَدَّمَ الإنسان في العمر, وقد لوحظ في الابتكار العلمي أنه توجد له قمة يتبعها هبوط مع التقدم في السن؛ فالعلماء في الستينات من عمرهم ينشرون نصف ما سبق لهم نشره في الثلاثينات والأربعينات "وهي سنوات القمة في الإنتاجية". ومع ذلك فإن البعض قد لا يحصل على الاعتراف والمكانة إلّا في الشيخوخة؛ فعضوية المجامع الثقافية والأكاديميات العلمية والفنية, والحصول على الجوائز التقديرية المحلية والعالمية, يقتصر عادةً على هذه الفئة العمرية, ومعنى ذلك أن الشخص يعيش في هذه المرحلة على "مجد القديم"، ويجني ثمار الجهد والتضحية اللذين بذلهما في سنوات عمره الماضية, إلذا أن ما يحدث كثيرًا أنَّ هذا التكريم قد لا يأتي إلّا متأخرًا وبعد فوات الأوان.
(1/564)

ثانيًا: بنية القدرات العقلية:
يؤكد جيلفورد "Guilford, 1967" أن ميدان البحث في قدرات الراشدين في حاجةٍ إلى بحوثٍ عاملية لتحديد البنية العاملية للاختبارات في مختلف الأعمار, وتتمثَّل هذه الحاجة في جانبين؛ أولهما: معرفة إلى أيّ مدى تظل القدرات متمايزة خلال مراحل العمر المختلفة, مع ملاحظة أن ميدان الرشد يعوزه فرض شبيه بفرض جاريت الذي يصلح للإعمار الدنيا, وثانيهما: تحديد ما إذا كان الاختبار الواحد يقيس نفس العامل أوالعوامل في جميع المستويات العمرية.
وقد بذلت محاولات في هذا الصدد استخدمت مقياس وكسلر لذكاء الراشدين, فُوجِدَ أن العوامل التي يتمّ الحصول عليها في جميع الأعمار فسرت تفسيرات متماثلة، إلّا أن من النتائج ذات الدلالة الخاصة هنا أن عددًا أقل من العوامل التي يمكن تفسيرها يظهر عند المتقدمين جدًّا في السن, وهذا الاتجاه يعني أن البنية العاملية تزداد بساطة في أكثر المستويات العمرية تقدمًا "وهي في العادة بعد السبعين"، مما يتضمن عودة تدريجية إلى حالة اللاتمايز المبكرة التي تشبه اللاتمايز في الطفولة, وتدعم هذا الاتجاه بعض نتائج معاملات الارتباط بين الاختبارات العقلية, ويتمثَّل هذا في زيادة مقدار معاملات الارتباط مع التقدم في السن.
إلّا أن هذه النتيجة ليست حتمية الظهور في سنٍّ معيِّنٍ "بعد السبعين مثلًا"، فبعض نتائج البحوث الأخرى تؤكد فرض تمايز القدرات العقلية حتى بعد هذا العمر في عينات الأسوياء من المسنين, أما الارتداد والانتكاس إلى حالة اللاتمايز فالأرجح أنه لا يحدث إلّا في الحالات التي يتمّ تشخيصها بأنها تعاني من ذهان الشيخوخة Senile Psychosis, والتي تدخل أصحابها في طور أرذل العمر، حيث تظهر معاملات الارتباط بين الاختبارات العقلية ارتفاعًا كبيرًا عند هؤلاء قد يصل إلى 0.80, وحينما أجرى جيلفورد تحليلات عاملية منفصلة لعينتين متكافئتين في العمر "فوق 65سنة", إحداهما من الأسوياء, والأخرى من حالات ذهان الشيخوخة, حصل على بنيتين عامليتين مختلفتين, ونشير هنا -على سبيل المثال- إلى أن اختبارًا للمفردات اللغوية ارتبط مع اختبارٍ للمهارات العددية بمقدار 0.78، ومعنى هذا أن القدرتين اللغوية والعددية تندمجان معًا في الحالة من جديد "كما كان شأنهما في الطفولة" بعد انفصالٍ واستقلالٍ نسبيٍّ عند الأسوياء من المسنين وعند الراشدين والمراهقين في المراحل العمرية السابقة, وقد يفسر الارتفاع الملحوظ لمعاملات الارتباط في حالات ذهان الشيخوخة بالتدهور العضوي "وخاصة في
(1/565)

المخ" الذي يؤثر في القدرات العقلية في نفس الاتجاه, وبالطبع، نتوقع أن يزداد العامل العام عموميةً مع زيادة حدة الذهان، وهذا الفرض يحتاج إلى بحوث جادة لاختباره.
ولا يتوافر قدر كافٍ من نتائج البحوث حول مسألة الفروق بين الجنسين في آثار العمر في القدرة العقلية, ومع ذلك يمكن القول في ضوء النتائج المتاحة التي يلخصها بروملي عام 1966: إن التغيرات المرتبطة بالعمر لا تختلف بالنسبة إلى الجنس؛ ففي اختبار غير موقوت حول تتبع متاهة, حصل الراشدون الذكور والإناث من مختلف الأعمار على درجات مشابهة في دقة الأداء وكيفه, ولكن حين حسبت سرعة الأداء ظهر دليل على وجود تدهور فارق مع العمر؛ حيث كان الذكور الأصغر سنًّا أسرع من الإناث الأصغر سنًّا, بينما كان الذكور الأكبر سنًّا أبطأ من الإناث الأكبر سنًّا, وهذه النتيجة توحي بتدهور "السرعة العقلية" عند الذكور أسرع من الإناث, وتزداد المسألة تعقيدًا لأن توقعات الحياة أطول لدى النساء، وقد يكون أصغر من الوجهة البيولوجية إذا قورن بالرجال من نفس العمر الزمني.
(1/566)

ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور
ومن المشكلات التي تواجها بحوث النشاط العقلي للراشدين والمسنين, أن درجات الاختبارات العقلية تصحح عادةً من أثر العمر، بل إن بعض المعايير تتضمن هذا التصحيح, وأشهرها نسبة الذكاء التقليدية.
وللتغلب على هذه الصعوبات اقترح وكسلر في ميدان قياس الذكاء ما يُسَمَّى نسبة الكفاءة Efficiency ,Coefficent وباختصار EQ, لتحل محل نسبة الذكاء التقليدية عند المقارنة بين الأعمار المختلفة. وتتحدد نسبة الكفاءة من الدرجات الخام أو الدرجات الموزونة لعينة عمرية "مثلى" في الأداء, تقارن بها المستويات التي تصل إليها مجموعات العمر الأخرى، وقد تحددت المجموعة العمرية ذات الأداء الأمثل في مقياس وكسلر لذكاء الراشدين بأنها بين 20-24 سنة.
وهكذا يمكننا القول أن نسبة الذكاء IQ تمثل القدرة العقلية للفرد بالنسبة إلى مجموعته العمرية، أما نسبة الكفاءة EQ فتمثل هذ القدرة العقلية للفرد بالنسبة إلى الراشدين الذين يصلون إلى القمة, بالنسبة للكفاءة العقلية والبيولوجية, وبهذا قد نصف الشخص البالغ من العمر 75 عامًا بأن نسبة ذكائه 100, بينما نسبة الكفاءة عنده 76، ونحصل على نسبة الكفاءة هذه بأن نعيد تفسير الدرجة الخام التي يحصل عليها هذا الشخص "ولتكن 65 مثلًا" في ضوء ما يمكن أن يؤديه راشد صغير في قمة كفاءته العقلية والمعرفية.
(1/566)

ويتلخص الإجراء هنا إلى نسبة الدرجة الخام إلى متوسطين، أحدهما متوسط الفئة العمرية التي ينتمي إليها الفرد بالفعل "فئة 75 عامًا", فإذا كان متوسط درجات هذه الفئة 65, نحكم على الفرد بأنه متوسط الذكاء باستخدام معيار نسبة الذكاء "حيث يتساوى متوسط مجموعته العمرية مع الدرجة الخام التي حصل عليها". أما المتوسط الثاني فهو متوسط فئة الراشدين الصغار الأكفاء، وليكن 110, وهو درجة تدل على الأداء العادي في هذا السن القادر، فإذا نسبت الدرجة الخام التي حصل عليها الشخص المسن "وهي 65 كما قلنا" إلى هذا المتوسط الجديد, فإنها تدل على أنه أقل من المتوسط بالنسبة لهؤلاء، ونسأل أنفسنا في هذه الحالة: ماذا تعني الدرجة 65 إذا حصل عليها راشد أو مسن كفء؟ إنها في الواقع تدل على نسبة مقدارها 76. وهذه هي نسبة الكفاءة, وهكذا تقل الكفاءة العقلية من 100إلى 76, وبالطبع فإن نسبة الذكاء ونسبة الكفاءة عند الراشدين الصغار تتساويان وتعنيان نفس الشيء، إلّا أنهما عند المسنين تختلفان، فنسبة الذكاء قد تظل ثابتة، بينما قد تتناقص نسبة الكفاءة, وبالطبع تختلف نسبة الكفاءة تبعًا للظروف الجسمية والصحية والعقلية، كما تظهر فيها فروق فردية واسعة.
وبالطبع فإن القدرات العقلية -كما بينا آنفًا- لا تتدهور مع العمر بمعدلٍ ثابت، فالمفردات اللغوية تقاوم التدهور، بينما ذاكرة المدى القصير تتأثر به, وقد حاول وكسلر تقدير مدى التدهور العقلي الذي يطرأ على الفرد, وذلك بمقارنة كفاءته العقلية الراهنة, معتمدةً على درجاته في الاختبارات التي تظهر تدهورًا واضحًا مع العمر بتقديرٍ لكفاءته السابقة, معتمدة على درجاته في الاختبارات التي لا تظهر إلّا قليلًا من هذا التدهور.
وبالطبع فإن التدهور العقلي الذي يظهر بوضوح في الأعمار المتقدمة جدًّا لا يحدث فجأة, وإنما هو مسألة تراكمية تدريجية مع التقدم في السن عامًا بعد عام, ومن الطرق المقترحة لتحديد نقصان القدرة العقلية مع العمر قياس الفرق بين الكفاءة في العمليات المعرفية التي لا تتدهور, والكفاءة في هذه العمليات التي تتدهور بالفعل, ويقترح وكسلر أيضًا في هذا الصدد ما يسميه: نسبة التدهور deterioration Quotient أو باختصار DQ, وتحسب كما يلي:
نسبة التدهور= درجة عدم التدهور- درجة التدهور/ درجة عدم التدهور×100
(1/567)

وتؤكد نتائج وكسلر الأصلية أن الشخص العادي يظهر في نهاية الثلاثينات نقصانًا في الكفاءة بمقدار 5%, ثم تصل نسبة التدهور هذه في سن المسنين عند المسن العادي أيضًا إلى 18%.
تدهور قدرات الذاكرة: تؤكد نتائج البحث حول ذاكرة المسن أن أسرع معدل للتدهور يطرأ على ذاكرة الأمد القصير, أما ذاكرة الأمد الطويل فتظل فعّالة لوقت أطول, وبسبب نقص الدافعية نجد المسنين أقل اهتمامًا بتذكر ما يتعرضون له من خبراتٍ راهنةٍ, ويقل انتباههم للأشياء والأشخاص والموضوعات من حولهم، ولهذا يقل استرجاعهم للمعلومات التي لا تزال حديثة العهد في انتباه الشخص، وهذا في حَدِّ ذاته يؤدي إلى النسيان, وبالتالي إلى ضعف ذاكرة الأمد القصير, أما المعلومات التي يكون قد تَمَّ تشفيرها منذ زمن مضى ولم تعد محور بؤرة الانتباه النشط أو الانتقائي فهي مادة ذاكرة الأمد الطويل, وفي هذا الصدد نذكر أن قدرات الاستدعاء أسرع في التدهور من قدرات التعرف.
ففي دراسةٍ أُجْرِيَتْ على عيناتٍ ثلاث, متوسط أعمارها 20، 38، 68 عامًا, وجد الباحثون أن الأشخاص الأصغر سنًّا لا يختلفون في السرعة عن مجموعة "68سنة"، إلّا أن النتيجة الأكثر أهمية أن المفحوصين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في فحص ذاكراتهم المباشرة قبل الوصول إلى قرار، إذا قورنوا بالمفحوصين الأصغر سنًّا، فقد بلغ هذا الوقت 71 ميلي ثانية في فحص كل وحدةٍ في الذاكرة عند الأشخاص الأكبر سنًّا، بينما عند الأصغر سنًّا كان 39 ميلي ثانية, ولم تلاحظ فروق دالة بين المجموعتين الأكبر سنًّا "وسط العمر والشيخوخة", وقد تنشأ الفروق المشار إليها عن بطء الاستجابة الحركية "التي تناولناها آنفًا" عند المسنين من ناحية، أو عن حاجة هؤلاء إلى فترة زمنية أطول حتى يمكنهم تجهيز كل وحدة من المعلومات.
وفي دراسةٍ أخرى على عينة امتدت أعمارها بين 5سنوات، 70 عامًا, استخدم فيها أسلوب الاستماع الثنائي الشائع في بحوث الانتباه المعاصرة, والذي اقترحه برودبنت منذ عام 1958, وفيه تعرض على الأذنين رسالتين مختلفتين عرضًا مستقلًّا وفي وقت واحد باستخدام سماعات الأذن, وكانت الرسالتان المستخدمتان في هذا البحث من نوع الأرقام, وقد وجد الباحثون أن المفحوصين من مختلف الأعمار سجّلوا جميع الأرقام التي عرضت على إحدى الأذنين قبل تسجيل تلك التي عرضت على الأذن الأخرى, ويفسر الباحثون حدوث ذلك
(1/568)

بوجود نظامين معرفيين في هذه المهمة: أولهما يثبت ويستبعد المادة التي يتم تجهيزها إيجابيًّا، وثانيهما يخزن في ذاكرة المدى القصير الأرقام التي تعرض على الأذن الأخرى تخزينًا مؤقتًا حتى ينتهي النظام الأول من عمليات الإثبات والاستبعاد, ويهمنا أن نشير بالنسبة لهذا البحث أن الأشخاص الأكبر سنًّا شأنهم شأن الأصغر سنًّا, صدرت عنهم أخطاء في تكرار الأرقام واسترجاعها من نظام ذاكرة الأمد القصير، وكان عدد أخطائهم هذه أكبر مما صدر عن الأشخاص الأصغر سنًّا.
ومع التقدُّم في السن يظهر المسنون نقصانًا في إصدار وحدات المعلومات التي تبقى في مخزن هذا الذاكرة؛ فاستدعاء النصف الأول من مدى الأرقام المعروض على إحدى الأذنين ظلَّ ثابتًا تقريبًا عند مختلف الجماعات العمرية, ولكن لوحظ تدهور مع التقدّم في السن في عدد الأرقام التي يتم استدعاؤها في النمط الثاني من مدى هذه الأرقام, وكانت أعلى المجموعات في درجاتهم تلك التي تمتد أعمارها بين 21-30 عامًا، بعدها ظهور تدهور ثابت نسبيًّا مع زيادة العمر, وهكذا يمكن أن نستنتج وجود تدهور في كفاءة ذاكرة الأمد القصير مع التقدم في السن.
ومع ذلك يمكن القول أنه وجد أن مدى الذاكرة "أي عدد وحدات المعلومات التي يستطيع الشخص تذكرها بالترتيب الصحيح" لا تتدهور عادةً مع العمر "Hartley, et al., 1980" و" 1977 Craik", ومعنى ذلك أن المسنين والراشدين الأصغر سنًّا قادرون على تذكُّر نفس العدد من العناصر, إلّا أن ذلك لا يحدث إلّا في الظروف العادية التي لا تفرض مطالب صعبة، أما إذا تطلَّبَ الأمر من المفحوص المسن مثلًا إعادة تنظيم المثير؛كأن يسترجع قائمة كلمات بالعكس، أو يوزع انتباهه بين المهمة التي يقوم بها ومهمة أخرى، فإن المسن يظهر في هذه الحالة نقصًا واضحًا في مدى الذاكرة في ذاكرة الأمد القصير.
وماذا عن ذاكرة الأمد الطويل؟
لقد لوحظ منذ وقت بعيد أن الراشدين المتقدمين في السن يميلون إلى أن ينشغلوا بمسائل الماضي أكثر من الحاضر أو المستقبل, وهذا التغيّر قد يكون أسلوبًا للتعامل مع نقائص ذاكرة الأمد القصير التي تجعل المسن يواجه صعوبات في التعامل مع الأحداث الراهنة, أما ذاكرة الأمد الطويل فإن المعلومات المختزنة فيها لا تتعرض للتضاؤل، وإن حدث فيكون بطيئًا جدًّا، والذي قد يختلف تبعًا لخصوبة شبكة العلاقات الترابطية التي توضع فيه المعلومات في هذه الذاكرة.
(1/569)

فكلما كانت المعلومات ترتبط بخبراتٍ ذات معنًى كان تضاؤلها بطيئًا مع مرور الزمن.
ومن الدراسات الجيدة من الناحية المنهجية حول ذاكرة الأمد الطويل عند المسنين, دراسة سمث عام 1963, وفيها تحكَّمَت الباحثة في مستوى الأداء المبدئي, فقد أعادت اختبار عينة من المفحوصين سبق لهم أن تعلموا جميع الإجابات الصحيحة لأكثر من مائة سؤالٍ منذ ستين عامًا "أي: عام 1900" مضت حين كانت أعمارهم أقل من 13سنة, وقد أُعِيدَ اختبار هؤلاء في نفس الأسئلة في أعوام 1934، 1950، 1960. وأظهرت النتائج وجود فَقْدٍ ضئيل بين عامي 1934، 1950، ثم ظهر هبوط حادٍّ في الاستدعاء عام 1960. ففي عام 1934 تذكروا أو احتاجوا إلى تلميح واحد للوصول إلى استدعاء 98 إجابة استدعاء صحيحًا من بين 107 إجابات، وفي عام 1950 استدعى هؤلاء 92 إجابة منها، أما في عام 1960 فلم يتتذكروا إلّا 73 إجابة فقط, وهكذا نجد أنه بين العمرين 63، 73 عامًا ينسى الأفراد أكثر بكثير مما ينسونه في الفترة بين العمرين 47، 63 عامًا.
ويرى بعض العلماء وعلى رأسهم فولدز ورافن ما أشرنا إليه من قبل من أن بطء تدهور قدرات الذكاء المتبلور بمقارنتها بقدرات الذكاء السائل إنما يرتبط في جوهره بمسألة ذاكرة الأمد الطويل وعلاقتها بالعمر. فقد وجدوا أن درجات اختبار المفردات "وهو من مقاييس الذكاء المتبلور" لا تظهر تدهورًا يذكر مع التقدم في السن، بينما درجات المصفوفات المتتابعة "وهو من مقاييس الذكاء السائل" يظهر تدهورًا حادًّا, وبالطبع يمكننا أن نفترض -وهو افتراض صحيح- أن معرفة معاني الكلمات تتراكم وتتزايد مع التقدم في العمر عامًا بعد عام، وبالتالي تكون مقياسًا لذاكرة الأمد الطويل أكثر من المصفوفات المتتابعة, وفي هذا برهان إضافي يدعم قولنا أن ذاكرة الأمد الطويل لا تظهر تدهورًا خطيرًا مع التقدم في السن -في ضوء الأدلة المتاحة حتى الآن- وهذا على عكس ما أكدته البحوث بالنسبة لذاكرة الأمد القصير.
وأكدت البحوث أيضًا أن ذاكرة الأمد الطويل قد تتدهور حين يتعرض المسن لمشكلات بالنسبة إليها، كأن يطلب من المسن تذكر مواد لم تعد موضوع التداعي النشط في الذاكرة, أو لم تعد في بؤرة الانتباه. إن هذا النقص حينئذٍ يرتبط بمكونات ثلاثة في الذاكرة هي: تسجيل المعلومات، وتخزين المعلومات، واسترجاع المعلومات, وفي كل من هذه المجالات تتراكم أدلة تدل على أن المسن أقل كفاءة بالمقارنة بالراشد الأصغر سنًّا. "Craik, 1977" "Hartley, et al"
(1/570)

"1980, ومع ذلك فإن المستوى المنخفض في الأداء حينئذٍ قد لا يتضمّن بالضرورة نقص القدرة, فبعض الباحثين أيدت يحوثهم القول بأن المرونة العقلية تستمر لدى المسنين, على الرغم من هذه النقائص في الأداء والذاكرة.
وفي هذا الصدد لا بُدَّ من التمييز مرةً أخرى بين الاستدعاء والتعرف، فالاستدعاء يتطلب بحثًا إيجابيًّا نشطًا لتحديد المعلومات الملائمة في الذاكرة، بينما يتطلّب التعرف فقط إيجاد مزاوجة سلبية بين ما يعرض وما يوجد في الذاكرة, وفي التعرف لا يحتاج المفحوص إلّا إلى تعيين أحد مكونات مثير كلي حتى ينتج الاستجابة الصحيحة، أما في الاستدعاء فإن واجب المفحوص أن يولد بنفسه هذا المكون على الأقل, وبالطبع فإن هذا التمييز فيه تبسيط شديد؛ لأنه حتى في التعرف يوجد قدر من النشاط الإيجابي.
ومن البحوث الهامة حول ذاكرة التعرف والاستدعاء دراسة سكونفيلد وربرتسون عام 1966, وفيها عرض على عينة من المفحوصين تمتد أعمارهم بين 20، 25 عامًا قائمتين من الكلمات, تتألف الأولى من 24 اسمًا والثانية من 34 صفة, وبعد التعرض لكلِّ قائمةٍ كان على المفحوصين محاولة استدعاء أكبر عدد من هذه الكلمات استدعاءً حرًّا, أو التعرف عليها من بين قائمة أكبر من الكلمات, وأظهرت النتائج وجود تدهور واضح مع التقدم, أي: تدهور ملحوظ في أيّ مرحلة من مراحل العمر, فعلى الرغم من أولئك الذين تعدت أعمارهم الستين لا يستدعون إلّا 54% مما يستطيعه أولئك الذين تقع أعمارهم في مدى بين 20-39 عامًا، فإننا نجد أنه بالنسبة لذاكرة التعرف أن المفحوصين الراشدين الأكبر سنًّا تعرفوا على عدد من الكلمات أكبر قليلًا "بدون دلالة إحصائية" مما يتعرف عليه الراشدون الأصغر سنًّا.
إلّا أن نتائج بعض البحوث الأخرى أكدت وجود بعض التدهور في ذاكرة التعرف مع التقدم في العمر، وهذا يعني أن المسألة موضع خلاف, إلّا أننا بصفة عامة تتفق مع ولرمان في قوله: "إن من الواضح أننا نستطيع تحت شروط معينة إثبات حدوث تدهور حادٍّ في ذاكرة الاستدعاء مع العمر، بينما لا يظهر مثل هذا التدهور في ذاكرة التعرف" "Willerman, 1979".
لماذا يحدث التدهور العقلي المعرفي في طور الشيخوخة؟
قدَّم الباحثون إجاباتٍ مختلفة لهذا السؤال، ومن ذلك مثلًا: أن Schaie"
(1/571)

"1974 يتحدث عن "خرافة التدهور العقلي"، ويقول: إنه حين نجري الدراسات المستعرضة نلاحظ فروقًا ظاهرة في المهارات بين الأجيال المتتابعة؛ ففي الاختبارات غير المعتمدة على السرعة على الأقل لوحظ أن المسنين لا يختلفون في أدائهم عَمَّا كان عليه الحال حين كانوا أصغر سنًّا, ومع ذلك فإنهم لا يؤدون بنفس الدرجة من الجودة كما يفعل أحفادهم المتعلمون تعليمًا جيدًا "ربما أفضل منهم". ويقترح سكائي أن القدرات العقلية لا تتدهور عند المسنين إذا كانوا أصحاء بدرجة معقولة، ولكنها قد تصبح غير ملائمة للعصر, ومن ناحيةٍ أخرى فإن التدهور -إن حدث- لا يظهر في جميع أو في معظم القدرات العقلية إلّا عند قليل من الناس, وقد أشرنا في مطلع هذا القسم إلى العوامل التي تؤدي إلى الفروق الفردية في ذلك.
ويرى "Riegel, 1974" أن التدهور -إن حدث- قد يعكس ظروفًا ثقافية متغيرة؛ فالجيل الجديد والتغير الاجتماعي قد يتجاوزان حدود الفرد، وعلى الرغم من أن المسن يعطي انطباعًا أنه تدهور في أدائه، إلّا أن ما حدث قد يكون أنه ظل ثابتًا ومستقرًّا في أدائه, ولكن المجتمع هو الذي غيَّرَ من ظروفه ومستوياته ومطالبه.
ويرى باحثون آخرون أن العوامل المرتبطة بالصحة الجسمية ترتبط بنقص الأداء في مرحلة العمر الثالث للإنسان؛ ففي الدراسة الكلاسيكية التي قام بها بيرن وزملاؤه "Birren, et al., 1963" تناولوا النشاط الفسيولوجي والعقلي والوجداني عند الصغار والمسنين, وقد صُنِّفَ المسنون إلى مجموعتين: إحداهما تشمل أولئك الذين يعيشون في مستوى أمثل للصحة، والمجموعة الثانية تشمل أولئك الذين ليست لديهم أعراض كلينيكية واضحة للمرض, ولكنهم من نوع الحالات شبه الكلينيكة Subclinical, من خلال الفحوص المتعمقة, وقد لوحظ أن المجموعة الأخيرة كانت أدنى في أدائها في اختبار للذكاء ليس فقط بالنسبة للمجموعات الأصغر سنًّا, وإنما بالنسبة أيضًا لمجموعة المسنين الأكثر منهم صحة، إلّا أن النتيجة التي تستحق الذكر بالنسبة للذكاء خاصةً أن مجموعتي المسنين تفوقتا على المجموعات الأصغر سنًّا في الذكاء اللغوي، والقدرة العددية، وكان العكس صحيحًا بالنسبة للسرعة "كما تقاس بزمن الرجع", وهذه النتيجة تدعم مرة أخرى فرض أن القدرتين اللغوية والعددية لا تتدهوران مع العمر، بل قد تستمران في الزيادة، بينما المهارات المعتمدة على سرعة التوصيل العصبي المركزي أظهرت تدهورًا مرتبطًا بالعمر, وهذه الدراسة لها أهمية خاصة لأنها أشارت إلى الأثر السلبي للمرض، حتى ولو كان بدرجة خفيفة، في النشاط العقلي للمسنين؛ فحين
(1/572)

يكون المسنون متحررين من المرض ولو نسبيًّا، وهو أمر نادر الحدوث، فإن الفروق بين المسنين وغيرهم تكون ضئيلة باستثناء بطء نشاط الجهاز العصبي المركزي.
وهناك تفسير آخر في ضوء التفاعل الاجتماعي للمسنين؛ فالأشخاص الذين يكونون منعزلين اجتماعيًّا، كما هو الحال بالنسبة لكثيرٍ من المسنين، تتاح لهم فرص أقل لممارسة مهاراتهم العقلية بالمقارنة بغيرهم ممن هم أكثر نشاطًا من الوجهة الاجتماعية؛ فالتواصل والحوار المحدود بين المسنين وغيرهم يعوقهم عن استقبال المعلومات وعن الاستفادة من التغذية الراجعة من الآخرين، والتي تلعب دورًا هامًّا في تصحيح أخطاء الإدراك، وخفض التمركز حول الذات، وبوجهٍ عامٍّ، استثارة النمو المعرفي, وقد دعمت هذا التفسير دراسة "Dolen Bearison 1982".
ويوجد تفسير أخير يميز فيه أصحابه بين الكفاية competence والأداء performance "Flavell Wohlmill 1969". ومن الوجهة الفنية يمكن القول أن الكفاية هي ما يعرفه الشخص أو يستطيع القيام به في صورة ما يجب أن يكون, بينما الأداء يمثل ما يقوم به الفرد بالفعل, وباستخدام هذا التمييز فإن فلافل وزميله يريان أن الأداء المتناقص لدى المسنين لا يشير بالضرورة إلى نقص الكفاية, ومن ذلك مثلًا أن المسنين قد يؤدون أداءً سيئًا بسبب نقص الدفاعية، كأن ينفروا من المواد الشبيهة باللعب في مهام بياجيه أو يفشلوا في تكوين علاقة طيبة مع باحثين أصغر منهم سنًّا, أو يأنفوا من الاستماع للتعليمات, وفي بعض الحالات فإن كفايتهم قد تكون عالية إلّا أن مهاراتهم ربما يكون قد علاها "الصدأ", وهكذا فإن تدهور الوظائف المعرفية في الشيخوخة قد يمثل فجوة أكثر اتساعًا بين الكفاية والأداء أكثر منه نكوصًا إلى الوراء, وإذا كان هذا صحيحًا فإن أداء المسنين يمكن أن يتحسن.
ويثير ذلك مسألة قابلية التدهور المعرفي للتحول إلى ضده Reversibility ويذكر "Schaie, 1994" أن الأدلة الراهنة تؤكد أن التدخل المعرفي يؤدي إلى تحسن التدهور العقلي لدى المسنين, ويختزل الفروق بين الأعمار لدى المسنين الذين على الرغم من أن أداءهم يظل ثابتًا عبر الزمن يعانون من ظروف غير ملائمة, بالمقارنة بمن هم أصغر منهم سنًّا، بشرط عدم حدوث تدهور في الوظائف المخية.
(1/573)

حكمة الشيوخ
مدخل
...
حكمة الشيوخ:
على الرغم من أنه من الواضح أن عددًا من مكونات تجهيز المعلومات والذكاء يتدهور، أو على الأقل لا يكون متاحًا للاستخدام في مرحلة الشيخوخة، إلّا أن هذا لا يقودنا إلى نظرة متشائمة نحو التقدم في السن, وقد أشرنا فيما سبق إلى أن المسنين يظلون على درجة من المرونة العقلية, ويظهرون قدرة على إعادة التدريب المعرفي, أضف إلى ذلك أنه حين تكون المهارات العقلية جيدة الممارسة فإنه لا يوجد إلّا أدلة قليلة على حدوث تدهور عقلي ملحوظ فيها مع التقدم في العمر.
ومما يقال كثيرًا: إن الإنسان مع تقدمه في السن تعوّض الخبرة وسعة المعلومات التدهور الحتمي في الوظائف العقلية والجسمية, وهذا المكوّن الإيجابي في النمو المعرفي يرتبط بما يسميه الباحثون "الحكمة" Wisdon، والتي تشير إلى خصائص معينة مثل: الحدس والاستبطان والخبرة والتكامل العقلي والتعاطف ورشد القرار والفهم والصبر واللطف "Brodzinsky, el al., 1986", وهي خصائص مرتبطة بالتقدم في السن، وهي أكثر شيوعًا لدى المسنين، وعادة يخلعها عليهم من هم أصغر سنًّا، على الرغم من أن المسنين أنفسهم نادرًا ما يربطون بين الخبرة والتقدم في السن من ناحيةٍ, وبين الحكمة من ناحيةٍ أخرى.
وتوجد خاصية أخرى ترتبط غالبًا بالشخص الحكيم, وهي أنه يقوم بدور مورد المعلومات والنصيحة والمشورة للأشخاص الآخرين, وبالطبع فإن الشخص المسن بحكم ما تراكم لديه من مخزون كبير من المعرفة عبر السنين, يكون في موقع فريد لأداء هذه المهمة, ويرى بعض الباحثين "Mergler & Goldstein 1983" أن التغيرات الفسيولوجية والمعرفية التي تصاحب الشيخوخة تلائم إلى حَدٍّ كبير نمو النقل الشفوي للمعلومات؛ فالطريقة التي ينظم بها المسنون المعلومات وخاصةً المعلومات القصصية، وطريقة عرضها على المستمعين، تؤدي إلى نظام للعرض أكثر فعالية من الطريقة التي تعرض بها نفس المعلومات بواسطة راشدين أصغر سنًّا؛ فالمسنون يدركهم المستمعون إليهم على أنهم أكثر موثوقية وصدقًا، وبالتالي يكون أثر رسائلهم في الآخرين "وخاصة المستمعين" كبيرًا, وفي كثير من الثقافات يكون للمسنين مكانة عالية كرواة القصص. وهكذا فإنه من منظور الحياة اليومية يمكن القول أن النشاط المعرفي للمسنين أوسع نظامًا وأكثر عمقًا من أن يكون مجرد استدلالٍ صوريٍّ أو محض حلٍّ للمشكلة، أو تطبيق لأساليب التفكير.
(1/574)

فحكمة الشيوخ تؤدي إلى "ضبط أوتار الاستدلال" Fine tuning- على حد تعبير "Schuster Ashburn 1994", وتطبيق المبادئ بفطنة وحذق على نحوٍ يؤدي إلى حلِّ أو إعادة حلِّ مشكلات الحياة اليومية, وليس مجرد حل مشكلات الاختبارات أو المهام التجريبية.
ولم يحظ موضوع الحكمة على الرغم من أهميته بالاهتمام الذي يستحقه من علم النفس, ونعرض فيما يلي لبعض الجهود التي تستحق من الباحثين المزيد من الدراسة حولها.
(1/575)

الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية
في تناول أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب 1996" لمفهوم الذكاء في إطار النموذج العملياتي الرباعي الذي اقترحه منذ عام 1972", أكد قابلية الذكاء للتعدد, كما توقع قابليته للتوحد من خلال قدرة رفيعة المستوى عالية المكانة، ولم يجد تسمية أفضل لهذه القدرة المتوقعة من مصطلح "الحكمة".
والحكمة لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، وقد ورد اللفظ في عشرين موضعًا من كتاب الله, ومن ذلك قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}
[البقرة:269] .
يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: إن العلماء اختلفوا في الحكمة هنا، فقال السدي: هي النبوة، وقال ابن عباس: المعرفة بالقرآن؛ فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره, وقال قتادة ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن, وقال مجاهد: هي الإصابة في القول والفعل, وقال ابن يزيد: هي العقل في الدين, وقال مالك بن أنس: هي المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له, وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في الله والاتباع له, وقال أيضًا: الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به, وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية, وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم في القرآن, وقال زيد بن أسلم وقال الحسن: الحكمة الورع.
ويعقب القرطبي على هذه الأقوال بقوله: إنها جميعًا ما عدا السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة تصدر من الإحكام وهو الإتقان في قولٍ أو عمل, فكل ما ذكر هو نوع من الحكمة التي هي الجنس, فكتاب الله
(1/575)

حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة, وأصل الحكمة ما يمتنع به السفه؛ فقيل للعلم حكمه؛ لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعلٍ قبيح، ومن معانيها القرآن والعقل والفهم.
ويورد التفسير الوسيط الذي أعده مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف تحديدًا لمعنى الحكمة في هذه الآية الكريمة بأنها "إصابة الحق في قولٍ أو فعلٍ أو رأيٍ, وهي من الملكات النفسية العليا التي يمنحها الله من هو أهلٌ لها", وتتضمّن التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ، والذي يبعد الإنسان عن المعاطب، ويصل به إلى السلامة والنجاة, ويورد لسان العرب الحكمة بمعنى معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم, ويلخص معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أعده مجمع اللغة العربية ذلك كله في أن الحكمة تطلق على ما يتحقق فيه الصواب من القول والعمل.
وفي عام 1990 صدر كتاب هام حرره روبرت سترنبرج Sternberg, 1990" حول طبيعة الحكمة وأصولها ونموها, وقد شارك في الكتاب عدد من علماء النفس والفلاسفة, ولعل أهم ما نبه إليه "Birren" Fisher" في فصلهما الختامي لهذا الكتاب أن هذا اللفظ -الذي ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى الرفيع منذ أربعة عشر قرنًا -لم يظهر في اللغة الإنجليزية إلّا منذ حوالي عام 1000، أي: بعد حوال نصف قرن من وروده في القرآن الكريم -ويورد معجم إكسفورد معنى اللفظ بأنه:
"القدرة على الحكم حكمًا صحيحًا على الأمور المرتبطة بالحياة والسلوك، وصحة الحكم عند الاختيار للوسائل والغايات, وبمعنى أقل تحديدًا يعني: الإحساس الصائب وخاصة في الأمور العملية".
وهكذا يرتبط لفظ الحكمة بالمعرفة والاستثارة والتعلم والتفلسف والعلم, ويتضمن العادات السلوكية الحسنة وأنماط الفعل القويم, ويشير إلى أن الشخص "الحكيم" لديه القدرة على إصدار الأحكام الصائبة.
والخلاصة: أن الحكمة هي قدرة القدرات الإنسانية التي تتوازن فيها المعرفة والوجدان والعقل، كما تتوازن فيها أنواع الذكاء المختلفة.
(1/576)

أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:
لا يتسع المقام لتناول المفهوم من مختلف الاتجاهات اللغوية والفلسفية والاجتماعية والنفسية, حسبنا أن نشير إلى الفصل العام الذي كتبه سترنبرج نفسه في الكتاب المشار إليه, وفيه يحاول تناول العلاقة بين الحكمة والذكاء والإبداع, من خلال بضع دراسات أولية قام بها مع عدد من زملائه وتلاميذه بدأت عام 1986.
وقد بدأ المشروع باستطلاع رأي عدد من أساتذة الفن والإدارة والفلسفة والعلوم الاجتماعية, بالإضافة إلى عدد من الأفراد العاديين حول أنماط السلوك التي يمكن أن يتصف بها كلٌّ من الشخص الحكيم والذكي والمبدع، وتَمَّ التوصل إلى أكثر من مائة مؤشر سلوكي, ثم طلب من عدد أكبر من الأساتذة المتخصصين في مختلف جوانب المعرفة أن يقدروا كل مؤشر من هذه المؤشرات في ضوء إدراكهم لطبيعة كل فئة من الفئات الثلاث للقدرة: الحكمة، الذكاء، الإبداع.
وحُسِبَتْ معاملات الارتباط بين التقديرات المختلفة للقدرات الثلاث, وأظهرت النتائج أن أعلى معاملات الارتباط كانت بين الحكمة والذكاء بوسيط معاملات ارتباط0.68, أما أدنى هذه المعاملات فبين الحكمة والإبداع "وسيط معاملات الارتباط 0.27," أما العلاقة بين الذكاء والإبداع فكانت في منزلة متوسطة "وسيط معاملات الارتباط 0.55".
وفي دراسة أخرى قام الباحث نفسه باختيار المؤشرات السلوكية الأربعين التي تقع على رأس قائمة التقديرات لكلٍّ من الحكمة والذكاء والإبداع, والتي توصلت إليها النتائج السابقة، وطلب من عينة طلاب الجامعة تصنيف هذه المؤشرات البالغ عددها 120 مؤشرًا إلى أيّ عدد من الفئات, ثم أخضع هذه التصنيفات لأسلوب التحليل المتعدد الأبعاد اللامتري nonmetric multidimentional "وهو بديل التحليل التعاملي", وتوصل الباحث إلى مكونات كلٍّ من الحكمة والذكاء والإبداع على النحو الموضح في الجدول "20-1".
(1/577)

جدول "20-1" مكونات الحكمة والذكاء والإبداع
ويمكن أن نعرض بعض خصائص المكونات الستة التي تؤلف كما يلي "Sternberg, 1990".
1- القدرة على الاستدلال: وتشمل مجموعة من الخصائص قد لا تشملها كلها طبيعة القدرة الاستدلالية كما كشفت عنها بحوث التحليل العاملي التقليدية، وتتضمن القدرة على النظر إلى المشكلة أو الموقف والقدرة على حل المشكلات والتعقل المنطقي, والتمييز بين الصواب والخطأ, وتطبيق المعارف في مواقف عملية، والقدرة على تناول المعلومات والأفكار والنظريات الفرعية من منظور جديد، وتوافر ثروة كبيرة من المعلومات، والقدرة على إدراك التشابه والاختلاف والعقلانية والربط والتمييز بين الأفكار والأشياء.
2- الحصافة "أو الفطنة" Sagacity: وتشمل الاهتمام بالآخرين وفهمهم وتقديم المشورة والنصيحة لهم من خلال التعامل معهم، والقدرة على التعلّم من الآخرين، والقدرة على معرفة الذات معرفة جيدة، والقدرة على
(1/578)

الاستماع الجيد، والشجاعة الأدبية في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه والتعلم منه, والتقدم نحو الأفضل، الانتباه للجوانب المختلفة من الموضوع الواحد.
3- التعلم من الأفكار والبيئة: وتشمل الاهتمام بالأفكار والتميز بدرجة عالية من الإدراك والانتباه والتعلم من أخطاء الآخرين.
4- الحكم Judgment: وتشمل القدرة على الفعل في إطار الحدود العقلية والطبيعية المتاحة للمرء, الحساسية, والتفكير قبل الفعل أو اتخاذ القرار, والتفكير طويل المدى، والتفكير قبل الكلام، مع وضوح الأفكار عند التعبير عنها.
5- الاستخدام الفعَّال للمعلومات Expditious use of lnformation ويشمل ذلك وفرة الخبرة والبحث عن المعلومات وخاصةً التفاصيل، والتميُّز بالنضج، والتعلُّم والتذكُّر والحصول على المعلومات عن ألوان النجاح والفشل السابقين، والقدرة على تغيير الأفكار على أساس الخبرة.
6- حدة الذهن Persacacity": ويشمل ذلك الحدس والقدرة على تطوير الحلول التي تتسم بالصواب أو الحقيقة، والقدرة على إدراك ما وراء المظاهر، وقراءة ما بين السطور، والقدرة على فهم وتفسير البيئة المحيطة بالشخص.
ويلاحظ على القائمة السابقة أن القدرة على الاستدلال "في قائمة مكونات الحكمة" والقدرة على حل المشكلات العملية "في قائمة مكونات الذكاء" متشابهتان، وهما القدرتان اللتان تحتلان الأولوية في كلٍّ منهما، بينما القدرة التي تحتل الأولوية في الإبداع وهي عدم التقييد nonentrenchment, فإنها تختلف تمامًا من حيث تكوينها السلوكي عن القدرة المناظرة في كلٍّ من الحكمة والذكاء.
بعض القضايا الأساسية:
لكي يبدأ برنامج علمي للبحث في سيكولوجية الحكمة لا بُدَّ من أن يوجه باستراتيجية واضحة في هذا الصدد، وفي رأينا أن الجهود التي بذلت حتى الآن، وخاصةً تلك التي يضمها كتاب "1990 Sternberg" ليست إلّا بداية لطريق طويل يحتاج من الباحثين المثابرة والتجديد والإبداع, ونعرض فيما يلي مجموعة من القضايا الأساسية التي تحتاج إلى العكوف عليها بالبحث والتقصي حول السؤال الأساسي: ما هي طبيعة الحكمة؟ هذا السؤال تحتاج الإجابة عليه إلى مراجعة شاملة للتراث الديني والفلسفي والسيكولوجي حول الموضوع, وإليك بعض الأمثلة
(1/579)

لتصورات مقترحة:
1- الحكمة هي الجدل المتوازن اللطيف بين مجموعتين من الخصائص؛ إحداها التجهيز الخارجي الموضوعي المنطقي "اللوجوس"، وثانيهما: التجهيز الداخلي الموضوعي العضوي "الميثوس", وهو التصور الذي يقترحه "Labouvie".
2- الحكمة هي الخبرة في أحد المناشط الأساسية في الحياة, وتتطلب معلومات حقيقية وفيرة حول شئون الحياة، ومعرفة إجرائية ذرائعية حول المشكلات اليومية، ومعرفة بالسياقات أو القيم أو الأولويات المختلفة في الحياة، ومعرفة بعدم التنبؤية في شئون الحياة "Baltes & Smith".
3- الحكمة هي أسلوب متجاوز للمعرفة metacognitive Style" مثل معرفة المرء أنه لا يعرف كل شيء, والبحث عن الحقيقة إلى الحد الذي يكشف عنها ويجعلها معلومة للناس "Sternberg".
4- الحكمة هي توازن متعدد الأبعاد, أو تكامل بين المعرفة والوجدان والانتساب والاهتمامات الاجتماعية، وجوهر الحكمة هو في نموِّ الشخصية وتقدمها, مع توافر مهارات معرفية "Orwell & Perlmuter".
5- الحكمة هي الوعي بقابلية المعرفة للخطأ، والبحث عن التوازن بين المعرفة والشك، وتطرأ عليها تغيرات مع العمر، ابتداءً من مظاهرها البسيطة السطحية, وحتى مظاهرها العميقة المركبة, ومع ذلك فإن العمر في ذاته ليس من مكونات الحكمة، بل إنها قد تتناقض أو تفتقد مع التقدم في السن "Meacham".
6- الحكمة هي قدرة على الوعي بحدود المعرفة, وقد تؤثر على حل المشكلات سيئة التحديد, وإصدار الأحكام، وهي من سمات الحكم التأملي "Kitchener & Brenner".
7- الحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على إيجاد المشكلات, وتُعَدُّ عملية معرفية أساسية في التأمل والحكم "Arlin".
8- الحكمة هي وسيط للتجهيز الرمزي يتم بإرادة غالية, وهي تكامل جدلي بين جميع جوانب الشخصية, ويشمل ذلك الوجدان والإرادة والمعرفة وخبرة الحياة "Pascual - Leone".
(1/580)

9- الحكمة هي التكامل العضوي بين الطرق النسبية والجدلية للتفكير والوجدان والتأمل, وتدل على منظورٍ حول الحقيقة ينمو من خلال العلاقات بين الأشخاص "Kramer".
10- الحكمة هي التكامل بين الوجدان والنزوع والمعرفة في القدرات الإنسانية استجابةً لمهام الحياة ومشكلاتها، وهي توازن بين الأقطاب المتضادة، بين التوتر الحاد والتجرد، بين الفعل والسكون، بين المعرفة والشك, وتميل الحكمة إلى الزيادة مع النموّ, وبالتالي مع التقدم في العمر, إلّا أنها ليست بالضرورة من خصائص المسنين "Birren & Fisher".
ويبدو لنا أن تحليل هذه الأطر النظرية وغيرها مما بدأ يطرح على الساحة السيكولوجية في الفترة الأخيرة يؤكد المنظور الذي يؤكده فؤاد أبو حطب من أن الحكمة هي قدرة القدرات العقلية، وهي نقطة التوازن الذهبي بين الذكاء الموضوعي والذكاء الاجتماعي والذكاء الشخصي "الأنواع الثلاثة من الذكاء التي اقترحها في نموذجه"، وهي نضج وجداني واجتماعي ومعرفي معًا، ويتفق ذلك كله مع تحليلنا اللغوي في الفصل السابق لمعنى الشيخوخة, كما ورد في قوله سبحانه وتعالى:
{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة} [الروم: 54] .
(1/581)

التقاعد
مفهوم التقاعد
...
التقاعد:
يُعَدُّ التقاعد retiement نقطة تحول هامة في حياة الإنسان؛ لأنه كما بينا من قبل هو المؤشر الاجتماعي الرئيسي على تحول الإنسان من طور بلوغ الأشد "منتصف العمر" إلى مرحلة الشيخوخة، تمامًا كما كان العمل هو المؤشر الاجتماعي الحاسم في انتقال الإنسان إلى مرحلة الرشد, وكلٌّ من العمل والتقاعد كمؤشرين على التحول في نمو الإنسان يدلان على الأهمية البالغة للمحكات الاجتماعية في تحديد كلٍّ من الرشد والشيخوخة، ربما على نحوٍ يفوق بكثير العوامل البيولوجية.
مفهوم التقاعد:
يمكن أن نعرِّفَ التقاعد بأنه عملية اجتماعية تتضمن تخلي الفرد "اختياريًّا أو إجباريًّا" عن عملٍ ظلَّ يقوم به معظم حياته المهنية، وبالتالي انسحابه من القوى العاملة في المجتمع، وتحوله إلى الاعتماد، جزئيًّا
(1/581)

على الأقل، على نظامٍ معين للكفالة المادية هو نظام التأمين الاجتماعي؛ حيث يحل المعاش pension محل الأجر wage.
وهذا التعريف الذي نقترحه لا يعني أن التقاعد يعني التعطل أو البطالة الكاملة, صحيح أنه -من منظور دورة الحياة في النمو- هو نهاية دورة الحياة المهنية للإنسان، إلّا أننا نجد بعض المسنين -بعد تقاعدهم من عملهم الأصلي- يقومون بعملٍ بعض الوقت، وقد يرجع ذلك أحيانًا إلى أسباب مالية "حيث المعاش أقل بكثير من الأجر الذي ظلَّ الشخص يحصل عليه لسنوات طويلة"، إلّا أنه في معظم الأحيان يرجع إلى رغبة المسن في الشعور بالرضا لأنه يقوم "بعمل ما"، والعمل قيمة أساسية، ناهيك عن أنه مكوّن أساسي في هوية الإنسان.
ومن حقائق التاريخ الإنساني أن التقاعد مفهوم حديث خلقه التقدم في التصنيع, ومن الطريف أنه عند بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر لم يكن يصل إلى سن التقاعد إلّا أقلية من السكان، ولهذا كان العامل العادي يظل في عمله حتى وفاته, وبالطبع كان ذلك هو التقليد المستقرّ عبر العصور السابقة؛ ففي الحرف التقليدية والمهن الزراعية والأعمال الحكومية التي كانت سائدةً قبل عصر التصنيع, لم يكن هنا تقاعد بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فالمرء كان يظل يعمل طالما أنه حيّ وقادر على العمل, بل إنه في مثل تلك المجتمعات السابقة على التصنيع كان هناك دائمًا عمل كل فرد مهما بلغ عمره، طفلًا كان أو راشدًا أو شيخًا طاعنًا في السن.
إلّا أنه مع تطور حركة التصنيع ظهرت الحاجة إلى التقاعد, ويذكر "McConnell 1983" بضعة أسباب لذلك منها:
1- مع تراكم الإنتاج في أوروبا ابتداء من عام 1870 تضاءلت الحاجة إلى القوى العاملة التي تزوّد المجتمع بحاجاته من السلع والخدمات, ولذلك قلَّ الطلب على القوى العاملة, وكان ذلك أكثر وضوحًا في مجال الزراعة؛ حيث انخفضت فرص العمل إلى 50%, ثم إلى 38% عام 1900, وإلى 4% عام 1975.
2- التطور التكنولوجي الذي لازم الثورة الصناعية منذ ظهورها, والذي يتسم في عصرنا الحاضر بما يُسَمَّى الانفجار التكنولوجي, أدّى إلى تغييرٍ في طبيعة كثير من المهن والأعمال، وتطلب حاجة مستمرة للتدريب لمواجهة هذه التغيرات. وبالطبع, فإن مهارات العمال المتقدمين في السن ومعارفهم لا تكون ملائمة لذلك.
(1/582)

3- التعقد في نظم الإدارة الصناعية والحكومية الحديثة, وغلبة الطابع البيروقراطي على كثيرٍ منها أدى إلى سيطرة القواعد والنظم الجامدة التي تركز على الإنتاجية ومصلحة العمل, والتي لا تضع في الاعتبار -في الأغلب- الجوانب الإنسانية, صحيح أن هذه النظم ساعدت على رفع إنتاجية المؤسسات إلّا أنها أغفلت الاهتمام بالإنسان.
4- ظهور نظام التأمينات الاجتماعية والمعاشات هيأ أساسًا اقتصاديًّا وماديًّا لتقاعد العمال المتقدمين في السن، وفي ضوئه تحدد سن الستين أو الخامسة والستين كعمرٍ مناسب للتخلي عن العمل والانسحاب من القوى العاملة.
ويبدو لنا أن اختيار سن 60 أو 65 هو محض قرار اعتباطي، وليس له علاقة مباشرة بعملية التقدم في السن أو الشيخوخة, إلّا أنه مع شيوع استخدامه في معظم المجتمعات المعاصرة، وطول استخدامه لأكثر من نصف قرن حتى الآن على أن المحك الذي يحدد أحقية المواطن في المعاش أدّى تدريجيًّا إلى قبوله على أنه "الباب الرسمي" لدخول العمر الثالث للإنسان, ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن أول تحديد لسن التقاعد في العصر الحديث حدده القانون الألماني عام 1891 بسن السبعين، وفي عام 1900 كان حوالي 70% من الأمريكين الذكور الذين تجاوزت أعمارهم 65 عامًا كانوا لا يزالون يعملون إلّا أن القانون في المجتمعات الغربية حدده منذ عام 1935 حدده بسن 65 عامًا، ونتيجة لذلك تناقصت نسبة العاملين بعد هذا السن، فبلغت في الولايات المتحدة في أعوام 1960، 1975، 1986 على التوالي 35%، 22%، 16% "Fowles, 1987", على الرغم من صدور قانون في عام 1987 بمد سن التقاعد إلى سن السبعين, ومع ذلك فإن بعض الباحثين يرون أنه لو حسبت العلاقة بين سن المعاش ومتوسط طول العمر الآن "كما حدث في عام 1935 حيث تحدد في ضوئها سن المعاش الحالي في الولايات المتحدة وهو 65 عامًا" فإن الأصح في رأيهم أن يعمل الأمريكي اليوم حتى يبلغ سن الثمانين.
وفي مصر "ومعظم الأقطار العربية والإسلامية" فإن سن التقاعد الرسمي هو60 عامًا, ويستثنى من ذلك بعض الفئات، فقد يزيد عن ذلك بالنسبة لبعض الفئات كخريجي المدارس والمعاهد والكليات الأزهرية، وبعض الفئات المهنية؛ حيث يبلغ سن التقاعد عندهم 65 عامًا, وقد يقل عن ذلك بالنسبة لفئات أخرى كضابط القوات المسلحة؛ حيث يتقاعد بعضهم في الأربعينات أو الخمسينات من
(1/583)

العمل أو الرغبة فيه؛ فتحديد أيّ سن للتقاعد -يزيد أو ينقص من 60 عامًا- هو اختراع يسمح للحكومة وأصحاب الأعمال أن يتحللوا من مسئولياتهم إزاء المسنين ذوي الأجور العالية نسبيًّا، وبهذا تتاح الفرص للشباب بدخول ميدان العمل والتقدم في سلمه الهرمي.
التمييز المهني على أساس العمر:
يعتقد معظم الناس -ومنهم كثير من المسنين- أن الإنسان بعد بلوغه سن معين يصبح أقل كفاءة, وأصعب تكيفًا, وأقل يقظة ومرونة, وأكثر بطأً, وأضعف صحة, وهي جميعًا من محددات نقص الكفاية المهنية. ومن الطريف أنه على الرغم من هذه الصورة المتشائمة لدى المسنين بالنسبة لقدرتهم على العمل, يعبر الشباب عن صورة مختلفة لهم بالنسبة للسمات العامة؛ فالمسنون -عند الشباب- أكثر حكمة وأكثر رحمة ومودة "Perlmutter & Hall, 1985". وبالطبع فإن الصورة السلبية عن قدرات المسنين على العمل هي الأكثر شيوعًا, وخاصةً لدى المسئولين عن القوى العاملة في المجتمع؛ فعند الموازنة بين الصغار والكبار في السن يعين الصغار، ويعزل العامل المتقدم في السن إذا أصبحت مهاراته لا تتواءم مع التقدم التكنولوجي، ويبقى الأصغر سنًّا لسهولة إعادة تدريبه، والمسن هو أول من يترك العمل وآخر من يُعَيِّنُ, وحين يجد المسن عملًا آخر بعد ترك عمله الأصلي فعادةً ما يكون أدنى مكانةً وأقل أجرًا, والمسنون أيضًا يتم تجاوزهم عند الترقية، وهم أقل الفئات فيما يتاح لهم من فرص التعليم وإعادة التدريب لرفع مهاراتهم المهنية, بل إن الدراسات المقارنة بين أجور المسنين وغيرهم, وجدت أنه بعد تصحيح أثر التعليم والتدريب المهني والخبرة والعمل والمستوى الصحي, فإن أجور المسنين أكثر انخفاضًا, فبسبب أجورهم المرتفعة نسبيًّا لا تزيد أجورهم بنفس معدل زيادة أجور ومكأفات من هم أصغر سنًّا, وخاصةً حين تتحدد حدود قصوى لهذه الزيادات والمكأفات.
هل هناك سبب واضح لهذا التمييز المهني على أساس العمر؟
بالطبع إذا كان العمال الأكبر سنًّا أقل إنتاجية ممن هم أصغر سنًّا, فإن عمل المسنين يصبح مكلفًا دون شك, إلّا أنه لا تتوافر بحوث تثبت ذلك, وإنما العكس هو الصحيح, فأغلب الدراسات التي أجريت حول الإنتاجية -سواء قيست بالمخرجات أو المبيعات- تؤكد عدم وجود فروق بين المجموعتين، وإن وجد بعض الهبوط في إنتاجية المسنين فهو هبوط طفيف قد لا يعتمد به Foner" "Schabwab 1981" بل إن بعض هذه البحوث تثبت أن إنتاجية العمال المسنين
(1/584)

أعلى من إنتاجية العمال الأصغر سنًّا، وتزداد هذه الفروق حينما تصحح في ضوء متغير الخبرة السابقة بالعمل, وبالطبع فإن جميع هذه الدراسات من النوع المستعرض، ونحن في حاجة إلى بحوث طولية للوصول إلى نتائج حاسمة حول هذه المسألة, وكل ما نستطيع قوله في ضوء الأدلة المتاحة حتى الآن, أنه في المهن التي درسها الباحثون "الأعمال الكتابية والإنتاج الصناعي" لا توجد فروق بين المتقدمين في السن وغيرهم في كم الإنتاج وكيفه.
ومع ذلك يبدو أحيانًا أن المسنين يتفوقون على الصغار في بعض جوانب العمل, إنهم "أي: المسنون" يعملون بمعدل أبطأ, وبالتالي فإن أخطاءهم أقل, وهم أكثر التزامًا بالعمل في ضوء مؤشر الغياب, أضف إلى ذلك أن الاعتقاد الشائع أن صغار العاملين أكثر مرونة وتحررًا من المتقدمين في السن قد يكون غير صحيح, والأصح القول: إن الصغار بحكم أن مستقبلهم المهني أكثر اتساعًا قد تتاح لهم فرص أكبر للتعديل والتطوير، بينما المسنون -وهم يقتربون من التقاعد- لا يخاطرون كثيرًا بسبب ضيق الوقت.
وهناك جانب آخر تجب الإشارة إليه, وهو أن مهارات المسنين المهنية قد تتقادم بسبب تركيزهم معظم حياتهم على أعمال "منقرضة", وبالطبع حين يحدث ذلك لصغار العاملين فإنهم يتغلبون عليه بالتدريب، أما المسنون فهم أقل حظًّا في ذلك، والسبب في ذلك أن الأجهزة الإدارية تجد في تدريب المسنين تكلفة بلا عائد, على عكس الحال مع تدريب صغار العاملين, أضف إلى ذلك أن خبرة المسن ربما تكون قد وصلت به إلى الحد الأقصى للأجور, وقد يشعر الجهاز الإداري أن تدريبه لا يفيده, وهو شعور غير صحيح؛ لأن الفائدة من التدريب ليست اقتصادية فحسب، وإنما للتدريب فائدته السيكولوجية أيضًا, والتي تتمثل في شعور المسن أنه لا يزال قادرًا على التعلّم, وهو محك ينأى به عن التحول السريع إلى طور أرذل العمر.
(1/585)

قرار التقاعد:
ليس هينًا على الإنسان أن يقرر التقاعد؛ فكثيرٌ من المسنين يشعرون عند التقاعد بأنهم طردوا من أعمالهم لا لسبب إلّا لبلوغهم سن المعاش، وهذا ما يُسَمَّى التقاعد الإجباري, والذي يحدده سن البلوغ التقاعد "أو بلوغ المعاش" الرسمي, وحالما يتقاعد المرء فإنه ينسحب في الأغلب من سوق العمل؛ إما بسبب التمييز المهني الذي أشرنا إليه، أو بسبب شعور المسنين أن تقدمهم في السن لا يسمح لهم بالعمل، على الرغم من أنهم حين يسألون فإن أغلبيتهم تفضل أن تستمر في العمل لما بعد سن المعاش, وفي نفس الوقت هناك من يقررون التقاعد قبل بلوغ سن المعاش القانوني, ويُطلَقُ على هذا النوع "التقاعد الاختياري", وهؤلاء قد تكون لهم موارد مالية ملائمة, بالإضافة إلى ما توفره لهم خطط المعاش من موارد إضافية، وبعض من يفضلون التقاعد المبكر يقررون ذلك للحصول على الراحة أو لقضاء وقتٍ أطول مع الأسرة "وخاصة بالنسبة للزوجة العاملة", ومن المصريين من يفعل ذلك لأسباب جديدة طرأت حديثًا على المجتمع؛ فكثير من الذين خرجوا للعمل في البلدان العربية -وخاصة خلال حقبة النفط- قرروا التقاعد المبكر من أعمالهم الأصلية في مصر "والذي يُسَمَّى إداريًّا ضم مدة الخدمة" إيثارًا للبقاء في هذه الدول الغنية, ومعظم هؤلاء من المهنيين الأكفاء والحرفيين المهرة, وقد أدى ذلك إلى خلل كبير في بنية الثروة البشرية في مصر, وفي هذه الأحوال يلعب العامل الاقتصادي الدور الحاسم في التقاعد المبكر.
وقد ظهر خلال التسعينات ما يُسَمَّى "المعاش المبكر" مع تطور برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر, والذي يتوجه إلى تقليص حجم "القطاع العام", والتوجه مع سياسة التحرر الاقتصادي إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة, ويقصد بالمعاش المبكر تشجيع العاملين بالقطاع الحكومي على ترك العمل مبكرًا مع تعويض مادي مناسب يمكن استثماره من خلال مساعدة الصندوق الاجتماعي للتنمية, وقد وضعت هذه السياسة لمواجهة مشكلة "العمالة الزائدة" والبطالة المقنعة، في القطاع العام خاصةً, والتي تُعَدُّ إحدى المشكلات المزمنة فيها منذ ظهوره في الستينات وأثرت في كفاءته وفعاليته.
وهكذا فإن العوامل التي تحدد قرار التقاعد المبكر معقدة متشابكة, فهي تشمل الظروف الصحية للراشد, وموقفه المالي, وطبيعة مهنته, ودرجة رضائه عن عمله, واتجاهاته نحو التقاعد, والظروف الاقتصادية للمجتمع الذي يعيش فيه؛ ففي دراسةٍ أجريت على عمال صناعة السيارات وجد الباحثون أن ضعف الصحة والدخل غير المناسب وعدم الرضا عن العمل والاتجاهات الإيجابية نحو التقاعد، كانت جميعًا العوامل التي أدت إلى التقاعد المبكر. وفي بعض الأعمال التي تلعب فيها المهارات الجسمية دورًا حاسمًا يكون التقاعد المبكر إجباريًّا، ومن ذلك المهن العسكرية "وخاصة في القوات المسلحة" التي يحال معظم أصحابها إلى الاستيداع قبل سن الخمسين "1985 perlmutter & hall", ويلعب العامل الاقتصادي الدور الحاسم لدى أولئك الذين يتوقعون لدخلهم بعد المعاش أن يهيئ لهم حياة راضية،
(1/586)

أو أولئك الذين يجدون في حياتهم في بيئة جديدة فرصًا أفضل للاستقرار الاقتصادي "ومن ذلك مثال العاملين الذين استقروا في الدول العربية البترولية الذي أشرنا إليه".
وتلعب ظروف العمل دورًا هامًّا في قرار التقاعد المبكر في بعض المهن.
ففي دراسةٍ قام بها "1978 quinn" وجد أن الظروف المادية السيئة للعمل؛ مثل: الضجيج والروائح الكريهة ودرجات الحرارة المتطرفة, بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل: عدم وجود فرص للمشاركة في اتخاذ القرارات والإجهاد الجسمي والنفسي المصاحب للعمل، ترتبط كلها بقرارات التقاعد, إلّا أن ما يلفت النظر أن ظروف العمل وجدت أكثر ارتباطًا بالتقاعد وقت سن المعاش أكثر من ارتباطها بالتقاعد المبكر, أما عدم الرضا عن العمل تحتل مكانه هامة لديه, ومعنى ذلك أن العوامل "النفسية" تفوق في أثرها "الطارد" من العمل العوامل المادية, ولعل مما يدعو للتأمل أن هذه الظروف النفسية أشد وطأة وأكبر تأثيرًا في الشخص حين يكون شغوفًا بعمله محبًّا له. إنه يتقاعد مبكرًا -كارهًا بالطبع- تاركًا عمله الذي يحبه يسبب ظروف غير عادية منفرة صنعتها قوى مدمرة فيه، قد تكون إدراة سيئة للمصنع أو المؤسسة.
ويؤثر في استمرار الشخص في عمله إلى بلوغ سن المعاش وربما بعده -إذا سمحت نظم العمل بذلك- عوامل هامة, على رأسها المستوى التعليمي للشخص, ثم طبيعة المهنة, والاعتبارات المالية أيضًا، فقد تأكَّد أن الراشدين من المستويات التعليمية العليا, والذين يحظون بمكانة عالية في مهنتهم, يميلون إلى الاستمرار فيها حتى ولو بعد المعاش, ومن ذلك مثلًا: أن معظم المهن الجامعية في مختلف البلدان تسمح لأصحابها بالاستمرار فيها لسنوات طويلة حتى بعد التقاعد الرسمي "نظام الأساتذة المتفرغين وغير المتفرغين"، ويصدق ذلك على العاملين في سلك القضاء, كما يصدق أيضًا على ذوي الكفاءات الرفيعة في أي مجال1. كما تؤكِّدُ البحوث أيضًا أن الأشخاص من ذوي المستوى الاقتصادي الاجتماعي المرتفع تتوافر لهم فرص أكثر للعمل ودوافع للاستمرار فيه, وبالطبع فإن
__________
1 أثيرت في الصحف المصرية خلال الفترة الأخيرة "1997-1998" مسألة العاملين الذين يبقون في وظائفهم القيادية بعد سن المعاش، والذين يعملون تحت مُسَمَّى "مستشارين", ويبلغ عددهم بضعة آلاف, وقد نبه إلى الحاجة إلى ترشيد هذه الممارسة وزير التنمية الإدراية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
(1/587)

الأشخاص الذين يديرون مشروعاتهم الشخصية "في القطاع الخاص؛ كالحرفيين والمقاولين وصغار التجار"، والذين يمارسون المهن الحرة "كالأطباء والمحامين"، والذين يقومون بأعمال ذاتية النشاط مثل الفنانين والباحثين والعلماء, يستمرون في أداء عملهم بلا حدود زمنية, ولا يتأثرون بنظم التقاعد, كما أن هناك -كما أشرنا- أولئك الذين يتقاعدون من إحدى المهن ليعملوا في مهنة أخرى، أو يستمرون في أداء نفس المهنة ولكن في مؤسسة أخرى, أو في بلد آخر، فالتقاعد -بالمعنى الاصطلاحي- لا ينطبق إلّا على أولئك الذين يعملون لدى الغير، سواء في القطاع أو العام أو الحكومي, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن معظم النتائج السابقة تصدق على الرجال دون النساء؛ فبالنسبة للمرأة العاملة وجد الباحثون في الغرب أن أقوى المنبئات بتقاعدها هو متغير العمر فقط "George, et al., 1980", كما أن نسبة التقاعد الاختياري بين النساء أكبر منها بين الرجال "Hattis, et al., 1975" وبالطبع فإن هذه النتائج لا تقبل النقل المباشر إلى ثقافات أخرى، ونحن في حاجة إلى دراسات حول هذ الموضوع في بيئاتنا، وخاصةً بعد أن تزايدت قيمة العمل لدى المرأة المصرية والعربية المعاصرة.
أما عن الاتجاهات نحو العمل والتقاعد، فعلى الرغم من أهميتها إلّا أنها ليست بقوة العوامل السابقة، كما أن أثرها في قرار التقاعد قد يكون على نحوٍ غير مباشر؛ فالاتجاهات نحو العمل قد تحدد للمسن قراره بالاستمراره في عمله بعد التقاعد, سواء لبعض الوقت أو كل الوقت. أما عن عامل الصحة الجسمية فقد تناقضت النتائج حوله حسب طبيعة منهج البحث المستخدم؛ ففي الدراسات المستعرضة كانت له أهمية واضحة، ولكنه في الدراسات الطولية لم يرتبط إلّا قليلًا بقرار التقاعد, ومع ذلك فإن المتخصصين في ميدان سيكولوجية المسنين يرون أن ضعف الصحة سبب مقبول اجتماعيًّا للتقاعد، ولهذا فعندما يسترجعه المسن -في الدراسات المستعرضة- يبالغ في تقدير أهميته, وعمومًا إذا اجتمع عامل ضعف الصحة مع نظام التقاعد الإجباري, فإن ذلك يسبب صعوبات جمة لتكيف المسنين.
ويوجد في الوقت الحاضر اتجاه في علم الإدارة نحو تفضيل عمرمتغير للتقاعد يسمح بأن يختلف من مهنة لأخرى ومن فرد لآخر, وهذ المبدأ يتفق بالطبع مع مبدأ الفروق الفردية في السلوك الإنساني, وهذا ما يسميه فؤاد البهي السيد "1975" "بالتقاعد الفارق", ويمكن أن نلخص أهم الأسس التي يجب الاعتماد عليها في حساب التقاعد بهذه الطريقة على النحو الآتي:
(1/588)

1- العمر الإنتاجي في كل مهنةٍ "أي: تحديد نقطة ذروة الإنتاج فيه ونقطة الانحدار".
2- نوع الإنتاج في كل مهنة "أي: مستوى الإنتاج من حيث الكم أو الكيف أو هما معًا".
3- متوسط أعمار العاملين في كل مهنة.
4- مستويات التخصص الضرورية, ومتطلبات المهارة والكفاية اللازمة لكل مهنة.
6- نسبة عدد المتخصصين الجدد إلى عدد الأماكن الشاغرة في كل مهنة "تجنبًا لأزمة البطالة".
7- نسبة العمالة الفعلية "باستبعاد كل صور البطالة المقنعة", ومدى قابلية المهنة لخطط التوسع في المستقبل.
8- مدى إعاقة المتقدمين في السن لفرص الترقي التي يترقبها الشباب العاملون في المهنة.
(1/589)

عملية التقاعد:
عادةً ما ينظر إلى التقاعد على أنه حدث في حياة الإنسان, إنه يرتبط ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "أو أقلّ من ذلك أو أكثر حسب نظام المعاش الرسمي" حين يذهب إلى عمله "لآخر مرة" ليجمع أوارقه وأدواته، وربما يحصل -في حالات قليلة- على رمزٍ تذكاريٍّ أو شهادة تقدير أو يحضر حفل تكريم له, إلّا أن التقاعد هو أكثر من ذلك في واقع الأمر, إنه عملية أكثر منه حدث، أي تغير يحدث تدريجيًّا ويستغرق وقتًا, ويرى Atchely, 1977" أن عملية التقاعد تتضمن سبع مراحل، مع ملاحظة أنه ليس من الضروري أن يمر كل فرد بها جميعًا، كما ليس من الضروري أن يمر المرء بها بالتتابع المقترح؛ فالتنوع في عمر التقاعد وأسبابه يعني أن عملية التقاعد تختلف من شخص لآخر, ومع ذلك فإن نموذج آتشلي مفيد لفهم المهام النمائية التي تواجه المسن الذي يمر بعملية التحول من شخص عامل إلى شخص غير عامل، وهذه الخطوات هي:
1- مرحلة التفكير في التقاعد:
وهي تحدث قبل التقاعد بفترة, قد تكون قصيرة أو طويلة، وعند البعض قد تبدأ في النصف الأول من طور الرشد
(1/589)

الأوسط "بين 40-50عامًا", وعند معظم الراشدين فإن هذا هو وقت النشاط المكثف في العمل، وهو وقت الاستمتاع بثمار العمل: المكانة والأمن الاقتصادي والشعور بالكفاءة, إلخ, ولهذا فإن تفكيره في التقاعد حينئذ -إن حدث- يكون غامضًا، وقليل من الجهد يبذل للإعداد للتقاعد في هذه المرحلة، إلّا في حالات التقاعد الإجباري المبكر "ضباط القوات المسلحة مثلًا".
2- مرحلة الاقتراب من التقاعد:
وفيها يكون تفكير المرء أكثر إيجابية, وتخطيطه أكثر تنظيمًا للتقاعد, وتقوم بعض المجتمعات بتقديم برامج لما قبل التقاعد, يلتحق بها الراشدون في أواخر طور منتصف العمر، وفيها تُقَدَّمُ لهم خدماتٌ إرشادية حول التقاعد, ويتدربون على التخطيط لهذا الطور من الحياة, ويرى آتشلي أن هذا هو وقت بداية التحرر من الالتزامات في العمل؛ حيث يتحلل الشخص تدريجيًّا من المسئوليات والالتزامات التي تنقل إلى الجيل الأصغر, وتنتهي هذه المرحلة بالتقاعد الفعلي.
3- مرحلة الأثر المبدئي:
وهي المرحلة الأولى من التقاعد الفعلي تمثل الانتقال والتحول من دور العامل إلى دور غير العامل, ويختلف سلوك المسنين في هذه المرحلة؛ فعند البعض قد يصاحبها حماسٌ مبدئيٌّ وحالة استثارة, وشعور بالنشاط الزائد الحيوية الفائقة، وعندئذ يبدأ الشخص في تنفيذ الأنشطة الكبيرة التي ربما خطَّطَ لها من قبل ولم يستطع القيام بها؛ مثل: رحلة طويلة, أو زيارة الأقارب والأبناء, أو البدء في إصلاح البيت, أو تجديد حديقة المنزل, أو الكتابة والقراءة, أو محض الاسترخاء, وبالطبع فإن خبرة الاستثارة والحماس في المرحلة المبدئية هذه, ليست شائعة عند جميع المتقاعدين, فأولئك الذي يجبرون على التقاعد إما بسبب السياسة الرسمية أو ضعف الصحة، وأولئك الذين يجدون أن موقفهم المالي يمنعهم من الانشغال في الأعمال والأنشطة التي خططوا لها, يشعرون عادةً بعدم الرضا والإحباط, بل والفشل الفعلي عند التقاعد.
4- مرحلة التحرر من الالتزام:
وفيها يشعر المتقاعد أنه قد "حبط" سعيه، وقد يصاحب ذلك بعض الاكتئاب, وهذه المرحلة يمر بها حتى أولئك الذين شعروا بخبرات الحماس في المرحلة السابقة, فهؤلاء قد يكتشفون أن بعض خططهم أبعد من وسائلهم, أو أن بعض هذه الخطط ليس مثيرًا كما كانوا يتوقعون. إلّا أن هذه المرحلة لا تستمر طويلًا, فمع استمرار سنوات ما بعد التقاعد ينتقل المسن إلى المرحلة التالية.
(1/590)

5- مرحلة إعادة التوجيه:
وفيها يبدأ المرء في تقبل حقيقة التقاعد ومعناه بالنسبة له وللمجتمع, وحينئذ يبدأ في إعادة توجيه ذاته للمستقبل, ولإعادة تقويم أهدافه ووسائله في الوصول إليها.
6- مرحلة الاستقرار:
ويختلف الأفراد في معدلات وصولهم إلى هذه المرحلة، فالبعض يصل إليها بعد مرحلتي التحرر من الالتزام وإعادة التوجيه، والبعض الآخر يصل إليها مباشرة بعد مرحلة الأثر المبدئي,
وتأتي أهمية هذه المرحلة من أنها وقت اتخاذ قراراتٍ هامَّةٍِ حول اختيارات أو أهداف طويلة المدى وتنفيذها.
7- المرحلة الختامية:
وهي المرحلة الأخيرة في عملية التقاعد, وفيها يفقد التقاعد الكثير من أهميته ومغزاه للشخص المسن، وتحل محله في الأهمية عوامل أخرى مثل المرض الخطير, وعندئذٍ يتخلّى المسن عن دور المتقاعد ويحل محله دور المريض أو العاجز، وعند البعض تتخذ المرحلة الختامية صورة أخرى، فعدم الرضا عن أهداف وأنشطة التقاعد، ويشمل ذلك ما يرتبط منه بوقت الفراغ الطويل، قد يدفع الشخص المسن إلى البحث عن العمل مرة أخرى، وعادةً ما يكون بعض الوقت، وغالبًا ما يكون عملًا لا يرتبط مطلقًا بالأنشطة المهنية السابقة، وقد يكون عملًا تطوعيًّا, وهكذا تكتمل الدائرة بالفرد من عاملٍ إلى غير عامل إلى عاملٍ مرةً أخرى.
(1/591)

التكيف للتقاعد:
اهتم الباحثون في سيكولوجية الشيخوخة في السنوات الأخيرة بموضوع التكيف للتقاعد, ولعل من أهم العوامل التي تحدد ذلك مقدار الاختيار المتاح للمسن عند التقاعد, وقد أشرنا إلى التنوع الكبير في هذ المسألة, ولعل أكثر الأشخاص قدرةً على الاستمرار في العمل إلى فترة زمنية أطول مما يحدده العمر الزمني للتقاعد هم العاملون في الأعمال الحرة كما بينا, كما أن بعض المهن وبعض التشريعات تقدم للمسنين فرصًا للتقاعد المبكر لمن يشاء مع بعض الفوائد والمغريات, وتوجد بعض نظم "التقاعد المرن" والتي تسمح للناس بالعمل بعد التقاعد الرسمي "كالأستاذ المتفرغ بالجامعة", وبالطبع هناك الأغلبية الساحقة من الموظفين المدنيين والعاملين الذين ليس لهم خيار إلّا الاستمرار في العمل حتى الوصول إلى سن التقاعد الرسمي، وعنده ينتهي كل شيء, وهكذا يمكن القول أن التقاعد قد يكون خبرةً طيبةً لدى بعض المسنين، وقد لا يكون له أثر يذكر فيهم، أما بالنسبة لأغلبيتهم فإنه خبرة سيئة أو صدمية, والسؤال هنا: من هم أولئك الذين
(1/591)

يشعرون بالرضا عند التقاعد, ومن لا يشعرون بذلك؟
يمكن القول بصفةٍ عامة أن الاتجاهات المسبقة نحو التقاعد, وخصائص شخصية المسنين وظروفهم الاقتصادية وأوضاعهم الصحية, وظروف عملهم تلعب دورًا حاسمًا؛ فالأشخاص الذين يؤدون الأعمال الروتينية أو غير الماهرة, والذين يشعرون بالملل من عملهم, وغير السعداء بنظم الإدارة له, وغير الراضين عن العلاقات الإنسانية فيه, قد يشعرون بكثيرٍ من الرضا عند تقاعدهم "Troll, 1982". أما الآخرون الذين يعملون في مهن تتطلّب مهاراتٍ عليا, فإنهم يظلّون في عملهم حتى سن التقاعد الرسمي بل بعده إن كان ذلك ممكنًا, ولعل هؤلاء هم أكثر الفئات شعورًا بعدم الرضا عند التقاعد، ويكون توافقهم معه أكثر صعوبة. إنهم أولئك الذين "يحبون عملهم" ويتفانون فيه, ربما لفترةٍ تصل إلى أربعين عامًا من الإنجاز والكفاءة, ثم فجأةً يصل كل ذلك إلى نهايته بخاتمة غير سعيدة. إن هؤلاء الأشخاص يشعرون أن فقدهم لعملهم بالصورة التي عليها نظام التقاعد الحالي إنما هو نوع من "الكارثة المفاجئة"؛ فالعمل الذي أعطاهم طوال هذه الفترة الطويلة شعورًا قويًّا بالاستقلال والسلطة والاعتقاد في قيمتهم من خلال ما يسهم به عملهم في المجتمع، يتلاشى فجأة, ويؤدي ذلك بمثل هؤلاء المسنين إلى أن يكون انتقالهم إلى العمر الثالث من حياتهم صعبًا وشاقًّا؛ فمثل هؤلاء يكون العمل عندهم جزءًا رئيسيًّا من حياتهم بما حقق لهم من مكانة عالية.
كما أن التوافق للتكيّف يكون صعبًا أيضًا لدى أولئك الذين ليست لديهم مدخرات ملائمة أو دخل كافٍ عند التقاعد, وحقيقة الأمر أن دخل المعاش في ظلّ التشريعات الحالية في عدد كثير من الأقطار غير ملائم لمعظم المسنين الذين قضوا حياتهم المهنية يؤدون أعمالهم بأمانة وذمة وشرف, ولذلك كثيرًا ما تنشأ ظاهرة "فقر ما بعد التقاعد", فعادةً ما يترتّب على التقاعد قطع المنح والعلاوات والحوافز وخفض كثير من الرواتب, ولا يمكن للمتقاعد أن تكون روحه المعنوية عالية إلّا إذا كان مستواه الاقتصادي يمكن مقارنته بشكلٍ ملائمٍ مع مستواه عندما كان يعمل "Bromley, 1974", ويضاف إلى عامل الدخل عامل آخر هو الصحة, وقد أكدت الدراسات أن هذين العاملين هما أفضل منبئين بالرضا عن الحياة لدى المسنين المتقاعدين, والواقع أن توافر هذين العاملين يهيئ للمسن فرصة فرض تحكمه على بيئته ويعينه عل الاستمرار "راشدًا"، ومن محكاته كما أشرنا كثيرًا، الاستقلال الاقتصادي، بالإضافة إلى شعوره بأنه يمكنه المساهمة في نشاط مفيد, وله قيمته لنفسه وللمجتمع.
(1/592)

ويوجد عامل آخر يؤثر في الاتجاهات نحو التقاعد, هو نوعية الخطط التي أعدها المسن للتقاعد قبل التحوّل الفعلي من دور العامل إلى دور غير العامل, إلّا أن ما نحب أن ننبه إليه هو أن بعض الشركات الكبرى, وبعض المؤسسات الإرشادية الرئيسية في الدول المتقدمة, تقدم للمسنين خططًا للتقاعد قبل حلوله "ولعل اليابان هي أكثر الدول اهتمامًا بهذا الموضوع"، وبالطبع فإن اقتناع المسن بأهمية التخطيط المبدئي لتقاعده يسهم كثيرًا في تكوين اتجاهات إيجابية نحوه عنده حدوثه "Troll, 1982".
وقد يكون أكثر الموضوعات أهميةً بالنسبة لاتجاهات المسنين نحو التقاعد وتوافقهم معه ما يتصل بطريقة استثمار "الوقت الطويل" عندئذ, والبدائل تشمل إعادة الاهتمام بالهوايات وبرامج الترويح، أو الانشغال بعمل نصف الوقت، أو القيام بخدمات تطوعية ورعاية الآخرين، أو النشاط السلبي مثل مشاهدة التليفزيون والتأمل في الحياة والناس, وعلى الرغم من أن النشاط السلبي يبدو بديلًا جذابًا بعد عمر طويل من العمل "طوال العمر الثاني للإنسان", إلّا أن هذا ليس اختيارًا محبَّذًا, كما أن الفراغ الطويل الذي يتضمنه يحمل معنًى سيئًا في بعض الأحيان؛ فالفراغ يرتبط عادةً بالعمل، فكيف يوصف وقت بأنه "فراغ حيث لا عمل", وبالطبع فإن لهذا معناه في الثقافة الإنسانية الموجهة أساسًا نحو العمل.
ويتزايد في الوقت الحاضر تشجيع المسنين -بالإضافة إلى مَنْ هم في منتصف العمر- على البحث عن عمل آخر، ولا يحتاج ذلك أن يكون العمل "مهنة" بالمعنى التقليدي, فقد يكون امتدادًا لعمله السابق أو عملًا جديدًا تمامًا, ومن ذلك مثلًا القيام بدورٍ مهنيٍّ جديد، أو الاستفادة من نواتج الهوايات بالبيع "إنتاج فني مثلًا", أو القيام بنشاطٍ في خدمة الحي الذي يعيش فيه, وغير ذلك من الأعمال التي ربما كان الشخص يصبو إلى القيام بها من قبل ولكن لم يتهيأ له الوقت لذلك من قبل. ويفيد المسن كثيرًا أن يكون قد اختار "طريقة الثاني" في مرحلة الرشد المبكر أو الأوسط، ففي ذلك كثير من بعد النظر، ويهيئ للمرء فرصة لاستثمار مهاراته وميوله في مرحلة الشيخوخة, وقد يجد بعض المسنين حلولًا من خلال عمل غير متفرغ -كما بينا- سواء في مجالهم الأصلي, أو أحد المجالات المرتبطة به. كما بدأ الاهتمام في السنوات الأخيرة بتهيئة الفرص التعليمية للمسنين، وظهر مجال جديد في ميدان تعليم الراشدين يتصل في جوهره بمرحلة الشيخوخة.
(1/593)

والسؤال الأخير الآن: هل التقاعد خبرة محبطة ضاغطة حقًّا كما يشيع عنها؟ الإجابة هنا تتوقف على نجاح المرء في التوافق مع هذه الخبرة, وعمومًا فإن نتائج البحث تؤكد لنا "Troll, 1982" أن كثيرًا من الناس تتحسن صحتهم، ولا تتدهوركما يشيع، خلال السنوات التالية مباشرة للتقاعد، وباستثناء الذين يجبرون على التقاعد المبكر, فإن هذه الخبرة يبدو أنها لا ترتبط بانخفاض الروح المعنوية عند معظم الناس، كما أنها لا تؤدي إلى الاضطراب النفسي، بل إنه بعد التقاعد يبدأ التفاعل أقوى بين أعضاء الأسرة من مختلف الأجيال.
وخبرة التقاعد، مثلها في ذلك خبرة "العش الخالي" وغيرها من حالات التغير المرتبطة بالعمر قد تبدو "مهولة" لدى أولئك الذين لم يخبروها بعد، أو الذين يقتربون منها، بينما هي ليست كذلك لدى الذين يعيشون الخبرة أنفسهم؛ فاتجاهات الراشدين في منتصف العمر نحو التقاعد أكثر سلبية من اتجاهات المسنين المتقاعدين أنفسهم, يصدق ذلك على الرجال والنساء، ولو أن موضوع تقاعد المرأة العاملة لم يحظ بعد باهتمامٍ يذكر من الباحثين.
(1/594)

الحياة الأسرية:
في مرحلة الشيخوخة يدخل الإنسان في المرحلة الأخيرة من دورة الحياة الأسرية, وفي نموذج "Duvall 1977" الذي عرضناه في الباب السابق, نجد أن معظم الراشدين يقضون ما بين 10، 15 سنة في هذه المرحلة، منذ التقاعد حتى وفاة أحد الزوجين, وبالطبع توجد فروق واسعة بين الناس في عدد السنوات التي يعيشونها بعد التقاعد, وبصفة عامة فإنه ما دامت المرأة تعيش أطول من الرجل فمن المتوقع أنها تشعر بهذا المظهر من مظاهر الحياة لفترة أطول.
ويمكن القول أن هذه الفترة من الحياة الأسرية جديدة من الوجهة التاريخية, فمع الرعاية الطبية المتطورة، والتغذية الجيدة، وزيادة الخدمات الاجتماعية وتحسين نوعيتها, سهل على المسنين تحمُّل أعباء الشيخوخة، وبالتالي امتداد مدى الحياة لفترة أطول, وفي الماضي كان من النادر أن يعيش المرء حتى أواخر السبعينات أو الثمانينات أو التسعينات, إلّا أن ذلك أصبح الآن أكثر شيوعًا, وبالإضافة إلى ذلك فإن الزوجين يصلان إلى هذه السنوات المتأخرة معًا, والسؤال الآن: ما هي خصائص هذا المظهر الأخير من مظاهر الحياة الأسرية؟ وما هي المهام النمائية الخاصة التي يجب مواجهتها داخل سياق الأسرة في هذه المرحلة؟ وكيف يتعامل المسنون معها؟
(1/594)

إن الصورة النمطية للحياة الزوجية للزوجين المسنين أنها بصفة عامة "كئيبة"؛ فمعظم الناس يدركونها غير سعداء ومنعزلين ووحيدين ومرفوضين من أحبائهم -وخاصة الأبناء والأقارب, وعلى الرغم من أن هذا صحيح إلى حَدٍّ ما لدى بعض الناس، إلّا أنه الاستثناء وليس القاعدة؛ فمعظم البحوث توحي بأن نوعية الحياة الزوجية في الشيخوخة جيدة على وجه العموم, وحينما يصل إليها الزوجان معًا يكونان سعيدى الحظ, وفي إحدى الدراسات الهامة وصف معظم المسنين هذه المرحلة على أنها أسعد مراحل زواجهم Stinnett, 1972".
ما هي العوامل التي تحدد الحب والرضا الزواجي في مرحلة الشيخوخة؟ وهل هي نفس العوامل التي تلعب دورها في مراحل العمر الأسبق؟ يجيب على هذه الأسئلة وغيرها ريدى وزملاؤه "Ready, et al., 1981" الذين قارنوا بين عيناتٍ من الراشدين من مختلف مراحل الرشد "المبكر، الأوسط، المتأخر". لقد سأل الباحثون مفحوصيهم تقدير مدى دقة عبارات معينة في وصف علاقة المحبة الراهنة بينهم كأزواج, وبينت النتائج أن المسنين قدروا العبارات الدالة على الأمن الانفعالي العاطفي والولاء على أنها أكثر ما يميز علاقة الحب عندهم, ويعلق الباحثون على هذه النتائج بأن علاقة الحب بين الزوجين تصبح مع مرور الزمن أقل اعتمادًا على محض الصحبة والتواصل وأكثر اعتمادًا على تاريخ العلاقة والتقاليد والالتزام والولاء, وذلك على عكس من هم أصغر سنًّا, وبصرف النظر عن هذه الفروق بين الأجيال, فقد أوضحت الدراسة وجود تشابه كبير بين هذه الأجيال الثلاثة حول ما يعتبره الزوجان إيجابيًّا داخل علاقة الحب, فكلهم قدَّروا الأمن الانفعالي الوجداني على أنه الأكثر أهمية, يليه الاحترام والتواصل وسلوك المساعدة والمعاونة والعلاقات الجنسية والولاء على التوالي, ويعلق الباحثون على ذلك بقولهم: "إن الحب أوسع نطاقًا من الجنس، وفي أيِّ عمرٍ يوجد دائمًا ما هو أكثر أهمية منه في علاقة الحب بين الزوجين, وخاصةً الأمن الانفعالي العاطفي الذي يعني مشاعر الاهتمام والرعاية والثقة والراحة, واعتماد كلٍّ من الزوجين على الآخر".
وتوافق المسنين زواجيًّا هو بالطبع خلاصة سنوات عديدة من العيش معًا, ومعرفة كلٍّ منهما بالآخر معرفةً وثيقة, فبعد حوالي أربعين عامًا من الزواج -في المتوسط- يكون كلٌّ منهما تعلم أن يتجاهل المضايقات الصغيرة التي تصدر عن رفيقه، ويقبل منه ما استعصى على التعديل والتغيير من سلوكه. ويعين ذلك
(1/595)

الزوجين مع التقدم في السن على أن يصبحا أقل اندماجًا في المواقف والأحداث من الناحية الانفعالية, بالإضافة إلى ميلهم إلى تجنب مواقف الصراع وغيره من المواقف الضاغطة المجهدة.
ويرى "Adams, 1975" أن المتغيرين اللذين يخلعان على زواج المسنين خاصيته المميزة هما: التحول التدريجي عن التركيز على الأبناء من ناحية، وتقاعد الزوج "وكذلك الزوجة العاملة" من العمل, وكِلَا الحدثين يهيئ للزوجين تحررًا أكبر من المسئوليات والالتزامات الخارجية, فلم يعد يتوقع منهما إلّا أن يدعم كلٌّ منهما الآخر ويسنده ويؤازره، ويتوافر لهما فسحة أطول من الوقت لذلك "وخاصة بعد وفاة والديهما واستقلال أبنائهما تمامًا", وهذا في ذاته أحد العوامل الهامة المحققة للسعادة الزوجية في هذه السن.
وبالطبع فإن بعض الأزواج المسنين يواجهون مشكلاتٍ في زواجهم، فتقاعد الزوج يسبب للزوجة في البداية بعض المضايقات, ومع زيادة نسبة النساء العاملات الآن, فإن التقاعد ربما يسبب بعض المشكلات للحياة الأسرية عند تقاعد الزوجين معًا, وبالطبع فإن ذلك لا يدوم طويلًا، وخاصةً عند النجاح في إعادة تنظيم حياتهما لمواجهة الظروف الجديدة.
والمرض مصدر آخر للإجهاد Stress والتعاسة في الحياة الأسرية للمسنين, وبعض الأمراض تؤدي إلى ظهور علاقة اعتمادية جديدة؛ حيث يقوم الزوج "أو الزوجة" بدور الممرِّض لزوجه المريض, والفقر مصدر آخر للشقاء الزواجي في الشيخوخة، وخاصةً مع انخفاض الدخل بعد التقاعد.
وتجدر الإشارة إلى أن الحياة الزوجية في سن الشيخوخة ليست فقط مصدرًا للسعادة في هذه المرحلة من العمر, ولكنها مفيدة سيكولوجيًّا وبيولوجيًّا؛ فقد أكدت البحوث أن المسنين المتزوجين أقل شعورًا بالعزلة والوحدة والاكتئاب بمقارنتهم بأقرانهم المسنين غير المتزوجين, كما أنهم أقل تعرضًا للاضطرابات والأمراض النفسية والعقلية، وهم أكثر احتمالًا في العيش عمرًا أطول, ومعنى ذلك أن الظروف المحيطة بزواج المسنين التي تعني وجود رفيق العمر على قيد الحياة تؤدي إلى تخفيف الضغوط الشديدة التي قد يتعرضون لها في حياتهم المتأخرة لو كانوا وحدهم.
ومن مظاهر الحياة الأسرية في مرحلة الشيخوخة في العصر الحديث أنه لا يكاد يوجد في الأسرة الحديثة موضع لجيل المسنين، وبالتالي فإنهم
(1/596)

يتركون في الأغلب وحدهم, إلّا أن حقيقة الأمر أن المسنين ليسوا منعزلين أو منبوذين؛ فمعظمهم يفضل العيش مستقلًّا مع المشاركة النشطة في حياة الأسرة, ففي دراسة "Troll, 1971" وُجِدَ أن حوالي ثلث المفحوصين الذين تجازوا سن الخامسة والستين يعيشون مع أولادهم, وهؤلاء يميلون إلى الانتقال إلى "العش الخالي" في بيوت أبنائهم الذين بلغوا أنفسهم طور منتصف العمر؛ حيث يصبح البيت لجيلين من الراشدين، أحدهما جيل الأبناء في منتصف العمر, والثاني جيل الآباء المسنين, والبعض الآخر من المسنين يعيش قريبًا من بيوت أبنائهم, ففي المجتمع الصناعي الحديث يؤلف كل جيل أسرته النووية, ويعيش الأغلب في نفس الحي "Shanas, et al., 1968", وعمومًا فإن علاقة المسنين بأولادهم تستقر على ذلك النمط الذي كان سائدًا بينهم حين كانوا هم "أي: المسنين" في منتصف العمر, وأبناؤهم في طور الرشد المبكر أو الشباب, ونظرًا لأن التصادم بين الأمهات والأبناء أكثر حدوثًا في هذا الطور المبكر، وخاصةً بعد زواج الأبناء وما يترتب عليه من علاقات جديدة بين المرء وزوجه "فؤاد البهي السيد 1975" فإن هذا التوتر قد يظلّ مستمرًّا حتى مرحلة شيخوخة الأمهات، وقد يخفف التقدم في السن بعض حدته.
ويعتمد المسنون اعتمادًا كبيرًا على أبنائهم عند المرض, وفي الأغلب يستجيب الأبناء لظروف آبائهم استجابةً فورية "Sussman, 1960, 1965", فعمظم الراشدين لديهم الرغبة في معاونة آبائهم المسنين, ومع ذلك فإن هؤلاء المسنين يظلون لفترةٍ طويلةٍ غير معتمدين على أبنائهم ماليًّا أو انفعاليًّا. وعادةً ما تظل العلاقة -حتى بلوغ طور أرذل العمر- علاقة أخذ وعطاء في الخدمات المادية والدعم الانفعالي, بل إن نسبة المسنين الذين يبذلون المساعدة لأبنائهم تفوق نسبة الذين يتلقون هذه المساعدة من هؤلاء الأبناء "Riley, et al., 1968", ويمكن لهذا النمط من التفاعل أن يستمر حتى يصل الوالدان إلى طور التدهور الكلي "أرذل العمر" الذي سنتناوله في الفصل التالي.
وفي مرحلة الشيخوخة لم يعد الأحفاد أطفالًا أو صبيةً, وإنما قد يكونون مراهقين أو شبابًا، بل ربما يكونون في مطلع الرشد, ومع امتداد متوسط الأعمار يصل بعض الناس الآن إلى مرحلة متقدمة في السن وهم في صحة جيدة وحيوية ظاهرة, وهو ما لم يكن يحدث من قبل، وهذا كله يوحي بأن يزداد أثر الأجداد في أعضاء الأسرة الأصغر سنًّا, وتقوم الجدة خاصةً بعلاقة مؤثرة في أحفادها "Troll 1983", وقد يرجع ذلك إلى السبب الواضح وهو أنها تعيش أطول من
(1/597)

الجد الرجل, وهذا لا يعني إنكار دور الجد الرجل الذي يتعامل معه الجميع على أنه مستودع الخبرة والحكمة للأسرة -كما أشرنا من قبل- والذي يؤثر على وجه الخصوص في الأحفاد الذكور "Hagestad, 1978".
ويختلف الأجداد اختلافًا كبيرًا في درجة اندماجهم في حياة أحفادهم؛ فبعضهم يندمج بعمقٍ، والبعض الآخر يبدو غير مهتمٍّ تمامًا بأحفاده, وقد بينا عند تناول طور وسط العمر كيف أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في حياة أحفادهم من حيث رفاهيتهم وتوافقهم في وحدة الأسرة المؤلفة من الابن الراشد والحفيد الصغير "Troll, 1983", ومن الطريف -مع ذلك- أن نشير إلى هذه النتيجة التي أكدتها عدة بحوث من أن رفاهية ومعنويات الأجداد لا ترتبط فقط بمقدار الصلة التي تربطهم بأحفادهم، فالرضا عن الحياة في مرحلة الشيخوخة يرتبط أيضًا بأنماط الصداقة، والنمط الزواجي على نحوٍ قد يفوق دور الجد الذي يقوم به المسن "Brodinsky, et al., 1986".
وعادةً ما يدرك الأجداد والأحفاد -سواء كانوا من المراهقين أو الراشدين- الطرق التي يحاول بها كلٌّ منهما التأثير في الآخر, وغالبًا ما يكون هذا التأثير ناجحًا, وخاصةً في بعض المجالات التي تسميها "Hagestad, 1978"، المناطق المنزوعة السلاح", والتي لا يجوز الاقتراب منها بين الأباء والأبناء, وتعنى بها تلك المجالات الحساسة كالحب والدين, فعلاقة الشيخ بأحفاده وأسباطه "وهم أبناء الأحفاد" فد تفوق علاقته بأولاده, فيلجأون إليه ليحميهم من ثورة الأب والأم وغضبهما, وهو بالنسبة لهم ملتقى القوى التي تموج في حياة الأسرة, وإليه يهرعون في أزمانهم ومشكلاتهم, ويعبِّر عن ذلك كله فؤاد البهي السيد "1975: 459" بقوله: "وهكذا ينشأ نوع غريب من الصداقة بين جيلين مختلفين، جيل يقبل على الحياة، وهو لا يدري ماذا يُخَبَّأُ له، وجيل يودعها بعد أن ابتلي بشرها ونعم بخيرها", وبالطبع فإن هذه العلاقة في المجتمعات الريفية البسيطة أقوى منها في المجتمعات الحضرية الصناعية, وذلك لوثوق الصلة بين الأجيال، والتفاعل بينها وجهًا لوجهٍ معظم الوقت, وهو ما لا يتوافر في المدينة.
وتنعكس آثار هذه العلاقة على الجيل الأوسط، أي: جيل الآباء والأمهات؛ فعندما يعامل الوالد ابنه قسوةً، يعارضه الجد ويدافع عن الحفيد, بل إن الجد قد ينتقد كثيرًا طريقة ابنه في تربية الأحفاد, وتكون استجابة الجيل الأوسط لذلك رفض تدخل الجد في تنشئة الأبناء, وقد يتطور الأمر أكثر من ذلك فيعتبر الجد المسن نقد ابنه له تقليلًا من شأنه، وعقوقًا له وحجرًا على حقِّه في حماية الأحفاد
(1/598)

والأسباط من سوء المعاملة "فؤاد البهي السيد 1975".
والترمل هو أعظم فقدان انفعالي واجتماعي للمسن, يظل يعاني منه سنوات عمره الباقية, وذلك لسببين: أولهما أن الترمل خبرة وأسلوب حياة يعانيها المرء ما بقي من عمره، وثانيهما أنه حالة ومكانة اجتماعية يعيش بها؛ فوفاة أحد الزوجين كارثة لشريك حياته، ويحتاج الأمر من الزوج وقتًا طويلًا حتى يتوافق قدر الإمكان لمكانة وأسلوب حياة جديدين, ويؤكد تراث البحوث التي أُجْرِيَتْ على التوافق النفسي للأرامل المسنين, أن فقدان الزوج يؤدي إلى هبوط الروح المعنوية مع ظهور أعراض أمراض جسمية كنقص الشهية والأرق, فإذا كان الأرمل يعاني من مشكلاتٍ صحية طويلة مثل التوتر الزائد, فإن ذلك قد يؤدي إلى تطورات أخطر مثل: أمراض القلب وانسداد الشرايين، بالإضافة إلى بعض الاستجابات النفسية غير السوية مثل: الشكوى الدائمة والشعور بالذنب والاكتئاب والرغبة في الموت, ولعل هذا يفسِّرُ لنا وفاة المسن في كثيرٍ من الأحيان عقب وفاة رفيق حياته بزمنٍ قصير "Berada, 1968", وهذا كله أكثر حدوثًا للنساء, وقد يعين المسن على تجاور المحنة أن يكون له صديق حميم "Stroabe & Strosbe 1983". وعلى أية حالٍ فإن الفروق الجوهرية بين الجنسين في خبرة الترمل تؤكد أن الرجل أكثر تعرضًا لأزمة ضغط الدور بعد فقدان دور الزوج، أما المرأة فإن أزمتها الكبرى هي فقدان الدعم العاطفي والاجتماعي.
(1/599)

التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:
تستحضر الشيخوخة معها تحديات ومهامًّا جديدة تجب مواجهتها والتوافق معها, والمسنون قد ينجحون أو يفشلون في مواجهة وتناول هذه المهامِّ النمائية, شأنهم في ذلك شأن غيرهم ممن هم أصغر سنًّا عند التعامل مع مهام الحياة الخاصة بمراحل نموهم, وبالإضافة إلى ذلك فإن أساليب التوافق أكثر اختلافًا في سنوات الشيخوخة عنها في المراحل المبكرة من الحياة, إلّا أن هذا لا يجعلنا ننكر خطورة المشكلات التي يواجهها المسنون, وأهمها تدهور الصحة، وفقدان العمل، والترمُّل، والمشكلات المالية، وفقدان المكانة الاجتماعية، والعزلة الاجتماعية, وغيرها مما يُعَدُ من المشكلات المؤرِّقة للمسنين في الوقت الحاضر، ومع ذلك فعليهم التصدي عليها, وفي الواقع فإن نجاح معظم المسنين في مواجهة تحديات الشيخوخة لا يرتبط فقط بهذه الفترة من الحياة لدى معظم الناس؛ فالشيخوخة هي فترة من النموّ النفسي المستمر، حتى في مواجهة التدهور الذي تناولناه بالتفصيل فيما سبق.
(1/599)

مهام النمو في الشيخوخة:
نبدأ بتحديد مهام النمو في هذه المرحلة, يرى إريكسون أن المرء في مرحلة الشيخوخة يمر بآخر أزمات نموِّه, وهي التي يسميها أزمة تكامل الأنا "الذات", في مقابل اليأس والقنوط "Erikson, 1963", والتكامل هنا هو تكامل انفعالي، وتجاوز لحدود الذات من خلال تقبل الفرد لحياته, ويظهر اليأس في صورة الشعور بأن الوقت صار قصيرًا جدًّا وأنه لا توجد فرصة للبحث عن طريق ٍبديل لحياة مقبولة, وكما هو الحال في المراحل السابقة يوجد في هذه المرحلة صراع داخلي, فحتّى الشخص الذي يقبل على شيخوخته بدرجة كبيرة من التكامل يشعر باليأس عند التفكير اللحظي في الموت, وكما هو الحال في المراحل النفسية الاجتماعية السابقة في نظرية إريكسون, فإن الطابع الغالب على المرحلة هو الأهم؛ فالمسن الذي يحقق لنفسه قدرًا ملائمًا من التكامل يفوق اليأس في سنوات شيخوخته تتغلب إرادة الحياة عنده على قلق الموت.
ويرتبط بمهمة تنمية تكامل الأنا عملية تُسَمَّى مراجعة الحياة life review, فمع وصول المسن إلى هذه المرحلة المتأخرة من حياته يعيد تنظيم ذكرياته، ويعيد تفسير أفعاله وقراراته التي شكلت مسار حياته في الماضي, ومن الوجهة المثالية فإن مراجعة الحياة خبرة موجبة تؤدي إلى إحداث التكامل في الشخصية؛ فبالنسبة للبعض تقود هذه العملية إلى اندماجٍ أقلٍّ للذات مع الموقف الخاص بالفرد، وإلى اهتمام أكبر بالعالم بوجه عام, وبالنسبة لآخرين يؤدي ذلك إلى الشعور بالحنين للماضي nostalgia أو الشعور بالأسف على العمر الجميل الذي فات, وعند فريق ثالث قد تولِّد هذه العملية مشاعر القلق والشعور بالذنب والاكتئاب واليأس، فبدلًا من أن يفكر الشخص في حياته كلها، يشعر بأنه خُدِعَ وأن حياته تسربت منه دون أن يستثمرها كما يجب, وغالبًا ما يستطيب المسنون مشاركة الآخرين لهم في أفكارهم عند قيامهم بعملية مراجعة حياتهم، وخاصةً الأقارب والأصدقاء، وعلى وجه أخصّ الأحفاد, فمع جلوس الجد البالغ من العمر سبعين عامًا مع حفيده المراهق في النادي يذكُر له شعوره بخيبة الأمل حين عمل بالوظيفة الحكومية مثلًا, وفي نفس الوقت يذكر شعوره بالاعتزاز لنجاح أولاده وأحفاده.
ويرى Peck "في Neugatren, 1968" أن النموَّ النفسي المستمر في سنوات الشيخوخة يتمركز على نواتج ثلاث مهامٍّ رئيسية كبرى هي:
1- التقاعد المهني: وعلى هذا, فيجب على المسن أن يكون قادرًا على إيجاد رضًا شخصيّ وقيمة للذات في المراحل السابقة.
(1/600)

2- التدهور الجسمي: فالأشخاص الذين يجدون السعادة والرفاهية أساسًا في نشاط الجسم يتعرضون لاضطرابٍ خطيرٍ بسبب التغيرات الجسمية خلال الشيخوخة, ولذا نجدهم يهتمون بهذه التغيرات إلى حَدٍّ يجعلهم يشعرون باليأس والقنوط من أنفسهم ومن حياتهم, ومن الواجب أن يغيروا اتجاهاتهم بحيث تنأى عن التركيز على النواحي الجسمية, وتنحو بهم أكثر نحو الأنشطة الإنسانية والعقلية والاجتماعية.
3- تقبُّل حقيقة الموت: كل شخص مسن عليه أن يواجه حقيقة الموت، وعلى المسلم أن يتقبل ليس فقط حتمية القضاء والقدر فيه، وإنما عليه أن يتأمَّل أيضًا معناه على أنه ليس فناءً نهائيًّا, أو إسدال الستار على الفصل الأخير كما هو الحال في بعض الفلسفات الغربية المعاصرة، وإنما هو بداية لحياة أخرى أبقى وأخلد, وقد ييسر على المسن التكيف لهذه المهمة أن يشعر بأنه حلّ أزمة الإنتاجية والتدفق في رشده من خلال خَلَفٍ صالِحٍ يرثه قيمًا وأفكارًا, وليس فقط ميراثًا ماديًّا سواء كانوا من صلبه "أولاده" أو من الأجيال الجديدة التي تدربت على يديه أثناء العمل.
ومن المهم أن نذكر أن نجاح المسن في مواجهة هذه التحديات يعتمد إلى حَدٍّ كبير، على النجاح الذي أحرزه في مهامه النمائية السابقة, فحل أزمات الشيخوخة هو تراكم لحلول الأزمات النفسية الاجتماعية العديدة التي مرَّ بها الإنسان في أطواره السابقة, وذلك كله من منظور النمو مدى الحياة.
وقد أشرنا من قبلُ إلى الصورة "المنفرة" أو "السلبية" التي تقترن بالشيخوخة في المجتمع الحديث, والحق أن مرحلة العمر الثالث للإنسان تستحضر بالفعل بعض الجوانب غير الجذابة في الثقافات المعاصرة, وبعض الدراسات التي أُجْرِيَتْ في الغرب حول الاتجاهات نحو المسنين أظهرت لنا أن الأشخاص الأصغر سنًّا يدركون المسنين على أنهم منعزلين ومتصلبين، ومتدهورين في قواهم الجسمية والعقلية, واتجاهات طلاب المدارس الثانوية والجامعات نحو المسنين ودورهم الاجتماعي في معظمها سالبة، وكلما ازداد الشخص تقدمًا في السن كانت صورته أقل جاذبية للأصغر سنًّا "Tuckman & Lorg, 1953" إلّا أنه لحسن الحظ ليست الصورة بهذا السوء في ثقافتنا العربية والإسلامية؛ ففي دراسة قام بها طلعت منصور "1987" على المجتمع الكويتي, توصل إلى نتيجة عامة خلاصتها: وجود اتجاه إيجابي عام نحو المسنين أظهره الشباب والراشدون المبكرون والراشدون في
(1/601)

طور منتصف العمر, وبالطبع كان اتجاه المسنين أنفسهم نحو التقدم في السن إيجابيًّا أيضًا, ومعنى ذلك أن الثقافة العربية الإسلامية تهيئ للمسنين فرصةً لحل أزمة تكامل الأنا, في مقابل اليأس والقنوط في الاتجاه الإيجابي "أي: تكامل الأنا", وأن دور المسنين لا يتناقص في هذه الثقافة, بل ربما يزداد أهميةً وقيمةً وقدرًا، وهي نتيجة تتفق مع تحليلنا اللغوي في الفصل السابق لمعنى الشيخوخة والشيخ.
أما بالنسبة للمسن نفسه, فإن من أصعب الأمور عليه أن يصف نفسه بأنه "مسن" أو "عجوز", فقد أوضحت بعض الدراسات أن حوالي نصف المفحوصين في إحدى الدراسات التي أُجْرِيَتْ على عينة أعمارها 65 فأعلى, صنَّفوا أنفسهم في طور وسط العمر "Brodzinsky, et al., 1988", إلّا أنه لسوء الحظ قد يتفق بعض المسنين مع بعض الأنماط الثقافية الشائعة عن الشيخوخة, فهم أنفسهم حملوا هذه الصور النمطية معظم حياتهم, وأطلقوها على غيرهم من المسنين حين كانوا هم أصغر سنًّا, ومهما حاول المسنون إخفاء الحقيقة، وعلى الرغم من الصور النمطية لا بُدَّ للمسن أن يأتي عليه حِينٌ من الدهر يواجه فيه مطالب الواقع, ويعترف بأنه "مسن", وأن يكيف مفهومه لذاته تبعًا لذلك, وتدخل في هذا التحديد عدة عوامل أهمها:
1- الوعي بالمعايير الاجتماعية: فما يجعل المرء أكثر وعيًا بتقدمه في السن بلوغ المعاش, أو حصوله على الضمان الاجتماعي, أو بلوغه المكانة التي يُطْلَقُ عليها في الغرب "المواطن الكبير" Sinior citizen أو في ثقافتنا العربية الإسلامية "الشيخ".
2- التفاعل الاجتماعي: فحين يتخلّى شاب عن مقعده لآخر في الأتوبيس, فإن ذلك مثالٌ نموذجيٌّ للتفاعل الذي يحدد عمر الإنسان, ومن ذلك أيضًا التعبير عن التبجيل, وقد يكون التعبير عن المعاونة أوضح الأمثلة, ومن ذلك أن يقدم شخص ذراعه لآخر يستند إليها وهو يهبط السُّلَّمَ، أو تخصيص مقعد أمامي له في حفلٍ حتى يستطيع أن يستمع, ومن علامات التبجيل الوقوف عند دخول المسن إلى مكان عام, وقد تكون هناك بعض صور التعبير عن الازدراء؛ كأن يقول شاب لشخص أكبر منه سنًّا "عيب يا جدو", فإن ذلك كله من صور التفاعل الاجتماعي الدال على التقدم في السن.
(1/602)

3- التركيب العمري للمجتمع: فإذا كان متوسط الأعمار في ازديادٍ فإن الشخص الذي يُعَدُّ في مرحلة الشيخوخة, ربما يكون الآن في عمر أكبر مما عليه الحال في مجتمع متوسط الأعمار فيه أقل, فكيف يصف شخص نفسه أنه في مرحلة الشيخوخة وهو في سن الستين, بينما توجد نسبة كبيرة من السكان في السبعينات أو الثمانينات من العمر.
4- الشعور الذاتي: على الرغم من أن التعريفات الاجتماعية تسهم في الوعي بالعمر، إلّا أن هناك دائمًا الحكمة القائلة بأنك "شاب طالما أنك تشعر بذلك", وهذا يعني أن المحكات الذاتية أو السيكولوجية هي الأهم؛ فاعتقاد الشخص أنه يستطيع أن يتعلم "وقد يلتحق بإحدى مؤسسات تعليم الكبار لهذا الغرض" أو أنه ليس في حاجة للاعتماد على أحد "الاستقلال"، تُعَدُّ مؤشرات على عدم الشعور بتدهور الشيخوخة, وفيها إنكارٌ لأثر التقدم في السن, ومثل هذا الشخص حين يسأل عن عمره بالإنجليزية يقول بأنه "eighty years young" 1، والأشخاص الذين لديهم مثل هذا الاتجاه لا يتأثرون نسبيًّا بالتقاعد من العمل أو شيب الشعر، فهم لا يشعرون بالشيخوخة إلّا إذا سقطوا صرعى المرض, أو تعرضوا لمشكلة توافق صعبة مثل: وفاة شريك العمر.
__________
1 هذا على عكس التعبير الإنجليزي التقليدي وهو eighty years old.
(1/603)

عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:
أُجْرِيَتْ دراساتٌ لتحديد العوامل التي تميز بين التوافق الجيد والسيئ عند كبار السن، ونتائج البحوث تفصيلية إلى حد يصعب إيجازه، ومع ذلك نستطيع القول بصفة عامة: إن أهم هذه العوامل هي: الصحة العامة، الوضع الاقتصادي، المشاركة في الحياة العامة، الهوايات, المحافظة على الروابط الأسرية والاجتماعية، وجود اتجاهات موجبة نحو الذات ونحو المستقبل.
إلّا أن العلاقات بين هذه العوامل وتوافق المسنين ليست بسيطة وواضحة كما تبدو لأول وهلة، فهي مثلًا تختلف باختلاف المستويات الاقتصادية -الاجتماعية, ومن ذلك مثلًا أن زيادة الأصدقاء والأبناء والأحفاد ترتبط ارتباطًا موجبًا بالروح المعنوية عند المسنين من المستويات الاقتصادية -الاجتماعية الدنيا. وأن ما يعين على التوافق الجيد لدى المسنين من الطبقة المتوسطة ليس المشاركة المستمرة, وإنما الانعزال التدريجي.
(1/603)

ولتحديد أنماط التوافق لدى المسنين قام "Richard, et al., 1962" بدراسة طولية هامة أُجْرِيَتْ على 78 رجلًا امتدت أعمارهم عند بداية البحث بين 55، 84 عامًا نصفهم من المتقاعدين تمامًا, ونصفهم الآخر لم يتقاعدوا كليةً, وكان الهدف من الدراسة تحديد أثر التقاعد بالإضافة إلى التغيرات في الشخصية مع التقدم في العمر, وكلاهما من خصائص توافق المسنين, ولعل من أهم نتائج هذا البحث أنه أضاف أبعادًا جديدة إلى مسألة التوافق الجيد للمسنين؛ فقد أوضح التحليل التجمعي لمعاملات الارتباط بين المسنين عندما صنفوا إلى مجموعتين؛ إحداهما تتسم بالتوافق الجيد, والأخرى بالتوافق السيئ, في 115 متغيرًا من متغيرات الشخصية, وجود ثلاثة أنماط أساسية من التوافق السيئ، ونمطين أساسيين من التوافق السيئ، بالإضافة إلى عدد من الأنماط الفرعية, وكانت الأنماط الثلاثة للتوافق الجيد هي:
1- النمط الناضج mature, ويشمل هؤلاء الأشخاص الذين يتميزون بالواقعية والمرونة واليسر في التعامل مع الذات والآخرين، وهم أكثر الأفراد تحقيقًا لما يُسَمَّى الشيخوخة السعيدة.
2- نمط الكرسي الهزاز rockign-chair, ويشمل أولئك الذين يعتمدون على غيرهم "وخاصة شريك العمر أو أحد الأبناء", ويتَّسم الشخص الذي يعتمد عليه المسن عادةً بالسيطرة في علاقته به. ويستمتع المسنون من أصحاب هذا النمط بهذه العلاقة الاعتمادية.
3- النمط المدرع armored, ويشمل الذين تسيطر عليهم حيلهم الدفاعية ضد القلق، ويظلون قادرين على ممارسة نشاطهم على النحو المعتاد في المجتمع, وفي العلاقات الاجتماعية لأسباب دفاعية في جوهرها, إنهم يشغلون أنفسهم كثيرًا حتى يتجنبوا التفكير في الموت أو في تقدمهم في السن, وطالما ظل هؤلاء قادرين على الاستمرار في نشاطهم وإيجابيتهم, فإنهم يستطيعون التوافق مع سنوات الشيخوخة.
أما النمطان الأساسيان للتوافق السيئ فهما:
1- النمط الساخط angry, وهم الذين يظهرون المرارة والعداوة ويلومون الآخرين على متاعبهم ومصاعبهم، ويوجهون عداوتهم في الأغلب نحو من هم أصغر سنًّا.
(1/604)

2- النمط الكاره للذات self-hater, وهو الذي يوجه العداوة إلى نفسه, فيشعر بعدم الكفاية, ويفقد شعوره بقيمته, مما يؤدي به إلى الاكتئاب والانقباض, ويدرك هؤلاء أنفسهم ضحيةً للظروف السيئة التي تعرضوا لها، وقد يشعرون بكثيرٍ من الندم على ما فات, وإسرافهم على أنفسهم في الماضي, وقد يطلبون الموت تحررًا من شعورٍ حادٍّ بالقنوط.
وقد توصَّلَ بحث آخر قام به "Neugarten, et al., 1968" إلى نتائج تتفق جزئيًّا مع النتائج السابقة, فقد حدد هذا البحث أنماط توافق المسنين في أربعة أنماط للشخصية, هي استمرار لما كانت عليه عبر مدى الحياة, وتنتقل إلى المسن في مرحلة الشيخوخة وهي:
1- النمط المتكامل: وهو أقرب للنمط الناضج السابق؛ فأصحابه يقررون لأنفسهم أنماط نشاطهم وطريقتهم في التوافق, ولديهم نمط شخصية سوي, كما يمكنهم إعادة تنظيم أنماط سلوكهم حسب ضرورات المواقف المتغيرة، وبالتالي فهم أكثر المسنين توافقًا, وقد يكون هؤلاء من ثلاثة أنماط فرعية.
أ- نمط إعادة التنظيم: وهم المسنون ذوو أفضل درجة من التوافق في الحضارة الصناعية المعقدة الحديثة؛ فهم يعيدون تنظيم حياتهم مع التقدم في السن بحثًا عن أنشطة وأدوار جديدة تحلُّ محلَّ القديم والمفقود منها.
ب- النمط المتبأور focused: وهم الذين يحدون من نطاق نشاطهم تدريجيًّا مع التقدم في السن، وبذلك يفضلون تركيز طاقتهم وبلورة انتباههم على الأنشطة التي يستمتعون بها في طور الشيخوخة والتخلي عما سواها.
جـ- نمط التحرر من الالتزام: وهم الذين يحققون المواصفات التي تتوافر لدى أولئك الذين تصفهم نظرية كاننج وزملائه, التي وصفناه في الفصل التاسع عشر، وبحوثهم التي سنعرض لها بعد قليل. ويإيجازهم أولئك الذين يختارون إراديًّا البعد عن بعض الأدوار الاجتماعية, ولكنهم في نفس الوقت لديهم اهتمام بالعالم المحيط بهم, وهم على درجة من القدرة على توجيه الذات, ولديهم تقدير عام لأنفسهم.
2- النمط المدَّرع أو الدفاعي: وهو أقرب إلى نظيره في البحث السابق, وأصحابه لديهم قدرة كبيرة على التحكم في دوافعهم سعيًا لبناء نظام دفاعي قوي
(1/605)

ضد قلق الشيخوخة, ويوجههم دافع الإنجاز, ولديهم شعور قويٌّ بالرضا عن حياتهم، ولذلك يظلون على درجة كبيرة من النشاط منكرين أنهم يتقدمون في السن, ويوجد نمطان فرعيان من هذه الفئة الأساسية:
أ- النمط الباسط: وهم الذين يواصلون أنشطة طور منتصف العمر، فلا تتغير نظرتهم إلى الحياة, أو طبيعة الأعمال التي يقومون بها, أو ملابسهم, أو طعامهم, وغير ذلك من المظاهر التي تدل على أنهم أصغر سنًّا, وهؤلاء يدركون التقدم في السن تهديدًا لتقدير الذات.
ب- النمط القابض: وهؤلاء أكثر من النمط السابق شعورًا بقلق الشيخوخة، ويعانون من مشاعر الخوف من تصنيفهم في فئة المسنين، ولهذا يركزون كل طاقتهم على أن يكون مشاعرهم ومظهرهم ونشاطهم من النوع الذي يصدر عمن هم أصغر سنًّا.
والنمط المدرع أو الدفاعي بنوعيه يظل نمطًا للتوافق الجيد طالما ظلت حيله الدفاعية ضد الشيخوخة ناجحة، فإذا انهار هذا النمط الدفاعي تدهور توافقهم وأصبحت درجة رضائهم عن الحياة وأسلوب حياتهم عرضة للانهيار أيضًا.
3- النمط الاعتمادي: وهذا النمط لا يتطابق تمامًا مع نمط الكرسي الهزاز السابق وصفه؛ فقد توصلت نتائج نيورجارتن وزملائه إلى نمطين فرعيين فيه وهما:
أ- نمط البحث عن المساعدة ويطابق نمط الكرسي الهزاز، وفيه يعتمد المسن على الآخرين، ويكون مستوى نشاطه بدرجة متوسطة طالما أن هناك من يوجهه ويعاونه في ذلك.
ب- نمط التبلد apathetic ويشمل أولئك الذين يعتمدون كليةً على الآخرين للقيام بأي مهمة, وهم سلبيون تمامًا وأدوارهم قليلة للغاية.
وهذا النمط بنوعيه يتسم أصحابه بأن درجة رضائهم عن حياتهم متوسطة, وهم أيضًا على درجة متوسطة من التوافق مع الشيخوخة.
4- النمط غير المتكامل أو المضطرب: وهؤلاء يعانون من نقائص شديدة في نشاطهم النفسي، فتختل وظائفهم العقلية المعرفية كما تضطرب وظائف الأنا لديهم, ومعظمهم يعيش على هامش الحياة الاجتماعية، ويكون أقرب إلى الحالات التي تحتاج إلى الإيداع في المؤسسات, وبالطبع فهم أسوأ صور التوافق
(1/606)

مع الشيخوخة، ودرجة رضائهم عن حياتهم منخفضة، وفي أحسن حالاتها تكون متوسطة.
وهذه الأنماط كما ذكرنا لا تظهر فجأة في مرحلة الشيخوخة، ولكنها تراكم تتابعي لخبرات الحياة السابقة, ولذلك فإنه تبعًا لمنطق نيوجارتن وزملائه, فإن الإنسان في المراحل المتأخرة من حياته يصبح "أكثر شبهًا بنفسه"؛ حيث تصبح سماته السلبية والإيجابية أكثر وضوحًا تحت "مجهر الشيخوخة".
وفي دراسة طولية أخرى مداها خمس سنوات قام "Cumming Henry" "1961 بدراسة 275 مسنًّا مودعين في المؤسسات, وقد وجد الباحثان نمطًا مشتركًا لديهم جميعًا هو التحرر من الالتزامات, وقد عرف ذلك بأنه عملية انسحاب متبادل بين المسن والمجتمع الذي يعيش فيه؛ فمع تحلل المسن تدريجيًّا من مسئولياته الاجتماعية تقل مكانته وتضعف أدواره الاجتماعية بنفس الدرجة, وحين تكتمل هذه العملية يظهر توازن جديد بين الفرد والمجتمع، وتصبح علاقة المسن بالآخرين من النوع الذي تزيد فيه المسافة النفسية ويقل فيه التفاعل الاجتماعي, وقد اعتبر الباحثون هذه العملية -كما أشرنا في الفصل السابق- خبرة إيجابية للمسن ما دامت هذه المرحلة من النمو الإنساني تتسم بضعف المدخلات الحسية وزيادة الانطوائية وزيادة القرب من الموت، وعندئذ يصبح نقص الاستثمار الانفعالي في الناس والأحداث سلوكًا تكيفيًّا, وقد تعرضت هذه النتائج التي أقيمت عليها نظرية التحرر من الالتزامات للنقد، كما أشرنا في الفصل السابق، وعلى كلٍّ, فإنها في أحسن حالاتها هي أحد أنماط توافق المسنين، ولكنها ليست النمط الوحيد أو الأفضل؛ فالمسن جيد التوافق كما بينت الدراسة السابقة هو الذي يظل نشطًا, وقد أكدت دراسات كثيرة بالفعل أن المسنين الذين يستمرون في نشاطهم الاجتماعيّ أكثر سعادة من الذين ينسحبون من الحياة الاجتماعية, بل إن الظروف الاجتماعية السابقة التي كانت تدفع المسنين الذين يستمرون في نشاطهم الاجتماعي أكثر سعادة من الذين ينسحبون من الحياة الاجتماعية, بل إن الظروف الاجتماعية السابقة التي كانت تدفع المسنين إلى بيئاتٍ مقيدة كالمؤسسات, وتفرض عليهم الانسحاب, قد تغيرت لأسباب كثيرة منها: التقاعد المبكر والاختياري، وتحسين ظروف الرعاية الصحية، وتطوير تشريعات التأمين الاجتماعي, وارتفاع المستويات التعليمية, وقد فتح ذلك كله الأبواب لمزيد من النشاط للمسنين, ولعل ظهور النظرية المناهضة -أي نظرية النشاط- دليل على ذلك "راجع الفصل التاسع عشر".
صحيح أن من أهم معالم مرحلة الشيخوخة انشغال المسن بحياته الداخلية والخاصة, ويزداد هذا الاهتمام مع التقدم في السن, حتى أن بعض الباحثين
(1/607)

يعتبرون هذا التوجه المتزايد نحو الداخل interiority, أو نحو التمركز حول الذات egocenterism تغيرًا نمائيًّا تتسم به هذه المرحلة، وهو إذا زاد كثيرًا أصبح من علامات "الانتكاس في الخلق" والذي أشار إليه القرآن الكريم، وبالتالي يدفع صاحبه دفعًا إلى طور حياته الأخير؛ أي: أرذل العمر؛ فالتمركز حول الذات حينئذ يصبح أشبه بحاله في طور المراهقة، وقد يتطرف ليصبح مطابقًا لما هو عليه في طور الطفولة, إلّا أن الدرجة العادية من التمركز حول الذات في مرحلة الشيخوخة تدفع المسن إلى الاهتمام بمشكلاته الفردية أكثر من الانشغال بمشكلات الآخرين من حوله, أو العالم المحيط به, مع وجود بعض الوعي بالآخرين والعالم الخارجي.
وبالطبع إذا حدثت عملية تحرر الفرد من التزاماته الاجتماعية متآنيةً مع تحرير المجتمع للفرد من هذه المسئوليات وخفض أدواره فيها, فإن ذلك قد يؤدي إلى توافق جيّد للمسنين, أما إذا قطعت صلات الشخص بالمجتمع قبل الأوان؛ كما يحدث في حالات التقاعد الإجباري المبكر، تنشأ حينئذ مشكلات التوافق؛ فحدوث هذا التحرر من الالتزام تدريجيًّا يؤدي في النهاية إلى شعور الفرد بالرفاهية السيكولوجية والرضا عن حياته مهما تقدم به السن, وبالطبع يتطلب ذلك دائمًا أن يواصل الفرد نشاطه الذي قد يتطلب بالطبع تغييرًا كميًّا أو كيفيًّا أو هما معًا فيه, والمهم في جميع الحالات أن ندرك أن توافق المسن حتى يحقق لنفسه شيخوخة ناجحة يعتمد على نمط شخصيته, والأسلوب طويل الأمد الذي رسم حياته كلها.
من السهل الوصول مما سبق إلى تعميمٍ معقولٍ حول الأساليب الملائمة للتوافق الجيد عند المسنين, إلّا أن الأمر لا يزال في حاجة إلى مزيدٍ من البحث, وخاصة في بيئتنا المصرية وغيرها من البيئات العربية, وأهم ما في الأمر أن النتائج التي توصلت إليها البحوث التي أجريت في هذا الميدان تؤكد إمكانية الوصول إلى التوافق الجيد خلال هذ الفترة من العمر, كما أن خبرة الحياة تؤكد وجود أمثلة كثيرة لأشخاص يستمرون في حياة خصبة نامية متطورة بالرغم من تقدمهم في السن, وهكذا فليس التوافق السيئ ملازمًا حتميًّا للشيخوخة.
سمات الشخصية: من أشهر البحوث التي تناولت الشخصية وعلاقتها بالعمر, تلك التي قام بها "Richard, et al., 1962" والتي عرضنا بعض نتائجها فيما سبق، ونعود فنقدم مزيدًا من تفاصيل نتائج هذه الدراسة الهامة لتحديد سمات شخصية المتقدمين في السن.
(1/608)

لقد تألفت عينة هذا البحث كما قلنا من عينتين أساسيتين؛ إحداهما تقاعدت بالفعل, والأخرى لا زالت تعمل؛ سواء كل الوقت أو بعضه، وكانوا جميعًا من المتطوعين, وربما كانوا من الأشخاص الأكثر توافقًا من غيرهم من المسنين, وبالمقارنة بين المتقاعدين والعاملين من كبار السن وجد الباحثون أن أعضاء الفئة الأولى كانوا أقل نشاطًا في الترويح, ولكنهم أكثر نشاطًا في الأعمال المنزلية والزيارات الاجتماعية والقيام بالهوايات الإنتاجية, كما أظهروا ميولًا سياسية تتساوى مع زملائهم العاملين، إن لم تزد عليهم، وخاصةً فيما يتصل بالمعاشات والأجور والمسائل الاقتصادية, ويبالغ الشخص العامل في قيمة وقت الفراغ أثناء التقاعد, ويقلل من شأن مزايا العمل والكسب, وكثير من الأشخاص العاملين كانوا على درجةٍ من القلق حول تقاعدهم, بينما كان قليل من المتقاعدين على درجةٍ من القلق بسبب عدم العمل, وكانت شكواهم في جوهرها بسبب نقصان المصادر المالية.
ولم يظهر البحث فروقًا كبيرة بين العاملين والمتقاعدين في الصحة الجسمية، وبالطبع فإن المتقاعدين كانوا أكثر قابلية للتعب, وأضعف بنيانًا من الناحية الجسمية، ومع ذلك فقد كان توافق المتقاعدين الصحي أكبر، وذكروا أنهم أفضل صحة مما كانوا عليه من قبل, وليس معنى هذا أنهم لم يظهروا اهتمامًا شديدًا بالصحة أو مشكلاتهم الصحية، وإنما بدوا أقل قلقًا حول صحتهم من المجموعة الأصغر سنًّا، وكانوا يدركون عمرهم المتقدم إنجازًا في ذاته, وشيئًا يفخرون به ويعتزون, وكان قلق الموت أقل عند الفئة الأكبر سنًّا، كما كانت هذه الفئة أقل سلبية واعتمادًا في علاقتهم بالآخرين, كما كانت أكثر مسئولية، وأقل دفاعية، وأقل شكًّا، وأقل حساسية في العلاقات الاجتماعية, وكان الانطباع العام عنهم أنهم أكثر انفتاحًا وثقةً واطمئنانًا واستقرارًا، وأقل عدوانيةً نحو المرأة "العينة كانت من الرجال" وأكثر اجتماعية، كما كانت هذه المجموعة أقل عجزًا وضعفًا واكتئابًا وتشاؤمًا وانعزالًا.
ومن هذه النتائج يبدو أن الفترة الحرجة في التوافق الشخصي للإنسان ليس في التقاعد ذاته، وإنما في الفترة السابقة مباشرة عليه؛ ففي هذه الفترة يصبح الأفراد أكثر توترًا، ومعنى ذلك أن المشكلة ليست في "كينونة الشيخوخة", أي: أن يصبح الشخص مسنًّا وإنما في "صيرورة الشيخوخة"، أي: توقع الشخص الأصغر سنًّا لما سيؤول إليه حاله عند التقدم في السن, وهذه التوقعات قد لا تكون صحيحة.
(1/609)

ومن الدراسات المستعرضة الهامة أيضًا حول شخصية المسنين دراسة "Swinson, et al., 1973" وفيها طبقوا اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية على عينة كبيرة من الراشدين المترددين على إحدى العيادات الخارجية, ولم تشمل العينة أحدًا من المرضى، فقد استبعدت جميع الحالات الكلينيكية, واقتصرت الدراسة على المسنين الذين يقعون في نطاق السواء النفسي, وأظهرت الدارسة أن توهم المرض يصل إلى قمته في سن الأربعين والخمسين, وتؤكد هذه النتيجة أن التقرير الذاتي عن وجود شكاوى مرضية كما يقيسها هذا البعد في الاختبار هو عملية تكيفية دفاعية, وما يحدث بالفعل أن توقع تدهور الصحة "توهم المرض" يتبعه تدهور صحي حقيقي, كما أكد البحث أنه لا يوجد دليلٌ على الزيادة في سمة الاكتئاب مع التقدم في العمر, وكذلك فإن كلًّا من الهوس الخفيف والوهن النفسي يتناقصان تناقصًا واضحًا مع العمر, ويبدو من نتائج هذا البحث أن الشيخوخة التي تبدو من منظور الشباب مخيفة ومفزغة ليست كذلك بالفعل عند المسنين الأسوياء, صحيح أن هذه الصورة الإيجابية تختلف كليةً عند المسنين المرضى، وهذا موضوع سوف نتناوله بالتفصيل في الفصل القادم الذي يتناول طور أرذل العمر.
(1/610)

ميول المسنين:
لا تظهر في مرحلة الشيخوخة ميول جديدة، وإنما يتم التركيز على الميول التي سبق اكتسابها في مراحل العمر السابقة، ويختار المسن منها ما يحقق له إشباعًا أكبر في مرحلة عمره الجديد, وبالطبع فإن بعض ما كان يحقق إشباعًا في الماضي لم يعد كذلك بسبب ضعف الصحة وظروف الحياة ونقص الحياة ونقص الموارد وقلة الأصدقاء.
وتوجد علاقة بين عدد الميول وأنواعها من ناحية, ونمط التوافق للشيخوخة من ناحية أخرى, وبالطبع إذا ضاق نطاق ميول المسن نتيجة لعوامل إرادية, أي: بسبب وعيه بظروف الصحية والاقتصادية مثلًا, فإنه يكون أكثر تكيفًا من المسن الذي يجبر على ذلك بسبب الاتجاهات السلبية إزاءه؛ كأن ترفض الجماعة التي ينتسب إليها مشاركته في الأنشطة التي يحبها.
وكذلك إذا كان المسن يشعر أنه قد آن الآوان لإعطاء جيل "الشباب" الفرصة في تحمل المسئولية, تكون اتجاهاته أكثر إيجابية نحو قيامه بدور المشارك السلبي من ذلك الذي يرغب في المشاركة الإيجابية, ثم يجبر على عدم المشاركة نتيجة
(1/610)

الاتجاهات الاجتماعية السلبية نحو الشيخوخة.
ويزداد في هذه المرحلة اهتمام المسن بذاته, وخاصة حول ما يشعر به ويريده مع تقدمه في السن, ويتحول كما قلنا من قبل إلى التمركز حول الذات -وهو مرة أخرى سلوك طفولي- بحيث يفكر في نفسه على نحوٍ أناني أكثر مما يفكر في الآخرين، كما يصبح أقل قدرة على إدراك الآخر, وتشغله في تمركزه حول ذاته صحته الجسمية "حتى ولو كان سليم البدن"، كما تدور أحاديثه حول نفسه وخاصة حول ماضيه وذكرياته, ولعل هذا الاهتمام المبالغ فيه بالذات أحد مصادر الاتجاهات الاجتماعية السالبة نحو المسنين, وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك, ودعا إلى تسامح الصغار مع المسنين في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23،24] .
ومع التقدم في السن يتناقص الاهتمام بالمظهر, ومن الطريف أن الفروق بين الجنسين في هذا الجانب هي عكس اتجاهها في مراحل الشباب والرشد؛ فهو أكثر حدوثًا في هذه المرحلة بين الرجال أكثر من النساء, ومن ناحيةٍ أخرى يزداد الاهتمام بالمال الذي تكون عادةً قد خفَّت حدته في مراحل الرشد, ولعل السبب في ذلك قلق المسن على مستقبله الاقتصاديّ نتيجة نقص موارده بالتقاعد.
أما عن الميول الترويحية في الشيخوخة فعادةً ما تكون شبيهةً بما كانت عليه في مرحلة وسط العمر، ولا يطرأ عليها تغيير يذكر إلّا في حالات الضرورة, ومن النادر أن ينمي المسن ميولًا ترويحية جديدة, إلا أنه قد يخصص وقتًا لم يكن متاحًا له من قبل لنشاط كان يحبه في شبابه, ومع توافر الوقت في مرحلة الشيخوخة يصبح من الممكن له أن يمارسه.
وأكثر الهوايات شيوعًا لدى المسنين القراءة وكتابة الخطابات والاستماع إلى الراديو ومشاهدة التليفزيون والأعمال المنزلية والأشغال اليدوية، وزيارة الأقارب، والسفر، والمشاركة في الأنشطة الدينية والسياسية والمحلية, وما يحدد مشاركة الفرد في بعض هذه الأنشطة يتوقف على عوامل كثيرة؛ منها: الصحة الجسمية والظروف الاقتصادية ومستوى التعليم والجنس.
(1/611)

التغيرات في السلوك الاجتماعي:
لقد أشرنا من قبل إلى الفرضين الشائعين اللذين يفسران السلوك الاجتماعي في مرحلة الشيخوخة, وهما فرض التحرر من الالتزامات وفرض النشاط, وقد استعرض "Kahan, 1982" البحوث التي أجريت حول الموضوع, والتي أكدت أنهما لا يرتبطان مباشرةً بارتفاع الروح المعنوية والرضا عن الحياة لدى المسنين, والواجب أن نحدد مجموعة عوامل رئيسية تحدد السلوك الاجتماعي في هذه المرحلة وأهمها ما يلي:
1- التمييز بين الانسحاب التطوعي "الاختياري" والانسحاب الإجباري: فاختيار المسن للعزلة أو المشاركة يجعله في الحالتين أكثر سعادةً بحياته, وأكثر رضا عنها إذا قورن بمن يجبر على أحدهما بسبب ظروفه الشخصية أو العوامل الخارجية المحيطة به.
2- المعنى الذاتي للتكامل الاجتماعي لدى المسنين: فبعضهم يعتبر الاندماج مع الأشخاص الآخرين والمؤسسات الاجتماعية له أهمية كبرى، ومن خلال هذه الأنشطة ينمون معنى الهوية لديهم ويحافظون عليه, ومن ذلك مثلًا المدرس الذي رغم تقاعده يواظب على حضور اجتماعات مدرسته, ويظل نشطًا في العمل المهني للنقابة, وقد يكون عكس ذلك كله هو الأكثر أهميةً لدى البعض الآخر من المسنين.
3- نوعية العلاقات الاجتماعية: تؤكد نتائج البحوث أن تكرار المشاركة الاجتماعية في ذاته مؤشر ضعيف على الرضا عن الحياة والروح المعنوية لدى المسنين، والأكثر أهمية من عدد الصلات الاجتماعية, أو عدد الجماعات التي ينتمي إليها المسن عامل نوعية العلاقات الاجتماعية التي يمارسها, وقد تأكد وجود ارتباط وثيق بين السلوك الاجتماعي الناجح في الشيخوخة ووجود بضعة أصدقاء ورفقاء حميمين وثيقي الصلة بالمسن, ولعل أكثر الرفقاء أهميةً لديه -بعد شريك حياته- الأصدقاء والأبناء والإخوة. وبصفة عامة فإن تأثير البنات والأخوات الأصغر سنًّا بالغ الأثر, وخاصة في القيام بدور الدعم والمساندة, سواء كان المسن من الرجال أو النساء.
أما بالنسبة لصداقات المسنين، فإن شأنها شأن صداقات الراشدين لم تجر عليها بحوث كافية، إذا قورنت بصداقات الأطفال والمراهقين, ومع ذلك فإن خبرة الحياة اليومية تؤكد لنا الدور الهام للصداقات في مختلف الأعمار؛ فالصداقة
(1/612)

تقوم بوظائف عديدة؛ مثل المشاركة الوجدانية والتقبل والدعم الوجداني أثناء الأزمات، والثقة والاحترام المتبادلين, بالإضافة إلى ما يقدمه الأصدقاء من مساعدة ونصيحة وخدمات, وما يهيئونه من فرص لاستشارتهم وتقديمهم المعلومات والخبرة, وفي رأينا أن هذه جميعًا تزداد الحاجة إليها مع التقدم في السن, ولعل ذلك يفسر لنا لماذا يختار المسنون أصدقائهم من أقرانهم في العمر، كما يفسِّر لنا لماذا يكون رضا المسنين عن حياتهم أكثر ارتباطًا بالتفاعل مع الأصدقاء منه بالتفاعل مع الأقارب.
إلّا أن المشكلة الحقيقية هي أن المسنين يعانون بالفعل من تحديد نطاق عالمهم الاجتماعي تدريجيًّا مع التقدم في السن؛ فتقل علاقاتهم الاجتماعية بسبب فقدان زملاء العمل، وموت الأقارب والأصدقاء, ورفيق "أو رفيقة" العمر, كما يحد من مشاركتهم الاجتماعية ضعف الصحة والأحوال المالية والاتجاهات الاجتماعية غير الملائمة نحوهم, وتوجد ثلاثة أنواع من العلاقات الاجتماعية تتأثر خاصةً في الشيخوخة, هي العلاقات الشخصية الحميمة "بالزوج أو الزوجة، الأخوة والأخوات وصداقات الطفولة والشباب الحميمة"، وشِلَلِ الأصدقاء، والجماعات المنظمة "كالأندية", وحالما تتعرض هذه العلاقات للانهيار يستحيل تعويضها خلال هذه المرحلة.
ومن الملاحظ أن المرأة تحتفظ بصداقاتها وعلاقاتها الاجتماعية فترةً أطول من الرجل, ويرجع السبب في ذلك إلى أن صديقات المرأة هن في العادة من جيرانها، أما أصدقاء الرجل فهم في الأغلب من زملاء العمل الذين يعيشون في أماكن متفرقة، والذين لا يربطهم اهتمام مشترك بعد التقاعد.
إلّا أن على وجه العموم يمكن القول أنه مع اهتمام المسن بذاته يتناقص اهتمامه بالنشاط الاجتماعي, وتضيق دائرة علاقاته الاجتماعية تدريجيًّا، فيفقد الاهتمام أولًا بمعارفه ثم أصدقائه، وتقتصر ميوله الاجتماعية على أسرته المباشرة, وتمتد هذه الميول إلى مختلف الأجيال في هذه الأسرة, وقد يتركز هذا الاهتمام على الصغار، أي: الأحفاد, ولعل من الملاحظات المألوفة أن نجد الجد والحفيد يقضيان معًا وقتًا أطول مما يقضيه كلٌّ منهما مع باقي أفراد الأسرة.
السلوك السياسي: تظهر لنا خبرة الحياة اليومية أن الشباب أكثر تحررًا في اتجاهاتهم السياسية، ومع مرور الزمن وتحوّل الإنسان إلى الرشد ثم الشيخوخة, تتغير هذه الاتجاهات إلى القطب المضاد، أي: المحافظة, إما لأن الخبرة والحكمة
(1/613)

التي يكتسبها المتقدمون في السن تجعل إدراكهم للطبيعة البشرية أكثر دقة "كما يقول المحافظون", أو لأنهم حققوا أهدافهم في الحياة وأصبحوا أكثر أمنًا واستقرارًا عن ذي قبل، ولهذا يرغبون في المحافظة على الأوضاع القائمة "كما يقول المتحررون"، إلّا أننا نضيف سببًا ثالثًا في ضوء الأدوار الاجتماعية، فالتزام الشباب بقيم التطور والتغيير في المجتمع سرعان ما يتضاءل مع زيادة مسئولياته الاجتماعية, مع انتقاله إلى المراحل التالية، وخاصةً مسئولياته داخل الأسرة؛ فالدفاع عن حقوق "الكادحين" والمقهورين -وهو شعار اليساريين في الأغلب- تخبو جذوته تدريجيًّا, ويفتر الحماس له, ويحل محله القلق على مستقبل الأسرة.
ويكشف التحليل الدقيق لتغير الاتجاهات السياسية مع التقدم في العمر عن أن سيطرة الاتجاهات المحافظة لدى المسنين يرجع في جوهره إلى المستوى التعليمي؛ فالأشخاص الأرقى تعليمًا يتجهون إلى قطب التحرر، بينما يتجه ذوو التعليم المنخفض إلى قطب المحافظة, وبالطبع تلعب الظروف الثقافية التي يعيش فيها كلُّ جيل دجورها في تكوين هذه الاتجاهات؛ فكل جيل يتعرض في نفس الوقت ونفس العمر لأنماطٍ مشتركة من التعليم والحياة الاجتماعية والظروف الاقتصادية والحروب والأزمات السياسية، ولهذا فإن درجة التحرر أو المحافظة في كل جيل جديد تعكس هذه الخبرات المشتركة, وفي ضوء هذا التحليل يمكن أن نحدد ونحن في نهاية القرن العشرين أربعة أجيال مختلفة في مصر المعاصرة1 باعتبار ثورة 23 يوليو 1952 النقطة المرجعية في هذا الصدد، هذه الأجيال الأربعة هي:
1- جيل ما قبل صورة 23 يوليو 1952, وهم أولئك الذين كانوا في طور الرشد الأوسط أو مطلع الشيخوخة عند قيام هذه الثورة, وهم الآن في السبعينات أو الثمانينات من العمر، وربما بلغ بعضهم طور أرذل العمر الذي سنتناوله في الفصل القادم, والطابع الغالب على هذا الجيل هو المحافظة.
2- جيل صناع ثورة 23 يوليو 1952, وهم الذين كانوا في شبابهم أو رشدهم المبكر عند قيام هذه الثورة, وهم الآن في طور الشيخوخة, وهو جيل تحولت اتجاهاته من التحرر إلى المحافظة, ويتضح ذلك خاصةً من تحليل أنماط السلوك السياسي لبعض قادة العصر "الثوري" وأقطابه في الوقت الحاضر.
__________
1 هذا التحليل مستمَد من دراسة مطولة لأحد مؤلفي هذا الكتاب في المرجع الآتي: فؤاد أبو حطب: علم النفس في مصر, دراسة في الشخصية القومية للعلم والمجتمع "تحت الطبع".
(1/614)

3- الجيل الذي صنعه ثورة 23 يوليو 1952, وهم أولئك الذين كانوا أطفالًا أو مراهقين عند قيام هذه الثورة, وهم الآن إما على مشارف بلوغ الرشد أو في منتصفه، وهذا الجيل عاش العصر "الثوري" كاملًا وبلغ حماسه له أوجه، وشاع فيه اتجاه التحرر، وكانت نكبته بعد كارثة 5يونيو 1967 بالغة العنف, أفقدته الكثير مما كان يتشبث به, وحولته الآن إلى ما يمكن أن نسميه الحياد السياسي.
4- جيل عصر التحرر الاقتصادي، وهو الجيل الذي تَفَتَّح وعيه مع بداية عصر الإصلاح الاقتصادي والتوجه إلى الاقتصاد الحر، وهم الآن في طور الشباب أو الرشد المبكر، ويسود بينهم تيار التحرر بالمعنى الليبرالي.
وهكذا يستجيب الناس للاتجاهات العامة السائدة في المجتمع؛ فحين يتحوّل المجمع من المحافظة إلى التحرر أو العكس, يتأثر جيل الصغار والشباب خاصةً بالتيار السائد، وحين يتقدم هؤلاء في السن فإنهم يظلون في نفس الاتجاه أو يغيرونه, إلّا أن هذا القول يجب ألّا يعني أن استجابة أفراد كل جيل للظروف التاريخية التي يعيشون فيها متساوية، ففي كل جيل من الأجيال الأربعة السابقة تكاد تجد جميع ألوان "الطيف" السياسي، ويؤكد ذلك حقيقة أن الصراعات السياسية ليست بين الأجيال فحسب، ولكنها داخل كل جيل أيضًا, وعلى ذلك فالأصح أن نقول: إن المسنين يبدون أكثر محافظةً؛ لأن جيلًا جديدًا من الشباب والراشدين الصغار تسود فيهم اتجاهات التحرر، ولعل هذا ما يدفع المجتمعات إلى التطور، فإذا كان الشباب يمثلون قوى التغيير، فإن الشيوخ هم قوى الضبط، ولا يمكن للتغيير أن يمضي إلّا ما لا نهاية، كما لا يمكن لمجتمع أن يظل ساكنًا سكون الموت.
وما يلفت النظرحقًّا أنه مع تقدم الإنسان في العمر يزداد اهتمامه ونشاطه السياسيان, وقد كشفت البحوث التي أجريت في هذا الصدد أنه مع تجاوز الراشدين حاجز عمر الستين يبلغ اهتمامهم السياسي ذروته، وتأكد ذلك في جميع المستويات التعليمية "Hudson & Binstock", صحيح أن هذه الاهتمامات قد يصاحبها نشاط سياسي فعليّ حتى الخمسينات من العمر, إلّا أنه مع بلوغ المرء مرحلة الشيوخة تظل اهتماماته السياسية قوية, بينما قد يضعف نشاطه السياسي, إلّا أن المسن إذا كان نشاطه السياسي كبيرًا في طور منتصف العمر, فإنه يظل كذلك أيضًا في مرحلة الشيخوخة.
(1/615)

وبالطبع فإن الراشدين الذين يتولون مسئوليات سياسية لا يتقاعدون منها مع بلوغهم الستين أو الخامسة والستين, فأغلب القيادات السياسية في عصرنا ممن هم في مرحلة الشيخوخة، بل نكاد نقول: إنه يكاد يزداد العمر مع ارتفاع المستوى القيادي السياسي "في الأحزاب السياسية مثلًا", ولعل هذه الحقيقة تجعل من صورة الشيخوخة أكثر جاذبية, وتغير من القالب النمطي الذي شاع عنها1.
تدين المسنين:
الواقع أن موضوع السلوك الديني لدى المسنين، شأنه في ذلك شأن السلوك الديني للراشدين عامةً لم يحظ بقدرٍكافٍ من البحوث، على عكس الحال في الطفولة والمراهقة, ومع ذلك فإن الدراسات القليلة المتاحة تؤكد لنا أن هناك فروقًا عمرية في السلوك الديني، وخاصة ما يتصل بالعقيدة الدينية من ناحية, وممارسة الطقوس والعبادات الدينية من ناحية أخرى, إلّا أن النقد الجوهري لهذه البحوث أن معظمها من النوع المستعرض، وبالتالي لا يمكن البت بالنسبة لنتائجها من حيث ما إذا كانت ترجع إلى اتجاهات نموٍّ حقيقيةٍ, أم أنها تعكس الفروق بين الأجيال, أو بين العصور التاريخية المختلفة.
وعمومًا فإن النتائج التي توصَّل إليها الباحثون في الغرب تؤكد أن المشاركة في النشاط الديني والتردد على دور العبادة يكاد يكون أكثر الأنشطة التطوعية حدوثًا من الإنسان في جميع مراحل عمره، ويستقر هذا النشاط خلال مختلف أطوار الرشد, وتوجد عوامل تؤثر في ذلك مثل الجنس والمستوى الاقتصادي والمستوى التعليمي, ومدة الإقامة في المنطقة التي توجد بها دار العبادة، فالأشخاص الأكثر ترددًا هم الراشدون ذوو المستوى الاقتصادي المرتفع, والمستوى التعليمي المرتفع أيضًا, والذين يقيمون في الحي الذي يعيشون فيه فترة أطول، أما الفرق بين الجنسين فلم يكن دالًّا.
وأكدت بعض الدراسات أن الصحة الجسمية تؤثر في تردد المسنين على دور العبادة؛ فقد لوحظ أن هؤلاء بعد تجاوزهم سن الخامسة والستين قد يقل ترددهم على دور العباة، بسبب المرض خاصة، ومع ذلك فهم يتابعون الطقوس والعبادات من خلال وسائل الإعلام.
__________
1 حدث تحوّل عالمي في هذا الاتجاه ونحن في أواخر القرن العشرين, مع تولي الشباب زمام القيادة السياسة مثل: فوز كلينتون في انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ونجاح حزب العمال البريطاني برئاسة توني بلير في الوصول إلى الحكم، وإصرار الرئيس الروسي يلستين على أن يتولى رئاسة الوزراء أحد الشباب.
(1/616)

وبالطبع فإن هذه النتائج لا تقبل التعميم مباشرةً على الثقافات الأخرى, ومنها ثقافتنا العربية والإسلامية, وعلى الرغم من أنه لا توجد نتائج تحدد هذا الجانب من السلوك الديني لدى المسنين المسلمين, إلّا أننا نتوقع أنهم بعد أن يتخففوا من الأعباء والمسئوليات التي كانت تثقل كواهلهم في مراحل العمر السابقة يحتل السلوك الديني مكانة رئيسية لديهم، فصلاة المسن المسلم ونسكه قد تكون وسلته الوحيدة للتخفف من مشاعر العزلة، وهي عزاؤه عند كل ضيق، كما تعصمه من الوقوع في غائلة القلق، وخاصةً قلق الموت, ويعبر فؤاد البهي السيد "1975: 450" عن ذلك بقوله:
"إن المسن يغشى دور العبادة في هذا الطور من حياته وهو يحسُّ أنه قد خلا له وجه دينه بعيدًا عن شواغل الدنيا وأحزانها ومسراتها".
وتكشف لنا الملاحظة العابرة للسلوك الديني للمسنين في بلادنا أنهم أكثر ممن هم أصغر سنًّا في تفضيل البرامج الدينية في وسائل الإعلام، وهم أكثر حرصًا على قراءة القرآن الكريم، وأكثر مواظبة على صلاة الجماعة، وأكثر تقديرًا للقيمة الدينية على غيرها من القيم "وخاصة القيم المادية"، بالإضافة إلى التركيز على المغزى الشخصي للدين باعتباره وسيلة للتوافق النفسي، وفي هذا يختلف المسنون عمن هم أصغر سنًّا من المتدينين الذين يدركون الدين على أنه وسيلة للإصلاح الاجتماعي والممارسة السياسية, ولعل هذا الفارق الجوهري يفسر لنا أن نسبة الشباب والراشدين الذين يمارسون ما يُسَمَّى في السنوات الأخيرة في مصر "التدين السياسي" تفوق كثيرًا نسبة المسنين.
وإدراك المسن للطابع الشخصي للدين يحقق له في هذه المرحلة مهمة التكامل، وإذا كان الأمل -كما يرى إريكسون- هو القوة الأساسية الدافعة في مرحلة الطفولة، فإن هذا الأمل يتضح في الطور المتأخر من النموِّ الإنساني في العقيدة، ولا يمكن للتكامل أن يتجاوز اليأس والقنوط في هذه الحالة إلّا إذا وجد المسن معنًى واضحًا للحياة, وبالطبع فإن العقيدة الدينية أعظم مصادر هذا المعنى, ويؤكد ذلك نتائج بحث هام قامت به "Telis -Nayak, 1982" واستخدمت فيه مقياسًا للتدين religiosity تضمن الاتجاهات الدينية والمعتقدات والطقوس والعبادات والممارسات, فوجدت أن التدين لا يرتبط بالمتغيرات المادية والصحية والأحوال الاقتصادية، وإنما أقوى علاقاته بشعور الفرد بوجود معنى وغرض لحياته.
(1/617)

ولعل هذه النتيجة تفسر ما تواتر من نتائج البحوث في السنوات الأخيرة حول العلاقة الموجبة بين التدين والتوافق النفسي في مختلف الأعمار، وهي علاقة أكثر وثوقًا في مرحلة الشيوخة، فمع اقتراب دورة الحياة من نهايتها تزداد الاهتمامات الدينية لدى المسنين، وهذا القول أكثر صدقًا على مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ونحن في حاجةٍ بالطبع إلى بحوث جادة تختبر هذا الفرض من منظور ثقافي مقارن, وعمومًا ففي رأينا أن لجوء المسن المسلم إلى الدين يوفر له مصدرًا عظيمًا للشعور بالأمن والصحة والنفسية، ويحرره من قلق الموت الذي يُعَدُّ أحد عوامل القلق النفسي والاضطراب الانفعالي والوجداني في الحضارة الغربية الحديثة.
(1/618)

الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر
مدخل
...
الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر
أرذل العمر هو الطور النهائي في حياة الإنسان الذي يعمر طويلًا، والذي ينتهي حتمًا بالموت الذي هو خاتمة للحياة الدنيا وبداية الحياة الآخرة، وبالطبع فإن المرء قد يموت في أيِّ مرحلة من حياته: جنينًا أو طفلًا أو صبيًّا أو شابًّا أو راشدًا أو شيخًا. وإشارات القرآن الكريم واضحة في ذلك، يقول الله تعالى:
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: آل عمران: 185، الأنبياء: 35] .
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] .
والإنسان الذي يشاء الله له أن يعيش في طور من أطوار حياته السابقة ينتقل بالطبع إلى الطور التالي الذي قد يكون تنمية وتحسينًا لما كان قبله "العمرالأول كله" أو تدهورًا وانحدارًا عَمَّا كان عليه من قبل "كالانتقال من الرشد إلى الشيخوخة"، إلّا طور أرذل العمر، فوصول المرء إليه يعني اكتمال تدهوره واتصال دائرة النمو الإنساني عنده، فالعلم والخبرة والمهارة والحكمة التي اكتسبها تدريجيًّا طوال سبعين أو ثمانين عامًا من حياته تتلاشى حتى يصبح لا يعلم من بعد علم شيئًا؛ كما يقول الله تعالى:
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النمل: 5] .
كما يشهد طور أرذل العمر ردة كاملة إلى ما كان عليه الحال في المراحل الأولى من الحياة؛ فالانتكاس الذي يصيب سلوك المعمرين في هذا الطور يعود بهم إلى سلوك طفولي يزداد هبوطه وتدهوره إلى مستويات أدنى مع كل إيغال في العمر, وصدق الله العظيم:
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68] .
وطور أرذل العمر لا يتحدد بسنٍّ معينةٍ كما هو الحال في معظم مراحل وأطوار النمو السابقة، وإنما يمكن وصفه بأنه "حال متطرفة" من الشيخوخة تظهر في أيّ وقت منها, ولو أن الأكثر شيوعًا أنها تصاحب الإيغال فيها, فمع التقدم في الشيخوخة تطرأ على الوظائف النفسية والجسمية المختلفة اضطرابات متعددة.
وإذا لم يكن العمر محكًّا ملائمًا لأرذل العمر، فما هي المحكات الملاءمة؟
(1/619)

محكات بلوغ أرذل العمر
المحك الإسلامي
...
محكات بلوغ أرذل العمر:
يقترح الباحثون في ميدان سيكولوجية المسنين مجموعةً من المحكات يحددون بها بلوغ طور "الهرم" Senility, وهو ما نُؤْثِرُ أن نطلق عليه التسمية القرآنية "أرذل العمر", وهي تسمية معجزة تستوعب بإيجاز خصائص هذا الطور الذي يتسم بأن أهم علاماته تعاسة المسن, وإزعاجه للآخرين, وضيق هؤلاء به، وهذا ما يجعله طورًا منفرًا، سواء أكان هذا "الهرم" عاديًّا normal, أم مرضيًّا Pathological كما سنوضح فيما بعد, نعرض فيما يلي هذه المحكات بادئين بالمحك الإسلامي, ثم نتبعه بالمحكات الأخرى.
1- المحك الإسلامي:
التدهور الانتكاسي وفقدان القدرة على التعلم تشير الآيتان القرآنيتان الكريمتان اللتان تناولتا التقدم في العمر "يس: 68", وأرذل العمر "النمل: 5" "وقد أوردناها في مطلع هذا الفصل" حدوث تغيرات تدهورية هامة، تجعل أصحاب هذا الطور فئة مختلفة عن غيرهم من الشيوخ أو المسنين.
إلّا أن التدهور في أرذل العمر الذي يشير إليه القرآن الكريم يتسم بصفة جوهرية هي أنه ارتدادي انتكاكسي، أي: يعود بصاحبه إلى الوراء, وإلى مستوياتٍ أدنى من السلوك، وإذا كان "أفضل العمر"1 بالطبع هو الرشد واكتمال النضج, فلا بُدَّ أن يكون هذا الانتكاس عودةً إلى ما قبل الرشد أو النضج، أي: أن سلوك المسنين في طور أرذل العمر يتسم بأنه أقرب إلى تصرفات "المراهق" أحيانًا, "الطفل" في معظم الأحيان، وبهذا يصبح التدهور حينئذ مختلفًا عن أيِّ تدهور آخر يحدث في أي طور سابق, فأي تدهور آخر قد يكون كميًّا "أي: نقص في درجة النشاط" فحسب, طالما أنه في نطاق السواء، إلّا أنه في طور أرذل العمر تدهور كمِّي "أي: في الدرجة", وكيفي "أي: في النوع" معًا.
__________
1 "أفضل" لغة هي عكس أرذل.
(1/620)

وأدق تعبير عن هذا التدهور الارتدادي الانتكاسي على أنه انهيار كمِّي وكيفي الإشارة القرآنية الكريمة إلى أن المسن في هذا الطور يصبح، لا يعلم من بعد علم شيئًا؛ ففقدان القدرة على التعليم تدهور كيفي خطير يرد صاحبه مرة أخرى إلى الاعتماد الكامل الذي اتسمت به المراحل المبكرة من حياته حين كان عجزه عن التعلم -وهو طفل- مؤشر ذلك, ومع أن الطفل والهرم عاجزان عن التعلم, فإن الطفل يتقدم بالتعلم والاكتساب سعيًا إلى الاستقلال والقدرة "الرشد"، أما الهرم, فإن كل يوم يضاف إلى رصيد حياته يرتَدُّ به إلى مزيدٍ من الفقدان لما تعلَّم واختزن من قبل، مع عجز عن اكتساب أي جديد.
وبالطبع فإن هذه التغيرات الانتكاسية الكيفية لا تظهر في سنٍّ معينةٍ من الشيخوخة كما بينا, إلّا أن من المتوقع أن تظهر بعض هذه العلامات مع التقدم فيها بدرجات متفاوتة من الحدة، وبالطبع فإن القدر القليل منها يجعل صاحبه في فئة الهرم العادي normal senility, أما إذا اشتد التدهور فإنه حينئذ يصبح من نوع الهرم المرضي pathological senility.
والرشد -عند فقهاء المسلمين- هو المستوى النمائي الذي عنده يستقل المرء بتصرفاته، وقبله يكون الصغير تحت وصاية والديه لعدم توافر أهلية التصرف، وتفيض مؤلفات الفقه الإسلامي بالتفاصيل حول الحجر على تصرفات الصغير، والحجر في الشريعة معناه: منع الإنسان من التصرف في ماله، وقد أشرنا من قبل إلى أن القدرة على التصرف في المال خاصةً هي المؤئر الاجتماعي الرئيسي على الرشد في الإسلام، ويدعم قولنا مايذكره أحد فقهائنا المعاصرين "وهبة الزحيلي: 1984" حول اختبار الولي لرشد الصبي بقول:
"أما اختباره "أي: الصبي" في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما, أي: طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري، ويختبر ولد الزارع بالزارعة، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه أو أقاربه، وتختبر المرأة بالغزل والقطن حفظًا وحياكةً وغيرها، ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر قبل البلوغ وقيل بعده".
وبالطبع فإن هذه أمثلة على وسائل اختبار الرشد تتفق مع السياق الثقافي والحضاري والتاريخي الذي وضعها فيه الفقهاء، ويمكن تطويرها مع وسائل العصر, ومنها الأدوات والفنيات التي يستخدمها علم النفس.
(1/621)

وقد صنَّفَ الفقهاء فئات من ينوب عنهم أولياؤهم وهم مَنْ ثبت الحجر عليهم بدليل القرآن والسنة وهم: المجنون "وهو من زال عقله", والمعتوه "وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير لاضطراب عقله, سواء من أصل الخلقة أو لمرض طارئ", السفيه "وهو من يبذر ماله يصرفه في غير موضعه الصحيح بما لا يتفق مع الحكمة والشرع", والمريض مرض الموت1, مع تفصيل واختلاف في المذاهب الفقهية المختلفة لا يتسع له المجال.
وبالطبع فإن هذه الفئات جميعًا تحظى باهتمامٍ شديدٍ من علم النفس الحديث, وحبذا لو استفاد الفقهاء المعاصرون من نتائج البحوث السيكولوجية في هذا الميدان, إلّا أن ما يهمنا أن نشير إليه هو أن كثيرًا من العلامات السابقة تظهر على المسن البالغ طور أرذل العمر, والمنطق الجوهري على هذه الفئات أنها جميعًا حالات ارتداد وانتكاس إلى ما قبل الرشد، قد تكون مؤقتة حين تحدث في مراحل سابقة على طور أرذل العمر، ولكنها حالما تظهر في طور أرذل العمر تبقى وتستمر. والسبب الجوهري في ذلك -كما أشرنا- أن المؤشر الرئيسي في المحك لبلوغ هذا الطور هو الارتداد الانتكاسي المصاحب بفقدان القدرة على التعلم.
__________
1 استخدمنا في وصف هذه الفئات لغة الفقه الإسلامي, وليس لغة علم النفس.
(1/622)

2-المحك المرضي:
من المحكات التي تشبع في الكتابات المختصصة في مجال المسنين لتحديد طور الهرم ما يمكن أن نسميه المحك المرضي، ويعني أن أرزل العمر يتسم كما أشرنا بمجموعة من الاضطرابات السلوكية تنتمي إلى فئة الأمراض، إلّا أن هذه الاضطرابات المرضية تختلف عن غيرها من الأمراض في المراحل العمرية الأخرى من حيث المؤشرات التي يشار فيها إلى المرض أو الاضطراب Eisoderfer &Lawton, 1973" وهي: مؤشر الانتشار Prevaleance, والمؤشر الإيتولوجي etiological, أي: الذي يتناول أسباب المرض، ومؤشر القابلية للعلاج.
فبالنسبة لمؤشر الانتشار فإنه في جوهره مؤشر إحصائي، بمعنى أن سواء السلوك أو عدم سوائه يتحدد في ضوء مدى حدوثه في مجتمع أو جماعة معينة، فالسلوك الأكثر شيوعًا بين الأفراد يُعَدُّ سويًّا، وهذا المعنى هو الذي يستخدمه خبراء الصحة العامة، أما إذا كان السلوك أقل شيوعًا فإنه في الأغلب يصنف على أنه مرضي, ولعلنا نذكر أن التغيرات التي تطرأ على السلوك الإنساني في مختلف
(1/622)

مراحل العمر السابقة, والتي وصفناها من قبل طوال فصول هذا الكتاب تنتمي إلى فئة السواء السويّ؛ لأنها شائعة في كل مرحلة عمرية تناولناها، إلّا أن هذا المؤشر يتخذ اتجاهًا عكسيًّا في طور أرذل العمر، ففيه شيع أنماط السلوك المضطرب ومن ذلك الاكتئاب والعصاب القهري والقلق والأعراض السيكوسوماتية، إلّا أن هذا الشيوع والانتشار لا يجعل منها سلوكًا عاديًّا.
أما بالنسبة للمؤشر الإيتولوجي فمن الشائع في المراحل السابقة في نموِّ الإنسان أن يميز بين الاضطرابات الوظيفية والعضوية، فالخلل العضوي هو نمط من الاضطراب يعود في جوهره لأسباب في جسم الإنسان, أما الاضطراب الوظيفي فسببه الرئيسي هو التفسير الرمزي الذي يخلعه المرء على الأحداث, ولهذا يُعَدُّ من فئة الأمراض النفسية, إلّا أن هذا التمييز لا يكون بذلك الوضوح في طور أرذل العمر، فكثير من المشكلات السيكولوجية في هذا الطور ترجع إلى نوعي الأسباب معًا والتي تحدث متآنية, ومن ذلك مثلًا أن من الشائع عند المسنين الذين يعانون من خرف الشيخوخة senile dementia "وهو مرض عضوي", أن يقاسوا أيضًا من الاكتئاب الذي يسببه وعي المسن بالعجز المعرفي والتغير في كمياء المخ الذي يرجع إلى التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ عليه.
وهذه الصعوبة في التمييز بين الاضطرابات العضوية والوظيفية في طور أرذل العلم تنتقل أيضًا إلى المؤشر الطبي الثالث وهو القابلية للعلاج، ففي مراحلة العمر السابقة، والتي يكون فيها هذا التمييز سهلًا يكون من الميسور تقديم العلاج المناسب حسب التشخيص إلى إحدى الفئتين. فعادة ما توضع الاضطرابات العضوية داخل النموذج الطبي حيث تعتبر الأعراض السيكولوجية أمراضا وتعالج بطرق التدخل في الجسم الإنساني باستخدام العقاقير أو الجراحة، ويتضمن ذلك افتراض أن الاضطرابات العضوية لا تقبل العلاج بطرق التدخل السيكولوجي بسبب طبيعتها الجسيمة، وعلى العكس من ذلك فإن الاضطرابات الوظيفية توضع في الأغلب في نطاق النموذج النفسي الاجتماعي، فما دامت الاضطرابات النفسية تنشأ عن علاقة المرء بالبيئة, ومن إدراكه لها, فإن الطرق العلاجية المناسبة لها حنيئذ هي الطرق السيكولوجية, سواء كانت فردية أو جماعية بالاستعانة بالبيئات المعاونة, وقد أشرنا إلى صعوبة التمييز بين ما هو وظيفي وما هو عوضي في طور أرذل العمر، ولهذا كان من الواجب الحرص البالغ في التشخيص لتحديد الدور الذي تقوم به العوامل النفسية الاجتماعية والعوامل البيولوجية في الاضطراب مع ملاحظة أن الشائع عند المسنين في هذا الطور هو تداخل
(1/623)

مجموعتي العوامل، ويؤدي ذلك إلى صعوبة التشخيص والعلاج؛ ولهذا فالسمة الغالبة على اضطرابات أرذل العمرأنها أقل قابلية للعلاج إذا قورنت بالاضطرابات في مراحل العمر السابقة، وحتى الاضطرابات التي لها وسائل فعّالة تقل فعاليتها في هذا التطور.
وهذه المؤشرات المرضية الثلاثة هي تفصيل لمؤشري الانتكاس وفقدان القدرة على التعلّم اللذين تناولناهما في إطار المحك الإسلامي، فشيوع الاضطرابات لا ندرته, وتداخل ما هو وظيفي مع ما هو عضوي، وصعوبة القابلية للعلاج كلها تؤدي إلى مزيد من التدهور، واستمرار التدهور يؤدي بالضرورة إلى مزيدٍ من خلل الوظائف العضوية والنفسية على نحوٍ يؤدي إلى حدوث الانتكاس وفقدان القدرة على الاكتساب، بل إن عجز العلاج يجعل من اضطرابات أرذل العمر ظاهرة لا مرضية، وقد يبدو إشكاليًّا أن نقول: إن السلوك حتى ولوبدا مختلًّا يُعَدُّ عاديًّا حتى يتم اكتشاف علاج له, أو حين يصبح العلاج المتاح له أقل فعالية، ومع ذلك فإن هذه العبارة صحيحة، بل إنها من مؤشرات أرذل العمر كما قلنا "Eesdorfer & Lawtion, 1973", فقبل اكتشاف الأساليب العلاجية المناسبة المضادة للاكتئاب كان هذا المرض يُعَدُّ سلوكًا عاديًّا, ويتعلم الإنسان أن يتعايش معه, أما الآن فقد تكاثرت العقاقير التي تعالج أعراض هذه الاضطرابات، حتى الثانوي منها كالتعب والأرق، وحينئذ أصبح ضمن قائمة الأمراض, كذلك القلق فإنه لم يَعُدْ يصنَّفُ على أنه من بين الأمراض إلّا بعد اكتشاف المهدئات. وهكذا يمكن القول أن الأعراض التي تُعَدُّ من النوع "غير القابل للعلاج" يمكن اعتبارها من نوع الاضطرابات النفسية الملازمة للهرم أو الإعمار aging السوي، وكثير من الأعراض ينطبق عليها هذا الوصف؛ مثل: نقص فترة النوم والإمساك وضعف الذاكرة أو فقدانها"الذي يؤدي بالطبع إلى ضعف أو فقدان القدرة على التعلّم, وهو أحد مؤشري المحك الإسلامي لأرذل العمر".
ويرى البعض أن عدم القابلية للعلاج تحكمه ظروف التقدم الطبي في وقت معين، وأنا المستقبل قد يكشف الوسائل الملائمة للعلاج, وهذا القول صحيح بالطبع، وإذا حدث أن استطاع الإنسان أن يكشف وسائل فعالة لهذه الأعراض, فإن طور أرذل العمر سوف يظهر في وقت أكثر تأخيرًا، ولعلنا نشير هنا إلى التقدم الطبي الحديث دفع هذا الطور سنوات أبعد كثيرًا مما كان عليه الحال في الماضي, ومع ذلك فلا بد لدورة الحياة مهما طالت سوية أو شبه سوية أو مرضية أن تصل إلى طورها الأخير, وهذه إحدى سنن الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًَا.
(1/624)

3- محك سوء التوافق:
يوصف السلوك بسوء التوافق بصفة عامة إذا اتسم بأنه يعوق قدرة الفرد على النشاط السويّ والعادي في المجتمع, أو إذا اختص بأنه يهدد سلام الفرد الشخصية وأمنه الذاتي، ولهذا شاع التميز الشهير بين التوافق الشخصي والتوافق الاجتماعي, وهما غير متطابقين، والارتباط بينهما قد يكون موجبًا أو سالبًا أو صفريًّا؛ فمن الممكن أن يحكم المجتمع على سلوك معين بأنه لا توافقي "الانطواء مثلًا", ومع ذلك فإن هذا السلوك قد يحقق غرضًا مفيدًا للشخص الذي يصدره, أي: يحقق له توافقه الشخصي، والعكس صحيح أيضًا, فقد يشعر الشخص بأن سلوكًا معينًا يسبب له القلق "كالعمل في مهنة لا يحبها", ومع ذلك فإن المجتمع يحكم عليه بأنه سلوك اجتماعي سوي, ومن الممكن أيضًا أن يكون السلوك ذاته "كالتمركز حول الذات" توافقيًّا في مرحلة معينة من مراحل الحياة "الطفولة", ولا توافقيًّا في مرحلة أخرى "الرشد", بل إن بعض الاضطرابات السلوكية الحادَّةِ قد تكون توافقية في طور الشيخوخة، فالعصاب القهري قد يكون مفيدًا عند الإجبار على التقاعد "Kermis, 1984" وعلى هذا, فالاضطرابات السلوكية طويلة الأمد التي نلاحظها في طور أرذل العمر يمكن وصفها في ضوء هذا المحك بأنها توافقية، فالسلوك شبه الفصامي قد يكون توافقيًّا مع العجز الحتمي في الهرم، بل إن اللهلاوس قد تكون توافقية لشخص مسن يعيش وحيدًا، ولو نها توصف بأنها أساليب غير سوية للتوافق.
إلَّا أن ذلك كله قد يُعَدُّ من قبيل التوافق الشخصي, حتى ولو كانت أساليب التوافق -كما نحكم عليها ثقافيًّا واجتماعيًّا- غير سوية، وقد يحدث ذلك أو ما يشبهه في مراحل العمر السابقة، إلّا أن الفرق الجوهري في "الأساليب غير السوية" للتوافق بين طور أرذل العمر وغيره من مراحل العمر, أنها في هذا الطور النهائي لحياة الإنسان تتسم -كما بينا- بعدم القابلية للعلاج، ناهيك عن أن الشخص الموغل في الشيوخة قد لا يستطيع التعايش معها كما كان يفعل من قبل، فالملاحظ على الذين يبلغون هذا الطور أنهم يظهرون تحولًا جوهريًّا -تدريجيًّا أو مفاجئًا- من الحال التي كانوا عليها "في الشيخوخة العادية" إلى الحال التي يصيرون إليها "أرذل العمر", ويتسم هذا التحول بثلاث خصائص ملازمة معًا, وفي وقت واحد:
1- نقص الكفاءة الذي يصل إلى حد العجز disability.
(1/625)

2- التعبير المستمر عن الشكوى والشعور بالضيق والكرب والتعاسة.
3- عمل المسن الدائب على إزعاج الآخرين من حوله, وخاصةً من يقدمون له الرعاية.
وهذه الخصائص جميعًا تجعل السلوك في هذا الطور من النوع اللاتوافقي.
وعلى هذا فإن الوصف الأصح لهذا الطور أنه سوء التوافق الدائم والمستمر, وخاصة من الناحية الاجتماعية, وأخطر علاماته إثارة ضيق الآخرين وتذمرهم وسخطهم، بل إنه حتى مظاهر الشكوى والضيق والنفور -التي قد تعد من علامات سوء التوافق الشخصي- تُسْتَخْدَمُ في هذا الطور لإزعاج الآخرين، أما العجز فهو بالطبع مصدر إضافي لهذا الضيق بسبب ما يفرضه على الآخرين من مطالب زائدة قد تفوق أحيانًا قدراتهم, وصدق الله العظيم حين وصف هذا الطور بالتعبير القرآني المعجز "أرذل العمر", وتحسبًا لما قد يؤدي إليه هذا كله من إساءة معاملة الأبناء لوالديهم المسنين، وخاصة في هذا الطور, نبه القرآن الكريم إلى ضرورة الإحسان إلى الوالدين، وقرنه بعبادة الله -سبحانه وتعالى، وفي ذلك يقول -جل شأنه:
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 13: 15] .
ويقول أيضًا:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24] .
(1/626)

التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:
أشرنا في الفصل السابق -حول الشيخوخة- إلى أن الإنسان في عمره الثالث من نموه يتعرض لتحديات توافقية خاصة تتزايد حدتها مع مزيد من التقدم في العمر, وتتلخص هذه التحديات في الفقدان الشخصي والعجز الجسمي والتحيزات الثقافية, وتتداخل هذه المجالات الثلاثة في وقت واحد, ومن أمثلة ذلك ما نلاحظه أحيانًا من ضعفٍ في قدرة المسن على القراءة؛ فقد يرجع ذلك إلى ضعفٍ جسميٍّ مثل تدهور قوة البصر أو الشعور بالألم في العين أثناء القراءة, وقد يرجع إلى السأم من المواد التي سبق له قراءتها عدة مرات, ولا تتوافر له إمكانات الحصول على الجديد، أو إلى الإجهاد النفسي الناجم عن فقدان الدور أو الاكتئاب, ومن الممكن أيضًا أن يكون السبب الجوهري في ذلك الاعتقاد الاجتماعي السائد في أن الشخص الطاعن في السن يفتقد القدرة على الفهم، وهذه العملية المتعددة أو المعقدة تؤكد أن الظواهر النفسية والجسمية ترتبط فيما بينها في طور الشيخوخة المتأخرة.
ولهذا فمن الضروري عادةً أن يسعى المسنون -وخاصة من يبلغ من العمر 75 عامًا أو يزيد- إلى التوافق جسميًّا ونفسيًّا لضعف الوظائف الجسمية والأمراض المزمنة، أما الأشخاص الذين لا يستطيعون تكامل هذه التغيرات مع إحساسهم بالذات, قد يشعرون بالنقص في تقديرات الذات, ويجدون أنفسهم في موقف ضاغط أو مجهد.
صحيح أن الإنسان في أيّ مرحلة نمائية يظهر بعض الاضطراب السلوكي وسوء التوافق في ظروف الضغط أو الإجهاد, والخصائص الثلاثة لسوء توافق المسنين في أرذل العمر التي أشرنا إليها فيما سبق يمكن أن تظهر أيضًا في أيّ سنٍّ؛ فالشعور بالضيق والكرب والتعاسة قد ينشأ لدى الإنسان -في أي عمر- نتيجة حزنه الشديد على فقدان عزيز, ونقص الكفاءة قد يظهر أيضًا في أيِّ سن إذا كانت المطالب أكبر من قدرات الفرد, أو إذا عومل على أنه لا يتوقع منه إلا الفشل, وإزعاج الآخرين قد يترتب على سلوك الشخص في أي سن أيضًا, نتيجة عدم الحساسية, أو نقص الفهم للموقف الذي يوجد فيه, أو التغير في أسلوب الحياة داخل الأسرة, إلّا أن هذه الخصائص جميعًا إذا حدثت في أيّ طور آخر غير أزذل العمر تكون مؤقتة, وتتطور نحو الأحسن "أو الأفضل"، إلّا في هذا الطور فإنها تظل مستقرة إن لم تتدهور نحو الأسوأ "أو الأرذل".
وصحيح أيضًا أن الإنسان تحت ظروف الضغط أو الإجهاد قد يظهر في أي مرحلة عمرية بعض الميكانيزمات الدفاعية للتعامل مع الظروف المهددة لتوافقه.
وهذا ما يحدث أيضًا في طور أرذل العمر؛ فمعظم الحيل اللاشعورية التي تفيض بها المؤلفات المتخصصة تظهر في هذا الطور, وخاصة الإنكار والتبرير والإسقاط
(1/627)

والتقمص وتكوين رد الفعل والخُلْفَةِ أو العناد وأحلام اليقظة والانسحاب والنكوص التي تحدث لا شعوريًّا ولا يتلفظ بها المسنون، كما أن بعضهم يتلفظ بما لا حصر له من الشكوى والتذمر, ومنهم من يظهر بالفعل أمراضًا جسمية لها الطابع السيكوسوماتي Psychosomatic؛ فالمرض الجسمي، مهما كان خطيرًا، أهون من الاعتراف بالتقدم في السن, والمرض -مهما طال- قابل للعلاج, أما التقدم في الشيخوخة فلا علاج له, ناهيك بالطبع عن الأمراض العصابية والذهانية التي تظهر في هذا الطور, والتي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد.
ومع دخول المسن طور أرذل العمر يزداد التدهور الذي شهدناه في طور الشيخوخة حدة وشدة, وفي رأينا أن الفرق بين الشيخوخة وطور أرذل العمر هو فرق في الدرجة والنوع معًا؛ فالتدهور في الطور الأول أقل حدَّةً ويمكن التعامل والتعايش معه، أما مع أرذل العمر فهو تدهور عنيف يصاحبه تغير كيفي في سلوك المسنين, ونعرض فيما يلي لجوانب هذا التغير الذي حظيت بالبحث العلمي في السنوات الأخيرة.
تبدأ معالم أرذل العمر حين يتعرض المسن لتغيرات جسمية ونفسية وعقلية حادة, ومن العمليات الفسيولوجية التي تحدث في هذا الطور فشل أعضاء الجسم في القيام بوظائفها، صحيح أن هذه العملية طويلة الأمد وتحدث منذ وقت مبكر في حياة الإنسان، إلّا أن خلل الوظائف وفشلها يظهر بوضوح في هذا الطور, وقد يتطور إلى مرض عضال, وقد وصفت "Kubler-Ross, 1965" خطوات الاستجابة لمعرفة المريض بالظرف الصحي القاتل, وكانت الممارسة الطبية في الماضي عدم إخبار المريض بذلك رأفةً به، أما الآن فإن الرأي الطبي السائد ضرورة إخبار المريض بالحقيقة حتى يمكن إجراء التوافقات اللازمة من النواحي النفسية والاجتماعية, وتتلخص استجابات المسن لمعرفة حقيقة مرضه العضال فيما يلي:
1- الإنكار والعناد: الاستجابة الأولى المعتادة للشخص الهرم عند معرفته بأن مرضه هو المرض الأخير -وقد يكون مرض الموت- هي الصدمة متبوعة بالإنكار والتبرير, ومن ذلك القول بأن الأطباء مخطئون, أو أن التشخيص غير صحيح, وفي الحالات المتطرفة يرفض الهرم العلاج, ويصر على القيام بمهامه المعتادة, ومعظم المرضى الذين يستخدمون حيلة الإنكار بحدَّةٍ خلال مرضهم, هم أولئك الذين تعودوا على التعامل مع مواقف الحياة الصعبة بهذه
(1/628)

الطريقة, وفي الواقع فإن حيلة الإنكار تؤدي إلى مزيدٍ من تدهور الحالة وخطورتها كما هو الحال حين يرفض الشخص طلب الرعاية الطبية عند بداية المرض, وفي العادة يعتمد المسن على الإنكار في بداية المرض أو ربما بعد ذلك بقليل، ولكنه حين يواجه الحقيقة يصبح شخصًا لا يُطَاقُ, ويتحول إلى حيلة مضايقة للآخرين وإزعاجهم, سواء كانوا من الأقارب أو الأطباء أو المرضى، وتصبح حيلة الإنكار "والعناد المصاحب لها" عنيفة, ويتمثّل ذلك في رفض العلاج أو المكابرة في محاولة إصدار أنماط سلوك لا يستطيعها.
2- الغضب: مع امتداد فترة المرض الأخير -مرض الموت- بالمسن تصبح صيحته اليومية "لماذا أنا كذلك؟ " وبهذه ينتقل إلى مرحلة أخرى لا يرضى عنها بحاله, ويصبح غاضبًا من كل شيء وكل شخص يوجد في عالمه، وقد يصاحب ذلك نوع من الغيظ من الأصحاء, وخاصة أولئك الذين يقومون برعايته. وقد يمتد غضبه إلى الناجحين والقادرين منهم، وتكون مشاعره إزاءهم مزيجًا من السخط والكراهية والحسد، حتى ولو كانوا أقرب الناس إليه "أبنائه مثلًا".
3- المساومة: في هذه المرحلة يغيِّر الشخص الهرم اتجاهه, ويحاول المساومة "مع الحياة", فيظهر رغبة في الحياة, ويزداد سؤاله لله تعالى أن يمنحه "بعض الوقت" يعود فيه إلى السلوك الطيب والتعاون في العلاج, وقد يعد بتغير سلوكه, وقد يصل به الأمر أن يكرِّسَ حياته للتدين, وبعضهم يتذكر ذنوبه وآثامه في الماضي ويندم على ما فرّطَ في حق الله والعباد.
4- الاكتئاب: حين يصبح الهرم غير قادر على إنكار مرضه، وحين يكون مضطرًا إلى القيام ببعض الجراحة أو الإقامة في المستشفى، وحين يبدأ في إظهار المزيد من الأعراض, ويصير أضعف وأنحف، فإنه لا يستطيع تجاهل ذلك كله، فيحل محل الغضب شعور بالفقدان العظيم، وحينئذ يدخل المرء في مرحلة الاكتئاب العميق.
5- التقبل: وأخيرًا فإن الشخص الهرم يقبل الحقيقة, لقد انتهى الصراع وبدأ الشخص في الشعور "بالراحة النهائية بعد رحلة طويلة", وعندئذ يكون الشخص متعبًا ضعيفًا, ينام معظم الوقت, ويظل كذلك حتى يموت.
وبالطبع لا يتطلب الأمر المرور بكل هذه المراحل حتى يموت المسن الهرم، فقد يموت الشخص في أي مرحلة من مراحل الهرم السابقة، كما أن هؤلاء الأشخاص لا تقتصر استجاباتهم على مرحلة دون سواها؛ فالمكتئب قد تصدر عنه
(1/629)

في نفس الوقت نوبات من الغضب, كما لاحظت الباحثة أن جميع المرضى في جميع المراحل يتمسكون بالأمل، فحتّى الأشخاص الذين أصبحوا أكثر تقبلًا وأكثر واقعية, يوجد لديهم رجاء في العيش والشفاء.
ويبدو لنا أن طور أرذل العمر هو طور موت بطيء ليس من الناحية الجسمية والفسيولوجية وحدها, وإنما من جميع النواحي الأخرى؛ فمن الدراسات التي تناولت التغيرات العقليلة والانفعالية نذكر نتائج دراستين هامتين, قام بأولاهما "Leberman, 1965" على 25 مفحوصًا من النساء والرجال المعمرين الذين يقيمون في أحد بيوت رعاية المسنين, تمتد أعمارهم بين 70، 89 عامًا, وقد طَبَّقَ الباحث علهم أربعة اختبارات تطبيقًا فررديًّا لتقويم جوانب مختلفة من نشاط الأنا والجوانب الانفعالية لديهم، وكانت الاختبارات الأربعة هي:
1- نقل الأشكال التي تشمل أنماطًا لدوائر صغيرة ونقاطًا.
2- النقل الحر لشكل بشري.
3- وصف رسوم للشكل الإنساني تعرض على هيئة خطوط في ضوء المشاعر التي تستثيرها.
4- إعادة إنتاج مثيرات معينة بعد انقضاء زمن معين.
وقد بينت النتائج أنه بعد محاولات عديدة أظهر الأشخاص الذين وصلوا إلى هذا الطور من الحياة، في مقابل من لا يزالون في طور الشيخوخة، صعوبة في تنظيم وتكامل المثيرات في بيئتهم، كما ظهر أن مستويات الطاقة عندهم تناقصت بشكل حادٍّ, ويستنتج ليبرمان من ذلك أنه تحدث تغيرات سيكولوجية منتظمة للشيوخ المتأخرين بسبب اقترابهم من الموت؛ فطور أرذل العمر هو موت بطيء، قد يطول وقد يقصر, ويرى أن الأشخاص في هذا الطور قد يشعرون بنوعٍ من الاضطراب السيكولوجي العنيف, ليس بسبب الخوف من الموت, ولكن بسبب الخلل في تنظيم العمليات العقلية مع الدخول في هذا الطور الذي يقرب المرء من الموت, والأشخاص الذين ينسحبون من الحياة في هذا الطور ربما يكونون أقرب إلى بناء نوع من القوقعة الواقية حول أنفسهم, في محاولةٍ لإحداث قدرٍ من التماسك في الأنا, وخفض الخلل والتدهور المتزايدين.
ودخول الإنسان في طور أرذل العمر يؤثِّرُ أيضًا في أدائه العقلي؛ ففي الدراسة الثانية وهي دارسة تتبعية امتدت عشر سنوات أجراها
(1/630)

"Riegel & Riegel, 1972" على عينة من المفحوصين من النساء والرجال الألمان, كانت أعمارهم عند بداية البحث بين 65- 85 عامًا، واستمرا معهم حتى وفاتهم, وقد طبقت عليهم بطارية اختبارات تشمل مقاييس للذكاء وتداعي الكلمات والتحصيل اللغوي والاتجاهات والميول, وقد وجد الباحثان أن الأشخاص الذين أداؤهم في اختبارات الذكاء أقل من المتوسط, هم في الواقع الأقرب إلى الموت بالمقارنة بأقرانهم الأكثر نجاحًا، ويصف الباحثان ذلك بأنه "الهبوط النهائي" terminal drop" أو بلغة القرآن الكريم "الانتكاس" النهائي, وقد حلَّلَ الباحثان درجات المفحوصين بالرجوع إلى الوراء في سني حياتهم بدءًا من لحظة الوفاة، فوجدا أن الهبوط في أداء اختبارات الذكاء يرجع إلى انتكاس فجائي في القدرة يحدث خلال السنوات الخمس السابقة على الموت, وتتفق هذه النتائج مع ما تتوصل
إليه "Leberman, 1965", من أن المفحوصين الذين يقتربون من الموت يشعرون بخللٍ منتظم في التكامل، وبالطبع فإن هذه النتائج لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث للتحقق منها, كما أننا في حاجة إلى بحوث تجرى في مجتمعاتنا العربية والإسلامية حول هذا الموضوع.
ومع تحوّل المسن إلى الطور الأخير من حياته فإنه يواجه تغيرات خطيرة أيضًا في علاقاته مع الأشخاص، فيتناقص التفاعل الاجتماعي كما تتلاشى تقريبًا الأدوار الاجتماعية، باستثناء دور المريض, وبالطبع فإن العلاقات بين الأشخاص ضرورية لدعم الحياة الانفعالية والوجدانية والاجتماعية للإنسان, وما يؤثر في قدرة الإنسان في الحفاظ على هذه العلاقات ونوعيتها عوامل كثيرة؛ منها: نمط شخصيته "الاستقلال - الاعتماد خاصة", ودرجة الصعوبات العضوية التي يعاني منها, ومفهوم الذات وإدراكها, وبالطبع فإن هذه العوامل جميعًا تكون في الاتجاه السلبي في طور أرذل العمر, ولهذا يظهر المسنون في هذا الطور طرقًا مميزة للحفاظ على هذه العلاقات.
فمع العجز في مختلف جوانب السلوك, والضعف في وظائف الجسم, يتحول المسن في طور أرذل العمر إلى الاعتماد، وحتى يبقي على علاقاته مع الآخرين يظهر لونًا من النكوص إلى أنماط مبكرة -أقرب إلى النمط الطفولي- من السلوك, وهذا النكوص هو الذي عَبَّرَ عنه القرآن الكريم بإحكامٍ وبلاغةٍ بلفظ "الانتكاس", ومن معالم ذلك أن يبدأ الهرم المتأخر في معاملة المحيطين به "الأطباء والممرضين والأبناء" على أنهم بدائل الوالد بالنسبة له Parent surrogate, فلم يَعُدْ هو "والد" الجميع, وأكثرهم حكمة وخبرة، وإنما أصبح
(1/631)

ابن الجميع, ينشد رعياتهم وحمايتهم, وهذا التغير في الدور -وهو جزء من دوره كمريض- يسبب مشاكل جمة لجميع المهتمين به. إن المسن في هذا الطور -ومع هذا التدهور الانتكاسي الحاد- أصبح كالأطفال الصغار يتوقع من الآخرين -بل يطلب منهم- إشباع حاجاته الضرورية من تغذية ونظافة وإخراج، وإذا لم يفعلوا يلجأ إلى حيل الأطفال "مثل التبول أو التبرز في الفراش", بل قد يصل الأمر إلى اعتبار ذلك حقَّه في الرعاية، وسدادًا لدين قديم "على الأبناء خاصة", حين كان يتولى هو رعايتهم في هذه الأمور حين كانوا أو كان أبناؤهم صغارًا, وفي نفس الوقت يحتفظ أحيانًا بحقِّه في اتخاذ القرار - كالتصرف في أمواله، وبالطبع فإن هذا التصرف قد يكون -كتصرف الأطفال- سفيهًا, ومن هنا جاءت حكمة الفقه الإسلامي في الحجر على تصرفات السفهاء -ومنهم سفهاء أرذل العمر.
ومن معالم سلوك أرذل العمر -الشبيه بسلوك الأطفال الصغار- الغيرة, إلّا أن التعبير السلوكي عنها يختلف, فإذا كان الطفل الصغير يعبر عن غيرته من شقيقٍ جديدٍ له وُلِدَ حديثًا بمصِّ أصابعه، فإن الهرم المتقدم في السن يظهر غيرته "وخاصة من الناجحين ممن هم حوله, وقد يكونون من أبنائه" بإظهار ألوان شتّى من الاضطرابات الوظيفية والعضوية، ومنها الاكتئاب، أو الشعور بالذنب, أو احتقار الذات, وقد يظهر أحيانًا ما يشبه سلوك الطفل فعلًا كالعناد والشكوى المستمرة.
وعادة ما يستبدل المسنون في هذا الطور "السلع" المادية بالسلع المعنوية والوجدانية في علاقاتهم بالآخرين، فمع زوراهم يركزون على تقديم الطعام والهدايا والنقود لهم حتى يعاودوا زيارتهم, ويكمن وراء ذلك السلوك خوف عميق من أن يكون اعتبارهم الشخصي في ذاته ليس حافزًا قويًّا يدفع الآخرين لزيارتهم, وهم في ذلك أشبه بالطفل المنبوذ الذي يسعى لجذب انتباه الكبار بالوسائل المادية؛ كتقديم قطعة من الحلوى للوالد حتى يظل إلى جواره أطول فترة ممكنة.
وحين يواجه المسنون في أرذل العمر بالحقيقة, وهي أنهم فقدوا علاقاتهم الشخصية, فإنهم يتحولون إلى التمركز حول الذات, إلّا أن التمركز حول الذات في هذا الطور يختلف عنه في طوري المراهقة أو الشيخوخة، إنه هنا أقرب -مرة أخرى- إلى تمركز الطفل حول ذاته، حيث يعيش في الحاضر فقط، ويظهر لونًا متطرفًا من النرجسية، ومع هذه النرجسية المتطرفة يشعر المسن في هذا الطور بحاجته للإبقاء على علاقته مع الآخرين حتى يشعر بأنه إنسان حي, ويؤدي ذلك
(1/632)

كله بالمسن إلى أن يصبح أكثر إزعاجًا, ناهيك عن النزعة للتكرار المستمر للحديث الواحد عدة مرات, وهذا كله يزيد من بعده عن الآخرين، وهنا تبدأ الحلقة المفرغة؛ حيث تزيد حاجته للآخرين، ويزداد رفضهم له، ويؤدي ذلك كله إلى تدهور جديد في تقدير الذات.
وكثيرًا ما ينشغل المسن في أرذل العمر بجسده، فتكثر أحاديثه عن الأمراض والعمليات الجراحية والدواء, ويختبر أعضاء جسمه كثيرًا، فيحرك ساقيه ويديه كثيرًا في حركات تكرارية نمطية، كما قد ينشغل بعضهم بأعضائهم التناسلية, بل إن بعضهم يحاول التخفيف من القلق الناجم عَمَّا يحدث لوظائف الجسم وأعضائه بتكرار هذه التغيرات, ويؤدي ذلك إلى عزلتهم, ناهيك عن قلقهم وتوترهم ذاته.
ومن هذا العرض للتغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر يتضح لنا أن للمسن في هذا الطور طرقه التوافقية "التي لا تُعَدُّ بالطبع طرقًا سوية" مع التدهور الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي, ومع ذلك تظل في حدود التعامل المعتاد إذا استطاع بها المسن أن يتحكم في القلق والخوف والاكتئاب التي تنشأ عن هذه الألوان المختلفة من التدهور, فإذا استمر القلق, أو حدث خلل عضوي, فقد ينتج عن ذلك اضطرابات عضوية أو وظيفية تدخل في باب التشخيص السيكاتري، وهي الاضطرابات الأكثر شيوعًا في هذا الطور, والتي ستنناولها في القسم التالي من هذا الفصل.
(1/633)

تصنيف الاضطرابات السلوكية
مدخل
...
تصنيف الاضطرابات السلوكية:
يتضمن تصنيف الاضطرابات السلوكية عمليتين أساسيتين هما: وصف الأعراض "التشخيص", والبحث عن الأسباب "الإيتيولوجيا أو التعليل", وهذه العملية المركبة تسهل علينا فهم الاضطراب السلوكي, ومن ثمة علاجه.
ويتبع تصنيف الاضطرابات السلوكية في معظم المجتمعات المعاصرة الموجهات التي حددتها منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية, فقد استطاعت هاتان المنظمتان منذ عام 1986 إعداد المحكّات اللازمة لإجراء التشخيص المعياري للاضطرابات السلوكية, وقد ظهرت المحكات في نفس العام في الطبعة الثانية من الدليل الإحصائي والتشخيص Diagnositic and Statistical Manual of Mental Disorders.
(1/633)

وقد أفاد هذا الدليل كثيرًا في المقارنة بين الثقافات عبر السنوات, وقد تعَرَّض هذا الدليل لتعديلات كثيرة, آخرها ما تضمنته طبعته الرابعة DSM IV التي صدرت عام 1995.
ويعتمد دليل الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية على خمسة محاور أو أبعاد للتصنيف:
1- الاضطرابات السيكياترية الراهنة "وقت التشخيص".
2- اضطرابات الشخصية والنمو التي تمتد بجذورها في تاريخ المريض, والتي تُعَدُّ من نوع الاضطرابات طويلة الأمد.
3- الاضطرابات الجسمية التي تظهر مع محاولة الاضطراب السلوكي للتعبير عن نفسه.
4- حدة الضغوط النفسية الاجتماعية, والتي تمتد في مقياس سباعي متصل, يبدأ من عدم وجود هذه الضغوط على الإطلاق, إلى حدتها المتطرفة التي قد تصل إلى حد الكارثة.
5- أعلى مستوى لنشاط توافقي أظهره الشخص خلال العام الماضي على وقت التشخيص, ويمتد ذلك أيضًا في متصل يبدأ من التوافق الممتاز إلى العجز التام عن التوافق, وهذا المحور له أهمية خاصة في التكهن بمآل Prognosis الاضطراب في المستقبل.
ويتم التصنيف "التشخيص والتعليل" في ضوء هذه الأبعاد الخمسة، ومنها يتوصل الأخصائي النفسي أو طبيب الأمراض العقلية إلى صورة مركبة تشمل أنواع الأعراض الراهنة ودرجة تعقدها والمدى الزمني لحدوثها, والعوامل التي تفسر ظهورها, سواء في الماضي أو الحاضر, ومن ذلك مثلًا: أن تقويم المسنين الأعلى في النشاط التوافقي في السنة الأخيرة من حياة المريض "وقت التشخيص", قد يحدد درجة حدة الاضطراب الحالي، كما يحدد أيضًا درجة استجابة المريض بعد التدخل العلاجي الملائم, وعلى الرغم من التفاصيل الفنية الكثيرة التي يتضمنها هذا النسق في التصنيف, فإن الوصول إلى تشخيص وتعليل مفيدين يعتمد في النهاية على الحكم الكلينيكي الماهر اللمتخصص "Huyck & Hoyer, 1982". أضف إلى ذلك أن الاضطراب السلوكي ظاهرة ذات طابع ثقافي واجتماعي في جوهره "Kermis, 1974"؛ فالمرض النفسي أو العقلي ليس ظاهرة منفصلة، وإنما هو نوع من المتصل في الأحكام الذي يمتد من الأنماط السلوكية التي يتفق "الجميع" على أنها مرضية "كالخلط والهذاء", إلى تلك التي لا يعتبرها إلّا القليلون من هذا النوع "كالشعور بالاستلاب"1, ولعل هذه الحقيقة الأخيرة تشير إلى واجب علماء النفس وطب الأمراض العقلية المسلمين إلى بناء نموذجٍ تصنيفيٍّ للاضطرابات السلوكية في الإطار الثقافي الإسلامي، وهذا جهد إبداعي آخر لم يتصد له أحد منهم بعد، وقد يفيد في تحقيق ذلك الاستفادة من الجهود التي بُذِلَتْ لتناول مفهوم الصحة النفسية من منظور إسلامي "Abou-Hatab 1998", وحتى يتم الوصول إلى ذلك النسق المنشود سوف نعتمد في تصنيف الاضطرابات السلوكية في طور أرذل العمر على قائمة الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية التي أشرنا إليها.
__________
1 تختلط بعض الكتابات المعاصرة بين مفهوم الاستلاب bereavement حين يشعر المرء أن شيئًَا أو شخصًا عزيزًا قد انتزع منه قهرًا, وبين مفهوم الاغتراب alienation.
(1/634)

أولًا: الاضطرابات الوظيفية
كان من المفترض لزمن طويل أن الاضطرابات العقلية في الشيخوخة المتأخرة ترتبط بخلل المخ, وعلى هذا فكان من المتعتقد أن الأعراض السيكلوجية التي تظهر في هذا الطور تعود في جوهرها إلى تصلُّب الشرايين Arterioscloerosis, أو ذهان الشيخوخة Senile Psychosis, وقد شاع المصطلح لفترة طويلة من الزمن, وكان تعريفه الشائع أنه انفصال عن الواقع تحدثه عوامل غير معلومة ترتبط في جوهرها بالتقدم في السن, وقد أظهر التقدم في علم النفس المرضي في السنوات الأخيرة أن ما يسبب هذه الأعراض هو الاكتئاب وليس محض التدهور العضوي، ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تطورًا هامًّا في طرق التقويم النفسي التي تفيد في التمييز بين خرف الشيخوخة Senile Dementia العضوي, وبين الاضطرابات الوجدانية والوظيفية التي تحدث في هذا الطور النهائي من حياة الإنسان "Birren & Slonae, 1980". كما تأكد أن الاضطراب العضوي عند حدوثه في أرذل العمر قد يرجع إلى أسباب طارئة قابلة للعلاج؛ مثل: التسمم بالعقاقير, وسوء التغذية, والمرض الجسمي، بل إنه حتى حين يتحوّل خرف الشيخوخة إلى حالةٍ مستقرّة أو متدهورة "أي: لا تتوجه إلى التحسن", فإنه قد يرجع أيضًا إلى مكونات عضوية أو وجدانية طارئة كذلك.
ونتناول الآن الاضطرابات الوظيفية التي تظهر في طور أرذل العمر، أمّا الاضطرابات العضوية فسوف نتناولها بعد ذلك.
(1/635)

1- اضطرابات القلق:
من التطورات الجوهرية التي شهدها تصنيف الاضطرابات السلوكية في السنوات الأخيرة, وخاصةً في DSM في طبعاته الأخيرة, استعباد الفئة المرضية التي شاعت منذ مطلع هذا القرن وحتى عام 1980, وهي فئة العصاب neurosis, وحلّت محلها ثلاث فئات تصنيفية هي: اضطرابات القلق، والاضطرابات السيكوسوماتية، واضطرابات المفارقة "التفكك"1 وهي جميعًا من فئة الاضطرابات الوظيفية.
ولعلنا في هذا الصدد نشير إلى أن العصاب الكلاسيكي واضطرابات الشخصية بصفة عامة نادرًا ما تظهر لأول مرة في طور أرذل العمر, فهذا الطور يستحضر معه القلق والاكتئاب والاضطراب السيكوسوماتي. كما أكدت البحوث أنه لا توجد فروق دالة بين مختلف المراحل العمرية في طرق التعامل مع هذه الصعوبات, فإذا كان المسن المتقدم في العمر يشعر بالقلق نتيجة الفقدان والتدهور, فإن الشخص الأصغر سنًّا قد يشعر بالقلق أيضًا نتيجة مواجهة تحديات الحياة, وعلى الرغم من هذه الأسباب المختلفة, فإن أعراض القلق في الحالتين متشابهة "Birren & Sloane, 1980".
وتوجد لدى المسنين في الطور المتأخر من حياتهم مصادر كثيرة مختلفة لاستجابات القلق, ومن ذلك الفقدان أو الكارثة الشخصية, كما أن القلق المزمن، الذي ينتقل عادةً من مراحل عمرية سابقة، يستمر ويستقر ويصبح نمطًا للسلوك في طور أرذل العمر, كما يظهر الخواف "الفوبيا" وفيه تتم إزاحة القلق على أشياء ومواقف تفيد كرموز خارجية للمشاعر الداخلية, ويظهر أيضًا سلوك الوسواس القهري وخاصةً حين يكون المسن في عزلة وفقدٍ للكفاءة الحسية معًا "رهين المحبسين على حد تعبير أبي العلاء".
ومن استجابات القلق الشائعة لدى المسنين في هذا الطور قلق العجز المتعلم learned helplessness كما يسميه سليجمان، وفيه يشعر الشخص أنه غير قادر على التحكم في الظروف المحيطة به, بصرف النظر عن الأفعال التي تصدر عنه.
__________
1 مفهوم العصاب من ابتكار نظرية التحليل النفسي، وظل حتى عام 1980 يجمع طائفة من الاضطرابات المختلفة تربطها خصائص "نظرية" مشتركة, وأهمها أنها علاماتٌ على القلق اللاشعوري، وقد حاول التصنيف الجديد DSM أن يكون نسقًا وصفيًّا، وقد أبقى على الأعصبة الخاصة مع إعطائها أسماء جديدة.
(1/636)

ويزداد هذا القلق حِدَّةً مع فقدان شريك العمر, أو التدهور في الصحة الجسيمة، إنه يخشى أن يصير عبئًا على الآخرين, وأن يفقد استقلاله، كما يخشى الإهمال الذي قد يتعرّض له إذا أصيب بمرض عضال، ولهذا نجد أن قلق العجز المتعلم, والقلق الاكتئابي أكثر شيوعًا لدى المسنين في طور أرذل العمر.
2- الاضطرابات السيكوسوماتية:
كثيرًا ما يظهر المسنون في طور أرذل العمر أعراضًا جسمية لاضطراباتهم النفسية، ويظهر ذلك خاصة في نوعين من الاضطرابات؛ هما: زملة بريكيه وتوهم المرض.
وتتسم زملة بريكيه Briquet's Syndrome بتواتر الشكاوى المتعددة من الاضطراب الجسمي, والتي لا يسببها مرض جسمي محدد؛ فقد يحدث أن يعاني المسن في وقت واحد من الصداع والتعب والإغماء والغثيان والقيء ومشكلات الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي وأمراض الحساسية, والأشخاص الذين يعانون من زملة بريكيه يظهرون هذه الاضطرابات الجسمية كأعراض تحولية، أي: أن هذه الأعراض الجسمية لها وظيفتها الرمزية في الدلالة على القلق ومشاعر الذنب والاكتئاب والميول الانتحارية "وهو المرض الذي كان يسمى في الماضي الهيستيريا التحولية", صحيح أن هذا المرض قد يظهر مبكرًا منذ مطلع الرشد, ولكنه مع أرذل العمر يزداد رسوخًا واستقرارًا وحدة, وهو أكثر شيوعًا بين النساء منه بين الرجال.
أما توهم المرض hypochondria وهو "عصاب" سيكوسوماتي آخر، فيه ينشغل المسن انشغالًا زائدًا بجسمه, أو بأجزأء منه, والتي يشعر أنها مريضة أو ضعيفة الكفاءة، ويتسم مثل هذا الشخص بالنرجسية، بمعنى أنه يتحول من تركيز اهتمامه السيكولوجي بالأشياء والأشخاص في بيئته, إلى تركيزه على ذاته, وخاصة ذاته الجسمية، وبهذا ينتقل القلق من مصدر من الضغط والإجهاد السيكولوجي المحدد إلى شكوى جسمية تدرك لا شعوريًّا, وتعتبر أقل تهديدًا, ويستخدم المرضى من هذه الفئة الأعراض الجسمية كوسيلة لعقاب الذات, وكنوع من الكفارة عن عدوانهم ومشاعرهم السلبية الأخرى نحو الآخرين وثيقي الصلة بهم, كما أن هذه الأعراض تستخدم أيضًا في عقاب الآخرين الذين يشعر المسن أنهم عَرَّضُوه للأذى، ومع ذلك فهو "أي: المسن" لا يستطيع مقابلة الأذى بمثله.
ولا شَكَّ أن الاضطرابات السيكوسوماتية تحقق للمسن في أرذل العمر دوره
(1/637)

الوحيدة وهو دور المريض، فالمرض ذريعة قوية لإعفاء المسن من مسئولياته الاجتماعية المعتادة، كما أنه يعطيه الحق في الحصول على العناية والرعاية والاهتمام، إلّا أن الاختلاف الجوهري بين دور المريض في طور أرذل العمر وهذا الدور في المراحل العمرية السابقة, أن المريض المسن على عكس من هم أصغر سنًّا، لا يرغب من الشفاء مادامت هناك "مكاسب" سيكلوجية للمرض.
3- اضطرابات الإدمان:
يوجد اضطراب سيكولوجي شائع في طور أرذل العمر يتصل بإدمان المخدرات والمسكرات, وأشهر صور الإدمان لدى المسنين في الغرب هو تعاطي الكحول، فهو شائع حتى بين المودعين في مؤسسات الرعاية, ومن الغريب أن كثيرًا من هذه المؤسسات في أوربا والولايات المتحدة تُقَدِّمُ الكحول للمسنين كفاتح للشهية, أو كمهدئ, أو للإبقاء على سلوك التطبيع الاجتماعي "حيث يقدم الكحول في هذه المجتمعات للضيوف في المواقف الاجتماعية"، ويترتب على ذلك زيادة إدمان الكحول لدى المسنين, وتوجد فئات عديدة من هؤلاء؛ فمنهم من يوصف بالمدمن المتأخر وهو الشخص الذي تعوَّد على الإسراف؛ في تعاطي الكحول في وقتٍ متأخر من حياته "في سن الخمسين مثلًا", وهم أولئك الذين فقدوا أدوراهم الاجتماعية مع بلوغ هذا الطور, ومنهم من يدمن العقاقير التي تُقَدَّمُ لهم كوصفات طبية "لما تتضمنه من بعض المواد المخدرة" كالمهدئات، أو التي تُعَدُّ من قبيل المخدرات المحظورة, وبصفة عامة نقول: إن المسنين المتأخرين الذين يدمنون المسكرات والمخدرات قد يكونون إما بدأوا التعاطي والإدمان مبكرين ثم استمروا، أو بدأوا ذلك بعد الدخول في هذا الطور النهائي من حياة الإنسان, وهذه الحقائق المؤسفة تكشف لنا عن حكمة الإسلام العظيم في تحريم الخمر والمخدرات, والمسلم الذي يتجنب هذه الخبائث لن يعيش شبابًا ورشدًا صحيحين فحسب, وإنما شيخوخة سعيدة أيضًا, وإذا كان للمسكرات والمخدرات أثرها المدمر على صحة الشباب وعلاقاتهم الإنسانية وظروفهم الاقتصادية، فإن هذا الخطر يكون أشد وأفدح بالنسبة للمسنين المتأخرين, وخاصةً مع التدهور الجسمي الذي يصاحب هذا الطور, ناهيك عن أنها قد تؤدي إلى التعجيل بظهور الاكتئاب لديهم.
4- اضطرابات البارانويا:
البارانويا Paranoia اضطراب سلوكي شائع في طور أرذل العمر, ومحور هذا الاضطراب هلاوس ووساوس حول الذات, وهو مركب من الشعور بالاضطهاد والعظمة والارتياب والشك والحقد والغيرة والحسد.
وبالرغم من شيوع مثل هذه المشاعر, فليس من المعتاد أن تنشأ فجأةً لدى المسنين
(1/638)

المتأخرين، فأولئك الذين يظهرون هذه الاضطرابات البارانوية في هذا لطور عادةً يتسمون ببعض هذه الأعراض لبضع سنوات سابقة, وهذه الاضطرابات لا تؤدي بصاحبها إلى خللٍ في رعاية الذات, فهو قد يستطيع أن يؤدي هذه المهام جيدًا، وقد لا يكون موضوع أي رعاية طبية بسبب توهماته, وتتسم استجابة المسنين البارانوويين بأنها تتضمن بعض التوهمات الشائعة "وأشهرها توهم اضطهاد أجهزة المخابرات أو الشرطة" التي قد ترتبط بالخداعات أو الهلاوس حول موضوع التوهم, وعادةً لا تتعرض شخصية هؤلاء للتدهور إلّا في حالة الأزمة, وتظهر الاستجابة البارانووية خاصةً مع الأنماط الأربعة الآتية للشخصية "Birren & Sloane, 1980"
أ- المشاكسة - العدوان - العداء.
ب- التمركز حول الذات - العناد - الاستبداد والتشبث بالرأي.
ج- الشك والريبة - الغيرة - الشعور بالاضطهاد.
د- الخجل - الحساسية - الانسحاب.
كما يتسم هؤلاء بالعزلة الشديدة في علاقاتهم بالآخرين، والواقع أن العزلة عاملٌ هامٌّ في تحديد العلاقة بين الصمم والبارانويا حتى في المراحل المبكرة من الحياة، فالمسنون ذوو العجز السمعي والذين لديهم أحد الأنماط البارانوية السابقة, يعتمدون كثيرًا على الإسقاط والهلوسة لملء فجوات إدراكهم للعالم الحقيقي على نحوٍ يؤدي بهم إلى ظهور الاضطهاد, وإسقاط فشلهم في التعامل الخارجي على الآخرين المحيطين بهم انفعاليًّا ومكانيًّا, وهذا الموضوع يتصل مباشرة بالصلة الوثيقة بين الحرمان الحسي وظهور هذه الأعراض المرضية.
ويصف علما النفس الكلينيكيون البارانويا على أنها عرض أكثر منها اضطراب عند المسنين, وقد يظهر على الرغم من عدم وجود تدهور معرفي شديد "Kermis, 1984", أما المرض الذي قد يظهر فعلًا في المراحل المتأخرة من البارانويا, ويتسم بسيطرة الهلاوس والتوهمات، كما قد يظهر أيضًا الفصام البارانووي, والذي يتمثل في ظهور أفكار متوهمة في مجال ضيق محدود, ومن ذلك الهلاوس السمعية التي تظهر في صورة توهم وجود صوت شخص آخر يعقب على أفعال المريض وأفكاره، وقد يتطور إلى الاستماع إلى صوتين يتصارعان حول أداء هذه الوظيفة, وحين يتطور هذا المرض بشدة فإنه يؤدي إلى التفكك الكامل لحدود الأنا, ويتطلب الإيداع في المؤسسات.
(1/639)

5- الاضطرابات الوجدانية:
تشمل هذه الفئة من الاضطرابات الوظيفية "حسب تصنيف DSM IV" مجموعة من الخصائص الشخصية الأكثر شيوعًا في طور أرذل العمر وهي: الاكتئاب الخطير، الاضطراب الثنائي القطب "والذي كان يُسَمَّى في الماضي الجنون الدوري"، والاضطراب الدائري Cyclothymic, والذي يمتد بصاحبه بين الهياج والانقباض, وهذه جميعًا اضطرابات وظيفية لأنها لا تنشأ عن الخللل العضوي في الجسم, وإنما هي نتاج العلاقات بين الأشخاص وداخل الشخص والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر تأثيرًا مدمرًا على الشخص من خلال قيمه السيكولوجية والرمزية.
ولعل الاكتئاب الخطير من بين هذه الاضطرابات الوظيفية هو الأكثر حدوثا بين المسنين في طور أرذل العمر, وتذكر "Kermis, 1984" أن حوالي 3% من مجموع سكان العالم يتعرضون سنويًّا للإصابة به، إلّا أن هذه النسبة أعلى من ذلك لدى المسنين المعمِّرين, وعلى الرغم من أن جميع المسنين لا يتساوون في درجة العجز الناجم عن الاكتئاب, إلّا أنهم جميعًا يظهرون تدهورًا واضحًا يتمثل في بطء التفكير ونقص النشاط الهادف والقلق الشديد، فإذا صوحب ذلك بأعراض معينة تختلف عن النشاط العادي للمرء, وتستمر معه يومًا بعد يوم, فإن ذلك يعطي الصورة الكلينيكية للاكتئباب الخطير، ومن هذه الأعراض الشعور بالحزن الأليم, والميول الانسحابية العامة وكف النشاط، وسيطرة التشاؤم، وهبوط تقدير الذات، وعدم الثقة في التنبؤ بمصير الذات. كما توجد علامات ثانوية ذات طبيعة جسمية "فالاكتئاب ليس مرضًا نفسيًّا خالصًا", وتشمل: الأرق، نقص الوزن، فقدان الشهية، التعب، الإمساك، تدهور النشاط الحركي، دورات السلوك التكراري اليومي, وتؤكد البحوث على المسنين "Cole & Barrett, 1980" أن الأشخاص المكتئبين في طور أرذل العمر أكثر احتمالًا لإظهار علامات المرض كالإمساك والتعب أكثر من أعراضه كالحزن والتشاؤم.
وتصدر عن المسنين المكتئبين أنماط معينة من السلوك، ومن ذلك الشعور العميق بالذنب على آثام متوهمة من نوع الصغائر أو الكبائر, وتشغلهم كثيرًا حينئذ محاولات التوبة أو الخوف من العقاب الدنيوي أو الأخروي, ويشعر المسن المكتئب بالقلق الشديد والتوتر العنيف، قد يصل إلى حد السعي لتدمير الذات الذي قد يؤدي إلى الانتحار، ولهذا فإن الاكتئاب يعد اضطرابًا مهددًا لحياة المسنين, وقد توجد بعض الأعراض الجسمية المصاحبة للاكتئاب في هذا الطور, ويفسر "Zung, 1980" ذلك بقوله: إنه إذا كانت الأعراض السيكولوجية للاكتئاب هي
(1/640)

الدالة على الفشل الشخصي، وهو ما لا يحب المسن أن يعترف به، فالبديل إذن هو المرض الجسمي الذي لا حيلة له فيه.
وفي الممارسة الكلينيكية يصعب التميز في طور أرذل العمر بين الاكتئاب وأعراض الخلل المخي العضوي المزمن، ولهذا ظهرت فئة تشخصية تُسَمِّي الاكتئاب العضوي -سوف نتناولها فيما بعد, كما قد يتداخل الاكتئاب مع الشعور بالشقاء والتعاسة والحزن الوجداني, والذي قد يُعَدُّ استجابةً طبيعيةً للمواقف التي يوجد فيها المسن, كما قد يختلط اكتئاب المسنين أيضًا بعلامات الهرم العادي, وبالتالي يتجاهله الكثيرون، ومع ذلك فإن الاكتئاب يظل أخطر الاضطرابات الوجدانية لدى المسن، وهو الاكثر شيوعًا لديهم, كما يلاحظ لدى الذين يترددون على المستشفيات, سواء للإقامة الداخلية, أو على العيادة الخارجية، ولدى الذين يعيشون في المؤسسات "دور المسنين"؛ ففي مسحٍ أُجْرِيَ عام 1992 في الولايات المتحدة, لوحظ أن 63% من المقيمين بدور رعاية المسنين يعانون من الاضطرابات المعرفية، كما يؤلف الذين يعانون من الاكتئاب الحاد 25% منهم "Mensh, 1994"
(1/641)

ثانيًا: الاضطرابات العضوية
تنشأ الاضطرابات المخية العضوية عن عجز أنسجة المخ عن النشاط لأسباب كثيرةٍ، وتسمى هذه الاضطرابات الخرف Dementia, ومنه خرف الشيخوخة Senile Dementia, ويوجد نوعان من هذا الخرف؛ أولهما: نمط الزهيمر Alzherimer, والذي يسمى أيضًا الخلل الأولي للخلايا العصبية، وثانيهما: نمط الأوعية الدموية Cerebrovascular, والذي يُسَمَّى أيضًا خرف الاحتشاء المتعدد.
أما الأنواع الأخرى من الخرف فتشمل مرض بك pick, وزملة أعراض فيرنك-كورساكوف Wernicke - Koersakoff, ومرض كوريا لهنتجتون Huntington Chorea، وتصلب الأنسجة المتعددة Multiple Sclerosis, ومرض كورو1 Kuru، وتتسم هذه الاضطرابات العضوية جميعا بأنها خطيرة طبيًّا بأنها لا تقبل الشفاء irreversible, وبالتالي فهي مزمنة، وهي علامة على
__________
1 اقتراح أ. د. يوسف مراد ترجمة كلمة Delirium بكلمة هتر، وكلمة DEmentia بكلمة خبل، وإلّا أن الاستخدام الطبي لهما كما جاء في المعجم الطبي الموحّد ورد على النحو الذي جاء في هذا الكتاب، وآثرنا الالتزام به توحيدًا للغة العلم.
(1/641)

الخلل النهائي الذي ينتهي بالمسن في هذا الطور إلى الموت، وتوجد أنواع أخرى من الاضطرابات المخية العضوية التي تظهر في طور أرذل العمر أيضًا, ولكنها أقل حدة, وقد توصف طبيًّا بأنها تقبل الشفاء reversible, وبالتالي فهي حادة actute, وتسمى الخبل Delirium, ومنها الاكتئاب ومرض استسقاء المخ Hydrocephalus والتسمم بالعقاقير.
ومن الحقائق التي كشفت عنها البحوث أن الاضطرابات المخية العضوية قد تكون علاماتها خفيفة أو عميقة، وقد تظهر ببطء أو بسرعة، وقد وصف "Bulter & Lewis, 1982" خمسة تغيرات عقلية تصاحب الاضطرابات المخية العضوية من مختلف الأنواع وهي:
1- عجز الذاكرة: والذي ينتج عن الفشل في تسجيل الأحداث، أو الفشل في الاحتفاظ بما تَمَّ تسجيله، أو العجز عن الاسترجاع الاختياري من الذاكرة.
2- العجز العقلي المعرفي: والذي يظهر في صورة فشل المسن في فهم الحقائق أو الأفكار، والعجز عن التفاعل مع المشكلات البسيطة "كالمشكلات الحسابية الروتينية"، والفشل في اكتساب سلوك جديد وتعلمه بسبب اضطرابات الذاكرة، مع سيطرة النمطية, والقصور الذاتي في صورة تكرار الاستجابة, حتى وإن كانت لا تتناسب مع المثير أو الموقف، كما يتسم النشاط العقلي بالتفكير الحسي الحركي والتفكير العياني الشبيه بتفكير الأطفال.
3- العجز الشخصي الاجتماعي: والذي يتمثّل في صعوبة فهم المواقف الشخصية ووضع الخطط واتخاذ القرارات والعجز عن معرفة هوية الأشخاص الآخرين، وتجنب المواقف الصعبة بالانشغال عنها بأعمال لا صلة لها بهذه المواقف, ويزيد الموقف حدة الاضطرابات اللغوية والإدراكية والحركية المصاحبة لذلك.
4- العجز عن تحديد الاتجاهات: ويتمثل في الخلط في تقدير الزمان والمكان, مع ظهور الخلط الزماني أولًا.
5- العجز الانفعالي: ويتمثل في التحول من الانفعالية الشديدة إلى البلد الانفعالي، ويتم هذا التحول بسرعة وبدون سبب ظاهر.
وهذه التغيرات الخمسة تكشف لنا معًا مرة أخرى عن الإعجاز النفسي للقرآن الكريم في وصفه لطور أرذل العمر, انتكاس لأطوار النمو المبكرة وفقدان للقدرة.
(1/642)

على التعلم "والذاكرة هي وعاء التعلم".
وبالطبع لايظهر الأشخاص المسنون هذه العلامات الخمسة معًا وفي وقت واحد، كما أن بعض هذه العلامات قد يكون أشد من غيره، وبعضها قد يكون لبعض الوقت من النوع الحاد المؤقت "الخبل", والبعض الآخر يستمر في التطور نحو مزيدٍ من التدهور والعجز, حتى يصل بالمسن إلى العجز الكامل عن التعامل مع أبسط صور رعاية الذات، ويظل كذلك حتى الموت، وحينئذ يصبح الاضطراب مزمنًا من نوع الخرف.
ونعرض فيما لي الاضطرابات المخية العضوية بنوعيها, متبدئين بالخبل ومنتهين بالخرف:
1- الاضطرابات المخية العضوية الحادة "خبل الشيخوخة":
هذه الاضطرابات تُطْلِقُ عليها الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية مصطلح delirium, وهو الذي آثرنا ترجمته بالمصطلح الطبي خبل الشيخوخة, وهذه الاضطرابات شائعة بنسبة تتراوح من 10% و 20% بين المصابين بالاضطرابات المخية العضوية, وهي أنواع من الاضطرابات تقبل الشفاء وتتسم بأنها تحدث فجأة ولفترة مؤقتة، ومن هنا جاء وصفها بالحدة, وتظهر في هذه الاضطرابات بعض أو جميع علامات زملة أعراض الاضطراب المخي العضوي, ومن ذلك الحمَّى، وارتعاش العضلات، وسرعة دقات القلب، والعرق، وراتفاع ضغط الدم، وعدم سواء الرسم الكهربائي للمخ, كما أن الأعراض النفسية التي ترتبط باحتمال حدوث هذا النوع من الاضطراب تشمل القلق البالغ، والتوهم، والخداعات، والخلط، وتذبذب مستوى الوعي، والخلل المعرفي، وأشهر صور الخلط والتوهم هو الشعور بالاضطهاد, ويحدد الباحثون بضعة أسبابٍ لحدوث هذا النوع من الاضطراب المخي"Huyck & Hoyr, 1982" هي:
أ- الأسباب البنيوية: ومن ذلك أورام وجلطة المخ, والتي تؤدي إلى حدوث تغيرات عقلية لدى حوالي نصف المرضى من هذه الفئة؛ فالجلطة أو الورم المخيان يؤديان إلى منع الدم من الوصول إلى أجزاء معينة من المخ.
ب- التسمم بالعقاقير: ويشمل ذلك التسمم الكحولي، والسبب في ذلك أن علميات الأيض للعقاقير "وخاصة ما يتضمن منها المواد المخدرة" أبطأ لدى المسنين، أضف إلى ذلك أن بعض المسنين يسيئون استخدام
(1/643)

العقاقير الطبية, ومن ذلك استخدام تذاكر طبية متعددة لأطباء مختلفين على مراحل زمنية مختلفة، أو استخدام أدوية يوصي بها الأصدقاء والمعارف، أو استخدام أدوية لم تعد صالحة أو مفيدة للاستعمال، أو إحلال أدوية محل أخرى.
ج- نقص السكر في الدم: وهو أحد أمراض البول السكري, ويسمى hypoglycemia, ويظهر عندما يكون مقدار السعرات الحرارية الوارد لجسم المسن غير متناسب مع مقدار الأنسولين المستهلك، أو إذا كان جسم المسن لا يستطيع تجهيز الطعام بسبب نقص إفرازات الكبد "نتيجة التليف مثلًا".
د- اضطرابات القلب: وخاصة تضخم عضلة القلب عند المسنين الذين يعانون بالفعل من بعض الخلل في نشاطهم المعرفي؛ فاضطراب القلب يؤثر في قدرته على تزويد المخ بالدم اللازم له.
و اضطرابات التغذية وخلل علميات الأيض: فقد ينشأ عن ضعف نشاط الغدة الدرقية مثلًا خلل في النشاط المعرفي, أضف إلى ذلك أن أمراض سوء التغذية ومنها الأنيما الخبيثة والنقص الشديد في فيتامين "ب" قد تؤدي إلى زملة أعراض مخية من النوع الذي نصفه هنا, كما أن زيادة الكالسيوم عن المستوى العادي يؤدي إلى التبلد والخلط.
ز- الإجهاد النفسي: ويشمل ذلك ما ينتج عن الألم الشديد والحزن العميق والشعور المزمن بالشقاء والتعاسة، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور أعراض الاضطراب المخي الحاد "المؤقت".
وفي معظم الحالات فإن اضطرابات خبل الشيخوخة ذات الطبيعة المخية العضوية الحادة تنشأ عن تفاعل أسباب عديدة "Birren & Slonane, 1980"؛ فمثلًا يمكن لأي عقار أو مخدر له أثره في الجهاز العصبي أن يؤدي إلى حدوث هذه الاضطرابات, وخاصةًً إذا كان المريض المسن يعاني من أمراض الأوعية الدموية للقلب التي تؤدي إلى نقص إمداد المخ بالأوكسيجين, أو حين يكون المريض مصابًا بالجفاف, كما أن المسن قد ينسى "بسبب ضعف ذاكرته" أنه تناول بالفعل دواءه, وبالتالي قد يتعاطى جرعات متعددة "أكثر من اللازم" دون أن يدري.
(1/644)

توجد نسبة عالية من الموت المباشر بسبب خبل الشيخوخة تصل إلى حوالي 40%, ويرجع ذلك في جوهره إلى أخطاء التشخيص, أما إذا أمكن تحديد الاضطراب بدقة, فإن هذا النوع من الاضطراب لا يمتد لأكثر من أسبوع واحد؛ فعلاجه يتم بتصحيح الشرط المحدث له؛ فالمريض المسن قد يحتاج إلى الأوكسيجين, أو جلوكوز الدم, أو نقل الدم, أو علاج المرض المعدي, أو التحكم, فإن المريض قد تتطور حالته إلى اضطرابٍ مخيٍّ أكثر خطرًا "خرف الشيخوخة" أو يموت, وفي كثير من الأحوال يشفى المريض وحينئذ يستطيع أن يعود إلى نشاطه المعتاد.
ومن التقاليد الطبية الراسخة في هذا الميدان في وقتنا الحاضر افتراض أن جميع الاضطرابات المخية العضوية قابلة للشفاء، فإذا استجابت الحالة للعلاج صُنِّفَتْ على أنها من النوع الحاد "خبل الشيخوخة", أما إذا لم تستجب فإنها تصبح من النوع المزمن الأشد خطرًا, والذي سنتناوله في القسم التالي.
2- الاضطرابات المخية العضوية المزمنة "خرف الشيخوخة":
يمكن القول أن خرف الشيخوخة Senile Demetia, هو أخطر الأمراض العقلية في مرحلة المسنين، بل هو المعلم الرئيسي على دخول المسن طور أرذل العمر, ومصدر الخطر الرئيسي أنه حالما تعطب خلايا المخ وأنسجته, فإنها تموت ولا تتجدد، ويؤدي عطب المخ بدوره إلى تدهور عقلي وخلل في تكامل الشخصية.
وهناك اختلافات جوهرية بين خبل الشيخوخة "المرض الحاد والمؤقت" وخرف الشيخوخة "المرض المزمن", في أن أولهما يظهر فجأة ويستمر لفترة قصيرة إذا تَمَّ تشخيصه بدقة وعلاجه بطريقة ملائمة، كما أن عرضه الأساسي هو تذبذب الوعي مع الشعور بخداعات وتوهمات ناجمة عن تشويه في الإدراك أو سوء تفسير للمدراكات, أما خرف الشيخوخة المزمن فإنه يتطور تدريجيًّا وعادةً ما تكون بدايته مع ظهور تغيرات انفعالية وسلوكية مختلفة؛ كالاكتئاب والتعب وعدم الشعور بالراحة والانسحاب الاجتماعي وفقدان المبادأة والتلقائية والانفجار الانفعالي "الغضب أو الضحك أو البكاء مثلًا", وعدم الانتظام في القيام بالأعمال المعتادة, والتغير في مستويات السلوك التي تصدر عنه, وهذه التغيرات تخبئ وراءها فقدانًا في القدرات العقلية العليا؛ فسوء التوجه الزماني والمكاني وفقدان
(1/645)

ذاكرة الأمد القصير سرعان ما يتبعها فقدان في ذاكرة الأمد الطويل, وحينئذ تختل وظائف الذاكرة تمامًا "الأفازيا"، ويشمل ذلك الاحتفاظ والاستدعاء والتعرف.
ويمتد أثر ذلك إلى فقدان القدرة على التعلُّم "حتى لا يعلم المسن من بعد علم شيئًا حسب التعبير القرآني المعجز", ومن معالم الانتكاس الطفولي الخطير أيضًا التحول كليةً إلى التفكير العياني المحسوس والفقدان الكلي للقدرة على أبسط صور التجريد, ويكون التفكير في هذا الطور أقل كفاءة بكثير من تفكير الأطفال بكثير، كما يظهر أيضًا التدهور اللغوي "وخاصة في الكلام"، كما يظهر العجز عن فهم الرموز غير اللفظية "الأجنوزيا Agnosia"، والعجز الحركي وخاصةً العجز عن القيام بالحركات الموجهة نحو غرضٍ, والذي يُسَمَّى الأبراكسيا aparaxia، ويزداد ذلك مع زيادة حدة الخلل المخي.
ويظهر ذلك كله في صورة عجز عن الإجابة على الأسئلة المألوفة والتي توجه إلى المريض مثل: تحديد أين هو, أو تاريخ اليوم أو الشهر أو السنة, أو تحديد عمره، أو تحديد تاريخ ميلاده, أو سنة هذا الميلاد, أو تحديد محل إقامته, أو ذكر اسم رئيس الدولة، إلخ "Hock & Zubin, 1964"، ويصل الأمر إلى أقصى درجاته حين يفشل المسن في تذكر اسمه، كما يفيد الفحص النفسي العصبي في التمييز بين خرف الشيخوخة والاكتئاب خاصة، ومع تأخر حالة المريض بخرف الشيخوخة في طور أرذل العمر يتحول إلى العجز الكلي عن التحكم في الحركة, وحينئذٍ لا يستطيع المريض أن يطعم نفسه, أو يحافظ على نظافته الشخصية، وهكذا يكون المسن قد دخل بالفعل في طور أرذل العمر، فالتدهور مستمر, ومع كل يوم يضاف إلى عمر المسن يشهد تغيرًا إلى ما هو أسوأ، وهذا كله يتسم بعدم القابلية للشفاء, ولا نهاية له إلّا الموت. وإذا كان خبل الشيخوخة المؤقت يصاحب عادةً بزيادة النشاط الحركي, فإن خرف الشيخوخة المزمن يصاحبه بطء شديد في هذا النشاط؛ فالشخص الذي يعاني من الاضطراب الحاد المؤقت "الخبل" يبدو مفرطًا في نشاطه ومتوترًا وغير مستقر, ويؤدي هذا السلوك إلى حيرة الملاحظ الخارجي.
ويبدو المسن في هذه الحالة كما لو كان غير مصدقٍ لما يحدث له, ويتسم انتباهه بأنه غير متبأور. ويتوجه نحو الأشخاص وليس الأماكن, ويعوزه الاستبصار، ويتسم تفكيره بأنه أقرب إلى تفكير الشخص الحالم, إلّا أن ذلك كله قابل للشفاء بالعلاج المناسب كما بينا من قبل، وهذا كله عكس خرف الشيخوخة.
وإذا عدنا إلى خرف الشيخوخة فإنه على الرغم من وجود الخصائص المشتركة السابقة, إلّا أن هذا الاضطراب يتضمن عدة فئات في التصنيف
(1/646)

السيكياتري المعاصر، كلًّا منها يوصف في ضوء أعراضه وأسبابه المفترضة.
ونعرض فيما يلي هذا الفئات:
أ- مرض الزهيمر "الخلل الأولي للخلايا العصبية":
هذا المرض هو السبب الرئيسي لخلل الوظائف المخية عند المسنين، ويُعَدُّ مع الاكتئاب- أخطر اضطرابين في السلوك يتعرض لهما المسنون في مرحلة أرذل العمر، ومرض الزهيمر يصيب حوالي نصف الذين يعانون من التدهور العقلي في هذه المرحلة، وقد تعرضت تسمية هذا المرض لتطور طريف، فحينما كان يعتبر ناجمًا عن التقدم في السن أطلق عليه العامة، خرف الشيخوخة "senile dementil", إلّا أنه عندما اكتشف أنه قد يصيب الراشدين في مراحل عمرية سابقة أطلق عليه تسمية خاصة, هي خرف ما قبل الشيخوخة Presenile demerntial" ويعود الفضل في اكتشافه عام 1970 إلى عالم النيرولوجيا الألماني Alois Alzheimer, الذي حدد التغيرات البنيوية في المخ, التي يتسم بها الخرف في هذه المراحل المبكرة من العمر، ولهذا نسب إليه, وأصبح يُسَمَّى مرض الزهيمر مشيرًا بالطبع إلى خرف ما قبل الشيخوخة, إلّا أن الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية في تصينفها السيكياتري الأخير DSM IV, فضَّلَت أن تشير إلى خرف الشيخوخة باسم الخرف الناجم عن الخلل الأولي للخلايا العصبية، مع التمييز بين هذا المرض في طوري الشيخوخة، وما قبل الشيخوخة، ويعتقد بعض الباحثين أن نوعي المرض متطابقان فسيولوجيًّا، ويشيرون إليها باسم مشترك هو مرض الزهيمر, بصرف النظر عن عمر المريض، بينما تؤكد البحوث وجود فروق بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا في هذا المرض, ولعل أهم هذه الفروق أن المسنين الذين يصابون به لا يعيشون بعده إلّا بضع سنوات، بينما المرضى به الأصغر سنًّا "في طور منتصف العمر", قد يستمرون أحياء لمدة تمتد بين عشر سنوات وعشرين سنة, مع تدهور مستمر بالطبع، ولهذا يرى البعض أن مرض الزهيمر هو في الواقع صورة مبكرة لخرف الشيخوخة؛ ففي كلاهما تظهر أعراض مشتركة كالتدهور العقلي, وخاصة فقدان الذاكرة, والتدهور في التوجه الزماني والمكاني, والاضطراب الانفعالي والسلوكي، وفي الحالتين تكون البداية بطيئة على نحوٍ قد لا يلاحظه أفراد الأسرة, وفي المراحل المتأخرة من المرض يظهر المسن عدم الاستقرار ومايصاحبه من ازعاجٍ للآخرين, والسلوك التكراري وخاصة تكرار الكلمات أو الجمل أوالنشاط, حتى لو كانت غير ملائمة؛ كأن يسأل عن الوقت مرات عديدة خلال فترة زمنية وجيزة، مع ظهور الأفازيا "فقدان القدرة على
(1/647)

استخدام اللغة"، والتغيرات السريعة في الانفعالات، كما يفقد القدرة على التحكم في المثانة والأمعاء، وقد ينتهي الأمر بالمريض إلى عدم معرفة من هو أو معرفة أفراد أسرته.
أما عن التغيرات التي تطرأ على المخ نتيجةً لهذا المرض فإنها لا تتحدد إلّا عند تشريح الجثة بعد الوفاة؛ حيث يلاحظ ضمور شديد في شجيرات الخلايا العصبية، بالإضافة إلى تغيرات بنيوية خطيرة في المخ تؤدي إلى ضمور المخ ككلٍّ ونقص وزنه.
النماذج النظرية حول المرض: لا يزال الباحثون يحاولون في وقتنا الحاضر اكتشاف الأسباب المحتملة لحدوث مرض الزهيمر، ويذكر "Wurtman, 1985" أنه توجد ستة نماذج مختلفة هي:
1- النموذج الوراثي: ويعتمد في جوهره على الأدلة المتاحة من دراسة الأسرة التي يظهر المرض بين أفرادها, وفي رأي أصحاب هذا النموذج أن هذه الأدلة قد توحي بوجود بعض الجينات الخاطئة تجعل المرء عرضة للتأثر بالظروف البيئية التي تؤدي إلى ظهور المرض، إلّا أن البحوث لم تؤكد بعد وجود كروموزوم خاص بهذا المرض.
2- النموذج البيوكيميائي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ أكثر دقة تتلخص فيما لوحظ من وجود نقص واضح في نشاط إنزيم معين في أنسجة مخ الأشخاص المصابين بهذا المرض, وهو إنزيم CHAT"1", ويبدو أن السبب في هذا النقص هو فقدان الخلايا العصبية في جزء المخ المسئول عن التحكم في إفراز هذا الإنزيم، والنقص في هذه الخلايا ليس ناجمًا عن عملية التقدم في السن في ذاتها؛ ولهذا اقترح بعض الباحثين في السنوات الأخيرة أنه قد يرجع إلى آثار الإفرازات الهرمونية الناجمة عن الإجهاد "Schaie & Willis,1976", كما أن العمليات البيوكيمائية المرضية قد تكون متضمنة في التغيرات التي تطرأ على لحاء المخ.
3- نموذج التلوث بالانتقال "العدوى": ظهر هذا النموذج في ضوء نتائج الدراسات التي أجريت على الأمراض النيرولوجية النادرة التي يمكن أن تنتقل في ظروف غير طبيعية، وقد تدعم نموذج التلوث بالانتقال أو العدوى infectious, بما وُجِدَ من أن أحد جزئيات البروتين المسمى البريون Prion الذي
__________
1 الاسم الكامل للإنزيم هو: "Coline acetyltransferse".
(1/648)

يوجد في هذه الأمراض, له خصائص بنيوية شبيهة لما يوجد في مخ مرضى الزهيمر, وقد أجريت بحوث تجريبية لنقل هذا المرض إلى الحيوانات, ولكنها لم تنجح حتى الآن, ومع ذلك فإن الاحتمال لا يزال قائمًا بوجود ناقل للعدوى بهذا المرض, والذي يتطلب قبل حدوث العدوى وجود استعداد وراثي قبلي, أو مرض راهن في جهاز المناعة أو التعرض لمادة سامة في البيئة.
4- نموذج التسمم العصبي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ لا تزال حتى الأن موضع خلاف، وخلاصتها أن بعض المعادن الضارة "ومنها الألمومنيوم"، من الألياف العصبية المسماة neurofibrillary tangles, ولم يتضح بعد ما إذا كان الألومنيوم يتم امتصاصه من مصادر البيئة ثم يؤدي بدوره إلى ظهور هذه العقد الليفية, إلّا أن الأكثر احتمالًا في الحدوث أنه حالما تظهر هذه العقد فإنها تجذب إليها الألومنيوم, وبعبارة أخرى فإن التراكم السمي لا ينشأ عن استخدام الألومنيوم في الحياة اليومية, وإنما عن الخلل الذي يطرأ على علميات الأيض حالما تحدث التغيرات غير السوية التي تنتج عن مرض الزهيمر.
5- نموذج النقص في تدفق الدم: على الرغم من أن مرض الزهيمر لا ينشأ عن تصلب الأورطي, فإن هناك أدلة على حدوث نقص واضح في تدفق الدم إلى المخ عند مرضى الزهيمر، وتؤكد الدراسات الحديثة أن تدفق الدم إلى المخ, واستهلاك الأوكسيجين فيه, يتناقص بنسبة 30% عند مرضى الزهيمر بمقارنتهم بالمسنين العاديين, ويكون هذا النقص أكثر حدة في الفص الجبهي والفص الجداري من لحاء المخ, وهي نفس المناطق التي تظهر أخطر التغيرات الباثولوجية في أنسجة المخ، ويقترح بعض العلماء أن حدوث النقص في تدفق الدم ينتج عن نقص الخلايا العصبية التي تستثير الموصلات المسئولة عن تنشيط تدفق الدم في المخ.
6- نموذج الخلل في إنزيم الآسيتلكولين: اقترح هذا النموذج من خلال محاولات أصحابه علاج مرض الزهيمر حين وجدوا أن إنزيم الآستلكولين، وهو أحد الناقلات العصبية، يقل مقداره لدى المصابين بهذا المرض، وقد توافرت الأدلة على ذلك من مصدرين؛ أولهما: العلاج بالتغذية حين يقدم للمرضى غذاءً غنيًّا بالمواد الخام التي تكوّن الإنزيم، وثانيهما: العلاج باستخدام عقار الفسوتيجمين Physotigumine, الذي يمنع التدهور السريع للإنزيم بعد إفرازه من
(1/649)

الخلايا العصبية، وعلى الرغم من أن أدلة النوع الأول من العلاج لا تزال حتى الآن غير قاطعة، وعلى الرغم أيضًا من أن أدلة النوع الثاني من العلاج تؤكد احتمال حدوث آثار جانبية خطيرة، فإن النموذج قد تتوافر أدلة كافية على صحته في المستقبل, وخاصة أن الأدلة التشريحية التي توفرت من دراسة لحاء مخ المرضى بهذا المرض بعد وفاتهم, تؤكد أن مستويات هذا الإنزيم لديهم أقل من مستوياته لدى المسننين العاديين بنسب بين 60%، 90%.
ب- خرف الاحتشاء المتعدد:
يحتل خرف الاحتشاء Multi infarcet dementia1 , والذي يُسَمَّى أحيانًا خرف انسداد وتصلب الأوعية الدموية المخية cereveovascular، المرتبة الثانية بعد مرض الزهيمر في الأهمية والخطر؛ كخلل مخي مزمن, فهو يُعَدُّ مسئولًا عن حوالي من 20% إلى 30% من خرف الشيخوخة في الغرب، وهو عبارة عن اضطراب ينشأ عن حدوث جلطات متعدد في الدم تمنع وصوله إلى المخ، ويتسم المريض حينئذ بالتوتر الزائد، وعلى الرغم من أن تصلب الشرايين قد ينشأ عن ذلك إلّا أن أهميته لا تظهر إلّا في القليل من المصابين بهذا المرض. ويبدو أن خرف الاحتشاء المتعدد يسبب جوالي 20% من حالات الوفاة الناجمة عن الخلل العضوي المزمن للمخ، بالإضافة إلى حدوثه في حوالي 12% من مرضى الزهيمر الذي أشرنا إليه.
وتظهر الأعراض الأولى لمرض خرف الاحتشاء المتعدد في المتوسط في سن 66 عامًا، على الرغم من أنها قد تظهر عند القليلين في سن الخمسين، وهي أكثر شيوعًا لدى الرجال منه لدى النساء، وقد يكون السبب في ذلك أن هرمون الإستروجين يزوّد المرأة ببعض الحماية ضد مرض الأوعية الدموية للقلب حتى بلوغها سن الطهر.
وتظهر بعض الأعطاب في الأوعية الدموية للمخ لدى المصابين بهذا المرض؛ حيث توجد في المخ مساحات تتسم أنسجتها بالخلل واللين"الطراوة", وقد تكون الأعراض المبكرة في صورة شعور بالدوار والصداع، وإلّا أن أكثر من نصف الحالات المصابة بهذا المرض تبدأ بمشاعر حادة ومفاجئة بالخلط، ويظهر في صورة هلاوس, أو بعض علامات الخبل التي أشرنا من قبل. ويتسم فقدان
__________
1 الاحتشاء infarcet موضع في الجسم ميت الأنسجة بسبب انقطاع الدم عنه لانسدادٍ أو جلطة في مجرى الدم.
(1/650)

الذاكرة في المراحل المبكرة بأنه متقطع، وقد يظل المريض محتفظًا بدرجة كبيرة من الاستبصار حتى مرحلة متأخرة نسبيًّا من مسار المرض، وكثيرًا ما تطرأ على المريض فتراتٍ يبدو فيها كما لو أن المرض خفت حدته؛ فيعود للذاكرة صفاؤها وخصوبتها على نحوٍ يجعل الكشف عن التدهور العقلي الناجم عن المرض عملية صعبة وتحتاج إلى اختبار دقيق ومنظم.
ويؤدي علاج كلٍّ من التوتر الزائد ومرض الأوعية الدموية القلبية المصاحب لخرف الاحتشاء المتعدد إلى الإبطاء في تطور هذا المرض إلى صورة خطيرة, ويمكن للمريض أن يعيش 15 عامًا أو أكثر، ولا يكون الموت حينئذ إلّا بسبب جلطة المخ أو مرض القلب أو الدرن.
ويسبب ما قد يصدر عن المصابين بهذا المرض من هلاوس وهذاءات, فإن بعضهم قد يصنف على أنه كذلك, بينما هم في الحقيقة يعانون من مرض مخي.
ج- مرض باركنسون:
يوجد اضطراب مخي مزمن آخر يظهر في طور أرذل العمر يُسَمَّى مرض باركنسون Parkinsion's desease, على الرغم من أن بدايات هذا المرض قد تظهر عند البعض مبكرةً في الثلاثينات من العمر, إلّا أن الشائع ظهوره عند الرجال خاصةً بعد بلوغ سن الستين, ويتطور هذا المرض بالتدريج، ويبدأ ببطء الحركة وانحناء القامة, مع قصرٍ شديد في الخطى، وبعدئذ يفتقد الوجه تعبيراته الانفعالية ويصير الصوت رتيبًا، ويفتقد التنوع والحيوية، وتظهر ارتعاشات متكررة "بين 4، 8 رعشات في الثانية", تلاحظ على وجه الخصوص في الأصابع والساعدين وجفني العينيني واللسان, ويمكن للمريض أن يتحكم مؤقتًا في هذه الارتعاشات إلى حَدِّ أنه يستطيع القيام بأداء المهام التي تتطلب التأزر العضلي الدقيق، إلّا أنه سرعان ما تعود الارتعاشات إلى الظهور، وقد يتطور ذلك إلى نوعٍ من الشلل الرعاش مع عجز عن إصدار الحركات الإرادية.
وقد يعاني المسن المصاب بهذا المرض من صعوبة التركيز الذهني، كما قد تبدأ الذاكرة في التدهور, ويظهر الخلل العقلي في نسبة تمتد بين 25 % إلى 80% من هؤلاء المرضى، وقد يتحول إلى اكتئاب شديد, وإذا لم يعالج المرض فإنه قد يؤدي إلى العجز الكلي خلال خمس سنوات.
ولم يحدد العلماء بعد سببًا واضحًا محددًا لهذا المرض، واقترحت في هذا الصدد أسباب كثيرة من فيروسات خاصة به, وحدوث التهابات المخ وغيره، إلّا
(1/651)

أن هناك أدلة توحي بأهمية نقص أحد الناقلات العصبية, وهو إنزيم الدوبامين dopamine في إحداث المرض, فقد وجد الباحثون أن مرضى باركنسون يفقدون الخلايا العصبية في منطقة بالمخ تُسَمَّى substance migra, وهي منطقة صغيرة على كلٍّ من جانبي المخ تنتج إنزيم الدوبامين, كما لوحظ أيضًا أن بعض العقاقير التي تعالج الذهان بخفض نشاط الدوبامين، قد تكون لها آثار جانبية في صورة ارتعاشات من النوع الملاحظ في مرضى باركنسون, وبالإضافة إلى ذلك فإن زيادة مقدار الدوبامين في الدم من خلال عقار يُسَمَّى Levadopa, والذي يستخدمه الجسم في إنتاج هذا الإنزيم، تؤدي إلى النجاح مع بعض المصابين بهذا المرض.
وعلى الرغم من أن ذلك لا يؤدي إلى العلاج إلّا أنه يؤدي إلى خفض أو إزالة الأعراض على نحوٍ يسمح للمريض بالعودة إلى النشاط المعتاد.
د- مرض بك:
مرض بك Pick's disease, الذي ينسب إلى الطبيب التشيكي أرنولد بك، اكتشف لأول مرة عام 1892, وهو من الاضطرابات المعرفية النادرة الحدوث, وتشبه أعراضه مرض الزهيمر مع اختلافٍ جوهريٍّ بينهما, يتمثل في أن التغيرات الأولية التي تطرأ على شخصية المصابين بمرض بك وحالتهم الانفعالية والوجدانية قد تكون أحد وأشد، وقد لوحظ من تشريح مخ مرضى بك بعد وفاتهم أنه يختلف عن مخ مرضى الزهيمر، ومعنى ذلك أنهما مرضان مختلفان, إلّا أن البحوث الراهنة لم تقدم بعد توصيفًا كاملًا للمرض الأول, بينما تتوافر حول المرض الثاني "الزهيمر" أدلة كثيرة كما بينا من قبل.
هـ: مرض جاكوب -كرتزفلت:
يوجد مرض آخر أكثر ندرة من المرض السابق "يوجد بنسبة واحد في المليون من الحالات التي تكتشف سنويًّا" هو مرض جاكوب -كرتزفلت Jacob- Creutzefldt, نسبةً إلى العالمين اللذين اكتشفاه في وقت متقارب بين عامي 1920، 1921, وأعراضه تشبه كلًّا من مرضى بك والزهيمر، إلّا أنه يختلف عنها في أنه لا يظهر عادةً إلّا خلال الفترة بين 55، 75 سنة، كما يختلف عنهما أيضًا في أن أسبابه ترجع إلى فيروس بطيء الأثر, يظل خاملًا في الجسم لسنوات طويلة إلّا أنه حين ينشط يصبح مدمرًا؛ فقد ثبت تجريبيًّا أن هذا المرض يقبل الانتقال من حيوان إلى آخر، ومن الإنسان إلى الحيوان، ومن إنسان
(1/652)

إلى آخر, أي: أنه من الأمراض المعدية1. وتتوقف حدة الخرف المصاحب لهذا المرض على مقدار السرعة في فقدان خلايا المخ من ناحية، وعلى تدهور الموارد العقلية والوجدانية للمسن من ناحيةٍ أخرى، وعلى تعقد البيئة المحيطة به وعدم حدبها عليه من ناحيةٍ ثالثة, وقد تأكَّدَ أنه حين ينشط فيروس هذا المرض فإنه يؤدي إلى خرف عنيف سريع مصحوب بتشنجات عضلية وتحولاتٍ شديدة نحو البطء في النشاط والحركة.
و مرض كوريا:
يمكن للاضطرابات المعرفية أن تصاحب أمراضًا أخرى تظهر في طور أرذل العمر، ومن ذلك المرض المعروف باسم كوريا, والمنسوب لمكتشفه هنتنجتون Huntington نسبة إلى الطبيب الأمريكي جورج سمنر هنتنجتون الذي اكتشفه عام 1872, ويُسَمَّى أحيانًا بمرض وودي جاثري Woddy Guthrie, نسبة إلى المغني الفولكلوري الأمريكي الذي مات به, وتوجد أدلة على أن سببه الرئيسي وراثي نتيجةً لوجود أحد المورثات "الجينات" السائدة المسئولة عنه، وهو قابل للانتقال عبر الأجيال "فقد أصيب به نجل وودي جاثري أيضًا"، واحتمال وراثيته 0.5، وتظهر أعراضه عادةً في طور منتصف العمر، وتشمل تغيرًا في الشخصية والنواحي المزاجية، وتدهورًا في القدرات العقلية والمعرفية، مع ظهور بعض الأعراض الذهانية، واضطرابات حركية, كما قد تظهر التقلصات اللاإرادية في العضلات, والتي تتحول إلى حركات حادةٍ يستحيل التحكم فيها في الرأس والأطراف والجذع، مع ظهور أعراض خرف الشيخوخة الملازم للأمراض الأخرى, وخاصةً مرض الزهيمر، إلّا أن الفرق بينهما أن مرض بك يرتبط بتغيرات مختلفة في أنسجة المخ, كما كشفت عنها مرةً أخرى الأدلة التشريحية بعد الوفاة.
كيف يتحول المسنون إلى طور أرذل العمر؟
من وصفنا السابق للمعالم البارزة لطور أرذل العمر يتضح أنه يتسم -كطور ختامي للحياة -بالتدهور الخطير من الناحيتين السلوكية والفسيولوجية جميعًا، كما يتضح أن التحول لهذا الطور عملية معقدة لا تنتج عن محض الفقدان الكبير في الخلايا العصبية, أو الانسداد في الأوعية الدموية للمخ, أو نقص في معدل
__________
1 هذا المرض يناظر ما سُمِّيَ في السنوات الأخيرة "بجنون البقر" عند الحيوانات.
(1/653)

الأيض في الجهاز العصبي المركزي، وإنما هي نتاج تفاعل بين العوامل الداخلية في الجسم الإنساني للمسنين والعوامل الخارجية التي تتمثل في الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بهم "Finch, 1986".
لقد توافرت أدلة كثيرة خلال السنوات الأخيرة تؤكد لنا أن الفقد في الخلايا العصبية متوسط في معدله على المدى العادي لحياة الثدييات بصفة عامة، كما أن بعض مظاهر النقص الخطير في هذه الخلايا بالإضافة إلى تدهور الأيض المخي قد يظهران في بعض الحالات التي تنشأ قبل مرحلة الشيخوخة ذاتها, ومن أمثلة ذلك مرض الزهيمر وخبل الاحتشاء المتعدد اللذان قد يظهران في أطوار مبكرة من حياة الإنسان كما بينا, صحيح أن هذه الاضطرابات تزداد على نحوٍ أكبر في مرحلة الشيخوخة، إلّا أن آثارها يجب أن تتميز عن التغيرات المخية العادية التي تطرأ على المسنين من ذوي الشيخوخة العادية؛ فالشيوخ العاديون "الذين لم يدخلوا بعد طور أرذل العمر" لا يظهر لديهم نقص شديد في الخلايا العصبية إلّا في مناطق محدودة من المخ "Terry & Greson, 1976".
ومع ذلك فإن الشيخوخة العادية ليست بلا حدود, لقد أكدت البحوث الحديثة "Gottfries, 1986" أن هناك قدرًا كبيرًا من التشابه في التغيرات البنيوية والبيوكيمائية في المخ بين المسنين من نمط "الشيخوخة العادية" الذين يتقدمون كثيرًا في السن, وأولئك الذين يعانون من الاضطرابات السابقة التي يتصف بها من يدخلون بالفعل طور أرذل العمر "ما تتمثل في أنواع الاضطرابات الوظيفية والعضوية التي تناولنها" ولعل هذا ما دفع بعض العلماء المعاصرين إلى اقتراح أحد الفروض الذي لا يزال في حاجة إلى أدلة حاسمة, وهو أن عملية الشيخوخة العادية إذا تآزرت معها عوامل بيئية سلبية, قد تؤدي إلى ظهور أعراض الخبل والخرف التي تميز طور أرذل العمر.
وبالطبع فإن البيئة السلبية تؤثر في الإنسان في مختلف مراحل عمره، وقد عرضنا أمثلة لذلك طوال الفصول السابقة من هذا الكتاب, إلّا أن أثرها الخطير في هذا الطور الذي يتمثل في ظهور صور التدهور والاضطراب التي تناولناها في هذا الفصل يعني أن الشيخوخة المتأخرة تحمل درجات متفاوتة من خصائص أرذل العمر, وقد عرض "Finch, 1986" بالتفصيل للتغيرات البنيوية والفسيولوجية والبيوكيميائية التي تطرأ على المخ الإنساني نتيجة لمحض التقدم في السن، حتى إنه ليبدو لنا أن التحول إلى طور أرذل العمر مرحلة لا بُدَّ أن يصل إليها من يعيشون
(1/654)

طويلًا, حتى ولو لم يتعرضوا للإصابة بمرض مخي خطير من الأنواع التي تناولناها آنفًا. صحيح أن المعالم السلوكية للتدهور لدى المسنين العاديين الذين يبلغون هذا لطور قد لا تكون خطيرة وحادة كما هو الحال لدى المسنين المرضى، إلّا أنهم -على نحوٍ أو آخر- لا بُدَّ أن يبلغوا أرذل العمر، ولو بدرجة أقل حدة.
فهذه سنة الله -سبحانه وتعالى- في نمو الإنسان.
(1/655)

الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين
مدخل
...
الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين
يتناول الفصل الأخير من هذا الكتاب موضوع رعاية المسنين، ومن المظاهر الرئيسية لهذه الرعاية ثلاثة على وجه الخصوص, وهي التعليم والتدخل العلاجي ومؤسسات الإيواء، وقبل أن نتناول هذه الموضوعات نشير إلى أنه يوجد تخصص مهني مستقل يهتم بشكل مباشر بحاجات المسنين وهو علم الإعمار Gerentology, كما توجد في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية والطب والتمريض وطب الأمراض العقلية اهتمامات بهذه المرحلة من نموِّ الإنسان, تقدم تدريبًا للمتخصصين في هذه الميادين على تقديم خدمات مباشرة للمسنين, ويشهد علم البيولوجيا والفسيولوجيا حاجات متزايدة للبحث في الميكانيزمات الأساسية لعملية التقدم في العمر, كما يشهد علم الأنثروبولوجيا اهتمامًا بدراسة آثار الاختلافات الثقافية على هذه العلمية، سواءً بين الثقافات المختلفة أو بين الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد, بل إن مجالات معينة مثل العمارة والهندسة تشهد تحديات كبرى لبناء بنئات متحررة من الحواجز, وتصميم بيوت, ووسائل انتقال ملائمة للمسنين, وفي علم السياسة والتاريخ والأدب والمسرح والفنون والموسيقى "إذا شئنا ذكر بعض الأمثلة أقل وضوحًا" توجد درسات هامة أو تطبيقات تنتظر التنفيذ حول المسنين أيضًا, ومن الأمثلة التي نذكرها في هذا الصدد: كيف كانت ترسم الأفلام الأشخاص المتقدمين في العمر وكيف ترسمهم الآن؟ ما هي الرموز الدالة على التقدم في السن في الأدب والفن الحديثين؟ وما هي دلالات الرمزية فيهما؟
لقد شهدت أواخر القرن العشرين ظهور عدد من برامج التدريب والبحث في ميدان الشيخوخة والتقدم في السن, والتي تدعمت في عدد من الجامعات, وقد اتخذت هذه البرامج صورًا مختلفة، ومنها ما تقدمه المجالات الأكاديمية المتخصصة في مجال معينٍ؛ كالطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، ومنها ما يتخذ صورة البرامج المشتركة التخصصات, والتي تجمع بين عدة مجالات في
(1/657)

وقت واحد. ومن الواضح أن هذه البرامج التدريبية والبحثية ستكون لها اهتميتها في تقدم معارفنا عن هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان, كما سوف تزود المهنيين بالمهارات اللازمة للعمل مع المسنين.
وقد شهدت أواخر القرن العشرين أيضًا زيادة في عدد الجمعيات العلمية والمهنية المهتمة بالمسنين, وبعض هذه الجمعيات يتكون من المهتمين بالبحث في هذا الموضوع من تخصصات عديدة متنوعة في العلوم الطبيعية والاجتماعية، وبعضها الآخر يتألف من الممارسين المهنيين المهتمين بالتخطيط لرعاية المسنين وتقديم الخدمات لهم, وهكذا يمكن القول أن مجال المسنين هو من المجالات الجديدة من الناحيتين البحثية والمهنية, والتي تهيئ فرصًا لظهور برامج تدريبٍ لفئات عديدة من المتخصصين الجدد لمواجهة هذه الحاجة المنبثقة التي لم تشهدها العصور السابقة، ولعل أهم هذه الفئات الوليدة ما يتصل بالمهام الثلاث التي بدأنا بها هذا الفصل وهي: تعليم المسنين، والتدخل العلاجي، ودور ومؤسسات الرعاية.
(1/658)

أولًا: تعليم المسنين:
على الرغم من أن بعض المسنين قد يتعلمون تلقائيًّا، إلّا أن نسبة هؤلاء كما تقدرها الإحصاءات التربوية في بعض النظم التعليمية المتقدمة -كالولايات المتحدة الأمريكية- لا تتجاوز 2.5 % من مجموع المسنين، هذا على الرغم من أن التعلم المستمر لا تقل أهميته لدى هذه الفئة العمرية عن الأطوار والمراحل النمائية الأخرى؛ فالتعلم هو جوهر النمو الإنساني كما ذكرنا كثيرًا في ثنايا هذا الكتاب، بل هو المؤشر الرئيسي على استمرار الرشد الإنساني، ونقصه أو فقدانه هو العلامة الجوهرية على بلوغ أرذل العمر كما يحدده القرآن الكريم "راجع الفصل السابق".
ومن دلائل الإعجاز السيكولوجي للقرآن الكريم ما يؤكده علماء الشيخوخة المعاصرين, من أن التعلم المستمر يؤدي إلى تحسن نوعية الحياة للمسنين، ويهيئ لهم فرصًا لاستثمار قدراتهم على نحوٍ يتجاوز محض مسايرة وملاحقة التغيرات الاجتماعية والثقافية من حولهم؛ فالتعلم يقدم لهم المعرفة والمهارة، كما يوفر لهم إمكانية التطبيع مع الظروف المتغيرة, وهو بذلك يؤثر في اتجاهاتهم وجوانب سلوكهم المختلفة.
إن التعليم يزود المسنين أولًا بالمعارف والمهارات اللازمة للمحافظة على صحتهم وتحسينها, كما قد تفيدهم بعض المعارف والمهارات التي يكتسبونها في
(1/658)

الحصول على عمل لبعض الوقت على الأقل، بالإضافة إلى ما يوفره لهم من طرق للتعامل الفعال مع ظروفهم الاقتصادية المتغيرة التي يترتب عليها نقص الدخل نتيجة التقاعد, كما يمكن للتعليم ن يقدم لهم الحقائق العلمية التي قد تؤدي إلى تغير الصورة النمطية السلبية السائدة لديهم -قبل غيرهم- عن الشيخوخة والتقدم في السن، بالإضافة إلى ما يمكن أن يتحقق لهم، بالتعليم من اتساع لنظرتهم للحياة وتحديد أهداف ملائمة جديدة لهذه المرحلة النمائية, ومن إمكانية استطلاع واستكشاف لبناء علاقات اجتماعية جديدة, وتفاعل اجتماعي موجب مع أفراد مشابهين لهم, وبهذا يلعب التعليم دورًا خطيرًا في تجديد اهتمامات المسنين بالحياة، ويزودهم بالرغبة في الإسهام الجاد في تطوير أنفسهم ومجتمعهم، وبالوسائل التي يمكن بها تحقيق ذلك.
وبالطبع يحتاج الأمر لبعض الوقت حتى تفتح المجتمعات الحديثة أبواب التعليم للمسنين كما فتحتها من قبل للراشدين، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الاتجاهات السلبية نحو الشيخوخة, كما عرضناها في الفصل التاسع عشر, أضف إلى ذلك أن النموذج السائد للتعليم أنه موجه للإعداد للمستقبل, وهذا النموذج أصلح ما يكون للأطفال والمراهقين والشباب، وهو يصلح إلى حدٍّ ما مع الراشدين، أما مع الشيوخ والمسنين فقد اعتبر التعليم بالنسبة إليهم نوعًا من الهدر للوقت والجهد والمال، فأين المستقبل في تعليم المسنين؟ أضف إلى ذلك الاعتقاد السائد عن عجز المسنين -كافة- عن التعلم.
إلّا أن هذه الأفكار جميعًا تعرضت لتغيرات جوهرية خلال العقدين الماضيين، فالمسنون قد يعيشون بعد التقاعد سنوات وهم في صحة جيدة، وتقدمت بحوث الشيخوخة على النحو الذي عرضناه في الفصلين السابقين، وترتب على ذلك كله تغير جوهري في اتجاهاتنا ومعتقداتنا وأفكارنا حول تعليم المسنين, ويمكن أن نلخص الاتجاهات الراهنة حول هذا الموضوع في ثلاث فئات جوهرية:
1- تعليم المسنين هو وسيلة لقضاء وقت فراغهم الطويل، وهو بذلك طريقة للترويح عنهم من ناحية، واندماجهم في مهام تشغلهم من ناحية أخرى, هذا الرأي هو الاتجاه الثقافي العام في معظم المجتمعات الحديثة.
2- تعليم المسنين هو الطريقة التي يعتمد عليها المجتمع في معاونة المتقدمين في السن على المشاركة الكاملة في أنشطته, وذلك من خلال تنمية
(1/659)

المهارات المختلفة لديهم، وتدريبهم على تعويض النقص الناشئ عن المشكلات الفسيولوجية والسيكولوجية التي يتعرضون لها في هذه المرحلة من حياتهم، ومساعدتهم على العيش حياة طبيعية, وقد يعينهم هذا التعليم على أن يبدأوا حياة مهنية جديدة, أو المشاركة في الأنشطة والأعمال التطوعية، وهذا الاتجاه هو الرأي الغالب على جمهرة كبيرة من العلماء.
3- تعليم المسنين هو السبيل لتحقيق نموهم الشخصي, ورضائهم عن ذواتهم, وهذا الرأي يتفق عليه علماء النفس من أنصار نموذج إريكسون في النمو الوجداني؛ فالتعليم عندهم يعين المتقدم في السن على إحراز التكامل في شخصيته وإثراء معنى حياته.
ويبدو لنا أن هذه الاتجاهات نحو تعليم المسنين لا تتعارض فيما بينها, ويمكن للمتخصص أن يصمم برنامجه في صورة هذه الاستراتيجيات الثلاثة؛ بحيث يحقق للمتقدم في السن تنمية في الجوانب المعرفية والوجدانية والاجتماعية جميعًا، وبذلك يمكن له أن يحقق نموه الشخصي, ونموه كمواطنٍ مسئول, ونموه من خلال أنشطة الترويح وقضاء وقت الفراغ، وبهذا يمكن للمربين أن يحققوا إبداعًا حقيقيًّا في مجال لم يطرقوه بعد بالاهتمام الواجب.
والسؤال الجوهري الآن: كيف يتحسن أداء المسنين في البرامج المخصصة لتعليمهم؟ بالطبع لا تتوافر لنا إجابة حاسمة على هذا السؤال، فالميدان لا يزال جديدًا، والبحوث فيه لا تزال جزئية ومتناثرة وكلها أجري في الثقافة الغربية, ولم يجر منها شيء في ثقافتنا العربية والإسلامية بعد, وفي ضوء الأدلة المتاحة يمكن القول أن عوامل الذكاء والتعليم السابق واستراتيجيات التفكير تعلب دورها في استفادة المسن من برامج تعليمه, بشرط أن يكون التدهور في مظاهر السلوك -والذي يصاحب الشيخوخة- في النطاق الذي يمكن التحكم فيه, وقد أجريت بالفعل بضع دراسات على المسنين داخل فصول الدراسة, لعل أهمها دراسة "Kasworm. 1980", وفيها وُجِدَ أن معظم الدراسين المسنين أدوا أداءً جيدًا يكاد يتكافأ مع أداء من هم أصغر سنًّا -إن لم يكن أفضل.
ويذكر "Perlmutter & Hall. 1980" أنه حين يعود المسنون إلى فصول الدراسة, فإن أخطر ما يؤثر في أدائهم الصورة النمطية الشائعة عن الشيخوخة والتقدم في السن، وخاصة حين يوصفون بأنهم غير أكفاء ومعتمدين وغير منتجين، ويؤدي ذلك إلى إضعاف ثقة المسن في نفسه, ويؤثر ذلك بدوره في أدائه
(1/660)

التعليمي، ولذلك حين استخدام بعض الباحثين الأساليب التي تساعد على إقناع المسنين بقدرتهم, فإن أداءهم يتحسن كثيرًا, ومن هذه الأساليب ما يلي:
1- تنظيم البرامج بحيث يسمح للمسنين بالمرور بخبرات نجاح مبكرة، وقد يفيد في ذلك كثيرًا استخدام اختبارات التعرف بدلًا من الاستدعاء, وخاصة في المراحل المبكرة من التقويم، وهذا النجاح المبكر يفيد في خلق شعور بالثقة بالنفس, والإحساس بالكفاءة والفعالية، وناهيك عَمَّا يحققه النجاح من إدراك مواقف التعلم على أنها مصدر بهجة للمتعلم "سيد أحمد عثمان، 1977".
2- تهيئة الفرصة للمسنين، خلال البرنامج التعليمي، لملاحظة دارسين آخرين -من المسنين أيضًا- وهم ينجحون بالفعل في أداء المهام المطلوبة, ولعل أهم ما يحققه هذا الأسلوب أنه يساعد على زوال الصورة النمطية السلبية عن العجز الكلي للمسنين.
3- الاعتماد على التعزيز الموجب اللفظي؛ سواء من جانب المعلمين أو أعضاء الأسرة أو الدراسين الآخرين، وهذا التأثير الاجتماعي على الرغم من أنه قد يكون فعالًا في برنامج تعليم المسنين, إلّا أنه ليس بنفس درجة كفاءة الأسلوبين السابقين.
4- التدريب على خفض الاسثتارة الزائدة الناجمة عن إدراك المسن لنفسه على أنه عاجز عن الأداء في المواقف الضاغطة التي يتطلبها التعلم, ويمكن أن تفيد في هذا الصدد أساليب التدريب على الاسترخاء بصورها المختلفة، وإذا نجح البرنامج في ذلك فإنه يزيل أحد المعوقات الخطيرة في تعليم المسنين.
ولا يزال تعليم المسنين في مراحله الأولى في الدول المتقدمة، أما في الدول النامية، ومنها بلادنا العربية والإسلامية، فلا يكاد يكون له وجود, ومن البرامج الهامة الآن ما يُسَمَّى في الولايات المتحدة مشروع "نزل المسنين "elderhoustel", وهو عبادة عن سلسلة من البرامج تقدمها شبكة الكليات والجامعات، ويشترط للاشتراك فيها أن يكون الدارس قد بلغ الستين على الأقل, ويقدم فيها لهؤلاء مقررات قصيرة المدى قليلة التكلفة, ويذكر "Perlmutter & Hall, 1985" أن هذا المشروع بدأ في عام 1975 في ولاية واحدة "هي نيو هامبشاير" بعدد محدود من الدارسين لا يتجاوز 220 دراسًا، وأصبح في عام 1981 ممتدًا على نطاق الولايات الخمسين, وبلغ عدد الملتحقين به من المسنين أكثر من 30.000 دارسًا, وتهدف هذه المقررات في مجملها إلى تنمية
(1/661)

قدرات الدارسين وتعريضهم لأفكار جديدة.
وقد أجريت بعض الدراسات على المشاركين في هذا الموضوع, فلوحظ أن متوسط أعمار الدارسين فيه هو 68 سنة، وهم من المتقاعدين، ومعظمهم من ذوي المستوى التعليمي المرتفع, أو لديهم خبرة مهنية جيدة، ويتوافر لهم دخل كافٍ, كما لوحظ أن حوالي ثلثي الدراسين من النساء, ومن الطريف أن الذين لم يتخرجوا في الجامعة قبل الالتحاق في هذا المشروع "وعددهم لم يتجاوز 10% من مجموع الدراسين" كانوا أكثر المستفدين منه, وخاصة في النموّ العقلي والمعرفي، كما استفاد الدراسون الأكبر سنًّا "الذين امتد عمرهم بين 79، 86 سنة" أكثر من أقرانهم الأصغر سنًّا "أي الذين لا يزالون في الستينات من العمر".
وقد استطاع عدد كبير من الدراسين المسنين النجاح في الدراسة في هذا المشروع، وهذا في ذاته مؤشر على نجاحه، ومن مؤشرات نجاحه أيضًا أن 58% من الدراسين انضموا إلى برامج أخرى أكثر تقدمًا فيه، وكانت دوافع المسنين للعودة إلى الدراسة المنظمة الرغبة في تعلم الجديد والسعي للاندماج في خبرات جديدة.
ويبقى سؤال أخير حول تعليم المسنين عامة هو: هل من الأفضل بناء مشروعات خاصة بهم تعزلهم عن المتعلمين الآخرين الأصغر سنًّا, أم دمجهم في المسار التعليمي الرئيسي؟ هذ السؤال الهام لا تتوفر لنا إجابات حاسمة عليه بعد, وربما يفيدنا في الإجابة عليه الاسترشاد بتجارب بناء برامج ومشروعات تعليمية للفئات الخاصة "كالمعوقين والموهبين", وكيف اتجهت في بدايتها إلى التمييز والعزل، ثم تحولت بعد ذلك إلى إدماجهم في المسار التعليم الرئيسي، وقد رأينا أن النجاح الذي أحرزته مشروعات مثل، نزل المسنين" قد تدفع أعدادًا من المتقدمين في السن للالتحاق بالبرنامج التعليمي المعتاد "من خلال نظم كالانتساب, أو التعليم من بعد, أو التعليم النظامي العادي"، وفي هذه الحالة يمكن أن نتوقع في المستقبل أن تضم فصول الدراسة ومدرجات الجامعة دارسين من مختلف الأعمار "من الشباب والراشدين والمسنين"، وعندئذٍ سوف يستفيد الجميع: الصغار والكبار جميعًا؛ فخبرة المتقدمين في السن في الحياة والعمل سوف تجعل المواد المجردة التي تعرض في داخل حجرة الدارسة لها معنًى أكبر لدى الصغار، كما أن اتصال الكبار بالصغار سوف يعينهم "أي: الكبار" على إدراك وفهم التغيرات السريعة التي تطرأ على الثقافة التي يعيشون فيها جميعًا, نهايك أن ذلك قد يؤدي إلى زوال ما يسمى فجوة الأجيال, والتي تتخذ صورة أعنف هي صراع الأجيال.
(1/662)

التدخل العلاجي
مدخل
...
التدخل العلاجي:
يثير موضوع التدخل العلاجي للمسنين عددًا من المشكلات الخاصة؛ فالبعض يرى أن طرق العلاج الموجهة بالنمو ليست ملائمة مع المسنين، وكان فرويد على رأس هؤلاء، وقدَّم ثلاثة أسباب لعدم استفادة المسنين من العلاج النفسي هي:
1- نقص المرونة العقلية لدى المسنين, وبالتالي نقص القدرة على التغير.
2- تراكم كم هائل من الخبرة لدى المسنين تجعل من الصعب على المعالج النفسي العامل معهم.
3- نقص اهتمام المسنين بموضع الصحة النفسية إذا قورنوا بمن هم أصغر سنًّا.
وعلى الرغم من أن هذه الافترضات الثلاثة يمكن دحضها جميعًا في ضوء الأساليب العلاجية الحديثة, إلّا أن المسنين لا يزالون من الفئات غير المرغوب فيها لدى المهنين العلاجيين, ويرجع ذلك إلى مجموعة من"الخرافات" الشائعة, صنعت هذه الحواجز والحوائل بين المعالجين ومن هم في حاجة إلى عنايتهم من هذه الفئة العمرية، وتلخص "Kermisl, 1984" هذه الخرافات في أربع فئات هي:
1- خرافة أن الشيخوخة هي عمر الهدوء النسبي؛ حيث يستريح المرء من عناء الحياة ويجني ثمار جهده وعمله في السابق، وعلى هذا الأساس قامت نظرية عدم الانشغال والتحرر من الالتزامات, أو الانسحاب من البيئة، وهذه الخرافة لها أثر تدميريّ في مجال التدخل العلاجي للمسنين؛ لأنها تشجع الاعتقاد الزائف بأنه لا يوجد في مرحلة الشيخوخة مشكلات خاصة بالصحة النفسية والعقلية، بينما العكس هو الصحيح، ففي هذه المرحلة ضغطٍ وإجهاد قد يفوق ما يعانيه المرء في أطواره السابقة بسبب ضيق الحيز الاجتماعي ونقص القدرات الجسمية والعقلية، وهذه جميعًا قد تتطور إلى صورها المتطرفة التي يشهدها بعد ذلك طور أرذل العمر كما بينا.
2- خرافة عدم استجابة المسنين للعلاج؛ حيث يرى الكثيرون أن المرضى المسنين يقاومون التغير, بل قد تعوزهم القدرة عليه، هذا الاعتقاد يؤثر أيضًا في
(1/663)

أهداف المعالج النفسي وجهوده عندما يبدأ في تقديم الخدمة العلاجية للمرضى في هذه المرحلة العمرية, وحقيقة الأمر أن المسنين على الرغم من أنهم قد يكونون محافظين في حياتهم الشخصية -ربما بسبب الضغوط الاقتصادية- فإن لديهم القدرة على التغير, ويمكنهم التوافق بنجاح مع كثير من التغيرات التي تطرأ على حياتهم المتأخرة, والتي عرضناها في الفصل العشرين، وهناك حقيقة أخرى هي أن العلاج النفسي قد استخدم بالفعل -بنجاح واضح- مع الشيوخ وهم في الستينات والسبعينات والثمانينات من العمر، وبالطبع فإن علاج هؤلاء يتطلب استخدام فنيات مختلفة عن تلك التي تستخدم مع من هم أصغر سنًّا.
3- خرافة أن خلل المخ هو المشكلة الرئيسية أو الوحيدة لدى المسنين: حيث يقصر بعض المتخصصين اهتمامهم على الاضطرابات المخية العضوية دون سواها، وقد أشرنا إلى أنه -حتى في طور أرذل العمر- توجد اضطرابات وظيفية لا تقل أهميةً، بل نكاد نقول: إن خلل المخ لا يفسر جميع الاضطرابات السلوكية التي تظهر لدى المسنين؛ فهناك علميات أساسية مرتبطة بعملية التقدم في السن ذاتها, والتي تُسَمَّى الشيخوخة العادية أو الطبيعية، أضف إلى ذلك أن هناك بعض الاضطرابات السلوكية من النوع الحاد والذي يقبل العلاج, ومن الأخطاء الفادحة أن يعتقد المعالج النفسي أن جميع الاضطرابات التي تظهر في مرحلة الشيخوخة من النوع المزمن الذي لا يقبل العلاج, وقد ذكرنا في الفصل الحادي والعشرين أمثلة للاضطرابات من النوع الأول.
4- خرافة حتمية إيداع المسنين في المؤسسات: يرى كثير من المتخصصين أن اضطرابات المسنين تتطلب إيداعهم لفترات طويلة الأمد في المؤسسات، على الرغم من أن كثيرًا منهم يؤدون وهم في بيوتهم على نحوٍ أفضل بكثير, بل إن واقع الحال يؤكد لنا أن كثيرًا من الأسر تتحمل كثيرًا من العسر والمشقة حتى يعيش المسنون من أعضائها حياتهم الطبيعية داخل مجتمعهم وبيوتهم، ويصدق ذلك أكثر على المجتمع العربي الإسلامي الذي تَحُضُّ تعاليم الإسلام فيه على رعاية الأبناء خاصةً لوالديهم الذين "يبلغون الكبر", وهناك نماذج يقتدي بها الأبناء من الرجال والنساء قدموا الكثير لوالديهم المسنين حرصًا على بقائهم في بيوتهم الخاصة رغم الصعوبات المادية والضغوط النفسية التي قد يتعرض لها ويعاني منها هؤلاء الأبناء, إلّا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن إيداع المسنين بالمؤسسات "ومنها دور الرعاية" محظور يجب تجنبه, فهذا في ذاته خرافة جديدة لا يقل خطرها عن خرافة حتمية إيداعهم في هذه المؤسسات.
(1/664)

وبصفة عامة يمكن القول أن قرار الإيداع يعتمد في جوهره على حكم وحكمة المهني المتخصص في العلاج النفسي لهذه الفئة العمرية، ويتحدد ذلك في ضوء محكَّيْن جوهريين هما اتجاهات أفراد الأسرة "وخاصة الأبناء" نحو العضو المسن فيها "ويشمل ذلك أيضًا الاتجاه نحو الاعتمادية في الشيخوخة" والإمكانات الموضوعية للأسرة وقدرتها على رعايته في مجتمعه وبيئته.
وفي جميع الحالات يجب على الأخصائي النفسي والطبيب والأخصائي الاجتماعي, وكل من يقدم خدمة للمرضي من المسنين أن يدرك أن الشيخوخة جزء من عملية النموّ الإنساني مدى الحياة، فالمسنون لديهم ثروة من الذكريات والمعارف والمهارات والخبرات تجعلهم مختلفين عن المرضى الأصغر سنًّا، بل مختلفين بالطبع عن حالهم هم أنفسهم حينما كانوا أصغر سنًّا, وفي نفس الوقت يعاني هؤلاء المسنون من التدهور والنقص والخلل الذي يرتبط بأنواع من المشكلات الخاصة, ويتطلب القيام بمهام محددة تتطلب مهارت الأخصائي في العلاج النفسي والصحة النفسية، وهذه المهارات كغيرها من المهارات الإنسانية، يمكن اكتسباها وتنميتها لزيادة كفاءة الأخصائي في العمل مع المسنين.
(1/665)

خطوات التدخل العلاجي:
يذكر "Huyck & Hoyer, 1984" أن أيَّ برنامج للتدخل العلاجي يتطلب ثلاث خطوات أساسية هي:
1- تحديد المشكلة التي تتطلب العلاج: وهذه الخطوة تثير على الأقل ثلاثة أسئلة جوهرية هي: من يحدد المشكلة؟ وما هو الحد الذي عنده توصف عملية نفسية معينة بأنها مشكلة؟ وكيف يمكن أن يوصف أي تحدٍّ للشخص على أنه مشكلة؟
وللإجابة على هذه الأسئلة يمكن القول بأن وصف أيّ حدثٍ سلوكيٍّ بأنه مشكل, يعني أنه لا يصدق عليه وصف النشاط العادي أو المعتاد للإنسان، وأن أيَّ جهدٍ توافقيٍّ فشل معه بالفعل, أو أنه يتوقع له الفشل في المستقبل إذا لم يتم التدخل العلاجي, وقد يحدد ذلك أطراف عديدة منهم الشخص الذي يعاني بالفعل من المشكلة"أي: الشخص المسن نفسه"، والشخص الذي تطلب منه المساعدة في حلها "الأخصائي النفسي مثلًا"، والشخص الذي يقدم الرعاية Caregiver، والشخص الذي يتولى تكلفة العلاج "الابن أو الابنة مثلًا", ولا بُدَّ من فهم نظرة كلٍّ منهم إلى تحديد المشكلة, وبالطبع قد ينشأ خلاف أو صراع بينهم حول هذا التحديد، إلّا أن المهم هو الوصول إلى اتفاق, وإلّا فإن جهود التدخل تصبح صعبة.
(1/665)

إن لم تكن مستحيلة, وبالطبع أيضًا فإن الوصول إلى هذا الاتفاق يكون ميسورًا في الحالات البسيطة، أما مع المشكلات المعقدة فقد تزداد هوة الخلاف اتساعًا؛ كأن يرفض الابن أو يتردد في قبول فكرة حاجة والده المسن للعلاج النفسي، كما أن المسن قد يرفض فكرة المرض الذي يحتاج لمثل هذا التدخل العلاجي، وقد ينشأ عن ذلك أن كلًّا من الابن الراشد والوالد المسن يؤجلان البحث عن العلاج حتى تصل المشكلة إلى درجة كبيرة من الحدة والخطر.
2- تحديد أسباب المشكلة: حالما يتم تحديد المشكلة تصبح الخطوت الهامة التالية تحديد أسبابها، وقد عرضنا في الفصل السابق الأسباب المفترضة للأنواع المختلفة من الاضطرابات النفسية في الشيخوخة, كما يتناولها الوضع الراهن لكلٍّ من علم النفس المرضي والطب العقلي "السيكياتري"، وكما حددها الدليل الأخير للجمعية الأمريكية للطب العقلي DSM IV، وبالطبع عرضة للتغير المستمر في ضوء الأدلة التي تتوافر لدى العلماء يومًا بعد يوم.
ومن الواجب -في معظم الحالات- على المعالج النفسي أن يتوافر له فهم جيد لتاريخ الحالة, ويشمل ذلك العوامل المنبئة بالمشكلة الراهنة, والمسارات المختلفة التي اتخذتها، والتوقعات المختلفة لها إذا لم يتم التدخل العلاجي، ومن حقائق الوضع الراهن للاضطرابات السلوكية أننا لا نفهم بعد إلا القليل من هذه الاضطرابات فهمًا جيدًا, كما أن بعض هذه المشكلات أيسر فهمًا في بعض المراحل العمرية دون غيرها، فمشكلات الطفولة مثلًا أوضح نسبيًّا من مشكلات الراشدين والمسنين.
وتوجد عدة طرق يستخدمها العلماء في تحديد أسباب المشكلات نذكر منها:
أ- توصيف خصائص مجموعة من الأفراد التي تشخص بأنها تعاني من اضطراب معين, وهذه الطريقة ليست دقيقة لأسبابٍ كثيرة؛ لعل أهمها: عدم وجود مجموعات للمقارنة يمكن من خلالها الحكم على ما إذا كانت العوامل المفترضة ترتبط بالفعل بالمجموعة المرضية, أم أنها عوامل مشتركة في مرحلة عمرية معينة, بصرف النظر عن الاضطراب ذاته.
ب- المقارنة بين المجموعة المرضية ومجموعة ضابطة: وبالطبع فإن اختيار مجموعة المقارنة "المجموعة الضابطة" الملائمة من الصعوبة بمكان، وخاصةً مع المسنين, ومع ذلك فإن مجموعتي المسنين يجب أن تتكافأ على الأقل
(1/666)

في عاملي الجنس والمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وحالما يتوصل الباحث إلى المجموعة الضابطة الملائمة يقارن بينها وبين المجموعة المرضية لتحديد العوامل الفارقة بينهما.
ج- الدراسات المسحية: وهي الدراسات التي يجريها المتخصصون في علم انتشار الأمراض epidemiology لمعرفة توزيع الاضطراب السلوكي في الأصل الإحصائي السكاني العام والعوامل المحدثة له, وبالطبع فإن أحد القرارات الهامة في مثل هذه البحوث تحديد "الأصل الإحصائي السكاني" موضوع الاهتمام؛ فأحيانًا يعتمد هذا القرار على بعض الخصائص الفردية مثل العمر أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية، وأحيانًا أخرى يعتمد على توصيفٍ لمجتمعٍ معينٍ محدد المعالم, وتزداد قيمة مثل هذه الدراسات المسحية إذا أجريت بطريقة طولية، فحينئذ يمكن لنا الحصول على معلومات هامة حول مدى الترابط بين الأحداث النفسية وتحديد نقاط بداية ظهور المشكلات, وبالتالي نمط الاضطرابات عند نشأتها، وفي مثل هذه الدراسات أيضًا تتوافر فرص كثيرة لوجود أفراد "أسوياء", يمكن مقارنتهم بأولئك الذين يظهرون الاضطراب, وكذلك فإن درجة استقرار العلاقة بين الاضطرابات والخصائص الفردية يمكن مقارنتها بالنماذج المشتقة من مجتمعات أو أصول سكانية إحصائية متشابهة أو مختلفة.
د- الاستنتاج من آثار العلاج: يمكن الوصول إلى أسباب المرض من خلال دراستنا لنتائج الطرق المختلفة للتدخل، فإذا قام الباحث مثلًا باختبار فعالية طرق مختلفة للعلاج "بالعقاقير أو بالعمل مع الجماعة مثلًا" سواء مجتمعة أو منفصلة, فإنه يستنتج من المشكلات التي تستجيب لأحد الأساليب العلاجية الأسباب المحدثة لها؛ فمثلًا حين يؤدي العلاج بالعقاقير وحده إلى تحسين حالة المرض بينما لا تؤدي الطرق الخرى إلى نفس النتيجة, فإننا قد نستنتج أن هذا المرض له أسبابه البيولوجية، وإذا حدث العكس مع اضطرابٍ آخر كان أكثر استجابة للعلاج من خلال العمل مع الجماعات, فإننا نستنتج أن أسبابه اجتماعية وثقافية في طبيعتها.
3- اختيار الأسلوب الملائم للعلاج: توجد طرق كثيرة للعلاج، والطبع فإن الخطوة الأخيرة للتدخل العلاجي أن يقرر المعالج -عن فهم وبصيرة بالأساليب المختلفة المتاحة- الطريقة الملائمة للحالة موضع الرعاية.
(1/667)

أساليب التدخل العلاجي النفسي:
العلاج النفسي للمسنين قد يكون موجهًا بالجماعة أو بالفرد، ويهدف العلاج النفسي في هذه الحالة عادةً إلى تحقيق هدفين رئيسيين: التخفيف من حدة القلق، والمحافظة على استمرار أو إعادة التأهيل للنشاط النفسي الملائم، وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك أهدافًا أخرى لا تقل أهميةً, تشتمل تحقيق الاستبصار الذاتي للمريض المسن، والتخلص من الأعراض المرضية، وتأجيل التدهور، وتنمية مهارات الرعاية الذاتية، والتدريب على النشاط، وخفض متطلبات الرعاية المطلوبة, وتتنوع أساليب التدخل العلاجي, ونعرض أهمها بإيجاز فيما يلي:
1- العلاج الفردي: وتتنوع أساليب العلاج الفردي للمسنين، إلّا أن فعالية هذه الطرق تتوقف على حالة المريض والسياق الذي يعيش فيه، والاتجاهات إزاءه, ومفهومه عن ذاته, وفي جميع الأحوال يجب معاونة المسن على تقبل حقائق المرحلة النمائية التي هو فيها؛ من حيث نقص القدرات الجسمية والعقلية، والفقدان الشخصي، والتغير في الأدوار, وعلى المعالج النفسي أن يوائم بين أساليبه وموارده وخصائص الحالة اتفاقًا مع مبدأ تفاعل "السمات والمعالجات"، ويلعب تفهم المعالج وحماسه وتعاطفه مع بيئة توفر للمسن الحد الأمثل من الاستثارة والتقبل دورًا حاسمًا في ذلك.
2- العلاج الجماعي: ويركز على الضغط والإجهاد الذي يحدثه الآخرون الهامّون في حياة المسن، وهنا يكون العلاج الجماعي أكثر جدوى, وفيه تستطلع الصعوبات الراهنة, والطرق السابقة في التعامل معها في إطارٍ من التفاعل بين الأشخاص, وعادةً ما يستخدم هذا الأسلوب مع الحالات الأقل حدة والتي عادةً ما تتطلب العلاج الفردي.
3- العلاج بالنشاط: ويستخدم عادةً مع المسنين الذين يعانون من الاضطرابات المعرفية, ويهدف إلى الوقاية من زيادة التدهور الناجم عن الانسحاب, وعدم استخدام المهارات الاجتماعية والمعرفية ومهارات رعاية الذات، وذلك للحفاظ على المهارات الباقية لدى المسنين, وخاصة أولئك الذين يعيشون في المؤسسات. لقد لوحظ أن هؤلاء يحتاجون إلى الصلات الإنسانية المستمرة والمشاركة الاجتماعية والاندماج في أعمال ومهام ذات مغزًى شخصيٍّ لديهم, حفاظًا على استمرار نشاطهم ومواصلته. وتستخدم في العلاج بالنشاط عدة فنيات, لعل أهمها ما يلي:
(1/668)

أ- التوجه نحو الواقع Reality Orientation: وهو أسلوب مشتق من العلاج السلوكي, ويستخدم التعزيز الموجب لتعلُّم أنماط السلوك المرغوب فيه، والتي عادةً ما تكون بسيطة, مثل: التوجه نحو الزمان والمكان والأشخاص، وأحيانًا نحو الصحة الشخصية ومهارات التفاعل الاجتماعي.
ب- علاج الوسط Milien Therapy: ويهدف إلى بناء بيئة تصمم؛ بحيث تلائم نواتج السلوك المعدل للمسن من ناحية، وتدعم التعلم وتكوين الصورة الإيجابية عن الذات من ناحية أخرى.
وبالطبع لا يتسع المقام لتفصيل هذه الطرق، بالإضافة إلى طرق التدخل الطبي المتنوعة، وعلى كلٍّ فإن الجدول "21-1" يصنف هذه الطرق حسب أهداف العلاج وطبيعة المشكلات وأساليب التدخل، والمواقف التي يتم فيها، والوسائط التي يتم من خلالها التغير "Huyck & Hoyer, 1982".
(1/669)

جدول "21-1" البدائل المتاحة للتدخل العلاجي:
أهداف التدخل العلاجي:
تخفيف حدة المشكلة.
التعويض عن نقص.
إثراء الخبرة.
الوقاية.
طبيعة المشكلات موضوع التدخل العلاجي:
الصحة الجسمية للمسنين.
التدهور في النشاط المعرفي.
الاضطرابات الوجدانية.
نقص التفاعل الاجتماعي والتطبيع.
اتجاهات المسنين وقيمهم.
أسباب التدخل العلاجي:
العلاج بالعقاقير.
العلاج النفسي.
العلاج بتقديم الخدمات الإرشادية.
العلاج بالتدخل البيئي.
العلاج بتعديل التشريعات والنظم الاجتماعية.
(1/670)

تابع جدول "21-1"
المواقف التي يتم فيها التدخل العلاجي:
الأسرة.
العمل "إن وجد".
مواقف التعلم أو التدريب "إن وجد".
المستشفى أو المؤسسة.
البيئة المحلية.
المجتمع الكبير.
وسائط التغير السلوكي:
الذات.
أعضاء الأسرة والأصدقاء.
أشباه المهنيين.
المهنيون والمحترفون.
الأجهزة الإدارية.
الجهاز التشريعي.
(1/671)

بيوت المسنين:
يمكن القول أن الطريقة الرئيسية التي شاعت خلال القرن العشرين لعلاج الاضطراب المعرفي والانفعالي لدى المسنين هي الإيداع في المؤسسات، وكانت الطريقة الشائعة طوال الفترة بين 1900، 1955 هي الإيداع في المستشفيات العامة لمجرد التمريض أكثر منه العلاج, والأساس الذي يقوم عليه هذا التصور أن علاج المسنين لا يتوقع له إلّا الحد الأدنى من التطبيب والتحسين.
ومنذ منتصف الخمسينات بدأ الاهتمام بإنشاء بيوت للمسنين، وهي في جوهرها مراكز للتمريض والرعاية، والسبب الجوهري في هذا التطور هو الشعور بنقص الخدمات الطبية المعتادة بالنسبة لرعاية المسنين, ويمكن أن نحلل الرعاية في هذه المؤسسات إلى أربعة مستويات هي:
أ- تسهيلات تمريضية على أعلى درجات المهارة للمرضى المسنين الذين يطلبون رعاية خاصة.
ب- تسهيلات مرتبطة بالصحة للمرضى الذين يحتاجون الحد الأدنى من الرعاية التمريضية.
ج- الرعاية الشخصية مع بقاء المسن في بيئته؛ حيث يفترض أن المريض لا يحتاج إلى رعاية تمريضية, وإنما تقدم له المساعدة من خلال نشاطه اليومي المعتاد.
د- الرعاية السيكياترية للمرضى الذين يشخصون على أنهم من ذوي الصعوبات الفسيولوجية السيكولوجية.
وفي ضوء المستوى المناسب يتحدد مدى حاجة المريض المسن للرعاية داخل المؤسسات, وإذا لم يتقرر ذلك مقدمًا فإن إيداع الشخص الذي يحتاج إلى هذا النوع من الرعاية داخل المؤسسة قد تكون له آثار سلبية, حتى لو كانت المؤسسة على مستوى عالٍ من الكفاءة, ولعل أخطر هذه الآثار ما يسميه بعض الباحثين "Kermis, 1948" زملة المؤسساتية institutionalism, والتي تتمثل في مجموعة أعراض أهمها حب الذات والاعتماد على الآخرين وفقد الاهتمام بالعالم الخارجي, بالإضافة إلى فقدان الوجه لقدرته على التعبير, وميكانيكية السلوك, وهذه الزملة هي محاولة من المريض المسن للتعامل مع مناخٍ غير شخصي يسيطر عادةً في هذه المؤسسات بحجة تحقيق الكفاية, أضف إلى ذلك أن اتجاهات بعض العاملين في هذه المؤسسات نحو المسنين الذين يحتاجون لرعايةٍ مزمنةٍ تؤدي إلى تدهور تقدير الذات ومفهوم الذات لديهم, أي: لدى المسنين"، وخاصةً حين يعاملون كأطفال., وقد يزيد الأمر سوءًا ما قد يسود بعض المؤسسات من روتين جامد, ونقص الخصوصية الشخصية للمرضى, وفقدان الغلاقة الوجدانية المدعمة, وانعدام شعور المريض بالمسئولية عن اتخاذ القرار حتى في الأمور التي تخصه, وقد يؤدي ذلك إلى صدور أنماط من السلوك تشبه أعراض الاضطرابات العضوية المخية, حتى لدى الأشخاص الذين لا يعانون منها.
وفي هذا الصدد يقترح لوتون Lawton في "Cole & Barrett, 1980" فرضًا هامًّا يسميه فرض الطواعية البيئية environmental docility, خلاصته: أنه مع نقص الكفاءة العقلية المعرفية تزداد أهمية العوامل المؤثرة من البيئة الخارجية
(1/672)

في تحديد سلوك المسنين، وعلى ذلك فإن أيَّ تغير -ولو كان بسيطًا- في البيئة يؤدي إلى أثر بالغ في المتقدمين في السن الذين يعانون من اضطرابٍ عضويٍّ يزيد كثيرًا عن أثرها في المسنين الذين على درجة ملائمة من الكفاءة العقلية.
ومن ناحيةٍ أخرى وجد بعض الباحثين "Kermis, 1984", أنه مع تدهور المستويات الإدراكية الحسية لدى المسنين تزداد لديهم أهمية حاسة اللمس, ولذلك يميل المسنون الذين يعانون من الاضطرابات العضوية إلى التواصل مع الآخرين عن قرب شديد، ويؤدي ذلك بالعاملين في المؤسسات إلى النفور من المسنين وتجنبهم, وحين يضطرون إلى التعامل معهم من مسافة قريبة جدًّا "وخاصة أولئك الذين يعيشون في المؤسسات لفترة طويلة" كما يحدث عند الإطعام وتغيير الملابس أو الاستحمام, فإنهم يستخدمون معهم ميكانيزمات "الإبعاد" أو إمالة الجسم بعيدًا عنه، أو تجنب التعامل معه، وجهًا لوجه، وهذا كله إشارات من نوع "التواصل غير اللفظي" الدال على الرفض وعدم التقبل.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحياة طويلة الأمد داخل المؤسسات تجعل حياة المرضى المسنين أقرب إلى الشيوع، فلا وجود لعالم شخصيّ أو خاصّ، نهايك عما تتمضنه من معاني العزل والنبذ, فإذا اقتصر التفاعل داخل هذا الجو غير الشخصي على المرضى بعضهم مع بعض, ولم يمتد على أيّ نحوٍ إلى أشخاصٍ عاديين, فإن هؤلاء المرضى سوف يتعرضون لمزيدٍ من التدهور والخلل, وقد لجأت بعض المؤسسات في هذا الصدد إلى أسلوب "العنابر المتكاملة عمريًّا", فبدلًا من إعاشة المرضى داخل عنابر متجانسة في العمر على نحوٍ يتضمن معنى "التمييز العمري"، يوضع المرضى من أعمار مختلفة في العنبر الواحد, وفي هذه الحالة قد يحدث ما يسميه علماء النفس الاجتماعيون "تماسك الجماعة"؛ حيث يعين المرضى الأكثر قدرة أقرانهم الأقل والأضعف، وحينئذ يشعر المريض المسن بهويته, ولا يتعرض لخلل جديد يسمى "زملة الانهيار الاجتماعي", وأهم علاماته شعور المسن بأنه عاجز ولا قيمة له ولا فائدة ترجى منه, وهو اضطراب سائد بين مرضى المؤسسات سيئة التنظيم والإدارة, بل قد يسود لدى المسنين المرضى الذين يعيشون في أيِّ بيئة اجتماعية غير مدعمة.
وقد أدى هذا النقد الذي تعرضت له بيوت المسنين, وخاصةً في فترة السبعينات إلى الاهتمام بنوعية الرعاية وتطبيق مستويات عالية عليها, إلّا أن ذلك
(1/673)

أدى إلى زيادة تكلفة هذه الرعاية، وخاصةً أن معظم هذه المؤسسات لا تزال مشروعات خاصة, وليست من نوع مشروعات النفع العام "كما هو الحال في النظام الطبي العادي", إلّا أن الملاحظ بصفة عامة أن معظم هذا التحسن لم يتجاوز حدود المستويات الفيزيائية والمادية لبيوت الرعاية, فلا يزال معظمها يعاني من نقص الخدمات النفسية والاجتماعية والطبية الملائمة وخدمات التمريض المناسبة, ومن ذلك أنه لم تبذل جهود جادة لتدريب المسنين على تكوين علاقات اجتماعية جديدة داخل هذه المؤسسات تحل محل علاقاتهم القديمة التي فقدوها مع عملية التقدم في العمر أو التحول إلى المرض.
ولعل أهم ما يراه خبراء رعاية المسنين في وقتنا الحاضر زيادة الاهتمام بالجانب الإيجابي فيهم، ومن ذلك تقديم خدمات التأهيل والتدريب على الاستمرار في تحمل المسئولية والاختيار واتخاذ القرار, ولو بدرجة محددة, كما يجب تصميم المكان بحيث يسمح بالحرية والخصوصية مع درجة عالية من الأمان، أضف إلى ذلك ضرورة توافر اتصال المسن مع أشخاص قريبين منه, وقد تأكّد أن الشرط الأخير هو العامل الوحيد الأكثر أهمية لكلٍّ من رضا المسن عن حياته, ومفهومه لذاته جميعًا. فالاتصال الاجتماعي للمسن -بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتصل بهم- يجعله يشعر بأنه لم يعزل تمامًا, أو ينبذ كليةً, وأنه له قيمته, وهذا كله لو توفر يهيئ بيئة ملائمة داخل بيوت المسنين.
ولعل المظاهر السابقة جميعًا كانت وراء حركة اجتماعية هامة ظهرت كثورة هادئة في مجال رعاية المسنين بأسلوب أكثر إنسانية -وخاصة رعاية أولئك الذين بلغوا أرذل العمر ويعيشون مرحلة موت طويل الأمد- والتي سُمِّيَتْ حركة تكايا المسنين Hospice Care, وقد بدأت هذه الحركة بجهود الطبيبة البريطانية سيسلي سوندرز C. Saunders, فقد أسست عام 1967 أول تكية من هذا النوع في جنوب شرقي لندن "تسمى تكية سانت كروستوفر" لرعاية أولئك الذين يعانون من مرض الموت, وفيها تقدم للمريض بيئة متحررة من الألم, وآمنةً انفعاليًّا في جوٍّ انفعالي دافئ وحميم، وفيها يستحضر المريض معه أشياءه الأثيرة كلها, ويسمح له بعد الإقامة فيها بالزيادة طوال اليوم "من الثامنة صباحًا إلى الثامنة مساء", ويحث أفراد الأسرة "وخاصة الأبناء" على المساعدة في رعاية المسن, والمشاركة في القيام ببعض أنشطته الخاصة، كإطعامه أو نظافته، وهكذا يظل المريض في مرضه الأخير على صلةٍ بآخرين يرعونه ويستمعون إليه ويشاركونه اهتماماته, بالإضافة إلى ما يتحقق له من حقه في الموت بكرامة, وفي وجود أحبائه.
إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه هو أن إيداع المسن في بيتٍ أو تكيةٍ للمسنين يجب أن يكون آخر ما يمكن أن تلجأ إليه الأسرة؛ فالرعاية داخل المنزل لهؤلاء أكثر تقبلًا من الوجهة السيكولوجية, بشرط أن تكون البيئة الأسرية مدعمة. والقاعدة الذهبية في جميع الحالات أنه حين يكون المسن متحررًا نسبيًّا من المرض ومن سوء البيئة, فإن جهازه العصبي يستطيع مقاومة التدهور المصاحب للتقدم في العمر، ويساعد على ذلك أن يعيش شيخوخةً عاديةً قبل موته, أما إذا اجتمع المرض وسوء البيئة لدى المسن, فإن التدهور النهائي يصبح حتمًا لا مناص له، ويصبح طور أرذل العمر مقدمة طويلة تسبق الموت السيكولوجي أو الفعلي.
(1/674)

الرعاية الشاملة للمسنين:
يتزايد الاهتمام في الوقت الحاضر برعاية المسنين, وكان بداية ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1978, بالدعوة إلى اجتماعٍ دوليٍّ لصياغة خطة عمل دولية في مجال المسنين, وانعقد هذا الاجتماع بالفعل بمدينة فينا, خلال الفترة من 25 يوليو-6أغسطس عام 1982, وصدر عنه وثيقة عالمية تحدد المجالات الأساسية لرعاية المسنين تحقيقًا لحياة أفضل لهم, ودفعًا لمساهمتهم في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أقطار العالم, وتضمنت الوثيقة سبعة مجالات للرعاية هي: الصحة والتغذية، والحماية، الإسكان والبيئة، الأسرة، والرفاهية الاجتماعية، الدخل والعمل، التعليم.
ومن بين جوانب الرعاية يحتل طب المسنين Geriatrics موضعًا خاصًّا, فهو أحد الفروع الحديثة في الطب، ويحظى باهتمامٍ متزايدٍ في السنوات الأخيرة, وقد أنشأت الجامعات الكبرى في العالم أقسامًا متخصصة لهذا الفرع من الطب، وقد سارت جامعة عين شمس على هذا المنوال؛ فأنشأت منذ اكثر من عشر سنوات وحدة متخصصة في طب وصحة المسنين بكلية الطب فيها, ثم استحدثت منذ عام 1995 قسمًا علميًّا لطب وصحة المسنين, ولعل مما يلفت النظر في اهتمامات المتخصصين في طب المسنين نظرتهم الشاملة؛ حيث تتضافر العلوم الطبية والاجتماعية والنفسية لتقدم نموذجًا للرعاية لا يكاد يتوافر في الفروع الأخرى للطب.
ومن المظاهر الأخرى المميزة لطب المسنين اهتمام المتخصصين فيه بموضوع قياس وتقويم الجوانب المختلفة للمسن، حتى إن كثيرًا من الثقاة يعتبرون هذا الاهتمام هو حجر الزاوية لتقديم رعاية فعالة للمسنين، سواء بالوقاية أو التدخل العلاجي أو المتابعة, ومن الدراسات المصرية التي أُجْرِيَتْ في هذا الميدان دراسة
(1/675)

خالد أبو حطب "K. Abou 0 Hattab, 1994", التي قُدِّمَتْ لكية الطب جامعة عين شمس للحصول على درجة الماجستير في طب المسنين, وقد ناقشت هذه الدراسة النماذج المختلفة في مجال تقويم وقياس المسنين، واقترحت إنشاء وحدة متخصصة لهذا الغرض تتولى تقدير كفاءة المسن في النواحي الجسمية والنفسية، والاجتماعية, مع دراسة ظروفه الاقتصادية والبيئية وموارد الرعاية المتاحة في ضوء الظروف الثقافية للمجتمع المصري.
وفي عام 1996 أنشأت جامعة حلوان مركز الرعاية الصحية والاجتماعية للمسنين، ليقدم منظومة متكاملة للرعاية, تشمل النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية والفنية الجمالية والرياضية الترويحية للمسنين, ولعل من أهم أنشطة المركز: تقديم برامج تدريبية لإعداد "مساعد المسن" وهو مجال مهني متزايد الأهمية للشباب.
ويتزايد اهتمام المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية بالمسنين في مصر في الوقت الحاضر، فبدأت وزارة الصحة بإنشاء وحدات للمسنين في المستشفيات، كما يتزايد اهتمام وزارة الشئون الاجتماعية بالجمعيات غير الحكومية العاملة في هذا الميدان.
(1/676)

خاتمة الكتاب:
وهكذا نأتي إلى خاتمة رحلة نمو الإنسان، تلك الرحلة التي وصفناها في مقدمة هذا الكتاب بأنها أبدع رحلات الإنسان, وهي الرحلة المعجزة التي تبدأ به خلية أحادية التكوين, ويتحول خلالها إلى جنين؛ فطفل؛ فمراهق؛ فشاب؛ فراشد؛ فكهل؛ فشيخ، ثم إلى هرم فانٍ, هذه الرحلة التي وصفها القرآن الكريم في مواضع كثيرة, والتي تتضمن الكثير من آيات الله -سبحانه وتعالى- وسننه في خلقه.
وهذا الكتاب محاولة لبناء وجهة إسلامية لعلم نفس النمو، ولهذا كان الاعتماد في تصنيف مراحل النمو في القرآن الكريم وعلى السنة النبوية الشريفة, ثم على ما تناوله فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم, وقد أدى بنا ذلك إلى بناء نموذج للنمو الإنساني في هذا الإطار الإسلامي الشامل, كان موجهًا ووجهة الكتاب كله.
لقد عبر الكتاب عن المراحل الكبرى الثلاث لنمو الإنساني بالأعمار الثلاثة، وقد وجه هذه التصنيف تقسيم القرآن الكريم لها بقوله تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] .
ثم جاءت مراحل كل عمر من هذه الأعمار الثلاثة وأطواره موجهة كلها بالإطار الإسلامي، ولهذا كان العمر الأول للإنسان هو ضعفه الأول, كما جاء في الآية الكريمة السابقة شاملًا لمراحل الجنين والطفولة والمراهقة والشباب، وهي جميعًا تتوجه بالإنسان "سريعًا أو بطيئًا حسب طبيعة كل مرحلة" نحو قوة الرشد الإنساني, فهي تحسن مستمر وتقدم مضطرد.
ثم جاء تقسيم كل مرحلة من مراحل الضعف الإنساني الأول في الإطار الإسلامي أيضًا؛ فمرحلة الجنين تتألف في أطوار النطفة والنطفة والأمشاج والعلقة والمضغة وتكوين العظام والعضلات "اللحم" والتسوية, وانقسمت مرحلة الطفولة إلى أطوار الوليد والرضيع والحضانة والتمييز, وانقسمت مرحلة المراهقة والشباب إلى طور بلوغ الحلم "المراهقة", وطور بلوغ السعي "الشباب".
فإذا انتقلنا إلى العمر الثاني للإنسان وهو عمر قوة الرشد لديه، التزم الكتاب أيضًا بالتصنيف الإسلامي لمراحله وأطواره، وشمل ذلك طور بلوغ الرشد، وطور بلوغ الأشد, أما العمر الثالث للإنسان هو عمر الضعف الثاني الذي يتسم
(1/677)

-حسب الوصف القرآني الكريم- بالضعف والشيبة, فقد انقسم أيضًا إلى طورين هما الشيخوخة, ثم بلوغ أرذل العمر.
كان ذلك كله في ضوء الآيات القرآنية التي وردت في مطلع هذا الكتاب، ونعيد هنا مرةً أخرى ما قلناه في المقدمة من أن هذا الكتاب محاولة علمية "لخدمة القرآن الكريم", كما أنه محاولة لبناء وجهة إسلامية لعلم نفس النمو، وهو جزء من سلسلةٍ تسعى لتحقيق هذه الغاية المنشودة، نلتزم فيها بلغة العلم ومناهج البحث فيه, مع التنبه إلى عدم الوقوع في الشراك التي وقع فيها بعض من تصدوا لتناول مسائل علم النفس في الإطار الإسلامي, وهي الشراك التي تناولها بالتفصيل أحد مؤلفي هذا الكتاب في موضوع آخر "فؤاد أبو حطب، 1989"، ونرجو من الله أن تكون مهمة هذا الكتاب قد تحققت خدمة علمية للقرآن, ومنفعة عملية للأمة العربية والإسلامية.
(1/678)

مراجع الكتاب:
آمال أحمد مختار صادق: التعليم الأساسي كبوتقة لكشف الاستعدادات, مؤتمر التعليم الأساسي بين النظرية والتطبيق، جامعة حلوان، 1981.
آمال أحمد مختار صادق: تنمية الإبداع في الفنون عند تلاميذ التعليم الأساسي, القاهرة، مؤتمر الإبداع في مرحلة التعليم الأساسي، القاهرة، وزارة التعليم، 1989.
آمال أحمد مختار صادق: نحو نموذج جديد للنمو الحسي في مرحلة الطفولة: من الإدراك متعدد الحواس إلى التخصص الحسي "تحت الطبع".
آمال أحمد مختار صادق، أميمة أمين فهمي: الخبرات الموسيقية في دور الحضانة ورياض الأطفال. مكتبة الأنجلو المصرية، 1985.
إبراهيم أحمد الكندي: مشكلات الزواج في العصر الحديث وعلاجها في الفقه الإسلامي، بحث مقدم إلى ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عمان، 1988.
إبراهيم خليل شهاب: مشكلات المراهقة بين طلاب وطالبات المدارس الثانوية، 1935.
أحمد زكي صالح: الأسس النفسية للتعليم الثانوي. دار النهضة المصرية "ط2"، 1972.
أولسون، ويلارد "ترجمة إبراهيم حافظ وآخرون": تطور نمو الأطفال. مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1962.
إيكهورن، أوجست "ترجمة سيد غنيم": الشباب الجامح، دار المعارف، 1959.
(1/679)

بياجيه، جان "ترجمة: أحمد عزت راجح": اللغة والفكر عند الطفل، مكتبة مصر "ب. ت".
بياجيه. جان "ترجمة: محمود قاسم": ميلاد الذكاء عند الطفل. مكتبة الأنجلو المصرية "ب. ت".
توم، دوجلاس "ترجمة: إسحاق رمزي": مشكلات الأطفال اليومية، دار المعارف، 1960.
توم، دوجلاس "ترجمة: جابر عبد الحميد جابر وآخرين": توجيه المراهق. دار المعارف، 1970.
جابر عبد الحميد جابر، محمد أحمد سلامة: دارسة استطلاعية مقارنة لمشكلات طلاب وطالبات المرحلة الإعدادية من القَطَرِين وغير القطريين. جامعة قطر، مركز البحوث التربوية، 1981.
جونسون، مارشال، عبد الحميد الزنداني: مفتاح مستقبل الجنين: التلقيح والسيادة الجنينية, أو تحديد خصائص الفرد مقارنةً بين القرآن والسنة, المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، 1985.
جيزل، أرنولد وآخرون "ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد": الحضين والطفل في ثقافة اليوم، دار الكرنك للنشر، 1964.
جيزل، أرنولد وآخرون "ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد": الطفل من الخامسة إلى العاشرة. لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1957.
جيزل، أرنولد وآخرون "ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد": الشباب بين العاشرة والسادسة عشرة. دار الطباعة الحديث 1959.
حامد عبد السلام زهران: علم نفس النمو. عالم الكتب، 1971.
حامد عبد العزيز الفقي: دراسات في سيكولوجية النمو. الكويت. دار القلم "ط4"، 1983.
(1/680)

حسين كامل بهاء الدين، محمد خليل عبد الخالق، ناهد رمزي، هالة فؤاد، عزة العرابي، هنا القراقصي، أحمد العيادي: معايير نمو الطفل ما قبل المدرسة، المجلد الثالث، الدراسة الصحية. المجلس القومي للطفولة والأمومة، 1994.
خلف الجراد: قراءة في فكر الغزالي التربوي. مجلة الباحث، السنة 8، العدد 43، تموز-أيول 1986، 87-102.
خليل ميخائيل معوض: مشكلات المراهقين في المدن والريف: السلطة والطموح، دار المعارف، 1976.
دي بور، ت. ج. "ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة": تاريخ الفلسفة في الإسلام. الدار التونسية للنشر "ب.ت".
ديلور، جاك "ترجمة: جابر عبد الحميد جابر": التعلم ذلك الكنز الكامن: تقرير اللجنة الدولية للتربية للقرن العشرين. القاهرة: دار النهضة العربية، 1998.
رمزية الغريب: العلاقات الإنسانية في حياة الصغير ومشكلاته اليومية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1967.
سعد جلال، عماد الدين سلطان: مشكلات طلبة مرحلة التعليم الثانوي. المجلة الاجتماعية القومية، المجلد 31، يناير 1966.
سعد مرسي أحمد، كوثر كوجك: تربية طفل ما قبل المدرسة، القاهرة، علم الكتب، 1983.
سليمان الخضري الشيخ: دراسة في التفكير الخلقي للمراهقين والراشدين. الكتاب السنوي في علم النفس، الجمعية المصرية للدراسات النفسية، المجلد الرابع، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1983، 123 -170.
سنية جمال عبد الحميد: ثبات المادة والوزن والحجم - دارسة مقارنة بين الطفل المصري الريفي والحضري. رسالة دركتوراه-
(1/681)

كلية الآداب - جامعة عين شمس، 1967.
سيد أحمد عثمان: الإثراء النفسي، مكتبة الأنجلو المصرية، 1986.
سيد أحمد عثمان: بهجة التعلم، مكتبة الأنجلو المصرية، 1977.
السيد عبد العاطي السيد: صراع الأجيال، دراسة في ثقافة الشباب، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 198.
سيد محمد غنيم: النمو العقلي عند الطفل في نظرية بياجيه "الجزء الأول". حوليات كلية الآداب جامعة عين شمس، المجلد13، 1970.
سيد محمد غنيم: النمو العقلي عند الطفل في نظرية بياجيه "الجزء الثاني". القاهرة, المطبعة العالمية، 1973.
شحاتة محروس طه: الحكم الخلقي لدى عينة من المجتمع المصري في المراحل التعليمية المختلفة. رسالة دكتوراه، كلية التربية، جامعة حلوان، 1989.
شفيق علاونة: الطفولة. عمان: دار الفرقان، 1994.
صالح الشماع: ارتقاء اللغة عند الطفل من الميلاد إلى السادسة، دار المعارف، 1962.
صلاح مخيمر: تناول جديد للمراهقة، صحيفة التربية، يناير، 1970.
صموئيل مغاريوس: أضواء على المراهق المصري. مكتبة النهضة المصرية، 1957.
صموئيل مغاريوس: سيكولوجية المراهق المصري. في كتاب "أسس التربية في الوطن العربي"، القاهرة: المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1965.
طلعت منصور: دراسة في الاتجاهات النفسية نحو المسنين لدى بعض الفئات العمرية في المجتمع الكويتي، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، المجلد 15. العدد 11987، 69-102.
(1/682)

عادل عازر، ناهد رمزي، عزة كريم، علا مصطفى: ظاهرة عمل الأطفال، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1991.
عبد الحميد الهاشمي: علم النفس التكويني. مكتب الخانجي "ط3"، 1976.
عبد الخالق همت أبو شبانة: الصلب والترائب. القاهرة. المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، 1985.
عبد العزيز القوصي: خصائص المراهقين الريفين والمدنين في الإقليم المصري. صحيفة التربية، نوفمبر 1960.
عبد الله بن محمد معصر: حقوق الجنين في الفقه الإسلامي. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة "المملكة العربية السعودية" العدد 26، السنة7، يوليو, سبتبمر 1995.
عبد المنعم المليجي: تطور الشعور الديني عند الطفل والمراهق. دار المعارف، 1955.
عبد المنعم المليجي: النمو النفسي، القاهرة, مكتبة مصر، 1957.
عثمان الخواص: خلق العظام، القاهرة: المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، نوفمبر 1985.
عثمان لبيب فراج: "عرض وتلخيص فؤاد أبو حطب": مشكلات التكيف عند تلاميذ المدرسة الثانوية في كلٍّ من مصر وأمريكا. صحفية التربية، مارس 1961.
عدنان الشريف: من علم الجنين القرآني: بيروت: مجلة الفكر الإسلامي "5حلقات"، 1987-1988.
عزت حجازي: الشباب العربي والمشكلات التي يواجهها. الكويت، عالم المعرفة، 1978.
عزت سيد إسماعيل: الشيخوخة. الكويت: وكالة المطبوعات، 1983.
(1/683)

عزيز عبد العليم، ياسر صالح جمال: إشارات الإعجاز القرآني في علم الأجنة: المضغة المخلقة وغير المخلقة، القاهرة. المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، 1958.
علي بن فهيد الدغيمان: حد البلوغ في الفقه الإسلامي. الرياض: مطبوعات مركز البحوث التربوية -كلية التربية- جامعة الملك سعود.
عماد الدين سلطان: احتياجات طلبة وطلبات الكليات والمعاهد العليا. المجلة الاجتماعية القومية، يناير، 1969.
عماد الدين سلطان: احتياجات طلاب الجامعات، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1971.
عماد الدين سلطان: مشكلات طلاب الجامعات. المجلة الاجتماعية القومية، يناير 1971.
فائقة محمد بدر: العلاقة بين البيئة المدرسية والتفكير الابتكاري، رسالة دكتوراه، كلية التربية جامعة عين شمس، 1984.
فايز قنطار: الأمومة: نمو العلاقة بين الطفل والأم، عالم المعرفة "الكويت"، 1992.
فؤاد أبو حطب: التحليل العلمي للسلوك الخلقي. الكتاب السنوي في التربية وعلم النفس "تحرير: سعيد إسماعيل علي". المجلد الأول، عالم الكتب. 1973.
فؤاد أبو حطب: استفتاء المشكلات الدراسية للشباب. بحوث في تقنين الاختبارات النفسية، المجلد الأول. القاهرة. مكتبة الأنجلو المصرية، 1977.
فؤاد أبو حطب: التوجيه الإسلامي لعلم النفس. ندورة علم النفس والإسلام، جامعة الرياض "الملك سعود حاليًا"، 1978 "نشر البحث بمجلة الأزهر، يناير، يونية 1979.
فؤاد أبو حطب: الشباب، أزمة التكيف والاغتراب، القاهرة، ندوة تربية
(1/684)

الشباب بكلية التربية جامعة عين شمس، 1981.
فؤاد أبو حطب: المعالم السيكولوجية للرشد والشيخوخة، المؤتمر الدولي للصحة النفسية للمسنين، القاهرة، 1983.
فؤاد أبو حطب: القدرات العقلية. مكتبة الأنجلو المصرية "ط5"، 1996.
فؤاد أبو حطب: علم نفس النمو من المنظور الإسلامي. مجلة التربية الإسلامية، العدد الأول، 1985.
فؤاد أبو حطب: التطرف والاعتدال في سلوك الإنسان. المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، القاهرة 1985.
فؤاد أبو حطب: نحو وجهة إسلامية لعلم النفس. القاهرة: مؤتمر الإسلام وعلم النفس. نظمه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1989, "نشر البحث بمجلة المسلم المعاصر، يناير، أبريل، يوليو 1992".
فؤاد أبو حطب: قبل أن يتوحش المجتمع. "الأهرام المسائي 1992".
فؤاد أبو حطب, آمال صادق: علم النفس التربوي، مكتبة الأنجلو المصرية "ط4"، 1986.
فؤاد أبو حطب, آمال صادق: معالم عصر جديد للمعرفة. دراسات تربوية. الجزء الأول، نوفمبر 1985، 75-86.
فؤاد البهي السيد: علم النفس الاجتماعي. دار الفكرالعربي "ط2"، 1987.
فؤاد البهي السيد: الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة. دار الفكر العربي "ط3"، 1975.
ماهر كامل: الزعامة عند الطفل. مكتبة الأنجلو المصرية، 1985.
محمد إبراهيم الفيومي: ملاحظات على المدرسة الفلسفية في الإسلام. مكتبة الأنجلو المصرية، 1979.
(1/685)

محمد أبو زهرة: علم أصول الفقه. دار المعارف. القاهرة. "ب. ت".
محمد جمال الدين الفندي: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مجلة الأزهر، الجزء7، السنة 60، مارس 1988.
محمد طاهر، عبد المجيد الزنداني، مصطفى النجار: خلفية تاريخية لتطور الإنسان: أضواء على هذا الميدان في القرآن والحديث، القاهرة، المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، القاهرة، 1985.
محمد عثمان نجاتي: اتجاهات الشباب ومشكلاتهم. دار النهضة العربية، 1963.
محمد عثمان نجاتي: القرآن وعلم النفس. بيروت: دار الشروق، 1982.
محمد عثمان نجاتي: الحديث النبوي وعلم النفس. القاهرة: دار الشروق، 1992.
محمد علي البار: الوجيز في علم الأجنة القرآني. جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع "ط2"، 1986.
محمد عماد الدين إسماعيل: الأطفاتل مرآة المجتمع, الكويت: عالم المعرفة, 1986.
محمد عماد الدين إسماعيل: النمو في مرحلة المراهقة، الكويت، دار القلم، 1982.
محمد عماد الدين إسماعيل، محمد أحمد غالي: الإطار النظري لدراسة النمو. الكويت: دار القلم، 1981.
محمد عماد الدين إسماعيل، نجيب إسكندر إبراهيم، رشدي فام منصور: كيف نربي أطفالنا. دار النهضة العربية، 1974.
محمد عماد الدين إسماعيل، أمينة كاظم، ناهد رمزي، ليلى كرم الدين، هدى الناشف: معايير نمو طفل ما قبل
(1/686)

المدرسة. المجلد الثاني: الدراسة النفسية. المجلس القومي للطفولة والأمومة، 1994.
مصطفى سويف: الأسس النفسية للتكامل الاجتماعي. دار المعارف "ط3"، 1970.
مصطفى فهمي: سيكولوجية الطفولة والمراهقة. القاهرة. مكتبة مصر، 1955.
منيرة محلمي: مشكلات الفتاة المراهقة وحاجاتها الإرشادية. دار النهضة العربية، 1965.
منظمة الصحة العالمية "ترجمة: محمد بشير القصاص": حفظ وتعزيز صحة المسنين. دمشق: وزارة الصحة، 1997.
موريس شريل: التطور المعرفي عند جان بياجيه. بيروت. المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، 1986.
ميلر، سوزانا: سيكولوجية اللعب "ترجمة: حسن عيسى", الكويت. عالم المعرفة، 1997.
هدى بدران، ناهد رمزي، سنية صالح، علي ليلة: معايير نمو طفل ما قبل المدرسة، المجلد الأول: الدراسة الاجتماعية, المجلس القومي للطفولة والأمومة، 1994.
هولس، س. هـ وآخرون: "ترجمة: فؤاد أبو حطب، آمال صادق": سيكولوجية التعلم. دار مكجروهل للطبع والنشر، 1982.
وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته "7 أجزاء", دمشق, دار الفكر، 1984.
(1/687)

Abou-Hatab, K. F. Menial "Psychological" Halth From Islamic Perspectives. Egyptian Journal of
Psychological Studies , Vol. 8, January, 1998.
Abou-Hatab, F, Comperehenvsive Geriatric Assessmenl. M. Sc,
Faculty of Medicine, Ain-Shams University, 1994.
Abou-Halab, M, F. A Study of the Common Phol
School Children , M. Sc. Institute of Postgraduate Childhood Studies. Ain- Shams University, 1994.
Adams, B.N. The Family: A Sociological Interpretation. Chicago: Rand McNaltv, 1975.
Adler, L.L. "Ed." Cross-cultural Research in Human Development New York Praegcr & Greenwood, 1989.
Alpaugh, R.K. & Birren, J.E. Variables Affecting Creative Contributions across the Adult Life Span. Human Develop., 1977,20,240-248.
Ambron, S.R. & Salkind, N.J. Child Development. New York: Holt, Rinehart & Winston "4 th Ed.", 1984.
American Pasychiatiic Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders "DSM IV". Washington, D.C. Amer Psychiat. Assoc, "4th Ed." 1994.
Aries, P. Centuries of Childhood. New York:.Vintage Books, 1962.
(1/688)

Arline, P.A. Conitive Ddevelopment in Adulthood: A Fifth Stage? Develop, psychol. 1975., 11,602-606.
Arline, P.A. Piagetian Operations in Problem Finding. Develop. Psychol., 1977, 13,297-298
Atchley, R.C. The Social Forces in Later Life. Belmont: Wadsworth, {2 nd Ed,", 1977.
Baltcs., P. B. & Bakes, M. M. "Eds.". Successful Aging: Perspectives from the Behavioral Sciences. Cambridge: u, k., Cambridge University Press, 1990
Baltes, P.B. & Schaie, K.W, "Eds." Life span Developmental Psychology: Personality and Socialization. New York: Academic Press, 1973 ,
Baltes, P. B. & Reese, H.W & Nesserloadc. Life-span
Developmental Psychology: Introduction to Research Methods. Monterey ; Brooks & Cole, 1977.
Barker, R.E. & Wright, H.F. One Boy's Day: A Speciman Record of Behavior. New York: Harper & Ron, 1951.
Barry, W.A. Marriage Research and Conflict: An Integrative
Review, Psychol, Bull., 1970,73,41-54.
Bayley, N, & Odcn, M.H. The Maintenance of Intellectual Ability in Gifted Adults. J. of Gerontology, 1955,10,91-107.
Bee W. The Developing Child. Cambridge: Harper & Row, "4th Ed.", 1985.
Bell, R.Q. Convergence: An Accelerated Longitudinal Approach. Child Develop., 1953, 24,142-152.
Bell, R. Q. & Harpe, L.V. "Eds." Child Effects on Adults. Lin-coin: Univ. of Nebraska Press, 1980.
(1/689)

Belloc, N.B. & Breslow, L. Relationship of Physical Health Status and Health Parctices. Paeventive Medicine, 1972,1,409-421.
Bengston, V. L. & Troll, L. Youth and their Parents. In Lerner,
R. and Spanicr, G. "Eds.", 1978.
Bcrardo, F.M. Widowhood Status in the United States. The Family Coordinator, 1968,17,191-203.
Bernard, H.W. Human Development in Western Culture. Boston: Allyn & Bacom, 1970.
Binger, J.J. Human Development: A Life-Spun Approach. New York: MacMillan, 1983.
Binstock, A. H. & Shanes, D. "End." Handbook of Againg and the Social Sciences. New York: Van Nostrand Reinhold, 1976.
Birren, I.E. The Psychology of Aging. N.J. ; Prentice-Hall,
1064.
Birren, J.E. Thansilions in Gerontology from Lab to Life: Psy-chopsysiology and Speed of Response. Amer.
Psychologist, 1974, 29, 808-815.
Birren, J.E. Butler, R.N., Greenhouse, S.W., Sokoloff, L. & Yarrow, M. "Eds." Human Agiitfi: A Biological and Behavioral Study. Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 1963.
Birren, J.E. & Schaie, K.W. "Eds." Handbook of the Psychoid-BY of Aging. New York: Ven Nostrand Reinhold, 1977.
Birren, J.E. & Slnane, R.B. "Eds." Handbook of Menial Health and Aging. N.J.: Prentice-Hall, 1980.
Bisanz, J., Brainerd, C.J. & Kail, R. "Eds." Formal Methods in Develop me.' ci-Verlog, 1987.
(1/690)

Blum, J.E. & Jarvik, L.F. Intellectual Performance of Octogenarians as a Function of Education and Initial Abilly. Human Develop., 1975,18,364-375.
Booth, A. Wife's Employment and Husband Stress: A Replication and Refutation. J. of Marriage & Family, 1977, 39, 645-650.
Bomstein, M.H, & Lamb, M.E. "Eds." Developmental Psychology. Hill! Irlbaum & Assoc.,
1984.
Boshier, R, Adult Education: Motivation of Participants, in: T.
Husscn & T. N. Postletliwaite "Eds." International Encyclopedia of Education, vol, 1, pp 149 -152,19S5.
Bolwink:x., J. Aging and Beliavior. New York: Springer, 1973.
Brained, C. Piagent's Theory of Intelligence. Englewood Cliffs, N. J. Prentic-Hall, 1978.
Brodznsky, D.M. Gormly, A.V. A Anibran, S.R. Life-Span Human Development. New York: Holt, Rinc-hart & Winston, "3rd Ed.", 1986.
Bromley, D. B. The Psychology of Human Aging. Penguin Books, 1966. "2nd Ed.", 1974.
Brubaker, T. "Ed." Family Ralationships in Later Life. Beverly Hill, CA: Sage, 1983.
Burke, R. I. & Weir, T. Relationship of Wife's Emploment Status to Husband Wife and Pair Staisfaction and performance. J. of Marriage & Family, 1976, 38. 279-282.
Butler, R. N. & Lewis, M. I. Aging and mental Health. St. Louis: Mosby, "3rd Ed.", 1982.
Case, R. Intellectual Development: Birth to Adulthiid. Orlando: Academic Press, 1985.
(1/691)

Clarke Stewart, A. & Friedman, S. Child Development: Infancy through Adolsecence. New York: John Wiley, 1987.
Clayton, V. & Overton, W.F. Concrete and Formal Operational Thought Processes in Young Adulthood and Old Age. International.1. of Aging & Human Develop., I976 , 7, 237-215.
Cole, J.O. & Bcrrctt, C.J. "Ed." ogy Id the Aged.
New York: Raven Press, 1980.
Commons, M.L., Richard, F.A. & Annan, C. Beyond Formal Operations: ceand Abult Cog-
nitive Development. New York: Praegcr, 1982.
Commons, ML.: Adult development "vol. 1". New York: Praeger& Greenwood, 1989.
Conger, J.J. & Peterson, A. C. Adolescence and Youth. Cam- bridge: Harper & Row "3rd Ed.", 1984.
Copans, S. A. Human Prenatal Effects: Methodological Problems and Some Suggested Solutions. Merrill-Plamer Quart., 1974, 20, 43-52.
Crai"-. G.J. Human Development. WWnglewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1986.
Craik, F.J. M. Age Differences in Human Memory. In ; Birren, J.E. & Schaie, K.W. "Eds.", 1977.
Craik, F.t. M. & Treub, S. "Eds." Aging and Cognitive Processes. New York: Plenum, 1980.
Cumming, E. & Henry, W.E. Growing Old. New York: Basic Books, 1961.
Croplcy, A. J. "Ed." Towards a System of Lifelong
Hamburg:Unesco institute of Education, 1986.
Darwin, C. A Biographical Sketch of an Infant. Mind, 1877, 2, 285-294.
Dasen, P.R Cross-Cultural Piagetion Research: A Summary, J. of Cross-Cultural Psyehol., 1972,3,23-39.
Daton, N., Green, A.L. & Reese, H.W. Lifespan Developmen-
Datoit, N., Green, A.L. & Reese, H.W. Lifespan Developm
(1/692)

Daton, N., Green, A.L. & Reese, H.W. Lifespan Developmen-tal Psychology. Hillsdate, N.J.: Lawrence Erl-baun & Assoc, 1986.
Dave, H. R. "Ed". Foundations of Lifelong Education. New York: Pergamon Press, 1976.
Delisi, R. Slandt, j. Individual Differences in College Students' Performance on Formal Operations Tasks. J. Appl. Develop. Psychol., 1980,1,201-208.
Delors, J. Learning: The Treasure within Paris. Unesco, 1997.
Dennis, W. Greative Productivity between the Age of 20 and 80
Years.J.oferontology,1966, 1, 1-18.
Denny. N.W. Aging and Cognitive Change. In: Wolman, B, "ed.", 1982.
Dolen, L. S. & Bearison, D. J. Social Interaction and Social Cognition in Againg. Human Develop., 1982, 25, 430-442.
Duvall. Si. PCarriage and Family Development, -.,:? LippincotL"5thEd.", 1977.
Eichorn, DR., Clausen, J.A., Haan, N„ Honzik M.P. & Mussen, P.H. "Eds." Present and Past in Middle Lite,
New York: Academic Press, 1981.
Eichorn, D.H, , Hunt, J.V. & Honzik, M.P. Experience, Personality and IQ: From Adolescence to Middle Age In: Eichorn, D.H. et al., "Eds.", 1981.
Eisdoifer, C, & Lawlon, M.P. "Eds.", Psychology of Adult Development >: nglon,D.C.: APA, 1973.
Elkind, D. Quantity Conceptions in Junir and Senior High.'?: ????., 1961,32, 551-
560.
Elkind, D. Quantity Concep Students. J. Soc.
Psychol.., 1962, 57,259-465.
Elkind, D. & Flavell, J.H. "Eds." Studies in Cognitive Develop-
Elkind, D. & Flavell, 1.11. "Eds." Studies in Cognith
(1/693)

ment. New York: Oxford Univ. Press, 1969.
Erikson, Ell. Childhood and Society. Pengur, Books, 1959, "2nd Ed.", 1963.
Erikson, E.H. Identity, Youth and Crisis. New York: Norton, 1968.
Erikson, E.H. Toys and Reasons. New York: Norton, 1977.
Erikson, E.H. Identity and Life. New York: Norton, 1980.
Farkas, M.S. & Hoycr, W.J. Processing Consequences of Perceptual Grouping in Selective Attention. J. of Gerontology, 1980, 35,207-216.
Field, T. et al. "Eds." Review of Human Develpment. New York: John Wiley, 1982.
Finch, C.E. Issues in the Analysis of Interrelationships between the Individual and Environment during Aging. In: Sorensen, A.B. et al. "Eds.", 1986.
Finch, C.E. & Hayflick, L. "Eds." Handbook of the Biology of Aging. New York: Van Nostrand Reinhold, 1977.
Fishbein, H.O. The Psychology of Infancy and Childhood. Hillsdale: Lawrence Erlbaum & Assoc., 1984.
Flavell, J.H. The Developmental Psychology of Jean Piaget. New York: Van Nostrand, 1963.
Flavell, J.H. & Markman, E.M. "Eds." Handbook of Child Psychology. Vol. Ill: Cognitive Development. New York: Wiley. 1983.
Flavell, J.H. & Wohlwill, J.F. Formal and Functional Aspects of Cognitive Development. In: Elkind, D. & Flavell, J.H. "Eds.", 1969.
Flynn, J.R. The Mean IQ of Americans: Massive Gains 1932 to 1978, Psychol. Bull., 1984, 95,29-51.
(1/694)

Foner, A. & Schwab, K. Aging and Retirement. Monterey: Brooks & Cole, 1981.
Fowles, D.G. A Profile of Older Americans. Washington, D. C. American Association of Retired Persons, 1987.
Fries, J.F. & Crapo, M. Vitality and Aging. San Francisco: W.H. Freeman, 1981.
Frieze, J.H. Women and Sex Roles. New York: Norton, 1978.
Garrett, W.R. Seasons of Marriage and Family Life. New York: Holt, Rinehart & Winston, 1982.
Gaulf, L.R. & Baltes, P.B. "Eds." Life-Span Developmental Psychology. New York: Academic Press, 1970.
George, L.K., Fillenbaum, G.G. & Palmore, E. Sex Differences in the Antecendcnts and Consequences of Retirement. J. of Gerontology, 1984,39, 364-371.
Gcscll, A. & Iig, F.L. Child Development: An Introduction to Human Growth. New York: Harper, 1970.
Goldhabcr, D. Life-Span Human Development. New York: Harcourt, Brace & Jovanovich, 1986.
Gomberg, E. & Franks, V. "Eds." Gender and Disordered Behavior. New York: Bruner & Mazal, 1980.
Gottferies, C.G. Senile Dementia of the Alzheimer's Type: Clinical, Genetic, Pathogenetic and Treatment Aspects. In: Sorensen, A. B. & ct al., "Eds." 1986.
Grinder, R.E. A History of Genetic Psychology. New York: John Wiley, 1967.
Guilford, J.P. J.P.The Nature of Human Intelligence. New York: Mc Graw-Hill, 1967.
Haan, N. Common Dimensions of Personality Development:
NewYork: Mc Graw-Hill, 1967.
Haan, N. , Smith, M.B. & Black, J.H. Moral Reasoning of
Young Adults: Political-Social Behavior, Family Background and Personality Correlates. J. of
(1/695)

Pers. & Soc. Psychol., 1968,183-201.
Haddad, S. "Ed.". Adult Education: The Legislative and Policy Environment. The Nether lands: Klumer, 1997.
Hagestad, G.O. Patterns of Communication and Influence between Grandparents and Grandchilbren an in Changing Society. World Congress of Sociology, Upsola, Sweden, 1978.
Haith, M.M. & Compos, J.J. "Eds." Handbook of Child Psychology Vol. II, New York: John Wiley, 1983.
Hall, G.S. The Contents of Children Minds. Princeton Rev., 1883, 11, 170-182.
Hall, G.S. Adolescence "2 Vols." New York: Appleton, 1891.
Hall, G.S. Senescence: The Last Half or Life. New York: Appleton-Ccntury-Crofts, 1923.
Hall, E. Lamb, M. & Pcrlmutter, M. Child psychology Today. New York: Random House, "2nd Ed.", 1986.
Harris, A.C. Child Development. St. Paul: West Publishindg, 1986.
Harris, L. & et al., The myth and reality of aging in America. Washington, D.C.: The National Council on Aging, 1975.
Hartley, J.T. & et al. Contemporary Issues and New Directions in Adult Development of Learning and Memory. In: Porn, L. "Ed.", 1980.
Havighurst, R.J. Human Development and Education. New York: Longmans & Green, 1953.
Havighurst, R.J. Social Roles of the Middle-Aged Person. Center for the Study of Libral Education for Adults, 1955.
Havighurst, R.J. Development Tasks and Education. New York rMckay, "3rd Ed.", 1972.
(1/696)

Hethcrington, E.M. & Park, R.D. Child Psychology. New York: McGraw-Hill, 1986.
Hoch, P.H. & Zubin, J. "Eds." Evaluation of Psychiatric Treatment, New York: Grune Stratton, 1980.
Holland, J.L. The Psychology of Vocational Choice. Waltham: Blaisdell, 1966.
Holland, J.L. Making Vocational Choices: A Theory of Ca-reers-Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1973.
Holmes, D.L. & Morrison, F.J. The Child. Monterery: Brooks and Cole, 1979.
Horn, J.L. & Donaldson, G. Cognitive Development in Adulthood. In: Brim, O.G. & Kogan, J. "Eds.", Contemporar and Change in Human Development. Cambridge: Harvard Univ. Press. 1980.
Horowitz, F.D. "Ed." Review of Child Development Research.
Chicago: Univ. of Chicago Press, 1975.
Houghton, V. P. & Richardson, K. "Eds." Recurrent Education. London: Word Lock, 1974.
Householder, J., Halcher, R., Burns, W. & hasnoff, I. Innfants born to Narcotic-addicted Mothers. Psychol. Bull., 1982,92,453-468.
Hoyer, W.J. & Plude, D.J. Attcntional and Perceptual Processes in the Study of Cognitive Aging. In: Poon, L. "Ed." 1980.
Hughes, F.P. & Noppe, L. Human Development. PSt. Paul: Wast publishing Co., 1982.
Hulicka, I.M. Age Differences in Retention as a Function of In-tcrfrence. J. of Gerentology, 1967,22, 274-280.
Hunt, M. & Hunt, B. The Divorce Experience. New York: McGraw-Hill, 1977.
Hurlock, E. B. Developmental Psychology, New York: Mc Graw-Hill, 1980.
(1/697)

Huyck, M.K. From Gregariousness to Intimacy: Marriage and Friendship over Adult Years. In: Field, T. & et al., "Eds.", 1982.
Huyck, M.K. & Hoyer, W.J. Adult Development and Aging.
Belmont: Wadsworth, 1982.
Ilg, F.L. & Ames, L.B. The Gesell Institute's Child Behavior New York: Dell, 1955.
Ironside, D.J. Adult Education: Concepts and Definitions. In: T. Hussein & T. N. Post lethwaite "Eds." International Encyclopedia of Education, vol 1, PP.112-120, 1980.
Jacaues, E. Death and the Midlife Crisis. International J. of Psychoanalysis, 1964. 502-514.
Jaquish, G.A. & Ripple, R.E. Cognitive Creative Abilities and Self-esteem Across the Aduly Life Span. Human Develop., 1981,24,110-119.
Johnstone, J. W. C. & Rivera, R. J. Volunteers for Learning: A study of the Educational Pursuits of American Adults. Aldine: Chicage, Ilinios, 1965.
Kagan, J. The Nature of the Child. New York: Basic Books, 1984.
Kahana, B. Social Bohavior and Aging. In: Wolman, B. "Ed.", 1982.
Kasworm, C.E. The Older Adult as Undergraduate. Adult Educ,. 1980,31.30-47.
Keating, D. Thinking Processes in Adolescence. In: Adclsen, J. "Ed.", Handbook of Adolescent Psychology. New York: Wiley, 1980.
Keniston, K. Youth and Dissent: The Rise of a New Generation. New York: Harcourt, Brace & Jovanovich, 1971.
Kcssen, W. The Child. New York: Wiley, 1985.
Kermis, M.D. The Psychology of Human Aging. Boston:
(1/698)

Allyn and Bacon, 1984.
Khan, N.M. & Zindani, A.M. The Embryo and the Body of the Mother in the Light of Quran and Hadith. Cairo: First Conference on Islamic Medicine,1985.
Kidd, J.R. How Adults Learn. New York: Association Press. 1973.
Kidd, J.R. & Titmus, CJ. Adult Education: An Overview. In: T. Hussein & NT. Post ethwaite "Eds." International Encyclopedia of Education , vol. I, pp. 93-104,1985.
Kimmel, D.C. Adulthood and Aging. New York: Wiley "2nd Ed.", 1980.
Kobasa, S.C. Stressful Life Events, Personality and Health: An Inquiry into Hardiness. J. of Pcrs. & Soc. Psychol., 1979.37,1-11.
Kohlberg, L. Moral Stages and Moralization. The Cognitive Developmental Approach. In: Linkona, T. "Ed." Moral Develpmcnt and Behavior. New York: Holt, Rinehart & winston, 1976.
Kohlberg, L. Continuities in Childhood and Adult Moral Development Revisited. In: Baltes, B. & Schaie, K.W. "Eds.", 1973 Kramer, D.A. Post-formal Operation ? A Need for Further Con-ceptualiztion. Human Develop., 1983, 26, 91-105.
Kreppner, K. "Ed." Family System and Life-span Development. New York: Lawrence Erlbaum, 1989.
Labouvie-Vief, G. Dynamic Development and Mature Autonomy: A Theoretical Prelogue. Human Develop., 1982,25,161-191.
Lamb, M.E. "Ed." Nontraditional Families: Parenting and Child Development. Hillsdale: Lawrence Erlbaum & Assoc., 1982.
Larue, A. Neuropsychological Testing. Psychiatric Annals. 1984,14,201-204.
(1/699)

Leboycr, F. Birth Without Violence. New York: Knopf, 1975.
Lcflkowitz, M. Smoking During Pregnancy: Long-term Effect on Offspring. Develop. Psychol., 1981, 17, 192-194.
Lehman, H.C. Age and Achievement. Princeton: Princeton Univ. Press, 1953.
Lerner, R.M. Concepts and Theories of Human Developments. New York: Random House "2nd Ed.", 1986.
Lerner, R.M. & Spanier, G. "Eds." Child Influence on Marital
and Family Interaction: A Life-Span Perspective. New York: Academic Press, 1978.
Leskow, S. & Smoke, CD. Developmental Changes in Problem Solving Strategies: Permutations. Develop. Psychol., 1970,2,412-422.
Levin, G.R. Child Psychology. Monterey: Brooks & Cole, 1982
Lewis, R.A. A Longitudinal Test of a Developmental Frame.
work for Premarital Dyadic Formation. J. of Mrriageand Family, 1973, 35,16-25.
Lieberman, M.A. Psychological Correlates of Impending Death: Some Preliminary Observatons. J. of Gerontology, 1965. 20, 181-190.
Liebcrt, R.M. Wicks-Neison, R. & Kail, R. Developmental Psychology. Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1986.
Lowe, J. The Education of Adults: A World Perspectives, Paris: Unesco, "2 nd Ed.", 1982.
Lowrey, G.H. Growth and Development of Children. Chicago: Yearbook, 1978.
Lugo, J. O. Adult Development. In R. J. Corsini "Ed." Encyclopedia of Psychology. New york: John wiley, 1994.
Mallrnann, C.A. & Nudicr, O. "Eds." Human Development in its Social Context London: Hodder & Stangten,
(1/700)

1986.
Marcia, J.E. Identity in Ldolescence. In: Adelson, J. "Ed." Handbook of Adelescent Psychology. New York: Wiley, 1980.
Maret, E. & Finlay, B. The Distribution of Household Laber Among Women in Dual-earner Families. J. of Marriage & Family, 1984,46,357-364.
Marshall, W.A. & et al. The Seven Ages of Man. New Society, No. 110-116, 1964.
McCluskey, W.A. & Reese, H.W. "Eds." Life-span Developmental Psychology: Historical and Generatia-nal Effects. Orlando: Academic Press, 1984.
McConnell, S.R. Retirement and Employment. In: Woodruff, D.S. & Birrcn, E. "Eds." Aging: Scientific Perspectives and Social Issues. Monterey: Brooks & Cole "2nd Ed.", 1983.
Mc Gaugli, J.L. Kiesler, S.B. "Eds." Aging: Biology and Behavior. New York: Academic Press, 1981.
McKusick, V.A. Mendelian Inheritance in Man. Ballimore: John Hopkins Univ. Press, 1975.
Mead, M. Blackberry Winter. New York: Morrow, 1972.
Mednick, M., Tangri, S. & Hoffman, L. "Eds." Women and Achievement: Social Motivational Analysis.
New York, Hemiphere-Halslead, 1975.
Mensh, S. N. Gerontology. In: R. J. Corsini "Ed.". Encyclopedia of Psychology. New York. John Wiley, 1994.
Mergler, N.L. & Goldstein, M.D. Why are There Old People ? Senescence as Biololgical and Cultural Preparedness for Transmission of Informtion. Human Develop., 1983,23,72-90.
Miles, W.R. Age and Human Ability. Psychol. Rev., 1933, 40, 91-123.
Modgil, S. & Modgil, C. "Eds." Jean Piaget: Consensus and
(1/701)

Mussen, P.H. "Ed." Handbook of Research Methods in Child Development. New York: Wiley, 1960.
Mussen, P.H. "Ed." Carmichael's Manual of Child Psychology. New York: John Wiley, "3rd Ed." 1970.
Mussen, P.H. "Ed." Handbook of Child Psychology, New York: Wiley, "4th ed." 1983.
Mussen, P.H. , Conger, J.J., Kogan, J. & Huston, A.C. Child Development and Personality. Cambridge: Harper & Row. "4th Ed." 1984.
Muuss, R.E. Theories of Adolescence. New York: Random, 1982.
National Institute of Adult Education "NIAE". Adult Education: Adequacv of Provision, London: NIAE, 1970.
Ncsserlroade, J.R. & Reese, H.W. "Eds." Life-span Developmental Psychology. New York: Academic Press, 1973.
Neugarten, B.L. Personality in Middle and Late Life. New York: Atherton Press, 1964.
Neugarten, B.L. The Psychology of Aging. Washington, D.C., APA. 1965.
Neugarten, B.L. "Ed." Middle Age and Aging. Chicago: Univ. of Chicago Press, 1968.
Neugarten, B.L. , Havighurst, R.J. & Tobin, S.S. Personality and Pattern of Aging. In: Neugarten, B.L. "Ed.", 1968.
Neugarten, B.L. , Moore, J.W. & Lowe, J.C. Age Norms, Age Constraints and Adult Socialization. Am. J. Sociology, 1965,70,710-717.
Neugarten, B.L. & Weirstcin, K.K. The Changing American Grandperent. J. of Marriage & Family, 1964, 26,199-205.
(1/702)

Neugarten, B.L. , Havighurst, R.J. & Tobin, S.S. Personality and Pattern of Aging. In: Neugarten, B.L, "Ed.", 1968.
Neugarten, B.L. , Moore, J.W. & Lowe, J.C. Age Norms, Age Constraints and Adult Socialization. Am. J. Sociology, 1965,70,710-717.
Neugarten, B.L. & Weirslein, K.K. The Changing American
Grandperent. J. of Marriage & Family, 1964, 26,199-205.
Nisbet, J.D. Intelligence and Age: Retesting with Twenty-four Years Interval. Brit. J. Educ. Psychol., 1957,27, 190-198.
Organization For Economic Co-operation and Development "OECD". Learning Opportunities For Adults, vol. 3, Paris: OECD, 1979.
OECD & CER1 Centre For Educational Research and Innovation". Recurrent Education: A Strategy For Lifelong Learning Paris. OECD, 1973.
Osofsky, J.D. "Ed." Handbook of Infant Development. New York: John Wiley, 1987.
Papalia, D.E. The Status of Several Conservation Abilities Across the Life-span. Human Develop., 1972, 15,229-243.
Papalia, D.E. & Bielby, D. Cognitive Functioning in Middle and Old-Age Adults: A Review of Research based on Piagct's Theory. Human Develop., 1974, 17,424-443.
Parlmutter, M. & Hall, E. Adult Development and Aging. New York: John Wiley, 1985.
Pcrsaud, T. V. N. & Zindani, A. M. After the Forty-second Day of Intrauterine Life. Cairo: 1st Conference of Islamic Medicine, 1985.
(1/703)

Persaud, I. V. Growth and Differenlation. Cairo: 1st Conference on Islamic Medicine, 1985.
Philips, J. Piagct's Theory: A Primer. San Francisco: Freeman, 1981.
Piaget, J. Intellectual Evolution From Adolescence to Adulthood. Human Develop., 1972, 15, 1-12.
Piaget, J. The Child's Conception of the World. Totowa, N.J: Littlcfield & Adams, 1967.
Piaget, J. & Inhelder, B. The Psychology of the Child. New York: Basic Books, 1969.
Piaget, J. & Inhelder, B.The Development of Thought: Equilibrium of Cognitive Structures. New York: Viking, 1975.
Piotrowski, C. Adolescent Development. In: R. 3. Corsini "Ed.": Encyclopedia of Psychology. New York. John Witcy, 1994.
Polmn, R. Development, Genetics and Psychology. Hillsdale: Lawrence Erlbaum Assoc, 1986.
Poon, L. "Ed." Aging in the 1980: Psychological Issues. Washington, D. C.: APA, 1980.
Prcssey, S.L. & Kuhlcr, R.G. Psychological Development through the Life. New York: Harper & Row. 1957.
Quinn, J. F. The Early Retirement Decision: Evidence from the 1969 Retirement History Study, 1978. In Perlmutter and Hall, 1985.
Reyncr, E. Human Development. London: Allen & Unwin, 1986.
Reedy, M.N., Birren, J. E. & Schaic, K.W. Age and Sex diffe-reces in Slatisfying Love Relationship across Adult Life-Span. Human Develop., 1981, 24, 52-66.
(1/704)

Reiss, I.L. Family Systems in America. New York: Holt, Rine-hart & Winston, "3rd Ed.", 1980.
Richard, S., Livson, F. & Peterson, P.G. Aging and Personality. New York: John Wiley, 1962.
Riegel, K.F. Dialectic Operations: The Final Period of Cognitive Development. Human Develop., 1973, 16, 346-370.
Riegcl, K.F. History of Psychological Gerontology. In: Birren, J. E. & Schaie, K. W. "Eds.", 1977.
Riegel, K.F. & Riegel, R. Development, Drop and Death. Develop. Psych., 1972, 6, 306-319.
Riley, M.W. Hess, B.B. & Bond, K. "Eds." Aging in Society: Selected Reviews of Recent Research. Hillsdale: Lawrence Erlbaum Assoc, 1983.
Riley, M.W., Riley, J.W. & Johnson, M.F. Aging and Society: An Inventory of Research Findings. New York: Russell Sage, 1968.
Robertson, J.F. Grandparcnhood: A Case Study of Role Conceptions. J. of Marriage & Family, 1977, 34, 165-174.
Rockstein, M. & Sussman, M. Biology of Aging. Belmont. Wadsworth, 1979.
Rogers, J. Adult Learning. Penguin Books, 1971 "3rd ed.", 1989.
Russell, C.S. Transitions to Parenthood: Problems and Gratifications. J. of Marriage & Family, 1974,32,294-301.
Salkind, N.J. & Ambron, S.R. Child Development, New York: Holt, Rinehart & Winston, 1987.
Santrock, J. W. Adolescence. In: R. J. Corsini "Ed." Encyclopedia of Psychology. New York: John Wiley, 1994.
Santrock, J. W. & Yussen, S.R. Child Development. Dubuque: W. M. C. Brow, "3rd Ed.", 1987.
(1/705)

Scarr, S. Weinberg, R.A. & Levinc, A. Understanding Development. San Diego: Harcourt Brace Javanovich, 1986.
Schiamberg, L.B. & Smith, K.U. Human Development. London: Collier MacMillan, 1982.
Schaie, K.W. "Ed." Theory and Methods of Research in Aging. Margontown: Wast Virginia Univ. Press, 1968.
Schaie, K.W. Transitions in Gerontology from Lab to Life: Intellectual Functioning. Amer. Psychologist, 1974, 29, 802-807.
Schaie, K.W. Age Changes in Intelligence. In: Woodruff, D. S. and Birren, J.E. "Eds.", 1975.
Schaie, K.W. Adult Intellectual Development. In: R. J. Corsini "Ed.": Encyclopedia of Psychology. New York: John Wiley, 1994.
Schaie, K.W. & Hcit/.og, C. Fourteen-year Cohort Sequential Analysis of Adult Intellectual Development. Develop. Psychol., 1983,19, 513-543.
Schaie, K.W. & Willis, S.L. Adult Development and Aging. Boston: Little & Brown, 1986.'
Schulz, D.A. The Clinging Family: Its Function and Future. Englewood Cliffs, N J.: Prentice-Hall, 1972.
Schultz, N.R., Kaye, D.B. & Hoyer, W.J. Intelligence and Spon. tancous Flexibility in Adulthood and Old Age. Intelligence, 1980,4,219-231.
Shaffer, D.R. Developmental Psychology. Monterey: Brooks and Cole, 1985.
Shanas, E. & Streib, G. "Eds." Social Structure and the Family: Generational Relations. Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1965.
Shanas, E. .Townsend, P., Weddenburn, D., Fris, H., Hilhoj, P. & Stehouwer, I. Older People in Three Industrial Societies. New York: Atherton, 1968.
(1/706)

Simpson, J.L. & Zindani, A. M. The First Forty Days of Em-brygenesis. Cairo: 1st Conference on Islamic Medicine, J985.
Smith, A.C. Child Development. St. Paul: West Publishing, 1986.
Sontag, L. W. Differences in Modifiability of Fetal Behavior and Psychology. Psychsomatic Medicine, 1944, 6.1-154.
Sorensen, A. B. Weinert, F. E. & Sherrod, L. R. "Eds." Human Development and the Life Course. Hilsdale Lawrence Erlbaum, Assoc, 1986.
Spacapan, S. "Ed." The Social Psychology of aging. New York: Sage, 1988.
Sternberg, R. J. "Ed." Wisdom: Its Nature and Development. Cambridge: The University Press, 1990.
Stevenson, H. W. "Ed." Child Psychology, 62th Yearbook, NSSE, Part I. Chicago: Univ. of Chicago Press, 1963.
Stinnett, N., Carter, L.M. & Montgomery, J.E. Older Persons' Perceptions of their Marriage. J. of Marriage & Family, 1972,34,665-670.
Stroebe, M.S. & Stroebe, W. Who Suffers More ? Sex Differences in Health Risks of the Widowed. Psychol. Bull. 1983,93,279-301.
Strong, R. The Adolescent Views Himself. New York: McGraw-Hill, 1957.
Sugarman, L. Life-Span Development. London: Methucn, 1986.
Sussman, M. B. Intergenerational Family Relationships and Social Role Changes in Mddle Age. J. Gerontology, 1960,15,71-75.
Sussman, M. Relationships of Adult Children with their Parents in the United States. In Shanas, E. & Streib, G. "Eds.", 1965.
(1/707)

Swenson, W. M., Pearson, J. S. & Osborn, D. An MMPI Source Books. Minneapolis: Univ. of Minnesota Press, 1973.
Tahir, M. & Zindani, A.M. Modern Cocepts of Early Em-broy.genesis in the Light of Quran and Hadith. Cairo: 1st Conference on Islamic Medicine, 1985.
Thomas, A. M. New Reflections on a Learning Society Ontario: Tronto, Institute for Studies in Education, 1981.
Thomas, R. M. Comparing Theories of Child Development. Belmont: Wadsworth, 1979.
Thorndikc, E. L. Adult Learning. New York: Macmillan, 1928.
Timiras, P.S. Developmental Physiology and Aging. New York: MacMillan, 1972.
Tomlinson-Kcasey, C. Formal Operations in Females from Eleven to Fifty-four Years of Age. Develop. Psychol., 1972,6,304.
Toner, J. M. & Inhelder, B. "Ed." Discussions on Child Development. London: Tavistock Publications, 1969.
Troll, L. E. The Family of Later Life: A Decade Reviewed. J. of Marriage & Family, 1971,33,263-290.
Troll, L. E. Grandparenting. In: Poom, L. "Ed.", 1980.
Troll, L. E. Continnous: Adult Development and Aging. Mon-terty: Brooks & Cole, 1982.
Troll, L. E. Grandparents: The Family Watchdog: In: Brubak-er,T."Ed.", 1983.
Troll, L. E. & Turner, B. Sex Differences in Problems of Aging. In: Gomberg, E. & Franks, V. "Ed.", 1980.
Tryon, C. & Lilienthal, Jr. "Eds." Fostering Mental Health in our Schools. Washington, D.C.: National Educational Assoc., 1950.
Tuckman, J. & Lorge, I. Attitudes toward old People. J. Soc. Psychol., 1953, 37,249-260.
(1/708)

Turner, J. S. "&. Helms, D.B. Life-Span Dcveloment. New York: Holl, Rinehart & Winston, 1983.
United Nations "UN": Vienna International Plan of Action on Aging. World Assembly on Aging, Vienna, Austria, 26 July - 6 August, 1982.
Vaughan, V.C. Child and Adolescent Development: Clinical Implication. New York: Saunders, 1990.
Vincent, C.E. Socialization Data in Research on Young Marriages Acta Sociologica, August, 8, 1964
Walford, R.L. Maximum Life-Span. New York: Norton, 1983.
Walker, C.E. & Roberts, M.C. "Eds." Handbook of Clinical Child Psychology. New York: Wiley, 1983.
Wallenrstein, J. S. & Kelly, J. B. Surviving the Breakup: How Children and Parents Cope with Divorce. New York: Basic Books, 1980.
Welford, A.T. Aging and Human Skills. London: Oxford Univ. Press, 1958.
Werner, H. Comparative Psychology of Mental Devvlopment. New York: International Universities Press, "3rd Ed.", 1957.
Whitbourne, S.K.. Adult Devclpoment. New York: Pracgcr, "2nd Ed.", 1986.
White, R. Lives in Progrss. New York: Holt, Rinehart & Winston, "3rd Ed.", 1975.
Wholey, L. F. & Wong, D. L. Essentials of Pediatric Nursing. St. Louis: Mosby, 1982.
Willerman. The Psychology of Individual and Group Differences. San Francisco: Freeman, 1979.
Wolman, B. "Ed." Handbook of Developmental Psychology.
Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1982.
Woodruff, D. S. & Birrcn, J.E. "Eds." Aging: Scientific Perspectives and Social Issues. New York: Van Nostrand, 1975.
(1/709)

Wright, H. F. Observational Methods in Child Study. In: Mus-sen, P. H. "Ed.", I960.
Wurtman, R.J. Alzheimer.htm's Disease. Scientific American, January 1985.
Yankclovich, D. New Roles: Searching for Self-fulfillment in a World Turned Upside Down. New York: Random House. 1981.
Zung, W. W. K. Affective Disorders. In: Busse, E.W. & Blas-er, D. "Eds." Handbook of Geraiatric Psychiatry. New York: Van Nostrand Rinehold, 1980.
(1/710)

محتويات الكتاب:
تقديم الطبعة الرابعة "هـ-ح".
الباب الأول: الأسس العامة "1-136".
الفصل الأول: "3-18".
طبيعة النمو الإنساني:
موضوع علم نفس النمو "4" - أهداف البحث في علم نفس النمو "7" - وصف التغيرات السلوكية "7" - تفسير التغيرات السلوكية "8" - التدخل في التغيرات السلوكية "10" - خصائص النمو الإنساني "11" - النمو عملية تغير "11" - النمو عملية منظمة "12" - النمو عملية كلية "13" - النمو عملية فردية "14" - النمو عملية فارقة"15" - النمو عملية مستمرة "16".
الفصل الثاني: "19-34".
أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب.
المنظور اليوناني للنمو الإنساني "19" - مثالية أفلاطون "20" - واقعية أرسطو "21" - طفل إسبرطة "22" - النمو الإنساني في العصور الوسطى في أوربا "23"- إحياء النزعة الإنسانية "24" - النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا "25" - المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني "29" - ظهور علم نفس النمو الحديث "32".
(1/711)

الفصل الثالث:................"35-67".
نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو.
النمو الإنساني في القرآن الكريم "36" - آيات الله في نمو الإنسان قبل الولادة "40" - آيات الله في نمو الإنسان بعد الولادة "44" - النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة "50" - النمو الإنساني عند الصحابة "55" - النمو الإنساني في الفقه الإسلامي "56" - النمو في تراث علماء المسمين وفلاسفتهم "62" - مراحل النمو من منظور إسلامي "64".
الفصل الرابع:..................."69-102".
مناهج البحث في النمو الإنساني:
مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث "69" - المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة "70" - الملاحظة الطبيعية "73" - المنهج التجريبي "81" - المنهج شبه التجريبي "84" - المنهج الارتباطي "86" - المنهج المقارن "88" - الطريقة المستعرضة "89" - الطريقة الطولية "92" - طريقة التحليل التتابعي "95" - اختيار منهج البحث الملائم "101".
الفصل الخامس:......................."103-136".
النماذج النظرية للنمو الإنساني:
المنظور اليوناني للنمو الإنساني "19" - مثالية أفلاطون "20" - معايير النمو "103" - مهام النمو "110" - الاتجاه نحو النماذج النظرية "113" - نموذج بياجيه في النمو المعرفي "115" - نموذج إريكسون في النمو الوجداني "121" - نموذج كولبرج في
(1/712)

النمو الخلقي الاجتماعي "127" - تعليق عام على النماذج النظرية "134".
الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان "1".
أطوار الجنين..........."137-186".
أهمية طور الجنين "تمهيد للباب الثاني" ... "139-140".
الفصل السادس:.............."141-156".
تكوين النطفة:
التكوين الأساسي للخلية "141" - النطفة "144" - النطفة الأمشاج "146" - ميكانيزمات الوراثة "147" - كيف تنتقل الخصائص الوراثية "149" - صبغيات "كروموزومات" الجنس "152" - وراثة الخصائص المرتبطة الجنس "153" - الخلل العام في الصبغيات "155".
الفصل السابع..... "157-172".
أطوار نمو الجنين:
طور النطفة الأمشاج "157" - طور العلقة "159" - طور المضغة "161" - طور تكوين العظام والعضلات "اللحم" "165" - طور التسوية "166" - تعلم الأجنة "169" - خلاصة المرحلة المعجزة "171".
الفصل الثامن........................."173-186".
رعاية الجنين والأم الحامل:
العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ما قبل الولادة "173" - خصائص الأم "173" - التغذية "175" - الأمراض "176" -
(1/713)

العقاقير والمخدرات "178" - التدخين "179" - مخاطر البيئة "181" - آثار الوراثة "181" - الإرشاد الوراثي "182" - رعاية الأم الحامل "183".
الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان "2" "187-279".
أطوارالطفولة "189-190".
تمهيد للباب الثالث: أهمية طور الطفولة
الفصل التاسع: "191-204"
طور الوليد:
ولادة الطفل "191" - خبرة الوليد لدى الوليد "193" - الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة "194" - اتجاهات الإخوة إزاء الوليد "195" - الاتجاهات نحو جنس الطفل "196" - الاتجاهات نحو التوائم "196" - خصائص نمو الوليد "198" - أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد "204".
الفصل العاشر:........................"205-225".
طور الرضيع:
النمو الحسي والحركي "206" - النمو الحسي والإدراكي "207" - نمو الكلام "208" - النمو العقلي المعرفي "210" - النمور الانفعالي "212" - النمو الاجتماعي "213" - بداية الاهتمام باللعب "214" - نمو الشخصية "215" - أزمة الثقة في مقابل عدم الثقة "216" - دور العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة في مرحلة الرضاعة "217" - بعض مشكلات طور الرضاعة "221".
(1/714)

الفصل الحادي عشر: "227-248".
طور الحضانة:
النمو الجسمي والفسيولوجي "227" - النمو الحسي والإدراكي "229" - النمو الحركي "229" - صحة طفل ما قبل المدرسة "231" - النمو اللغوي "233" - النمو العقلي المعرفي "236" - النمو الانفعالي والوجداني "240" - النمو الاجتماعي "241" - اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة "242" - النمو الخلقي "243" - نمو الشخصية "244" - الخبرات التعلمية في طور الحضانة "246".
الفصل الثاني عشر............."249-279".
طور التمييز:
النمو الجسمي والفسيولوجي "249" - النمو الحركي "251" - أمراض طفل المدرسة "253" - النمو اللغوي "255" - النمو العقلي والمعرفي "258" - النمو الاجتماعي "264" - اللعب "274" - نمو الشخصية "275" - دور المدرسة في طور التمييز "278".
(1/715)

الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان "271-347".
أطور المراهقة والشباب "283-286".
تمهيد للباب الرابع: أهمية أطور المراهقة والشباب.
الفصل الثالث عشر:.................."287-323":
طور بلوغ الحلم "المراهقة":
البلوغ الجنسي "287" - النمو الجسمي "290" - النمو العقلي والمعرفي "297" - النمو الانفعالي "207" - النمو الاجتماعي "309" - ميول المراهقين "313" - النمو الخلقي والاهتمامات الدينية "316" - أزمة الهوية "321" - مدرسة المراهقين "323".
الفصل الرابع عشر:.................."325-347".
طور بلوغ السعي "الشباب":
طبيعة طور بلوغ السعي "الشباب" "325" - حدود طور بلوغ السعي "327" - التغيرات الجسمية في طور السعي "331" - النمو العقلي المعرفي "334" - السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب "337" - السلوك الاجتماعي في طور السعي "340" - النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي "343" - نموّ الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية "344".
خاتمة المرحلة الأولى من حياة الإنسان "347".
(1/716)

الباب الخامس: المرحلة الثانية من حياة الإنسان "قوة الرشد" "349-499".
الفصل الخامس عشر:.................."351-360".
حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الإنسان:
محكات الرشد "352" - المحك الجنسي "352" - محك العمر "353" - المحك الاجتماعي "355" - المحك السيكولوجي "356" - الحدود العملية للرشد "357" - نشأة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين "358".
الفصل السادس عشر: "361-418".
أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر":
الخصائص العامة "361" - النمو الجسمي "363" - النمو العقلي المعرفي "365" - النمو الخلقي "374" - نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية "377" - الزواج والحياة الأسرية "382" - مفهوم الأسرة "384" - الزواج "390" - التوافق الزواجي "393" - الوالدية "398" - الطلاق "402" - النمو المهني "406" - عمالة الصغار وبطالة الكبار "413".
الفصل السابع عشر:..................."419-468".
طور بلوغ الأشد:
الخصائص العامة "420" - النمو الجسمي "422" - الصحة والمرض "425" - النمو الجسمي "430" - النمو العقلي المعرفي "432" - إبداع الراشدين "442" - نمو الشخصية
(1/717)

"445" - الميول المهنية واللامهنية "448" - التوافق "449" - نمو الحياة الأسرية "452" - التوافق الزواجي "463" - النمو المهني "466".
الفصل الثامن عشر:..................."469-499"
التعلم مدى الحياة - تعلم الراشدين.
تعلم الراشدين والمفاهيم المرتبطة "469" - دوافع التعلم عند الراشدين "474" - تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين "477" - مثبطات التعلُّم عند الراشدين "480" - مشكلات المتعلمين الراشدين "483" - شروط التعلم عند الراشدين "489".
الباب السادس:.............."501-678"
المرحلة الثالثة من حياة الإنسان: ضعف المسنين:
الفصل التاسع عشر:......................"503-527".
حدود المرحلة الثالثة من حياة الإنسان:
الشيخوخة في اللغة الثقافة "503" - حدود الشيخوخة "506" - المحك العمري "506" - المدى الأقصى للحياة "507" - متوسط مدى الحياة "508" - نحو محكات أخرى للشيخوخة "510" - تاريخ البحث في ميدان المسنين "516" - نظريات الشيخوخة والتقدم في السن "518" - النظريات البيولوجية "519" - النظريات النفسية والاجتماعية "525".
(1/718)

الفصل العشرون:....................."529-618"
طور الشيخوخة:
التغيرات الجسمية "529" - التغيرات الفسيولوجية "534" - الصحة والمرض "539" - التغير في الوظائف الحسية "544" - التغير في النشاط الحركي "546" - التغير العقلي المعرفي "558" - حكمة الشيوخ "574" - التقاعد "581" - الحياة الأسرية "594" - التوافق والشخصية "599" - عوامل التوافق في الشخصية وأنماطه "603" - ميول المسنين "610" - التغيرات في السلوك الاجتماعي "612".
الفصل الحادي والعشرون "619-655".
طور أرذل العمر:
محكات بلوغ أرذل العمر "620" - المحك الإسلامي "620" - المحك المرضي "622" - محك سوء التوافق "625" - التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر "626" - تصنيف الاضطرابات العضوية "641" - خبل الشيخوخة "643" - خرف الشيخوخة "645" - مرض الزهيمر "647" - خرف الاحتشاء المتعدد "650" - مرض باركنسون "651" - مرض بك "652" - مرض جاكوب- كرتزفلت "652" - مرض كوريا "653" - كيف يتحول المسنون إلى طور أرذل العمر "653".
(1/719)

الفصل الثاني والعشرون: "657-676".
رعاية المسنين:
تعليم المسنين "658" - التدخل العلاجي "663" - أساليب التدخل العلاجي "668" - بيوت المسنين "671" - الرعاية الشاملة للمسنين "675".
خاتمة الكتاب........................"677-678".
مراجع الكتاب......................."680-710".
(1/720)